إنتقال للمحتوى





انفرادات سورة ال عمران بواسطة: محبه الزهراوين           10 وصايا للشاكي من تذبذب الطاعات وعدم الاستمرار بواسطة: امانى يسرى محمد           أكاديمية صناعة المحاور بواسطة: إسراء خلّاف           مهـــــم أكاديمية صناعة المحاور - لا تضيعى الفرصة ( التسجيل مفتوووح ) بواسطة: إسراء خلّاف           الشبهات بواسطة: إسراء خلّاف           استشارة ارجو ان اجد الحل عندكم بواسطة: إسراء خلّاف           صفحة تسميع أحاديث رياض الصالحين للحبيبة: سندس وإستبرق بواسطة: سُندس واستبرق           صفحة تسميع الحبيبة " سندس واستبرق " بواسطة: سُندس واستبرق           بطاقة جميلة عن "غض البصر" بواسطة: إسراء خلّاف           أفتقدك أختي الحبيبة بواسطة: الاء القدوس          
* * * * * 1 صوت

المقاصد النورانية للقران الكريم


  • لا تستطيع إضافة موضوع جديد
  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
49 رد (ردود) على هذا الموضوع

#1 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 01:35 PM

صورة

صورة

صورة


صورة
قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}


وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}


وقال تعالى {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (22) سورة الزمر


وقال عز من قائل عليما {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (53) سورة الحـج

صورة

إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين..


فإلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت، الذي جمع القرآن، واؤتمن على أعظم مهمة في التاريخ وهو في ريعان الشباب…


وإلى شباب الإسلام، أحفاد الصحابة الكرام، الذين كان ينادى بهم في المعارك عند اشتداد الأزمات: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال


إلى أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، نبدا معكم سلسله المقاصد النورانيه للقران الكريم ....


القران الكريم الذى فيه ,....نَبَاُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ اَضَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْاَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْاَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ اِذْ سَمِعَتْهُ اَنْ قَالُوا اِنَّا سَمِعْنَا قُرْانًا عَجَبًا هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ اُجِرَ وَمَنْ دَعَا اِلَيْهِ هُدِيَ اِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الذى لا يبلى من كثرة الرد


سلسله المقاصد النورانيه للقران الكريم
صورة

نذكر فيها بعض المقاصد الخاصه بكل سوره وكل جزء فى القران الكريم ( هدف السوره ومدى ترابطه مع السوره السابقه لها والسوره التاليه لها ومدى الترابط العميق بين السور وبعضها )

  • نذكر فيها الرد على بعض شبهات الحائرين
  • ونتبعها بالسبيل الى مدارج السالكين
  • ونختمها بالاعجاز العلمى فى السوره وما اكتشفه العلم الحديث ويؤكد عليه القران والسنه الصحيحه وسبق العلم بذكرهم فى كتابه الكريم


صورة
http://www.sheekh-3a...sed/fta_yova.rm


تم التعديل بواسطة ** اللؤلؤة المكنونة **, 16 January 2010 - 03:07 AM.
إضافة وسام التميز


#2 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 01:38 PM




صورةصورةصورة



صورة


صورة

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً،

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

أن الترابط بين آيات كل سورة ترابط وثيق، و أن كل سورة لها موضوع واحد وأهداف محددة، وأن آيات السورة قد

تبدو لأول وهلة متناثرة غير مترابطة؛ لكنك إن أمعنت النظر، وعرفت هدف السورة وموضوعها، عرفت أن آيات السورة

متصلة اتصالاً عجيباً، يوصلك بقوة لإدراك هدف السورة، مما يزيدك حباً لكتاب الله وإيماناً بأنه تنزيل من حكيم خبير

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱلله لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراًوبذلك نرى أن كل سورة من سور القرآن هي عبارة عن وحدة

متكاملة، تحقق هدفاً واضحاً، وكل آية تخدم هذا الهدف من طريق واحد أو من عدة طرق. وحتى اسم السورة له

علاقة بهذا الهدف ( ومن هنا نفهم سبب تسمية سور القرآن، كالبقرة وآل عمران ويونس والنمل...) وليس هذا

فحسب، بل أن كل سورة لها علاقة قوية بما قبلها وما بعدها من السور، لأن ترتيب سور القرآن هو أيضاً وحي من

عند الله، وبذلك نستخلص أن سور القرآن كلها عبارة عن سلسلة واحدة مترابطة، بحيث انك لو فهمت هدف أو اهداف

السور القرآنية،ستجد أنك قد فهمت مراد ربنا من هذه السور وماذا يريد منك الله في هذا الكتاب



صورة




سورة الفاتحة
صورة


سورة الفاتحة (مكية)، وعدد آياتها سبع آيات، وهي خامس سورة من حيث التنزيل... ما هو سر سورة الفاتحة؟لماذاافتتح بها المصحف؟

ما سر تسميتها بأم الكتاب، وأم القرآن..؟ لماذا نقرأها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل؟

لماذا لا تصح الصلاة الا بقراءتها؟



أهمـــــيتها
صورة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة «لأعلمنّك أعظم سورة في القرآن» فقال ما هي يا رسول الله؟

فقرأ عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله رب العالمين... الرحمن الرحيم... إلى آخر السورة».حين بيّن الله تعالى في سورة الحجر عظمة القرآن قال

تعالى:{وَلَقَدْءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ}والسبع المثاني هي الفاتحة، وقد سميت بالمثاني لكثرة تكرارها ولكثره

ثنائها على الله ...يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولاالزبور ولا الفرقان مثلها إنها السبع المثاني»


رواه الإمام أحمد.




أسمــــــــاؤهـــــــا

صورة


ولفضلها وشرفها، سميت هذه السورة بأسماء كثيرة، فهي أم القرآن، والسبع المثاني، والوافية والكافية،

لكفايتها عن غيرها وحاجة غيرها اليها واكتفاؤه منها

فهي تفيض على المؤمن نوراً يضيء حياته، وخيراً الهياً يغلق عنه أبواب الفتن ويفتح له أبواب الرحمات أي سر؟

وأي عظمة لهذه السورة التي يقرأها الكثير من المسلمون من دون أن يفقهوا هذه المعاني وهذه الرسائل؟



حاوية أهداف القرآن
صورة



إنَّ سر الفاتحة يكمن في اشتمالها على جميع معاني القرآن، فكل معنى في القرآن تجده في الفاتحة، وكل أهداف القرآن جمعت في هذه الآيات السبع.

كيف هذا؟ تعال معي لنعيش لحظات رائعة مع أول سورة في القرآن:




محاور القرآن


يدور حديث كتاب الله حول ثلاثة معان يطلبها من المؤمنين به والقارئين له:

1. عقائد (فيمن نعتقد)
2. عبادات (كيف نعبد من نعتقد فيه)
3. مناهج الحياة (المنهج الذي أراده الله تعالى لنا)



فالقرآن يدعو أولاً للعقيدة الصحيحة، أي أن تؤمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً على أسس سليمة. وهو ثانياً يدعو للعبادة الصحيحة وإقامة الشعائر، ولكن العبادة ليست كافية لوحدها لأنَّ الإسلام منهج حياة شامل ومتكامل.

وسورة الفاتحة قد اشتملت على هذه الأهداف الثلاثة، ففي محور العقيدة تقرأ قوله تعالى: ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. فالتوحيد والايمان باليوم الآخر هما أساس عقيدة المسلم. وفي محور العبادة تقرأ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وفي منهج حياة المسلم تقرأ: ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.




والقرآن كله بعد سورة الفاتحة إما أن يكون مبيّناً للعقائد، مفسّراً معنى الحمد لله رب العالمين ومعنى الرحمن الرحيم ومعنى مالك يوم الدين.. أو مبيّناً كيف نعبد الله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. أو يخبر عن المناهج في الأرض وطرق الظالمين والهالكين وطرق الناجين، فنجد آيات كثيرة تشرح معنى ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيم.




أساسيات الإسلام
صورة




وتذكرنا سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومعانيه العظيمة:


1. نِعم الله تبارك وتعالى ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ.
2. الإخلاص بكلمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ. أي نفردك وحدك يا ربنا بالعبادة، فلا نعبد إلا أنت، ولا نستعين بأحد إلا أنت وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
3. طلب الصحبة الصالحة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
4. التحذير من أصحاب السوء غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.
5. أسماء الله الحسنى، مع التركيز على أسماء الله ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. فأصل علاقة ربنا بالبشر هي الرحمة ولذلك ورد قوله الرحمن الرحيم مرتين.
6. الإستقامة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.
7. الآخرة والاستعداد لها مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ، وٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.
8. أهمية الدعاء وأدب الدعاء، فالسورة قد اختتمت بالدعاء.
9. أمتنا أمة واحدة.. ولذلك فإنَّك تجد بأنّ كل ألفاظ المخاطبة والدعاء في سورة الفاتحة جاءت بصيغة الجمع فحتى لو كان المرء يصلي وحيداً في غرفته لا تصح صلاته بأن يقول "اياك اعبد واياك استعين" أو "اهدني الصراط المستقيم"، فلا بد ان يقول ٱهْدِنَاوإِيَّاكَ نَعْبُدُوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وكلها بصيغة الجمع، حتى يعرف المرء انه ضمن أمة واحدة وأنه ليس وحيدا في هذا الكون.



الأدب مع الله

صورة


وبالإضافة إلى ما سبق، فإن السورة تعلّم العبد الأدب مع ربه، فهي مقسّمة إلى نصفين، النصف الأول ثناء على الله والنصف الثاني دعاء اليه. فالثناء على الله يتجلى في الآيات: ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ  مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وبعد ذلك الدعاء: ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.

واللطيف أن عدد أحرف الثناء في النصف الأول مساوية تماماً لعدد أحرف الدعاء في النصف الثاني.

فالسورة تعلّم المرء كيف يتعامل مع الله، فإن أراد الدعاء فيستحّب له أن يثني على الله أولاً (فيبدأ بحمد الله تعالى وتمجيده ثم الصلاة على رسوله )، وبعد ذلك يدعو بما يشاء فإنَّ دعاءه يستجاب بإذن الله.




الحوار مع الله
صورة



إن تلاوة سورة الفاتحة تفتح لك أعظم أبواب الشرف وهو الحوار مع الله تبارك وتعالى. ولهذا جاء في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي، فإذا قال العبد الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي، فإذا قال العبد مالك يوم الدين قال الله مجَّدني عبدي، فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

فتستشعر أنك كلما تقرأ سورة الفاتحة فإنّ الله تعالى يجيبك. أي شرف هذا في حوار يكرر رب العزة ذكرك فيه بالعبودية ويكافئك بالاجابة مع أنك لم تأت بجديد ولم تتفضل بشيء من عندك، فهو سبحانه أهل الثناء كما تقول وخيراً مما تقول.




حساسية عمر
صورة



لذلك كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يقرأ الفاتحة آية آية ويسكت بين الآية والأخرى، وحين سئل عن سبب سكوته قال: "لأستمتع برد ربي".

فلو أن قلب المرء استشعر بأن ربه يرد عليه حين يقرأ كل آية من سورة الفاتحة لطار من كثرة الفرح...

جوامع خير الدهر

هل أحسست معي بأهمية السورة؟ لكل ما ذكر يقول ابن القيم: ان الله تعالى قد أنزل (104) كتب، جمع معانيها في ثلاثة كتب: التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

وهذه الآية مقسومة إلى قسمين، كلاهما ضروري في الإسلام: عبادة الله تعالى أي ممارسة الشعائر إِيَّاكَ نَعْبُدُ، والإستعانة بما خلق الله في هذه الأرض وتسخيرها للنجاح في الحياة ولإدارة الأرض وفق منهج الله (كما سنرى في سورة البقرة). ولأن الصحابة فهموا هذه الآية جيداً وطبّقوها - بمحوريها - في حياتهم، قادوا الأرض ونجحوا في الدنيا والآخرة.




وإننا نرى في عصرنا الحاضر، بعض المسلمين يطبّقون إِيَّاكَ نَعْبُدُفيقتصر فهمهم للإسلام على التدين فقط، وللأسف نرى الغرب يطبق وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيسخّر ما في الأرض لإدارتها وعمارتها. لكن الإسلام يأمر بالتوازن بين الأمرين، وهذا ما تبيّنه سورة الفاتحة بوضوح.




مفتاح القرآن



صورة




فلماذا سميت بالفاتحة؟ هناك معنيان للإسم، أحدهما قريب، وهو لأنه افتتح بها المصحف، ولكن المعنى البعيد هو أنها سميت بذلك لأنها مفتاح القرآن (أي لمعانيه)، فبها تفتتح كل سورة من سوره. فكل كنوز القرآن فيها، ولو فهم المرء الفاتحة فسيفهم كل سور القرآن التي بعدها.

ومن روعة السورة أنَّ كل سور القرآن متسلسلة في معانيها وأهدافها ورسائلها، فهي مرتبطة بما قبلها ولا يصح أن تربط الا بالسورة التي جاءت قبلها بترتيب المصحف الا سورة الفاتحة، فلو جاءت قبل أية سورة لوجدت المعنى متصلاً بل متكاملاً أيضاً. لذلك فإننا نبدأ صلاتنا بالفاتحة ثم نقرأ أي سورة بعدها ويبقى المعنى متصلاً مهما كانت السورة.




سورتان لكلمتين

صورة

ينبغي أن نلاحظ علاقة الفاتحة بالسور التي جاءت بعدها وفق ترتيب المصحف وهي البقرة وآل عمران. فلقد جاء في سورة الفاتحة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.

وفي بداية سورة البقرة ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ. وذلك إشارة إلى أن قوله تعالى ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَسيشرح في سورة البقرة..

كيف هذا؟ اقرأ قول الله تعالى غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.


فالمغضوب عليهم والضالين، صفات لأناس استحقوا غضب الله، أو ضلوا عن صراط الله، فسورة البقرة تشرح غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وسورة آل عمران تشرح ٱلضَّالّينَ. سورة كاملة عدد آياتها 268 آية تشرح كلمة في الفاتحة غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وسورة كاملة وهي آل عمران تشرح وَلاَ ٱلضَّالّينَ.

ترابط رائع في الأهداف والمواضيع سنحس به ونعيش معه أكثر عندما نتناول السورتين بالتفصيل.




رحمة للعالمين
صورة



نلاحظ أن كلمة ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قد تكررت مرتين في السورة بِسْمِ الله ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ وقوله تعالى ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. وهذا يشعرنا برحمة ربنا التي شملت الدنيا والآخرة..

فلفظ الرحمن الرحيم الأول جاء بعد ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ، فالعالمين والدنيا كلها تسير برحمة ربنا، و ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ جاء بعدها مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ للإشارة أن اليوم الآخر أيضاً يسير برحمة الله.

فهذه السورة تطمئن المرء بأن الأصل في الكون هو رحمة الله، وأن أصل علاقة الله بعباده هي الرحمة.

العالمين... الناس

ولفظة ٱلْعَـٰلَمِينَ تدل على معنى لطيف، فالفاتحة - وهي أول سور القرآن - قد ابتدأت بـ ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ، بينما آخر سورة في القرآن (سورة الناس) قد انتهت بقوله تعالى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ.

فالمصحف ابتدأ بكلمة العالمين وختم بكلمة الناس، وكأن المعنى أن هذا القرآن ليس للمسلمين فقط بل إن هذا القرآن هو لهداية البشرية كلها.



غنيمة سهلة
صورة



ولسورة الفاتحة خصوصية تميزها، وهي أنها خالية من كل أحكام التجويد الصعبة وذلك لكي تيسر للقراءة للجميع حتى لمن لا يتحدث بالعربية.

فالفاتحة هي جواز سفر المرء لفهم القرآن والبطاقة الشخصية للدخول إلى مناجاة الله والأنس برحابه. فكيف نخشع في صلاتنا ونستشعر كل ما سبق من المعاني؟

ميزان الخشوع

يقول النبي : (ليس للعبد من صلاته الا ما عقل منها)، فهل ترضى أن تغادر صلاتك وقد كتب لك نصفها أو ربعها أو ثمنها؟ تعال معي إذاً لنقرأ سورة الفاتحة سوياً ونتدبر في آياتها ومعانيها.

لو أردت يوماً أن تصلي وشعرت بعدم الخشوع، فاعلم أن هناك نعمة لم تتذكرها، ولو عرفت كيف تقول ٱلْحَمْدُ لله جيداً لكان تذكر كل نعمة من نعم الله يجعلك تخشع في صلاتك. اجعل لكل ركعة من الركعات نعمة تتفكر بها وتشكر ربك عليها، من نعمة الإسلام والايمان، إلى نعمة القرآن، إلى ارسال النبي، إلى المال والصحة، إلى نعمة النظر والسمع... وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱلله لاَ تُحْصُوهَا.

وحين تقرأ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ تتذكر رحمة الله بعباده، والتي شملت الدنيا والآخرة، فتطلب منه الرحمة وتخشع بصلاتك.

وحين تقرأ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ تتذكر يوم القيامة وأهواله، وتطلب من ربنا أن يخفف عنك تعب ذلك اليوم، فتخشع في صلاتك.

وكلما تقرأ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، تشعر عند كلمة إِيَّاكَ أن الاخلاص يتجدد في قلبك كل يوم، أنه لا معبود الا الله ولا معين الا الله، فتخشع في صلاتك.

إن هذه الآية قد جمعت معاني كل كتب الله المنزلة - كما أسلفنا - فلا تمر عليها مرور الكرام بل اجعلها عنوان حياتك وجدد معانيها في قلبك كلما تقرأها

وحين تقرأ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ تشعر أنه ليس لك من يهديك إلى صراط الدنيا ويثبتك عليه الا الله، وليس لك من يهديك إلى صراط الآخرة ويثبت قدمك عليه لتجتازه الا الله، فيزيد قربك منه ورجاؤك لرحمته وخوفك من عذابه فتخشع في صلاتك.




قف بجوارهم
صورة



وكلما تقرأ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، تذكر من أنعم الله عليهم من قبلك، فمثلاً تذكر في الركعة الأولى سيدنا إبراهيم عليه السلام وآدم ونوح وخاتم النبيين محمد ، وادع الله تعالى أن يهديك إلى طريقهم. واجعل الركعة الثانية لرجال عظام كأبي بكر وعمر وباقي الصحابة رضوان الله عليهم، وتذكّر في الركعة الثالثة صلاح الدين وغيره من أبطال الإسلام، وفي الركعة الرابعة تفكر بالمؤمنين الذين يعيشون معك وصحبتك الصالحة وادع الله تعالى أن يثبّتك عليها. وفي هذا تكون صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أمام عينيك. أما حين تقرأ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ، فتذكرك بأعداء الإسلام والكفار عبر الأزمان، الذين حادوا عن هذا الصراط فضلّوا وغضب الله عليهم.

هذا الكم الهائل من المعاني المتجددة في ختام السورة يطبع في ذهن قارئ القرآن آلاف الصور عن القدوات الصالحة، الماضية والمعاصرة، وآلاف الصور عن القدوات السيئة، مما يعطيه خشوعاً رائعاً وزيادة في القرب من الله والتزام شرعه، صلاة بعد صلاة، وبذلك تصبح صلاتنا حية.




مفتاح فهم القرآن
صورة



هذه هي سورة الفاتحة، بطاقتك الشخصية أيها المسلم، وجواز سفرك لفهم القرآن.

فبعد أن تأملنا بعض جوانب عظمة هذه السورة، وفهمنا مفتاح الدخول إلى معاني القرآن، تعال معنا إلى كتاب الله تعالى، لنعيش مع آياته وأحكامه ونتعلم من ترابط آياته وسوره.
صورة




تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 20 August 2009 - 04:37 AM.


#3 عبــاد الرحمن

عبــاد الرحمن

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 6326 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 165


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 05:32 PM

ما شاء الله

الله يكرمك ام صفي

موضوع اكثر من قيم

موضوع مفيد جدا

جزاكي الله خيرا عليه

اتابع معكي ان شاء الله




أستغفر الله العظيم وأتوب إليه


لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين


اللهم يا وهاب هب لأختي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء


صورة



اللهم ردني إلى حفظ كتابك القرآن الكريم ردا جميلا وافتح لي ويسر لي حفظه وأعني على حفظه وفهمني وعلمني وحفظني القرآن واجعلني من أهل القرآن وارزقني بزوج صالح من أهل القرآن



صورة


#4 عبــاد الرحمن

عبــاد الرحمن

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 6326 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 165


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 05:37 PM

ما شاء الله

الله يكرمك ام صفي

موضوع اكثر من قيم

موضوع مفيد جدا

جزاكي الله خيرا عليه

اتابع معكي ان شاء الله




أستغفر الله العظيم وأتوب إليه


لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين


اللهم يا وهاب هب لأختي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء


صورة



اللهم ردني إلى حفظ كتابك القرآن الكريم ردا جميلا وافتح لي ويسر لي حفظه وأعني على حفظه وفهمني وعلمني وحفظني القرآن واجعلني من أهل القرآن وارزقني بزوج صالح من أهل القرآن



صورة


#5 أم منةوعمر

أم منةوعمر

    عضوة فعّالة

  • العضوات
  • 1178 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 05:38 PM

ما شاء الله عليكى
و سأتابع معك بمشيئة الرحمن





ولدتك أمك ياابن ادم باكيا
والناس حولك يضحكون سرورا
فاحفظ لنفسك ان تكون اذا بكوا
في يوم موتك ضاحكا مسرورا


#6 * سمر *

* سمر *

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 2314 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 2


تاريخ المشاركة 14 June 2009 - 05:42 PM

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة

بارك الله فيكي أختي
أكملي من فضلك
ولو ماعندك مانع نريد نشره

#7 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 June 2009 - 05:30 AM

 عبــاد الرحمن, في Jun 14 2009, 05:32 PM, كتب:

ما شاء الله

الله يكرمك ام صفي

موضوع اكثر من قيم

موضوع مفيد جدا

جزاكي الله خيرا عليه

اتابع معكي ان شاء الله


أكرمك الله حبيبتى عباد الرحمن وحفظك ورعاك
وأسالك الدعاء للقائمين على هذا العمل
وسأكمل بأذن الله .. نسالكم الدعاء

#8 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 June 2009 - 05:34 AM

 أم منةوعمر, في Jun 14 2009, 05:38 PM, كتب:

ما شاء الله عليكى
و سأتابع معك بمشيئة الرحمن

بارك الله فيك أختى الحبيبة
وبإذن الله اتابع نقله اسال الله ان ينفعنا وينفعكم بالقران
ويجعلنا من السفرة الكرام البررة

#9 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 June 2009 - 05:49 AM

 توبة قلب نادم, في Jun 14 2009, 05:42 PM, كتب:

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة

بارك الله فيكي أختي
أكملي من فضلك
ولو ماعندك مانع نريد نشره


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

اعزك الله حبيبتى فى الله
أكمل بإذن الله ونسأل الله القبول

بالنسبه للنشر حبيبتى كل ما اسطره ى المنتدى هو ملك لكل المسلمين
فهو نتاج فريق عمل دعاة التأصيل ض التنصير
وكل ما نصبو إليه هو نشر علم نافع للمسلمين
والدعوة لدين الله بالموعظة الحسنة
بل انا حبيبتى أتمنى عليك وعلى كل أخت تجد فى أياَ من موضوعاتى ما يفيد المسلمين
فلتنقله دون الاشارة لى ودون استئذان
نسألكم الدعاء لكل افراد الفريق
وجزاكم الله عنا خير الجزاء

#10 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 16 June 2009 - 07:21 PM



صورةصورة صورة

صورة

صورة



صورة




صورة


صورة
سورة البقرة
صورة
تعريف بالسورة
صورة

سورة البقرة (مدنية) وهي أول ما نزل بالمدينة بعد الهجرة وبقيت تنزل على مدى المرحلة المدنية كلها تقريباً أي أنّها رافقت تكوين المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية من بدايتهما.هي أطول سورة في القرآن وعدد آياتها 286.

كيف تخاف وهي معك؟
صورة

ورد في فضل سورة البقرة حديثان:
الحديث الأول رواه الإمام مسلم: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» تأملوا أيها الأحبة كيف أنّ سورتي البقرة وآل عمران تحاجان - أي تدافعان - عن صاحبهما (الذي حفظهما وعمل بهما وكان يقرأهما كثيراً).

وفي رواية «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلّتان»... إنّ حرَّ يوم القيامة شديد، تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق، فتأتي سورة البقرة على من حفظها أو عمل بها أو كان كثير القراءة لها لتظلل عليه... فتأمل قيمة سورة البقرة!..

الحديث الثاني: رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في سورة البقرة يقول «البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان». وفي رواية «..لا يدخله الشيطان ثلاثة أيام». وبالتالي فإنَّ الكثير من الناس يحرصون على قراءة سورة البقرة في البيت لمنع الشيطان من دخوله.

أين أصحاب البقرة؟
صورة

وأكثر من ذلك، فإنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينادي حين تشتدّ المعركة على المسلمين ويقول أين أصحاب البقرة؟ وكأنَّ أصحاب البقرة أناس مخصوصون وحين يسمعون النداء يهبّون مباشرة لتلبية النداء...
ونحن الآن ننادي على الناس ليكونوا من أصحاب البقرة، حتى يكونوا في الدنيا من الصفوة ويوم القيامة من أصحاب الظلّة.

هدف السورة: أنت مسؤول عن الأرض.
صورة

الحديث عن هدف السورة يساعدنا على فهم الآيات بتسلسل واكتشاف الروابط بين موضوعاتها المختلفة. واللطيف أن بعض العلماء قال بأن تسمية أقسام القرآن بالسور، لأن كل واحدة منها تشتمل على موضوع واحد، وآيات السورة هي كالسور أو السياج الذي يحيط بهدف السورة ويدور حوله ويخدمه. إذاً لكل سورة محور وهدف واحد، فما هو هدف سورة البقرة؟ وما هو المحور الذي يجمع 286 آية على مدى جزئين ونصف من القرآن؟

إن هدف السورة هو الإستخلاف في الأرض، وهذا يعني ببساطة «يا مسلمين أنتم مسؤولون عن الأرض». يا من سوف يقرأ سورة البقرة إعلم أنّك مسؤول عن الأرض وهذا منهجك: سورة البقرة..

وكأنّ القرآن يخاطبنا قائلاً اعلموا أنّ الأرض هذه ملك لله، والله هو مالك الكون خلقكم وملَّككم الأرض لكي تُديروها وفقاً لمنهج الله...

السعيد من وعظ بغيره
صورة

إنَّ الله تعالى خلال مسيرة التاريخ قد استخلف أمماً كثيرة على الأرض، فمنهم من نجح ومنهم من فشل وقد حان الدور في نهاية المطاف على هذه الأمة، والله تعالى لا يحابي أحد حتى ولو كانت أمة محمَّد صلى الله علي وسلم. فلو فشلت في المسؤولية فإنّها ستستبدل كما استبدلت أمم من قبلها..

هنا نفهم لماذا كانت سورة البقرة أوّل سورة في القرآن بعد الفاتحة فهي التي سترسم معالم المنهج. ولهذا أيضاً نفهم سبب كون هذه السورة أول سورة أنزلت في المدينة، وظلت تنزل طوال السنين التسعة من المرحلة المدنية، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر من مرحلة الإستضعاف في مكة إلى مرحلة بناء الأمة، فكان من الطبيعي أن تنزل السورة في مرحلة البناء لترشد الأمة كيف تكون مسؤولة عن الأرض... فينبغي لكل من يقرأ هذه السورة أن يفهم أن كل آية تطلب منه القيام بالمهمة التي خلق من أجلها: أنت مسؤول عن الأرض لإصلاحها وتعميرها وهدايتها ولا بد أن يعلم الإنسان أنَّ المسؤولية تحتم عليه أن لا يكون فاشلاً في حياته فيأخذ بيد الناس، وينجح في حياته وسيظهر ذلك كله خلال قراءة سورة البقرة.
أقسام سورة البقرة
صورة

إنَّ سورة البقرة مقسّمة إلى مقدمة ثم قسمين فخاتمة.

القسم الأول
صورة

هو الجزء الأول من القرآن وهو يعرض نماذج لثلاث مجموعات من الناس قد استخلفهم الله قبلنا(سيدنا ادم والسيده حواء عليهما السلام ثم بنى اسرائيل ثم سيدنا ابراهيم عليه افضل الصلاه واتم التسليم ).

والقسم الثاني
صورة

يتكون من الآيات (142-283)، وهو عبارة عن أوامر ونواهي يجب على الأمة وأفرادها أن يتبعوها ليستخلفوا.

الجزء الأول من القرآن
صورة

هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع:



ربع الحزب الأول : يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف.
الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام.
الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.
الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.

تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض.

ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف!

وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الفاشلة، للتعلم من الأخطاء السابقة وأخذ الدروس والعبر.

القسم الأول: نماذج ثلاثة
صورة

وأول خمس آيات من آيات المقدمة عبارة عن صفات المتقين، ثم آيتان تتحدثان عن صفات الكفار، ثم ثلاث عشرة آية (8-20) عن صفات المنافقين لخطورتهم
وكأنّ المقدمة تخاطبك قائلة: «هذه أنواع الناس، فحدّد واختر أي الأصناف تريد أن تكون لأنَّ واحداً فقط من هذه الأصناف سيجعله الله تعالى مسؤولاً عن الأرض».
.صورة

ولاحظ أن أول صفة للمتقين هي "الذين يؤمنون بالغيب". فأهم صفات الأمة المسؤولة عن الأرض هي الإيمان بالغيب وأخطر صفة في الأمة السابقة هي المادية الشديدة وعدم الإيمان إلاّ بما تراه أعينهم، كما سيتبين معنا.

أوّل تجربة استخلاف: آدم عليه السلام
صورة

وبعد ذلك تبدأ السورة بسرد قصة آدم عليه السلام وتجد أمامك آية محورية في بداية القسم الأول الذي يلي المقدمة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً (30)فأنت أيها الإنسان مسؤول عن الأرض وقد كان أبوك آدم عليه السلام مسؤولاً عنها أيضاً فالأرض ليست مسؤولية البعيدين عن الله ولا الناكرين لمنهجه. فالأصل أنَّ المسؤول عنها كان أبو البشر آدم عليه السلام. ولاحظ أنَّ رد الملائكة وسؤالهم ليس اعتراضاً على حكم الله (والعياذ بالله) لكنه خوفهم من الإستبدال وبيانهم أنهم لم يفعلوا ما يغضب الله، فكل أوقاتهم تسبيح وعبادة لكن الله قال لهم: (إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
علّم الله آدم تكنولوجية الحياة
والآية التالية هي أيضاً آية محورية: (وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا (31).

وماذا يعني ذلك!

يعني أنّه تعالى علَّم آدم طبيعه الحياه ومنهجيتها بما فيها أسماء المخلوقات ووظائفها من شمس وقمر وبحر وشجر وثمر. وكان في المعنى تحذيراً للمؤمنين من أن يظنوا بأنهم سيكونون مسؤولين عن الأرض بدون أن يعرفوا طريقة إدارتها وهنا لفتة لطيفة في الآية 22(ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء) ففي هذه الآية يبين لنا الله تعالى أدوات الإستخلاف: تسخير الأرض والسماء والزرع...

فهنا تحذير لعدم فهم الإسلام أنّه صلاة وصيام فقط، دون ان يفهم المؤمنون كيف يديرون الحياة والأرض، فالله عزّ وجل قد علّم آدم كيف يدير الأرض حتى يفهمنا أن الأمور لا تدار بالتديّن فقط ولكن بالعلم والتكنولوجيا.
المعصية هي سبب الإستبدال
صورة

وتأتي الآية التالية 36 لتبيّن لنا تجربة آدم مع ابليس (فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36).وهنا دلالة أنّ المعصية هي سبب الإستبدال، كأنَّ الآية تخاطبنا في زماننا هذا لتقول: يا أمة محمد، لقد بقيتم 1300 سنة مسؤولين عن الأرض وما حصل لكم في المئة سنة الأخيرة هو بسبب معصيتكم كما حصل لأبيكم آدم عليه السلام، (مع بُعْد التشبيه بين زلة آدم عليه السلام نبي الله وبين المعاصي الفادحة التي تقع بها الأمة ليل نهار) فتعلموا من الأخطاء السابقة واجتنبوا المعاصي ليعود الإستخلاف إليكم.

صورة


وتمضي الآيات في الحديث عن قصة سيدنا آدم حتى نصل إلى الآية 38 (قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38).وهنا نتذكر أنّ الهدى الذي سيأتي من عند الله تعالى قد ذكر
في أول السورة على أنه القرآن (ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لّلْمُتَّقِينَ)
، ونحن ندعو الله في الفاتحة أن نسير على هذا الهدى (ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ) فهل بدأت أخي المسلم تستشعر معي حلاوة القرآن وترابط آياته.

تجربة بني إسرائيل
صورة


تبدأ تجربة بني إسرائيل بالآية 40 من سورة البقرة لتبيان فشلهم في امتحان مسؤوليتهم عن الأرض.



باب المهمة: تذكر النعم.

صورة

وأول آية في هذا السياق تقول: (يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ).فأول آية يخاطب الله بها بني إسرائيل (ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ) وأول كلمة خاطبنا الله إياها في منهجنا (ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ). وكأنَّ بداية مسؤولية واستخلاف كل أمة تكون بتذكّر نعم الله تعالى.

نماذج نعم الله تعالى على بني إسرائيل
صورة

وبعد هذه الآية يبدأ الله تبارك وتعالى بتعداد نماذج من هذه النعم فيقول لهم في الآية 50: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) ويقول لهم في الآية 52 (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ويقول أيضاً في الآية 57 (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

آيات متتالية تتحدث عن النعم ثم تنتقل للحديث عن أخطاء الأمة السابقة، وكل هذا الكلام لكي ننتبه ونتجنب الوقوع في أخطائهم.

أخطاء الأمة السابقة
صورة

وتبدأ الآيات التي تصف أخطاء بني إسرائيل (وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱلله جَهْرَةً (55)لأنهم أمة مادية للغاية وكأنَّ الخطأ الجسيم الذي قد تقع به أي أمة ويكون سبباً في استبدالها هو طغيان المادية فيهاً، ومعنى المادية أنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا أمراً ملموساً. وهنا نتذكر أول صفة للمتقين في بداية السورة (ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ (2).

وتمضي الآيات الكثيرة في الحديث عن بني إسرائيل والموبقات التي ارتكبوها كقتل الأنبياء بغير الحق، وعصيانهم وكفرهم بآيات الله، واعتداء أصحاب السبت وتحايلهم على آيات الله، إلى أن تصل بنا الآيات إلى القصة المحورية: قصة البقرة.

لماذا سميت السورة بالبقرة؟
صورة

قد يتساءل البعض لماذا سميت هذه السورة بسورة البقرة؟

صورة

قد يجيب البعض بأنها سميت كذلك لأنّ قصة البقرة جاءت في هذه السورة، مع العلم بأنَّ هذه السورة قد جاء بها قصص كثيرة فلماذا سميت السورة باسم هذه القصة دون غيرها؟

إنّ قصة البقرة قد جسّدت الأخطاء الأساسية الكبرى لبني إسرائيل، فسميت السورة باسمها لكي يتذكر المسلم المسؤول عن الأرض هذه الأخطاء ويتجنبهافتجد فى القصه ما يلى .....



الجدل مفتاح الشرور

صورة

وهذه الأخطاء التي ارتكبها بنو إسرائيل تظهر من أول الآية السابعة والستين (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱلله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱلله أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء ٱلله لَمُهْتَدُونَ  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلاْرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (67-71)..
صورة



تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 20 August 2009 - 04:41 AM.


#11 ** اللؤلؤة المكنونة **

** اللؤلؤة المكنونة **

    :: مشرفة سابقة ::

  • العضوات
  • 5914 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 68


تاريخ المشاركة 17 June 2009 - 10:33 AM

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيك يا غالية موضوع قيم جدا

فما هناك أفضل من تدبر معانى القرأن الكريم

وجعل ما نقلتى فى ميزان حسناتك

تم تثبيت الموضوع :)





صورة

أسعد الله قلبك أشروقه كما أسعدتينى ^^


#12 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 17 June 2009 - 11:36 PM

بارك الله فيك اخيتى الدرة المكنونة

وجزاك الله خيرا على التثبيت

ونسال الله القبول وان يجعلنا من حفظة كتابه

#13 رميصاء مهند

رميصاء مهند

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 7 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 20 June 2009 - 10:54 PM

ربنا يبارك فيكى

#14 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 30 June 2009 - 03:33 PM

بوركتى اخيتى ونفعنا الله بك

فضلا ارجو فك تثبيت الموضوع واعتذر لانشغالى لفترة وباذن الله ساكمله فى رمضان

جزى الله مشرفات القسم خير الجزاء واثابكم الله الجنة

#15 ارجو عفو ربي

ارجو عفو ربي

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 2 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 05 July 2009 - 12:49 PM

عفوا من رايي ماتفتك التثبيت والى رمضان يظل كماهو


ودمتم بخير

#16 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 20 August 2009 - 04:43 AM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيك اختى الغالية ونفع بك

#17 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 20 August 2009 - 04:48 AM

صورةصورةصورة


صورة


صورة
صورة

الثبات على المنهج
و مناقشة راقية وعلمية ومهذبه مع اهل الكتاب
صورة
سورة آل عمران (مدنية) نزلت بعد الأنفال وعدد آياتها 200 آية وهي بعد سورة البقرة في ترتيب المصحف.

علاقتها مع سورة البقرة
صورة
صورة

سورة آل عمران هي شقيقة سورة البقرة بنص أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتسميان (بالزهراوين). وهناك تشابه كبير بينهما، فكلتهما بدأتا بـ (ألم) واختتمتا بدعاء، ومن لطائف القرآن أن أول 3 سور من القرآن قد اختتمت بدعاء:
الفاتحة (ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ...) (4).
البقرة (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (255).
وآل عمران (...رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ) (193).
وهذه إشارة إلى أهمية الدعاء عند المسلم ليلجأ إليه دائماً.
صورة
علاقه السوره بالسورتين السابقتين الفاتحه والبقره وما بعدها سوره النساء
من وحي الحروف (ألم)

صورة
ولعل أهم أوجه التشابه هو ابتداء السورتين بالأحرف المقطعة (ألم)، وهي إشارة إلى أن كل آية من آيات السورتين البقره وال عمران تحتوي على هذه الأحرف الثلاثة. وهناك سور كثيرة في القرآن ابتدأت بأحرف مقطعة (مثل ألم أو حم)، فكأنها مفتاح للدخول إلى معاني السور. وهناك ملحوظة أخرى أن كل السور التي تبدأ بنفس الأحرف ترتبط في أهدافها ومعانيها.
وقد يتساءل البعض عن المراد من ابتداء بعض السور بهذه الأحرف والواقع

أن هناك آراء كثيرة للعلماء في تفسيرها.
ولتبسيط الموضوع وتقريبه إلى الأذهان نقول: هذه الأحرف قد جاءت في أوائل السور لتحدّي الكفار، وكأنه سبحانه يقول للكفار: أليست هذه الحروف هي حروف لغتكم؟ أليست هي المادة الأولية التي تستخدمونها؟ فهل تستطيعون أن تأتوا منها بمثل هذا القرآن؟ فالمادة والذرة قد يصنع منهما الإنسان الكمبيوتر والسيارة، ولكنه لا يقدر أن ينفخ فيهما الروح. وكذلك هذه الحروف قد يصنع الناس منها شعراً ونثراً لكن هل يقدرون على أن يأتوا بقرآن فيه روح؟
اسمع قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا) (الشورى، 52).

ولذلك فإن أغلب السور التي تبدأ بالحروف المقطعة يأتي بعدها تمجيد للكتاب (أو القرآن أو الوحي أو الذكر
وكما ذكر فى اسباب ترتيب القران للسيوطى (وقد عقبت البقرة بسورة آل عمران وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وقد نصارى نجران كما ورد في سبب نزولها وختمت بقوله‏:‏ ‏{‏وإِنَّ مِن أهلِ الكتاب لمن يؤمن بالله‏}‏ وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى كما ورد به الحديث وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود وآخرها في ذكر النصارى
الوجه الثالث‏:‏ أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال ولهذا سميت في أثر‏:‏ فسطاط القرآن الذي هو‏:‏ المدينة الجامعة فناسب تقديمها على جميع سوره
الوجه الرابع‏:‏ أنها أطول سورة في القرآن وقد افتتح بالسبع الطوال فناسب البداءة بأطولها
الوجه الخامس‏:‏ أنها أول سورة نزلت بالمدينة فناسب البداءة بها فإن للأولية نوعاً من الأولوية
الوجه السادس‏:‏ أن سورة الفاتحة كما ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم والا الضالين إجمالاً ختمت سورة البقرة بالدعاء بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان وحمل الإصر ومالا طاقة لهم به تفصيلاً وتضمن آخرها أيضاً الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله‏:‏ ‏{‏لا نُفَرِقُ بينَ أَحدٍ مِنهُم‏}‏ فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة فهذه ستة وجوه ظهرت لي ولله الحمد والمنة قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها قال الإمام‏:‏ لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة وكالملكة لها افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك وصرح في منطوق مطلعها بما طوى في مفهوم تلك وأقول‏:‏ قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات أحدها‏:‏ مراعاة القاعدة التي قررتها من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها وذلك هنا في عدة مواضع منها‏:‏ ما أشار إليه الإمام فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه وقال في آل عمران‏:‏ ‏{‏نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بينَ يديه‏}‏‏:‏ وذاك بسط وإطناب لنفي الريب عنه ومنها‏:‏ أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملاً وقسمه هنا إلى آيات محكمات ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏واللَهُ يؤتي ملكه من يشاء‏}‏ وقال هنا‏:‏ ‏{‏قُل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير‏}‏ فزاد إطناباً وتفصيلاً ومنها‏:‏ أنه حذر من الربا في البقرة ولم يزد على لفظ الربا إيجازاً وزاد هنا قول ‏)‏أضعافاً ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏وأَتموا الحج‏}‏ وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالاً وفصله هنا بقوله‏:‏ ‏{‏وللهِ على الناس حج البيت‏}‏ وزاد‏:‏ بيان شرط الوجوب بقوله‏:‏ ‏{‏ومَن كفرَ فإِن اللَهَ غنيٌ عَن العالمين‏}‏ ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة في أهل الكتاب‏:‏ ‏{‏ثم توليتم إلا قليلاً منكم‏}‏ فأجمل القليل وفصله هنا بقوله‏:‏ ‏{‏ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏قُل أَتحاجوننا في الله وهوَ رَبَنا وربُكُم ولنا أَعمالنا ولكُم أَعمالكم ونحن له مخلصون‏}‏ فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضاً لا تصريحاً وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏وكذلِكَ جعلناكُم أُمةٌ وسطاً‏}‏ في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام وأتى في هذه بصريح البيان فقال‏:‏ ‏{‏كنتُم خيرَ أُمةٌ أُخرجَت للناس‏}‏ فقوله‏:‏ ‏{‏كنتُم‏}‏ أصرح في قدم ذلك من ‏{‏جعلناكم‏}‏ ثم وزاد وجه الخيرية بقوله‏:‏ ‏{‏تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏}‏ ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏ولَا تأَكلوا أَموالكُم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام‏}‏ وبسط الوعيد هنا بقوله‏:‏ ‏{‏إنَّ الذينَ يَشترونَ بعهدِ الله وأَيمانهم ثمناً قَليلاً أُولئكَ لا خلاقَ لهُم في الآخرة‏}‏ وصدره بقوله‏:‏ ‏{‏ومِن أَهلِ الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إِليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏
صورة
مقاصد سوره ال عمران :الثبات على المنهج
صورة
صورة
إن الهدف الذي تدور حوله السورة وثيق الصلة بهدف سورة البقرة التي كانت تخبر المسلمين بأنهم مسؤولون عن الأرض، والتي عرضت منهج الاستخلاف. فسورة آل عمران تؤكد الثبات على هذا المنهج، والكثير من الأشخاص - بعد أن يقرأوا المنهج ويتحملوا المسؤولية - يزيغون ويسقطون، ويبتعدون عن المنهج القويم، كالذي يتعبد في شهر رمضان ثم يغلق أبواب الطاعة والعبادة بعده. فالسورة تخاطب المتدينين منذ أكثر من 20 سنة وتثبتهم على الدين، كما تخاطب الشباب الذين تديّنوا بالأمس وتقول لهم أثبتوا على دينكم ومنهجكم لتحقيق استخلاف المسلم في الأرض.
صورة
كيف نثبت على الحق؟
صورة
للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف كيف يزيغ الناس، فالناس يضللون إما بالأفكار التي تشوش عقائدهم، أو يتيهون وسط مشاغل الحياة فتضعف عزائمهم. وبالتالي فأسباب الهلاك فكرية (داخلية) أو عملية (خارجية)، والسورة تحث المؤمن على الثبات في المجالين وتحذره مما قد يكون سبباً في زلته.
لذلك تقسم السورة إلى قسمين:
صورة
1. القسم الأول: الآيات (1 - 120)
الثبات على الحق فكرياً أمام المؤثرات الخارجية، من خلال الحديث عن أهل الكتاب والحوار معهم، وهو أول حوار بين العقائد في القرآن.
صورة
2. القسم الثاني: الآيات (120 - 200)
تتحدث عن الثبات على الحق عملياً أمام المؤثرات الداخلية من خلال الحديث عن غزوة أحد، كنموذج للأخطاء التي قد تقع وكيفية تفاديها.
وقد بَدَأْتُ بالخارج حتى تجهّز للمسلم البيئة المحيطة، وبعد ذلك بدأت بالتكلم على الداخل. والواقع أن السورة تناولت هذين المحورين من خلال التعليق على حادثتين حصلتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

- الحادثة الأولى: لقاء وفد نصارى نجران مع النبي، حين استضافهم في المسجد النبوي وحاورهم لمدة ثلاثة أيام.
- الحادثة الثانية: غزوة أحد والهزيمة أمام المشركين، فتأتي 80 آية للتعقيب عليها، لأن أكثر المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة ولم يطيعوا أوامر نبيهم صلى الله عليه وسلم (وخاصة الرماة).



صورة



صحيح أن هذه الآيات تعلق على حوادث مضى عليها أكثر من 1400 سنة، لكنها تخاطب المسلمين في كل العصور لتعلمهم كيف يثبتوا خارجياً وداخلياً، فكرياً وعملياً.
صورة
البداية و النهاية
صورة
بدأت السورة بما يساعد المسلم على الثبات، وختمت أيضاً بما يثبته على الحق.
اقرأ في بداية السورة:}الم  ٱلله لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ  نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيه{ (1-3).
فإلهكم إله واحد وهو المعين على الثبات، والكتاب حقّ، وهو طريقك إلى الثبات على هذا الدين.

والآية الأخيرة تقول للمؤمنين }يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).
اصبروا أي اصبر نفسك، أما صابروا فمعناها أن تساعد غيرك على الصبر، وأما رابطوا فمعناها أن يبقى المسلم مستعداً لمواجهة أي خطر يأتي من الخارج. والرباط يكون على الثغور لدفع وصد العدو الخارجي سواء كان هذا العدو جيشاً أو فكرة وشبهة.
وذكر القرآن كعامل من عوامل الثبات قد تكرر كثيراً في السورة.

فتأتي الآية (7) لتوضح}هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱلله وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ{.
فالفهم الصحيح للقرآن من أهم عوامل الثبات الفكري والكثير من الناس قد يزيغون ويقعون في الباطل عن طريق اتباع المتشابه من القرآن. فالسورة تحذرنا من هذا الضلال وتحثنا على أن نكون من الراسخين في العلم، وان ندعو بدعاء الثبات:}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (8).
صورة
آيات تدعو إلى الثبات
صورة
وهذه الآيات كثيرة جداً في السورة. فمرة يكون ذلك عبر التذكير بأشخاص ثبتوا عند لقاء العدو.
(في معرض الحديث عن غزوة بدر) }َدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱلله وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱلله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى ٱلاْبْصَـٰرِ{ (13).
ومرة تذكّرنا السورة بالحواريين حين ثبتوا على نصرة دين الله تعالى وعدم الكفر به.
}فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱلله قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱلله ءامَنَّا بِٱلله وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ (52).
وبمناسبة الحديث عن الأمم السابقة، يذكّرنا الله تعالى بعهد الأنبياء وثباتهم على نصرة الإسلام.
}وَإِذْ أَخَذَ ٱلله مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ...{(81).
وفي سورة آل عمران تجد آيات تحثّك على التقوى والثبات على الدين حتى الممات.
}يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{ (102) الآية تقول لك: إياك أن تموت إلا وأنت مسلم.
ولكن كيف ونحن لا نعرف متى نموت؟ الجواب: اتق الله واثبت على طاعته تموت على الإسلام وتضمن حسن الخاتمة إن شاء الله.
وتأتي الآية التي بعدها مباشرة }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{(103).
فإذا أردت الثبات على الحق فاعتصم بالقرآن والزم المتدينين والصحبة الصالحة وإياك والاختلاف.
}وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ...{(105).
صورة


#18 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 20 August 2009 - 04:50 AM

وتتوالى الآيات في السورة لتحث على الثبات في مواطن مختلفة. فتأمل معي قول الله تعالى في الثبات عند لقاء العدو:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ {(146).
وتأمّل قول الله تعالى: }ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱلله وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ  فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱلله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱلله وَٱلله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{ (173-174).
آيات كثيرة تدعو المسلمين للثبات وعدم الضعف والتخاذل تحت أي ظرف. ولأن الثبات أمر خطير ومصيري، فالسورة تحذر من عوامل تزلزل إيمان المؤمن وتقلّل من مقدرته على الثبات.
صورة
عقبات الثبات: (الشهوات والمعاصي)
صورة
صورة
في أوائل السورة نقرأ الآية }زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلانْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ{(14).
فالتعلق بمتاع الدنيا الزائل وشهوتها الفانية عامل خطير ضد ثبات الأمة.
ويقول تعالى: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ{(155).
فهذه الآية تقول بأن الذين تولوا من الصحابة يوم غزوة أحد كان عندهم ذنوب في الماضي، فاستزلّهم بها الشيطان فلم يثبتوا.
ونرى آية أخرى في نفس المعنى:
}أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ{ (165).
صورة
الحل: (التوبة)
صورة
صورة
لذلك تتكرّر الآيات التي تدعو إلى التوبة والمسارعة فيها.
فيقول تعالى:}ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ{ (16).
}إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ{(89).
وتأتي الآية }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{ (133).
فلتكن هذه الآية شعاراً للشباب الذين يقعون في المعاصي، المسارعة بالاستغفار والتوبة لنثبت على الحق ونضمن جنة عرضها السماوات والأرض.

مما سبق تبيّن لنا أن الثبات على الحق أمر مهم وخطير وأن العقبات دونه كثيرة مما يوصلنا إلى السؤال المهم: ما هي العوامل التي تساعدنا على الثبات على الحق؟
صورة
خمسة عوامل: أتت بها السورة وركّزت عليها:
صورة
1. اللجوء إلى الله: فالثبات من الله تعالى وهو القادر على تثبيتنا على منهجه.
لذلك فالسورة تحثّ على الدعاء كثيراً من أولها:
}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (8).
}رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱلله لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ{ (9).
}قُلِ ٱللهمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ{ (26).
إلى أن يصوِّر لنا القرآن نماذج مضيئة وكيف كانت تلجأ إلى الله.
فهذه زوجة عمران تدعو الله قائلة: }رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا{ (35).
وزكريا }هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً
طَيّبَةً{ (38).
وتمضي الآيات في السورة لتحثّ على الدعاء وترغب فيه، فهذا
دعاء الأمم السابقة في الثبات عند لقاء العدو }وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ{ (147).
وهذا دعاء أولي الألباب }رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ  رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ ثَوَاباً مّن عِندِ ٱلله وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ{ (193 - 195).

2. العبادة: وتقرأ في ذلك قوله تعالى: }كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا{ (37) فكانت السيدة مريم عاكفة على المحراب، فتعلم منها سيدنا زكريا لذلك عندما نادته الملائكة لتبشره بيحيى: فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ{(39).
وهكذا نرى أن أجواء العبادة في السورة كثيرة ونصل إلى صفات أولي الألباب في آخر السور لنقرأ قوله تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ...{ (191).

3. الدعوة إلى الله: توجد منطقة في مخ الإنسان هي منطقة القناعات، وهناك منطقة أبعد وأقوى هي منطقة الهوية والإنتماء، ولكي ننقل فكرة في المخ من منطقة القناعات إلى منطقة الهوية والإنتماء لا بد أن نتحدّث عنها. فقد يكون المرء مقتنعاً بالإسلام، لكن الإسلام لم يصبح هوية له. فإذا أراد الإنسان أن يكمل انتمائه إلى دينه فينبغي أن يكثر الحديث عنه، فيقوى انتماءه للفكرة ويثبت عليها. فالدعوة إلى الله من أهم عوامل الثبات لأن الداعي حين يأخذ بيد الناس فإنه سيكون أول من يثبت على ما يدعو الناس إليه. لذا فإن السورة تحتوي على الكثير من الآيات التي تحثّ المؤمن على الدعوة إلى الله:
}وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (104).
}كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلله وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ{ (110).

4. وضوح الهدف: ومن عوامل الثبات أن يكون لك هدف واضح في حياتك.
يقول تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ (191).
فلا بدّ أن نفهم أن هذا الكون قد أنشئ لهدف ولم ينشأ عبثاً، والهدف هو عبادة الله ومعرفته وأن نكون مسؤولين عن الأرض (كما وضحت سورة البقرة).

5. الأخوة: }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{ (103).
فالأخوة في الله تؤمن للمسلم الصحبة الصالحة وهي من أهم نعم الله على الإنسان }فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً{ (103).
لذلك تحذّرنا السورة من تضييع الأخوة والتفرق }وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ{ (105).
الثبات الفكري
صورة
سبق وذكرنا أن السورة تنقسم إلى قسمين:
صورة
والقسم الأول من الآية (1 - 120) يناقش عقيدة أهل الكتاب مناقشة راقية وعلمية ومؤدبة. إنها لا تهدف إلى تسفيه أفكارهم بل تهدف إلى تثبيت المؤمنين فكرياً وتنقية أفكارهم من الشبهات.
لذلك إذا عدنا إلى جو هذه المناقشة، نجد أحداثها تدور في المسجد النبوي مع وفد نصارى نجران الذين مكثوا ثلاثة أيام في المدينة ليتحاوروا مع رسول الله  حواراً هو الأول من نوعه بين المسلمين والمسيحيين. ومن المهم هنا أن نوضح أن الحوار والتفاهم مع الآخر لا يعني أبداً التنازل عن جزء من العقيدة أو القيم والمبادئ، وهذا ما سنراه بوضوح من خلال الحوار الموجود في السورة وتقسيم القرآن الرائع والمنطقي لمراحله:
صورة
تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش
صورة

صورة
تبدأ السورة قبل النقاش بتقوية عقيدة المسلمين:
}شَهِدَ ٱلله أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ{ (18).
}إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱلله ٱلإِسْلَـٰمُ(19).
}أَفَغَيْرَ دِينِ ٱلله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا{ (83).
}وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ{ (85).
}فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لله وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ{ (20).
صورة
إيجاد نقاط اتفاق
صورة
لا بد من إيجاد أرضية مشتركة قبل البدء بأي حوار، وهو ما بيّنه القرآن في قوله تعالى: }قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱلله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱلله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{(64).
وتذكر السورة الإيمان بأنبياء الله تعالى كلهم (بما في ذلك أنبياء أهل الكتاب) كنقطة أخرى من النقاط المشتركة معهم:
قُلْ ءامَنَّا بِٱلله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاْسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84).
صورة
الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت
صورة
}إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱلله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{ (59).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{(65).
}هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ{(66).
}مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ{ (67).
آيات كثيرة في الإقناع العقلي والمنطقي:
}مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱلله ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱلله وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ{ (79).
(وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80).
صورة
تحذير أهل الكتاب من التكذيب
صورة
وبعد أن عرضت الآيات الأدلّة العقلية والمنطقية، تنتقل إلى جانب آخر من النقاش وهو التحذير والترهيب.
}يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱلله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{ (70).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (71).
}فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{ (25).
ثم يشتدّ التحدي:
}َمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱلله عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ{(61).
تسمّى هذه الآية بآية المباهلة: أي أن يجتمع الفريقان المتناقشان ويبتهلون إلى الله بأن ينصر الفئة المحقة ويلعن الفئة الكاذبة، وطبعاً لم يقبل نصارى نجران هذا التحدي الشديد.
صورة
العدل والتوازن في النقاش
صورة
ولأن الإسلام دين راق جداً، هذا الحوار لا يختم إلا بذكر حسنات
بعض أهل الكتاب ويحثّ المسلمين على العدل في النظرة إليهم:
}لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱلله ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ{ (113).
}وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا{ (75).
فالقرآن يعلّمنا أن كونهم غير مسلمين لا يعني أن كل تصرفاتهم خطأ وكل معاملاتهم غش.
يا مسلمون تعلّموا من سورة آل عمران التوازن في التعامل مع غير المسلمين.
والقرآن يثني أيضاً على أنبياء أهل الكتاب:} إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ{ (33).
ويمتدح السيدة مريم باصطفائها على نساء العالمين: }وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَـٰكِ... عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ{(42).
إنه مبدأ رائع في التوازن والعدل، فلم تأت هذه الآية في مدح زوجة النبي ولا ابنته بل أتت في الثناء على السيدة مريم
عليها السلام.
صورة
لا للاتباع الأعمى
صورة
وبالمقابل يحذّرنا القرآن من الاتباع الأعمى لأهل الكتاب بعد أن بيّن لنا عقائدهم:
}ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ{(100).
}وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱلله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱلله فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ{ (101).
}هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ{(119).
}وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ (105).
والملاحظ أن محاور هذا النقاش تأتي ضمن آيات متشابكة متتالية: ثناء عليهم، ثم برهان، ثم نقطة اتفاق، ثم تقوية عقيدة (وهو ما يظهر بوضوح في بعض المقاطع مثل الآيات 79 - 83).
ولا ننسى في خضم هذا النقاش آل عمران هذه العائلة المباركة التي سمى الله تعالى السورة باسمها. من امرأة عمران ودعائها إلى السيدة مريم عليها السلام وتبتّلها، ثم زكريا عليه السلام ودعائه، إلى سيدنا عيسى ووالدته ثم رفعه إلى السماء. آيات رائعة في اصطفائهم وفضلهم على العالمين.
صورة
ختام أقسام السورة بالثبات
صورة
ومن الإشارات الواضحة أن يختم القسم الأول بالثبات }وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً{ (120).
كما ختم القسم الثاني بالثبات } يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).
صورة
الثبات العملي بعد الثبات الفكري
صورة
بعدما ثبت البناء الخارجي ضد الأفكار والشبهات ينتقل القرآن إلى تثبيت البناء الداخلي، ويعالج القرآن هذا الموضوع بالتعقيب على غزوة أُحد. فالمسلمون خرجوا من الغزوة منكسرين، خجلين من عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومن هروبهم وخذلانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان أن عالجهم القرآن علاجاً راقياً من خلال:

1. التذكير بفضل الله عليهم: وأن النصر من عند الله، فذكّرهم بغزوة بدر:
}إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ{(أي أن لا تثبتا على الحق) }وَٱلله وَلِيُّهُمَا{(122) (هو الذي ثبتهما).
}وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱلله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ{ (123).
ونرى في نفس السياق التأكيد على أن النصر من عند الله:
}بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ... مُسَوّمِينَ{ (125).
لاحظ أن الصبر والتقوى قد تكرر ذكرهما في ختام أقسام السورة، كما ذكرا هنا أيضاً كسبب لنزول الملائكة ونصر المؤمنين.
2. الأمر بالتوبة والعودة إلى الله: هنا مظهر آخر من روعة القرآن في التربية والتثبيت، فقبل أن يذكر أخطائهم أو يؤنبهم، يدعوهم للعودة والإنابة إلى الله: }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ{ (133).
}وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱلله فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱلله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ (135).
3. المواساة: رفع الروح المعنوية بين الصحابة، آيات رائعة تخاطب المسلمين في كل زمان ومكان لتثبيتهم رغم كل الآلام وكل المصائب: }وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{ (139).
}إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ{(140).
فتمسح الآيات بحنان على آلام الصحابة، فالكفار قد تألموا مثلكم وفقدوا الأرواح مثلكم.
ثم تأتي الآية الرائعة في التثبيت: }أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱلله ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ{ (142).
فالجنة غالية، ولا بد لمن يطلبها أن يجاهد ويصبر لينالها.
4. لوم رقيق: بعد رفع الروح المعنوية يبدأ اللوم الرقيق.
}وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{ (143).
}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱلله شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱلله ٱلشَّـٰكِرِينَ{ (144).
ويلومهم لوماً آخر: }إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ{ (153).
تخيل هذا المشهد: المسلمون يركضون ولا يستمعون لأحد والرسول  ثابت في أرض المعركة يناديهم ويذكّرهم بالآخرة. ثم ذكّرهم بأحوال السابقين وثباتهم:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ{ (146).
5. عودة للمواساة: }ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ{ (154).
ويحنن قلب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱلله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ(159).
حتى بعد الهزيمة، تأمر الآيات النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك الشورى.
استشعر روعة هذا الدين الذي يمزج اللوم مع الحنان والمواساة في أحلك الظروف وأصعبها.
6. أسباب الهزيمة وعدم الثبات: بعد كل هذا لا بد من تبيان أسباب الهزيمة والثبات حتى يستفيد المسلمون في كل زمان ومكان من الأخطاء التي وقعت:
أ.الاختلاف وعدم الطاعة: }وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱلله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ{ (152).
فالله تعالى قد أصدقكم وعده بالنصر }حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ{(أي لم تثبتوا) }وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ{ (أي اختلفتم) }وَعَصَيْتُمْ{ وهذه إشارة إلى خطورة المعصية وأثرها }مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ{ (من بعد ما أراكم بشائر النصر) }مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ{ (بعضكم كان يبغي متاع الدنيا من وراء القتال، فكانت الهزيمة).
ب.المعاصي والذنوب: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ{(155).
ج.التعلق بالأشخاص: فعندما يتعلق الناس بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالفكرة يضعف ثباتهم وانتماؤهم للفكرة نفسها، فبعض الصحابة ألقى السلاح عندما سمعوا بإشاعة قتل النبي  فنزلت الآيات تؤنبهم
}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ{ (144).
صورة
التحذير من الخلاف في السورة
صورة
لاحظنا أن السورة ركزت على التحذير من الخلاف لأنه من أكثر العوامل التي تؤدي لعدم الثبات وتزلزل الصف الداخلي سواء أكان الخلاف فكريا أو عملياً.
لذلك حذّرت السورة من:
أ. اتباع الآيات المتشابهة من الكتاب بقصد الفتنة والتأويل: }فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ{ (7).
ب.التفرق والاختلاف في الفروع: }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{(103). وتحذرنا السورة من الخلاف والتفرق في آيات
الله }وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ{ (105).
ج. الربا: لأنه من أسباب الخلاف بين المسلمين }يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً{ (130).
د. التفرد بالرأي: لذلك أمرت الآيات النبي بالشورى رغم كل ما حدث في أحد }فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلله{ (159).
صورة
علاقة القسم الأول بالثاني
صورة
1. عدم التعلق بالأشخاص: إن إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم والمفاجأة التي حصلت في أُحد هزت المسلمين، وكذلك فان قصة رفع المسيح فجأة هزت المسيحيين وأدت إلى ما هم عليه من ضلال. فسورة آل عمران توجهنا إلى التعلق بالفكرة لا بالأفراد والأشخاص، فهم يزولون ويموتون وتبقى الفكرة ويبقى الدين، فيا شباب إن أردتم الثبات فإياكم والتعلق بداعية ما أو بشخص ما ونسيان الفكرة والرسالة.
2. أهمية الاتباع: مع أن السورة ركّزت على عدم التعلق بالأشخاص لكنها بيّنت أهمية الاتباع والطاعة.
- ففي القسم الأول: }فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱلله قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱلله{ (52).
هذه الآية وضّحت الغاية }إِلَى ٱلله{ وبيّنت لهم الوسيلة والطريق: }مَنْ أَنصَارِي{ فلا بد لهم أن يكونوا من أنصار النبي.
- ونرى في القسم الثاني آية عامة على مر العصور في اتباع الأنبياء:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ{(146).
والآية }إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ{ (153).
تلوم المؤمنين على تقصيرهم في اتباع النبي وطاعته في غزوة أحد.
لماذا سميت السورة بآل عمران؟
ما علاقة كل ما قيل عن الثبات بآل عمران؟ إن الله تعالى قد اختار في هذه السورة رمزين من رموز الثبات، امرأة آل عمران، ومريم بنت عمران، وسرد لنا قصتهما في ربعين كاملين من السورة. فالسيدة مريم ثبتت على طاعة الله تعالى وعبادته وثبتت على العفة حتى استحقت أن تذكر بهذه الصفة في القرآن }ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا{ فمن أخطر الأمور التي تضيّع الأفراد وتضيّع المجتمعات الفشل في الثبات على الطاعة وعلى العفة. فكانت السيدة مريم عليها السلام رمزاً للثبات عليهما.
صورة
وأما زوجة عمران فقد كان همها الأول أن يكون الجنين الذي تحمله ناصراً لدين الله تعالى: }رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي{ (53).
محرّراً أي خالصاً لك فكانت تريده أن يحرر المسجد الأقصى من يد الرومان المعتدين وبذلك كانت رمزاً للثبات على فكرتها حتى بعد أن علمت أن وليدها كان أنثى. }فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱلله أَعْلَمُ ِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ...{ (36) فتقبّل الله تعالى من امرأة عمران صدق نيتها }فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا...{(37).
صورة
واللطيف أن الله تعالى ذكر هذين الرمزين في السورة التي تناقش أهل الكتاب وهذه طريقة مميّزة للقرآن في تقريب الناس كما مرّ معنا. فمع أنه ينكر على ما يعتقده أهل الكتاب لكنه يثني على شخصيات عظيمة يؤمنون بها كزوجة عمران والسيدة مريم.
صورة
قيمة المرأة في السورة
صورة
واللطيف أيضاً في السورة التي تتحدث عن الثبات أن الله تعالى قد جعل نموذج الثبات سيدتين فالسورة مع أن اسمها آل عمران، لم تذكر عمران نفسه بل ركزت على زوجته ونيتها المخلصة في نصرة دين الله التي كانت سبباً بعد ذلك في ولادة السيدة مريم ومن بعدها سيدنا عيسى. لاحظ أيضاً أن سيدنا زكريا على ما له من قيمة في أنبياء بني إسرائيل قد تعلّم من السيدة مريم.
}كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ
يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱلله...{ و}هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ...{(37-38).
فرمز الثبات في السورة هو النساء، والسورة التالية بعد آل عمران هي أيضاً سورة النساء، وهذا أوضح دليل على تكريم الإسلام للمرأة ورفع قدرها.
صورة
فالثبات الثبات على الحق فكراً وعملاً، واجعل لك مبدا وهدفا فى حياتك واثبت عليه ، وتعلّموا من السيدتين اللتين ذكرتا في هذه السورة: امرأة عمران، ومريم بنت عمران.
صورة



#19 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 25 August 2009 - 01:07 AM

  

صورة

  

  

صورةصورةصورة

صورة

المقاصد النورانية لسورة النساءصورة
صورة



"العدل والرحمة مع الضعفاء أساس بناء لأمة"
صورة




النساء هن الوعاء الحاضن للنفس البشرية ككل , حيث تجد أن مهمة الرجل في الحياة هي السعي لكسب الرزق فيتعامل من خلال مسيرة حياته مع غيره من بني جلدته ويتعامل أيضا من جانب أخر مع الجماد والحيوان والنبات ,أما المرأة فإن مجالها وهدفها السامي الذي كرمها الله به أنه جعلها الحاضنة لأكرم مخلوقاته على الأرض وهو الإنسان .

صورة



إن مراحل (الطفولة) عند الحيوانات تجدها قصيرة بعض الشيء فربما تكون شهر أو شهرين وربما تصل إلى سنة أو سنتين, أما مرحلة الطفولة عند الإنسان تظل حتى 14 سنه, فهي أطول فترة حياة للطفولة للمخلوقات لماذا ؟


لأن مهمة هذه النفس البشرية جليلة و رفيعة وهي الخلافة في الأرض. وقد كرم الله هذه الطفولة بأن جعلها في حضانة امرأة تكريماً وتشريفاً ورحمةً من الله على هذا الطفل وإعلاءً لشأن المرأة التي سفهها وحقرتها جميع الأفكار الأخرى سواءً أكانت نصرانية أو يهودية أو غيرها من المعتقدات ,فانظر إلى رجل أمام القاضي يريد أخذ ابنه وضمه إليه بينما تقف زوجته في نفس الموقف والكل يعطى حجته ودليله في الأحقية بكفالة هذا الطفل, فتقول المرأة لزوجها: }لقد حملته أنت (قطرة ) لا حمل لها ووضعته شهوه ولكني حملته كرها على كره" وحمله وفصاله ثلاثون شهراً "{فبعد أن ذكر الله قصة السيدة مريم في سورة آل عمران ولم تكن نبيه أو رسوله ولكنها نذرت لله ما في بطنها تكليفاً فرفع الله شأنها في القرءان إظهاراً لهذا الدور في التربية وإنشاء النسل البشري .



" يا أيها الناس اتقوا ربكم"
صورة



الحق سبحانه وتعالى عندما يخاطب الذين امنوا في كتابه الكريم فانتظر بعدها تكليفاً من الله ,لكنه سبحانه وتعالى يقول أنا لا أكلفك إلا ما كلفت به نفسك لأنك أمنت بي وما دمت أمنت برب قادر حكيم فأنصت واستمع,فقد دخلت باختيارك للإيمان ,فاستمع لمن أمنت به .فحين تختار طبيبا أنت اخترته لقدرته وحكمته وتفوقه فانه حين يأمرك بشيء فأنت مطيع له فتأتمر بأوامره وتنتهي بما نهاك عنه ولله المثل الأعلى .

صورة

"يا أيها الناس...اتقوا ربكم "فما معنى التقوى ؟


أول التقوى أن تؤمن به اله ....فحين تؤمن بالله سبحانه يعرض عليك ما يتوجب من الإيمان به والانتهاء عنه


ولم يقل الله اتقوا الله لأن لفظ الجلالة (الله) أساسه هو العبادة فيجب أن تعبده وتنصاع لأوامره ,فهم الآن في مرتبة الربوبية ولم يصلوا للعبودية,فذكر الله "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم " ... فيا أيها الناس الذين يؤمنون بان الله هو ربهم الذي خلقهم فوجوب هذا الإيمان هو طاعة لله ,فأراد الله أن يجعل هذا الإيمان الذي لا جدال فيه ولا شك فيه أمراً لكل الناس مسلم كان أم كافر .


وقال الله تعالى :"وخلق منها زوجها " فخلق الله الذكر والأنثى من نفس واحده وخلق المرأة من ضلع آدم ,فأشار الله عز وجل إلى دليل أن خلق حواء من ضلع ادم ولم يفصل الله تعالى مراحل خلقها في المقابل أظهر الله تعالى تفصيل خلق ادم تفصيلا من تراب ومن ثم صلصال فاترك عنك الظنون .


لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: "ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم" وحيث أن الله تعالى لم يشهدهم ذلك الخلق فلا يوجد علم تجريبي لهذا الأمر فمن أذاع أمر نظرية تطور القرود إلى إنسان لا أساس له من الصحة لأنه لم يأتي بدليل, فلماذا لم تتحول باقي القردة إلى البشر ,فيقول الله للمضللين "وما كنت متخذ المضلين عضدا".



بنا نبدأ بمقاصد سوره النساء
صورة


سورة النساء (سورة مدنية) نزلت بعد سورة الممتحنة وعدد آياتها (176) مائة وست وسبعون آية، وهي السورة الرابعة في ترتيب المصحف بعد سورة آل عمران.


سورة النساء هي سورة العدل والرحمة وخاصة مع الضعفاء فبعد أن حدّدت سورة البقرة مسؤولية المسلمين في الأرض وعرضت منهج الاستخلاف، جاءت سورة آل عمران لتدعو إلى الثبات على المنهج القويم وإلي المسؤولية الملقاة على عاتق المؤمنين. ثم جاءت سورة النساء لتعلمنا أن المستأمن على الأرض لا بد أن يكون على قدر من العدل والرحمة تجاه الضعفاء الذين استؤمنوا عليهم وكأن الصفة الأولى التي تميّز المسؤولين عن الأرض هي العدل, ولهذا فإن سورة النساء تتحدث عن حقوق الضعفاء في المجتمع, وتتحدث عن اليتامى والعبيد والخدم والورثة، كما تركز بشكل أساسي على النساء.

صورة

وكذلك فإنها تتحدث عن الأقليات غير المسلمة التي تعيش في كنف الإسلام وعن حقوقها بالإضافة التوجه إلى المستضعفين أنفسهم وكيف ينبغي عليهم التصرف في المواقف المختلفة. ويضاف إلى ذلك كله الحديث عن ابن السبيل وعن الوالدين وكيف يجب أن يُعاملوا, فهي سورة الرحمة وسورة العدل,ويتكرر في كل آية من آياتها ذكر الضعفاء والعدل والرحمة بشكل رائع يدلنا على عظمة الإعجاز القرءاني في التكرار دون أن يملّ القارئ.



سبب التسمية: بيتك أولاً
صورة


سبب تسمية سورة النساء بهذا الاسم فهو أن المرء لو عدل مع زوجته في بيته ورحمها فإنه سيعرف كيف سيعدل مع بقية الضعفاء.فهي سورة المستضعفين وقد اختار الله نوعاً من أنواع المستضعفين وهم النساء , وكأن الله يخبرك : قبل أن أستأمنك على الأرض، أرني عدلك في بيتك، فلو عدلت ورحمت في بيتك فستكون مستأمناً للعدل في المجتمع، وإن العدل مع النساء في البيوت نموذج يقاس به عدل المسلمين في امتحان الاستخلاف على الأرض،

صورة


فهل سنجد بعد هذا من يدّعي بأن الإسلام يضطهد المرأة ولا يعدل معها؟



إن هذه الادّعاءات لن تنطلي على قارئ القرءان بعد الآن وخاصة مع الذي يقرأ سورة النساء، فهناك سورة كاملة تتناول العدل والرحمة معهنَّ، وقبلها سورة آل عمران التي عرضت السيدة مريم وامرأة عمران كنموذجين للثبات (كأن سورة آل عمران تمهّد لتكريم المرأة).


فتعالوا الآن أيها الأخوة نخوض في رحاب الآيات الكريمة ونجدد النية في أثناء قراءتها أن نعدل مع كل الناس خاصة مع الضعفاء منهم.

دعامة الاستخلاف هو العدل
صورة

تبدأ السورة بداية واضحة في توضيح هدفها: ]يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء...[ (1) فهذه الآية تخبرنا بأن الأصل الإنساني واحد ]مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ[ فلما الظلم؟؟ وتبيّن الآية أن النساء قد خلقن من الرجال، وفي هذا دعوة صريحة للرأفة بهنّ كما في حديث النبي: "النساء شقائق الرجال". والملاحظ أن السورة بدأت بخطاب عالمي ]يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ[ بينما سورة المائدة بدأت بخطاب المؤمنين ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ[ وذلك لأن العدل قانون عام للأمم كلها. فلا يمكن لأمة أن تسود في الأرض وهي ظالمة.. فالعدل أساس الملك وأساس الاستقرار وأساس الاستخلاف. وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:


(.. وأمور الناس تستقيم مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام..) 28/146 مجموع الفتاوى.


ولاحظ أن سورة النساء ابتدأت بنفس المعنى الذي ختمت به السورة التي قبلها: التقوى. فقد ختمت آل عمران بـ ]وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[(200) وابتدأت سورة النساء بـ]يَـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ[ (1).


لا تأكل النار
صورة

والآية الثانية تحذّر من ظلم نوع آخر من المستضعفين:]وَءاتُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوٰلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً[ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى: ]وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ[ كان العرب يربّون اليتيمة فينفقون عليها من مالها، فإذا كبرت وأراد أن يتزوجها وليها فقد يبخسها في مهرها، ولا يعطيها مهراً مثل ما يعطي غيرها من النساء، فأتت الآية لتدافع أيضاً عن تلك الفئة المستضعفة من النساء، وفي هذه الآية نرى القاعدة المشهورة في إباحة عدد الزوجات: العدل ثم العدل ثم العدل وإلا فواحدة.]فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوٰحِدَةً...[.



المهر: حق الزوجة مع طيب نفس
صورة

ثم تأتي الآية الرابعة لتقر حق الزوجة في المهر، وأهمية أن يعطيها الرجل مهرها "نحلة" أي عن طيب نفس]وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً[.

صورة


فانظر أخي المسلم إلى هذه الرحمة المتبادلة بين الزوجين يرسّخها الإسلام في آية المهر, فالمطلوب من الرجل طيب النفس في العطاء، أما المرأة فهي مخيّره بين أن تحتفظ بحقّها أو أن تطيب نفسها ببعضه إكراماً لزوجها. آية رائعة في الجمع بين المطالبة بحق الزوجة وبين العلاقة الحميمة المتبادلة في العطاء عن طيب النفس.


العدل حتى مع السفهاء
صورة

وتمضي الآيات لتحقق العدل مع فئات المجتمع المختلفة، حتى السفهاء من الناس ]وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱلله لَكُمْ قِيَـٰماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً[ (5) والسفهاء هم الذين لا يحسنون إدارة أموالهم بحيث لو أنه ترك معهم لتبدد بسرعة. فحتى هذه الفئة من الناس لا يجوز أن تظلم أو أن تستغلّ، كما يفعل البعض بحجة سفاهة صاحب المال.


ثم تأتي الآية السادسة أيضاً لتقرر حق اليتامى في مالهم إذا بلغوا سن الرشد ]وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُمْ مّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوٰلَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ[.


والآية السابعة تقرّر حق المرأة في الميراث الذي حرمها منه بعض العرب في الجاهلية]لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً[.


والآية الثامنة تجمع بين العدل والإحسان ]وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُمْ مّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً[.


إحفظ أولادك من بعدك بالعدل
صورة


والآية التاسعة تصحح مفهوماً سائداً عند الناس ]وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱلله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً[ كثير من الناس يأكلون الحرام ويعتدون على غيرهم بحجة أنهم يخافون على أولادهم بعد وفاتهم، لكن السورة تقول العكس: اعدل مع غيرك وقل قولاً سديداً يحفظ لك الله أولادك.

صورة

ثم تأتي الآية العاشرة لتحذِّر من الظلم تحذيراً شديداً ]إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً[.


الميراث بالعدل
صورة

وبعد ذلك تأتي أحكام الميراث للأولاد والبنات في الآية (11) ]يُوصِيكُمُ ٱلله فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ...[هذا هو العدل لأن تقسيم الإرث ليس على أساس الأفضلية، وليس بنسبة متساوية بين الذكر والأنثى بل على أساس الواجبات والمسؤوليات لكل واحد منهما. فالرجل عنده مسؤولية النفقة على بيته وزوجته. بينما المرأة ليس عليها أي واجب للنفقة وإذا تزوجت فعلى زوجها أن ينفق عليها وتبقى لها حصتها من الإرث.


ثم الآية (12) تفصل الميراث بين الزوجين أيضاً بالعدل ]وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ[ فباختصار أخي المسلم، كلما أحسست بأن العدل قد نقص من حياتك خاصة مع زوجتك، بيتك أو الضعفاء فعليك أن تقرأ سورة النساء: سورة العدل وأن تعرض نفسك على آياتها.



تلك حدود الله
صورة

ثم تأتي آيتان (13-14) محوريتان في الترغيب بالعدل والترهيب من الظلم والتعدي على حدود الله]تِلْكَ حُدُودُ ٱلله وَمَن يُطِعِ ٱلله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ & وَمَن يَعْصِ ٱلله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ[.


فماذا لو وقع الظلم من البشر؟


تأتي الآية (17) لتجيب على السؤال مباشرة وتفتح باب التوبة ]إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱلله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱلله عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱلله عَلِيماً حَكِيماً[.


شعار السورة: وعاشروهنّ بالمعروف
صورة
صورة

وتعود الآيات إلى الحديث عن العدل مع النساء ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً...[ (19) فهذه الآية تحذّر من إرث النساء كرهاً ]وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ[ (19).. فليس معنى ]وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ[ أن لا يظلم الرجل زوجته فحسب، بل إن العلماء قالوا بأن المعاشرة بالمعروف هي أن يتحمّل الرجل الأذى من زوجته ويصبر عليها ويرقق قلبها حتى يذهب عنها غضبها كما كان يفعل النبي r: وتمضي الآية لتقول ]فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱلله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً[ (19).

وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً
صورة

ثم تأتي الآية (20) ]وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً[


هذه الآيات تجمع بين العدل والواقعية في التعامل مع المرأة، فأولاً: عاشروهنّ بالمعروف، ثم لو كرهتها فاصبر فإذا لم تقدر وأردت استبدال زوجة مكان زوجتك فإياك أن تأخذ من مهرها شيئاً، حتى لو كان قنطاراً أي مالاً كثيراً. والآية شديدة في هذا المعنى ]أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً[.



لماذا ذكر البهتان هنا ؟ لأن العرب كانوا إذا أرادوا استبدال زوجتهم رموها بفاحشة (بهتاناً) حتى يدفعوها إلى رد كل ما يريدون من المهر، فوبّختهم الآية (20) بقوّة.



ثم تأتي آية من أروع الآيات القرءانية في ترقيق القلوب بين الزوجين من ناحية وفي تغليظ وتعظيم عقد الزواج من ناحية ثانية: ]وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً[ (21) وكلمة (أفضى) تدلّ على عمق العلاقة بين الزوجين فتذكّر الزوج بعشرات الصور الجميلة قبل أن تسوء العلاقة مع زوجته، في الليل والنهار في غرفة النوم وفي النزهات.


وأما الميثاق الغليظ، فهو عقد النكاح أيها الرجل، عندما وضعتَ يدك بيد وليّ زوجتك وقلت "على كتاب الله وسنة رسوله". فهنا تحذير شديد لكل زوج من أن ينقِض هذا العهد الذي يُشهد الله عليه. والملفت أن عبارة ]مّيثَـٰقاً غَلِيظاً[ لم ترد في القرءان إلا ثلاث مرات: مرة مع الأنبياء، الذين أوفوا بهذا الميثاق الغليظ (سورة الأحزاب، الآية 7)،



ومرّة مع بني إسرائيل، الذين نقضوا الميثاق (سورة النساء الآية، 154) والمرة الثالثة هي معك أيها الزوج عند عقد القرءان.


من صور تكريم الإسلام للمرأة
صورة

لقد ظلمت المرأة كثيراً عبر التاريخ فجاء الإسلام وأُنزلَت سورة النساء لتردّ لها حقوقها. فمن مظاهر الظلم التي كانت موجودة أن يرث الرجل كل ثروة أبيه، ويرث مع المال كلّ زوجاته - إلا أمه - إذلالاً لهنّ، فتأتي الآية (22) ]وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً[ لتنهى عن هذه الفعلة الشنيعة.

صورة


وتتابع الآيات وتتحدث عن حقّ آخر هو حق الزواج من العبيد في الوقت الذي لم يكن هناك قانون يلتفت لحقوقهم فلو كان الرجل غير قادر على الزواج من المحصنات أي الحرائر وأراد الزواج بأمة فان الآية تقول.. ]فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ[ ولم تقل الآية (سيدهنّ). فالقرءان سمّى السيد بالأهل ليحثّ على الرحمة بهنّ ويراعي مشاعرهنّ ]فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ[ (25) أي ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفس، ولا تبخسوهن حقهن لكونهن إماء مملوكات.

ولا متخذات أخذان
صورة

وبعد ذلك تخاطب الآية النساء ]وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ[ وتحذرهن من العلاقات غير الشرعية مع الرجال (تحت عنوان المصاحبة) فالسورة تتحدث عن رحمة ورأفة الإسلام بالمرأة بأن لا يكون لها صديق عاشق لأنها ستشعر بالإحباط إذا تركها، وهو ما ستؤول إليه كل علاقة بدأت بمعصية.. وستتحطم سمعتها وحياتها في المستقبل. والنساء في هذه الحالة يشكلن نوعاً آخر من المستضعفين لأن قلوبهن رقيقة وعاطفتهن قوية. فيا أيتها البنات، أنتن غاليات عند الله تعالى والإسلام يحمي مشاعركن من أن يعبث بها شاب لاهٍ غير مسؤول.

تخفيف العقوبة على الضعفاء
صورة

ما زلنا مع الآية (25) والتي تنص على مظهر رائع من مظاهر عدل الإسلام ورحمته مع الضعفاء: ]فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ[ وهذا عكس ما نرى في القوانين الرومانية والهندية القديمة في تشديد العقوبة على الطبقات المتدينة وفي حين أن الإسلام يرأف بالطبقات الضعيفة ويخفف عنها العقوبة.



ثم تأتي الآيات (26 - 27 - 28) لتذكر رحمة الله ورأفته بالأمة المحمدية وبالبشرية كلّها. وهذا أيضاً من باب الرحمة بالضعفاء لأن الآية تقول ]وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً[ اقرأ معي الآيات وتأمل كيف يبين لنا الله رأفته وعدله ويذكرنا بضعفنا في وسط الآيات الكثيرة التي تدعو للرأفة بالضعفاء ]يُرِيدُ ٱلله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱلله عَلِيمٌ حَكِيمٌ & وَٱلله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً & يُرِيدُ ٱلله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً[.


العدل في الأموال والأنفس
صورة

وبعد أن تناولت الآيات مظاهر العدل في مجالات مختلفة (المرأة ثم الأسرة ثم المجتمع) تنتقل إلى العدل في التجارة والمعاملات المالية ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ[ (29) ثم إلى العدل مع الحياة البشرية وعدم سفك الدماء ]وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱلله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً[.



#20 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 25 August 2009 - 01:09 AM

لا إفراط ولا تفريط
صورة

وتأتي الآية (34) لتنظّم الضوابط داخل الأسرة المسلمة لأن الرجل قد يدفعه حرصه على العدل مع الزوجة إلى التراخي وعدم الحزم، وقد يترك زوجته تفعل أشياء خاطئة، فتعطينا الآية صورة من صور التوازن في الإسلام: الحزم مع العدل ]ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء بِمَا فَضَّلَ ٱلله بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱلله وَٱللَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ[ فالمرأة مأمورة شرعاً بطاعة زوجها لتستقيم الحياة داخل البيت، فإذا أخطأت المرأة وكان الزوج يعطيها حقّها، فلا ينبغي أن يتركها تفعل ما تشاء (مخافة أن يظلمها)، فلا بد من الحزم هنا، وعدّدت الآية مراتب التأديب: الوعظ ثم الهجر في المضاجع ثم الضرب وينبغي التنبه إلى أن الضرب لا يكون إلا في حالة النشوز، وهو العصيان الشديد الذي قد يؤدي إلى دمار البيت، فالضرب إذاً حالة نادرة ولا يجوز أن يلجأ إليه الرجل متى شاء تحت حجة أن القرءان أمر به دون أن ينسى أن له ضوابط عديدة والهدف منه هو إشعار المرأة بالخطأ لا إشعارها بالألم.ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث أنه لم يضرب في حياته امرأة أو خادماً قط.


لا تظلم نفسك
صورة

ثم تعود آيات السورة للحديث عن العدل فتحذّر من الشرك بالله ]وَٱعْبُدُواْ ٱلله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً[ (36) لأن أعظم الظلم الشرك كما ورد في سورة لقمان ]إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ ثم توزّع الآية (36) العدل والإحسان على فئات المجتمع المختلفة وخاصة الضعيفة منها ]وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً[ أي الوالدين عند الكبر ]وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً[. أرأيت كيف تتوالى آيات السورة التي - وإن اختلفت في مضمونها - تصب وتخدم محوراً واحداً وهو العدل بكل أشكاله.


عوائق العدل والرحمة
صورة

وبعد ذلك تتحدث السورة عن صفات مذمومة لو وجدت بشخصٍ لأثّرت سلباً في قدرته على العدل والرحمة بالضعفاء، فتبدأ الآية 37 بالحديث عن البخل ]ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتَـٰهُمُ ٱلله مِن فَضْلِهِ[ ومن ثم الرياء وحب الظهور الآية 38 ]وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ رِئَـاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلله وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً[.


إن الله لا يظلم مثقال ذرة
صورة

بعد كل هذه الآداب يذكّرنا تعالى بفضله وكيف أنه يعاملنا بالفضل قبل العدل فكيف يأبى الإنسان أن يتعامل مع غيره بالعدل. ]إِنَّ ٱلله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً[ (40).


والآية التي بعدها تذكرنا أن النبي r سيشهد على عدلنا يوم القيامة ]فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً[ (41) فكأن الله يقول للظالم: إحذر فسوف يشهد النبي على ظلمك، ويقول للعادل: إفرح، فسوف يشهد حبيبك r على عدلك.


ثم تأتي آية محورية تمثّل قلب السورة ]إِنَّ ٱلله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلامَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱلله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱلله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً[ (58).


طاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم أساس العدل
صورة

وهذا المعنى واضح في الآية (59) التالية: ]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱلله وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱلله وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱلله وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[.


فالاحتكام إلى شرع الله وردّ كل خلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله هما صمّام العدل والرحمة في المجتمع وإن بدا فيهما غير ذلك، كما هو واضح في الآية (64)، فإذا عصى المؤمن أوامر الله ورسوله فيكون قد ظلم نفسه ]وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱلله وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱلله تَوَّاباً رَّحِيماً[. فكيف نحقق تمام العدل؟ تجيب الآية (65) بوضوح شديد ]فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً[ يا مسلمون، اعرضوا أنفسكم على كتاب الله وعلى سنة النبي وسلّموا بحكم النبي، وإياكم أن تترددوا أو تتحرجوا من أوامر النبي لكي يشهد النبي على عدلكم في الآخرة.


القتال للحفاظ على حقوق المستضعفين
صورة

وتتابع الآيات إلى أن تصل إلى ربع حزب كامل يتحدّث عن القتال من أول الآية (74) ]فَلْيُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱلله ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلاْخِرَةِ[ ما علاقة هذا الربع بالعدل؟ إن استمرار العدل في المجتمع يتطلب وجود قوّة لتحافظ على حقوق المستَضعفين، فالقتال في الإسلام ليس للعدوان وليس هدفاً لذاته، وإنما هو وسيلة لهدف، ودليل ذلك الآية (75) ]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرّجَالِ وَٱلنّسَاء وَٱلْوِلْدٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّـٰلِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً[. والملاحظ أن أكثر أحكام القتال وردت في سورة النساء، لأن النساء مصنع المجاهدين أولاً، ولأن المرأة مقاتلة في بيتها. فالمرأة التي يتعبها زوجها وتصبر على ظلمه تقاتل وتستشهد في بيتها كلّ يوم مئة مرّة. فكان إيراد أحكام القتال في السورة رسالة للمرأة لتقول لها (والله أعلم) أنك أيضاً مقاتلة في صبرك على زوجك وحمايتك لبيتك.

أثر الإعلام على العدل
صورة


وتأتي في هذا الربع أيضاً آية مهمة، تخاطب الإعلاميين في كل زمان ومكان وتشير إلى أثر الإعلام على العدل ]وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلاْمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[ فالإعلام قد يكون بيئة مخيفة للقاضي وللرأي العام فتنقلب المفاهيم وتؤثر على حكم العادل، لذلك لا بد من ردّ الإشاعات إلى أولي الأمر وعدم التأويل والاستنباط. إنها رسالة واضحة للمسلمين في زماننا أن يمحّصوا ويتثبتوا مما تبثه وسائل الإعلام.

خطر النفاق
صورة

وبعد ذلك يأتي ربع حزب كامل يتحدث عن خطورة المنافقين على المجتمع ]فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱلله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ[.وسبب ذكر المنافقين هو التنبيه إلى أن انتشارهم في المجتمع هو أعظم سبب لتضييع العدل وتضييع حقوق الضعفاء,فهم يفسدون المجتمع ويضيّعون قيمه وخاصة قيمة العدل.

صورة

وبعد ذلك تصل بنا الآيات إلى قمة العدل: العدل حتى أثناء القتال ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله فَتَبَيَّنُواْ[ إنها الأخلاق الحربية التي كان الإسلام رائداً في الدعوة إليها.

كن إيجابياً لتنال العدل
صورة
صورة

في كل الآيات السابقة كان القرءان يخاطب الأقوياء والمسؤولين ويأمرهم بالعدل مع الضعفاء والرحمة بهم. لكن القرءان في الآية 97 يطلب من المستضعفين الإيجابية والحركة وعدم الخضوع والهوان لكي لا يظنوا أن واجبهم في الأرض يقتصر على انتظار العدل واستجداء الرحمة من الناس ]إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱلله وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً[.

القصر في الصلاة من رحمة الله بنا
صورة

وبعد ذلك ينبهنا الله تعالى إلى رحمته التي يعامل بها خلقه وعباده، فتأتي الآية (101) لنتحدّث عن القصر في الصلاة وصلاة الخوف ]وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلوٰةِ...[ فالله تعالى يلفت انتباهنا في هذه الآية إلى رحمته بنا لنرحم الناس.

صورة



مع الأقليات غير المسلمة
صورة

وأخيراً نصل إلى العدل مع الأقليات غير المسلمة في المجتمع المسلم. وذلك أن أحد المسلمين في عهد النبي r سرق واتّهم يهودياً. علِم مسلم آخر بالأمر وشهد زوراً حتى لا يتعرّض المسلم للحد وذلك تحت حجة الأخوة.


فنزلت الآيات تخاطب المسلمين خطاباً شديداً ]إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱلله وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ خَصِيماً[ (105) ثم تشتدّ اللهجة على الظالم ]وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً[ (112) فشهد الله تعالى من فوق سبع سماوات ببراءة اليهودي مما نسب إليه ليرسخ في الإسلام هذه القواعد الحضارية في التعامل مع الديانات الأخرى.


عودة للنساء
صورة

في أواخر السورة نرى عودة لبعض الأحكام المتعلقة بالنساء مع التركيز على ضوابط العدل والرحمة ]وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء قُلِ ٱلله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء[ (127) ونرى دعوة أخرى إلى العدل عند تعدد الزوجات ]وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ[ (129) أي إلى واحدة منهم ]فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ[ (129) لا هي متزوجة ولا مطلّقة فهذا ظلم لها وسوء استعمال للصلاحية التي في يد الرجل.


كونوا قوّامين بالقسط
صورة

صورة

لذلك نرى الآية (135) تذكرنا بهدف السورة بقوّة قبل ختامها:


]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ


أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلاْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فقَيراً فَٱلله أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱلله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً[.وقوامين هي لفظة مبالغة تعني: شديدي القيام بالعدل. والآية تحذّرنا من اتباع الهوى لأنه عامل خطير في التسبب بظلم الناس.


ظلم أهل الكتاب
صورة

ثم تنتقل السورة إلى انتقاد بعض أخطاء أهل الكتاب المتعلّقة بموضوع السورة وذلك لتحذير المسلمين من أفعالهم ]فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ[ (160) بسبب ظلمهم ضيّق الله عليهم الحلال. فماذا كانت مظاهر ظلمهم ]وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱلله كَثِيراً & وَأَخْذِهِمُ ٱلرّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَـٰطِلِ[ (161).


وتتناول الآيتان (171-172)]يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱلله إِلاَّ ٱلْحَقَّ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱلله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ فَـئَامِنُواْ بِٱلله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلَـٰثَةٌ ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا ٱلله إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ وما فِى ٱلسَّمَـٰوٰت وَمَا فِى ٱلاْرْضِ وَكَفَىٰ بِٱلله وَكِيلاً & لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً[ أيضاً انحراف عقيدة النصارى. وإيرادها هنا يخدم هدف السورة من ناحية أخرى: فإن سبب تحريف دينهم وكتابهم هو الاستضعاف والاضطهاد من الرومان للجيل الأول من النصارى. فكأن الرسالة هنا للمؤمنين: نصرة الدين وتقويته ودعمه حتى لا يبدل ويحرّف كما جرى مع أهل الكتب.وتأتي بعدها آيتان شديدتان في التحذير من الظلم ]إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱلله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً & إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا...[ (168-169).




هذه سورة النساء، سورة العدل والرحمة مع كل طبقات المجتمع
صورة



ومما تميزت به هذه السورة أنها الأكثر إيراداً لأسماء الله الحسنى في أواخر آياتها (42 مرة). تشمل هذه الأسماء العلم والحكمة (عليم حكيم) أو القدرة والرحمة والمغفرة، وكلها تشير إلى عدل الله ورحمته وحكمته في القوانين التي سنّها لتحقيق العدل.


أخي المسلم، اقرأ سورة النساء بنية تطبيق العدل في حياتك، في بيتك وأهلك أولا (وخاصة زوجتك ووالديك)، ومع جيرانك وكل مجتمعك مهما يكن دينهم أو طبقتهم الاجتماعية.

صورة