اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58773
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180867
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260004
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8465
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53231
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29728
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32395
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38749 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 77 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • رأيت الخلق كلهم في صف محاربة، والشياطين يرمونهم بنبل الهوى، ويضربونهم بأسياف اللذة. فأما المخلطون فصرعى من أول وقت اللقاء. وأما المتقون ففي جهد جهيد من المجاهدة، فلا بد مع طول الوقوف في المحاربة من جراح، فهم يجرحون ويداوون إلا أنهم من القتل محفوظون، بلى ! إن الجراحة في الوجه شين باق، فليحذر ذلك المجاهدون.


      الدنيا فخ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقي فهو يصابر المجاعة، ويدور حول الحب، والسلامة بعيدة. فكم من صابر اجتهد سنين ثم في آخر الأمر وقع. فالحذر الحذر. فقد رأينا من كان على سنن الصواب، ثم زل على شفير القبر.


      اعلموا إخواني ومن يقبل نصيحتي. أن للذنوب تأثيرات قبيحة، مرارتها تزيد. على حلاوتها أضعافاً مضاعفة. والمجازي بالمرصاد لا يسبقه شيء ولا يفوته.


      من العجب إلحاحك في طلب أغراضك وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك. وتنسى أنها قد تمتنع لأحد أمرين، إما لمصلحتك فربما معجل أذى، وإما لذنوبك فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة. فنظف طرق الإجابة من أوساخ المعاصي. وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟.


      وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقاً به. وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه. وفي الجملة تدبير الحق عز وجل لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلو صبرك. فأره الصبر الجميل تر عن قرب ما يسر.


      يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون مستعداً. ولا يغترر بالشباب والصحة، فإن أقل من يموت الأشياخ، وأكثر من يموت الشبان. ولهذا يندر من يكبر، وقد أنشدوا: يعمّر واحدٌ فيغرّ قوماً... وينسى من يموت من الشباب


      ومن الاغترار طول الأمل، وما من آفة أعظم منه. فإنه لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلاً. وإنما يقدم المعاصي ويؤخر التوبة لطول الأمل وتبادر الشهوات، وتنسى الإنابة لطول الأمل. وإن لم تستطع قصر الأمل فاعمل عمل قصير الأمل. ولا تمس حتى تنظر فيما مضى من يومك، فإن رأيت زلة فامحها بتوبة، أو خرقاً فارقعه باستغفار.


      فإن النفس كالفرس المتشيطن إن أهملت لجامه لم تأمن أن يرمي بك. وقد والله دنستك أهواؤك، وضيعت عمرك. فالبدار البدار في الصيانة، قبل تلف الباقي بالصبابة. فكم تعرقل في فخ الهوى جناح حازم، وكم وقع في بئر بوار مخمور. ولا حول ولا قوة إلا بالله.


      إخواني: اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر. إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم. ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه، ثم تعدى الحدود فهان عند الخلق. وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته. ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته - مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم - فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير


      أيها المذنب: إذا أحسست نفحات الجزاء فلا تكثرن الضجيج، ولا تقولن قد تبت وندمت، فهلا زال عني من الجزاء ما أكره ! فلعل توبتك ما تحققت. وإن للمجازاة زماناً يمتد امتداد المرض الطويل. فلا تنجع فيه الحيل حتى ينقضي أوانه. وإن بين زمان: وعصى إلى إبان: فتلقى مدة مديدة. فاصبر أيها الخاطيء حتى يتخلل ماء عينيك خلال ثوب القلب المتنجس. فإذا عصرته كف الأسى، ثم تكررت دفع الغسلات حكم بالطهارة.


      الواجب على العاقل أن يحذر مغبة المعاصي، فإن نارها تحت الرماد. وربما تأخرت العقوبة ثم فجأت، وربما جاءت مستعجلة، فليبادر بإطفاء ما أوقد من نيران الذنوب، ولا ماء يطفىء تلك النار إلا ما كان من عين العين. لعل خصم الجزاء يرضى قبل أن يبت الحاكم في حكمه.


      واعجبا من عارف بالله عز وجل يخالفه ولو في تلف نفسه. هل العيش إلا معه؟ هل الدنيا والآخرة إلا له؟. أف لمترخص في فعل ما يكره لنيل ما يحب. تالله لقد فاته أضعاف ما حصل.

       
    • ثانيًا: الإخلاصُ في الإنفاقِ. يَجِبُ الإخلاصُ عِندَ الإنفاقِ.

      الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ

      1- قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: 5] .

      2- قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 2 - 3] .

      3- قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: 11 - 14] .

      4- قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2] .
      قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ في قَولِه تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: (أخلَصُه وأصوَبُه؛ فإنَّ العَمَلَ إذا كان خالصًا ولَم يَكُنْ صَوابًا لَم يُقبَلْ، وإذا كان صَوابًا ولَم يَكُنْ خالصًا لَم يُقبَلْ، حَتَّى يَكونَ خالصًا صَوابًا، والخالِصُ إذا كان للهِ، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّةِ) .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ
      1- عن عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الأعمالُ بالنِّيَّةِ، ولكُلِّ امرِئٍ ما نَوى، فمَن كانت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانت هِجرتُه لدُنيا يُصيبُها، أوِ امرَأةٍ يَتَزَوَّجُها، فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه )) .

      2- عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أرأيتَ رَجُلًا غزا يلتَمِسُ الأجرَ والذِّكرَ، ما لَه؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شيءَ له، فأعادها ثلاثَ مرَّاتٍ، يقولُ له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا شَيءَ له، ثم قال: إنَّ اللهَ لا يَقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان له خالِصًا، وابتُغِيَ به وَجهُه )) .

      3- عن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تبارك وتعالى: أنا أغنى الشُّرَكاءِ عنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَكَ فيه مَعيَ غَيري تَرَكتُه وشِركَه )) .

      4- عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، قال: تَفَرَّق النَّاسُ عن أبي هُرَيرةَ، فقال له ناتِلُ أهلِ الشَّامِ: أيُّها الشَّيخُ، حَدِّثْنا حَديثًا سَمِعتَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: نَعَم، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ: ((إنَّ أوَّلَ النَّاسِ يُقضى يَومَ القيامةِ عليه: رَجُلٌ استُشهِدَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيك حَتَّى استُشهِدْتُ، فقال: كذَبْتَ، ولَكِنَّك قاتَلتَ لأن يُقالَ: جَريءٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمَه، وقَرَأ القُرآنَ، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمتُ العِلمَ وعَلَّمْتُه، وقَرَأتُ فيك القُرآنَ، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك تَعَلَّمتَ العِلمَ ليُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأتَ القُرآنَ ليُقالَ: هو قارِئٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وَجهِه، حَتَّى ألقِيَ في النَّارِ. ورَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصنافِ المالِ كُلِّه، فأُتيَ به، فعَرَّفَه نِعَمَه، فعَرَفَها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: ما تَرَكتُ من سَبيلٍ تُحِبُّ أن يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقْتُ فيها لَك، قال: كذَبتَ، ولَكِنَّك فعَلْتَ ليُقالَ: هو جَوادٌ، فقد قيلَ، ثُمَّ أمِرَ به فسُحِبَ على وَجهِه، ثُمَّ ألقِيَ في النَّارِ )) .

      5- عن محمودِ بنِ لَبيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصغَرُ. قالوا: وما الشِّركُ الأصغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ، يقولُ اللهُ عزَّ وجَلَّ لهم يومَ القيامةِ إذا جُزِيَ النَّاسُ بأعمالِهم: اذهَبوا إلى الذين كنتُم تراؤون في الدُّنيا، فانظروا هل تجِدون عندَهم جزاءً )).

      6- عن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بالسَّناءِ ، والنَّصرِ، والتَّمكينِ، فمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرةِ للدُّنيا لم يَكُنْ له في الآخِرةِ نَصيبٌ )).

      وفي لَفظٍ: ((بَشِّرْ أُمَّتي بالسَّناءِ والرِّفعةِ والتَّمكينِ في البلادِ ما لم يَطلُبوا الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ، فمَن طَلبَ الدُّنيا بعَمَلِ الآخِرةِ لم يَكُنْ له في الآخِرةِ مِن نَصيبٍ)).
        ثالثًا: الاحتِسابُ. مِن أدَبِ الإنفاقِ: أن يَحتَسِبَ المُسلمُ نَفقَتَه ؛ ليَنالَ أجرَها.

      الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:

      1- عن عَمرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: مَرَّ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ- بمِرطٍ فاستَغلاه، فمُرَّ به على عَمرِو بنِ أُميَّةَ فاشتَراه، فكَساه امرَأتَه سُخَيلةَ بنتَ عُبَيدةَ بنِ الحارِثِ بنِ المُطَّلِبِ، فمَرَّ به عُثمانُ -أو عَبدُ الرَّحمَنِ- فقال: ما فَعَل المِرطُ الذي ابتَعتَ؟ قال عَمرٌو: تَصَدَّقَتُ به على سُخَيلةَ بنتِ عُبَيدةَ. فقال: إنَّ كُلَّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك صَدَقةٌ؟ قال عَمرٌو: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُ ذاكَ، فذُكِر ما قال عَمرٌو لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ((صَدَق عَمرٌو، كُلُّ ما صَنَعتَ إلى أهلِك فهو صَدَقةٌ عليهم)) .

      2- عن أبي مَسعودٍ البَدريِّ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((إنَّ المُسلمَ إذا أنفقَ على أهلِه نَفقةً وهو يَحتَسِبُها، كانت له صَدَقةً )) .
      قال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ المُسلمَ إذا أنفَقَ على أهلِه نَفَقةً يَحتَسِبُها كانت له صَدَقةً» فيه بَيانُ أنَّ المُرادَ بالصَّدَقةِ والنَّفقةِ المُطلَقةِ في باقي الأحاديثِ إذا احتَسَبَها، ومَعناه أرادَ بها وجهَ اللهِ تعالى، فلا يَدخُلُ فيه مَن أنفقَها ذاهلًا، ولكِن يَدخُلُ المُحتَسِبُ، وطَريقُه في الاحتِسابِ: أن يَتَذَكَّرَ أنَّه يَجِبُ عليه الإنفاقُ على الزَّوجةِ وأطفالِ أولادِه والمَملوكِ وغَيرِهم مِمَّن تَجِبُ نَفقَتُه، على حَسَبِ أحوالِهم واختِلافِ العُلَماءِ فيهم، وأنَّ غَيرَهم مِمَّن يُنفِقُ عليه مَندوبٌ إلى الإنفاقِ عليهم، فيُنفِقُ بنيَّةِ أداءِ ما أُمِر به، وقد أُمِرَ بالإحسانِ إليهم، واللهُ أعلَمُ) .

      وقال ابنُ تَيميَّةَ: (نَفَقةُ المَرءِ على نَفسِه وعيالِه أفضَلُ مِن نَفقَتِه على مَن لا تَلزَمُه نَفقَتُه؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ، وما تَقرَّب العِبادُ إلى اللهِ بمِثلِ أداءِ ما افتَرَضَ عليهم ...
      ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ يَفعَلونَ ذلك طَبعًا وعادةً لا يَبتَغونَ به وَجهَ اللهِ تعالى، كما يَفعَلونَ في قَضاءِ الدُّيونِ مِن أثمانِ المَبيعاتِ والقُروضِ وغَيرِ ذلك مِنَ المُعاوَضاتِ والحُقوقِ، وهذه كُلُّها واجِباتٌ، فمَن فعَلها ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ كان له عليها مِنَ الأجرِ أعظَمُ مِن أجرِ المُتَصَدِّقِ نافِلةً. لكِن يَتَصَدَّقُ أحَدُهم بالشَّيءِ اليَسيرِ على المِسكينِ وابنِ السَّبيلِ ونَحوِ ذلك لوَجهِ اللهِ تعالى، فيَجِدُ طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ للَّهِ، ويُعطي في هذه أُلوفًا فلا يَجِدُ في ذلك طَعمَ الإيمانِ والعِبادةِ؛ لأنَّه لم يُنفِقْه ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ.
      فمِن هذا الوَجهِ صارَ في عُرفِهم أنَّ هذه النَّفقاتِ التي لا بُدَّ مِنها ليسَت عِبادةً، وقد لا يَستَشعِرونَ إيجابَ الشَّارِعِ لها، وإنَّما يَستَشعِرُ أحَدُهم ما في تَركِه مِنَ المَضرَّةِ العاجِلةِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا مِن جِهةِ الخَلقِ؛ فإنَّهم لا يَترُكونَ حُقوقَهم، فهو يَفعَلُها لرَغبَتِهم ورَهبَتِهم، وللعادةِ التي هو عليها، وقد يَفعَلُها مَحَبَّةً للحَقِّ ورَغبةً فيه مِن غَيرِ أن يَرجوَ أحَدًا ولا يَخافَه، ومِن غَيرِ أن يَفعَلَها تَعبُّدًا. وهذا حَسَنٌ لا بَأسَ به؛ فإنَّ مَن فَعَل الحَسَناتِ لأنَّها حَسَناتٌ نَفَعه ذلك، كَما يَنفعُ الحَيَوانَ أكلُه وشُربُه، لكِن لا يَكونُ عِبادةً للهِ. بخِلافِ مَن لا يَفعَلُه إلَّا خَوفًا مِنَ الخَلقِ؛ فإنَّ هذا مَذمومٌ.
      ولهذا لمَّا قيل للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الرَّجُلُ يُقاتِلُ شُجاعةً ويُقاتِلُ حَميَّةً ويُقاتِلُ ليُريَ مَكانَه، فأيُّ ذلك في سَبيلِ اللهِ؟ فقال: «مَن قاتَل لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هيَ العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ» . وهذا يَكونُ في القِتالِ باليَدِ واللِّسانِ وإنفاقِ المالِ، وذلك كُلُّه يَكونُ جِهادًا، لكِن ما ليسَ في سَبيلِ اللهِ مِنه ما لا يُعاقَبُ عليه المَرءُ، ومِنه ما يُعاقَبُ عليه.
      والمَقصودُ هنا: أنَّ هذه الأُمورَ العاديَّةَ المُباحةَ تُفعَلُ لمَحَبَّةٍ وهَوًى وإرادةٍ، فإن كان ذلك يُستَعانُ بها على عِبادةِ اللهِ كانت طاعةً وعِبادةً، وإن كان ذلك لمُجَرَّدِ العادةِ والطَّبعِ على الوَجهِ الحَقِّ لم يَكُنْ ذلك مَعصيةً ولا إثمًا، وإن لم يَقصِدْ بها صاحِبُها العِبادةَ للَّهِ) رابعًا: أن يَكونَ ما يُنفَقُ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ مِن أدبِ الإنفاقِ: أن يكونَ ما يُنفَقُ حلالًا مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، غيرِ حرامٍ .
      الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ

      قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267] .
      قولُه: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يُستفادُ منه أنَّ المالَ الحرامَ لا يُؤمَرُ بالإنفاقِ منه؛ لأنَّه خبيثٌ. واللهُ تعالى طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ

      1- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنين بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [المؤمنون: 51] ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: 172] ، ثمَّ ذَكَر الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السَّماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومَطعَمُه حرامٌ، ومَشرَبُه حرامٌ، ومَلبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ؛ فأنَّى يُستجابُ لذلك؟! )) .

      2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن تصَدَّق بعَدلِ تَمرةٍ مِن كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ، وإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بيَمينِه، ثُمَّ يُرَبِّيها لصاحِبِه كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه ، حتَّى تَكونَ مِثلَ الجَبَلِ )) .
      وفي رِوايةٍ: ((ما تَصدَّقَ أحَدٌ بصَدَقةٍ مِن طَيِّبٍ -ولا يَقبَلُ اللهُ إلَّا الطَّيِّبَ- إلَّا أخذَها الرَّحمنُ بيَمينِه، وإن كانت تَمرةً، فتَربو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تَكونَ أعظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَما يُرَبِّي أحَدُكُم فَلُوَّه أو فصيلَه ) .
      قال ابنُ هُبَيرةَ: (في هذا الحَديثِ أنَّ اللَّهَ سُبحانَه أخبَرَنا أنَّه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ، وهو سُبحانَه يَجزي المُتَصَدِّقينَ بالتَّمرةِ، حتَّى إنَّا لو قدَّرنا غَرسَ النَّواةِ -الَّتي هيَ أدنى ما فيها- في أزكى مَغرَسٍ فصارَت نَخلةً، ثُمَّ أثمَرَت، فغُرِسَ النَّوى الخارِجُ مِنها، فصارَ مِن كُلِّ نَواةٍ نَخلةٌ، ثُمَّ اتَّصَل للَّهِ إلى يَومِ القيامةِ، ثُمَّ حُسِبَ ذلك التَّمرُ في وقتِ التَّصَدُّقِ به بأوفرِ الأثمانِ في مَكانٍ لا يوجَدُ فيه غَيرُه، ثُمَّ يُشتَرى بالثَّمَنِ أرخَصَ ما يوجَدُ في مَوضِعِه، ثُمَّ بيعَ أعلى ما يوجَدُ حتَّى يَصيرَ مِثلَ أحُدٍ مِرارًا؛ فهذا مَعنى المُضاعَفةِ .
      وقَولُه: «مِن كَسبٍ طَيِّبٍ»؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما يُثيبُ العَبدَ على ما أنفقَ مِن مالِه، وإذا أنفقَ من مالٍ مَغصوبٍ لم يَكُنْ قد أنفَقَ مالَه، إنَّما أنفَقَ من مالِ غَيرِه؛ فلم يَكُنْ مِنَ المُنفِقينَ أموالَهم، كما قال عَزَّ وجَلَّ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ؛ فإذا أنفَقَ مِن مالِه فهو الذي يَأجُرُه اللهُ عليه، وذلك هو الكَسبُ الطَّيِّبُ، وهو الذي يَكسِبُه بالشَّرعِ، فقد طابَت طُرُقُ حُصولِه، ويَنبَغي له ألَّا يَزْدَريَ النَّذْرَ مِنَ الإنفاقِ؛ فإنَّه سَيَربو في التَّضعيفِ أضعافَ ما يَأمُلُ المُتَصَدِّقُ به) .
        خامِسًا: الإنفاقُ مِنَ الجَيِّدِ ومِمَّا يُحِبُّ يُستحَبُّ أن يُنفِقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ .

      الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:

      أ- مِنَ الكِتابِ
      1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267] .
      (يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمِنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ.
      وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا.
      وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها.

      واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه.
      كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) .

      2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: 92] .
      (أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم.
      وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ .
      عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] ، قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ ! ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) .

      3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177].
       (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) .

      4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8 - 9] .
      وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ .

      ب- مِنَ السُّنَّةِ

      1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: ((إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) .

      2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) .
      قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) .

      3- عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ
       
    • يوم التغابن من أسماء يوم القيامة، وسمي بذلك حيث يظهر فيه غبن الكافر – فإن الكافر قد غبن نفسه أي ظلمها- أي تقصيره بتركه الايمان، وغبن المؤمن أي تقصيره في الاحسان ويوم يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، ويغبن أهل الطاعة أهل المعصية، وأعظم الغبن من أهل الجنة الى أهل النار لأنهم عصوا الله -عزوجل- وكفروا فوجبت لهم النار فوقع الغبن وحصلت المبادلة فورث أهل الجنة مقاعد أهل النار في الجنة لو آمنوا. وورث أهل النار مقاعد أهل الجنة في النار لأنهم آمنوا وأطاعوا الله -تبارك وتعالى- فالكافرون اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسروا، والمؤمنون باعوا أنفسهم بالجنة فربحوا.   نلاحظ أن سورة التغابن ركَّزتْ في آياتها على جانبينِ:
      الأول: دلالات عظمته سبحانه ومظاهرها، واستخدام الألفاظ التي تدلُّ على هذه العظَمة.
      الثاني: دلالات رحمته سبحانه بالمؤمنين ومظاهرها.    
          وإذا تأمَّلنا آيات سورة التغابن نُلاحظ أنها تحدثتْ عن عظمة الباري سبحانه، وعن مظاهر قدرته في الكون وفي خلق الإنسان، وحكمته في تقدير الأمور، وقدرته على بَعْث الناس وإحيائهم، وتجلى ذلك فيما يلي:
      1- افتتاح السورة بتسبيح وتمجيد كل ما في السماوات والأرض له؛ إذ الكون كله خاضع مُتَّجه إليه سبحانه، فهو مالك الملك ذو الجلال والإكرام، لا ندَّ له في مُلْكه، ولم يكن له كفوًا أحد؛ ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التغابن: 1].


      2- ومن عظيم قدرته خلق السماوات والأرض بالحكمة البالغة والإتقان المشاهَد، وخلْق البشر في أحسن تقويم وأجمل صورة، فهو تعالى لم يخلقْ شيئًا عبثًا، ولم يترك أحدًا سُدًى، الكون كله بسماواته وأرضه وخلقه خُلقوا بحكمة بالغة؛ ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [التغابن: 3].


      3- وبيَّن سبحانه بأنه لا يُعجزه شيء، وكل شيء عنده يسير، ومِن ذلك إحياء الموتى، وبعثهم يوم القيامة، فلاحظنا في الآيات أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لمنكري البعث: ﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [التغابن: 7].


      4- استغناؤه سبحانه عن الجميع، فلا تنفعه طاعةُ الطائعين، ولا تضرُّه معصية العاصين، ولن يؤثِّر في مُلْكه كفرُ الكافرين؛ ﴿ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [التغابن: 6].


      5- كل ما يجري في هذا الكون هو من تقديره وبعلمه عز وجل، فهو الذي قدَّر الأمور، وعلم هواجس الصدور، ما مِن صغيرة ولا كبيرة ولا خير ولا شرٍّ إلا في كتاب مبين، وبتقدير العزيز العليم؛ ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [التغابن: 11]، ثم يمتحن الإنسان ليرى صبره عند المصائب، وشكره عند النِّعَم، فهو الذي يرزق المال والولد، ثم يُحذِّر أن يكونوا فتنةً بمنع الإنسان عن طاعة الله والإنفاق في سبيله؛ ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: 15].


      6- ثم يختم السورة كما بدأها سبحانه ببيان عظمته وسَعة علمه وعزَّته وحكمته، "ويختم هذه الجولة بعد هذا الإيقاع العجيب بصفة الله التي بها الاطلاع والرقابة على القلوب؛ ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [التغابن: 18]، فكل شيء مَكشوف لعلمه، خاضعٌ لسلطانه، مُدبَّرٌ بحكمته؛ كي يعيش الناس وهم يشعرون أن عين الله ترعاهم، وسلطانه عليهم، وحكمته تُدبِّر الأمر كله، حاضره وغائبه، ويكفي أن يستقرَّ هذا التصوُّر في القلوب؛ لتتقي الله وتُخلِص له وتستجيب"

      ثانيًا: دلالات رحمته سبحانه بالمؤمنين:



      1- أنه لما كان لكل عبد ذنوب وتقصير، فقد وعد سبحانه كل مَن يؤمن به إيمانًا صادقًا، ويقرن هذا الإيمان بالعمل الصالح الخالص لوجه الله - أنه سيغفر له ذنوبه ويتجاوز عن سيئاته، فالحسنات يُذهبن السيئات، كما وعده بالفوز العظيم والسعادة الأبديَّة؛ فقال: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن: 9]، وكل هذا تفضُّلًا وتكرُّمًا منه سبحانه ورحمةً بالمؤمنين من عباده.


      2- وعد مَن آمن به وسلَّم بقضائه أن يهدي قلبَه للحق، وأن يُريح الله باله، ويُنزل الطُّمَأْنينة على نفسه، وهذا غاية المطلوب عند الإنسان في الدنيا؛ قال سبحانه:﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].


      3- أمر سبحانه المؤمنين بتقواه وطاعته، كلٌّ حسب استطاعته وقدْر جهده، فمِن رحمته بعباده أنه لم يكلفْ أحدًا فوق طاقته، ومِن رحمته جعل هذا الدين دين يُسرٍ لا دين عُسرٍ وتنفيرٍ؛ فقال:﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، فما أرحمَه بعباده سبحانه!


      فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((دعُوني ما تركتُكُم، إنما هَلَكَ مَن كان قبلَكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبُوه، وإذا أمرْتُكم بأمرٍ فَأْتوا منه ما استطعْتُم))[3].


      4- ومِن رحمته وكرمه أنه يُضاعف للمُنفقين الأجر والثواب أضعافًا كثيرة، يشكرهم فيُعطي الكثير على القليل، "ومن ذا الذي لا يربح هذه الفرصة التي يقرض فيها مولاه، وهو يأخذ القرض فيُضاعفه ويغفر به ويشكر المقرض، ويحلم عليه حين يُقصِّر في شكره وهو الله؛ ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17]، وتبارك الله ما أكرمَه! وما أعظمَه!


      عبدالرازق السرحان
      شبكة الالوكة





      ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ۗ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٩﴾ ] (يوم التغابن) يعني: يوم القيامة. والتغابن مستعار من تغابن الناس في التجارة؛ وذلك إذا فاز السعداء بالجنة؛ فكأنهم غبنوا الأشقياء في منازلهم التي كانوا ينزلون منها لو كانوا سعداء. ابن جزي: 2/452.  
      ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ۗ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٩﴾ ] والمراد بالمغبون: من غبن في أهله ومنازله في الجنة؛ فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. الألوسي: 14/319.


      ﴿ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٧﴾ ] العسير في متعارف الناس لا يعسر على الله، وقد قال في الآية الأخرى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)[الروم: 27]. ابن عاشور: 28/272.


      ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ فَذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٥﴾ ] شبه ما حلّ بهم من العذاب بشيء ذي طعم كريه يذوقه من حلّ به ويبتلعه؛ لأن الذوق باللسان أشد من اللمس باليد أو بالجلد. ابن عاشور: 28/ 268.



      ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٤﴾ ] فإذا كان عليماً بذات الصدور، تعين على العاقل البصير أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه من الأخلاق الرذيلة، واتصافه بالأخلاق الجميلة. السعدي: 866.



      ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿٣﴾ ] قيل : جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة؛ بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب. القرطبي: 21/9.


      ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١﴾ ] وله حمد كل ما فيها من خلق؛ لأن جميع من في ذلك من الخلق لا يعرفون الخير إلا منه، وليس لهم رازق سواه، فله حمد جميعهم. الطبري: 23/415.



      ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟ وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿١٦﴾ إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِي ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١٦﴾ ] والمقصود: الاعتناء بفضل الإِنفاق المأمور به اهتماماً مكرراً؛ فبعد أن جُعل خيراً، جُعل سببَ الفلاح، وعُرف بأنه قرض من العبد لربّه، وكفى بهذا ترغيباً وتلطفاً في الطلبِ إذ جُعل المنفق كأنه يعطي الله تعالى مالاً وذلك من معنى الإِحسان في معاملة العبد ربّه. ابن عاشور: 28/290.


      ﴿ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١٦﴾ ] يأمر تعالى بتقواه التي هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويقيد ذلك بالاستطاعة والقدرة، فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه. السعدي: 868.



      ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١٥﴾ ] قال ابن مسعود: «لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مُضِلاَّت الفتن». ابن القيم: 3/160.


      ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَٰدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ۚ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١٤﴾ ] قال القاضي أبو بكر ابن العربي: «هذا يبين وجه العداوة؛ فإن العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدواً، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة». القرطبي: 521/17.


      ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١٣﴾ ] فذِكرُ اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليلٌ على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد. ابن القيم: 3/159.


      ﴿ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١١﴾ ] عن ابن عباس قوله: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. الطبري: 23/421.


      ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ ﴾ [ سورة التغابن آية:﴿١١﴾ ] وهذا عام لجميع المصائب ... فجميع ما أصاب العباد فبقضاء الله وقدره ... والشأن كل الشأن هل يقوم العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام أم لا يقوم بها؟! فإن قام بها فله الثواب الجزيل والأجر الجميل في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من عند الله فرضي بذلك وسلم لأمره هدى الله قلبه، فاطمأن ولم ينزعج عند المصائب. السعدي: 867.



      الكلم الطيب


       
    • من حديث ( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله..)

      - وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ  قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ رواه التِّرْمِذيُّ وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ.

      - وَعَنْ ابْن عَبَاسٍ رضي اللَّه عنهما قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَة بْنُ حِصْنٍ فَنَزلَ عَلَى ابْنِ أَخيِهِ الْحُر بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِن النَّفَرِ الَّذِين يُدْنِيهِمْ عُمرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحابَ مَجْلِسِ عُمَرَ  وَمُشاوَرَتِهِ كُهولاً كَانُوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُييْنَةُ لابْنِ أَخيِهِ: يَا ابْنَ أَخِى لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فاستَأذنَ فَأَذِنَ لَهُ عُمرُ. فَلَمَّا دخَلَ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّاب، فَوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلا تَحْكُمُ فِينَا بالْعَدْل، فَغَضِبَ عُمَرُ  حتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّه تعَالى قَال لِنبِيِّهِ ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:198] وإنَّ هَذَا مِنَ الجاهلينَ، وَاللَّه مَا جاوَزَها عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا، وكَانَ وَقَّافاً عِنْد كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رواه البخاري.

      - وعَن ابْنِ مسْعُودٍ  أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَ: إِنَّهَا سَتكُونُ بَعْدِى أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها، قَالُوا: يَا رسُولَ اللَّهِ فَما تَأمرُنا؟ قالَ: تُؤَدُّونَ الْحقَّ الَّذي عَلَيْكُمْ وتَسْألونَ اللَّه الَّذِي لكُمْ متفقٌ عَلَيهِ.

      الشيخ:
      بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
      أما بعد:
      فهذه الأحاديث الثلاثة كالتي قبلها في الحث على الصبر وكظم الغيظ وعدم المسارعة في الانتقام؛ فإن الإنسان قد يغضب وقد يغضبه غيره، فالواجب النظر في العواقب والصبر حتى لا يقع فيما حرم الله عليه، والله يقول: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، ويقول سبحانه: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127]، ويقول جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، فالمؤمن من صفاته الصبر، ويقول ﷺ: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.

      وفي هذا الحديث يقول ﷺ: لا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة فالإنسان يبتلى تارة في نفسه بالمرض ونحوه وتارة بالولد وتارة بالمال فلا بدّ من الصبر.
      والحديث الآخر: ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه فلا بدّ من الصبر في جميع الأمور عندما يحب وعندما يكره، يصبر حتى يؤدي ما أوجب الله ويصبر حتى يبتعد عما حرم الله يرجو ثواب الله ويخشى عقابه .

      الحديث الثاني أن عيينة بن حصن الفزاري رئيس فزارة وهي قبيلة من العرب قدم على عمر في زمن خلافته  وكان ابن أخيه الحر بن قيس من جلساء عمر ومن أهل العلم، فقال للحر: استئذن لي على هذا الأمير، فاستأذن له الحر وأخبره بحاله، فلما دخل على عمر وسلم عليه، قال: هيه يا ابن الخطاب، إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل! وهذه كلمة جافية قد كذب فيها وأخطأ فيها؛ فإن عدل عمر يضرب به المثل وتحريه للحق  وحرصه على نفع الرعية وإلزامهم بالحق ومنعهم من كل ما حرم الله، فغضب عمر عند ذلك وهم به يعني أن يوقع به تأديبًا فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]، فوالله إن هذا من الجاهلين، فما جاوزها عمر، وسمح وعفا وصفح عن كلمته القبيحة.
      ففي هذا منقبة لعمر  وحث على التأسي به عندما يتكلم الجهال بما يغضب المسئول من الأمراء أو القضاة لا بدّ من الصبر والتحمل واحتساب الأجر، وقد كان كثير من الأعراب وغير الأعراب يغضبون النبي ﷺ ويتحمل ويصبر عليه الصلاة والسلام، وقد كان في بعض الطرقات فصادفه أعرابي وأمسك رداءه وجره بعنف حتى أثر في رقبته عليه الصلاة والسلام وقال: أعطنا من مال الله الذي عندك؛ فإنك لا تعطينا من مالك ولا من مال أبيك! فتبسم عليه الصلاة والسلام ولم يقل له شيئًا وعفا عنه وأمر بإعطائه بعض الشيء.
      فالمقصود أن الصفح والصبر من ولاة الأمور ومن المسؤولين منقبة عظيمة فينبغي للمسئول من أمير أو قاض أو غيرهما ولكل مسلم تحمل والصبر وعدم العجلة في الانتقام، وتقدم قوله جل وعلا في وصف المتقين: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ والعافين عن الناس [آل عمران:134]، وقوله جل وعلا: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، وقوله سبحانه: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237]، وقوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:85].

      والحديث الثالث لابن مسعود يقول عليه الصلاة والسلام: أنه سيلي عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون يعني أمراء فيهم الطيب وفيهم الخبيث فيهم الظالم وفيهم غيره، قال ابن مسعود: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله الذي لكم، يعني اسمعوا وأطيعوا أدوا إليهم حقهم بالسمع والطاعة وإذا قصروا في حقكم فاسألوا الله الذي لكم، ولا تنزعوا يدًا من طاعة ولا تفتحوا باب الفتنة اصبروا إن أدوا إليكم حقوقكم، فالحمد لله وإلا فلا تنزعوا يدًا من طاعة اصبروا؛ ولهذا قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله الذي لكم سلوا الله أن الله يهديهم حتى يعطوكم حقوقكم، حتى ينفقوا بيت المال في وجهه، حتى يسوسوا الرعية بما ينبغي لا بدّ من الصبر فالعبد عليه السمع والطاعة فيما أحب وكره سدًا لباب الفتن وحسمًا للشرور التي قد تترتب عليه المعصية. وفق الله الجميع.

      الأسئلة:

      س: أحسن الله إليك يا شيخ الأثرة خاصة بالأنصار؟
      ج: هم وغيرهم، ولكن الأنصار وقع لهم هذا الشيء، ولكن أوصاهم بالصبر، لأن الناس يكثرون والناس يقلون فأوصاهم بالصبر؛ لأن الأمراء من قريش وغيرهم قد يفضلون عليهم غيرهم والله المستعان.

      س: حديث أبي هريرة : ما يزال البلاء بالمؤمن.. يدل أنه ما يقع بلاء إلا بذنب؟
      ج: الأبلغ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، أسبابها نفسه.

      س: بالنسبة للأمراض البدنية هل الأولى الصبر أم المبادرة إلى الدواء؟
      ج: لا، العلاج هو الأفضل كما عالج الصحابة وعالج النبي ﷺ فالعلاج أولى؛ لأن العلاج يعين على طاعة الله وعلى كشف البلاء، فالعلاج مستحب ومن الأمور الجائزة ومن الأمور المستحبة، ومن ذلك الرقية النبي ﷺ رقى ورقي عليه.

      س: أحسن الله إليك بالنسبة لتكرار العلاج على نفس المريض من شخص إلى شخص من القراء هل ينبغي ذلك أحسن الله عملك؟
      ج: لا مانع، والحمد لله عباد الله تداووا ولا تداووا بحرام، ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله.

      س: يعني مثلاً أحسن الله عملك هل يكرر على شخص واحد أو يكرر على عدة أشخاص؟
      ج: يعلم ما يراه نافعًا ويجتهد لعل الله ينفع بالأسباب من طبيب إلى طبيب حسب التيسير
        الإمام ابن باز رحمه الله  
    • وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)


      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
      قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1).

      موضوع الآية:
      نزول حكم ظهار الرجل من امرأته(1).


      قصة نزول الآية:
      عن عائشة ـرضي الله عنهاـ قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ، وَهيَ تشتَكي زَوجَها إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهيَ تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. فما برِحَتْ حتَّى نزلَ جِبرائيلُ بِهَؤلاءِ الآياتِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، قَالَتْ: وزوجها أَوْس بن الصَّامِتِ" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وفي رواية قالت خولة: " فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، ‌وَكَانَ ‌شَيْخًا ‌كَبِيرًا ‌قَدْ ‌سَاءَ ‌خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ... " (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني).


      وقفات حول الآية:
      (1) حرمة الظهار(2) وإثم فاعله:
      كان الرجل في الجاهلية يصف زوجته بأنها أمه ليحرمها على نفسه، وكان ذلك في حكم الطلاق: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).
      فجاء الإسلام فبيَّن أن هذا الوصف من الكذب والزور، ولا تحرَّم المرأة بالكذب والزور، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة:2)(3).
      ولذلك شرعت الكفارة من هذا الذنب بعد التوبة، وهو الذي جاء في سياق الآيات: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة:3-4)، وعن خويلة قالت: ... فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌مُرِيهِ ‌فَلْيُعْتِقْ ‌رَقَبَةً)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: (فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: (فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ... ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وحسنه الألباني).
      ولا يجوز مس المرأة قبل التكفير: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) (المجادلة:3).
      قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما: "المس النكاح"، وكذا قال غير واحد من السلف. (تفسير ابن كثير).


      (3) فضل التعبد لله بالأسماء والصفات:
      عظيم تعبد أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بذلك: قالت وهي تروي القصة: "‌الْحَمْدُ ‌لِلَّهِ ‌الَّذِي ‌وَسِعَ ‌سَمْعُهُ ‌الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وفي الرواية الأخرى قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ".


      وقفة مع اسم الله السميع:
      سمع الله -تعالى- نوعان:


      النوع الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
      1 ـ ما يقصد به التهديد: قال -تعالى-: (‌أَمْ ‌يَحْسَبُونَ ‌أَنَّا ‌لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (الزخرف:80).
      2 ـ ما يقصد به التأييد: قال -تعالى-: (إِنَّنِي مَعَكُمَا ‌أَسْمَعُ ‌وَأَرَى) (طه:46).
      3 ـ ما يقصد به بيان الإحاطة: قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).


      النوع الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: "سمع الله لمَن حمده" أي: أجاب الله حمْد مَن حمِدَه، ودعاءَ مَن دعاه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (‌إِذَا ‌قَالَ ‌الْإِمَامُ ‌سَمِعَ ‌اللهُ ‌لِمَنْ ‌حَمِدَهُ، ‌فَقُولُوا: ‌اللهُمَّ ‌رَبَّنَا ‌لَكَ ‌الْحَمْدُ) (متفق عليه)، وفي رواية: (فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ‌يَسْمَعُ ‌اللهُ ‌لَكُمْ)؛ أي: يُجِبْكُمْ، فالسَّماع هنا بِمعنى: الإجابة والقبول، وعند التِّرمذي في سُننه: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِن دُعاءٍ لا يُسْمَع".


      مِن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
      - إذا علم العبد أن ربه يسمع كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيسمع حركاته وسكناته؛ حمله ذلك الاعتقاد على المراقبة للَّه -سبحانه- في جميع الأحوال، وفي جميع الأمكنة والأزمنة، فيمسك عن كل قول لا يُرضي ربه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بخير: قال -تعالى-: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه:7).
      - إذا علم العبد أن اللَّه هو السميع الذي يسمع المناجاة، ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء، ويقبل الطاعة؛ أقبل عليه بالدعاء واليقين بالإجابة، مقتديًا بالأنبياء والمرسلين في سؤالهم بهذا الاسم العظيم: ففي دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127)، وفي دعاء زكريا -عليه السلام- أن يرزقه اللَّه ذرية صالحة: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، وفي دعاء يوسف -عليه السلام- أن يصرف عنه كيد السوء: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف:34).
      - إن العبد إذا دعا ربه فسمع دعاءه سماع إجابة، وأعطاه ما سأله وعلى حسب مُراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه، حصل له بذلك سُرُور يمحو من قلبه آثارَ ما كان يجدُه مِن وحشة البُعد، فإنَ للعطاء والإجابة سرورًا وأنسًا وحلاوة، وللمنع وحشة ومرارة، فإذا تكرر منه الدُعاء، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه، محا عنه آثار الوحشة، وأبدله بها أنسًا وحلاوة؛ قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ‌أُجِيبُ ‌دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (انظر تهذيب المدارج).


      خاتمة:
      تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى فائدة العلم بسبب النزول في فهم الآية.
      والحمد للَّه رب العالمين.
      وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
      (1) ذُكِر في فضل خولة بنت ثعلبة -رضي الله عنها-: ما روى ابن أبي حاتم: عن أبي يزيد قال: "لقيت امرأةُ عمر -يقال لها خولة بنت ثعلبة-، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري مَن هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفتُ عنها حتى تقضي حاجتها، إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" (أخرجه ابن أبي حاتم، وهو منقطع بين أبي يزيد، وعمر بن الخطاب؛ كما قاله ابن كثير).
      (2) قال ابن كثير في التفسير: "أصل الظهار مشتق من الظهر؛ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحدٌ من امرأته قال لها، أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا، فأرخص الله لهذه الأمة، وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا، كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف" (تفسير ابن كثير).
      (3) قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها مِن سائر المحارم من أختٍ، وعمٍة، وخالةٍ، وما أشبه ذلك" (تفسير ابن كثير).

        صوت السلف
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182989
    • إجمالي المشاركات
      2537866
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×