إنتقال للمحتوى





انفرادات سورة ال عمران بواسطة: محبه الزهراوين           صفحة تسميع الحبيبة " سندس واستبرق " بواسطة: سُندس واستبرق           صفحة تسميع أحاديث رياض الصالحين للحبيبة: سندس وإستبرق بواسطة: سُندس واستبرق           حَ ـملة | قَلْبٌ خَاشِـ❤ع بواسطة: سُندس واستبرق           سلسلة : روائع البيات لـ د/ رقية العلواني بواسطة: امانى يسرى محمد           ((أحكام الجنائز)) بواسطة: ميرفت ابو القاسم           شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة بواسطة: ميرفت ابو القاسم           يا نفس توبي () العبد التوَّاب! بواسطة: جوهرة بحيائي           تاملات قرآنية .....(متجددة) بواسطة: امانى يسرى محمد           الشبهات بواسطة: إسراء خلّاف          
- - - - -

سلسلة سير أعلام الشهداء


  • لا تستطيع إضافة موضوع جديد
  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
6 رد (ردود) على هذا الموضوع

#1 أم أنس الشامية

أم أنس الشامية

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 16 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 01:17 PM

[حصاد الأجور وباكورة الخير]

قال صلى الله عليه وسلم ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) الحديث،
والكلام عن حصاد الأُجور كلام عن الجبال شموخا وعن التوحيد صفاءاً، وعن السبق طريقاً، وعن التضحية شعارا، وعن الغربة دينا وعن الأخوة رابطة، وعلى الجملة، عن الجنة هدفاً والنبي قائداً والله رباً، والإسلام ديناً، فمن هم؟.
هم وفد الخير الأول وباكورة الثمر الأوحد، هم رهط الله إلى الجهاد، وقوّاد الدين إلى العزة، ومعلمو العراق الخير، أو سواق الخير إليه، هم سر جهادنا، وفخر رجالنا، وطليعة أمتنا، وأشرف من مشى فينا، ولم يأت بعدهم مثلهم ((والسابقون السابقون أولئك المقربون)) هم ((أبو تراب، أبو فريدة، أبوحفص، أبو طارق)) أول وفود الإستشهاديين إلى العراق، وحقا كانوا أوائل في كل شيء.
جاءوا من أرض الكنانة من مصر الحبيبة الأسيرة، من مركز محافظة الشرقية مدينة الزقازيق، حي الجهاد.

[ أبو تراب]

جليس لا يمل، أنيس لا يضجر، وجهه قطعة من القمر، إذا رأيته ذكرك بالله، القران أنيسه، والملائكة جليسه، عابد، زاهد، قارىء، موحد، مؤدب، أدبه ربه، وصقلته عقيدته، وهو أمير المجموعة وكوكبها الدري الذي مازال نجمه يلمع، فمثله لا يخفت، وهو مؤدبها ومربيها وسائقها إلى الخير.
هو أول المقدمين فيها بل في العراق، هو أول إستشهادي في العراق، مهندس بترول، متزوج وله طفلان، يحب زوجته وأولاده كما نحب، يعشق أرضه وداره كما نعشق، يحلم بالجاه كما نحلم وهو لها أهل، لكن أخي جعل الدنيا تحت قدمه ومضى، نادته فما التفت، وتوسلت فما لان ولا حن، شدته وجذبته فما قدرت، وأخيرا جلست تولول ومضى يضحك ويجري. توقف مع رهطه في الأنبار بالرمادي وانخرط الجميع في عمل دؤوب يتزودون ليوم قريب يوم يعرضون على رب العالمين.
بكى أبو تراب وبكى وأثّر البكاء على وجنتيه وانتحب خلفه أصحابه في الثلث الأخير من الليل بل والأول، فقد كان الحبيب حافظا متقنا لكتاب الله. خرجت الآيات منه، كأنها لتوها نزلت من السماء غضة طرية وكأنها فيهم ولهم نزلت، وهي كذلك، شعروا أنهم هم المخاطبون بها دون الناس وأن التكاليف حملت على عاتقهم فتحملو الأمانه ومضوا.
وتقدم الأمير والأسد أبو تراب ليضع أول لبنة في البناء راجيا من الله التوفيق والسداد وأن يكون قد أصاب الموضع وأحسن المكان، راجياً أن يأت بعده من يكمل البنيان.
وكانت أول عملية على وكر من أوكار الفساد والإفساد والعمالة والخيانة، على وفد من وفود الشر ووكر من أوكار الردة. ولما إستقر عند الشهيد أن عقوبة المرتد أغلظ من عقوبة الكافر الأصلي، علم أن الواجب تقديمهم على غيرهم وخاصة إذا كانو للكفار عيوناً وله خدم وأعوان ولأجله جاءوا ولمجده شمروا، كما هو حال السفارة الأردينة. فتم مراقبة الهدف وكانت تقع بالقرب من ساحة (يوم اللقاء) وإلى جوارها وفد المجرم شين العابدين حاكم تونس. وعُلِمَ أن النكاية الأكبر في السفارة الأردنية تكون من الخلف حيث الطريق إليها سالك والهدف من الخلف أسهل والعيون غائبة.
لكن عين الرقيب كانت معنا، حيث أنه يوجد على حافتي المدخل الخلفي بيوت للسنة، والكمية كانت كبيرة (أي كمية المتفجرات) والشارع ضيق، فقرر الأخوة أن يكون هجوم البطل من الأمام حيث لا بيوت تتأذى من الأنفجار، اللهم إلا سفارات الشر وأركان الخيانة وهو المطلوب.
وفي تلك الليلة وكما هي عادته قام الشهيد يصلي ويدعو ويتضرع إلى الله.
قال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله: بت معه تلك الليلة أشد أزره وأرفع همته أذكره، فإذا به يرفع همة أُمة، ويذكر من لا يتذكر بإقباله على الله وحسن الظن به يقول: كان المصباح مطفئا وأقسم أبو مصعب أنه رأى النور يشع من وجه كأنه البدر في الليلة المظلمة يقول: (فانتابتني قشعريرة وشفقة على الرجل ووالله لولا الدين ما تركته قط ولقد هممت).
وأصبح الصبح وركب الحبيب سيارته ومضى يمخربها نحو عز أمته راجيا أن يحقق الهدف ويجرأ إخوانه على عدو ماكر جبان، وبالفعل دمر الله السفارة الأردنية فقتل وجرح وأرعب أعداء الله، وجاء الشهداء بعده كالسيل الجارف يأخذ في طريقه كل خبيث وينبت حوله الزرع ويروي عطش أمة إلى الجهاد والعزة أسال الله أن يجمعنا بالحبيب ولا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده وأن نلتقى في جنات عدن عند مليك مقتدر.

[أبو فريدة]

أخو يوسف وشبيه الأنبياء والمرسلين، وسيد الصفوة من الصالحين، وبقية السلف من الأخيار الطاهرين. شاب في مستهل عمر الربيع، فارع الطول، أبيض الوجه والقلب، ومن أحسن ما ترى جمالا وبهاءاً.
كان بطل مصر في احد اللعبات الرياضية، فتحت إليه الشهرة ذراعيها وبين أحضانها جهنم الحمراء، لكن المسكين رآها جنان خضراء أماني ومنون وأحلام تطير به في مجال رحب مال وإعلام وتوقيعات و.... وأسرع بتوقيع عقد إحتراف في إيطاليا.
نعم رأس النصرانية إيطاليا، جاء إلى أمه يزف إليها خبره السار وأمله العريض، يريد أن يطير في الهواء ليعلم الدنيا أنه سيكون نجمها اللامع بعد فترة وجيزة، أماه سأحترف في إيطاليا. لم تصدق الأم ما سمعت، تسمرت قدماها في الأرض، علت وجها كآبة واسودت الدنيا في عينها، رأت إبنها في الحال بين احضان العاهرات، وربما على صدره صليباً كبيراً ككبر أحلام ذلك الطائش، ذرفت دمعة الحسرة من مقلتيها، قالت: ولدي أرجوك لا تذهب أرجوك، أرجوك.
لكن رجاء ست الحبايب ذهب سدى فأصر الابن على السفر، وسافر إلى دولة الكفر. وسافرت الأم الى بلاد الحرمين ذهبت إلى الحج وهناك بكت وذرفت الدموع رجاء أن يرد الرحيم الغفور ولدها من تلك الديار.
وفي تلك الأثناء حط صاحبي رحاله حيث أراد فوجد السيارة الفارهة في إنتظاره والبيت الواسع والمؤسس على أحدث ما ابتكرته يد الفنان الإيطالي والمعروف أصلا بذاك وما هي إلا أيام قليلة حتى بدأت الشهرة تدب في أوصاله وصار إسمه يلمع يوما بعد يوم، وجاءته الفتيات الجميلات، كل تريد أن تحظى بشرف توقيع لطيف أو عبارة بسيطة على دفتر صغير في حقيبة تحوى مع ذلك االكثير من الإثارة.
ومن بين الكثير من الفاتنات المعجبات، وقعت عينه على واحدة ملئت قلبه شغفا وحبا وملكت بجمالها فؤاده، ولم يعد من أسرها يستطيع فكاكا وبدأت هي تحوطه بسيل من الكلمات يذوب أمامها الصخر الأصم.
وفي لحظة من لحظات العشق الجارف، أدرك الرجل أصله ومنبته الطيب، ما امتنعت منه فهذا دينهم لأن المرأة عندهم تسلم نفسها لمن تحب مادام عليها قاصراً، وهذا غاية الشرف عندهم ولكن صاحبنا قال لها: أريد الزواج أريد الحلال منك، فأنا مسلم وليس لي طريق إليك إلا النكاح.
أحمر وجه المرأة ورجعت القهقري، ثم ضحكت ضحكة تخلع القلب من مكانه وأردفت قائلة: عزيزي مثلك لا يرد فإنك من أجمل الناس صورة وشهرة مع البيت والمركب ولكن هناك شيء واحد فقط بسيط يعوق دون زواجنا قال متلهفا متعجبا: ما هو؟ قالت: إنك مسلم، لو تتنصر أتزوجك، هنا بهت الصالح وانتابه غضب كثورة البركان قائلاً يا حقيرة الآن والآن فقط كنت على استعداد أن تفعلي معي ما أشاء في الحرام ولأني أريد الزواج خشيت أن تعيري بزواجك من مسلم، وأردف قائلاً: حقيرة، حقيرة، ثم فتح باب بيته مسرعا ثم أخذ بيدها ورمى بها خارج منزله، قائلاً: ديني أغلى وأعز وأعظم منكم جميعا يا كلاب.
ولم ينتظر الصالح أن ينهي عقده أو يرتب أموره من بقايا أموال وتصفية حسابات، بل حزم أمتعته وركب أول طائرة متوجهه إلى دياره، نادماً على اللحظة التي عصى فيها أمه، شاكراً حامداً رب البرية على العصمة من الفتنة.
ولست في حاجة أن أذكرك يا أخي القارىء أن حبيبنا عصمه الله من حيث وقع الكثير الكثير من العباد والزهاد ولكن الله لا ينظر إلى صورنا بل إلى قلوبنا ويعلم بعلمه التقي النقي من الكذاب الأشر، نسأل الله حسن الخاتمة ونعوذ بالله من الفتن. رجع الحبيب إلى أمه راجياً منها الصفح والعفو مقبلاً قدماها قبل يديها فهي ست الحبايب، وحمدت الأم الصالحة وشكرت ربها على استجابة دعائها وسعت فزوجت ولدها من إمرأة صالحة، ورزق منها بفريدة بنية كأنها الشمس في كبد السماء.
لم يطل والدها المقام عندها، بل حزم حقائبه ومضى وفي هذه المرة مضى الى وجهة معاكسة تماماً مضى إلى الله وحث الخطى، والتسبيح والإستغفار زاده، وخدمة الأخوان والذلة والتواضع لهم سمته وشعاره.
وجاء مع أبي تراب مع ركب الفضيلة يتسابقون إلى الله، فلما طلب الإخوة إستشهادياً للسفارة الأردنية، قفز هو يترجى إخوانه أن يكون أولهم فهو لا يستطيع أن يفقد أحدا منهم قبله، كما أنه ادعى أنه صاحب ذنب يريد أن يتوب منه، وما درى أن ذنبه هو سر رفعته وشموخه فما زال الخوف من الله على أنه عصا أمه يوما يهز أركانه.
لكن أبا تراب، إستسمح إخوانه، قال رجائى أن تدعوني فإني لست رياضي مثلكم ولا أستطيع ما تستطيعون فرجائي إتركوني وتوسل إليهم فتركوه.
وجاء دور أبي فريدة، هدف ما زال الكفر يبكي دماً من يومه ومازال الصليب في حسرة على فقد كبار مجرميه في تلك الأرض الملعونة، على حد قولهم.
وكان هذه المرة ومن تدبير الله العجيب هدفا صليبيا، ليرد الصاع صاعين- كان عدو الله المجرم المسؤول عن إقتطاع جزء من بلاد مسلمة هي إندونيسيا حيث كان عدو الله هو مسؤول الأمم المتحدة الذي ضغط لاجل فصل تيمور الشرقية وتحويلها دويلة نصرانية، ثم هو الذي انهى مسألة كوسوفا على هذا النحو المخزي، وهو مع كل هذا المندوب السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهذا المجرم هو سيرجيو ديملو وقد تم استعارته فترة ستة أشهر فقط حتى ينهي مسئلة العراق ثم يعود بعدها لعمله في حقوق الإنسان.
فتم رصد مبنى الأمم المتحدة وتحديد طريقة الدخول إليه وأختيار التوقيت المناسب، فكان هذا التوقيت الساعة الحادية عشر صباحا.
وبالفعل ركب أبو فريدة شاحنته وتوجه إلى هدفه، وفي الطريق تعطلت به، وبدا الحاج ثامر ومن معه يحاولون إصلاح الخلل وبالفعل تم لهم ما أرادو لكن الساعة إقتربت من الثانية، فتشاوروا بينهم، هل نرجع أو نمضي على بركة الله، فقرر أبوفريدة المضي وعدم الرجوع قائلا: إن الله هو الرزاق: قالو له لكن الأن العمل إنتهى بالمبنى ولاأحد فيه إلا قليل، قال الله يرزقني ولن أرجع.
وفي تلك الأثناء وصل الخبر الى الشيخ أبي مصعب بالتأخير فأمر بالرجوع ولما عاد الرسول الى موقع الشاحنة بالخبر وجد أبوفريدة قد توجه إلى هدفه ووصل إلى مبنى الشرك والردة ومحل الخيانة والعمالة ومن يصبغ الشرعيه الدولية على الإحتلال وعملائه، واقتحم المبنى بشاحنته، وكانت المفاجأة التي هزت العالم، ديملو تحت الأنقاض، ونائب الأمين العام للأمم المتحدة السيدة: نادية يونس، وعدد كبير من جنرالات الحرب في إجتماع ووقعوا في تخبط شديد، إختراق كبي، عمالة داخلية، اعتقلوا كل عراقي يعمل بالمبنى وحققوا معهم، لكن لا أحد يدرى أن مدبر الأمر هو رب البرية الذي يعلم السر وأخفى وأن أبا فريدة كان صاحب سر مع مولاه فرزقه من فضله الكريم ورفع قدره في أعلى عليين نحسبه كذلك، والله أسأل أن يجمعنا به في جنات صدق عند مليك مقتدر-أمين-
        
[أبو حفص وأبو طارق]

والآن نصل إلى هذين الأسدين اللذين فقدا حبيبيهما، ومضى كل واحد يصبر أخاه ويستعد ليوم الرحيل، لا تراهما إلا والدمعة ملىء مقلتيهما، لا تستبين لهما قراءة لشدة البكاء، ومع هذا فالكرم الشرقاوي سيمة الرجلين، يحدثني أبو عمر وأبو عبد الله أنهما ما زاراهما يوما، إلا وتركا عبادتهما ومضيا يحتفيان بالضيوف وكأنهما ما رأوهما منذ عهد بعيد، لا يوم بعد يوم – تكون الزيارة.
وجهز أبو عبد الله الرجلين بسلاح وعتاد كاف لفتح جبهة إذا ما أضطرا إلى ذلك، لأنهما في ذلك الوقت كانا يقطنان - مدينة الرمادي–، حيث ملأ آل (بو علي سليمان) الدنيا رذيلة وتجسس.
وسار على دربهم كل من باع دينه بعرض من الدنيا قليل، وفي يوم زارهما الحاج ثامر – رحمه الله – فهمسا في أذنه أنا نشعر أن الوضع في البيت يعني حوله صار خطراً، فبشرهما الرجل أنه يعلم ذلك أو يشعر بذلك وغداً أنقلكم بإذن الله إلى بيت أستأجر جديدا.
وفي اليوم التالي جاء ومعه آخر لنقلهما فوجدا المنطقه مطوقة بالأمريكان وماهو إلا قليل حتى سمعا إشتباك عنيف فانتابهما وجل شديد أن يكون الإشتباك مع أخويهما – وقد كان – دار إشتباك عنيف إستمر أكثر من أربع ساعات، لقي الأخوان بعدها ما أمّلاه من رب العالمين، لحقا بالأحبة في موقف شرف وعز وإباء أن يسلما نفسيهما لكافر حقود، وفي اليوم التالي إتصل أبو عبدالله بزوجة الشهيد أبي حفص وكانت كنيته الحقيقة على إسم أبنه (عمر) وبعدما عرف أنها زوجته بشرها أن زوجها الأن مع النبيين والصدقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا. وكانت ومازالت المرأة صاحبة عقل فسكتت المرأة زمنا سمع فيه البكاء، ثم أمسكت بالسماعة وقالت للمتصل متى تم ذلك قال يوم كذا قالت (اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها )، ثم قالت عذرا يا أخي ممكن تخبر أمه لأني لا أستطيع أخبارها وبالفعل أتصل الرجل على أمه والتي سقطت سماعة التليفون من يدها ولم تتكلم بعد، ولا يدري أبو عبدالله ما حل بالأم والتي يبدوا أنها كانت تموت حبا في ولدها، الله يجعله لها ذخرا في الآخرة وأن يرحمها به وأن يلحقنا بهم جميعا في جنات عدن – أمين -.

[الشيخ المجاهد]

هو الشيخ المجرب، والأسد المحنك، والأب الحنون، والصديق الرفيق، والسهل الهين المتواضع، (( أبو حمزة الشامي)).
من مدينة حلب، هاجر أبوه من تركيا إبان الأضطهاد الديني أيام الهالك ((كمال أتاتورك))، ولذا كان يتقن التركية لغة أبيه، ذاك الجبل الذي غرس في نفس إبنه – كما حدثني هو – حب الدين وأهله وقيم الإباء والشموخ وأهم شيء عشقه السلاح والقنص.
حدثني أن أباه لما بلغ به الكبر عتيا أراد أبناؤه أن يروِّحوا عنه بعض الشيء فأخذوه في نزهة صيد لما يعلموا عنه من سابق عهده بهذا الأمر، فلما رأى الشباب يتبارون أمام الهدف قال لأحدهم أعطني بندقيتك، فضحك الشاب من الشيخ، وحتى إبنه ما أحسن الظن بأبيه فظنه قد نسى ما شاخ عليه، وكان أمام الشيخ علبة معدنية فقال لإبنه ألقها في الهواء، وإذا بالشيخ وكأنه عاد إبن العشرين ربيعا يسدد بخفة ورشاقة على العلبة ليصيب كبدها ويسلم البندقية لولده تاركاً الجميع في صمت مطبق ودهشة لما رأوا، فعند هذا الوالد وبين يديه نشأ شيخنا وعلى يديه تدرب على السلاح بكافة أصنافه وخاصة الخفيف منه، والذي ما خلا قط من بيتهم وعلى حد تعبير أبي حمزة حتى في أحلك المحن أيام أحداث حماه وحلب، تلك الأحداث الأليمة والتي شاء طواغيت العرب أن يسكبوا عليها النسيان، نسيان الحقد الباطني العلوي ضد السنة، نسيان الذل والمهانة وفقد الأهل والولد.
هذا ومازال أبطال القصة يعيشون بيننا أمثال أبي حمزة وغيرهم في سجون الطاغية المتجبر الهالك (حافظ النعجة) ومن بعده عدو الله إبنه ((بشار)).
وعلى ذكر الأخوة في سجون الطاغية الباطني العلوي أجد من الأمانة أن أذكر قصة حدثت مع أخي أبي محمد المصري شهيد عين الحلوة ومع أخي أبي صالح الأسير فك الله أسره. وخلاصة الأمر أنه لما سجن الأخوين ومعهما مجموعة من الأخوة في قضية تتعلق بعمل جهادي ضد قطعان اليهود بالأردن أدخلوا أبا صالح خطأ على مجموعة من الأشباح، في مكان ما هو إلا جهنم الحمراء، أو بيوت الجن أو حاويات القمامة أو فتحات المجاري، المهم مكان ما وجد فيه أشباه بشر وأناس يجلسون القرفصاء ليس عليهم إلا ما يستر سوءتهم، شعور طويلة جدا، وأظافر كأنها مخالب وحش، ورائحة الجيف تفوح من كل شيء، وصمت مطبق، ورجل بسلاح وبيده سوط يجلس أمامهم لكنه بعيد عنهم وحتى لا يتأذى بالرائحة وأدخلوا صاحبي على هذا المكان.
قال: فلما رأيتهم سقط فؤادي في قدمي وشعرت بخوف خلع أطرافي من مكانها وأجلسوني بجانب أحدهم.
فاسترقت الطرف وحاولت أن أكلم أحدهم، فما من مجيب وحاولت أخرى فما من مجيب، اللهم إلا دموع تحجرت تماما كتحجر أطرافهم، كل شيء ساكن صامت.
وبعد عدة ساعات نادوا عليه وأخرجوه وفهم بعدها أنه دخل بالخطأ وأن ما رآه ليس منظراً من أهوال يوم القيامة، وأنه حقا لم يكن بغيبوبة أو كابوس مؤلم مزعج ولكن ما رآه أخوة له، يوما ما من الدهر منذ أكثر من عشرين سنة قالوا (لا إله إلا الله) في حماه وغيرها ومن ساعتها إلى يومنا هذا وهم في وضعهم الذي رآه لا كلام لا شيء لا شمس لا لا لا........ .
والثانية أن أخي أبا محمد حدثني قال لما دخلت السجن كنت مازلت غبياً وحقا أحمقاً جاهلاً، قال أذن الفجر، فانتظرت حتى كادت الشمس أن تخرج فطرقت الباب، وأخذ صاحبي نفسا طويلا أي شهقة مؤلمة قائلاً لا أدري أطرقت باب السجن أم باب الجحيم، وعلى الفور جاءت كلابهم من كل حدب وصوب يتعجبون من ذاك الكائن الغريب والمخلوق الفريد الذي إستطاع أن يطرق باب السجن دون أن يفتح له وقبل ميعاده، قالوا له مالك وقبل أن يعطوه الجزاء، قال المسكين: صلاة الفجر، فضحكوا وضحكوا ثم أمسك به جبارهم العنيد ورفع صوته النشاز قائلا له وعذراً ((يا إبن الكلب صلاة الفجر آيه إحنا كفار كفار فاهم يعني إيه إحنا كفار)) طبعا بلهجتهم العامية. ثم أخذ عدو الله يضرب أخي الشهيد رحمه الله على أذنه حتى سال الدم غزيرا منها ومن كثير من جسمه ثم تركوه جثة هامدة وانصرفوا يضحكون. هذا هو نظام البعث وإلى يومنا هذا وحتى لا يظن أحد خيرا بعدو الله بشار فهو طاغية بن طاغية.

وعودة إلى شيخنا أبي حمزة فقد ساقني ذكر أنه شارك في أحداث حماة مأساة إخوانه وإلى يومنا هذا في سجون الطواغيت. وأبو حمزة نفسه خبر هذا العذاب لكن في قضية بسيطة جدا مكث عليها في سجونهم حينا من الدهر.
وكنت أجلس في أثناء حربنا في الفلوجة الثانية مع الشيخ وأطلب منه أن يحدثني عن الأحداث في حلب وحماة والحمد لله سردها لي من أولها إلى قبل نهايتها ثم في الأخير قال لي: قرأت كتاب التجربة السورية لأبي مصعب السوري، قلت تقريباً نعم الطبعة القديمة المختصرة قرأتها والجديدة ليس جميعها، قال: عموماً الرجل أنصف في هذا الكتاب، وخير من كتب في هذا الموضوع، وهذه شهادة شاهد على عصر الكتاب.
ولما جاءت دولة الطالبان هاجر شيخنا إليها بحيل وحيل حيث أنه ممنوع من السفر، وهناك قاتل إلى جوار إخوانه كلا من التحالف الشمالي والشيعة الملاعين في باميان وغيرها. وهو الشيخ الكبير، فسكب بعطفه الحنان على الشباب فأحبوه وأحبوه، ورأوا فيه الأب والأخ الكبير والصديق الوفي، ولما انهارت دولة الإسلام على أيد الخونة الباكستان لا على أيد الأمريكان فحسب، رفض وهو العاشق للجهاد وأهله العودة الى سوريا ولو بجواز سفر مزور كما عرض عليه أحد أقاربه، بل رحل شيخنا إلى ساحة أخرى من ساحات الجهاد، ذهب إلى منطقة شمال العراق (( كردستان)) يقاتل عدو الله الطالباني وحزبه الإلحادي المجرم، وأستمر معهم حتى دخول الأمريكان.

ومن ثم عاود جهاد الأمريكان ولكن في الفلوجة والتي بها تعرفت على شيخنا فرأيت شيخاً عجيباً، لا يكل عن العمل، لا في حر الشمس ولا تحت وابل القصف.
فاقتربت منه أكثر فإذا به عسكري عبقري محنك، فعجبت كيف أمثالي يكون لهم رأي في الحرب وهذا الكنز ليس فيها، فتم إلحاقه بمجلس الشورى العسكري وهو مجلس عسكري مشكل لإعطاء النصائح والتوجيهات اللازمة لإدارة أزمة الفلوجة عسكريا.

وكان شيخنا صفته الصمت إلا إذا سئل، فإذا تكلم تقطرت خبرته من بين ثناياه، وعلمت حقا أن الرجل يعشق البارود طيبا. ثم دارت رحى الحرب في الفلوجة الثانية، وكان نصيب شيخنا إلى جواري مع زمرة من الأشاوس في حي نزال، وهناك كان عاشق القناصة لا يفارق محبوبته، فهي دراغانوف روسي منظارها مصفر جيدا، يتنقل بها من سطح إلى آخر لعله يصطاد جرذونا من الأمريكان.

ثم اشتدّت رحا الحرب أكثر وأكثر وتم اقتحام نزال من قبل العدو وأيضا انحزت مع أبي حمزة وعلى الرغم أن الرجل كان في الخامسة والخمسين من العمر إلا أنه كان يقفز من فوق الجدران من سور إلى سور ورأيت رشاقته وخفته، قلت صدق القائل ((جوارح حفظناها في الصغر فحفظتنا في الكبر)).

وإليك يا أخي لقطة واحدة من لقطات العز والجهاد مع شيخنا.
فقد انحاز هو ومجموعة من الأخوة إلى أحد البيوت على حسب الخطة المرسومة لذلك وكانوا بالطابق الثاني، وأتفق هو وأبو جعفر على أمر أنه إذا دخل الأمريكان يفتشوا البيت لا يرمي كل الأخوة لسببان:
1- حتى لا تستهلك كمية كبيرة من الذخيرة في غير موضعها المناسب.
2- وحتى لا يرمي الأخوة بعضهم البعض وخاصة إذا تقدم المجاهدون نحو العدو.

ولم ينتهوا بعد من كلامهم، حتى جاء الأمريكان إلى هذا البيت وصعد جندي إلى الطابق العلوي لتفتيشه يتبعه قطعان من الجرذان فما إن رأى أبو حمزة عدو الله حتى أمطره بوابل سقط إثرها أمامه كأنه عذرة سقطت في بئر.
ثم تقدم هو وأبو جعفر وأمطروا قطيع الجرذان خلفه بوابل من الرصاص ففروا بجراحهم، ولكن عدو الله المقتول بقي عند الأخوة.

غنم أبو حمزة والأخوة سلاحه وجعبته لكن الشيخ آثر أبا جعفر بالسلاح ومضت المعركة في هذا اليوم حامية حامية من بيت إلى بيت حتى علا شيخنا أبو حمزة سطح أحد البيوت ليعبر منه إلى بيت آخر وإذا بقناص أمريكي يحتل سطح بيت مجاور أعلى منه فقتل شيخنا في الحال.

فحزن الجميع لفقده فقد كان أبو حمزة وكان، لكن الظرف والوقت لا مجال فيه للبكاء ولا الأحزان فالحرب تطحن الشباب طحنا، ومضى الشباب تاركين خلفهم شيخنا أبا حمزة والغصة في حلوقهم لكن هذا كان هين إذ قورن بما الذي نكت في قلبي حرقة وحسرة وإلى يومنا هذا وأكيد ستموت معي وحتى أحاجج أمتي بعلمائها يوم القيامة.

فقد إستقر بنا الحال في بيت آخر مع مجموعة من أفاضل الأخوة وأرسلنا المجاهد أبا الزبير الليبي إلى جثة أبي حمزة ليحاول دفنها لكن الرجل وبشق الأنفس إستطاع فقط أن يتأكد من وفاة الشيخ ويأتينا ببعض أغراضه الشخصية التي كانت في جيبيه. على أمل أن نعود إليه مرة أخرى ريثما تتحسن الأحوال، لكنها ساءت فقد جاء القناصة إلى رأس الفرع الذي يفصل بين بيتينا، ليس ذالك فحسب بل دبابة على رأس الفرع أيضا فما استطعنا إليه سبيلا.
ومضت الأيام وبدأ اليهود بجمع الجثث فرموا بجثة أبي حمزة من أعلى إلى أسفل ثم تركوه عدة أيام في الشارع ونحن ننظر إليه لا نستطيع أن نوارى أخانا تأكلنا الحسرة ويقطع أكبادنا الألم ونبكي على ما آلت إليه الأحوال بخذلان الأمة.

وكتبه:
أبو اسماعيل المهاجر

#2 أم أنس الشامية

أم أنس الشامية

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 16 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:16 PM

أبو طارقُ التّونسي

هو القارئُ الحافظُ لكتابِ الله، المحافظُ على السُّنَن، البشوش الضحّاك، والفارسُ المغوار، والمهاجرُ إلى الله والدّار الآخرة، البائعُ نفسه لله، والصّابر المصابر للهِ وبالله، والقابضُ على دينه في زمــان الفتن، أعني به " زياد المحرزي " من تونس الخضراء.
كان الشّهيدُ الحبيبُ يَدرسُ في كليّة التّجارة حيث الفساد يتقطّر من هذا الصّرح الجامعي، ويندر أن ترى شابّاً أو فتاةً إلا وله خليلةً أو خليلاً ويتفاخرون في ذلك وكأنّه ميداناً للفروسيّة، بل وهم يعتقدون ذلك، فقد أفهمَ عدوّ الله وزبانيته من شيوخ السّوء وأساتذة الجامعات أنّ الحياة بلا حبٍّ كحمار يأكل التّبن، لكن هذا الشّاب خَالَطَتْ بشاشةُ الإيمان قلبه واطمأنّت إليه نفسه وعرف الحقّ وطريقه، وكَرِهَ الباطل وحِيَلَه، ففرّ من الفساد، ونادى بالإيمان، فكان داعيةً إلى الله في هذه الكليّة ولا يعرف أصحابه له مكانٌ إلى المسجد، حيث التصق به وكأنّه حصن النّجاة وبرُّ الأمان، وراحةُ البال، وهو والله كذلك.
وفي المسجد تحصّنَ بالقرآن فأكبّ على كلام ربّه قراءةً وحفظاً حتى رَفَعَهُ الله ومَنَّ عليه بحفظ كتابِ الله، وكما كان يقول: " أصبح البيت عامراً "، لأنّ القلب الّذي ليس فيه شيء من القرآن قلبٌ خَرِبْ.
بكى " أبو طارق " لما قرأَ آياتِ الجهاد وذاقَ من خلالها معاني العزّة، فالتفتَ يميناً ويساراً فلم يرَ غير الذُّلِّ والخنوع، وكانت أخبار بلاد الرافدين وأُسْدُها تأتي إليه، فيتطاول بعنقه إلى تلك الدّيار، وظلَّ هكذا يُعِدُّ ويُرتّب أوراقه وماله حتى حانَ وقت السَّفر، وعلى الحدود أخبرهُ ضابط الجوازات أنّك طالب والقانون يُمْنَعُ ذلك ثم أَمَرَهُ بالرّجوع، لكنّ الرّجل رفضَ الرّجوع وألحّ عليه وعلى غيره، وأخذ يطوف من مسؤولٍ لآخر حتّى عَلِمَ الله منه صِدْق النّـيّة والعزيمة فألانَ قلوبهم وسمحوا له بالسّفر، وبعد هذه الرِّحلة الشّاقة وصلَ الرّهط الطيِّب الى سوريا، وهناك كانت المفاجأة، وهي أنّ الإخوة ببلاد الرافدين لا يستقبلون حالياً إلا الإستشهاديين وأصحاب الكفاءات العالية، أما المقاتلين العاديِّين فلا حالياً، وأخبروهم بأنّ الرّجوع خيرٌ لهم، لكن أبا طارق رفضَ الرّجوع وبَقِيَ في البلد وقال: لا أرجع حتى يأذنَ الله لي، وظلّ يدعو ويتضرّع إلى الله أن يفتح الله له باباً للجهاد ويناجيه بِصِدْق النّـيّة ويُلِحّ على ربّه حتى سَهَّلَ الله له طريقاً للدّخول كمقاتل، ولما دخلَ وجلسَ فترةً وجيزةً مقاتلاً ومجاهداً في سبيل الله، عَلِمَ لماذا كان يطلب الإخوة الإستشهاديين ورأى بعينه النّكاية العجيبة للعمليات الإستشهادية وقُصْر طريقها إلى جوار الحبيب، فَحَوَّلَ إلى عملية استشهادية وطلب ذلك وأخذ يَلحّ، ولم يَكُنْ يُحْسِن قيادة السّيارات، فَدَرَّبَهُ بعض الإخوة تدريباً بسيطاً، ثمّ سهّلَ الله له الأمر، وفي بيت الإستشهاديّين بدأت تعلو زياد صفاتاً أخرى، أو بدأ يتحلّى ويتجمّل استعداداً للقاء الله، فكان يجتهد في كثرة الصّلاة والقيام والصّيام فكان يكاد يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإذا استيقظ قام بتنظيف المكان وترتيب البيت وجعلَ من نفسهِ خادماً لإخوانه وكان شعاره " سيّدُ القوم خادمهم ".
و لأنّ انتظار العملية الإستشهادية بدأت تطول بهم بعض الشّيء لأسبابٍ كثيرة ليس هذا محلّها، أخذ يُدْخِل السّرور على إخوانه بشاشةً ومزاحاً وبطريقة تميت القلب ضحكاً حتى ارتقى الى درجة " نائب أمير المنسّمين "، فقد كان هناك أمير لا يمكن منازعته وهو شابٌّ من شباب جزيرة العرب هداه الله إلى الإيمان وحُسْن الدِّيْن والخُلُق على الرّغم أنّه كان في الجاهلية لا يُفيق من المخدّرات وادّعى أَنّه المهدي لفترة.
وكان " أبو طارق " إمامُ القوم في كل شيء، في الخدمة وقراءة القرآن وحُسْن الخلق، تماماً كما كان إمامهم في الصّلاة. وكان ينتظر لقاء ربّه بفارغ الصَّبْر ويجتهدُ في الدُّعاء بذلك ويُكثر من ذلك وكان يُحِبّ أن يرزقه الله ذلك يوم الجمعة في السّاعة الأخيرة، ومن العجب العجيب، أن الأمريكان احتلّوا بيتاً وتَكَدَّسَ فيه نحو خمسة عشر آليةً من نوع همر - وذلك في صباح يوم الجمعة -، وبدأ الإخوة يعدّون سياّرةً لهم ووقعَ الاختيار على أبي طارق وذهبَ إلى هَدَفِهِ وكان ذلك قبل مغرب يوم الجمعة بساعة تماماً كما سأل مولاه مجيب الدّعوات، فأسرعَ إلى الله واقتحم على عَدُوّه في موقفٍ يضحكُ فيه الرَّب، واستقرَّ وسطهم ليحصدهم حَصْداً ويجعل من تَبَقّى يُولّي الدُّبُر يضربُ رأسَهُ بجدران المكان " بقايا الجدران " نادماً على ذلك اليوم الأسْود الذي جـــاء فيه لتلك " الدّيار الملعونة " كما يُسَمّونها، وليرتفع أخونا إلى جوار ربّه وأصحابه الكرام.

وكتبه:
أبو اسماعيل المهاجر

#3 أم أنس الشامية

أم أنس الشامية

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 16 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:22 PM

[الإبْنُ البَارّ]
ليس أصعبُ على المرء من أن يبتليه الله بفَقْد ولده، وأصعبُ من ذلك أن يطلب منه الحديث عنه وإنصافه. وهذا هو حالي مع الحبيب الشهيد " عقيل ".
الأبُ حينما يتكلم عن ابنه يقول: " جيد ومؤدّب وطيب "، وإلى غير ذلك من الألفاظ، وإذا طلبت منه شرح هذه الألفاظ سكت واسترجع: " إنّا لله وإنّا إليه راجعون ". ولكني سأستعين الله وأحاول الكلام.
" عقيل "، مؤدّبٌ، حنون، هذا هو بإختصار هاني أو عقيل، من أرض الكنانة من مصر الحبيبة الأسيرة، من روائع جمال مصر، من " الفيّوم "، حيث الماء والخضرة والنّيل والبساتين.
تربّى الشّهيد في مدرسة الشيخ الأسير عمر عبد الرحمن، ونشأ على ظُلْم طاغية مصر " اللا مبارك "، ولأنّ الرّجل لم يعرف غير المسجد طريقاً ولا غير القرآن أنيساً، هداهُ الله مبكّراً لفِكْر الجهاد والاستشهاد، وعلى الرّغم من عناية والديه به عناية شديدة نظراً للنّبوغ الملحوظ عنده، فقد حصل على ما يُؤهّله بسهولةٍ لدخول كلية الهندسة قسم الحاسبات، إلا أن عقيل كان عقله مع الجهاد، وتردد على نوادي الإنترنت وأخذ يرسل معلوماته الشخصية إلى كل صديق يتعرف عليه عبر الشبكة العنكبوتية، طالباً من الجميع أن يجدوا له طريقاً إلى العراق، وذلك عقب السّقوط بشهرٍ واحدٍ فقط، حيث لم يكن هنالك أخبار عن الجهاد والاستشهاد لكي نقول إنّ دافع الحماس كان وراء الفتى، بل كان دافع الدِّيْن والعقيدة والنّصرة والشّهادة، إلى أن اتصل برجل من أهل الجهاد وكلّم عقيل أن كُفّ عن إرسال بياناتك عبر الشبكة فهذا يا أخي يوصلك إلى أقرب سجن عندك، وإن شاء الله يجعل الله لك فرجاً. وبالفعل تم له ما دعا الله به واجتهد في رحلة طويلة مليئة بالمغامرات إلى أن دخل الحبيب إلى الموصل، وذلك بعد نحو شهرين من السّقوط، فكان من أقدم المهاجرين الأحبّاء، إن لم يكن ثالث أقدم مهاجر إلى أرض الرافدين، ومن أوّل من حمل السلاح من المهاجرين والأنصار.
انخرط الشهيد " رحمه الله " في مجموعة الأسد " أبو طلحة الموصلي "، وعرف العبوات مبكّراً وفتح الله عليه الشيء الكثير، وظلّ حُبّ الموصل وأهلها " وخاصة تلعفر " في قلب الشهيد إلى أن رزقه الله الشهادة، حيث كان دائماً يردد أن مجاهدي تلعفر أنصار بحق.
قَدِمَ الشهيد الى الفلوجة بعد أحداث الفلوجة الأولى، وعمل مع مجموعة من إخوانه على تشكيل القسم الإعلامي لجماعة التوحيد والجهاد آنذاك، وقد ساهم مساهمة طيبة في الأصدار الأول لجماعة التوحيد والجهاد (رياح النصر)، ثم صار مقرّباً جدّاً من شيخ التّوحيد أبي مصعب الزرقاوي " رحمه الله "، حتى كان بالنّسبة له كالولد، وكان الشيخ يحبّه حبّاً جمّاً ويعامله كما يعامل أبناءه تماماً، ويهتمّ بأموره دقّها وجِلّها، حتى أنه قال لي يوماً أريد أن أزوج عقيل فأخشى أن يموت وليس له ولد، فأسأل الله ألا يحرمني منه، وبالفعل تم اختيار المرأة التي نحسبها صالحة له، إلا أن زواجه تأخر بعض الشيء لظروف العمل وصُغْر الزّوجة حتى تمّ له ذلك.
بقي الشّهيد الحبيب في الفلوجة إلى أن جاءت معارك الفلوجة الثانية، حيث حط معها البلاءُ حطّاً على عقيل ومن معه، حتى أنهم آووا إلى بيت فإذا بالقناصة تصعد على سطح المنـزل، وإذا بأعداء الله يتخذونه مقراً لهم وقد علموا هذا من خلال أخٍ معهم كان يجيد الإنجليزية ويترجم لهم كلّ ما يقولون، فأصابهم ضيق شديد واستمر الحال إلى أن بلغ بهم العطش كلّ مبلغ واجتهدوا في الدعاء، فصرف الله عنهم أعداء الله وتحوّلوا من هذا البيت إلى آخر، وخرجوا يبحثون عن الماء من منـزل إلى آخر حتى رزقهم الله به بعد شدّة شديدة وقَحْطٍ أسألُ الله أن يكتبه لهم في ميزان حسناتهم.
واستمرت محنة الفلوجة الثانية بهم حتى خرج هو وزميله ورفيقه في القسم الإعلامي إلى الشهادة (عبدالإله، وسأعود إليه إن شاء الله)، خرجوا إلى القائم وهناك بدءوا مرّة أخرى في إنشاء القسم الإعلامي لقناعتهم بأهمية هذا الجانب وعلمهم أنه ليس غيرهم يقوم مقامهم، فقد كان عقيل لا يحب هذا العمل ويتكلم ويلح باستمرار طالباً عملية استشهادية، حتى بعدما عقدَ عَقْد زواجه كان يُلحّ على هذا المطلب، ولقد كلمته في أوّل أسبوع لزواجه ما رأيك تذهب عملية استشهادية؟ فأجاب: والله هذه أمنيتي، قلت الآن، قال: الآن.
نشط " عقيل " في القسم الإعلامي فأخرج بعض الأشياء المهمة منها " غزوة الشيخ الأسير "، حيث كان هو المكلف بها أسأل الله أن يجعل كلّ عمله في ميزان حسناته.
من أكثر ما يميز الحبيب الشهيد هو حرصه على إخوانه وحبّه لهم وحنانه عليهم، حتى إذا رآه الرائي لأول وَهْلَةٍ يظن فيه التّكلف، فإذا خالَطَهُ عرف أنّ الرّجل كأنّه أُمٌّ تُهَدْهِدُ وليدها، إنْ مَرِضَ أخٌ قامَ على خدمته طوال اللّيل، وإنْ حَزِنَ آخر من أي شي سواء أكانَ السّبب من عقيل   " ولا أذكرُ  أنّه أساء لأحد قط " أو من غيره أسرع إلى تهدئة الخواطر وجمع الشّمل وتحبيب كل طرف في الآخر إلى حدّ أنّه قد يبكي إذا رأى بين اثنين شيئاً.
كان عقيلُ بالنّسبة لي ولدٌ بمعنى الكلمة، أطلب منه وآمره تماماً كما يفعل الأب مع ابنه، لا أتحرج في شيء قط، كما أنه كان يناديني بالأب ويقبل رأسي إذا رآني. كنتُ أُحِبّه حبّاً عجيباً وأخاف أن أفقده يوماً، وكذلك حدثني شيخ الرافدين المعتز بالله أبو مصعب " رحمه الله " أنه يخاف أن يفقد عقيل ويتمنى من الله أن يُرزق الشهادة قبل عقيل، ولما وصل الخبر إليه حدثني هو قائلاً: أتعرف يا صاحبي أنه من كثرة الشّهداء أصبح المرء لا يشعر بالمرارة إلا أن استشهاد عقيل أدمى قلبي وعيني وأبكاني من جَدْ، والحقّ أن ذهاب عقيل أبكى جميع من يعرفه، وكيف لا وهو الأب والأخ والابنُ، فأنت حتماً معه أحد هؤلاء.
كان عقيل وافرُ العقل، صاحب رأيٍ وحِكْمة، لم يُعهد عليه قط غضبة على إخوانه، ويستشيره الصغير والكبير وفي كل شيء، في الإعلام وفي الإدارة وفي العسكرية، كان قريباً من الجميع حبيباً حنوناً بكل المقاييس.
لم يمكث مع زوجته العروس أكثر من عشرين يوماً ثم استدعي لعمل إعلامي مهم، فجاء كعادته يركض والفرحة ملئ عيونه، وانخرط مع أخيه الشهيد " عبدالإله " في هذا العمل واتّخذوا من بيتٍ آمنٍ مقراً مؤقتاً لعملهم هذا، وجلسوا فيه يومين وفي اليوم الثالث حدث إنـزال مفاجيء عليهم، إلا أنّ البطلين أخذوا بسرعةٍ ما معهم من مادة إعلامية مهمة ووضعوها على أحزمتهم النّاسفة ثمّ أسرع عقيل إلى سطح المنـزل وعبد الإله إلى البستان، وقبل أن يهبط أعداء الله من طائراتهم أمطروهم بوابل من الرصاص حتى أن عقيل أفرغ جميع ما معه من طلقات حيث كان يحمل بندقية أمريكية M16، وقد وُجِدَت جميع مخازنه " التي كانت بحوزته " فارغة، وعددها اثنا عشرة مخزناً، وكذلك فعل عبدالإله.
ثمّ تقدّم عبد الإله وكان يحمل حزاماً ناسفاً كبيراً واقتحم على العدوّ وفجّر نفسه في وَسَطِهِم. بينما انتظر عقيل واختبأ داخل المنـزل إلى أن دخل عليه أعداء الله ففجّر نفسه في وَسَطِهِم.
فجمعَ العدوّ أشلائَهُ وانسحب مسرعاً بعدما قَصَفَ المنـزل، وقد اعترف بخمسة من القتلى في صفوفه وجرح نحو عشرين علجاً أمريكياً، فالحمد لله على النّكاية فيهم، والحمد لله على شهادة الحبيبين، أسأل الله أن يخلفنا في عقيل خيراً وألا يحرمنا أجره ولا يَفْتِنّا بعده وأن يجمعنا به في جنات عدنٍ عند مليك مقتدر، آمين.


وكتبه:
أبو اسماعيل المهاجر

#4 نبض الأقصى

نبض الأقصى

    الإدارة العامة للمنتديات

  • الإدارة العامة
  • 12628 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 97


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:29 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

أخيتي الحبيبة " أم أنس الشامية "
معذرة منكِ على دمج مواضيع سير الشهداء مع بعضها حتى لايحدث هناك تشتت في المواضيع بالساحة واستميحكِ عذرًا أن أغير العنوان إلى " سلسلة سير أعلام الشهداء " وتضيفي عليه تكملة السلسلة ..

بارك الله فيكِ وأعز الله بكِ دينه ..








أخت لنا في الله في كرب شديد، حرمت من بناتها فلذة كبدها ومهجة فؤادها...

فأرجو أن لا تنسوها من الدعاء بظهر الغيب يا حبيبات..


اللهم فرج كرب الحبيبة "أم نور" واجمعها مع بناتها على خير وأقر عينيها برؤيتهنّ عاجلا غير آجل إنك على كل شيء قدير..


#5 أم أنس الشامية

أم أنس الشامية

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 16 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:31 PM

بسم الله الرحمن الرحيم
  الحمد لله الذي كتب العاقبة للمتقين، وجعل الخذْلان حظّا للكافرين والمرجفين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين...
زارني شيخ عزيز فاضل في داري، ولما علم أنني كنتُ تشرّفتُ بصحبة عدد من شهداء بلاد الرافدين طلب إليّ أن أسطّر بعض ما يمكن عنهم، وعلى قلّة بضاعتي وعَجْزِ بياني كان لِزاماً عليَّ أن أجيبه لأن مثله لا يُرَد.
وسرد قصص الأبطال وتراجمهم، مَدعاة لرفع الهمّة وتسلية القلوب، ودفع الشباب والتأسّي بكريم صفاتِهم ونبيل فعالهم، من باب:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم                   إن التشبه بالكـرام فـلاح
وليعلم الناسُ أن رحِم النساء لا يزال وَلوداً، وأن الأمهات يَلِدنَ أبطالاً يُذَكّروننا بخالدٍ وموسى والمثنى.
وبادئ ذي بَدْءٍ أُحِبُّ أن أقول: إنه خلال عِشرتي لكثير من الشهداء، سواءٌ أولئك الذين قضَوا نَحْبَهم في سوح الوغى، أو ذاك الصنف العجيب من البشر أعني (الاستشهاديين)...
أقول: تبيّن لي أنهم لا يخرجون عن هذه الصفات، فقد تجتمع في أحدهم أو يتميّز بواحدة منها وهو الغالب.
1- اجتهاد عجيب في الطاعات، من كثرةِ صلاة وصيام، وخاصة قيام الليل، وخدمة الإخوان وذلّة لهم {أذِلّةٍ على المؤمِنينَ} وغير ذلك من جميل المحامد ولطيف الصنائع.
2- سلامَةُ الصدر وسَجِيَّةُ الطبع، وهذا الصنف من الشهداء عجيب إذا رأيته تظنه أنه ولد لتوِّه من صفاء روحه وخِفّة ظله، وجميل عشرته وسهولة صحبته.
وغالب صفات هؤلاء خمول الذكر، إذا سئلوا لم يُعطَوا، وإذا حضروا لم يُعلم بهم، وإذا غابوا لا يُسأل عنهم وعلى الجملة لا يُؤْبه بهم.
3- عقيدةٌ صافية وعزيمة فولاذية، شعارهم ومبدؤهم في الحياة (أوثق عُرَى الإيمان الحبُ في الله والبغض في الله)، قال لي أستاذهم يوماً: "ينبغي يا أخي أنه كما نتعلم أن نَذِلّ للمؤمنين ونحبَّهم ونقرأَ في ذلك الكتب، ونطيل في سِيَر أولئك كالشهب؛ ينبغي أن نتعلم أيضاً كيف نكرَه الكافر وكيف نَحقد عليه، وكيف تَهون علينا حياتنا ما دامت ستخلص الدنيا من نَتْنِ هؤلاء، لأن ذلك هو الركن الثاني من أوثق عرى الإيمان".
4- رجل أسرفَ على نفسه فتداركتْه رحمة ربك ببعض ما كان منه من عمل صالح، فجعل شعاره {ففِرّوا إلى الله}، ولم يعلم إلا أن الله مُنْجٍ، فأقبل على الله يطلب الموت مظانَّه.
هذه أربع صفات، حسب ظنّي والله وليُّ التوفيق, وإليك باكورة هؤلاء...

( أبو أسامة المغربي )
ذاك الجبل الصامت، والقلب الدافئ والإيمان الصادق، والجَرد الواضح، كان حبيبي أبو أسامة قليلَ الكلام دائم الصمت، قليل الخلطة حُبّبت إليه العزلة، أنيسُه القرآن، كأنّ بينه وبين الله سر.
من بلاد المغرب، من أقصى الشمال، من مدينة طنجة، شابٌّ في مستهَلّ عمر الزهور، في السادسة والعشرين من العمر - عذراً كان في السادسة والعشرين -، يمتلك مع أبيه مطعماً فخماً يدُرّ دخْلاً لا يقلُّ عن ثلاثة آلاف دولار شهرياً، اشترى قطعة أرض وتزوّج قبل مجيئه إلى أرض الجهاد بست سنوات، لكنه لم يرزق بولد.
سئم القراءة عن الجهاد وعِزِّه، وهو بعدُ لم يفعل شيئاً، قرر الحبيب أن يذهب إلى ساحة من ساحات العز، لكنه لا يعرف أحداً يوصلُه، ولا رفيقاً يساعده ويكونُ معه، باع قطعة الأرض، وحجز تذكرة سفر لدولة عربية، وعزم على السفر وشعاره {عسى ربّي أن يهديَني سواءَ السّبيل}.
وفجأة؛ جاءت إليه أمه وزوجه تزُفّ إليه خبراً طالما حَلُمَ بعزفه وأنشودته، وتمنى سنين أن يسمعه: "زوجتك حامل"، ذُرِفَت دموع الفرح، ثم اختلى بنفسه يحدثُها: "يا ويحك هذا أول البلاء، فامضِ إلى ما عَزَمْت، وإياك من النقمة بعد النعمة"، ومضى في عزمه يعدّ الراحلة ويتزود لسفره، وسافر إلى تلك الدولة، ولا يَعْرِف أحداً وليس معه أحد، وأخذ يدورُ من مسجدٍ إلى مسجد، ويُطيل الجلوسَ فيها يكثِرُ الدعاء ويذْرُف الدموع إلى الله، عساه يهديه إلى من يوصله إلى طريق من طرق الجهاد، وفي إحدى المرات سمع شباباً يتكلمون بلهجته، فتعارفوا وفاتحهم بعد أن ظن منهم ومن سَمْتِهم أنهم مجاهدون، أو في طريقهم إلى ذلك، وصدقَت فِراسته، واحتملوه معهم إلى بلاد الرافدين، وكان أمير المجموعة (أبو خبّاب الفلسطيني) رحمه الله، الشهيد البطل لعلنا نعود إلى سيرته لاحقاً.
أقول وصلت المجموعة إلى بيتي، وفي ليلة من أجمل ليالي العمر، جلسنا جميعاً وتذاكرنا البيعات، وتذكرنا الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل، لما بايع أصحابه في معركة اليرموك على الموت فمدَدْنا أيديَنا وتبايعْنا على الموت والجهاد في سبيل الله.
وجاء وقت الوفاء، وطُلب منا عمل ضد مبنى الأمم المتحدة، وإن كان قد ضُرب قبلَها بشهر، إلا أنه ما زال العمل فيه مستمراً، وتَبقّى من موظفيه ما يقارب مائة شخص، يخدمُهم عدد ضخم من مرتدّي الشرطة حديثة التكوين.
وتَمَّت مراجعة المكان وكيفيةُ ضربه، ونوعية السيارة الممكن استخدامها، وكمية المتفجرات اللازمة والطرق البعيدة عن السيطرات وإلى غير ذلك.
وكان -أبو أسامة- أصدق المتابعين، وأكثرهم إلحاحاً على سرعة التنفيذ، وكان قد كلّفَنا الاتصال بأهله، وإذا بأمه تبشّرنا أن ابنها رُزِق بولدِ وأسمته "أسامة"، على رمز أهل السنة والجماعة أعني "ابن لادن".
وذهبْتُ إلى البيت الذي فيه أبو أسامة، أحمل في ذهني هَمَّ العملية وأسلوب تنفيذها، واختليت بأخي وأخبرته أنه قد تم اختياره ليكون هو المنفذَ لها، ففرح وطار وضحك، وأوصاني أن يبقى الأمر سراً بيني وبينه ولا يعلمه أحد من الشباب، حتى يتمَّ فوعدته بذلك، ودخلنا وجلسنا مع الشباب, وإذ بي أتذكر بشرى ولادة ابنه "أسامة", قلت؛ سبحان الله كيف أقول له ومنذ دقائقَ كلمتُه عن الاستشهاد, فاستخرتُ واستعنتُ بالله ثم بشّرته, ففرح ثم خلا بي وقال بالحرف الواحد: "كنت منذ أن استيقظت مسروراً، فعلمت أن خبراً مفرحاً سيأتي، ووالله ثم والله للأول أحبُ إليّ من الثاني".
وجاء يوم التنفيذ، فأحضرْتُه إلى بيتي حتى يختليَ بنفسه ليلة التنفيذ بعيداً عن الشباب، وأقبل على ربه يصلي ويدعو ويبكي، وجلستُ خلفَه أمْلأ العين منه، ثم قلت له وذلك في حوالي الثانية ليلاً: "أسامة استرح قليلاً (نام شوية)"، فنام ولم أنم، ونظرت إلى وجهه فكانه والله أجمل من القمر يتهلَّل فرحاً فأمسكت قلمي، وجلست أكتب وأنا أنظر إليه تلك الأبيات، التي أسعفتني بها نفسي ومعرفتي باللّغة:
- علّمني يا شهيد -
علمني كيف أكون شهيداً  علمني كيف  أَدِينُ لربي  علمني كيف  أودع أهلي  علمني كيف أعوف بنيَّ   أذر الأحبة  للرحيم يقيناً   فقل لي بربك يا شهيد معلماً  وقل لي بربك يا حبيب مبشراًوجهُك نـورٌ لا يَمَلُّ نـاظرهصمتك فكرٌ  لا تحب سفاسفاًفـارقد أُخَيَّ قـريرةً أجفانك علـمني  كيف  أموت حميداًأدع الدنـيا هنـاك  بعيــداًجلداً صبوراً كالجبال صموداًغضاً طرياً في الحياة جديداًغير  الرحيم من يعين وليداًأكـنتَ يوماً  للحياة  مريداًمـاذا رأيت للشهيد حصيداًقـولُك حقٌّ والدليل شهيداًهَزْلُك جِدٌّ في الأمور بعيداًلا خـوف عليك بعدُ أكيداًج
  
وفي الصباح، كان من المفروض أن أذهب معه، حتى نستطلع الهدف للمرة الأخيرة قبل التنفيذ، وهل جدَّ عليه شيء.
فقلت له يا أسامة خذ هذا القميص، أحسنُ لك واخلع قميصك، وكان هدفي أن آخذه لي لأسباب  - ليس لي فيها بدعة إن شاء الله-، وانطلقنا سويّاً، ولما رأى الهدفَ وجدْنا العدو فعلاً زاد حاجزاً مهماً، فقلت: هل يعيقك للدخول قال: "لا أنا - الحمد لله - أتجاوزه بسهولة"، فظلَلْتُ أذكره بالله، وأن الموضعَ موضعُ نُصْرة، وأُلمّح له أن يتماسكَ، فعَلم مُرادي، وأني أريد أن أسمع منه كلمة تطمئنني فقال لي كلمة ينبغي أن تُشَكّلَ بالذهب.
قال:
"اعلم يا شيخُ لو أن الموت هاهنا - وأشار إلى حجرٍ أمامنا -، ولا أستطيع أن أذهب إليه إلا زاحفاً لَزَحفت إليه فاطمئِن".
ثم رجع واستلم عروسه "سيارته"، وطار بها أمامي، وأنا أمشي خلفه بسيارتي، وكان يوماً مزدحماً فأخذ يناورُ بين السيارات كأنه في حلْبة مسابقة، يريد أن يكون الفائز الأول، فلم أستطع أن أتمالك نفسي فخارَت قواي وهطلت دموعي، وأوقفت سيارتي ورأيته يبتعد عني ويقترب من هدفه، وإذا به يستقر في قلبه لِينْتزع قلوباً مجرمة, فينعمُ ويشقون، ويصعد ويهبطون، ورأيت عمود النار يرتفع في السماء عشرين متراً تقريباً، مع صوت يصِمُّ الآذان، وإذا به يحصد خمسين كافراً يحادُّون الله ورسوله، فرحمةُ الله عليك يا أبا أسامة.
بقي أن أقول: إن أبا أسامة كان قد جَهَّزَ نفسَه، أي دفَع ثمن السيارة التي نفذ بها من ماله الخاص. فخرج بنفسه وماله، ولم يرجع من ذلك بشيء وهذه أسمى أنواع الشهادة.
وعلى إثْر هذه العملية، قرّرتْ الأمم المتحدة أن تغادر بلاد الرافدين نهائياً، وتعزم على عدم العودة إليها إلا إذا توافرت لها الدواعي الأمنية المناسبة, ونقول بدون قسم لئن عادوا لنَعُودَنّ ولن نزيد، والله الموفق.
أسأل الله أن يجمعنا به ولا يحرمنا أجره ولا يَفْتِننا بعده آميــن... والحمــد لله ربّ العــالمين.
وكتبــه
أبو إسماعيل المهاجر

#6 أم أنس الشامية

أم أنس الشامية

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 16 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 08:34 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

( أبو هريرة الحجازي )
     إمام هُدى ومعلم رشد، صاحبُ عَقيدة صافية لا يداهن عليها و لو كَلفه ذلك فراقُ الأهل والمال والأرض، فهو أَرْسَخُ من الجبال عقيدةً وأنْقى من اللبن صفاءً جاء مُبكراً مع رِفْقةٍ صالحين من إخوانه كانوا حديثي عهدٍٍ باستقامة، جلسَ بينهم معلماً وخادماً، غرس في قلوبهم من طُهْر عقيدته، وأخذ يرعى حقله ويتعهده حتى أثمر في نفوس أصحابه.
كان من أقواله: "إن قتال الأسوَد مُقدّمٌ على قتالِ الأبيض"؛ ويعني بذلك المرتدين الخونة من الجواسيس والشرط وعملاء الأمريكان على كافة الأشكال، شعاره {قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}، وكان من أقواله: "إن قتال المرتد أولى من قتال الكافر الأصلي" قائلاً إن الشريعة استقرت على ذلك.
وكان دائم الاستشهاد بقصة خير الخلق بعد الأنبياء، وأعلمهم أعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأنه لما ارتدَّتْ العرب بدأ بقتالهم قبل الكفار الأصليين، وعارضه في ذلك الصحابة فما زال بهم حتى شرح الله صدورهم، وكان يقول: "فما بالنا لا نَقف موقف صِدْق كالصِدّيق لعل الله يشرح صدور قومنا كما شرح صدورَ الصحابة".
و كان يقول: "لو أني رأيت المرتدَّ متعلقاً بأستار الكعبة لقتلتُه، والكافر لو رأيته خارجاً من زاوية مَزْوِيَّة، تستخدم مسجداً لَحَرُمَ علي دمه".
لله درك يا أبا هريرة! فلطالما كررتَ أن الشرطة والجيش ومجلس الحكم كفرهم من أكثر من عشرين وجهاً؛ فمتى تنشرح صدور المسلمين بقتالهم. ولطالما زَأَرْتَ بذلك ورأيتُ الحسرة تتقطّر من ثناياك حينما كنت تقول: "يا ليتَ قومي يعلمون".
التحق صاحبي بجماعة سُنيّة تعمل في منطقة الشمال، وقرّر أن يقوم بعملية استشهادية ضد حَفْنَة من كبار المرتدين، وجُهِّزَت له سيارة لذلك، و سبحان الله كان كلما ذهب للتنفيذ تتعسّر العملية لأسباب كثيرة، فيذهب حتى إذا كان بالقرب من الهدف يرجع، ثلاث مرات على هذا الحال، حتى قال لي بعد ذلك: "لقد اعتدت الذهاب فما عدتُ أشعر برهبة الموقف"، ثم بدا لصاحبنا أن يترُكَ تلك المجموعة التي كان يجاهد معها من شمال العراق لأسبابٍ رآها.
و كان صاحبنا دائم البحث عنا و لا يعلم أين نحن نظراً للتَكَتُّم الأمني الذي أحيطت به الجماعة لظروفٍ معلومة للجميع، كان يسمع أن هناك تجمعاً ما بدا يتبلور انصهر فيه جلُّ العرب الوافدين لبلاد الرافدين إن لم نَقُلْ كلهم، و أخيراً وصل إلينا، مع ما كان معه من إخوة ثم أخذ الحبيب دوره بين إخوانه نصحاً وإرشاداً.
و ما هو إلا قليل حتى فاتحني برغبته الشديدة في تنفيذ عملية استشهادية، فقلت له: أبشر! لكن صبراً لأن أمامك إخوة سبقوك في الطلب. ثم أعاد الطلب مرة أخرى، و اشترط علي شيئاً كان بالنسبة إلي جديداً، وما كنت أظن أن من بين الإخوة الشباب من يمكن أن يصل نضوجُ فكره ورسوخُ وثبات عقيدته إلى ذلك الحَدِّ، قال: "أريد عملية استشهادية ضد المرتدين، لا أريد ضد الأمريكان، هناك من يتمنى القيام بعمل استشهادي ضدهم، أما هؤلاء الأنجاس فعندي أولى وأرى الآخرين يتقاعسون في الثأر منهم".
فقلت له: أبشر، وكان أحد إخوانه قد رأى له قبل ذلك رؤيا خلاصتها أنه رآه في صورة حسنة، ورأى أنه قد دمّر مبنىً مُكوناً من طابقين، وأصاب مبنىً صغيراً بجانبه. ولم يكن بعدُ قد تقرّر ما هو العمل الذي سيقوم به أبو هريرة، فالأهداف ما زالت في طور المراقبة والاستطلاع، وفي يوم قال لي أحد الإخوة المراقبين أن هناك هدفاً دسماً يجتمع فيه عدد ضخمٌ من المرتدين في محافظة مجاورة لنا، أصاب المجاهدين منهم أذاً كبيرا، حتى تعدّى ذلك إلى نساء المسلمين، وتأثرت العمليات ضد الصليبيين بسبب نشاط هؤلاء...
فقلت: صفه لي، فقال: مبنى مديرية الأمن العام في محافظة كذا، وبجانبه مبنى المجلس البلدي يجتمع فيه الأمريكان يوم كذا ساعة كذا، وعرضت العمل على أبي هريرة ووصفتُ له المكان، ففرح وهلّل وكبّر وقال: "أُبَشِّرُك يا شيخ"، قلت: ما زلنا نرى منك البشرى، بَشِّر، فحكى لي الرؤيا، ففرحت أيضاً لأني عرفتُ أن مَظنّة التوفيق عالية.
وفي يوم التنفيذ فاتحني بما لم ولن أنساه قط... قال: "يا شيخ أنا ذاهب إلى ما ترى، وعلم الله ليس من باب الفضول فليس هذا محلّه، لكنه دين، قال رسول الله r (من مات وليس في عنقه بيعة...) وقال: أعلم أن هذا في البيعة الكبرى، لكنني أحتسب أن يكون لي أجرها ما دمتُ لم أدركها في بيعة الجهاد... مَن أميري؟".
قلت: أميرك أبو مصعب. قال: "أُشهدك أني بايعت أبا مصعب على السمع والطاعة في المنْشِط والمكره وأثَرة علينا، وألا أنازعَ الأمرَ أهلَهُ، إلا أن أرى كفراً بواحاً، عندي من الله فيه برهان"، ثم ركب سيارته وانطلق لهدفه.
وفي الساعة الثامنة والنصف صباحاً، كان الحبيبُ في جوار حبيبه رسول الله r  نحسبه كذلك، وشِلَّة المرتدين في جوار فرعون وهامان، لا نشك في ذلك، ومعهم حفنة من رعاة البقر... والحمد لله على التوفيق والسداد.
عودة إلى أمر البيعة، قد يستغرب القارئ من السؤال، نعم أخي، لما اجتمعنا كان الإخوة يأتون إلينا ولا يعرفون من أميرهم أو كثير منهم على الأقل، لا يعرفون إلا أميرهم المباشر لهم كحالتنا هذه، كان صاحبنا لا يعرف إلا العبد الفقير على عجزه وقلة بضاعته، لكنني كنت أقول لهم: إن لنا أميراً عاماً ليس من الضرورة معرفته، لأننا اجتمعنا تحت راية لا إله إلا الله، فقد كَرِهنا منذ زمنٍ العصبية للجماعات والأسماء، على الرغم من مشروعيتها فأنا ابن جماعة من هؤلاء معروفة، لكن في العراق أردناها لله خالصة، وعزمنا على ذلك وخوفاً من الرياء الذي يهبط معه الفضل كالسيل الجارف، ومشاكل الكِبْر والفخرِ، وَمضينا على ذلك نقاتل ونفجر، حتى مرّت علينا أيام كانت لنا ست عمليات استشهادية في يوم واحد في ساعة واحدة.
وكان العزم أن تكون لله دعوة خالصة، قال: والمال لا بد منه، قلنا: خزائن السموات لا تنفد، لكنه بعد ذلك نسبت جماعاتٌ بعض هذه العمليات إليها لجمَع المال على مَسْمَعٍ منا ولا حول ولا قوّة إلا بالله، فخشينا والله على الدماء أن يتبناها من لا عقيدة ولا خلق له، فتضيع ثمرة الجهاد، فتم تشكيل الجماعة، والله الموفق وعليه التكلان.
وكتبــه
أبو اسماعيل المهاجر

#7 جوهرة العفاف

جوهرة العفاف

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 5302 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 4


تاريخ المشاركة 07 April 2007 - 10:06 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،


جزاك الله خيرا
ماشاء كلما قرأ الشخص قصة إلا كانت التي بعدها أروع
أسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء
و أن يقر عيوننا بنصرة المسلمين في كل مكان