اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    3566
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    38

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح : 1]
    بلى يارب .. فكم من همٍّ فرَّجْتَهُ عنا ، وكم من يُسرٍ أتى بعد عسرٍ تهلَّلتْ به وجوهنا ..فلك الحمد أولاً وآخراً ..
    أعزائي :
    الله تعالى وحده هو الذي يبدل الضيقَ انشراحاً ، والغمّ طمأنينة ..يفتِّتُ جبال الهموم بكلمةِ( كُنْ .. فيكون )
    يا من أبْكَتْهُ الآلام والأحزان والهموم : أرِحْ فكرك واشرح صدرك بهذه الآية الكريمة ، إذ ليست النعمة الكبرى أن يتغير العالم من أجلك ، بل النعمة الكبرى أن يتغير صدرك ليحتوي كل ما في الحياة بحلوها ومرِّها .. عندما يملؤه الله انشراحاً وسكينةً وطمأنينةً فيتَّسع الصدر وترتاح النفس ..
    وتأمل معي ياعزيزي إن الله تعالى لم يقل ألم أشرح .. بل قال (ألم نشرح) وذلك تعظيماً للنعمة وتفخيماً لها .. مِنَّة الله عليك عظيمة فاستحضر عظمتها ..
    اللهم اشرح صدورنا ويسًّر أمورنا وتقبل طاعاتنا ..

    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)
    1-  ماصور شرح صدره منها ماهو ظاهر كما في القرآن والسنةومنها ماهو سر بينه بين ربه / محمد الربيعة
    2-  سر قوله {نشرح لك صدرك}دون نشرح صدرك إظهار مزيد العناية به والامتنان .هداية : ما أعظم عناية الله بنبيه / محمد الربيعة
    3-  دلالة: سر التعبير ب { نشرح } دون أشرح تعظيما للنعمة وتفخيما لها / محمد الربيعةهداية : منة الله عليك عظيمة فاستحضر عظمتها/ محمد الربيعة
    4-  ماذا يفيد الافتتاح بالاستفهام { ألم }الاستفام للتقرير وهو يفيد مزيد تنبيه وتقرير بالنعم هداية: ( استحضر نعم الله عليك ) / محمد الربيعة
    5-  يا محزون.. اشرح صدرك بـ ﴿ أَلَم نشرح لك صدرك ﴾/ نايف الفيصل
               6-      "ألم نشرح لك صدرك" ليست النعمة الكبرى أن يتغير من أجلك العالم النعمة الكبرى أن يتغير صدرك ليحتوى العالم. / عبد الله بلقاسم
               7- ألم نشرح لك صدرك" التغيير الذي يحدث في صدرك هو الذي سيغير العالم. / عبد الله بلقاسم
    8-  يا من أبكته الآلام والأحزان والهـموم : أرِحْ فكرك بـ { ألم نشرح لك صدرك  {/ نايف الفيصل
               9- يا محزون.. اشرح صدرك بـ ﴿ أَلَم نشرح لك صدرك ﴾ / نايف الفيصل
              10-                حينما شرح الله صدر حبيبنا للإسلام وبيَّن له طريق الهداية..أصابه سرور بالغ فقال له تعالى مسليّاً إياه وممتناً عليه: ﴿ ألَمْ نشرح لك صدرك ﴾
               11-         ﴿ الم نشرح لك صدرك ﴾.. اللهم بعُمق هذه الآيه اشرح صدوُرنا وارح قلوبنا وازل همومنا إنّك على كلّ شيء قدير . / تأملات قرآنية
    12-                     ‏﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ بلى يارب ! فكم من هم فرجته عنا فنسيناه وكم من يسر أتى من بعد عسر تهللت به وجوهنا فلك الحمد أولا وآخرا / حاتم المالكي
    13-                     { ألم نشرح لك صدرك} الله هو الذي يبدل الضيق، انشراح، والغم طمأنينة جبال الهموم يفتتها بكلمة "كن فيكونولكن أكثر الناس ﻻيشكرون! / مها العنزي

    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر 

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

  2.  

    2017, العيد, النت, جمييلة, جنان, حصرية, حكم, شيااكة, عدلات, مؤتورة, مرة
     


    قوله تعالى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: 101].

     

    هذه الآية خاتمة لقصة يوسف، وقد تضمنت مناجاة يوسف عليه السلام لربه، وتذللـه له، واعترافه بما أنعم به عليه، من الملك والعلم، وغاية هذه المناجاة سؤال حسن الخاتمة: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). وقد توسل إلى الله في هذه المناجاة لنيل غايته بأنواع من التوسل:

     

    1ـ الاعتراف بنعمه سبحانه: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).

     

    2ـ والاعتراف بربوبيته العامة: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)،

     

    3ـ الاعتراف بولايته الخاصة: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).

     

    وخَتْمُ القصةِ بهذه المناجاة من بديع البيان ومن حسن الختام، فصلوات الله وسلامه على الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليه وعلى آبائه وسائر النبيين وعلى خاتمهم سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم أجمعين، هذا؛ ويحسن هنا ذكر ما جاء في الشرع من أنواع التوسل في الدعاء، وهي:

     

    التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، وشواهد هذا في السنة كثيرة، ومن ذلك ما تضمنه سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

     

    التوسل إلى الله بالافتقار إليه، والاعتراف له بإنعامه، والاعتراف بالتقصير، كما في سيد الاستغفار: (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي).

     

    التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى عن عباده الذاكرين: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) الآيتين، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار.

     

    التوسل إلى الله بالفقر إليه في رزقه وكشف ضره، كما في قول موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، وقول أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

     

    التوسل بدعاء من دعا من نبي وصالح، كما في قول عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ـ أي بدعائه ـ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ـ أي بدعائه ـ
     

    عبد الرحمن بن ناصر البراك
    موقع المسلم

    2017, العيد, النت, جمييلة, جنان, حصرية, حكم, شيااكة, عدلات, مؤتورة, مرة


  3. 1)    (كلمة الحق) قذيفة ربَّانية في وجه الباطل، تُزلزل كيانه، وتحطم أركانَه، وتقهره وتُهلكه، حتَّى يصل الهلاك إلى دماغه؛ فيعطب ويتلف، يقول تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18].
    ومَن القاذف إلا الله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49]، فهل ترى للباطل وأهله من باقية؟! وأي شيء سيبقى للباطل حتى يعيده ويبدؤه؟!
    فلن يبق منه شيء أبدًا لأنَّه سيضمحل ويزول، فإنَّ الحق مجلجل أبلج، والباطل مهلهل لجلج.
    والحق ناطق ساحق ماحق، والباطل مخبط مخلط زاهق: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
    أخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة صنمًا، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، { جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49].

    لَوْ قَدْ رَأَيْتَ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ *** بِالفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ
    لَرَأَيْتَ دِينَ اللهِ أَضْحَى بَيِّنًا *** وَالشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الإِظْلامُ

    والحق وإن ناوأه المناوِئُ، وكادَه له الكائد، وحاول أن يمكرَ بأهله الماكر، وأراد أن يطمس صورته، فإنَّه سيأتي يومٌ يقول فيه مَن كان على ذلك الباطل: { الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51]، وسيعترف بأنَّه كان على باطل وضلال، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32].

     

    2)    (كلمة الحق) كالمطر النازل من السماء؛ حيث تسيل به الأودية، وتفيض به العيون، وتسقى به الأرض بعد موتها، وينتفع بها الخلق منافِع شتَّى، وأمَّا الباطل فلو كان كثيرًا كثيفًا، فمآله إلى زوال وسفال واضمحلال؛ {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17].

     

    3)    (كلمة الحق) ما كانت تُقال لِتُقمَع، بل لكي يظهر أثرُها ويسْطَع، ويزهق الباطل ويُقلع، ولئن ابتُلي صاحبها فلا بدَّ له من أصدقاء صدق يُدافعون عنه، ولا يُبقونه لظلم السجَّان، ولا لطغيان السلطان، ولا لتجاهل الأصحاب والخلاَّن.
    وتأمَّل في حالة رسول الله محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - حينما كان يعرض الإسلام على القبائل والوفود، ويطلب منهم نصرتهم؛ وذلك لأنَّ كلمة الحق عزيزة، وصاحبها عزيز، فلا بدَّ مِن نصرته وحمايته، وتأمل قول الفاروق عمر - رضي الله عنه -: (إنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له)، فالحق لا بدَّ له من قوَّة تَحْمِيه، وتزيح العقبات والعراقيل التي تواجهه، وصدق الله القائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

     

    4)     (كلمة الحق) ما هي إلاَّ جرأة نفسيَّة، وقوَّة داخليَّة، يدفعك إيمانُك الصادق لكي تقولها، بكل ثباتٍ وإباء، ورسوخٍ وشموخ، وانتماء لها واستعلاء، تُشعرك بأنَّك (حر) في زمن كَثُرَ فيه العبيد، حيث انطلقت من عقال العبوديَّة لساحة وباحة الحريَّة فهنيئًا لك!

     

    5)    (كلمة الحق) تحتاج لأشخاص يقولونها ويقولون بها، ويثبتون عليها ولا يتراجعون عنها؛ لأنَّها (حق)، والحق لا رجعة فيه.

     

    6)    (كلمة الحق) إن صدرتْ عن رجلٍ أكبره الناس بها واحترموه وقدَّروه، فما بالك إن صدرتْ عن المرأة، فتحيَّة كبيرة لنساء قائلات بالحقِّ كنَّ فيه أجرأ من الرجال!

     

    7)    كم من شخص قال (كلمة الحق) لم يخلص النيَّة فيها لله وحده، بل قالها يبتغي بها رضا الناس؛ ليكون ويكون! ويصعد على الأكتاف، وتهتف باسمه الجماهير! ولمَّا ابتلي وأوذي وكله الله إلى الناس فتخلَّّوا عنه! وكم مِن شخص ربَّاني قالها لإرضاء الله، بل في حالة إعراض الناس عنه، فحماه الله وعصَمه من أذى الناس، وإن أُوذي حباه الله بمحبَّة الناس ومناصرتهم له ولكلمته.

     

    😎    (كلمة الحق) لها ضريبةٌ اشتكى منها كثيرٌ مِمَّن قالها، وهي بُعد كثيرٍ من الناس عن قائلها، إمَّا خوفًا مِمَّا سيحصل لهم من أذى السلطان أو الناس، أو أنَّ كثيرًا من الناس لا يُعجبهم الصدع بالحق؛ لأنَّ لسان حالهم كلسان حال من قال: (مَا سَمِعْنا بهذا في آبائنا الأولين)، ومِمَّا جاء عن أبي ذر قوله: (مَا زَالَ بِي الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِي صَدِيقًا)، فكلمةُ الحقِّ ثقيلةٌ على النفس، ولهذا لا يتحمَّلها إلا القليل، لكن إن أرضيت بها الرحمن، فسيجعل لك من بعد عُسْرٍ يُسرًا.

     

    9)     (كلمة الحق) قد تكون سهلةً ميسَّرة إن كانتْ لا تغضب مَن قلتها أمامهم، لكنَّها مُرَّة للغاية إن قلتها أمام من تظن أنَّهم سيأبونها ويُعرضون عنها، ويثنون أعطافهم نكاية بصاحبها، لكن حسبك أن تقرأ ما قاله الصحابي الجليل أبو ذر - رضي الله عنه -: أمرني خليلي رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بسبع: ((أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرًّا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن مِن كنز تحت العرش))؛ أخرجه أحمد، وابن حبَّان، بسند لا بأس به!

     

    10)    (كلمة الحق) مُرَّة فلا تزدْها مرارة بمرارة أسلوبك، وهي مقولة قيلتْ سابقًا، وهي مقولة حق كذلك، فمَن يريد أن يتكلَّم بالحق فعليه باللطف والرفق واللين والحلم والعلم، لعلَّها تصادف قلبًا خاليًا، فيتمكَّن قائلها من إيصالها إليه، وتذكر قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، فأمرهم الله باللين والرفق مع ذلك الطاغية، مع أنَّه تعالى يعلم في سابق علمه أنَّ فرعون لن يتذكر ولن يخشى، ولكنَّها المهارة في تأدية الحق.

     

    11)    (كلمة الحق) تقال في أي مكان، فهي كلمة نورانيَّة، وحجَّة ربانيَّة، ومنحة إلهيَّة، ولقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم، أو: نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. وهكذا هي دعوة الإسلام القائمة على الحق والصدق والقوَّة، ومن يريد أن يكون مسلمًا حقًّا، فعليه أن يستعدَّ لهذا الحق؛ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 1 - 6].

     

    12)    من شرف (كلمة الحق) أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جَعَلَها (من أعظم الجهاد) حيث قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر))؛ أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.
    وفي سنن النسائي عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضع رِجْله في الغرز -: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حق عند سلطان جائر)).
    قال الخطابي: وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأنَّ مَنْ جاهَد العدو كان متَرَدِّدًا بين الرجاء والخوف، لا يدري هل يغلب أو يغلب، وصاحب السلطان مقْهُورٌ في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف؛ فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجْل غلبة الخوْفِ.

     

    13)    (كلمة الحق) كما أنَّها تُقال أمام السلطان، فلابدَّ من قولها أمام الجماهير والإخوان والأصحاب والحشود، ولربما يكون قولها أمامهم أصعب من أن تقال أمام السلطان!
    فكم من جَريءٍ في كلمة الحق أمام السلطان ضعيف جبان في قول كلمة الحق أمام الجماهير؛ خصوصًا إن كانوا من أتباعه ويعلم أنَّ (كلمة الحق) قد تخالف أكثرهم أو كثير منهم!

     

    14)    (كلمة الحق) لا يُستحيى منها ولا ينبغي الخجل من قولها، فإنَّها كلمة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ لأنَّها كلمة طيبة ولا بد أن تكون كذلك.
    عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا لا يمنعن أحدًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه))؛ أخرجه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح).
    وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ)) أخرجه أحمد بسند جيد.

     

    15)    السكوت عن قول (كلمة الحق) أحيانًا هو من الحق، وتذكر تلك القصَّة الواردة في صحيح الإمام مسلم حينما طلب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن يذهب إلى مكان المشركين ليأتيه بخبر القوم، وألاَّ يتحدَّث شيئًا أمامهم، ولا يفعل شيئًا يُذعرهم على المسلمين، فلو أنَّه تكلَّم أو دافع أو نافح عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكان في ذلك إفسادٌ للمقصد الذي بعث لأجله رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصحابي الجليل حذيفة - رضي الله عنه.
    وما يتناقله كثيرٌ من الناس وينسبونه لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلِّم بالباطل شيطان ناطق))، لا يصح مطلقًا عن رسول الله فهو حديث باطل!
    لكن ورد في "الرسالة القشيرية "لأبي القاسم القشيري - رحمه الله - أنَّه سمع الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: (من سكت عن الحق، فهو شيطان أخرس)، وهذه الكلمة صحيحة في الأصل، لكنَّها ليست على جميع أحوالها صحيحة، فقد يسكت المرء عن شيء ما يستحق السكوت، ولا يستحق الكلام كما بيَّنا في قصَّة حذيفة.

    ولربما يتكلَّم الشخص بكلمة حق، يكون مآلها زيادة إنكار المنكر، فسكوته في هذه الحالة أولى وأوجب.

     

    ويتحدث الإمام ابن تيمية عن هذا السر قائلًا: "كنت آمر أصحابنا ألا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوُهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره".
    كما أنَّ من لا يستطيع إنكار المنكر إلاَّ بقلبه، فإنَّه لا يجب عليه أن ينكره بلسانه، فلقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وفي رواية: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).
    فمَن كان قادرًا على إنكار المنكر بلسانه ولكنَّه سكت فهو الشيطان الأخرس، ومن لم يكن قادرًا على إنكار ذلك المنكر بلسانه، فليس بشيطان أخرس.

     

    16)    (كلمة الحق) تكون في الغضب والرضا، ولربَّما يقول الشخص كلمة الحق في الرضا، لكنَّه لا يقولها في الغضب؛ لأنَّه إن اعتراه غضب فقد يمنعه من قول (كلمة الحق) أو قبولها.
    فحريٌّ بنا أن نسأله تعالى أن يرزقنا قول الحق في الغضب والرضا، فلقد كان الصحابي الجليل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يقول مُخبرًا عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا - يعني في الركعتين - بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ))؛ أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.

     

    17)    كم تأسَّى المسلمون من أناس قالوا (كلمة الحق)، ولم يكونوا على قدر من القوَّة والتجلد والصبر عليها، فهانوا وخاروا وتراجعوا، فظنَّ بعض الناس أنَّ الخطأ في (كلمة الحق)، وما علموا أنَّ المشكلة فيمن قالوها؛ لضعفهم عن تحمُّل ضريبة قول (كلمة الحق).

     

    18)     من يعلم عن نفسه جبنًا وخورًا وضعفًا ويريد أن يستعرض بطولاته وعضلاته فيقول (كلمة الحق)، ثمَّ ينتكس بعدها ويرتكس إن ابتلي، فخير له أن يصمت، فقد قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وثبت عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الصحيح أنَّه قال: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)).

    خباب الحمد
    موقع المسلم


  4.  


    26168887_532290487124242_666601152406614

    السؤال
    أشعر أني أقوم بالعبادات والطاعات بدافع حبِّ الجنَّة ، والخوف من النَّار ، وليس بدافع محبة الله ، أو حب الطاعات ، فما السبب في ذلك ؟ وما العلاج ؟ . أريد أن أقوم بأي عبادة حبّاً في الله ، وحبّاً في طاعته ، في المقام الأول ، فما السبيل إلى ذلك؟


    نص الجواب

    الحمد لله

    هذا الإشكال في سؤالك أخي الفاضل منبعه تلك المقولة الخاطئة المشتهرة " لا نعبد الله خوفاً من ناره ، ولا طمعاً في جنته ، بل نعبده حبّاً له " ! وبعضهم يذكرها بصيغة أخرى مفادها : أنه من عبد الله خوفا من ناره فهي عبادة العبيد ، ومن عبده طمعاً في جنته فهي عبادة التجار ، وزعموا أن العابد هو من عبده حبّاً له تعالى !!

    وأيّاً كانت العبارة ، أو الصيغة التي تحمل تلك المعاني ، وأيا كان قائلها : فإنها خطأ ، وهي مخالفة للشرع المطهَّر ، ويدل على ذلك :

    1. أنه ليس بين الحب والخوف والرجاء تعارض حتى تريد - أخي السائل - أن تعبد ربك تعالى حبّاً له ؛ لأن الذي يخافه تعالى ويرجوه ليست محبة الله منزوعة منه ، بل لعله أكثر تحقيقاً لها من كثيرين يزعمون محبته .

    2. أن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم ، والمحبة تولِّد الرجاء ، والتعظيم يولِّد الخوف .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

    والعبادة مبنية على أمرين عظيمين ، هما : المحبة ، والتعظيم ، الناتج عنهما : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهَباً ) الأنبياء/ 90 ، فبالمحبة تكون الرغبة ، وبالتعظيم تكون الرهبة ، والخوف .

    ولهذا كانت العبادة أوامر ، ونواهي : أوامر مبنية على الرغبة ، وطلب الوصول إلى الآمر ، ونواهي مبنية على التعظيم ، والرهبة من هذا العظيم .

    فإذا أحببتَ الله عز وجل : رغبتَ فيما عنده ، ورغبت في الوصول إليه ، وطلبتَ الطريق الموصل إليه ، وقمتَ بطاعته على الوجه الأكمل ، وإذا عظمتَه : خفتَ منه ، كلما هممتَ بمعصية استشعرت عظمة الخالق عز وجل ، فنفرتَ ، ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ) يوسف/ 24 .

    فهذه مِن نعمة الله عليك ، إذا هممتَ بمعصية وجدتَ الله أمامك ، فهبتَ ، وخفتَ ، وتباعدتَ عن المعصية ؛ لأنك تعبد الله ، رغبة ، ورهبة .

    " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 8 / 17 ، 18 ) .

    3. أن عبادة الأنبياء والعلماء والأتقياء تشتمل على الخوف والرجاء ، ولا تخلو من محبة ، فمن يرد أن يعبد الله تعالى بإحدى ذلك : فهو مبتدع ، وقد يصل الحال به للكفر .

    قال الله تعالى – في وصف حال المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين - : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) الإسراء/ 57 .

    وقال الله تبارك وتعالى – في وصف حال الأنبياء - : ( إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) الأنبياء/ 90 .

    قال ابن جرير الطبري – رحمه الله - :

    ويعنى بقوله : ( رَغَباً ) : أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه ، من رحمته ، وفضله .

    ( وَرَهَباً ) : يعني : رهبة منهم ، من عذابه ، وعقابه ، بتركهم عبادته ، وركوبهم معصيته .

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

    " تفسير الطبري " ( 18 / 521 ) .

    وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله - :

    وقوله : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) أي : في عمل القُرُبات ، وفعل الطاعات .

    ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) قال الثوري : ( رَغَبًا ) فيما عندنا ، ( وَرَهَبًا ) مما عندنا .

    ( وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي : مصدِّقين بما أنزل الله ، وقال مجاهد : مؤمنين حقّاً ، وقال أبو العالية : خائفين ، وقال أبو سِنَان : الخشوع هو الخوف اللازم للقلب ، لا يفارقه أبداً ، وعن مجاهد أيضاً : ( خَاشِعِينَ ) أي : متواضعين ، وقال الحسن ، وقتادة ، والضحاك : ( خَاشِعِينَ ) أي : متذللين لله عز وجل ، وكل هذه الأقوال متقاربة .

    " تفسير ابن كثير " ( 5 / 370 ) .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

    قال بعض السلف : " مَن عبد الله بالحب وحده : فهو زنديق ، ومَن عبده بالخوف وحده : فهو حروري – أي : خارجي - ، ومَن عبده بالرجاء وحده : فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء : فهو مؤمن موحد .

    " مجموع الفتاوى " ( 15 / 21 ) .

    4. اعتقادهم أن الجنة هي الأشجار والأنهار والحور العين ، وغفلوا عن أعظم ما في الجنة مما يسعى العبد لتحصيله وهو : رؤية الله تعالى ، والتلذذ بذلك ، والنار ليست هي الحميم والسموم والزقوم ، بل هي غضب الله وعذابه والحجب عن رؤيته عز وجل .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :

    ومِن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول مَن قال : " ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك ، ولا خوفاً من نارك ، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك " .

    فإن هذا القائل ظنَّ هو ومَن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل ، والشرب ، واللباس ، والنكاح ، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات ، ولهذا قال بعض مَن غلط مِن المشائخ لما سمع قوله : ( مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ) قال : فأين من يريد الله ؟! وقال آخر في قوله تعالى : ( إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ ) قال : إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه ؟! .

    وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر ، والتحقيق : أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم ، وأعلى ما فيها : النظر إلى وجه الله ، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة ، كما أخبرت به النصوص ، وكذلك أهل النار ، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار ، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً ، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد ، ويجب التقرب إليك ، والنظر إليك ، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق .

    " مجموع الفتاوى " ( 10 / 62 ، 63 ) .

    وقال ابن القيم - رحمه الله - :

    والتحقيق أن يقال : الجنَّة ليست اسماً لمجرد الأشجار ، والفواكه ، والطعام ، والشراب ، والحور العين ، والأنهار ، والقصور ، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنَّة ، فإنَّ الجنَّة اسم لدار النعيم المطلق الكامل ، ومِن أعظم نعيم الجنَّة : التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم ، وسماع كلامه ، وقرة العين بالقرب منه ، وبرضوانه ، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً ، فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك ، كما قال تعالى : ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر ) التوبة/ 72 ، وأتى به مُنَكَّراًَ في سياق الإثبات ، أي : أي شيء كان من رضاه عن عبده : فهو أكبر من الجنة .

    قليل منك يقنعني *** ولكن قليلك لا يقال له قليل

    وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية : ( فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه ) ، وفي حديث آخر : ( أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا : نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه ) .

    ولا ريب أن الأمر هكذا ، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال ، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة ، فإن ( المرء مع مَن أحب ) ، ولا تخصيص في هذا الحكم ، بل هو ثابت ، شاهداً ، وغائباً ، فأي نعيم ، وأي لذة ، وأي قرة عين ، وأي فوز ، يداني نعيم تلك المعية ، ولذتها ، وقرة العين بها ، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ، ولا أكمل ، ولا أجمل قرة عين ألبتة ؟ .

    وهذا - والله - هو العِلم الذي شمَّر إليه المحبون ، واللواء الذي أمَّه العارفون ، وهو روح مسمَّى الجنَّة وحياتها ، وبه طابت الجنة ، وعليه قامت .

    فكيف يقال : " لا يُعبد الله طلباً لجنَّته ، ولا خوفاً من ناره " ؟! .

    وكذلك النار أعاذنا الله منها ، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله ، وإهانته ، وغضبه ، وسخطه ، والبُعد عنه : أعظم من التهاب النار في أجسامهم ، وأرواحهم ، بل التهاب هذه النار في قلوبهم : هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم ، ومنها سرت إليها .

    فمطلوب الأنبياء ، والمرسلين ، والصدِّيقين ، والشهداء ، والصالحين : هو الجنَّة ، ومهربهم : من النار ، والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

    " مدارج السالكين " ( 2 / 80 ، 81 ) .

    5. مؤدى تلك المقولة الاستخفاف بخلق الجنة ، والنار ، والله تعالى خلقهما ، وأعدَّ كل واحدة منهما لمن يستحقها ، وبالجنة رغَّب العابدين لعبادته ، وبالنار خوَّف خلقه من معصيته والكفر به .

    6. كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النار ، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم ، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد ، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى ، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم .

    عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) . رواه البخاري ( 6026 ) .

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : ( مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ ؟ ) قَالَ : أَتَشَهَّدُ ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ – أي : ابن جبل - قَالَ : ( حَوْلَهَا نُدَنْدِن ) .

    رواه أبو داود ( 792 ) وابن ماجه ( 3847 ) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه " .

    وعَنْ الْبَرَاء بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ ) . رواه البخاري ( 5952 ) ومسلم ( 2710 ) .

    قال تقي الدِّين السبكي – رحمه الله - :

    والعاملون على أصناف : صنف عبدوه لذاته ، وكونه مستحقّاً لذلك ؛ فإنه مستحق لذلك ، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً ، فهذا معنى قول من قال : " ما عبدناك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنَّتك " ، أي : بل عبدناك لاستحقاقك ذلك ، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النار ، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك ، وهو جهل ، فمَن لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار : فهو مخالف للسنَّة ؛ فإن مِن سنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولما قال ذلك القائل للنبي صلى الله عليه وسلم : " إنه يسأل الله الجنة ، ويستعيذ به من النار " ، وقال : " ما أُحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ " : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن ) .

    فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة ، فمن اعتقد خلاف ذلك : فهو جاهل ، ختَّال .

    ومِن آداب أهل السنَّة أربعة أشياء لا بد لهم منها : الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والافتقار إلى الله تعالى ، والاستغاثة بالله ، والصبر على ذلك إلى الممات .

    كذا قال سهل بن عبد الله التستري ، وهو كلامٌ حقٌّ .

    " فتاوى السبكي " ( 2 / 560 ) .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

    كل ما أعده الله لأوليائه : فهو مِن الجنَّة ، والنظر إليه هو من الجنة ، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النَّار ، ولما سألَ بعضَ أصحابه عما يقول في صلاته ، قال : " إني أسأل الله الجنَّة ، وأعوذ بالله من النَّار ، أما إني لا أُحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ " ، فقال : ( حولها ندندن ) .

    " مجموع الفتاوى " ( 10 / 241 ) .

    7. من أراد أن يعبد الله تعالى بالمحبَّة وحدها دون الخوف والرجاء : فدينه في خطر ، وهو مبتدع أشد الابتداع ، وقد يصل به الحال أن يخرج من ملَّة الإسلام ، وبعض كبار الزنادقة يقول : إننا نعبد الله محبة له ، ولو كان مصيرنا الخلود في النار !! ، ويعتقد بعضهم أنه بالمحبة فقط ينال رضا الله ورضوانه ، وهو يشابه بذلك عقيدة اليهود والنصارى ، حيث قال تعالى عنهم : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) المائدة/ 18 .

    قال تقي الدين السبكي – رحمه الله - :

    وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة ، وعبد الله بها وحدها : فقد ربا بجهله على هذا ، واعتقد أن له منزلة عند الله رفَعته عن حضيض العبودية ، وضآلتها ، وحقارة نفسه الخسيسة ، وذلتها ، إلى أوج المحبة ، كأنه آمِنٌ على نفسه ، وآخذٌ عهداً من ربِّه أنَّه من المقربين ، فضلاً عن أصحاب اليمين ، كلا بل هو في أسفل السافلين .

    فالواجب على العبد : سلوك الأدب مع الله ، وتضاؤله بين يديه ، واحتقاره نفسه ، واستصغاره إياها ، والخوف من عذاب الله ، وعدم الأمن من مكر الله ، ورجاء فضل الله ، واستعانته به ، واستعانته على نفسه ، ويقول بعد اجتهاده في العبادة : " ما عبدناك حق عبادتك " ، ويعترف بالتقصير ، ويستغفر عقيب الصلوات ، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير في العبادة ، وفي الأسحار ، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير ، وقد قام طول الليل ، فكيف من لم يقم؟! .

    " فتاوى السبكي " ( 2 / 560 ) .

    وقال القرطبي – رحمه الله - :

    ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب ، وتخوف ، وتأميل لله عز وجل ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر ، يحملانه في طريق استقامته ، وإن انفرد أحدهما : هلك الإنسان ، قال الله تعالى : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) الحِجر/ 49 ، 50 .

    " تفسير القرطبي " ( 7 / 227 ) .

    فأنت ترى أخي السائل أنه يجب عليك أن تسير في عبادتك على ما سار عليه الأنبياء والصالحون من قبلك ، فتؤدي ما أمرك الله به من عبادات على الوجه الذي يحبه الله ، وتقصد بذلك التقرب إليه ، والرجاء بالثواب الذي أعدَّه للعابدين ، والخوف من سخطه وعذابه إن حصل تقصير في الطاعات أو ترك لها ، ومن زعم أنه يحب ربه تعالى فليريه منه طاعته لنبيه صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران/ 31 .

    والله أعلم
    المصدر الاسلام سؤال وجواب


    26168887_532290487124242_666601152406614

     



  5. (9) اسم الله الفتاح

     

     
     
    الحمد لله الفتَّاح العليم، يمن على من يشاء من عباده بالفتح والفهم فيوفقهم ويهديهم، ويفتح لهم المغاليق سبحانه وتعالى.

    ورود اسم الله الفتَّاح في القرآن العظيم:
    ورد اسم الله الفتاح مرة واحدة في قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ:26]، وورد مرة واحدة بصيغة الجمع، في قول الله عزَّ وجلَّ: {..رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89].

    معنى الاسم ودلالته في حق الله تعالى:
    المعنى الأول: الفتاح الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده أجمعين، ويفتح المُنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم، ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ..} [الأعراف:96]، أي: لو أنهم امتثلوا لأمرنا وراعوا قدرنا في السر والعلانية، لكان من جزاء ذلك أن يُفتِحَ لهم من رحمته وأن يُنزل عليهم من فيض رزقه: {..وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96]. ومنها قول الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2]، يخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فلو فتح الله تعالى المطر على الناس، فمن ذا الذي يحبسه عنهم؟ ولو حبس عن عباده القطر والنبات سنين طويلة، لما استطاعوا أن يفتحوا ما أغلقه الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [يونس:17].
    والمعنى الثاني: الفتاح الذي يفتح أبواب الامتحان والبلاء للمؤمنين الصادقين، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، فهذه عقوبة الذين لا يذكَّرون برسائل الله تعالى المتتالية. فالله عزَّ وجلَّ يُرسل إليك في كل ثانية من عمرك رسالة، فإما أن تفهمها وإما أنك تغفل عنها، فتكون عقوبة الغافل أن تزداد عليه المحن والابتلاءات لعله يُفيق من غفلته، فتأتيه الابتلاءات من كل الطرق؛ يُبتلى في بيته وفي عمله ورزقه.. وحتى فيما بينه وبين نفسه، فيشعر بالوحشة، ويظل يُبتلى حتى يعود، وقد يكون من هذا الابتلاء أن يزداد في النِعَم زيادة في إقامة الحُجج عليه، فيكون من شأنه أن يفرح، وحينها تأتيه العقوبة فجأة: {..حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، مُبْلِسُونَ: أي حائرون تائهون. والمعنى الثالث: الفتاح الذي يحكم بين العباد فيما هم فيه يختلفون، كما في قوله تعالى: {..رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]، فالفتاح: صفة جمالٍ وجلال، لإنه سبحانه وتعالى يفتح أبواب رحمته ورزقه للطائعين، كما إنه قد يفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين، ويفتح قلوب المؤمنين، وعيون بصائرهم؛ ليبصروا الحق، فإذا ضاقت عليك الطُرُق وضاقت عليك الأرض بما رَحُبَت، فالجأ إلى ربِّك الفتاح، يفتح لك كل عسير، وييسر لك أمرك. يقول ابن القيم في القصيدة النونية (245):   وَكَذِلكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ *** والفَتْحُ في أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلَهِنَا *** والفَتْحُ بالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثانِ والربُّ فَتَّاحٌ بذَيْنِ كِلَيْهِمَا *** عَدْلاً وإِحْسَاناً مِنَ الرَّحْمَنِ  

    آثار الإيمان بهذا الاسم:
    1- الله سبحانه وتعالى هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة، يحكم بينهم بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرْسَلَ من الرسل وأنزل من الكتب، وهذا يتضمن من الصفات كل ما لا يتم الحكم إلا به، فطالما إنه يحكم بينهم، فهذا يتضمن أنه سبحانه وتعالى حكيم وعدل إلى غيره من الصفات التي تليق به سبحانه وتعالى.. وهذا يدل على الجزاء العدل على أعمال الجوارح والقلوب.. فهو عالم بأسرار الأمور وبواطنها سبحانه وتعالى، ويُجازي على معاصي القلوب كما يجازي على معاصي الجوارح، وهو يختص بالفصل والقضاء بين عباده بالقِسط والعدل، والحاكم في الحقيقة هو الله جلَّ وعلا.. وإن حُكِم بغير حكم الله، فليس بحاكم إنما هو ظالم، يقول تعالى: {..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45].
    2- الله سبحانه يحكم بين عباده في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويفتح بينهم بالحق والعدل.. لذلك توجهت الرُسُل إلى الله الفتاح أن يفتح بينهم وبين قومهم المعاندين في ما حصل بينهم من الخصومة والجدال، وهذه رسالة إلى الدُعاة أن ينهجوا نهج الأنبياء والرُسُل في معاملة قومهم، فحينما يشعر بأن دعوته لقومه لا تُجدي نفعًا، يلهج بالدعاء إلى ربِّه الفتاح، كما دعا نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ . فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:117-118].
    3- الله سبحانه هو الفتاح يوم القيامة، الذي يحكم بين عباده فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا.. فالله جلَّ وعلا لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا، يقول تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف:7]، ويقول جلَّ وعلا: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61]، فكل خطاراتك وسكناتك تُسجل، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يُحاسبك إلا على ما عِملت بالفعل، وقد سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الفتح، لأنه يوم القضاء بين العباد، يقول تعالى: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [السجدة:29].
    4- الله سبحانه وتعالى متفردٌ بعلم مفاتح الغيب، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ..} [الأنعام:59]، وقد عددها في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34].
    5- الفتح والنصر من الله سبحانه وتعالى: فهو يفتح على من يشاء ويذل من يشاء، وقد نسب الله تعالى الفتوح إلى نفسه؛ ليُنبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، لذلك قال الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، وقال جلَّ ثناؤه: {..فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ..} [المائدة:52]، وقال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، إذًا، فليس علينا إلا أن نجتهد ونأخذ بالأسباب، أما النصر فهو من عند الله سبحانه وتعالى.
    6- الله تعالى بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، قال تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى:12].
    7- وقد يفتح الله تعالى أنواع النِعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، فإذا تركوا ما أُمِروا به، ووقعوا في ما نُهوا عنه عوقِبوا بالاستدارج.
    8- والحكمة والعلم والفقه في الدين من الأمور التي يفتحها الله على من يشاء من عباده.. يقول الله عزَّ وجلَّ: {..وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ..} [البقرة:282]، ويقول جلَّ وعلا: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22]. يقول القرطبي: "وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ.. ففاز الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم من الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين ولم يُخيِّب الله منه سوى الكافرين".


    حظ العبد من اسم الله الفتاح:
    1- دوام التوكُّل: أن تعتمد على الله سبحانه وتعالى قبل الأخذ بالأسباب، وأن تطلب منه وحده مفاتيح الخير، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله قام على المنبر فقال: «إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض»، وفي رواية: «..ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»(صحيح البخاري).
    2- كن أنتَ مفتاحًا للخير: يقول النبي: «إن هذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبدٍ جعله الله عزَّ وجلَّ مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وويلٌ لعبدٍ جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير» (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، فعليك أن تكون مباركًا حيث ما كنت، وتظل طوال الوقت تُفكِّر في أفكار وطرق لهداية الناس من حولك، وتفتيح أبواب الخير أمامهم.
    3- التوحيد والمتابعة للنبي: وهي أعظم المفاتيح للخير والرزق، كما يقول النبي: "«ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله»، وفي رواية: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (رواه مسلم)، و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصًا، إلا فُتِحَت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وأعظم أسباب الحرمان: (الذنوب) لا سيما الكبائر.


    كيف ندعو الله تعالى باسمه الفتاح؟
    ادع ربَّك الفتاح أن يفتح عليك إذا انغلقت في وجهك الأسباب والأمور.. ومن الأدعية الواردة في القرآن والسُّنَّة: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.. واللهم افتح لي أبواب رحمتك: عند دخول المسجد، قال رسول الله: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهمَّ إني أسألك من فضلك» (رواه مسلم). اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وافتح لنا أبواب فضلك واجعلنا من عبادك الصالحين.  

     المصدر: موقع الكلم الطيب

     


  6. (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه) الكدح ..مكتوب عليك يابن آدم فالكلّ يكدح ولكن بحسب إيمانه وقناعاته وشتان بين كدحٍ وكدح كدحٌ لله ..وكدح للشيطان كدحٌ للدنيا ..وكدح للآخرة كدحُ خير.. وكدح شر فاجعل كدحك فيما يرضيه فالكل يومئذ بكدحه ملاقيه



    (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) عقلك بما وقَر فيه يأمرك وينهاك فمن ربّى عقله وسمّنه على الغثّ قاده إلى الفاسد والرديء والرثّ فاحذر أن تغذّيه إلا بخير العلوم وأصوبها وأنفعها ليأمرك بالخير ويأمرك بالصواب ويأمرك بما يُرضي الله فثقافتك تشّكل قناعات عقلك وعلى أساسها يبني قراراته



    (فأولئك تحرّوا رشدا) كما تتحرى لنفسك الرفاهية والسعادة فالآخرة من باب أولى تحرّ لها الحق من مظانّه ولا تقبل لنفسك أن تنجرف مع التيار اجتهد في تحرّي الصواب تحرِّي الحقيقة تحرّي الرشد تحرّي الخير تحرّى طريق السعادة والنجاة لنفسك فنفسك تستحق



    (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُون) من خاض في أعراض عباد الله نسي الله ومن نسي الله ازدادت جُرأته على عباده فكلّ منهما يُمدّ الآخر والشيطان يزيد ذلك ويؤجّحه نسأل الله اليقظة والاستعداد ليوم المعاد




    (وإنا فوقهم (قاهرون)) (إِنّا لنَحن (الغالبون)) (فغُلبوا هُنالك وانقلبوا (صَاغِرِين)) إنها ثقة الباطل بعدته وعتاده فانظر كيف يكون نصر الله عليه في أوج أهبته واستعداده وانظر كيف يكون دفاع الله عن خاصة عباده (وأَنجينا موسى ومن معه أَجمَعين) فكن مع الله يكن معك



    (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) الأمانة تضفي على القلب الطهر وعلى الروح الصفاء والسمو وعلى الضمير الراحة وعلى العقل بُعد النظر وعلى الخُلق النزاهة وعلى الجوارح العفة وعلى الحال الرضا والقناعة وعلى الحياة البركة والزيادة وعلى المآل السلامة وحسن العاقبة



    (ولتنظر نفس ما قدّمت لغد) غدك لاتحدّه هذه الأبعاد الدنيوية وتلك الحواجز المادية يزعمون أن المسلم لاطموح له فهو يعيش على مآثر الأجداد(كُنّا وكنّا) بل طموحه يخترق فضاء هذه الكون فغده هو ما بعد خروجه من هذه الحياة هو المستقبل الذي لم يطمح إليه أحد سواه فضعه أمام عينيك وصل يومك بغدِك



    (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) اكتمل الدين وتمت النعمة به فهل اكتمل لديك هل لمست نتائجه على قلبك بالسكينة على روحك بالإشراق على عقلك وجوارحك بالخضوع والاستسلام هل فُعلت قراراته في نظامك الروحي البدني قل لمن لم يأخذ من الدين إلا اسمه خذ نصيبك من تمام النعمة قبل الفوات



    {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظلما وعلوا} أتباع فرعون وإبليس من يجحد الحق والصواب وهو يعلمه ويؤيد الباطل وهو يعلم خطؤه لغرض محبب أوشهوة ملحّة أوخوفا من فوات حظ وبقدر الحق المجحود يكون الظلم والعلو فاحذر مسلكهم عافانا الله وإياك



    (وبشّر الذين آمنوا أنّ لهم قدَمَ صدْق عند ربهم) يطير المرء فرحا إذا بُشّر بجائزة للإقامة ليوم أو يومين في أرقى وأجمل الأماكن فكيف فرحك أيها المؤمن بهذه البشرى جائزة بالإقامة مدى الخلود (لهم)نعيم خاص بهم (قدم صدق)مقام رفيع لن يتحوّل ولن يفنى (عند ربهم)منزلة شرف ومكانة فيا بشراهم


    (كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِين) الإيمان المُنجي بذرة ثم شجرة ثم ثمار فبِذرته الإخلاص والتصديق واليقين وشجرته الطاعة والتسليم والاستعانة والتوكل وثماره النجاة والطمأنينة والأمن والرضا والثبات فبحسب جودة البذرة وريّ الشجرة يكون الثمر



    (ومن عمل صالحا فلأنفُسهِم يَمهَدُون) ((العمل الصالح)) خذ منه أوفر النصيب مهّد به حياتك..فالحياة به تطيب مهّد به قبرك.. فالقبر بغيره رهيب مهد به يوم حسابك..ذلك اليوم العصيب امسح به سيئاتك قبل أن تلقى الحسيب مهّد به الصراط..شذّبه من الكلاليب مهّد به منزل الخلود..شيّد به القصرالرحيب


    (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب) ستنطوي السماء وتنطوي صفحة هذا الكون العجيب بعد أن استنفد الغرض منه سيبقى أحدوثة على ألسنة المنعّمين في الجنة وسيبقى في ذاكرة كل إنسان إما ذكرى حسرة وألم ليتها لم تكن أو ذكرى سرور وبهجة ليتها تعود فنستكثر



    (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ) استباق الخيرات لا يكون إلا لوجهته فاجعل وجهتك إليه وجّه إليه أعمالك وجه إليه أهدافك وجه إلى ما عنده طموحاتك اجعله قِبلة قلبك وقبلة أقوالك وأعمالك فبقدر ذلك يكون سباقك فكل وجهة إلى غيره لا خير فيها



    (وأَلزمهم كلمة التّقوى وكانوا أَحقَّ بِها وأَهلها) (لا إله إلا الله) مُرتقى الشرف وشهادة الحق ومفتاح الجنة لا يتأهّل لها أي أحد فمن آمن بها حق الإيمان ألزمه الله إياها فتؤهله للتقوى من الشرك به للتقوى من غضبه للتقوى من عقابه فمن التزم بها ألزمه الله إياها فلاينفكّ عنها حتى يلقاه

     


  7. "لا يكون للسّعادة معنى إن لم تُشاركها.. ﴿وأْتوني بأهلكم "أجمعين"﴾ حتى أعلى النّعيم -الجنة- إنما يكتمل بحضور من نُحبّ.. ﴿ألحَقنا بهم ذريتَهم﴾ وإنّ من جليل النعم أن يكون هناك من تعود إليه لتقاسمه مسرّاتك.. ﴿وينقلبُ "إلى أهلِه" مسرورا﴾.!"

    ﴿ وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون﴾ ﴿ وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ ﻷلقاب الدنيا وأوسمتها ومناصبها سكرة تغيّب عقل المنتشي بها عن فنائها كلها وأن الدائم إنما هو دار القرار .

    بعض الناس كلما أراد أن يتقدَّم في حياته، تذكَّر بعض زلاته في الماضي فتراجع وهذا خطأ؛ فالعبرة بكمال النهاية انظروا إلى موسى قتل نفسًا لم يُؤمَر بقتلها ولم يمنعه هذا من التصحيح بل قال: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ)

    ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ) حتّى لو تزاحمت عليك الأمنيات؛ ما دُمت بـ باب الله لا تترك شيئاً لم تبُـح به في سجودك ، فربُـك أكرم مِن أن يستجيب بعض الدُّعاء ويترك بعضه !

    ﴿وَيسأَلونَكَ عَن الجِبالِ فَقُل يَنسِفُها رَبّي نَسفًا﴾من يستطيع نسف الجبال في لحظة قادر على أن يزيل همومك في لحظة . أبشر فإن الفارج الله!

    نوح أغرق الكرة الأرضية كلها بدعاء من ثلاث كلمات ﴿أني مغلوبً فانتصر﴾ بينما امتلكها سليمان كلها بدعاء من ثلاث كلمات ﴿وهب لي ملكاً﴾ لا تحتاج إلى الكثير لتُحدث ربك بل تحتاج إلى الصدق والإخلاص مع الله واعلم أن الله يريد من دعائك قلبك وليس صياغتك

    { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا (أذى) كثيرا } [آل عمران : 186] وطِّن نفسك على سماع الأذى وتجرع مرارات الصبر الحياة مكتظة بذلك د.عبدالله بلقاسم

    للذين يُخوفونك بالقادم وأن الشدائد سيدوم لها البقاء {قل إن الأمر كُله لله} ثُم فوّض أمركَ إليه فلن تجِد ألطف بك مِنه.

    تأملوا، كيف يُعاقب المُعرض وهو لا يشعر أنه في عقوبة! -﴿فأعقَبَهم نِفاقًا في قلوبهم إِلى يومِ يَلقَونَه﴾ -﴿فسَنُيَسّرُه للعُسرى﴾ أي لعمل الشر. -﴿ونُقَلِّبُ أفئدَتَهُم وأبصارَهُم كما لم يُؤمنوا بِه أَوّلَ مَرّةٍ ونَذَرُهم في طُغيانهم يَعمَهون﴾
    بندر الشراري

    { وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } إن أحسنَ أدوية المِحَن والمُلِمَّات، وأنفعها في الحالِ والمآل: هو حُسنُ الظنِّ بالله، من خلال وجود الفَأْلِ الحسن في داخِلَةِ المرء إذ بالفَأْلِ يحسُنُ ظنُّك بربِّك وتقتدِي بهديِ نبيِّك صلى الله عليه وسلم.
    د.سعود الشريم

    قال تعالى: (یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱ) سوء الظن وسُوء الفهم يحيدان بالمرء عن جادة الصواب! سوء الظن يدفع صاحبه إلى إطلاق الاتهامات دون تثبت ولا أدلة. وسوء الفهم يشوش صورة الحقيقة

    اِعْلمْ أن المجانسة تكون بالمجالسة إن جلستَ مع المسرور سُرِرتَ وإن رافقتَ الغافلين غفلتَ وإن جلستَ مع الذاكرين ذكرتَ وإن صاحبتَ النائمين نمتَ وإن صاحبتَ أموات الدين ماتَ دينك في قلبك (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) فلذلك قيل لمريم : "وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ" . ابن عطاء السكندري

    الماء خَلْقٌ من خَلق الله أمره بإنجاء موسى: (فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) وأمره بإغراق عدوه فرعون: (فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) كل ذلك مع ما كان فيه موسى من أسباب الضعف وما كان فيه فرعون من أسباب القوة، فسبحان من هذا تدبيره! د.عويض العطوي

    " وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ " حين تتأزم حياتك الزوجية، تحتاج لعمل صالح تستعيد به صفاء بيتك .
    عبد الله بلقاسم

    (صنائع المعروف) بحاجة إلى: - فطنة: ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ﴾ - ومبادرة: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ - عطاء: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا﴾ - عدم طلب الجزاء أو انتظاره: ﴿ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾

    قمة انضباط المشاعر والسلوك واتباع الحق ولزوم العدل حتى مع الخصوم (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) فكيف يتجرأ مسلم بعد هذا على ظلم أخيه ...

    في تعاملك مع الناس ارفع هذا الشعار القرآني: {وتعانوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان}

    من هوان الدنيا على الله أن أخرج نفائسها من خسائسها، وأطايبها من أخابثها؛ فالذهب والفضة من حجارة! والمسك من فارة، والعنبر من روث دابة، والسكر من قصب، والديباج من دودة، والإنسان من نطفة! { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } [أبو الحسن النقيب]
    اللقاء الصعب ( فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ ) بعض الأمور تحتاج منا الحزم و البعد عن العاطفة .. لا ينفع فيها التخيير و لا المجاملة ..

    ﴿ذَرهُم يَأكُلوا وَيَتَمَتّعوا وَيُلهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوفَ يَعلَمونَ﴾ [الحجر: ٣] يا الله، ما أعظم غناك عمّن عصاك. يا الله، ما أوسع حِلمَك مع قُدرتك وعلمك! يأكلون من رزقك ويتمتعون في ملكك، ويجترئون على أمرك، ثم تقول: ﴿ذَرهُم﴾! يا ويلهم من وعيدك وتهديدك: ﴿فَسَوفَ يَعلَمونَ﴾
    بندر الشراري

    ‌‌‌‌‌﴿لَكُم دينُكُم وَلِيَ دينِ﴾ في هذه السورة منهج إصلاحي، وهو عدم قبول أنصاف الحلول لأن ما عرضوه عليه ﷺ من المشاركة في العبادة، يعتبر في مقياس المنطق حلًا وسطًا لاحتمال إصابة الحق في أحد الجانبين، فجاء الرد حاسمًا وزاجرًا وبشدة، لأن فيه مساواة للباطل بالحق. الشيخ/ عطية سالم

    (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) سورة النحل : 71 . إن رزقك لا يستطيع أحد أن يصرفه عنك، ورزق غيرك لا يقدر أحد أن يوصله إليك، ما كان لك، فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك، لن تناله بقوتك، رُفِعت الأقلام وجفت الصحف. علي الطنطاوي، نور وهداية 129

  8. "ذَنْبٌ يَكْسِرُكَ خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ تَمْلَؤُكَ عُجْباً بِنَفْسِكَ"

    الحياةُ رحلة وليستْ سِبَاقاً ..
    فأقدارُنا قد كُتِبَتْ .. وأعمارُنا قد حُدِّدَتْ .. وأرزاقُنا قد قُسِمَتْ ..
    ولن يُصيبنا إلا ما كتبه الله لنا
    استفتح يومك بالرِّضى عن أقدارك
    والتعايشِ معها شَاكِراً راضِباً حامِداً

    "الذي رَتّبَ تفاصيلَ حياتِكَ قبل قدومِكَ أيضيعُّكَ بعد مجيئِكَ ؟
    ثِقْ بالله فحسب !"

    ﴿ ومن يَغفرُ الذنوب إلا الله ﴾
    قال ﷺ: من قال حين يأوي إلى فراشه:
    لا إله إلا الله وحده لاشريك له
    له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير
    لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم
    سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
    غُفرت ذنوبه وإن كانت
    مثل زبد البحر.
    صححه الالباني

    البحث عن فضائح الناس وتتبُّعها حتى وإن كانت منتشرة=ليس من خُلُق المؤمن.
    المؤمن يبحث عن الخير، ويسأل الله لإخوانه الستر.
    قال تعالى:﴿ولَا تَجَسَّسُوا﴾ قال ابن زيد: -هو قول الرجل-:" حتى أَنظر في ذلك وأسأل عنه، حتى أعرف حقٌّ هو أم باطل، سمّاه الله تجسّسًا، يتجسّس كما تتجسّس الكلاب"
    بندر شراري

    عندما تقرأ القرآن :
    ضعْ بجانبك ورقةً وقلماً
    وإذا استوقفتكَ آيةٍ تلامسُ قلبك وتُحبّها
    اكتبها في ورقةٍ صغيرة
    و ضعْ هذه الأوراق
    في صندوقٍ صغير
    واكتبْ على الصندوق :
    " رسائل ربي "
    وكلما احتجتَ لرسائل في يومك
    اذهبْ وخُذْ إحدى الأوراق
    واقرأ رسالةَ الله لك !

    قال ابن القيم رحمه الله: مُحِبُّ الدُّنيا لا يَنْفَكُّ مِن ثلاثٍ: هَمٌّ لازِمٌ، وتَعَبٌ دائِمٌ، وحَسْرَةٌ لا تَنقَضِي.
    إغاثة اللهفان لابن القيم (1/ 37)

    إذا رأيت في زمانِك؛
    أن للفاسد صوتًا قد علا،
    وللصالح صوت قد خَبَا،
    فلا تعجب،وتذكّر؛
    أن عمرو بن هشام كان يُصرِّح
    بلسان إبليس وهو بجانبِ الكعبة،
    ومحمدﷺكان يهمس بكلام الله
    متخفياً في دار الأرقم
    والنهاية؟
    الأول:جيفة في قليبِ بدر،
    والثاني:عندَ سدرة المنتهى
    يُحادث ربه!

    أعداء الإنسان ثلاثة:
    دنياه، وشيطانه، ونفسه
    فاحترس من الدّنيا بالزّهد فيها،
    ومن الشّيطان بمخالفته،
    ومن النّفس بترك الشّهوات.
    [معاذ الرازي]

    اِنْتِظَارُ الفَرَجِ عِبَادَة
    ابن رجب

    سُئل حكيم :
    كم وجدت في أبن آدم من العيوب ؟
    فقال : هي أكثر أن تحصى ،
    ووجدت خصلة إن أستعملها ،
    سترت العيوب كلها ..
    و هي .. { حفظ اللسان } !

    قال رسول اللهﷺ: "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس"
    قيل: الحياة الطيبة والراحة الكاملة حاصلة لمن كانت هذه حاله.
    فهنيئًا له تلك الحياة الطيبة، والصدر المنشرح، والقلب السليم.
    ومن اشتغل بعيوب الناس=ظهرت عيوبه، وتكدّرَ صَفْوُه، وضاق صدرُه، وكان شرُّه على نفسه أكثر من شرِّه على الناس.
    بندر الشراري

    الإصلاح يكون بتقويم الظواهر لا بفضح السرائر وفضل ستر ذنوب الناس أعظم من فضحها وإصلاحها يروى في الحديث (من ستر عورة كمن أحيا موءودة من قبرها)
    عبد العزيز الطريفي

    اللهمّ يقيناً كيقينِ موسى
    لما رأى البحرَ أمامه
    وفرعونَ وراءَه
    وقومَه يقولون له : "إنا لمُدْرَكون"
    فقال : "كلا إن معي ربي سيهدين"
    : ويقيناً كيقينِ النبيّ صلى الله عليه وسلم
    لما قالَ له أبو بكر : لو نظرَ أحدُهم تحت قدميه لرآنا
    فقال له : يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما ؟!

    كلما انكسر العبد وخضع لربه=كان أقرب إليه وأحرى بالإجابة.
    قالﷺ"أقرب ما يكون العبد لربّه وهو ساجد"
    فهذا انكسار بالسجود، فكيف بانكسار القلب!
    ومن صور انكسار قلبك:
    الاعتراف بفضل الله إليك.
    والرضا بما قدر عليك.
    والحياء من تقصيرك في الطاعة والشكر،
    وخوفك من ستره عليك ألا يكون استدراجًا.
    بندر الشراري

    إياك والتأخر عن الصلاة،
    إذا سمعت الأذان،
    القِ قلمك، اختم الاجتماع، إنهِ الجلسة،
    انتهى الأمر، الله أكبر من كل شيء،
    وصلِّ بخشوع فكل ما ينتظرك أقل شأناً من الصلاة،
    ونصيبك من الدنيا ينتظرك،
    أنت أعطيت الدنيا ساعات فهب لله دقائق.
    عائض القرني

    "يبتلي اللهُ العبدَ بأقربِ النّاسِ إليه
    ليريه أنّ النّاس تتخلى عمّن أحبّتْ
    ولكنّ الله لا يترُكُ من أحبّ !"

    هذه العبارة تستحق التأمل كثيراً، قالها إمام أهل السن الإمام أحمد رحمه الله:

    من علم أنه إذا مات نسي، أحسن ولم يسيء.
    طبقات الحنابلة(١/٣٨١)
    فعلاً من تيقن أنه سيموت وينساه كل من حوله فإنه سيحسن العمل، ويحرص على ما ينفعه بعد موته، ولن يهمه مدح الناس ولا ذمهم ما دام أنه أرضى ربه.
    د.حسين الفيفي


    موسى -عليه السلام- طفل رضيع، ألقي في البحر وهو لا يفرق بين الماء والتراب، وفرعون يقول هذه الأنهار تجري من تحتي، ولكن هذا هو حفظ الله لعباده، فإذا حفظك الله = أدهشك بحفظه سبحانه!
    وتأمل ماذا كان من أمر موسى وإلى أي شيء صار، وفي حال فرعون وإلى أي شي صار، لتعلم أنه لا مردّ لأمر الله!

    في صلاة الفجر شيء لا تستطيع حتى نسبية اينشتاين أن تشرحه ،وهي أسجد لترتفع

    قال ابن القيم رحمه الله:
    *الطاعة تجلب للعبد بركات كلِّ شيء،*
    *والمعصية تمحق عنه كلَّ بركة.*
    طريق الهجرتين 1 / 537

    تدبير الحق عز وجل لك خير من تدبيرك، وقد يمنعك ما تهوى ابتلاءً، ليبلو صبرك، فأرِهِ الصبر الجميل، تر عن قرب ما يسرّ .
    ومتى نظَّفت طرق الإجابة عن أدرانِ الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك، فكل ما يجري أصلح لك، عطاءً كان أو منعًا .
    [ صيد الخاطر لـ ابن الجوزي صـ ١٩٣ ]

    لا يكاد عجب المرء ينتهي من أقوام يأبون إلا نشر فضائحهم، والمجاهرة بمعايبهم، وإطلاع الآخرين على حجم عقولهم!!
    ولكن صدق رسول ﷲ ﷺ القائل :
    ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )
    د.خالد بن سعد الخشلان

    من أبواب حمل الأوزار في زماننا من غير أن يشعر بها كثيرمن الناس ما يحصل في وسائل التواصل الحديثة من نشر ما يلي:
    •معلومات تنسب للشرع والشرع منها بريئ
    •الطعن في الثوابت والسنن
    •أخبار وشائعات من غير تثبت
    •مشاهد الفسق والمنكرات ولو بقصد حسن
    •مايعزز الفرقة والعنصرية
    فكن على حذر
    د.خالد بن سعد الخشلان

    "صباح اليقين
    بأنَّ رحمة الله
    أوسع من متاعب الحياة!"

    "عاب رجلٌ رجلًا عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللتُ على كثرة عيوبك بما تُكثِر من عيب الناس؛ لأن الطالِبَ للعيوب إنما يطلبها بِقَدْر ما فيه منها"

    Image may contain: text

  9. قال ابن القيم رحمه الله:
    فصلُ في مراتب الجهاد:-
    فالجهاد أربع مراتب:-
    ١-جهاد النفس
    ٢- جهادالشيطان
    ٣- جهاد الكفار
    ٤- جهاد المنافقين
    *فجهاد النفس أربع مراتب:-
    ١- أن يجاهدها على تعلم الهُدى.
    ٢- أن يجاهدها على العمل به بعد علمه.
    ٣- أن يجاهدها على الدعوة إليه،وتعليمه لمن لا يعلمه.
    ٤- أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله.
    فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين..
    *وأما جهاد الشيطان فمرتبتان:-
    ١- جهاده على دفع ما يُلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
    ٢-جهاده على دفع ما يُلقي من الإرادات الفاسدة والشهوات.
    فالجهاد الأول يكون بعدة اليقين
    والثاني يكون بعدة الصبر قال تعالى ( وجعلنا من أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
    *وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب :-
    ١- بالقلب
    ٢- باللسان
    ٣-بالمال
    ٤- بالنفس
    *جهادالكفارأخص باليدوجهادالمنافقين أخص باللسان .
    *و جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع فثلاث مراتب:-
    ١- باليد إذا قدر
    ٢- باللسان إن عجز
    ٣- بالقلب إن عجز
    فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد

    ،و((من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبةٍ من النفاق))
    *وكما أن الإيمان فرضٌ على كلِّ أحد ففرضٌ عليه هجرتان في كل وقت:-
    ١- هجرة إلى الله عزوجل بالإخلاص والتوحيد والإنابة والتوكل والخوف والرجاء والمحبة والتوبة.
    ٢- وهجرة إلى رسوله بالمتابعة والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره.
    *والتحقيق : أن جنس الجهاد فرض عينٍ إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد،
    فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوعٍ من هذه الأنواع.
    *المرض نوعان:
    ١- مرض القلوب
    ٢- مرض الأبدان..
    أ-مرض القلب نوعان: ١-مرض شبهة وشك
    ٢-مرض شهوة وغيٍّ.
    *وذكَر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لِسرٍّ بديع يُبين لك عظمة القرآن ، والإستغناء به لمن فهمه وعقَلَهُ عن سواهُ ، وذلك أن قواعد طبِّ الأبدان ثلاثةٌ: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي ، واستفراغ المواد الفاسدة...
    *الأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتُها عشرةٌ: الدم إذا هاج، المني إذا تبيغ، البول، والغائط،الريح و القيء، والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطس، وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسهُ داءً من الأدواء بحسبه.
    *فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حميةً له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهذا تنبيه على الحميةِ عن كل مؤذٍ له من داخل أو خارج.
    *فأما طب القلوب ، فمسلّمٌ إلى الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفةً بربهاوفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأن تكون مؤثرةُ لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك.
    *وأما طب الأبدان: فأنه نوعان:
    ١- نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقه وبهيمه،فهذا يحتاج فيه إلى مُعالجة طبيب،كطبِّ الجوع والعطش والبردوالتعب،بأضدادهاوما يزيلها.
    ٢- ما يحتاج إلى فكرٍ وتأمل كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج بحيث يُخْرَج بها عن الاعتدال.
    *... بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدحُ في نفس التوكل.
    *وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( لكل داءٍ دواء) تقويةٌ لنفس المريض والطبيبِ، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه.
    *عصبُ الرأس ينفع في وجع الشقيقة وغيرها من أوجاع الرأس.
    *العُذرةُ، قال أبو عبيدة: العُذرةُ تهيجٌ في الحلقِ من الدمِ ... وقيل العُذرةُ : قرحةٌ تخرجُ فيما بين الأذن والحلقِ، وتعرض للصبيان غالياً.
    والسعوط: ما يُصبُ في الأنف...
    *والحمية: حميتان :

    حمية عما يجلب المرض، وحمية عما يزيذه فيقف على حاله...
    *قال أبو عبيدة : معنى امقلوه: اغمسوه ليخرج الشفاء منه، كما خرج الداء.
    *الذريرة: دواءٌ هندي يتخذ من قصب الذريرة.
    *البُثرةُ : خُراجٌ صغير.
    *ومن جرب هذه الدعوات(المعوذات والرقى)
    ؛ عرف مقدار منفعتها ، وشدة الحاجة إليها وهي تمنعُ وصول أثر العائن ، وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفْسِه واستعداده وقوة توكّله وثبات قلبه فإنها سلاحٌ والسلاحُ بضاربه.
    *فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله تعالى وتفويض الأمر إليه والإستعانةبه والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية.
    *واعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله،وتمنع من وقوعه،وإن وقع لم يقع وقوعاً مضراً، فالرقى والعُوذُ تستعمل لحفظ الصحة ولإزالة المرض.
    *النملة: قروحٌ تخرج في الجنين، وهو داء معروفٌ ، وسمِّي نملةً لأن صاحبه يحسُّ في مكانه كأن نملةً تدبُّ عليه وتعضُُه.
    *ومنه: (أي علاج حر المصيبة) :أن يعلم أنه لولا محنُ الدنيا ومصائبُها لأصاب العبد من أدواءالكِبرِ والعجبِ والفرعنة وقسوة القلب ماهوسبب هلاكه.
    *ولما كانت الصحة والعافية من أجلِّ نعم الله على عبده،وأجزل عطاياه،وأوفر منحه،بل العافية المطلقةُ أجلُّ النعم على الإطلاق،فحقيقٌ بمن رزق حظًّامن التوفيق مراعاتها وحفظهُاوحمايتُها عما يضادها...
    *ولم يكن يأكل طعاماً في وقت شدةِ حرارته، ولا طبيخاً بائتاً يُسخّنُ له بالغدِ، ولا شيئاً من الأطعمة العفِنةِ والمالحة.
    *( لا آكل متكأ) وقد فِسر الأتكا بالتربع وفسر بالاتكاءِ على شيء وهو الاعتماد عليه، وفُسر الإتكاء. بالاتكاء على الجنب. والأنواع الثلاثة من الاتكاء.
    *فأروى: أشد رياً ، وأبرأ: أفعلُ من البرءِوهر الشفاء، أي: يِبرئ من شدة العطش. وقوله ( وأمرأ): هو أفعلُ من مرئ الطعام والشرابُفي بدنه، إذا داخله وخالطه بسهولةٍ ولدةٍ ونغع.
    *.. فإن الحِماع في الأصلِ وضِع لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية: حفظ النسل ، وإخراج الماء الذي يضُرُّ احتباسه، وقضاء الوطر ونيلُ اللذة.
    *وفي هذا الحديث(اللهم اغسلني من خطاياي..)من الفقه : أن الداء يِداوى بضده ،فإن في الخطايا من الحرارة والحريق ما يُضاده الثلج والبرد والماء البارد.
    *والصلاة مجلبةٌ للرزق،حافضة للصحة،دافعة للأذى، مُطردة للأدواء،مقوية للقلب، مفرحة للنفس، مُذهبةٌ للكسل ، مُنشطة للجوارح ، مُمدةٌ للقُوى، شارحةٌ للصدر، مُغذية للروح، منورةٌ للقلب، مُبيضةٌ للوجه، حافضة للنعمة،دافعةٌ للنقمة، جالبة للبركة،مُبعدة من الشيطان،مُقربةٌ من الرحمن.
    *العود الهندي نوعان :
    أحدهما: يُستعمل في الأدوية وهو الكِسْتُ، ويقال له القُسط.
    الثاني: يُستعمل في الطيب ويقال له الأُلُوَّةُ...
    *المجامر: جمع مَجْمَر وهو ما يُتجمَّر به من عودٍ وغيره، وهو أنواع.
    *قال الله تعالى : {وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين} والصحيح : أن ( من) هاهنا، لبيان الجنس لا للتبعيض...
    *فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدوات الدنيا والآخرة، وما كل أحدٍ يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العَليلُ التداوي به ، ووضعه على دائه بصدقٍ وإيمانٍ وقبول تامٌّ، واعتقادٌ جازم ، واستيفاء شُروطه، ولم يُقاوِمه الداءُ أبداً.
    *وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدَّعها.أو على الأرض لقطّعها ، فما من مرضٍ من أمراض القلوب والأبدان إلا وفِي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رَزقه الله فهماً في كتابه .
    *فمن لم يشفِهِ القرآن ، فلا شفاه الله، ومن لمزيكفِهِ فلا كفاه الله.
    *والكَبَاثُ : ثمر الأراك
    *المسكُ ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها وهو الذي تضرب به الأمثال، ويُشبَّه به غيره.
    *يقطين:وهوالدُّباء والقرع،وإن كان اليقطين أعمُّ، فإنه في اللغة كل شجرٍ لا تقوم على ساقٍ ،كالبطيخ
    والقثاء و الخيار، قال الله تعالى( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين).
    *والتعزيز بالقتل ليس بلازم كالحدِّ، بل هو تابع للمصلحة دائرٌ معها وجوداً وعدما.
    *أن من خلّص نفسه من يدِ ظالمٍ له، فتلِفت نفسِ الظالم، أو شيءٌ من أطرافه أو ماله بذلك، فهو هَدَرٌ غير مضمون.
    *...الحكم إذا عُلِّل بالأعمِّ كان الأخصُّ عديم التأثير، وهو أقوى. والله أعلم.
    *وهذه أحكام( الأسرى) لم يُنسخ منها شيءٌ ، بل يُخيَّرُ الإمام فيها بحسب المصلحةِ.
    *وتضمن هذا الحكم(حكم سعد بن معاذ على بني قريضة) أن ناقضي العهد يسري نقضُهم إلى نسائهم وذريتهم.
    *والذي يدل عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه أنه كان يجعلُ مصارف الخُمس كمصارف الزكاة.
    *وكان هذا الحكم فيهم ( اليهود) منه حُجَّةٌ على جواز صُلح الأمام لعدوِّه ما شاء من المدة فيكون العقدُ جائزاً له فسخُه متى شاء .
    *فتضمن هذا الحكم(في شروط النكاح)وجوب الوفاء بالشروط التي شُرطت في هذا العقد إذا لم تتضمن تغييراً لحُكم الله ورسوله.
    *فتضمن هذا الحكم( رفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج علي بابنة أبي جهل على فاطمة) أن الرجل إذا شرط لزوجته ألا يتزوج عليها لزِمه الوفاء بالشرط، ومتى تزوج عليها فلها الفسخ.
    *فالذي يقتضيه حكمه صلى الله عليه وسلم( بتزويج ذات النسب بمن هو أقل منها)اعتبارُ الدين في الكفاءةِ أصلاً وكمالاً فلاتُزوّج مسلمةٌ بكافرٍ ، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنةُ في الكفاءة أمراً وراء ذلك.
    *فتضمنت هذه السنن أن مالم ينطق به اللسان من طلاقٍ أو عتاقٍ أو يمين أو نذر ونحو ذلك عفوٌ غير لازم بالنية والقصد،وهذا قول الجمهور.
    *وسرُّ المسألة الفرق بين من قصد اللفظ وهو عالم به ولم يرد حكمَه، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه،
    فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعةٌ:
    إحداها: ألاّ يقصد الحُكمَ ولم يتلفظ به .
    الثانية: ألاّ يقصد اللفظ ولا حكمه.
    الثالثة: أن يقصد اللفظ دون الحكم.
    الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم..
    فالأوليان لغوٌ، والآخرتان معتبرتان. هذا الذي أستفيد من مجموع نصوصه وأحكامه.
    *والغضب على ثلاثة أقسام:
    أحدها: مايزيل العقل وهذا لا يقع طلاقه بلانزاع.
    الثاني: ما يكون في مباديه فهذا يقع طلاقه.
    الثالث: أن يستحكم ويشتد به،فلا يزيل عقله بالكلية،ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرطَ منه إذا زال، فهو محل نظر، وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متوجه، والله أعلم.
    *فتضمن هذا الحكم( أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يراجع امرأته بعد ما طلقها)أن الطلاق على أربعة أوجُهٍ: وجهان حلال، ووجهان حرام.
    فالحلال: أن يُطلّقَ امرأته طاهراً من غير جماع، أو يُطلقها حاملا مستبيناً حملُها.
    رالحرامُ: أن يُطلقها وهي حائض، أو يُطلقهافي طهرٍ جامعها فيه.
    هذا طلاق المدخولِ بها، وأما من لم يُدخل بها فيجوز طلاقُها حائضاً وطاهراً.كما قال تعالى{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضةٌ}.
    *ولم يزل هذا اللفظ( الحقي بأهلك) من الألفاظ التي يِطلَّقُ بها في الجاهلية والإسلام ، ولم يُغيّره النبي صلى الله عليه وسلم، بل أقرَّهم عليه، وقد أوقع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم به الطلاق وهم القدوة.
    *والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يُعيّن له لفظاً ، فعلم أنه ردَّ الناس إلى ما يتعارفونه طلاقاً، فأي لفظٍ جرى به عُرفهم به ،وقع به الطلاق مع النية.
    *الإيلاء لغةً: الامتناع باليمين، وخُصَّ في عرف الشرع بالامتناع باليمين من وطء الزوجة...
    *فاشتملت هذه الكلمات الجوامع(حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)على تحريم ثلاثة أجناس : مشاربُ تُفسِد العقول، ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاءً خبيثاً، وأعيان تُفسدُ الأديان وتدعو إلى الفتنة والشرك.

    *تمت قراءة مختصر زاد المعاد والتقاط جملة من الفرائد والفوائد جعلها الله خالصة لوجهه الكريم.
    اختصره أ.د أحمد بن عثمان المزيد وفقه الله

     

     


  10. عن حرملة بن عمران أنه سمِعَ يزيد بن أبي حبيب يُـحدِّث أن أبا الخير حدَّثَه، أنه سمِعَ عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كُلُّ امرئ في ظلِّ صدقته، حتى يفصل بين الناس، أو قال: يحكم بين الناس))، قال يزيد: فكان أبو الخير مرثد لا يخطئه يومٌ إلَّا تصَدَّق فيه بشيء، ولو كعكة، أو بصلة أو كذا [1].


    من فوائد الحديث:

    1- قوله: ((كل امرئ في ظل صدقته))، يدُلُّ على أن المتصدِّق أحد الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم القيامة.


    2- الأصل أن صدقة السر أفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 271]، وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلَّه...))، وذكر منهم: ((ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))؛ (متفق عليه) [2]، وهذا الأصل في الصدقة: أن إخفاءها أفضل؛ لكن إن ترتَّبَ على إظهارها مصلحة راجحة؛ مثل: إذا كان في إسراره بها إساءة ظَنٍّ به بأنه لا يخرج الزكاة، أو اقتداء الناس بالـمتصدِّق إذا أظهر زكاته، فيكون هذا من باب: ((مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنةً، فله أجْرُها وأجْرُ من عَمِلَ بها إلى يوم القيامة))، ونحو ذلك من المصالح، ففي مثل هذه الحالات قد يكون إظهارُها أولى، والله أعلم[3].

    3- إن الإنسان بالصدقة يخرج بها عن دائرة البخلاء إلى دائرة الكرماء؛ لأنها بذل مال، والبخل إمساك المال، فإذا بذلها الإنسان خرج من كونه بخيلًا إلى كونه كريمًا.

    4- مضاعفة الحَسَنات.

    5- أنها تجبر قلوب الفقراء، وتدفع حاجتهم.


    6- أن من يدفعها يجد في صدره انشراحًا، وفي قلبه محبةً للخير.

    7- تدل على تكاتُف، وتلاحُم المجتمع.


    8- أنها تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، وهذه فائدة عظيمة، يعني أن الإنسان يموت على أحسن حال، وحُسْن خاتمة.

    9- أنها تلين القلب وتبعُث على الرحمة[4].

    10- أحد رواة الحديث، وهو أبو الخير مرثد، أخذ بتطبيق الحديث عمليًّا، فجعل على نفسه التصدُّق كل يوم بشيء.

    11- فعل المعروف لا يضيع عند الله.


    12- في يوم القيامة يكون الفصل بين الناس، الكل يأخذ حقَّه من الآخر.


    13- شك أحد الرواة في الحديث، هل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يفصل بين الناس))، أو قال: ((يحكم بين الناس))، والمعنى واحد؛ لكنه من باب التثبُّت والدقة في النَّقْل.


    14- هناك أعمال غير الصدقة تُظِلُّ صاحبَها يوم القيامة، فمن ذلك:

    أ‌- إنظار المعْسِر حتى يُسدِّد دَيْنَه أو التخفيف من الدين عنه؛ فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أنظر معسِرًا أو وضع عنه أظلَّه الله في ظِلِّه))[5].


    ب‌- حفظ سورتي البقرة، وآل عمران؛ فعن النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه يقول: سمِعْتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يُؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران))، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال، ما نسيتهن بعد، قال: ((كأنهما غمامتان أو ظلَّتان سوداوان بينهما شرقٌ، أو كأنهما حزقان من طير صوافَّ تحاجَّان عن صاحبهما))[6].

    15- الحث على فعل الخير.

    16- الأعمال الصالحة تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة.


    17- على المسلم أن يقدم ما يستطيع من عمل الخير، ولا يـحتقر شيئًا، ولو كان يسيرًا، فإن ما تُقدِّمه هو في الحقيقة يعود لنفسك.


    18- هذا الحديث من العلم الذي نشره عقبة رضي الله عنه.


    19- فضل العلم وتبليغه للناس.


    20- استغلال العمر واستغلال الفرص قبل الفوت.

    21- أهمية العمل الصالح.


    22- الصدقة تُنجي صاحبها من النار.


    23- كرم الله للعبد في يوم القيامة.


    24- المداومة على العمل الصالح.


    25- العبرة بالإخلاص في العمل لا بالكثرة والقلة[7].



    [1] مسند الإمام أحمد 28/ 568، رقم 17332، وقال مُحقِّقوه: إسناده صحيح، المستدرك على الصحيحين؛ للحاكم 1/ 576، وقال: صحيح على شرط مسلم، صحيح ابن حِبَّان 8/ 104، رقم 3310، قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

    [2] صحيح البخاري 2/ 111 رقم 1423، 8/ 163 رقم 6806، وصحيح مسلم 2/ 715، رقم 1031.

    [3] فتوى لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العقيل؛ موقع طريق الإسلام.

    [4] من 29 مستفاد من شرح رياض الصالحين؛ للشيخ ابن عثيمين 1/ 1381.

    [5] صحيح مسلم 4/ 2301 رقم 3006.

    [6] للاستزادة ينظر إلى خطبة جمعة للشيخ/ منديل بن محمد الفقيه؛ موقع الألوكة، والحديث في: صحيح مسلم 1/ 541 رقم 805.

    [7] من 2226 مستفاد من الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني؛ للساعاتي 9/ 156.

    د. إبراهيم بن فهد بن إبراهيم الودعان
    شبكة الألوكه


     


  11. No photo description available.
     
     
     
    الجزء التاسع والعشرون 

    1. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2]: لم يقل أكثر عملا، ليلفت انتباهك إلى أن العبرة بجودة العمل لا بكثرته!
    2. ﴿ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: 4]: هذا تحدٍّ إلهي، فليحاول أعظم العلماء أن يجدوا أدنى عيب أو تفاوت في خلق السماء، ولن يصلوا إلى شيء!
    3. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الملك: 12]: لم يروا ربهم، ولا نبيهم، ولا الجنة، ولا النار، لكن آمنوا بهذا الغيب، فاستحقوا مدح الله على صفحات القرآن!
    4. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الملك: 13]: رَبٌّ يراقب النيات والخطرات، فكيف بالأفعال والكلمات؟!
    5. ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الملك: 16-17]: النِّعَم نوعان: نِعَم حاصلة يعلم بها العبد، ونِعَم حاصلة خافية عليه، ولا يعرف قدرها إلا عند فقدها، وهذا أحد أمثلتها.
    6. ﴿قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: 23]: هذا حال أكثر الناس! قال ابن كثير: «أي قلَّما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته، وامتثال أوامره، وترك زواجره».
    7. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]: سئلت عائشة عن خلُق رسول الله ﷺ فقالت: «كان خُلُقه القرآن».
    8. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]: قال ابن عاشور: «واعلم أن جِماع الخُلُق العظيم الذي هو أعلى الخلق الحسن هو التدين، ومعرفة الحقائق، وحلم النفس، والعدل، والصبر على المتاعب، والاعتراف للمحسن، والتواضع، والزهد، والعفة، والعفو، والجمود، والحياء، والشجاعة، وحسن الصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن المعاملة والمعاشرة».
    9. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]: لا مداهنة على حساب العقيدة، ولا التقاء في منتصف الطرق، وكان وضوح النبي ﷺ وصراحته يؤذيان الكفار، فيطلبان منه التخفيف، فحذَّره الله من المداهنة.
    10. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]: المداراة أن تضحي بالدنيا لأجل الدين، وتكون باستعمال الألفاظ الليِّنة مع عدم قبول المنكر أو إقرار صاحبه عليه، وأما المداهنة فأن تضحّي بالدين لأجل الدنيا.
    11. ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ ﴾ [القلم: 10]: كثرة الحلف علامة بارزة من علامات الكذب.
    12. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17]: أقسموا على أن يحرموا الفقراء، فحرمهم الله، ولو عزموا على إكرامهم لأكرمهم الله.
    13. ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: 19]: كم من ظالم نائم، ولا يدري أن قرار إهلاكه قد اتُخِذ، وجاري التنفيذ.
    14. ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: 19]: أيها الظالم .. ليس هذا آخر طائف ينزل على الظالمين، واشتراكك مع هؤلاء في جريمة الظلم يعرِّضك لسيف العقاب.
    15. ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: 20]: أي احترقت حتى صارت رمادا كالليل الأسود، لا تُنبِت شيئا يُنتَفَع به، وهذه عاقبة الظلم، يمنع البركات ويقطع الخيرات!
    16. ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ...فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾: لا تضيِّق على الفقير، فيضيِّق الله عليك، ولا تحرم الناس فضلك، فيحرمك الله من فضله.
    17. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]: أعظم تهديد لغير المصلي أن يتصور هذا المشهد الأخروي الذي سيتعرض له غدا.
    18. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]: في الحديث المتفق عليه: «يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعودُ ظهره طبقا واحدا» .
    19. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]: قال كعب الأحبار: «والله ما نزلت هذه الآية إلا عن الذين يتخلفون عن الجماعات»، وقال سعيد بن جبير: «كانوا يسمعون حي على الصلاة حي على الفلاح فلا يجيبون، وهم سالمون، أصحاء فلا يأتونه».
    20. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44]: قال الحسن البصري: «كم من مستدَرجٍ بالإحسان إليه، وكم من مفتونٍ بالثناء عليه، وكم من مغرورٍ بالستر عليه».
    21. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44]: قال القشيري: «الاستدراج انتشار الصيت بالخير فى الخلق، والانطواء على الشر- فى السِّر- مع الحق».
    22. ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51]: قال ابن كثير: «وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعدِّدة كثيرة».
    23. ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: 51]: وجد النبي ﷺ حين وجد طفلا يبكي: «ما لصبيكم هذا يبكي؟ هلا استرقيتم له من العين». صحيح الجامع رقم: 5662
    24. ﴿وتعيها أذن واعية ﴾ [الحاقة: 12]: هي الأذن المؤدِّية إلى القلب، فالكلام إما أن يدخل الأذن فيخرج من الأذن دون أن يمرَّ على القلب، أو يمرَّ من الأذن إلى القلب.
    25. ﴿وتعيها أذن واعية ﴾ [الحاقة: 12]: جاءت الإشارة لعكس الأذن الواعية في الحديث: «ويلٌ لأقماع القول». صحيح الجامع رقم: 897، والحديث يتوعَّد من يتسرب الكلام من أُذُنه إلى الأذن الأخرى لديه كأنهما قُمْع.
     

    Image may contain: flower
     
    26. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1]: سؤال المشركين عن العذاب يتضمن ثلاثة معان: الإنكار، والتهكم، والاستعجال، فهو سؤال الجُهَّال لا سؤال استفهام واستعلام.
    27. ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]:قال ابن عباس: «هو يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة»، فما أطول ذلك اليوم على الخلق، وما أقصره على المؤمنين.
    28. ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا [المعارج: 10]: في هذا اليوم لا يَسْأل صديقٌ صديقه النصرة أو المعونة؛ لأن كل واحد منهما مشغول بهموم نفسه من شدة الموقف وهول الحساب.
    29. ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ [نوح: 13]: قال القرطبي: «الرجاء هنا بمعنى الخوف، أي ما لكم لا تخافون لله عظمة وقدرة على أحدكم بالعقوبة، وأي عذر لكم في ترك الخوف من الله».
    30. ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ [نوح: 13]: ويحك .. توقِّر مديرك وأميرك، وتخافهما وترعى حقهما أكثر من مراعاة حق الله .. ما أعظم جهل العبد وما أ ظلمه!
    31. ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ﴾ [نوح: 21]: ما أعظم أدب الأنبياء مع الله، فقد نسب عصيانهم إلى أمره لا إلى الله.
    32. ﴿وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً﴾ [نوح: 24]: الضلال والحرمان من الهداية هما مصير كلِّ ظالم.
    33. ﴿وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً﴾ [نوح: 24]: لعل ضلال الظالمين اليوم هو أثر استجابة دعوة نبي الله نوح من آلاف السنين!
    34. ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً ﴾ [نوح: 25]: الذنب بلا توبة لابد له عند الله من عقوبة، قد تتأخر لكنها نازلة لا محالة.
    35. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28]: داوِم على الدعاء لوالديك أحياء أو أمواتا! في الحديث: «إن الرجل لتُرفَع درجته في الجنة فيقول: أنى لي هذا؟ فيُقال: باستغفار ولدك لك». صحيح الجامع رقم: 1617
    36. ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: 3]: قال القرطبي: «الجَدُّ في اللغة: العظمة والجلال، ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جَدَّ في عيوننا، أي: عظم، فمعنى جَدُّ ربنا: عظمته وجلاله».
    37. ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ [الجن: 15]: والقاسطون: هم الجائرون الظالمون، جمع قاسط، وهو الذي ترك الحق واتبع الباطل، بخلاف المُــقْسِط فهو الذي اتبع الحق وترك الباطل.
    38. ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: 16-17]: قال عمر بن الخطاب في هذه الآية: «أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة».
    39. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: 17]: عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: « إنما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» .
    40. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن: 17]: قال ﷺ: «والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا، كما بُسِطَت على من قبلكم، فتنافسوها، كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».
    41. ﴿يا أَيُها المزَمِّل * قُمْ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 1-2]: ذهاب مخاوفك وتقوية عزائمك في قيام الليل.
    42. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]: كيف الترتيل؟! وُصِفت تلاوة الفضيل بن عياض للقرآن بأنها «حزينة شهية بطيئة مترسِّلة، كأنه يُخاطب إنسانًا»
    43. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]: قال عبد الله بن مسعود: «لا تنثروه نثر الرَّمْل، ولا تهذوه هذَّ الشِّعر، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب». أي لا تسرِعوا في قراءته.
    44. ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]: قال ابن عباس: «لأن أقرأ سورة أرتِّلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله».
    45. ‏﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]: هذا أدب المسلم وثبات أخلاقه حتى مع أعدائه وخصومه!
    46. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الهجر الجميل؟! فقال: الهجر الجميل: هجر بلا أذى!
    47. ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]: قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الهجر الجميل: «خالطوا الناس وزايلوهم وصافحوهم ودينكم لا تُكلِّموه»، لا تكلِّموه بمعنى لا تجرحوه.
    48. ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل: 17]: قال الحسن: «أي بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟».
    49. ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18]: من الدلالات اللغوية لهذه الآية: أن السماءَ تُذكَّر وتؤنَّث.
    50. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: 20]: ليكن لك ورد يومي ثابت من القرآن مهما كان يسيرا.
    يتبع
     

    No photo description available.

     


  12.  
    Image may contain: text


    الإيمان بفتنة القبر يتضمن أمرين:

    1- الإيمان بسؤال الملكين.

    2- الإيمان بنعيم القبر وعذابه.

     

    «الإيمان بسؤال الملكين»: أي المنكر، والنكير، يسألان العبد في قبره ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: من ربك؟

    السؤال الثاني: من رسولك الذي أُرسل إليك؟

    السؤال الثالث: ما دينك؟



    ومن الأدلة على ذلك:

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُبِرَ المَيِّتُ - أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمْ - أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: المنْكَرُ، وَلِلْآخَرِ: النَّكِيرُ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: مَا كَانَ يَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ، نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ العَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ، فَقُلْتُ مِثْلَهُ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: التَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلَاعُهُ[1]، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ»[2].


    «الإيمان بنعيم القبر وعذابه»: أي النعيم لأهل الطاعة، والعذاب لأهل المعصية.


    ومن الأدلة على ذلك:

    قول الله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].


    وقول الله تعالى: ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 45، 46].


    قال ابن كثير: «هذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور»[3].


    وعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾ [إبراهيم: 27]»[4].


    وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.


    فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا.


    ♦ قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ.

    قَالَ: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ[5]»[6].


    وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»[7].


    وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه، عِنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ»، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»[8].


    وعن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ؟ قَالَتْ: فَارْتَاعَ[9] رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: «إِنَّمَا تُفْتَنُ يَهُودُ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ شَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ؟» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»[10].


    وعن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى القَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا.


    ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ[11] مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ u، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ».


    قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ».


    قَالَ: «فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَ».


    قَالَ: «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَألبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّة».


    قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ».


    قَالَ: «وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِ».


    قَالَ: «وَإِنَّ العَبْدَ الكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ[12]، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ».


    قَالَ: «فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ[13] مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ».


    ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: 40]، فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: «اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا».


    ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31].


    فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا، وَسَمُومِهَا[14]، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ»[15].
     
    Image may contain: plant and flower

    [1] تختلف فيها أضلاعه: أي يدخل بعضها في بعض. [انظر: مرقاة المفاتيح، للقاري (8/ 3355)].

    [2] حسن: رواه الترمذي (1071)، وحسنه الألباني.

    [3] انظر: تفسير ابن كثير (7/ 146).

    [4] متفق عليه: رواه البخاري (1369)، ومسلم (2871).

    [5] الثقلين: أي الجن، والإنس. [انظر: النهاية في غريب الحديث (1/ 217)].

    [6] متفق عليه: رواه البخاري (1374)، ومسلم (2870).

    [7] متفق عليه: رواه البخاري (1379)، ومسلم (2866).

    [8] صحيح: رواه مسلم (2867).

    [9] ارتاع: أي فزع، وتغير. [انظر: عمدة القاري (16/ 282)].

    [10] صحيح: رواه مسلم (584).

    [11] حنوط: الحنوط هو ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. [انظر: النهاية في غريب الحديث (1/ 450)].

    [12] المسوح: جمع المِسح بكسر الميم، وهو اللباس الخشن. [انظر: مرقاة المفاتيح، للقاري (3/ 1179)].

    [13] السفود: أي الشوك أو الحديد التي يشوى بها اللحم. [انظر: مرقاة المفاتيح، للقاري (3/ 1179)].

    [14] سمومها: هي الريح الحارة. [انظر: مرقاة المفاتيح، للقاري (1/ 214)].

    [15] صحيح: رواه أحمد (18534)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1676)


    خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
    شبكة الألوكه
     
    No photo description available.

  13.  

    50016448_10157489348159311_4042064159729

    ثامناً: الحوض

    â—ڈ الحوض موجود الآن:
    ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب ذات يوم في أصحابه، فأقسم قائلا:
    «وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن».
    رواه البخاري رقم: 6590 ومسلم رقم: 2296
    وللنبي صلى الله عليه وسلم منبر يخطب به على الحوض، ففي صحيح البخاري:
    «ومنبري على حوضي». صحيح الجامع رقم: 5587
    أي يكون للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة منبر، فينصب على الحوض، ثم يصعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ويدعو أمته إليه: هلموا هلموا، فيتسارع إليه الناس، ويتزاحمون على حوضه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «لتزدحمن هذه الأمة على الحوض ازدحام إبل وردت لخمس». صحيح الجامع رقم: 5068
    أَي حُبِسَت هذه الإبل عن الماء أربعة أيام حتَّى اشْتَدَّ عطشها، ثمَّ وردت على الماء في اليوم الخامس، فكما أنَّها تزدحم عليه لشدَّة ظمئها، فكذلك تزدحم هذه الأمة على الحوض يوم القيامة لشدَّة الْحر وقُوَّة العطش، فتخيل نفسك وأنت في شدة هذا الحر والعطش، تلمح ضخما حوضا، ماؤه من الجنة، ولا تجري ماؤه على طين بل على تربة جنة النعيم.


    â—ڈ مساحة الحوض:
    قال النبي صلى الله عليه وسلم :
    «حوضي كما بين صنعاء والمدينة، فيه الآنية مثل الكواكب» .
    صحيح الجامع رقم: 3160
    وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
    «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء».
    صحيح الجامع رقم: 3161
    وهو هنا يصف شكله، فأضلاع الحوض متساوية، وهو مربع الشكل.
    وفي صحيح مسلم: «عرضه مثل طوله». صحيح مسلم رقم: 2300
    صفة مائه وأثره:
    قال النبي صلى الله عليه وسلم :
    «وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه، فلا يظمأ أبدا».
    صحيح الجامع رقم: 3161
    هنا حدٌّ فاصل بين عهدين: عهد العطش المتكرر وعهد الري الأبدي.
    هنا يمحو الله الإحساس بالعطش إلى الأبد، ويصبح الشرب للتلذذ فحسب، فكل شراب في الجنة من خمر وعسل ولبن وماء هو لتذوق ألوان المُتَع ليس غير.
    وللشارب من الحوض إشراقة وجه مميزة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «من شرب منه شربة لم يظمأ أبدا، ولم يسودَّ وجهه أبدا ..». صحيح ابن حبان رقم: 6457
    فما إن تشرب من الحوض حتى تسري في وجهك إشراقة أبدية وأنوار بهية.


    â—ڈ موارد الحوض:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «فيه ميزابان يمدان من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من ورِق». صحيح ابن حبان: 6456

    من أين في الجنة؟!
    من نهر الكوثر، حيث يصُبُّ من الكوثر ميزابان في حوض النبي صلى الله عليه وسلم في موقف القيامة، فماء الحوض دائم متدفق ليس له انقطاع ولا نقصان.

    آنية الحوض:
    كيف يشرب الناس من الحوض؟!
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «إن في حوضي من الأباريق بعدد نجوم السماء».
    صحيح الجامع رقم: 2134
    وقال صلى الله عليه وسلم :
    «عدد آنية الحوض كعدد نجوم السماء».
    صحيح الجامع رقم: 3991
    أي أواني كثيرة جدا، والمراد المبالغة لا التساوي في العدد في الحقيقة، فلا خوف من التزاحم، بل كل عبد له آنيته الخاصة به، وهي في انتظاره، لا يأخذها سواه.

    â—ڈ كثرة الواردين على الحوض:
    ما نسبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل من يَرِد الحوض؟!
    وما هو فرصتنا في الفوز بهذا الكنز؟!
    اسمع:
    عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يَرِد عليَّ الحوض» . صحيح الجامع رقم: 5557
    وفي رواية: قيل لزيد: كم كنتم يومئذ؟! قال: كنا سبعَ مائة أو ثمانَ مائة.
    وهذه والله بشارة عظيمة عظيمة، تغري كل مشتاق، وتلهب عزيمة كل كسول.

     

  14. {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}
    [الإنشقاق : 6]

    تستنسخ الملائكة أعمالنا كلها وترفعها إلى الله تعالى ، وما رُفع من سِجلِّ أعمالنا لن يعود ، لكننا سنلحق به يوماً ونلاقيه بانتظارنا للحساب ..
    أعزائي :
    نحن لسنا مُخلَّدون ولم نُخلَق سُدَى ..الدنيا دار ابتلاءٍ وعمل ، والآخرة دار حسابٍ ثم خلود في جنة أو نار ... غفرانك ربنا ..
    مهما عشنا فإنا ميتون ، ولنحب مانشاء فإنا مفارقون ، ولنختر من الأعمال ما يطيب لنا فإنا سنلاقيها بخيرها وشرّها ..
    كل ماتعمله من خير و شر هو كَدْحُك ياعزيزي ، وستجده أمامك لتنال عليه الأجر او العقاب ..فاختر ماشئت ، ولكن لاتنس أنَّ روحك بحاجة لصالح الأعمال .. يوم يقول الكثيرون ( ياليتني ..) ربنا لاتجعلنا من النادمين ..
    اللهم ألهمنا نعمل أعمالاً صالحة ترضى بها عنا وترفع منزلتنا عندك .. نستغفرك ونتوب إليك ..

    يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6)
    1-  (كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) (فملاقيه) ما مضى من اعمالنا ﻻ يعود لكننا (نحن سنقدم عليه) / عقيل الشمري
    2-  "إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".....ذكرياتنا ليست خلفنا، إنها تنتظرنا في الطريق. /عبد الله بلقاسم
    3-  ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) كل ما تعمله من الخير والشر ستجده أمامك، إنه كدحك الذي تنال عليه الأجر أو الوزر..." / نوال العيد.
    4-   ‏لستَ مُخلدا ولم تخلق سدى، فعش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه ،واعمل ما شئت فإنك ملاقيه(يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)." / الشيخ: سعود الشريم
    5-  (كدحا فملاقيه) لفظ (اللقاء) يفيد أن :  عملك ينتظر قدومك / د. عقيل الشمري.
    6-[يَا أَيُّهَاالْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ } أي: إنك ساع إلى الله، وعامل بأوامره ونواهيه، ومتقرب إليه إما بالخير وإما بالشر، ثم تلاقي الله يوم القيامة، فلا تعدم منه جزاء بالفضل إن كنت سعيدًا، أو بالعدل إن كنت شقيًا .

    Ùا ÙتÙÙر Ùص٠ÙÙصÙرة.

  15. Image may contain: flower
     
     

    الحمد لله المحمود على كل حال ، ونعوذ بالله من حال أهل النار ، الحمد لله الذي وعد على الصبر بعظيم العطاء ، وجزيل السخاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دائم البقاء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله دعا إلى ربه فأنار العقول وأخرجها من الظلماء ، صلى الله عليه وعلى أصحابه مصابيح الدجى ، ونجوم الهدى ، وسلم تسليماً كثيراً . . وبعد :
    فكم هي المصائب والنكبات التي تحصل للإنسان على مر الدهور ، وجريان العصور ، ابتلاءً من الله تعالى لعباده ليمحص المخلصين من المنافقين ، والصادقين من الكاذبين ، فمن الناس من إذا أصابته مصيبة ، أو نزلت به نازلة ، شكى بثه وحزنه للناس ، وتسخط على أقدار الله تعالى ، وربما دعا بدعوى الجاهلية ، فشق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعا بالويل والثبور ، وهذا خلاف ما أمر به الشارع الكريم حيث قال الله تعالى آمراً عباده بالصبر : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [ آل عمران 200 ] ، وقال تعالى : " يا أيها الذين استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " [ البقرة 153 ] ، وجاء ذكر الأمر بالصبر في المصائب ، أحاديث صحيحة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فعَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ ، تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا ، أَوِ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ ابْنُ عُبَادَةَ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " [ متفق عليه ] ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ ـ وعند مسلم على ابن لها قد مات ـ فَقَالَ : " اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي " ، قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ ، فَقَالَ : " إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى " [ أخرجه البخاري ومسلم ] .

    فعلينا معاشر المسلمين أن نعلم أن المؤمن يتقلب في هذه الدنيا بين خير وشر ، وضراء وسراء ، ومواجع وفواجع ، وكوارث ومصائب ، منها ما هو خفيف يمر مر السحاب ، ومنها ما هو كالجبال الراسيات ، امتحاناً من الله تعالى لعباده ، وتمحيصاً لإيمانهم ، واختباراً لصدقهم ، تصديقاً لقوله تعالى : " ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " [ العنكبوت 1-3 ] ، فالفتنة في هذه الدنيا لا بد منها لتمحيص العبد ، وله الأجر العظيم ، إذا صبر واحتسب المصيبة عند ربه ، فسوف يخلف الله له خيراً منها ، ويشهد لذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها والذي سيأتي ، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ ، وَلَا وَصَبٍ ـ مرض ـ وَلَا هَمٍّ ، وَلَا حُزْنٍ ، وَلَا أَذًى ، وَلَا غَمٍّ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] . فالفتنة والمصيبة التي تصيب العبد ما هي إلا رفعة في درجاته إذا صبر واحتسب الأجر ، لأن الدنيا مزرعة للآخرة ، وليس العكس ، فالإنسان يسعى جاهداً في هذه الدنيا ليبني الآخرة ، فالدنيا ضيقة في نظر العبد المسلم ، لأنها دار ممر ، لا دار مقر ، سرعان ما يموت ويتركها خلف ظهره ، فطوبى لمن عمل فيها خيراً ، وأُجِرَ كثيراً ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ " [ أخرجه مسلم ] ، فمن أراد الله به خيراً عرضه للفتن ، وأصابته المصائب ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ " [ أخرجه البخاري ] وفي لفظ : يُصَب منه ،
    وثمة سؤال مهم لماذا تصيب المسلم الفتن والمصائب ؟
    الجواب : حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة ، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ ، فِي نَفْسِهِ ، وَوَلَدِهِ ، وَمَالِهِ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ " [ أخرجه الترمذي وأحمد ، وقَالَ الترمذي : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
    فالمصيبة سبب لحصد الحسنات ، وتكفير السيئات ، ولقاء الله تعالى نظيفاً طاهراً ، خالياً من الأوزار والخطايا .


    ومن منطلق الشرع القويم ، والحق المبين ، أقدم للقارئ الكريم بعضاً من الأسباب التي يتسلى بها عن مصيبته ، ويعالج حرها ، ويقهر سمومها ، وتكون حافزاً للصبر على الفتنة في الدنيا :
    1- فمن أعظم أسباب علاج المصائب النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكيف صبر على أذى قومه ، وكذلك صبر الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم على تكذيب أقوامهم لهم ، قال تعالى لنبيه آمراً إياه بالصبر : " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " [ الأحقاف 35 ] .
    2- النظر في العاقبة الحسنة لمن صبر واحتسب أجر المصيبة عند الله تعالى كما في قوله تعالى : " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " [ البقرة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ما من أحد تصيبه مصيبة ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ، إلا أجاره الله في مصيبته ، وأخلف له خيراً منها " [ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ] ، وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا فَسُرِرْتُ بِهِ ، قَالَ : " لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ ، فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ، إِلَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهُ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي ، قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي ، فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنَ الْقَرَظِ ، وَأَذِنْتُ لَهُ ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا ، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا بِي أَنْ لَا تَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ فِيَّ ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ ، وَأَنَا امْرَأَةٌ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ ، فَقَالَ : " أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي " ، قَالَتْ : فَقَدْ سَلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " [ نفس المصدر السابق ] .

    وهذه الكلمة ـ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ـ من أبلغ علاج المصاب وأنفعه للإنسان في عاجلته وآجلته ، فإنها تتضمن أصلين عظيمين :
    أحدهما : أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعله عند العبد عارية منه ، فهو كالمعير ، يأخذ متاعه من المستعير .
    وليس العبد هو الذي أوجده من عدم ، حتى يكون ملكه حقيقة ، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ، ولا يبقى عليه وجوده ، فليس له تأثير ولا ملك حقيقي ، وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر ، تصرف العبد المأمور والمنهي ، لا تصرف الملاك ، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي .
    الثاني : أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ، ويجيء ربه كما خلقه أول مرة ، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ، ولكن بالحسنات والسيئات ، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته ، فكيف يفرح بموجود ، أو يأسي على مفقود ، ففكره في مبدئه ومعاده ، من أعظم علاج هذا الداء .

    3- ومن علاج المصائب أن يعلم العبد علم اليقين ، أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، قال تعالى : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور " [ الحديد ] .
    4- ومن علاجها : أن ينظر إلى ما أصيب به ، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه ، وادخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي ، فربما أصيب بعض الناس بفقد أحد أبنائه ، وهذه مصيبة ولا ريب ، لكن لو تدبر أن الله تعالى قد أبقى له بقية الأبناء لصبر وشكر الله على بقاء البقية الباقية منهم .
    5- ومن علاجها : أن يطفىء نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب ، وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ، ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة ، وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى ، إما بفوات محبوب أو حصول مكروه ، وأن شرور الدنيا أحلام نوم ، أو كظل زائل ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، وإن سرت يوماً ساءت دهراً ، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً ، وما ملأت داراً خيرة إلا ملأتها عبرة ، ولا سرته بيوم سرور ، إلا خبأت له يوم شرور ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : لكل فرحة ترحة ، وما ملىء بيت فرحاً إلا ملىء ترحاً ، وقال ابن سرين رحمه الله : ما كان ضحك قط ، إلا كان من بعده بكاء .
    6- ومن علاجها ، أن يعلم أن الجزع لا يردها ، بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض .
    7- ومن علاجها ، أن يعلم أن فوات ثواب الصبر والتسليم ، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع ، أعظم من المصبية في الحقيقة .

    8- ومن علاجها ، أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ، ويسوء صديقه ، ويغضب ربه ، ويسر شيطانه ، ويحبط أجره ، ويضعف نفسه ، وإذا صبر واحتسب ، أنضى شيطانه ، ورده خاسئاً ، وأرضى ربه ، وسر صديقه ، وساء عدوه ، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه ، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم ، لا لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والدعاء بالويل والثبور ، والسخط على المقدور .
    9- ومن علاجها ، أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة ، أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة ، على حمده لربه ، واسترجاعه ، فلينظر أي المصيبتين أعظم : مصيبة العاجلة ، أو المصيبة بفوات بيت الحمد في جنة الخلد ، وفي الترمذي عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ " ، وقال بعض السلف : لولا مصائب الدنيا ، لوردنا القيامة مفاليس .
    10- ومن علاجها ، أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله ، فإنه من كل شيء عوض ، إلا الله فما منه عوض ، كما قيل :
    من كل شيء إذا ضيعته عوض * وما من الله إن ضيعته عوض .

    11- ومن علاجها ، أن يعلم أن حظه من المصيبة ، ما تحدثه له ، فمن رضى فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ، قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " [ أخرجه الترمذ وأبو داود وابن ماجة وأحمد ، وقَالَ الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ] .
    فحظ العبد من المصيبة ما أحدثته له ، فاختر خير الحظوظ أو شرها ، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً ، كتب في ديوان الهالكين ، وإن أحدثت له جزعاً وتفريطاً في ترك واجب ، أو فعل محرم ، كتب في ديوان المفرطين ، وإن أحدثت له شكاية ، وعدم صبر ، كتب في ديوان المغبونين ، وإن أحدثت له اعتراضاً على الله ، وقدحاً في حكمته ، فقد قرع باب الزندقه أو ولجه ، وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله ، كتب في ديوان الصابرين ، وإن أحدثت له الرضى عن الله ، كتب في ديوان الراضين ، وإن أحدثت له الحمد والشكر ، كتب في ديوان الشاكرين ، وكان تحت لواء الحمد مع الحامدين ، وإن أحدثت له محبة واشتياقاً إلى لقاء ربه ، كتب في ديوان المحبين المخلصين .

    12- ومن علاجها ، أن يعلم أنه في الجزع غايته ، فآخرة أمره إلى صبر الاضطرار ، وهو غير محمود ولا مثاب .
    13- ومن علاجها ، أن المصاب بالمصيبة ، إذا رأى مصيبة غيره ربما هانت عليه مصيبته .
    14- ومن علاجها ، وهو أعظم سبل علاج حر المصيبة ، التزام أمر الله تعالى ، الذي أمر عباده بالصبر على الفتن والمصائب ، ووعدهم على ذلك بعظيم الأجر .

    وفي ختام هذا الموضوع ، أسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الصبر في مواطن الفتن ، وأن يلهمنا طاعته في كل أحوالنا ، وان يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد .


    كتبه
    يحيى بن موسى الزهراني

    إمام الجامع الكبير بتبوك
    صيد الفوائد
     

    Image may contain: flower


  16. Image may contain: outdoor
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    إنه من المعلوم أن الجنَّة طيبة، لا يدخلها إلا طيب؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ [النحل: 32]، وقوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73]، والذي يقترف الذنوب والمعاصي لا يكون طيبًا؛ وإنما يلزم تمحيصه وتطييبه من تلك الذنوب والآثام؛ لكي يدخل الجنَّة ممحصًا من الذنوب؛ كتمحيص الذهب والفضة من خبثهما، وهذا التمحيص إما أن يكونَ في الدنيا بأربعة أشياء، أو يكونَ في القبر بثلاثة أشياء، أو يكونَ في الموقف - بأرض المحشر في يوم مقداره خمسون ألف سنة - بأربعة أشياء.

    وإذا لم تَفِ تلك الأمور، لا يبقى سوى النَّار - عياذًا بالله - لدخولها؛ للتمحيص من تلك الذنوب؛ كإدخال الذهب في الكير لتمحيصه من الشوائب.


    أما التمحيص الذي يكون في دار الدنيا، فهو بأربعة أشياء: بالتوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات الماحيات، والمصائب المكفِّرة، فإن محصته هذه الأربعة؛ كان من الذين تتوفَّاهم الملائكة طيبين، وإن لم تَفِ هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه من ذنوبه، حيث لم تكن التوبة نصوحًا مثلًا، ولم يكن الاستغفار كاملًا تامًّا، وهو المصحوب بمفارقة الذنب والندم عليه، ولم تكن الحسنات وافيةً بالتكفير، ولا المصائب كذلك، فإنه سيُمحص في القبر بثلاثة أشياء:

    أحدها: صلاة أهل الإيمان عليه، واستغفارهم له، وشفاعتهم فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ))؛ رواه مسلم.

     

    الثاني: تمحيصه بفتنة القبر، وروعة الفتان، والعصرة، والانتهار، وتوابع ذلك من أنواع عذاب القبر.


    الثالث: ما يُهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال؛ من الاستغفار، والدعاء له، والصدقة عنه، والحج عنه، والصيام عنه، ونحو ذلك، وجعل ثواب ذلك له.


    فإن لم تَفِ هذه بالتمحيص، مُحِّص بين يدي ربِّه عز وجل في الموقف بأربعة أشياء: أهوال يوم القيامة، وشدة الموقف، وشفاعة الشفعاء، وعفو الله عز وجل.


    فإن لم تُفِدْ هذه الثلاث مراحل بتمحيصه؛ وهي مرحلة الدنيا، ومرحلة البرزخ، ومرحلة المحشر، فلا بُدَّ له من دخول الكير رحمة في حقِّه؛ ليتخلص ويتمحَّص ويتطهر في النَّار، فتكون النَّار طُهرةً له وتمحيصًا لخبثه، ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلَّته، وشدَّته وضَعْفه وتراكُمه، فإذا خرج خبثه، وصُفِّي ذَهَبُه، وصار خالصًا طيبًا، أُخرج من النَّار، وأُدخِل الجنَّة؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا طيب؛ ا ه، تهذيب مدارج السالكين بتصرُّف (صفحة 102).


    قال تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73]، فمن اقترف ذنبًا، فليبادر إلى التوبة؛ ليُكفر عنه ما اقترفته يداه، وإلا فإن عقوبة ذلك الذنب سوف تُلاحقه في الدنيا، أو في البرزخ، أو في يوم القيامة؛ إلا أن يعفو الله تعالى؛ ولذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرورة المبادرة إلى التوبة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبِع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخُلُق حَسَن))؛ رواه أبو داود، والترمذي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه.


    والسعيد مَنْ يُعاقبه الله تعالى بذنبه في الدنيا؛ لأن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة؛ حيث روى أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ رواه الترمذي.


    وروى عبدالله بن مغفل رضي الله عنه، قال أن رجلًا لقي امرأةً كانت بغيًّا في الجاهلية، فجعل يُلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت: مَهْ، فإن الله قد أذهب الشرك، وجاء بالإسلام، فتركها وولَّى، فجعل يلتفت خلفه، ينظر إليها حتى أصاب الحائط وجهه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر، فلم يُوبِّخه النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، ولم يشمت به، وقد جاءه ووجهه يسيل دمًا؛ كما في رواية أخرى؛ وإنما قال له: ((أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيْرًا، إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا، أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ))؛ رواه الطبراني وصحَّحه الألباني.


    فمَنْ عاقبَه الله عز وجل في الدنيا بحَدٍّ شرعي أو مصيبة أو نحوها، فإنه لا يعاقب في الغالب في الآخرة؛ حيث روى عُبَادَة بْن الصَّامِتِ رضي الله عنه، قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ))؛ رواه البخاري ومسلم.

     

    وهذا الحديث لا يفيد أن يتمنَّى المسلم أن يعاقب في الدنيا على ذنوب، بل يسأل الله دائمًا العافية؛ لذلك لا يجوز الدعاء بتعجيل العقوبة على النفس في الدنيا؛ لحديث أنس رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ))؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((سُبْحَانَ اللَّه، لا تُطِيقُهُ، أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ! أَفَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟))، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ"؛ رواه مسلم.


    لذلك فإن الله عز وجل كثيرًا ما يُعجِّل عقوبة بعض الصالحين في الدنيا؛ ليتوبوا وليمحصهم ببلاء الدنيا عِوَضًا عن عذاب الآخرة.


    نظر أحد العباد إلى صبي فتأمَّل محاسنَه، فأتي في المنام، وقيل له: لتجدن عاقبتها بعد حين، وبعد أربعين سنة نسي حفظ القرآن، وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابَّتي وامرأتي؛ (الداء والدواء، صفحة 74).

    أي: مَنْ أحبَّه الله تعالى فعصى الله؛ عسَّر الله عليه أمرَه، فلا يتوجَّه إلى أمر، إلا وجده مغلقًا دونه أو متعسِّرًا؛ لعله يتوب ويستغفر؛ لأن الله يحبُّه، فيعاقبه في الدنيا بدلًا من الآخرة.

     

    إننا نرى كثيرًا من الناس يغالط نفسه، ويقول: ها أنا عملت ذنوبًا، ولم أرَ لها تأثيرًا فيَّ وفي حياتي، وما علم المسكين أن الذنب لا ينساه الله عز وجل، وسيرى أثره ولو بعد حين في الدنيا أو في قبره، أو في محشره، أو أنه مستدرج؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: ((اعْبُدُوا اللَّهَ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَوْتَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لَا يُنْسَى))؛ ا.هـ (مصنف ابن أبي شيبة 34580).

     

    ومن ناحية أخرى ليس كل من أذنب عاقبه الله عز وجل في الدنيا؛ إذ لو فعل ذلك سبحانه وتعالى لأهلك مَنْ في الأرض جميعًا؛ ألم تسمعوا قول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ [فاطر: 45]، فينبغي أن نعلم سنن الله عز وجل في عباده، فقد يكون هذا العبد مستدرجًا، وماذا نعني بمستدرج؟

     

    الاستدراج: سنة ربانية يجهلها أو يغفل عنها كثيرٌ من الناس، فإذا رأيت نفسك ترفل في نعم الله وأنت مقيم في معصية الله، فاعلم أنك مستدرج؛ فقد روى عُقْبَةُ بْن عَامِرٍ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44]؛ رواه الإمام أحمد.


    إن بعض الناس قد يعمل معصية أو يُقصِّر في عمل، فيقول: ما دام أنه لم تأتني مصيبة أو رؤيا في المنام؛ فهذا يدل على رضا الله عني، أو تغاضيه عن جرمي، ومنهم من يقول: لو كنت قد ارتكبت جرمًا عظيمًا يغضب الله عز وجل، لرأيتُ على سبيل المثال مَنْ ينهاني أو يُنبِّهني إلى ذلك ولو في المنام، أو لأصابني الله تعالى بالمصائب ونحو ذلك، وقد يستدل هذا الجاهل بحديث ضعيف غير صحيح روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عاتبه في منامه))، فهذا أولًا حديثٌ غير صحيح؛ فلا يستدلُّ به، كما ينبغي أن تعلم بأنك لست بنبيٍّ أو وليٍّ حتى يُعاملك الله بما أردت أو تمنَّيْت؛ إذ قد تكون مستدرجًا - عياذًا بالله - بذنبك، أو أن عقوبة ذنبك لا زالت مدخرة لك إلى حينٍ، في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف؛ لذلك إذا وقعت في معصية، فبادر إلى التوبة منها، وعمل الحسنات الكثيرات؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، فإن لم تفعل، فإن ذلك الذنب سيُلاحقك لا محالة، إما في الدنيا، أو في القبر، أو في أرض المحشر، إلا أن يعفو الله عنك.


    وتفكر في كثير من السلف الذين وقعوا في بعض المعاصي كيف كفَّروا عنها بكثرة العتق والصيام والصدقة والاستغفار؛ خوفًا أن يُلاحقهم ذلك الذنب في قبورهم أو آخرتهم.
     

    انظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلح الحديبية عندما عارض رسول الله صلى الله عليه وسلم الرأي، فقد غضب رضي الله عنه عندما أحسَّ بأنَّ الصُّلْح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش فيه إجحاف، وعدم إنصاف للمسلمين، وتنازل عن حقوقهم، فجاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائلًا له: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا عمر، الزم غرزه؛ فإني أشهد أنه رسول الله؛ متفق عليه.


    فكفَّر عن مقولته تلك بالشيء الكثير؛ حيث قال رضي الله عنه: ما زلت أصوم، وأتصدَّق، وأصلِّي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذٍ؛ ا.هـ (السيرة النبوية).


    وتأمَّل يا عبدالله إلى فعل عائشة رضي الله عنها عندما حلفت ألَّا تُكلِّم ابنَ أختها عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، فتوسَّط بعض الصحابة، وأكثروا عليها التذكير والتحريج، فقالت: "إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا"؛ رواه البخاري.


    فبادر إلى التوبة من الذنوب قبل الممات؛ لئلا تذوق عاقبتها، فإن للذنوب عواقب في الدنيا، وفي البرزخ، وفي أرض المحشر.

     
    جعلني الله وإيَّاكم من الذين يستمعون القول، فيتَّبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


    د. محمد بن إبراهيم النعيم

    شبكة الألوكة


    No photo description available.

  17. (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما


    1- نحن أحوج ما نكون لهذه الآية إلى مذاكراتها وإلى هداياتها

    2- في زماننا هذا أصبحت فيه المشاهد الفاضحة للصغار والكبار .
    محفوفةً بما يدمر الأخلاق ويذهب الفضيلة ويقضي على العفاف ويُغري بالفاحشة
    ويكون ذلك قريباً سهل التناول بحيث لا يطلع عليه إلا الله تبارك وتعالى ؛
    الموضوع يحتاج إلى طرق وتذكير فإن الذكرى (تنفع المؤمنين).

    3- صار الواحد منا يتصفح تلك المشاهد حتى وهو في المسجد اوفي الحرم.

    4- أصبحت هذه الجنايات والمقارفات يصح أن تسمى أو تلقب بالإدمان لأن أصحابها أصبحوا لايستطيعون فطام النفوس عنها.

    5- فهذا الأمر يحتاج إلى التذكير والتبصير دائما ويحتاج العبد أن يعرف الطرق التي يتوصل بها إلى حفظ إيمانه و قلبه وبصره عن كل ما حرم الله تبارك وتعالى

    6- كما أنه بحاجه إلى معرفة الطريق الذي يتخلص فيه حينما بمثل هذه البلايا والرزايا فينجو بنفسه قبل أن يدركه الموت ،
    وما يدري الإنسان لعله يموت وهو على حال ٍ كهذه فيلحقهُ من خزي الدنيا ولربما عذاب الآخرة ما يعلمه إلا الله.

    7ـ سورة النور التي يمكن أن يقال لها سورة (العفاف)لأن موضوع هذه السورة من أوله إلى آخره يدور حول العفاف وأسبابه وما يرتبط به

    8ـ يغضوا من أبصارهم (أمر من الله تبارك وتعالى يدل على الوجوب)

    9- غض البصر من الواجبات

    10- إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا

    11- زنا العين النظر

    12-لا تتبع النظرة النظره فإن لك الأولى وليس لك الآخر.

    13-"لا تباشر المرأة المرأة حتى تصفها لزوجها كأنما ينظر إليها"
    هذا الوصف فكيف إذا أطلق الإنسان بصره ونظر إلى المرأة التي لاتحل بنفسه وهي بحجابها ،
    كيف لو نظر إليها من غير حجاب كيف لو نظر إليها من غير حجاب كيف لو نظر إليها كما ولدتها أمها هذا أشد،
    ومعلوم أن المنكر يتفاوت والإثم بناء على ذلك يتعاظم.

    14ـ وجه الله تبارك وتعالى الخطاب للمؤمنين لأنهم المتأهلون للقبول عن الله تبارك وتعالى
    فإن إيمانهم يحملهم على الإستجابه.

    15- قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
    قدم ذكر الرجال وفي الآية التي بعدها وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وذلك والله تعالى أعلم لأن نظر الرجال إلى النساء أعلق بالقلب وأعظم في الفتنه.

    16 ـ غض البصر أي كف البصر ، خفض البصر عن ما حرم الله.
    17ـ من أبصارهم:من هنا للتبعيض يكون النظر مشروع محبوب ومباح ومكروه ومحرم

    واغضض جفونك عن ملاحظة النسا ومحاسن الأحداث والصبيان
    إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان
    إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان

    18- كما يجب غض البصر عن النساء فيجب كذلك غض البصر عن المرد

    19- وقد أطبق أهل العلم قاطبة إلى تحريم النظر إلى المرد إذا كان ذلك يحرك النفس ويثير غرائزها.

    20- قال شيخ الإسلام بن تيمية الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور يعني النظر والخلوة والمباشرة واللمس وما إلى ذلك

    21- ومن ذلك الصغيرة التي ينظر إليها بشهوة وإن لم تكن بالغة لأن بعض الناس يتساهل في ذلك.

    22- فالصغيرة إذا كانت مما تتطلع إليها النفوس فإن النظر إليها يكون محرم.

    23- مايورث القلب علة بسبب هذا النظر وامتداده فإنه ينبغي أن يكف النظر عنه وأن يصرف،
    كاالنظر إلى وجوه أهل الفجور وأهل البدع والأهواء وأهل المعصية من المجاهرين التي أصبحت وجوههم مظلمه فإن النظر إلى تلك الوجوه يؤثر في القلب ولابد

    24- الذي يقلب القنوات والمواقع المحرمه ويسرح طرفه يبيت على معصيه ويصبح على مثلها هذا يعاقب نفسه ويؤذيها ويورث النفس حسرة وضعفا

    25- حفظ الفرج أن يحفظه من نظر الناظرين إليه باالستر،
    كل شيء من حفظ الفرج في كتاب الله فهو من الزنا إلا هذه الآيه فإنها من النظر وهو قول إتاره كبيرالمفسرين ابن جرير رحمه الله وهو لا ينفي قول حفظ الفرج من الزنا.

    26- الزوجة لها مثل ما للرجل من نظر وتطلع ومشاعر والأولاد والبنات كذلك

    27- المتبرجة التي تظهر عورتها بين المجتمع هي دعوة صامته تدعوا إلى الفاحشه لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليست حرية شخصية

    28- البصر بريد الزنا ، فأول البلاء يقع بنظرة ثم منتهاه الفاحشه حتى يتوصل إلى حفرة منتنه ويتردى فيها (إنه كان فاحشة و ساء سبيلا)يكفي هذا في بيان قبح الفواحش

    29- ( ذلك أزكى لهم )أزكى لأبصارهم وقلوبهم ودينهم وأخلاقهم ومجتمعهم وأبدانهم تزكية النفس مطلق يشمل تزكيتها من جميع الشرور

    30- ظلمة القلب إذا اشتدة ظهرة في الوجه.

    31- الذي يميل إلى النظر الحرام فليعلم أن في قلبه مرض.

    32- البصر هو الباب الأكبر إلى القلب.

    33- أكثر السقوط للإنسان من قبل البصر.

    34- علاج الأبدان أسهل بكثير من علاج النفوس.

    35- النظر المحرم لحظات تورث الحسرات.

    36- النظر هو أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان.

    37- الصبر على غض البصر أيسر من الصبرعلى ألم مابعده.

    37- كل نظرة محرمة هي من خائنة الأعين.

    فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
    فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي ... فيا رب كن عوناً على العين والقلب


    38- وومما يزيد في الخطر أن النظر ذلك لا ينتهي أو يقف عند حد ، فالنظر والكلام لا يشبعان.

    (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما

    ماهو المخرج ماهوه الطريق للتخلص ؟
    العلاج
    1- مراقبة الله أن يراقب الله تبارك وتعالى
    2- معرفة أسماء الله والعيش معها ويتعبد الله تبارك وتعالى بها ،العليم السميع البصير وغيرها.
    3- تقوى الله وتنميةالإيمان.
    4- إقامة الصلاة بقدر مايقام منها بقدر ما تؤثر.
    5- المحافظه على النوافل.كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به
    6- ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح.
    7- الصبروالمجاهدة -والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
    - المجاهدة من أعظم أسباب التوفيق
    - الصعود دائماً يحتاج إلى الصبر والمجاهده، هم درجات عند الله بقدر ماهم في هذه الحياة
    - كثرة المُزاولات تورثُ الملكات
    - على قدر المجاهدة تكون الهداية

    ليس الشجاع الذي يحمي مطيته يوم النزال ونار الحرب تشتعل
    لكن من غض طرفا أوثنى قدما عن الحرام فذاك الفارس البطل

    وهذه ذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين

    صيد الفوئد

    (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما

  18. أيها المبتلى...
    تذكر أنك إن صبرت
    فسيأتي يوم يتمنى الناس لو كانوا مكانك
    إن كنت مريضا
    فسيتمنى المعافى لو كان مريضا مثلك
    إن كنت فاقدا للأمن
    فسيتمنى الآمنون لو خافوا مثلك
    إن حُبست في سبيل الله
    فسيتمنى الطلقاء لو حبسوا مثلك
    ما الدليل؟
    قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
    (ليودَنَّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ أنَّ جلودَهم قُرضت بالمقاريضِ، مما يروْنَ من ثوابِ أهلِ البلاءِ) (حسنه الألباني وقال المناوي: إسناده حسن وضعفه آخرون).
    ذكرت هذا الحديث لأبي رحمه الله ونحن في طريقنا إلى المستشفى بعد خمسة عشر عاما من معاناته من مرض الباركنسون (الشلل الرعاشي)،
    فقال: (هذا عزاؤنا الوحيد).



    (يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تُسوى بهم الأرضُ) (سورة النساء-آية 42)
    بينما كان أحدهم في الدنيا أحرص ما يكون على الظهور والعلو، وهناك لا يريد أن يُرى أصلا!
    في المقابل يقول المؤمن: (هاؤم اقرأوا كتابيه) مسرورا به على رؤوس الأشهاد.




    بقَدْر ما تخالط المستهينين بدين الله وتجاملهم وترى منكراتهم فتسكت عنها ولا تنكرها...بقَدْر ما ينقص مِن تعظيم الله في قلبك.
    فليتذكر ذلك كل صاحب دعوة و"تَدَيُّن" يجامل من أعرضوا عن شريعة الله، بل حاربوها، وفتحوا لأعدائها بلاد المسلمين...وهو مع ذلك يجاملهم، ويخالطهم، ويضفي عليهم شرعية في عيون الناس بحجة "مصلحة الدعوة"!
    وأي مصلحة للدعوة، وتعظيم الله يُنتقص من قلبك يوماً بعد يوم، فينزع الله هيبتك من قلوب الناس بقدر ما انتُزعت هيبة دينه تعالى من قلبك!
    ألم تسمع قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26))
    هكذا هي الخطوات: الحرص على رضا الذين كرهوا ما نزل الله، ثم طاعتهم في (بعض الأمر)، ثم تسويل الشيطان وتزيينه، ثم الارتداد والانتكاس إلى الخلف، مع أن الهدى كان لهم بيِّناً واضحاً...لكنه الحرص على رضا كارهي الشريعة، يُميت القلوب.
    وَلْيتذكر ذلك أيضا كل من يخالط أصدقاءه-زملاءه في العمل-أقرباءه...ممن لا هَمَّ لهم إلا الترفيه وإضحاك الآخرين، ولا حدود عندهم يحترمونها، فيسخرون من شعائر الدين بشكل مبطن...فيبتسم هذا ويجاملهم بدل أن يحمر وجهه ويغضب! خوفاً من أن يُنَفِّرهم!
    #تعظيم_الله تعالى جوهرة قلبك، لا تسمح لأحد أن يُفسدها عليك.


    قال ابن الجوزي: (إياك والذنوب، فلو لم يكن فيها إلا كراهة اللقاء كفى عقوبة)
    أي كفى عقوبة أنك تكون كالمستوحش من لقاء الله لأنك تحس بأنه غير راضٍ عنك، بدل أن تأنس به وتشتاق إلى لقائه راضيا عنك.
    لذلك أقول:
    لو لم يكن إلا الثقة في المعية كفى بها مثوبة. كفى مثوبة على الطاعات أنها سبب في ثقتك بأن الله معك ينجيك، يدبر لك، يحفظك، ينصرك، ويجعل لك في بطن المحن منحا.
    . . .



    آية استوقفتني في سورة الأنعام: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) )
    الذي استوقفني: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى)؟!
    هكذا يُلقَّن المؤمن أن يعلن الحق الذي يعتقده باعتزاز، ويُسَخِّف باطل المبطلين وكأنه كلام مجانين!
    فهذا الشيء –دعوى أن مع الله آلهة أخرى- يؤمَر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُسَخفه ويُشعِر قومه أنْ لا عاقل يقول به، مع أنه في الواقع عقيدة رسخت في قومه أجمعين، بل في جزيرة العرب..
    بل وكان الشرك عموماً عقيدة في العالم كله آنذاك! وكبر عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وماتت أجيال على الاعتقاد بها وتشربتها قلوبهم، وكانت عند الناس آنذاك بمثابة "الحقيقة الكبرى"!
    ومع ذلك يُلقَّن النبي أن يسألهم عن هذا الاعتقاد الباطل كأنه هذيان لعلهم لم يقصدوه، أو كأنه جنون يشفق على صاحبه، أو يُرجى له أن يرجع عنه إذا أوقف على معناه!
    ذلك أن هذا الواقع لا يعني للمؤمن أي شيء ما دام باطلا في ميزان الله...يقين ما بعده يقين، وعزة ما بعدها عزة!
    وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن في كل عصر إذا اعترض عليه أهل الباطل بأن قوله "مصادم للواقع" الذي زوروه وحرفوه عن الصراط المستقيم.


    السخرية من المسلمين من أفعال المنافقين
    (فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم)
    التقي إن رأى مسلما على ضلال
    فإنه يبين بالأدلة الشرعية

  19. قد يبتليك، ويضيقها عليك، ويُغلق لك الأبواب،
    حتى يرفعك لدرجة المُضطر، لتقوم في ثلث الليل الأخير تدعوه وتبكي .. فيستجيب دعاءك، ويجبر خاطرك، ويقضي حاجتك.




    (( الأولاد يكبرون جسماً، ويصغرون ديناً ))
    يأكلون طعاماً، ويجوعون حُبَّاً
    الزمان الآن لم يعد كسابقه..
    ففي اليوم الذي تغفل فيه عن ولدك، يهجم على عقله ألف فكرة خاطئة، وعلى عينيه ألف ألف مقطع سيئ، وعلى وقته ألف ألف شاغلٍ وشاغل بالشر عن الخير ..
    فكيف بمن يغيبون شهوراً وسنيناً دون نصيحة، أو جلسة تربية وإرشاد ؟!
    أيها الآباء والأمهات :
    لا حاجة لأولادكم في الثوب الجديد، أو المصروف الكبير، أو الميراث الوفير، إذا لم تؤسسه بحضورك على حب الله ومراقبته، وتكتشف مواطن الخير فيه، فتتعهدها وتنميها، وتعرف مكامن الشر في نفسه فتنتزعها وتنقيها.
    -لا تعتذروا بضيق أوقاتكم .. فتكونوا كمن يضحك على نفسه، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتحون العالم، ثم يعودون إلى أولادهم فيفتحون قلوبهم، ويُحسِنون تربيتهم، ويورثونهم دينهم وأخلاقهم.
    -ولا تعتذروا بوجود أحدكما فقط .. فللرجال بصمات، وللنساء لمسات، ولا غنى للولد عن كليهما.
    -ولا تعتذروا بالسعي على أرزاقهم .. فبئس الرزق ذلك الذي يقدم للأمة أجساماً معلوفة، وأخلاقًا مهلهلةً ضعيفة.
    الزمان الآن صعب، وأولادنا والله مساكين، يحتاجون أضعاف أضعاف ما كنا نأخذ في مثل أعمارهم، مع فرق الفتن والمغريات التي بين جيلنا وجيلهم!!
    عودوا إلى بيوتكم، واشبعوا حُبَّاً وضمَّاً وقُرباً من أولادكم..
    إلعبوا معهم، وقُصّوا عليهم قصصاً تُنمّي فيهم الفضائل، واستمعوا كثيراً إليهم..
    اتركوا من أجلهم هواتفكم، وتفرغوا من أجل هؤلاء الأبرياء عن بعض مشاغلكم..
    أوقفوا الدنيا كلها من أجل فلذات أكبادكم..
    فدعاء أحد الصالحين أو الصالحات منهم لك بعد موتك من قلبه قائلاً : ( ربِّ اغفر لي ولوالدي )
    هي خير لك من كل الدنيا التي شغلتك عنهم.




    ( الصلاة خير من النوم )
    عجيب .. يناديك ربُّك ولا تجيب !
    فبأي حقٍ تطلب منه الرزق والتوفيق، وأنت لحقه غير مجيب؟
    صلاة الفجر تطهير للنفوس
    ورقة للقلوب
    ومغفرة للذنوب
    ومحبة بين الخالق والمخلوق




    إذا أردت أن تقيِّم مستوى أخلاقك، فانظر إلى أخلاقك في بيتك
    لأنك خارج بيتك تعمل لحساب مكانتك الإجتماعية ..
    تُحسِّن وضعك، وتلمِّع صورتك، وتعتني بثيابك، تبتسم، تتعطر، تعتذر، تنحني، تجامل فلان، وتبتسم في وجه فلان، ويحلو لسانك مع الناس !
    لأن هذا لمصلحتك، ومكانتك، لتنتزع إعجاب الناس بك..
    أما حقيقتك الفعلية تظهر في ( بيتك )
    مع زوجتك، وأولادك، وأهلك، لأنه لا سلطان عليك فيه، أنت ربُّ البيت .
    لذلك إن أردت أن تقيِّم نفسك وأخلاقك تقييماً صحيحاً، فانظر إلى تعاملك مع أهل بيتك ..
    عندها تعلم حقيقةً من أنت ؟!
    قال النبي عليه الصلاة والسلام :
    " خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلي "
    [ حديث صحيح ]

     



  20. 26167902_532286870457937_787479382217830


    لما كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عبادات تدفع بلاءها، ونحن اليوم مع عبادة الدعاء؛ يقول أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكَّرنا منه علمًا"، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أدعية تدفع البلاء؛ أخرج الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((
    والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة))؛ الحديث حسنه الألباني في الجامع (3409)، ومعنى "يعتلجان": يصطرعان.



    دعاءٌ من واظب عليه، لم يصبه فجأة بلاء: في سنن أبي داود عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    ((من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يمسي))، وقال: فأصاب أبان بن عثمان الفالجُ، فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال له: "ما لك تنظر إلي؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني، غضبت؛ فنسيت أن أقولها"[1].


    قال القرطبي رحمه الله عن هذا الحديث: "هذا خبر صحيح، وقول صادق علمناه دليله دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعته عملت به؛ فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمدينة ليلًا، فتفكرت، فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"[2].


    ومن الأذكار التي تقي من السوء وتدفع الضرر بإذن الله، ما رواه عبدالله بن خبيب رضي الله عنه قال: ((خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئًا، فقال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل:
    ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء))[3].



    ومن الأذكار التي تقي العبد من لدغ الحيات والعقارب: ما جاء في صحيح مسلم عن أبى هريرة أنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة، قال: (
    (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك))[4]، وفي رواية للترمذي: ((من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره حُمَّة تلك الليلة))، والحمة: لدغة كل ذي سُمٍّ كالعقرب ونحوها، وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سهيل بن أبي صالح - أحد رواته - أنه قال: " كان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم؛ فلم تجد لها وجعًا".


    دعاء ذي النون عليه السلام يقال عند الكرب: قال الله عز وجل: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88]، وعن سعد رضي الله عنه قال: ((كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
    ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب، أو بلاء من بلايا الدنيا دعا به، يفرج عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين))[5]، وفي رواية الترمذي ولفظه: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قطُّ إلا استجاب الله له))[6].


    دعاء يقضي عنك الدين ولو كان دينك كجبل أحد: أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ:
    ألا أعلمك دعاءً تدعو به، لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا، لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك))[7].


    أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن مكاتبًا جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل صِيرٍ دينًا أداه الله عنك، قال: قل: ((
    اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك))[8]، والمكاتبة: تعهد العبد بدفع مال لسيده حتى يعتقه.



    دعاء يحمي من الأمراض والأوبئة: في مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((
    اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام))[9]. قال الطيبي: "وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا؛ فإن بعضها مما يخف مؤنته، وتكثر مثوبته عند الصبر عليه مع عدم إزمانه؛ كالحمى، والصداع، والرمد، وإنما استعاذ من السقم المزمن؛ فينتهي بصاحبه إلى حالة يفر منها الحميم، ويقل دونها المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشَّين"[10].



    والحاصل أن الأدعية والأذكار السابقة تحفظ المسلم من الضر والأذى بجميع أنواعه بإذن الله تعالى، ولكن ليس على وجه اللزوم، فمن أصابه من البلاء مع محافظته على هذه الأذكار، فذلك بقدر الله تعالى، وله سبحانه الحكمة البالغة في أمره وقدره؛ قال الله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: "﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه"، وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال الملك: وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه"[11].



    26165651_532287013791256_434515540398930

    [1] رواه أبو داود (5088)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/ 6426).

    [2] الفتوحات الربانية، لابن علان (3/ 100).

    [3] أخرجه أبو داود (5082)، والترمذي (3575)، وقال: حسن صحيح غريب، وقال النووي في "الأذكار" (ص/ 107): إسناده صحيح.

    [4] صحيح مسلم (2/ 7055).

    [5] أخرجه الحاكم (1864)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1744).

    [6] أخرجه الترمذي (3505)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

    [7] حسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1821).

    [8] أخرجه الترمذي (3563)، وحسنه الألباني في "التعليق الرغيب" (40/ 2)، و"الكلم الطيب" (99/ 143).

    [9] رواه أحمد (12592)، وأبو داود (1554)، والنسائي (5493)، وصححه الألباني.

    [10] نقله العظيم آبادي في "عون المعبود".

    [11] تفسير ابن كثير (4/ 438).


     

    شبكة الألوكة
    ابو زيد السيد عبد السلام رزق


    26167955_532286967124594_309678975330667




  21.  

    45708020_722639504756005_854939517737710


    يقول العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره لقول الله تعالى
    "إن الله لا يهدي القوم الظالمين"
    هنا إشكال، إن الناس تقول إن الهداية من الله، فإذا كانت الهداية من الله، والكافر كفر، والمؤمن آمن، فلماذا يعذبنا؟

    لو كان هذا السؤال منطقيًا وعقلانيًا، لكنت سألت: قبل أن تسأل لماذا يعذب الله العاصي وقد كتب عليه أن يعصي، ولماذا يعذب الكافر وقد كتب عليه أن يكفر؟، إذا كان هذا السؤال علميًا بشكل صحيح، فلماذا لم تقل: ولماذا يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟، لماذا أتيت بهذه وتركت ذاك؟.

    "الله لا يهدي القوم الظالمين"

    الله هدى الجميع، لأن الهداية قسمان: هداية دلالة، ليدلك على الطريق، وهداية معونة
    يفسرها قول الله "والذين اهتدوا زادهم هدى"، فعندما نقول: "والله لا يهدي القوم الفاسقين"، أي هداية المعونة، "والله لا يهدي القوم الظالمين"، أي هداية المعونة، وإنما هدى الكل، فالدلالة للجميع، "فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، هداهم، دللناهم، أي يدل المؤمن والكافر.

    ضربنا مثلاً في برجل يريد السفر إلى الإسكندرية، فسأل ضابط مرور، فأجابه: طريق صحراوي، أم طريق زراعي؟، فتحمد الله أنك وقعت فيه، لكنه يخبره بأن هناك عقبة بعد نصف كيلو، فسأركب معك، حتى تتجاوزها، فالهداية كانت منه دلالة أولاً، فلما آمن به وشكر، طلب منه أن يصحبه في طريقه، كذلك الله دل الجميع، فمن قبل الدلالة، أعطاه المعونة، "والذين اهتدوا زادهم هدى" لم يهد القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولم يهد القوم الفاسقين بسبب فسقهم، ولم يهد القوم الكافرين بسبب كفرهم.

    المصدر
    الموقع الرسمى لعمرو خالد
    بناء انسان



    45610881_722639578089331_240646146575512

     

    • معجبة 1


  22. ♦ للإنسان أعداء ثلاثة، ولايزال الصراع قائماً حتى تفارق الروح الجسد، الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء.
     
    ♦ المعصية من الجِبلّة ولولا ذاك لصافحتنا الملائكة، ففي حديث أبي هريرة مرفوعاً: (لكل بني آدم حظ من الزنى، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القُبل، والقلب يهوى ويتمنّى، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه). (أحمد)
     
    ♦ استحضار رحمة الله وعفوه ومغفرته تكون في بعض الأحيان شرارة المعصية، مع تغييب كامل للعقوبة والاستدراج والمقت! ولا يزال المرء يسعى في زيغ نفسه حتى تُكتب عليه، ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾!
     
    ♦ تقتضي الحيلة الشيطانية إلى التدليل الشرعي في مَعرِض منازعة النفس اللوامة بالحديث المرفوع: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم…) (البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة)، وهو استدلال مقلوب يهدف لتطبيع المعصية داخل النفس، واجتياز حصون الممانعة.
     
    ♦ مجاراة النفس والانصياع لرغباتها يسقط الإنسان في دوامة لا تنتهي، ففي حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (إياكم ومُحَقّرات الذنوب، فإنما مثل محقّرات الذنوب كقوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقّرات الذنوب متى يُؤخذ بها صاحبها تهلكه). (أحمد)
     
    ♦ أصبح شيوع المنكر بين الناس دليلاً من أدلة الاحتجاج، (والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس). (مسلم من حديث النواس بن سمعان)
     
    ♦ ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره!". (تفسير السمعاني ولم يسنده)
     
    ♦ من الاغترار أن يسيء المرء ويُذنب، ثم يرى من خالقه إحساناً وستراً، فيكيّفه بأنه دلالة العفو والصفح، والله تعالى يقول: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾، وأعظم العقوبة عدم الإحساس بها.
     
    ♦ "الفراغ"...
    فريسة مغرية لقوارض النفس، وحريق الهوى إذا ثار قلع ما وراءه!
     
    ♦ "أوقات الخلوات"...
    هي المعيار المنضبط لواقع تدين الإنسان وخشيته، وهي المحك الحقيقي لمرآته الداخلية، ومن أخفى سريرة في خلوة ألبسه الله ثوبها! ولذا جاء الذم في الحديث: (ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)! (ابن ماجه من حديث ثوبان)
     
    ♦ ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ صراحة عدو الله نقضت مبدأ الجبر في المعصية!
     
    ♦ قرب المعاصي من الإنسان، فلا يمنعه من الوقوع إلا الهمّ والعزم، لا يقف أمام مده وجزره إلا خشية الله ومراقبته في السر. يقول ابن الجوزي: "لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة، فأما المؤمن فإنه لا يلتذ؛ لأنه عند التلذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر العقوبة". (صيد الخاطر)
     
    ♦ طوفان المعاصي المصاحب للانفجار المعلوماتي لا عاصم منه إلا الله، ومن تمادى وخاض كان المغرقين، ومقارب الذنب لا يكاد يسلم!
     
    ♦ تفعيل "قانون الممانعة" بالبُعد وعدم الاقتراب يُجهز على المعصية قبل استحكام حلقاتها، فالإيمان والخشية يمنعان تارة عند الهمّ، وتارة عند العزم، وتارة عند الفعل، ورصيد الإنسان السابق من الطاعة والخشية تقمع شهوة الذنب وتطفؤها.
     
    ♦ "الرقابة الذاتية" هي الإحسان في إحدى صوره، (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك). (مسلم من حديث عمر)
     
    ♦ ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ سؤال توبيخ ممزوج بمقت وسخط، وجوابه حينما يسمعه السامع ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾!
    قال ابن كثير في تفسيره: "أي إنما كان لبثكم فيها قليلاً، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي!"
     
    ♦ ثمة تلازم مطرد، واقتران لا ينفصل بين المعصية والوحشة، فالخطئية وقصدها والعلاقة السببية بينهما هو الانسجام المتناغم الذي يفسر الوجه العبوس المتواري خلف الأكمة، وهو الضنك الذي لا طب له!
     
    ♦ إن للمعصية شؤماً وظلمةً لا يدفعها إلا انطراح ومناجاة مشوبة بندم وإقرار، (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت ابوأ بنعمتك علي، وأبوأ بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). (البخاري من حديث شداد بن أوس)
     
    ♦ يقول ابن الجوزي: "رأيت أقواماً من المنتسبين للعلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات، فكانوا موجودين كالمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم". (صيد الخاطر)

     

    ♦ لم يخلق الله الخلق لئلا يُذنبوا، فقد جبلهم، إلا أن خارطة الطريق تكمن بالرجوع والإنابة بعد دنس الخطيئة، على غرار فعل الأب عليه السلام: ﴿ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾، ومن شابه أباه فما ظلم!
     
    ♦ من منا لم يُلمّ، أو يعزم، أو يتلطخ! ليس في الدنيا طهورية مطلقة ونورانية لا دنس فيها!
     
    ♦ "الاستتار" من مقاصد الشارع، والمستتر إلى الخلوص من رحم المعصية أقرب، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين...).
     
    ♦ "إتْباع السيئة الحسنة" أصدق طريق لإظهار الندم، وركعتا التوبة والاعتراف ورفع أكف الضراعة هي أعلى الهرم لتحقيق الغاية، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾، وفي حديث أبي بكر: (ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله عزَّ وجلّ إلا غفر له...). (الترمذي)
     
    ♦ إذا انكسرت النفس وانطرحت، ثم اغرورقت العين بالدمع وفاضت، فذاك دلالة الصدق، وفي حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) (البخاري ومسلم)، وفي حديثه الآخر: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع...) (الترمذي)، يقول القرطبي في المفهم: "وفيض العين بكاؤها، وهو على حسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبة وشوق".
     
    ♦ صدقة الخفاء بين يدي الانكسار، من جماليات التوبة وسموها، وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: (أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً). (البزار والطبراني)
     
    ♦ "قاعدة الباب وجامعه" أن يتحول الذنب إلى حافز لارتقاء مدارج المقرين بالتقصير، وعلى قدر مجاهدة الذنب تقوى محبة الله للعبد، ويزيد تثبيته له، ثم يُسرِي محبته في قلوب خلقه، فتراهم محبين له معظّمين أينما حلّ، والأعمال إنما تكون بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والجزاء على قدر الإخلاص.
     
    ♦ هنيئاً لمن مات ودُفنت معه ذنوبه! فالشأن كل الشأن أن يبقى غرس المعصية مسقياً بعناية الأجيال، حوكمة، وهيكلة، وبناء! ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾.
     
    ♦ علينا بالقلق واللَّجَأ والتضرع والانطراح، والتقوّت بالحزن، والتمزَّز بكأس الدمع، والحفر بمعول الأسى قليب الهوى؛ فلعلنا نُنبِط من الماء ما يغسل جِرم الجرم، والله عند ظن العبد به، فليظن ما شاء! (صيد الخاطر)
     
    ♦ توبة من ورائها مغفرة تجبّ ما قبلها، هي الرجاء الذي لا يعدله شيء، ورحمة الله هي الوقود الذي لا ينضب لشوق لقائه، ففي الحديث: (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله! قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل) ووضع يده على رأسه!! (أحمد من حديث أبي هريرة)
     
    ♦ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب، إني أذنبت ذنباً -أو قال: عملت عملاً ذنباً- فاغفره. فقال عز وجل: عبدي عمل ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر -أو قال: أذنب ذنباً آخر- فقال: رب، إني عملت ذنباً فاغفره. فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر- أو أذنب ذنباً آخر- فقال: رب، إني عملت ذنباً فاغفره. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر -أو قال: أذنب ذنباً آخر- فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره. قال: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء".
     
    ♦ إتيان المعصية في قالب الاعتراف والإقرار بالذنب، خيرٌ من إتيانها مؤصلة مكيّفة بغطاء شرعي على طريقة أصحاب السبت!
     
    ♦ إنك إن تلقى الله مقراً وجلاً خائفاً خير من أن تلقاه متحصناً بغطاء "الحيل"!
     
    ♦ ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
     
    يقول ابن القيم رحمه الله: "القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر..."
    اللهم منك وإليك، لا سبيل إلا سبيلك، ولا طريق إلا طريقك، اللهم في سيرنا إليك، ذلّل لنا الطريق!


    عبدالملك بن محمد الجاسر
    شبكة الألوكة



  23. (8) اسم الله (العليم)

    سبحـــان العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم؛ فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلِّعُ عليها المَلَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلِّعُ عليه القلب.


    ورود اسم الله تعالى العليـــم في القرآن الكريـــم:
    ورد اسمه العليم في القرآن 157 مرة؛ وفي هذا دليل على أهميته،وقد قرن الله تعالى بينه وبين بعض الأسماء، منها:
    اسمه الحكيــم: قال تعالى: { {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} } [البقرة:32]. فالعلم يؤدي إلى الحكمة، ولا يجتمع العلم مع التهور والطيش. وعلم الله تعالى مقرونًا بالحكمة، أي: وضع كل شيءٍ في مساره.
    واسمه السميع: قال تعالى { {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} } [الأنبياء:4]. لأن العلم يتم تحصيله عن طريق الحواس، وأقوى الحواس هي حاسة السمع .. لذا ينبغي أن لا تتوقف عن الاستماع لدروس العلم، فالقراءة وحدها لا تكفي؛ لأن أقوى طريق للمعرفة هو السمــاع. فالسمع يؤدي إلى العلم .. وهو سبحانه وتعالى يسمع كل شىء حتى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء.. لذا كان هو الأحق بالعلم جلَّ جلاله.


    معنى الاسم ودلالته في حق الله تعالى:
    العليم من العلم وهو نقيض الجهل، وعَلِمتُ الشيء: أي عرفته وخبرته.. فالعلم لا يقتصر على معرفة الظاهر، وإنما ينضم إليــه معرفة حقيقة الشيء.. وهذا متعذرٌ في حق  العبد تجاه الله تعالى؛ لذا لا يصح أن تقول: عَلِمتُ الله وإنما تقول: عرفت الله.
    وشتـــان بين علمٍ مقيد محدود وعلمٍ مُطلق بلا حدود .. فسبحانه وتعالى في كمال علمه وطلاقة وصفه، فعلمه فوق علم كل ذي علم .. كما قال الله تعالى: { {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} } [يوسف:76]. فعلم الله تعالى: علمٌ بما كــــان، وما هو كــائن، وما سيــكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. أحـــاط علمه سبحانه وتعالى بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها.


    فاسم الله تعالى العليـــم، أشتمل على مراتب العلم الإلهي وهي أربعة:
    1- علمه بالشيء قبـل كونه، وهو سر الله في خلقه، لا يعلمه ملكٌ مُقرَّب ولا نبيٌ مُرسل .. ويُسمى علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل ومفتاحها عنده وحده ولم يزل.. لذلك قال تعالى { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} } [الأنعام:59]، وقال سبحــانه { {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} } [لقمان:34].
    2- علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته. فالله عزَّ وجلَّ كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها عبارة عن كلمات .. يقول الله جلَّ وعلا: { {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} } [الحج:70] .. وقال تعالى { {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} } [الحديد:22].
    3- علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه. يقول الله تعالى { {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} } [الرعد:9،8]، وقال تعالى { {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} } [سبأ:2].
    4- علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه. فالله عزَّ وجلَّ يعلم ما سيفعل المخلوق بعد خلقه، ويعلم تفاصيل أفعاله وخواطره وحديث نفسه، يقول تعالى { {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} } [التوبة:78].

    وتلك المراتب الأربع السابقة.. ذُكِرت في قول الله جلَّ وعلا
    { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} } [الأنعام:59]. فالله سبحـــانه وتعالى عـــالمٌ بكل شيءٍ في كل وقتٍ وفي كل حيـــن.

    يقول ابن القيم: وَهُوَ العليمُ أَحَاطَ عِلْماً بِالَّذِي***في الكونِ مِنْ سِرٍّ ومنْ إِعْلانِ وبكلِّ شَيْءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ***فهوَ المحيطُ وليسَ ذا نِسْيَانِ  
    ويقول أيضًا: وكذاكَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ غَداً وما***قدْ كانَ والموجودَ في ذا الآنِ وكذاكَ أَمْرٌ لمْ يَكُنْ لوْ كانَ كيـ ***ـفَ يكونُ ذاكَ الأمرُ ذا إِمْكَانِ القصيدة النونية (241).  


    حظ المؤمن من اسم الله تعالى العليــم
    1) إيمانه بالقضـــاء والقدر. فيصدق تصديقًا جازمًا بأن قدر الله سبحانه وتعالى لا يأتي إلا بالخير؛ لأنه الله عزَّ وجلَّ عـــالم بكل شيء وهو الحكيـــم سبحــــانه.
    2) العلم عبـــادة القلب. فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان أبدًا عن طلب العلم؛ لإنه إذا توقف سيفسد قلبه. ولا بد في طلب العلم من منهجية .. بحيث لا يُقدِم شيء على الكتــــاب والسُّنَّة. كما لا بد له من مرحلية .. بحيث يبدأ بتعلُّم فرض العين عليه من العلوم الشرعية، وبعدها يتدرج في تعلُّم العلم الذي ينفعه.
    3) العلم يورث الخشيــــة. كما في قوله تعالى { {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} } [فاطر:28].
    4) العلم يورث الحيـــــاء من الله عزَّ وجلَّ. فعندما يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم سره وعلانيته، سيستحيي من ربِّه أن يطلِّع على قلبه فيجد فيه ما يكرهه وتعلقات بدنيـــا فانيــــة.
    5) الطريـــق للعلم النـــافع هو التقوى. فالله سبحـــانه وتعالى لن يستودع قلبك معرفته ومحبته إلا إذا شـــاء.. { {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} } [البقرة:255]، فإن كنت تريد أن يمُنَّ الله عزَّ وجلَّ عليك بالعلم النـــافع، عليك بالتقوى والطاعة له سبحانه وتعالى، يقول تعالى { {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} } [البقرة:282].
    6) مهما بلغت من العلم، فهو قليــــل. كما جاء في قصة موسى عليه السلام والخضر لما رَكِبا السفينة: «..فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْر»(صحيح البخاري). فإيـــاك أن تتكبَّر بعلمك..
    والحل: أن تنظر إلى من هو أعلى منك علمًا، فتعلم قدرك الحقيقي. دعــاء المسألة باسمه تعالى العليم: على العبد أن يسأل ربَّه تبارك وتعالى باسمه العليم؛ حتى يفتح عليه بالعلم ويَمُنَّ عليه بمعرفة ما خفيَ عنه من الخير؛ لأن ليس كل ما خَفِيَ عنك فيه الخير، فلا نسأل إلا عما يفيدنا في أمر ديننا وينبغي أن يترتب على هذا العلم العمل.

    وقد ورد الدعاء باسمه العليـــم في دعاء إبراهيم عليه السلام { {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} } [البقرة:127]. وكان النبي يفتتح صلاته بالاستعاذة بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .. عن أبي سعيد الخدري قال:  كان رسول الله إذا قام من الليل كبر ثم يقول:  «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.» (رواه أبو داوود وصححه الألباني). وسُألت عائشة رضي الله عنها: بما كان يستفتح النبي صلاته إذا قام من الليل؟، قالت: كان يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة .. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).

    وما أحوجنا لهذا الدعاء في زمن الفرقة والشتات، فادعُ ربَّك العليم أن يهدك إلى الحق وسبيل الرشـــــاد في زمن الفتن وإتبـــاع الأهواء. نسأل الله تعالى أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا ينفعنا.     


    المصدر: موقع الكلم الطيب

  24. عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنَعْه من دخول الجنة إلا الموت)؛ رواه النسائي، وصحَّحه ابن حبان.


    وزاد فيه الطبراني: (و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]).



    المفردات:

    (أبو أمامة): هو إياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري الخزرجي، لم يشهد بدرًا؛ لعلته بمرض والدته، وعذَره صلى الله عليه وسلم عن الخروج لذلك، وهو غير أبي أمامة الباهلي الذي تقدم في أول الكتاب، فإذا أطلق فالمراد به هذا، وإذا أُريد الباهلي قُيِّد به.


    ((مكتوبة)): مفروضة.

    (إلا الموت)؛ أي: إلا عدم الموت، فهو على حذف مضاف، وقد حذف لدلالة المعنى عليه.



    البحث:

    قال بعض أهل العلم: واختصت آية الكرسي بذلك؛ لِمَا اشتملت عليه من أصول الأسماء والصفات الإلهية، والوحدانية، والحياة القيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة، و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ متمحضة لذكر صفات الله تعالى.


    هذا وقد وردت أذكار عقب الصلوات غير هذا الذي ذكره المصنف أيضًا؛ منها ما أخرجه مسلم من حديث البراء أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد الصلاة: ((رَبِّ قِنِي عذابك يوم تبعَثُ عبادَك))، والظاهر استحباب الجمع بين هذه الأدعية دبر كل صلاة.



    ما يفيده الحديث:

    • مشروعية هذا الذكر خلف كل صلاة.

    شبكة الألوكة

  25. {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ○ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ} [عبس :1 -2]

    تقطيبة عابرة لم ترها عيون الأعمى لكن الله رآها ... أيُّ حفاوة تعيشها أيها الإنسان الصادق والمخلص لله ؟!!
    كل حقوق الإنسان وكل معاني الكرامة تجدها في سورة عبس ..

    أعزائي :
    يعاتب اللهُ النبيَّ الكريم في مرورٍ عابرٍ لرجلٍ أعمى عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مهتماً بدعوة أحد زعماء الكفار للإسلام ، فتنزل سورة كاملة تحتفي بلحظةٍ واحدةٍ من حياة إنسان .. إقبالةٌ فريدةٌ يكرمها الله في القرآن وينقل مشاهدها في المحاريب حتى يوم القيامة ..
    لقد جاء الأعمى صادقاً يسعى للكمال ويخشى التقصير فانتصر الله له وعاتبَ النبيَّ لأجله ..
    إذا كنا قد نُهينا عن العبوس في وجه الأعمى وهو لا يرى ، فكيف بمن يرى ؟!
    لننتبه إلى تعابير وجوهنا الجارحة ولنبتسم لمن حولنا ..
    فهناك من البشر من لا نأبه له و له عند الله شان قد لا نبلغه ، ولو أقسم على الله لأبرَّهُ ..
    اللهم ارفع منزلتنا عندك 

    عَبَسَ وَتَوَلَّى (1)
    1-  ( عبَسَ وتولى أن جاءهُ الأعمى ) أبتسـم حتـى في وجـه الأعمى ، فإن كان لايراك ، فاعلم أن الله يراك !! / عايض المطيري
    2-  "عبس وتولى"فيها تدكير لنا أن هؤلاء المغمورين الذين لانعرفهم ولا نأبه لهم فيهم من له عند الله شأن قد لانبلغه " لو أقسم على الله لأبره "عبد الله المبرد/ محمد الربيعة
    3-  { عَبَسَ وَتَوَلّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى { إذا كنا قد نهينا عن العبوس في وجه الأعمى وهو ﻻ يرى فكيف بمن يرى.!؟ / فوائد القرآن
    4-  " عبس " تقطيبة عابرة لم ترها عيون الأعمى، لكن الله رآها أي حفاوة تعيشها أيها الأنسان ./ عبد الله بلقاسم
    5-  كل حقوق الإنسان ، كل معاني الكرامة، وجدتها في سورة عبس النبي الأعظم يعاتب في مرور عابر لرجل أعمى سورة كاملة تحتفي بلحظة واحدة من حياة إنسان ، إقبالة فريدة يحييها القرآن وينقل مشاهدها في المحاريب في أذن الزمن./ عبد الله بلقاسم
               6- (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) تبسم حتى في وجه الأعمى ، فإن كان لايراك ، فالله يراك./ وليد العاصمي
    7-  ] عبس وتولى*أن جاءه الأعمى] عوتب ﷺ في هذه السورة لأجل رجل ضرير تقريرا لـ أن بذل العلم لا يجوز أن يتأثر بالوضع الاجتماعي لمحتاجيه   / أبو زيد الشنقيطي
    8-  ( عبس وتولى ) سيدالخلق يعاتبه ربه سبحانه على الملأ حتى يوم القيامه أيهاالمسؤول لماذا تخاف من النقد الهادف لتحسين وضعك ووضع عملك؟ / ناصر القحطاني
    9-  ﴿ عبس وتولى ﴾  عاتب الله نبيه ﷺ لما انشغل عن مريد العلم والخير ..ياليت الداعية الذي يكثر الاعتذار يدرك ذلك! / نايف الفيصل  
               10- كان أشراف قريش عند النبي ﷺ وقد طمع في إسلامهم فأقبل إليه ابن أم مكتوم وهو أعمى فأعرض عنه ﷺ فنزلت : ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾/ روائع القرآن

    أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2)
    - " أن (جاءه) الأعمى" أثنى الله عليه بالمجيء رغم إعاقته وأنه أعمى أكرم الخطوات خطوة تمشيها إلى الله متحاملا على ألمك / عبد الله بلقاسم

    Ùا ÙتÙÙر Ùص٠ÙÙصÙرة.

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏‏ثبتت امرأةُ فرعونَ وهي في بيتِ أكبر طاغية! وانتكست امرأةُ نوحٍ وهي في بيتِ أكبر داعية! ضغط الواقع ليس عذرًا للتفلت من التكاليف الشرعية . ╰🌸🍃╮

×