اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    3610
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    38

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. كل مواجع الحياة تمحوها آية واحدة:
    ""وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ""
    اجعل ثقتك بالله"


    قال الله ﷻ :-﴿ سَنَكتُبُ ما قَالوا﴾*
    احبس لسانك إلا عن الخير..
    فحسُبك أن عِظم الكلمة قد
    تؤدي للكفر والضلال والإنحراف
    عن المنهج السوي .
    ” اللهم طهر ألسنتنا عن كل ما لايرضيك .


    عندما يوفقگ الله لأداء "صلاة الفجر" في وقتها
    فأعلم أنه إصطفاگ ممن حولگ من النائمين والغافلين
    فهي نعمة تستحق الشكر وهذه أفضل بداية ليومك
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
    "ركعتا الفجر خير من الدنيا ومافيها "


    للأسف يمتليء تويتر بالمواعظ وتخلو المساجد من : المصلين .!


    قال الله تعالى :-
    (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)
    كّررها في نفسك عند كل عمل خير تقوم به ، ولا تنتظر جزاءً من أحد ، علق قلبك بالله فقط فهو وحده يجزيك خير الجزاء.
    {اللهم أعنا على فعل الخير واجعلنا ممن يسابقون على فعله اللهم استعملنا لطاعتك وسخرنا لفعل كل مايقربنا إليك }


    من حقك كأخ و صديق قريب أن تعاتبني
    ولكن بعيدا عن سمع المتربصين وشماتتهم
    كما قال هارون عليه السلام لأخيه موسى :
    " فَلا تُشمِت بِيَ الأَعداءَ "


    "لماذا تزداد المشاكل في بيوتنا أحيانا؟
    قال أحد التابعين:"والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن تحضره الشياطين وتخرج منه الملائكة ويضيق بأهله ويقل خيره.""
    ملاحظة: القراءة الفاضلة تكون بلسان أهل البيت وليست بالأجهزة."""


    " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ (فَلِأَنْفُسِكُمْ) "
    إذا تصدقت على فقير
    فتذكر أنك مستفيد أكثر منه
    فإن كانت منفعته دنيوية
    فمنفعتك دنيوية وأخروية
    ويُرْوَى أنَّ سيِّدنا عمر أمْسَكَ تُفاحةً شَهِيَّة فقال: ان أكلتها ذَهَبت، وان أطْعَمْتُها بَقِيَتْ!
    (ما عندكم ينفد وما عند الله باق )


    كن راضياً عن الله في جميع قضائه
    فهو سبحانه يبسط ويقبض لمن يشاء
    " أَوَلَم يَعلَموا أَنَّ اللَّهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وَيَقدِرُ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ "


    "حتى لو كنت مقصرا فلا تتوقف عن النصيحة بالكلمة الطيبة..
    قيل للحسن - رحمه الله -:
    "" إن فلاناً لا ينصح الناس ويقول :
    أخافُ أن أدعو الناس إلى خير وأنا لا أفعله ..!
    فقال الحسن :
    وأيُّنا يفعل كل ما يقول ....؟!
    ودَّ الشيطان لو ظَفَرَ بهذا منكم
    فلم يُـؤمَـر بمعروف ولم يُنهَ عن مُنكر "


    قال الله تعالى :-﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ﴾
    حينها ستعلم لم خُلقت ومالذي ستنتهي إليه.. فأحسن في بداياتك لتسعد في نهاياتك..


    يذكرنا القرآن بسبب وجودنا في الحياة
    "أَفَحَسِبتُم أَنَّما خَلَقناكُم عَبَثًا وَأَنَّكُم إِلَينا لا تُرجَعونَ "
    فإذا كنت منشغلا بالدنيا
    فارجع لأصل وجودك
    واعتبر


    ﴿ إنه هو يبدئ ويعيد ﴾
    يعيد القلب الذي زاغ ، والسعادة التي غابت ، والعافية التي انقلبت ، والعلاقة التي انقطعت ، و الرزق الذي نقص .


    " فَاصبِر إِنَّ وَعدَ اللَّهِ حَقٌّ "
    وهذا مما يعين على الصبر
    أنك تعلم أن عملك غير ضائع
    وأن وعد الله سيأتي يوماً ما
    حتى وإن لقيت المكاره و الصعوبات


    قال الله ﷻ :-
    *(وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ )*
    كل القوى التي على وجه الأرض لا تستطيع أن تمنع عنك خيرًا أراده الله لك..
    فلا تيــــــأس ولا تحزن..
    واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك


    "فَلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزاءً بِما كانوا يَعمَلونَ"
    ينبغي للعاقل منا أن لا يحتقر شيئًا من أعمال البر
    فربما غُفر لك بأقلها
    (اللهم تقبل اعمالنا و اصلح نوايانا)

  2. الحمد لله وبعد؛ لا تمرُّ الحياة بلا نِزاعات، وأكثر النزاعات بين الحق والباطل، وهى منذ خلَق الله تعالى آدم وإبليس.


    الحقُّ والباطل في صراع إلى يوم القيامة، لا يُنكِر هذا عاقل، والكل يتمنى النصر، وعلى العاقل أن يكون دائمًا إلى جوار الحق الظاهر البيِّن مِن غير شُبهة، لا يتأخرنَّ عن نصرته، ولا يَسكتنُّ فيُعطي الباطل قوة وإن لم يكن معه.

    لكن كثيرًا مِن الناس وقد طلبوا النصرة فلم يُعطَوها، واستَنصروا فلم يُنصَروا فتعجَّبوا، أو سار فيهم الشك أنهم ليسوا على الحق، ويسألون لم تأخَّر النصر؟ وهم لم يأخذوا بأسباب النصرة!

    إن هذه الفترة التي يمر بها العالم الإسلامي تُوضِّح بالفعل الواقع لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم)) ففي كل دولة من الدول الإسلامي برز الصراع الأيديولوجي والفكري والمنهجي، وتمَّت بالمنازعات العسكرية التي تبنَّتها أفكار وقرارات الإدارات الغربية التي تُحارب التوجُّه الإسلامي في كل مكان، ولقد كان تقرير مؤسَّسة راند لعام 2007 الشرارة التي انطلقت منها الحلول العسكرية بجوار الحلول الفكرية المزعومة لدى الإدارة الأمريكية للقضاء على التيارات الإسلامية في العالم الإسلامي بحُجَّة الإرهاب والتطرف، وأصبحت تلك الثقافة هي ثقافة المجتمعات المسلمة، تبنى ذلك فيها الليبراليون والعلمانيون المنتسبون إلى الإسلام وهو مِن أفكارهم براء.

    والمسلمون يتساءلون: لم يتأخَّر النصر؟! إن كانت النصرة من الله فلننظر ماذا اشترط لها الله تعالى؟ فهل تستطيع تحصيل ما وعد دون تنفيذ ما به اشترط؟

    إن الله تعالى خاطب المسلمين المؤمنين مثبتًا لهم قائلاً: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]، ووعدهم بنَصرِه فقال لهم: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47].

    هناك شروط وأسباب غفل عنها الناس فلم يُعطَوا النصر، وأعظمها وأهمُّها:
    إخلاص نيتهم لله تعالى؛ فالعبادات كلها لا تُقبَل إلا بالإخلاص، والله تعالى حين فرض على نبيه -صلى الله عليه وسلم- الجهاد قال له: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39]، وقد وضَّح الرسول ذلك فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، فلم تَطلُب النصرة؟ هل ليقال: جاهَدَ وحارَبَ ونشَرَ الإسلام؟ أم ذلك كله لله؟

    والله تعالى يقول: ﴿ كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ﴾ [الصف: 14] فمِن الناس مَن كان بظاهرِه مع أهل الله وبباطنِه يَرجو المدح، وهذان لا يَجتمعان، ويرجو بباطنه غير أهل الحق، وهذا هو النفاق.

    ثانيًا - الثقة في الله تعالى:
    إنكم لا تُنصَرون بعدد ولا عدة وإنما تنصرون من السماء، لم يكن العدد يومًا من الأيام دليلاً على الحق، فأي طائفة مِن الطوائف لا يدلُّ اجتماعُهم على عدد كبير على أنهم أهل الحق والسنَّة والسبيل القويم، بل العِبرة بأعمال العباد وبما يَعتقِدون، ألم تر إلى قول الله تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف: 106]، وقال: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، وقال: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((يؤتى بالنبي وليس معه أحد)).

    إننا نُحرَم النصر لأنَّنا نظنُّ أننا كثيرون، وأعدادنا تكفي لفعل ما نريد، بل علينا أن نقول: إننا نُنصر ويَبلغ حقُّنا أطراف الدنيا، ويقضي الله حاجاتنا ويَمنع عنا الظلم والقهر والطغيان؛ للحق الذى معنا وإن قلَّت أعدادُنا.

    ثالثًا - الترابُط وترك التنازع:
    قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ﴾ [الأنفال: 46]، لنُخلِّ التنازُع والتناحر جانبًا، وهذا لا يعني ترك التناصُح، بل التناصُح واجب مطلوب، لكن لا يؤدينَّ شيء بيننا إلى التنازع فستُرفع النصرات، وسنُحرَم العزة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾.


    إن أعظم القواعد التي استخدمها أهل الباطل قديمًا وحديثًا هي "فرِّق تَسُدْ" استَخدَمَها اليهود وما زالوا، وكل المراكز البحثية التي تتحكَّم في صناعة القرارات الغربية تجاه العالم الإسلامي تُوصي بتمزيقِهم شذرًا؛ لأنهم يَعرِفون أن اتِّحادنا على الحق يقتلهم ويُهلِكُم ويُنهيهم.

    رابعًا - الصبر وإن طالت الفترة:
    تأخُّر النصر ابتلاء؛ لأن المسلم لا تُهمُّه الفترات، هو يعيش يَطلُب الحق ويدعو إليه ويُؤمِن به منتظرًا النتيجة متى جاءت، فإن جاءت في حياته فبها ونعمت، وإلا فأجره إن لم يَصخَب ويسخط معلومٌ محفوظ، ولذا قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرُوا ﴾ بعد أن أمَر بتركِ النِّزاعات.

    وتكلَّم عن الشهداء الذين لم يُدرِكوا ساعة النصر التي طالَما حلموا بها وطلبوها فقال: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ [آل عمران: 169]؛ نعم عند الله هم أحياء، يُرزَقون وينعمون ويتمنون أن يلحَقَ بهم إخوانُهم.

    والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((والجهاد ماض في أمتى..)) الحديث.. فالقضية ليست قضية موعد انتصار، بل ما دامت الدنيا أنت في عمل فلا تَستعجِل، وكل شيء عند الله بمقدار.

    خامسًا - الثقة بالموعود:
    الشك والرَّيب يَحرم العبد النصرة، والنصر لن يتحقق إلا إذا حان موعدُه في علم الله لا في تقديرنا القاصر، ولن يتحقَّق النصر إلا بعد الإيمان الجازم بوعد الله، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، أما من عنده شك وريبة فلا يستحق النصر.

    وانظر في قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41]، وتفكَّر في كونِ وعد الله تعالى للمؤمنين ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ [النور: 55]، والآية الكريمة جاءت بمجموعة من الصفات لا بدَّ مِن تحقُّقها حتى يكون التمكين.

    سادسًا - أن نَنصُر الله تعالى؛ ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]:
    إن كثيرًا منا لا يتورَّع عن السكوت أمام المنكر وهو يستطيع الكلام، إنها التنازلات التي تقع من البعض - بعض الأفراد أو بعض التيارات - مِن أجل بعض المُصطلحات الوافدة التي لا علاقة لها بدفع المنكر والأمر بالمعروف ونصرة الدِّين مثل مصطلح التعايش والاحتواء والوطنية... إلخ.

    لم يَسكُت النبي -صلى الله عليه وسلم- رغم أنه كان في المعركة حين قال له الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"، كان من المعقول أن يَسكُت أو أن يفعل لهم ما يريدون حتى تنتهى المعركة بسلام، لكن ذلك لم يمنعه أن يقول لهم: ((لقد قلتم ما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة)).

    أما التنازلات التي تَحدُث من البعض بحجة الواقع ومُجاراة الأمور فهي سبب من أسباب تأخُّر النصر، بل كن واضحًا مع الناس حتى لا تتَّهم بعد ذلك بالخداع والنفاق فتصد عن سبيل الله بفعلك.

    سابعًا - الثبات:
    لا تكن مُترددًا أبدًا ما دمت على الحق؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45].

    يَنبغي على طالب الحق أن يُفكِّر دائمًا في كل ما مِن شأنه أن يُساعدك على إيصال الحق، أهل الباطل يُفكرون ليل نهار لا ينامون، معهم إمكاناتُهم لا يتأخَّرون عن تطويرها واستِخدامها، فلمَ نرضى نحن الدنيَّة في إمكاناتنا وندَّعي الضعف ولنا عقولنا وجوارحنا والله معنا، فقط اثبت على ما معك وابدأ التغيير، قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60] انظر إلى الآية قال: ﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، لكن ثباتُك يُزلزل أهل الباطل، فاستعن بالله ولا تعجز.

    ثامنًا - أن يكون الهدف من النصرة إقامة الشريعة:
    ألم ترَ إلى قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [الحج: 41] تفكَّر في كل الدول الماضية التي قامَت وتمكَّنت ولم تُقِمِ الشريعة أو أخذوا بعض الكتاب وتركوا البعض، لم يُكتَب لها إلا الخزي؛ ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [البقرة: 85].


    ويتأخَّر النصرُ لأن بعض الأفراد أو التيارات ربما لم يكن صريحًا مع نفسه في هذه النُّقطة بالذات فيتأخَّر النصر بسببِه، إننا نحن المسلمين لو أخَذنا بما يجب علينا مِن أسباب النصر نُصرنا وكل آية ممَّا مرَّ ذكَره تستحق النظر والتدبُّر، وسُنَّة الله تعالى في الكون لا تتخلَّف ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ [غافر: 85]، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.



    د. محمود عبدالله طراد
    شبكة الألوكه


  3. {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى : 5]
    هذه الآية تجبر الخواطر ..هي علاج رباني عظيم للقلق والخوف من المجهول ..وعدٌ من الله .. ومن أوفى بعهده من الله ؟!
    أعزائي :
    كل تعبٍ تَعِبَهُ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أجلنا وكل مرارة تحمَّلها لن تكون هباءً عند الله فسوف يعطيه الله ليرضى ..
    الخيرُ كلّه في عطاء الله ، فقط عليك أن ترضيه انت أولاً وسيعطيك حتى يرضيك..هل لك أن تتخيل حجم عطاياه سبحانه ؟ أقصى درجات تخيلك ياعزيزي هي أدنى درجات عطائه ..عندما تسمع بعطاء الله فإن قلبك ينتشي فرحاً واستبشاراً ، فكيف بعطاءٍ حدَّ الرضا وحدَّ الارتقاء؟!!!
    يقول أحدهم كلما سمعتُ هذه الآية شعرتُ بالراحة ، وأعدتُ ترتيب أمنياتي من جديد ..هي الثقة بالله..
    ليست السعادة ياعزيزي أن تمتلك كل شيء ، إنما السعادة أن يسعدك الله بما أعطاك ، ويرضيك به ، ويرضى عنك ..
    اللهم ارزقنا حلو الحياة وخير العطاء وسعة الرزق وراحة البال ولباس العافية وحسن الخاتمة ..



    وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)
    1- (و لسوف يعطيك ربك فترضى) لو أعطينا الأرض بما فيها فلن نشعر بالرضا حتى يأذن سبحانه : أن نرضى . / عبدالله بلقاسم
    2- " ولسوف يعطيك ربك فترضى " إن رضي عنك ... فسيدهشك بعطاياه حتى تطمئن نفسك وترضى .. / نايف الفيصل
    3- ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ خطاب يشعرك بالأمان والأمل ان كنت مهموما سيعطيك الفرج ان كنت مريضا سيعطيك الشفا ان كنت محتاجا سيعطيك الغنى/ روائع القرآن
    4- لما نزل قول الحق : " ولسوف يعطيك ربك فترضى " قال سيدي_رسول_الله ﷺ : إذا لا أرضى .. وواحد من أمتي في النار ...! اللهم صل وسلم عليه .. / نايف الفيصل
    5- ﴿ﻭﻟﺴﻮﻑ ﻳﻌﻄﻴﻚ ﺭﺑﻚ ﻓﺘﺮﺿﻰ﴾كل تعب تعبه لأجلناوكل مرارة تحملها ، لن تكون هباء عندالله / روائع القرآن .
    6- ﴿ ولسوف يعطيك ربك (فترضى) ﴾ولم يقل: ما ترضى! فالخير كله في عطاء الله حتى لو خالف أمنياتنا ../ نايف الفيصل
    7- {ولسوف يعطيك ربك فترضى}علاج رباني عظيم للقلق والخوف من المجهول . هذا وعد الله والله عند ظن عبده به فسبحان ربي العظيم / ثبات الموحد
    8- ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ومن أوفى بعهده من الله ! / نايف الفيصل
    9- عند الهموم تأمل قوله سبحانه : ﴿ ولسوفَ يُعطيك ربّك فترضى ﴾.. / فرائد قرآنية
    10- ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾؛ يقول أحدهم: كلما سمعت هذه الآية شعرت بالراحة وأعدت ترتيب أُمنياتي من جديد. / فرائد قرآنية
    11- "و لسوف يُعطيك ربك فترضى" .. ليست السعادة أن تمتلك كُل شَيء .. إنما السعادة أن يُسعدك الله بما أعطاك و يُرضيك بما آتاك .. / فرائد قرآنية
    12- قمة الرضا ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ مهما ضيقت علينا الحياة بالهموم ستبقى نافذة الأمل بالله مفتوحه./ تأملات قرآنية
    13- ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ اللهم أرزقنا حلو الحياة وخير العطاء وسعة الرزق وراحة البال ولباس العافية وحسن الخاتمة . ./ روائع القرآن
    14- { ولسوف يعطيك ربك فترضى}عندما تسمع جملة "عطاء الله" فإن قلبك ينتشي إستبشارا وفرحافكيف بعطاء حد الرضا فكيف بعطاء حد اﻹرتواء !/ مها العنزي



    لا يتوفر وصف للصورة.

  4. ربما تحتوي الصورة على: ‏‏زهرة‏‏
     
    مجالس التدبر - 1439هـ- سورة الرعد

    1. " لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العالمين ومقامات العارفين " ابن القيم
    2. سواءٌ عند الله أن تغلق باب الغرفة أو تجعله مفتوحا ،، أن تغلق النور أو تجعله مضاءاً .. فعظم رؤية الله لك وسماعه لسرك ونجواك " سواءٌ منكم من أسرَّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار "
    3. من دلائل قدرة الله وبديع خلقه : أن تكون الأرض واحدة والسقيا بماء واحد ويخرج الثمر متفاضلا متنوعا " إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " . نقل فؤادك إبصاراً ترى عجباً في كل شيءٍ دليلٌ أنه اللهُ
    4." الله يعلم ما تحمل كل أنثى " ليس علم الله قاصرا على جنس الجنين فحسب،، بل أحاط علمه بجنسه وعمله ورزقه وأجله، وشقي هو أو سعيد، فتبارك الله العليم المجيد
    5. " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " حقيقٌ بمن عقل هذه القاعدة القرآنية أن يحافظ على نعم الله بشكرها، وعدم مبارزته بالمعاصي، فالجبار يغار، والنعم إذا لم تُشكر لم تستقر
    6. " ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته" من دوافع التسبيح : الخوف من الله وتعظيمه، والملائكة تشهد من عظمة الله في الدنيا ما لم نشهد، فهي لا تفتر عن التسبيح ليلا ونهارا، فسبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
    7. إذا كنت وقافاً عند كتاب الله مطيعاً لأوامره جل في علاه فأبشر بالجنة مستقرا " للذين استجابوا لربهم الحسنى " ومن أدرك عظم السلعة سهل عليه الثمن
    8. الإنسان يُسر بالاجتماع بأسرته وذويه في الدنيا، مع ما فيها من المنغصات والأتراح، فكيف يكون سروره إذا كان الاجتماع في الجنة دار الأفراح " جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم .."
    9. يا كل مهموم ومغموم : يا من أرَّقه الاكتئاب : إن الذي خلق قلبك أعلم بما يصلحه إنه جل جلاله يقول : " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " ها قد عرفت فالزم
    10.  " ثم استوى على العرش " عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله جل جلاله قد علا وارتفع على العرش علوا يليق به سبحانه من غير تكييف ولا تمثيل فتبارك الله رب العالمين
    11.  " قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب " من استشعر معنى ربوبية الله، وعظيم تدبيره، عظم توكله عليه، وفوض أموره إليه ، فمن ذا الذي يجيب المضطر، ويكشف الضر وييسر الأمر إلا الله ،، فعليه التوكل وإليه المتاب وهو حسبنا ونعم الوكيل
    12.  " مثل الجنة التي وُعد المتقون ..." المُقام هنا مُقام غربة والوطنُ الجنة فصبراً في دار الغربة فثمَّتَ للصابرين مُستراحٌ هنالك يسمعون سالمين : "سلامٌ عليكم بما صبرتم"
    13.  هل تعبت من الصبر على تقوى الله وتعظيم حرماته ؟ اصبر على الصبر حتى تسمع البشارة العظمى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " 
    14. (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). جاهدوا انفسهم ، تحملوا المشقة والعناء ، عملوا بإخلاص من أجل هذا اليوم ، فنعم العقبى ، ونعم الدار. 15.  { وقد خلت من قبلهم المثلات } السعيد من وعظ بغيره لا بنفسه
    16.   ﴿يدبر اﻷمر﴾، لا ترهق نفسك بالتفكير في كيفية تدبير أمورك، توكل عليه سبحانه مع بذل الأسباب، وهو سبحانه سيدبر أمرك ويعتني بشؤونك، ويذهب حزنك، ويسخر لك ويفتح لك اﻷبواب، من حيث لا تتوقع.
     مهما كبر همك فلك رب كبير ﴿ يدبر اﻷمر ﴾ سبحانه فسيدبر أمرك ويتولى شأنك ويرعاك فقط وجه وجهك وقلبك وكل جوارحك إليه .
    17.   قال ابن عباس: أرجى آية في القرآن، قوله تعالى : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) اللهم عفوك ومغفرتك يا كريم
    18. هناك (مستخف بالليل) بمعصية و(مستخف بالليل ) بعبادة فسبحان عالم الأسرار وكاشف الأستار
    19. تأمل القدرة والكمال:﴿يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾، إذ ينبت النبات الضخم، ويخرجه من البذرة الصغيرة، ثم يسقيه من ماء واحد، ومع هذا تختلف أحجام وألوان ثمراته وطعمها.
    20.  سبحان من جعل في الشيء الواحد الرغبة والخوف { هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعا }
    21.  (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) لا راحة ولا اطمئنان ولا سكينة لقلبك إلا بذكر خالقك وربك .
    22.  ﴿ قُل كَفى بِاللَّهِ شَهيدًا بَيني وَبَينَكُم وَمَن عِندَهُ عِلمُ الكِتابِ﴾ "وَهُوَ الْحَسِيبُ كِفَايَةً ؛ وَ حِمَايَةً وَالْحَسْبُ كَافِي الْعَبْدِ كُلَّ أَوَانِ "
    23.  (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) قياسُ قدرة الخالق بقدرة المخلوق، وقدرة القادر بقدرة العاجز، وقدرة الحاكم بقدرة المحكوم ..جهلٌ محض
    24.  (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) أ فيُسبّح الرعد وتصمت أنت؟ وتخاف الملائكة وتأمن أنت ؟ أيّ قلبٍ بين جنبيك؟
    25.  (وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ ) "والمثلات: جمع مثلة- بفتح الميم وضم الثاء كسمرة، وهي العقوبة الشديدة الفاضحة التي تنزل بالإنسان فتجعله مثالا لغيره في الزجر والردع." الوسيط للطنطاوي
     26.  اصعد سلم التغيير بنية صادقة ابتداءً بنفسك ثم أسرتك فمجتمعك. ﴿إِن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بِأَنفُسِهِم﴾
    27.  ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار ... سلام عليكم بما صبرتم ) بالصبر أقاموا الصلاة ، وبالصبر أنفقوا ، وبالصبر أعانهم الله على درء السيئة بالحسنة ..
    28.  { للذين استجابوا لربهم الحسنى } استجابة = دخول الجنة آلا ما أقسى البعد عن الله
    29.  {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ } أي: لا يزال خيره إليهم وإحسانه وبره وعفوه نازلا إلى العباد، وهم لا يزال شرهم وعصيانهم إليه صاعدًا. يعصونه فيدعوهم إلى بابه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم لأنه يحب التوابين، /السعدي
    30.  ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ فلماذا لا ترضى بحياتك وقسمتك ورزقك ...الخ وهو الذي اختار لك الخير بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص
    31.  اللهم إنا نعوذ بك سبحانك أن نكون منهم ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ اللهم ربنا اهدنا واهد بنا، ولا تزع قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
    32.  كلّما فترت نفسك عن الطاعة فذكّرها بهذه الآية. ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ 23.  (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) قاعدةٌ يجب أن يضعها الدعاة إلى الله نُصب أعينهم؛
    34.  ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء ﴾ الباطل لا خير فيه ولو علا وانتفش لابد أن يأتي يوم و يضمحل فيه ويزهق فيذهب جفاء
    35.  { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها
    . 36.  كلما جدب قلبك فأسقه ذكرًا ليزهر ربيعًا فتعيش آمنًا مطمئنًا. ﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ ﴾
    37.  كم من المصائب كان غلافها الذنوب، فأكثروا من الإستغفار والتوبة والرجوع. ﴿ولا يزال الذين كفرواتصيبهم بما صنعوا قارعة﴾
    28.  (وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) يا قاطع رحمك: إنّ الأرحام مما أمر الله بها أن يوصل فاحذر
    39.  (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم..) إلى من هجر الصلاة واستنكف واستكبر أو ببعض فروضه قصر، كل الكائنات لله تخضع طواعية أو كراهية وتسجد له سبحانه، فمتى لرحابه تعود ودموع التوبة تسكبها بين يديه في السجود؟
    40.  وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} لمن يؤمن بقانون الجذبتدبر هذه الآية اذا اراد الله امرا فلاشيء يمنعه لاجذب ولاغيره بل تدبير اللهﷻ وأمره فوق كل شيء
    41.  ﴿ قل هو ربي لآ إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾ كمال العزّة أن تكون لربك عبدًا موحدًا وعليه متوكلًا وإليه راجعًا.
    42.  {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ } إنما الدنيا صبر ساعة والعاقبة للمتقين..
    43.  ﴿ يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ هنا تتجلى العظمة الإلهية المصدر واحد والنتائج مختلفة ومتعددة ، تعجز النظريات العلمية عن تفسيرها.
    44.  (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } أي: أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، الذين هم لُبّ العالم، وصفوة بني آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ )
    45.  من تذكر نعيم الجنةالذي شرف الله به المتقين راجع إيمانه وتقواه وزهد في دنياه لأجل آخرته [مثل الجنة التي وعد المتقون] 
       46.﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ يعلم الغيب والشهادة (الالامك همومك احزانك تطلعاتك مخاوفك) وهو القادر على تغيير ما بك
    47. (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) لا يرهبنا تعملق الباطل ؛ فهو زبد ..... إلى زوال . ولا يبقى إلا الحق ...
    48. ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ يصيب بالصواعق العظيمة من يشاء فهل يعجزه ان يوصل رزقك اليك!!
    49. (قل من رب السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قل الله قل أَفَاتَّخَذْتُمْ من دونه أولياء لا يملكون لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا قل هل يستوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أم هل تستوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) من اتخذ من دون الله أولياء فهو أعمى غارق في الظلمات.
    0 5. ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ لا اله الا الله من رحمه..يخيفك كي تعود اليه!!
    51. الابذكرالله تطمئن القلوب ذكرالله تعالى سبب في طمأنينة القلب
    52.( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) يستوحشوا فيذهبوا لطلب الأنس بما حرم الله و يدعون أنه وسيلة للترفية فما يزدادوا إلا غما ، فأخبريهم أن الوحشة يذهبها ذكر الله
    53. ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) لا تنغص حياتك بالنظر لما في يد غيرك و اعلم أن كل ذلك إلى زوال فتزود للآخرة في الباقية
    54. (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) يا من تركت الصلاة دون سبب كل ما حولك يسجد لله فلما
    وضعت نفسك في مكانة أقل من الحيوان و أنت الذي فضلك ((الله تعالى )) على جميع خلقه
    55.  ( وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ) الكفر إلى زوال مهما بلغ من قوة
    56.  (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) اعلم أن كل شيء يدعوا لغير الله فهو باطل و إن جلب كل كنوز الدنيا
    57.  ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) لن يتعظ بما في الكون من معجزات إلا من تفكر فيها ، لا من عطل عقله عن التفكر
    58.  (وَلَقَدِاسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖفَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) إذا واجهت من يستهزئ بك وبسبب إيمانك واستقامتك؛ فأعرض عن جهلهم،ولاتحزن،واعلم أن الله سينتصر لك،وأن نبيك،صلّ الله عليه وسلم قدلقي أكثرمن ذلك،فالصبرابتغاءوجه الله
    59.  سلام عليكم بماصبرتم فنعم عقبى الدار ماأعطي العبد عطاء خيرا وأوسع من الصبر 
    60.  (ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) نزهوا الله حين كان علمهم به كبير ونحن جهلنا قدره فتركنا تسبيحه. 

    اسلاميات


    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏زهرة‏‏


  5. لا يتوفر وصف للصورة.


    1- أوحي إلى نوح أن المؤمنين به بعد مكوثه بينهم تسع مئة وخمسين سنة لن يزدادوا ، فلا داعي لتضييع الوقت دون فائدة ، فالعمل يستمر إن كان مفيداً
    2- على الإنسان أن يبذل ما استطاع في سبيل دعوته وأن لا يدّخر وسعاً في ذلك، وأن لا ييئس، فما ينبغي لمؤمن أن ييئس.
    3- يبدأ الداعية بدعوة الناس عبر دوائر تتسع شيئاً فشيئاً ( الأسرة ، الأرحام ، الأقارب ، الحي والأصدقاء .....ثم القوم جميعاً ) قال تعالى " وأنذر عشيرتك الأقربين" .
    4- يُفهم من قوله تعالى: (.. لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) أن الله تعالى وهو العالم بالغيب لم يقضِ عليهم أن يكفروا وإلا لم يحاسبهم ، إنما علِمَ أنهم لن يؤمنوا فكتب ذلك كتابة علم لا جبر.
    5- يحزن المرء حين يرى الناس صادّين عن الحق بعيدين عنه ،ويكون ألمه أشدَّ حين يكون ذا إحساس شفاف وقلب حيٍّ ( ولا يحزنْك الذين يسارعون في الكفر) ( قد نعلم إنه ليَحزُنك الذي يقولون ) فحين قضى المولى أن يغرق الكافرين جزاء وفاقاً نبّه نبيّه نوحاً بلطف أن لا يحزن عليهم ( فلا تبتئس بما كانوا يفعلون).
    6- وحزنُ الداعيةِ الكبير سيدِنا نوح – ويعلم الله تعالى أن نوحاً سيحزن - يدلُّ على حبه لقومه ورغبته في إيمانهم،ألم يقل له سبحانه ( ولا تُخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون)فلا يُحاججْ عن أحد منهم.
    7- رحمة الله وعنايته تتابع الداعية في كل أحواله ( واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) فنوحٌ عليه السلام ليس نجاراً ولا صانعَ سفن ، بيد أن الداعية يشرف على كل ما يفيد الدعوة ،ومَن أخلص لله اصطفاه مولاه.
    8- يصيب قلبَ النبي نوحٍ الالمُ المتواصل من سخرية قومه منه وهو يصنع السفينة ويصوّر ذلك الالمَ الشرطُ (كلّما)إذ تُسمعنا قهقهاتِهم وكلماتهم الجارحة في غدوّهم عليه ورواحهم،ولو علم قومُه ما يُعدُّ لهم من العذاب الدنيوي والأُخرويِّ ما سخروا من نوح حين بدأ بصنع السفينة ، إنما بكوا وتضرّعوا وسارعوا إلى الإيمان ، ولكنْ ما تقول في قوم صدّوا عن سبيل الله وران على قلوبهم ما كسبوا فلم ينتبهوا إلى شدة العقاب.
    9- إن من يضحكْ أخيراً يضحكْ كثيراً ، (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يُخزيه ويحِلُّ عليه عذابٌ مُقيم) إنه تهديد صريح لمن كان يعي ويعقل.
    10- التنور بيت النار . أمّا أنْ يخرجَ الماء منه – على غير العادة- فإيذان بتغيّر الناموس الكوني وبدءِ العقاب الموعود، فليسارع المؤمنون إلى السفينة التي تحملهم إلى برّ الأمان. إنها الشارة المتفقُ عليها ونقطة الصِّفْر لبَدءِ العقوبة المُغرقة.
    11- لن ينجوَ سوى المؤمنين الذي يركبون السفينة وحدهم مع الحيوانات أزواجاً لاستمرار الحياة بعد الطوفان، لن يكون معهم أحد غير المؤمنين ولو كانوا ذوي قربى فالرحم رَحِم الإيمان ليس غير ( قلنا احمل فيها من كلٍّ زوجين اثنين وأهلك – إلا من سبق عليه القولُ – ومن آمن).
    12- (وما أكثرُ الناس ولو حرصتَ بمؤمنين) هذه سنّة الحياة فأصحاب القلوب الواعية نادرة ، إن الذين يعلمون الحياة ويفهمونها قلائل( وما آمن معه إلا قليل)
    13- السفينة كبيرة لكنها سارت أياماً وليالي في المحيط الغامر برحمة الله تعالى وحفظه ( بسم الله مجراها ومَرساها) فهو سبحانه لطيف بعباده يحفظهم من الغرق في هذا المحيط اللجّ من الجبال المائية العاتية وأمواجها المتلاطمة ، "وكل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه باسم الله فهو أقطع" وعلى المسلم أن يكون ذكرُ الله في قلبه وعلى لسانه،"إن الله يُسَيِّرها"، وهو يضعها في المكان الآمن.
    14- ولشدّ ما تصيبني النشوة وأنا أتمعّن في فواصل الآيات المناسبة للمعنى ، مثالها هنا ( إن ربي لغفور رحيم) فمَنِ اعتمد على الله وآمن به غفر له ذنوبه رحمه . ولعلنا نلاحظ انتماء نوح إلى ربه إذ قال ( إنَّ ربي) فكان التلازم بين المضاف والمضاف إليه دليلَ اللجوء إلى الله واللياذِ به.إن الملجأ في السفينة التي أحاطها الله سبحانه بعنايته ( اركبوا فيها).
    15- إنه إبحار مخيف يدل عليه ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) تجري بقوة يُحركها من أسفلُ – ارتفاعُ بحار الأرض – ومن أعلى – تدفقُ محيطات السماء – فوقها ماء وتحتها ماء، غارقة هي إذاً بالماء الذي يَعلوها ويُعليها ،وتراهم يذكرون الله ويرجون السلامة – وهم فيها- والإنسان ضعيف فقير إلا من رحمة الله وحفظه.
    16- الأبوّة – وما أدراك ما الأبوّة؟ نبع الحنان ودفء الحياة تتجلّى في نداء الأب يرى فلذة كبده يغوص في الماء ويغرق فيه فيناديه : أيْ بنيّ ،هلمّ إليّ ، فالنجاء هنا. (اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ). إنه يدعوه إلى الإسلام حتى اللحظة الأخيرة يريده معه مؤمناً بالله ، فالإيمانُ زادُ المرء وكنزُه.
    17- ومن الوردة تولد الشوكة ، ومن الشوكة تتجلى الوردة ، "أب نبيٌّ وولدٌ كافر" .ولن تنفع النصيحةُ من اربَدَّ قلبه واسودّتْ نفسه، ألم ينصح إبراهيم عليه السلام أباه فأبى؟ هنا ينادي نوح : (يا بُنيّ )، وفي سورة مريم يخاطب إبراهيم أباه أربع مرات ( يا أبَتِ). ولا يجيب إلا من كان فيه خيرٌ أو ألقى السمع وهو نبيهٌ أريبٌ.لكنّ الكافر لا يرى النهاية مهما وضُحتْ ، فرمى الموجُ ولدَ نوح، وهو يراه يتقطع قلبُه عليه. واخذ الغضبُ أبا إبراهيم كلَّ مأخذٍ.
    18-  إنها سَورةُ الغضب الإلهي الذي جيّش جنديّ الغرقِ فلم يذر منهم ديّاراً. ألم يتحرك هذا الجنديّ الغاضب تأييداً لموسى وقومه حين أخذ فرعونَ وجنده؟!( وما يعلم جنود ربك إلا هو).
    19- فإذا ما انتهى الأمر وسكنت السماء فلم ترسل سحائبها ،وتوقف خروج الماء كانت الدنيا بحراً هادئاً لا تدري أين ترسو السفينة فليس من يابسة ، وكل ما حولك أو فوقك لونٌ أزرق . ولعل الشمس عادت بعد غياب ترسل أشعتها على الماء ، والناس في سفينتهم يسألون الله تعالى أن يتم عليهم فضله ، فما يعيش البشر إلا على الأرض ( منها خلقناكم ، وفيها نعيدكم ، ومنها نخرجكم تارة أخرى).
    20- وترى الماء يتناقص ، فقد جاء الأمر الرباني للسماء والأرض كليهما أن المَهمّة قد انتهت فلْتستعِدْ كل منهما ماءها ( وقيل يا أرضُ ابلعي ماءك ) فبدأت الأرض تعيد نصيبها من الماء إلى جوفها ( ويا سماءُ اقلعي) وطار ماء السماء إليها حيثُ كان ، ألا نقول : أقلعت الطائرة إذا ارتفعت في الجوّ؟ وتصورِ الماءَ ينقسم قسمين على الرغم من اختلاطه وهو يؤدي مهمته، فهذا يغوص في الارض عائداً إلى مستقرّه وذاك يرتفع في سحائبَ إلى حيث كان في علم الله.
    21- وترسو السفينة على غير ما اعتدنا أن نراها ترسو ، إنها في أعلى جبل الجودي، وتبدو الجبال أول الأمر أرضاً منبسطة فإذا ما غاض الماء رويداً رويداً بدأتْ تعلو شامخة وظهر ما دونها ثم انتهى الماء في الوديان العميقة ، وعادت البحار إلى سابق عهدها وكأن شيئاً لم يكن، بيْدَ أن الأرض طَهُرتْ من المستكبرين والكفرَة المارقين، وتسمع صوت الحقيقة ( بُعداً للقوم الظالمين) وليت الناس يعتبرون بما جرى للظالمين فيرعوون.
    22- ونجد العاطفة الأبوية مرة أخرى تظهر في مناجاة الأب ربَّه في ابنه الذي غرق ( ربّ إن ابني من أهلي ، وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين) ويتجلى ضعف الإنسان في النبي نوح على علُوِّ قدر النبوّة متسائلاً : كيف لا يكون ابنه من أهله فيجيبه الرحمن : إنه ليس مسلماً ، فلا يربطنا بالكافر سوى النسب أما الحب والولاء فهو الرابط الصحيح ، ألم يقاتل الصديق ابنه في بدر فيأسِره ويتبرّأ مصعبٌ من أخيه الأسير ابن أمه وأبيه " أبي عزيز " فيقول لمن أسره " اشدد عليه يا اخي فإن له أماً غنية تفديه"؟فيقول أبو عزيز : أهذه وُصاتك بي يا أخي ، فيجيبه مصعب : صه، إنه أخي من دونك. ألم يقترح الفاروق على الحبيب المصطفى أن يقتل كلُّ مسلم قريبه الأسير كي يعلم الجميعُ أن الصلة المرضي عنها صلةُ العقيدة؟ فنزل القرآن يؤيده ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض).
    23- أما ما يُقال : إنه ابن زنا فهذا قدح في شرف الأنبياء. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( ما زنت امرأة نبي قطُّ، وهذا دليل على براءة نساء الرسل والأنبياء من كل فاحشة على ولو كان بعضُهنّ كافرات، فماذا تقول في الاتهام اللئيم للرافضة الفاسقين في أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها.
    24- ما أروع العودة إلى الحق سريعاً حين يُنبَّه سيدُنا نوحٌ ، فنسمعه يعتذر منيباً إلى الله تعالى ويسأله الرحمة والغفران فالله تعالى يقول له: ( إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين) فيؤوب إليه مقراً بخطئه (ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) ويتوب إلى ربه من خطإٍ لا يقصده طالباً الرحمة والمغفرة ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) ولا يضَيّع الله تعالى عمله بل يضمه إلى كنفه ويعفو عن زلته فيخصه بالسلام ويبارك عليه وعلى من معه.
    25- ونقف على قوله تعالى ( ..وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) فنصحِّحُ فهم بعض المفسرين الذين ظنوا معنى " نوحٌ أبو البشرية الثانية " أن من كان معه من المؤمنين عقيمون ، فقوله تعالى ( وعلى أمم ممن معك ) وقوله سبحانه ( ذرّية من حملنا مع نوح)أنَّ نسْل البشرية منهم جميعاً.
    26- كما نجد الدقة في هبة البركة ، فهي لا توهب للجميع إنما تخص المؤمنين ، فجاءت (مِن) التبعيضيةُ ( وعلى أمم ممن معك) تؤكد أنّ الرحمة في الآخرة تصيب المؤمنين ليس غير ، أما الكافرون فليس لهم إلا النار والعذاب المقيم.
    27- وأخيراً وليس آخراً نجد الموسيقا تقرع آذاننا في كثير من آيات هذه القصة ، منه التكرار الرائع للميم ثماني مرات في قوله ( وعلى أمم ممن معك) وانقلاب الباء ميماً في قوله ( اركب معنا )، فتقرؤها ( اركمّعنا).
    28- وتأمل معي ذاك التناسقَ  الزمانيّ واللفظيّ بموسيقاه المنظّمة في قوله تعالى( وقيل يا أرضُ ابلعي ماءك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء ، وقُضي الأمر واستوت على الجوديّ ، وقيل بعداً للقوم الظالمين .)
    29- وقد يسأل أحدنا هل غرقت الأرضُ كلها ، فإن كان كذلك قلنا : أكان قوم نوح يملأون الارض فكفروا جميعاً فأغرق الله تعالى الأرض كلها؟ أم كانوا في جزء من الأرض؟ فالإغراق لهؤلاء فقط ولم يَغرَقْ غيرُهم .فنوح عليه السلام أرسل إلى قومه فقط ، فإن انكر بعضنا إن ترتفع الماء في أرض دون أرض قلنا وأين قدرة الله تعالى ؟ ألم يوقف الله تعالى الماء في البحر فسلك موسى عليه السلام وقومه البحر يابساً وماؤه على الجانبين بارتفاع الجبال؟
    30- لا بد من الصبر للوصول إلى الهدف .نجد هذه النصيحة تتكرر زهاء تسعين مرة في القرآن وفي قصة سيدنا نوح نجد نتائج الصبر في عاقبة الأمور ( إن العاقبة للمتقين).
    نسأل الله تعالى أن يبلغنا مرتبة الصابرين ..
    والحمد لله رب العالمين

    الدكتور عثمان قدري مكانسي
    اسلاميات
     
     
     
     
     
    لا يتوفر وصف للصورة.
     
     

     

  6.  

    (فشل, الظالمين, تعالى, خلقه, سنن, وهلاكهم)


    الحمد لله العليم القدير، القوي المتين؛ ذي العزة والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، يسوق الظالمين إلى هلاكهم، وينجي المظلومين من بأسهم، نحمده على نعمه وآلائه، ونشكره على فضله الحمد لله العليم القدير، القوي المتين؛ ذي العزة والملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، يسوق الظالمين إلى هلاكهم، وينجي المظلومين من بأسهم، نحمده على نعمه وآلائه، ونشكره على فضله وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يملي للظالمين حتى يأمنوا، ويولي بعضهم بعضًا ليفرحوا، ويمدهم في طغيانهم ليعمهوا، ثم يديل عليهم فيُهزموا، وما من ظالم إلا وقد حاك أسباب هلاكه بيديه، ومشى إلى حتفه برجليه؛ قَدَرًا من العليم القدير؛ ليوقعه في شر أفعاله، فيبكي ندمًا على حياته وأعماله، ولات حين مندم {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ حذر أمته من الظلم ومن الركون إلى الظالمين، وأخبر عن مصارعهم في الغابرين، وبشر بانتصار المظلومين، وأخبر أن «وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» (جامع الترمذي؛ برقم: [3598])، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، قد حرمه الله تعالى على نفسه وجعله بين عباده محرمًا ونهاهم أن يتظالموا.


    أيها الناس: سنن الله تعالى في عباده لا تتبدل ولا تتغير، فلا يردها قوي مهما بلغت قوته، ولا تتعجل لمستعجل حتى تبلغ أجلها الذي ضربه الله تعالى لها {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب:62].


    ومن سنن الله تعالى في عباده سوق الظالمين إلى مهالكهم، وإيباقهم بما كسبت أيديهم. وهي سنة في الظالمين ثابتة لا تتغير ولا تتخلف، سواء كان ظلمهم لأنفسهم، أم كان لغيرهم، وسواء كان ظلمهم لمجرد العبث، أم كان ظلمهم لمصالح يظنونها؛ لأن تحريم الظلم مطلق محكم  لا يجري عليه أي استثناء، فلا يباح الظلم أبدًا، فلا مصلحة تبيحه، ولا ضرورة مهما عظمت ترخص فيه؛ وذلك ليُقطع الطريق على الظلمة فلا يسوغون ظلمهم، ولا يعتذرون باضطرارهم إليه، أو تحقيق المصالح به. وإذا كان تحريم الظلم محكمًا مطلقًا مغلظًا، فإن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بظلم اقترفه؛ ولذا قال سبحانه {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [{الأنعام:47]، فلا هلاك إلا بظلم، ولا ظلم إلا وعاقبته هلاك.



    وعقوبة الظالم لا تتخلف أبدًا؛ فهي عقوبة تصيبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما جميعًا، وكل الأمم التي عذبت وأهلكت علق هلاكها بظلمها، وهي أمم كثيرة كما دل على ذلك القرآن {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ . فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:4-5] و{كَم} عند العرب تستخدم للتكثير، فهي قرى كثيرة أهلكت بظلمها، بدليل إقرارهم بظلمهم لما رأوا العذاب. وفي آيات أخرى {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11] ثم أخبر سبحانه أنهم قالوا وهم يعاينون العذاب {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:14-15]. فكثرة القرى التي قصمت وأهلكت وعذبت دليل على أن سنة الإهلاك والعذاب ماضية، وإقرار المعذبين بالظلم عند رؤية بوادر العذاب دليل على أنهم إنما عذبوا وأهلكوا بظلمهم؛ لتكون النتيجة: أن سنة الله تعالى ماضية في عذاب الظالمين وإهلاكهم. وفي تعبير قرآني آخر {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج من الآية:48]، و{كَأَيِّن} إنما تستخدم عند العرب لتكثير العدد، وهذا يدل على كثرة تلك القرى التي أخذها الله تعالى.


    فالتعبير القرآني بـ{كَم} و{كَأَيِّن} المفيدتين للتكثير في الإخبار عن عذاب الظالمين وهلاكهم يدل على أن هذه السنة الربانية في الظالمين مضطردة لا تتخلف. فيستبشر المظلومون بها، ويوقنون بأن الله تعالى منتقم من الظالمين لا محالة، وأن ظلمهم للضعفاء لا بد أن يعود ضرره عليهم؛ فللكون رب يدبره، وله سبحانه حُكم يفرضه، وله تعالى قدر يُنْفِذُه، وله عز وجل سنن يمضيها، فلا ييأس مؤمن يعلم ذلك ويوقن به، ويقرأ مصارع الظالمين في القرآن الكريم. كما تدل الآية على أن من سنة الله تعالى في الظالمين الإملاء لهم؛ لئلا يظن من يستبطئ وقوع الوعيد أن تأخر العذاب والإهلاك دليل على عدم وقوعه. بل سيقع وسيكون شديدًا؛ لأن الظالمين قد قامت الحجج عليهم، وانقطعت معاذيرهم، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]. وإنما يستبطئ المظلوم هلاك الظالم؛ لشدة ما يعاني من الظلم، وما يجد من القهر، وما يحس به من الغبن، ولا سيما إذا كان الظلم ظلمًا في الدين، وأذى في ذات الله تعالى، واستباحة للدماء، وانتهاكًا للأعراض، وتهجيرًا من الديار، ولكن ما يريح المظلوم المقهور لو قرأه فتدبره قول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم من الآية:42] فإذا أيقن المظلوم أن الله تعالى مطلع على ظلم الظالم، مع علمه بأنه سبحانه يهلك الظالمين؛ علم أن الله تعالى إنما يؤخر هلاك الظالم لأمر يريده، فيه مصلحة للمظلوم، وهذا من تمام لطف الله تعالى بالمظلومين.



    فليحذر المؤمن من استبطاء وعد الله تعالى في الظالمين؛ لأن سنن الله تعالى في عباده تجري على وفق علمه وحكمته، ولا تتكيف سننه سبحانه بأهواء الخلق ورغباتهم، وإلا لكان الخلق يشاركون الله تعالى في خلقه وأمره، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف من الآية:54]، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22].



    وقد دل القرآن على أن لعذاب الظالمين موعدًا مضروبًا، وأجلًا محتومًا، قد قدره الله تعالى، فلا يستقدم عنه لرغبة المظلومين، ولا يستأخر عنه لرغبة الظالمين {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} [الكهف:59]. وهذه السنة في هلاك الظالمين، واستخلاف المظلومين بعدهم؛ وعد من الله تعالى أوحى به إلى رسله عليهم السلام؛ تأكيدًا على أن هذه السنة الربانية جارية في الأمم كلها {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} [إبراهيم من الآيتين:13-14].



    وقد وقعت هذه السنة العظيمة في الأمم السالفة، قال الله تعالى في فرعون وجنده {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ . وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف من الآيتين:136-137].


    فيا لله العظيم، ما أعظمها من سنة!
    وما أكثر وقوعها في الأمم المتتابعة!


    وما أقل اعتبار الظالمين بها!
    وما أسعد المظلومين بتحققها!




    ابراهيم بن محمد الحقيل
    طريق الاسلام


    (فشل, الظالمين, تعالى, خلقه, سنن, وهلاكهم)

  7.   No photo description available.
     

    "اللَّهُ الصَّمَدُ" (2) الإخلاص

    آية عظيمة فريدة، سميت بها السورة التي تعدل ثلث القرآن. حيث تتجلى البلاغة والإعجاز في كلمتين اثنتين. "الله الصمد". فالمأثور أنها تسمى سورة الصمد مثلما تسمى سورة الإخلاص، حيث لم يرد هذا الاسم العظيم لله عز وجل إلا فيها.

     

    والآية الكريمة تتضمن اسمين عظيمين لله رب العزة، وقد جاءت السورة بالكلية لتصف الرب سبحانه وتعالى لخلقه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "أخرج البيهقي في " كتاب الأسماء والصفات " بسند حسن عن ابن عباس أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صف لنا ربك الذي تعبد، فأنزل الله عز وجل قل هو الله أحد إلى آخرها، فقال: "هذه صفة ربي عز وجل" وعن أبي بن كعب قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فنزلت سورة الإخلاص الحديث".

    "الله"
    فأما الاسم الأول في الآية الكريمة: "الله"، فهو اسم الله العظيم، وقيل الأعظم، قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "اسم "الله".. دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا (..)، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه.

    وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص.

    ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى"، ويقال: الرحمن والرحيم (...) من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك؛ فعلم أن اسمه "الله" مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية، التي اشتق منها اسم "الله"، واسم "الله" دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب".

    "الصمد"
    وأما الاسم الثاني في الآية الكريمة: "الصمد"، ففي معناه أقوال كثيرة، لكن الأشهر في معناه قولان، قال ابن تيمية في "رسالة في تفسير سورة الإخلاص": "الاسم " الصمد " فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب. والمشهور منها قولان:
    أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له.

    والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة وفي كتب السنة وغير ذلك. (...)

    وتفسير "الصمد" بأنه الذي لا جوف له معروف عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا وعن ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والسدي وقتادة وبمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب قال: هو الذي لا حشو له. وكذلك قال ابن مسعود: هو الذي ليست له أحشاء وكذلك قال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب (...)

    وأما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج فهو أيضا مروي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا فهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس. قال: "الصمد السيد الذي كمل في سؤدده" وهذا مشهور عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : هو السيد الذي انتهى سؤدده. (...) وعن عكرمة: الذي ليس فوقه أحد (...) وعن السدي أيضا: هو المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه "هو المستغني عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد"، وعن سعيد بن جبير أيضا: الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وعن الربيع الذي لا تعتريه الآفات. وعن مقاتل بن حيان الذي لا عيب فيه. وعن ابن كيسان هو الذي لا يوصف بصفته أحد. قال أبو بكر الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء أي قصد قصده ".

    وخلاصة القول في ذلك، ما قاله ابن باز عن هذين القولين الأشهر: "المقصودان صمد؛ لأنه يقصد في طلب الحاجات، والله سبحانه هو الذي يقصد من جميع الخلائق لطلب الحاجة، هو سبحانه صمد لا يطعم ولا يحتاج إلى طعام ولا إلى شراب وليس من جنس المخلوقين يجوع أو يحتاج إلى كذا، بل هو الغني عن كل ما سواه، يُطعم ولا يَطعم سبحانه وتعالى".

    هذا الاسم يعني أن الله سبحانه وتعالى هو المقصود بالحاجات لأنه السيد الذي تنتهي إليه العظمة والسؤدد وهو يُطعِم ولا يُطعَم، لا يحتاج لخلقه بل جميعهم يقصدونه في حاجاتهم.

    وبهذا الوصف لله عز وجل في السورة الجليلة، بجميع آياتها، وهذا البيان، عدلت ثلث القرآن، وحيز لقائليها ومتدبريها فضل عظيم، جمعه ابن رجب في تفسيره، بما يمكن اختصاره في قوله:

    "أما فضائلها فكثيرة جدا:
    منها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ قل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ "، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".

    ومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفا (...)

    ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة. ذكر البخاري في صحيحه تعليقا (..) عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ قل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، وذكر الحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان، ما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: إني أحبها، فقال: "حبك إياها أدخلك الجنة". (...)

    ومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري (...) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".

     

    ومن نافلة القول، أن السورة الكريمة، بآياتها القليلة والقصيرة، ومنها الآية العظيمة التي سميت باسمها السورة، قد ردت على فرق ضالة كثيرة، وملل شتى، وقعت في بدع التمثيل والتشبيه والمشاكلة، وقدحت في وحدانيته سبحانه وتعالى وفي صفاته العلى، أن "ليس كمثله شيء" جل جلاله وتقدست أسماؤه. هذا الإعجاز في تلك الكلمات القليلة هو أحد شواهد معجزة هذا القرآن وخلوده وبقائه راداً على كل فرقة ضالة فيما سبق أو فيما يُستقبل، تبياناً وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين.

     

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    أمير سعيد
    موقع المسلم

     

    777999.jpg?itok=_iIJOwq2
     

  8. 90. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً ﴾ [الإنسان: 17]: قال قتادة: «الزنجبيل اسم العين التي يشرب بها المقرَّبون صِرْفا، وتُمزَج لسائر أهل الجنة».
    91. ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً﴾ [الإنسان: 17]: قال ابن القيم: «وهذا لأن الجزاء وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقرَّبين كلها لله خلُص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مُزِجَ لهم شرابهم، فمن أخلص أُخلِص شرابه، ومن مزج مُزِج شرابه».. جزاء وفاقا.
    92. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: 20]: ثـَمَّ بفتح الثاء هي اسم إشارة، بمعنى هناك، وثُمَّ بالضم: حرف عطف.
    93. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ ﴾ [الإنسان: 23-24]: يا صاحب الكرب .. إن أردت جرعة صبر، فافتح مصحفك!
    94. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 28]: أصله: شدَّ الشيء بالإسار، والإسار في اللغة: الجلد الذي لم يُدبغ؛ لأن الجلد الذي لم يُدبغ إذا أخذْتَ سيوره وشددت بها شيئاً وهي مبلولة يبست، فاستحكم الشدَّ غاية الاستحكام، ومنه قيل للأسير: (أسير) لأنه يُشَدُّ بالإسار.
    95. ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 28]: أي شددنا عظامهم إلى بعض كما يُشدُّ الشيء إلى الشيء بالإسار، ، فلو كان الذي شدّ يدك بمعصمك، ومعصمك بمرفقك، ومرفقك بمنكبك، لو كان غير متقن لتساقطت أعضاؤك منك في الطريق!
    96. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً﴾ [المرسلات: 25]: قال القرطبي: «أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها، وهذا يدل على وجوب مواراة الميِّت ودفنه، ودفنِ شعره وسائر ما يزيله عنه، ومنها قوله عليه السلام: (قصّوا أظافركم، وادفنوا قُلاماتكم)».
    97. ﴿انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30]: انطلقوا- أيها المشركون- إلى ظلٍّ من دخان جهنم، والذي تفرَّق من ضخامته إلى ثلاث شعب، وسمَّاه بالظل على سبيل التهكم بهم، إذ يكونون في أمس الحاجة إلى ظل يأوون إليه، فيجدونه نارا.
    98. ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: 32]: ترتفع شرارات النار في الهواء، ثم تسقط على رأس الكافر، لتكون كل شرارة منها كأنها قصر ضخم أصابه في مقتل!
    99. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 33]: جمْع الجمال غرَضه تشبيه تشديد العذاب! قال الآلوسي: «الجمال إذا انفردت واختلط بعضها بالبعض، فكل من وقع فيما بين أيديها وأرجلها في ذلك الوقت نال بلاء شديدا وألما عظيما، فتشبيه الشرارات بها حال تتابعها يفيد حصول كمال الضرر».
    100. ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: 32-33]: هنا تشبيهان! شبَّه شرر النار في عظمته وضخامته بالقصر وهو البناء العظيم العالي، وشبَّهه في اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمال الصفراء.
    101. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48]: قال قتادة: «عليكم بحسن الركوع ؛ فإن الصلاة من الله بمكان».
    102. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: 20]: قال ابن عاشور: «هذا الوصف كناية رمزية عن عظيم قدرة الله تعالى، إذ خلق من هذا الماء الضعيف إنسانا شديد القوة عقلا وجسما».
    103.﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16]: روى الشيخان عن ابن عباس: كان النبي ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرِّك شفتيه- يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شيء، أو من شدة رغبته في حفظه، فأنزل الله هذه الآيات.
    104. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]: النضارة ليست اليوم، بل في ذلك اليوم، ومعايير الآخرة مختلفة، فكم من ضاحكٍ هنا باكٍ هناك، وكثيرون يبكون هنا ويضحكون هناك.. العبرة بمن يضحك آخِرا!
    105.﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان: 6]: قال القرطبي: إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته، ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره».


  9. يقول الله تعالى: ﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ * وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 17 - 26].



    تَفسيرُ الآياتِ:

    ﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾:

    أي: اصبِر يا محمد على ما يقول مشركو قومك من التكذيب بالحق والاستهزاء بك، واذكر عبدنا داود ذا القوة على عبادة الله وجهاد أعدائه.



    إن نبينا داودَ كان كثيرَ التوبة والدعاء، والرجوع إلى الله في جميع أموره، واقفًا عند حدوده.

    يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 40، 42)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 158)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 57)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 487)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 227).



    آية وحديثان فيها ما يتعلق بتفسير الآية:

    من قوة داود ما ذكره الله في قوله تعالى: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ [البقرة: 251].

    وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((أحَبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ عليه السلام، وأحَبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصف الليل، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسه، ويصوم يومًا، ويُفطِر يومًا))؛ رواه البخاري (1131) واللفظ له، ومسلم (1159).



    وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن النبي داود عليه الصلاة والسلام: ((كان أعبدَ الناس))؛ رواه مسلم (1159).



    ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ﴾:

    أي: إنا سخرنا الجبال يُسبِّحْنَ الله وينزِّهْنَه عمَّا لا يليق به بصوت يسمعه منهُنَّ داود كلما سبَّح الله وقت العصر إلى الغروب، ووقت الضُّحَى حين تَبْيَض الشمس ويصفو شعاعُها بعد طلوعها.



    يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 43)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 159)، و((تفسير البيضاوي)) (5/ 26)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 57)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 487)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 228).



    آيات كريمة تتعلق بتفسير الآية:

    قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء: 79].

    وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾ [سبأ: 10].



    وقال عز وجل: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44].



    ﴿ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ﴾:

    أي: وسخرنا الطير مجموعة لداود يُسبِّحْنَ الله معه، كلٌّ من الجبال والطير رجاع إلى عبادة الله، وامتثال أمره بالتسبيح مع داود، وكلُّ الطيور تُكثِر الرجوع إلى داود، وتأتيه من أماكن بعيدة للتسبيح معه.



    يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 45)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 161)، و((تفسير البيضاوي)) (5/ 26)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 58)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 488)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 229).



    آية كريمة تتعلق بتفسير الآية:

    قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ﴾ [سبأ: 10].



    ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾:

    أي: وقوينا ملك داود بالهيبة وكثرة الجنود والنصر حتى ثبت ملكه طوال مدة حكمه، وأعطينا داود النبوَّة، وعلم كتاب الله والسنن، والفهم، والعمل بالصواب في جميع الأمور، وأعطينا داود قطعَ المخاطبة بالكلام البليغ الفاصل بين الحق والباطل، والحكم بالصواب في الخصومات بين الناس، ومن ذلك سؤال المدَّعي البيِّنةَ والمنكِر اليمينَ.



    يُنظَر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 639)، و((تفسير ابن جرير)) (20/ 48، 52)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 161، 162)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 58، 59)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 488)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 229).



    آية كريمة وآثار عن السلف تتعلق بتفسير الآية:

    قال تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 251].

    وعن مجاهد في قوله: ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾، قال: "إصابة القضاء وفهمه"؛ رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 49).



    وعن ابن زيد في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ قال: "الخصومات التي يُخاصِم الناسُ إليه؛ فصلُ ذلك الخطاب: الكلامُ الفَهْم، وإصابةُ القضاء والبيِّنات"؛ رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 49).



    وعن قتادة في قوله: ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ قال: "البينة على الطالب، واليمين على المطلوب؛ هذا فصل الخطاب"؛ رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 51).



    وعن الشعبي في قوله: ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾ قال: "قول الرجل: أما بعد"؛ رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 51).



    ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ﴾:

    أي: وهل أتاك يا محمد نبأ الخصم وأمرهما العجيب مع داود، حين تسلَّق الخَصْمان جِدارَ المحراب - وهو مقدم البيت وأشرفه - ونزلا من الجدار حتى دخلا على داود وهو في مكان عبادته؟!



    يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 52، 53)، و((تفسير ابن عطية)) (4/ 497)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 165)، و((تفسير الخازن)) (4/ 35)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 60)، و((تفسير الألوسي)) (12/ 171)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711).



    قال البغوي: "إنما جمَعَ الفعلَ وهما اثنان؛ لأن الخَصْم اسمٌ يصلُح للواحد والاثنين، والجمع والمذكر والمؤنث، ومعنى الجمع في الاثنين موجود؛ لأن معنى الجَمْع ضمُّ شيء إلى شيء؛ هذا كما قال الله تعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: 4]"؛ ((تفسير البغوي)) (4/ 60).



    وقال ابن عطية: "تحتمل هذه الآية أن يكون المتسوِّر للمحراب اثنين فقط؛ لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين، فتجيء الضمائر في: ﴿ تَسَوَّرُوا ﴾ و﴿ دَخَلُوا ﴾ و﴿ قَالُوا ﴾ على جهة التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجمع، ويحتمل أنه جاء مع كلٍّ فرقة، كالعاضدة والمؤنسة، فيقع على جميعهم خصم، وتجيء الضمائر حقيقة"؛ ((تفسير ابن عطية)) (4/ 498).



    قال ابن كثير: "ذكر المفسِّرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبُت فيها عن المعصوم حديث يجب اتِّباعه، فالأولى أن يُقتصَر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يُردَّ علمُها إلى الله عز وجل؛ فإن القرآن حقٌّ، وما تضمَّن فهو حقٌّ أيضًا"؛ ((تفسير ابن كثير)) (7/ 60).

    قلت: وسنذكر لاحقًا أقوال أشهر المفسِّرين في هذه القصة، والله الموفِّق للصواب.



    ﴿ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾:

    أي: اذكر حين دخل الخَصْمان على داود بغتةً من غير باب المحراب بلا استئذان؛ فخاف منهما. قال الخصمان لداود حين رأياه فزع من دخولهما عليه: لا تخف، نحن خَصْمان، تعدَّى أحدُنا على الآخر وظلمه بغير حق، فاقض يا داود بيننا بالعدل، ولا تجُرْ في القضاء فتتجاوز الحدَّ بالميل مع أحدنا على صاحبه، وأرشدنا بحكمك العادل بيننا إلى قصد الطريق المستقيم، ولا تخالف بنا إلى غير الحق.



    يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 53 -56)، و((الوسيط)) للواحدي (3/ 547)، و((تفسير العليمي)) (6/ 15)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 233، 234).



    ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾:

    أي: قال أحد الخَصْمين لداود: إن هذا أخي له تسع وتسعون شاة أنثى من الضأن، ولي شاة واحدة، لا أملك غيرها، فقال لي أخي: أعطني شاتَكَ وضُمَّها إليَّ لأتملكها وتكمل عدد نعاجي مائة، وظلمني أخي في مخاطبته إيَّاي، وغلبني وقهرني حين رأى مني تمنُّعًا ليأخذ نعجتي من غير طيب نفسٍ مني!



    يُنظر: ((الفصل))؛ لابن حزم (4/ 14)، و((تفسير أبي حيان)) (9/ 149)، و((إعلام الموقعين))؛ لابن القيم (3/ 169)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 60)، و((تفسير النيسابوري)) (5/ 588)، و((تفسير ابن عجيبة)) (5/ 17)، و((تفسير القاسمي)) (8/ 247)، و((تفسير المراغي)) (23/ 109)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 235)، و((التفسير المنير))؛ للزحيلي (23/ 186).



    قال أبو حيان: "الظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضَّأْن، ولا يُكنَّى بها عن المرأة، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأن ذلك الإخبار كان صادرًا من الملائكة على سبيل التصوير للمسألة والفرض لها، من غير تلبُّس بشيء منها، فمثَّلُوا بقصة رجل له نعجة، ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمَّة المائة، فطمع في نعجة خليطه، وأراد انتزاعها منه، وحاجَّه في ذلك مُحاجَّة حريصٍ على بلوغ مراده"؛ ((تفسير أبي حيان)) (9/ 149).



    وقد ذهب أكثر المفسرين - ومنهم ابن جرير والواحدي والزمخشري والقرطبي والشوكاني - إلى أن المراد بالنعجة هنا المرأة، والمعنى: ولي امرأة واحدة، فقال لي أخي: انزل عنها لي وضُمَّها إليَّ حتى أكفُلَها، وأصيرُ بَعْلًا لها، وذكروا أن هذا مَثَلٌ ضربَه الخَصْم لداود؛ لأن داود - كما قيل - كان له تسع وتسعون امرأة، فرغب أن يتزوَّج امرأة رجل من قومه.



    يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 53، 59)، و((الوسيط)) للواحدي (3/ 547)، و((تفسير الزمخشري)) (4/ 83)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 174)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 489).



    وقال البغوي: "قال الحسين بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم؛ لأنه لم يكن هناك نِعاجٌ ولا بَغْيٌ، فهو كقولهم: ضرب زيدٌ عَمْرًا، أو اشترى بكرٌ دارًا، ولا ضَرْب هُنالك ولا شِراء"؛ ((تفسير البغوي)) (4/ 60).



    وقال ابن القيم: "تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى؛ وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال؛ أي: إذا كان كذلك فكيف الحُكْم بيننا؟ ونظير هذا قول الملك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: (مسكين وغريب وعابر سبيل، وقد تقطعت بي الحبال، ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري هذا)، وهذا ليس بتعريض؛ وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال، وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية، كما أوهم الملكان داودَ أنهما صاحبا القصة؛ ليتمَّ الامتحان"؛ ((إعلام الموقعين)) (3/ 169).



    فائدة: قال ابن عاشور: "ليس في قول الخَصْمين: ﴿ هَذَا أَخِي ﴾ ولا في فرضهما الخصومة التي هي غير واقعة ارتكاب الكذب؛ لأن هذا من الأخبار المخالفة للواقع التي لا يريد المخبِر بها أن يظُنَّ المخْبَر (بالفتح) وقوعَها إلَّا ريثما يحصُل الغرض من العِبْرة بها، ثم ينكشف له باطنُها فيعلم أنها لم تقع، وما يجري في خلالها من الأوصاف والنسب غير الواقعة؛ فإنما هو على سبيل الفرض والتقدير، وعلى نية المشابهة"؛ ((تفسير ابن عاشور)) (23/ 238).



    ﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾:

    أي: قال داود للخَصْم المتظلِّم من صاحبه: لقد ظلمك أخوك بسؤاله إيَّاكَ أن تُعطيَه نعجتَكَ الوحيدة ليضُمَّها إلى نِعاجه الكثيرة.



    وإن عادة أكثر الشركاء في الأموال أن يتعدَّى بعضُهم على بعض بالظلم، إلا الذين آمنوا بالله وعملوا الطاعات ولم يتجاوزوا أمر الله ونهيه، وقليل الصالحون الذين لا يظلمون أحدًا.



    وعلم داود بعد قضائه بين الخَصْمين أنما ابتليناه وامتحنَّاه ليتنبَّه، فطلب من ربِّه أن يغفرَ له ذنبه، وسقط ساجدًا، ورجع إلى الله تائبًا.



    يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 641)، و((تفسير ابن جرير)) (20/ 62 - 64)، و((تفسير السمعاني)) (4/ 436)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 179، 182، 183)، و((مجموع الفتاوى))؛ لابن تيمية (13/ 342)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 60)، و((تفسير النيسابوري)) (5/ 589)، و((تفسير الألوسي)) (12/ 174)، و((تفسير السعدي)) (ص: 711)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 235، 236).



    آية وأحاديث تتعلق بتفسير الآية:

    قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].

    وعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشَزَّنَ الناس للسجود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما هي توبةُ نبيٍّ؛ ولكني رأيتُكم تشزَّنْتُم للسجود))، فنزل فسجد وسجدوا؛ رواه أبو داود (1410)، وصحَّحه البيهقي في السنن الكبرى (3740)، وابن كثير في تفسيره (7/ 62)، وكذا صحَّحه الألباني.



    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص"، وقال: ((سجَدَها داودُ توبةً، ونسجُدُها شُكْرًا))، رواه النسائي (957)، وصحَّحه الألباني.



    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال في السجود في "ص": "ليست من عزائم السجود، وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجُدُ فيها"؛رواه أحمد (3387)، وصحَّحه الأرناؤوط.



    وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ قال: "اختبرناه"؛ رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 63).



    فائدة: قال ابن تيمية: "المراد هنا: السجود، بالسنة واتفاق العلماء، فالمراد: خرَّ ساجدًا، وسمَّاه ركوعًا؛ لأن كل ساجد راكع، لا سيَّما إذا كان قائمًا، وسجود التلاوة من قيام أفضل، ولعلَّ داود سجَدَ من قيام، وقيل: خرَّ راكعًا؛ ليُبيِّن أن سجوده كان من قيام، وهو أكمل، ولفظ ﴿ خَرَّ ﴾ يدل على أنه وصل إلى الأرض، فجمع له معنى السجود والركوع"؛ ((جامع الرسائل)) (1/ 36).



    وقال ابن عاشور: "قال ابن العربي: لا خلاف في أن الركوع ها هنا السجود، قلت: الخلاف موجود، والمعروف أنه ليس لبني إسرائيل سجود بالجبهة على الأرض، ويحتمل أن يكون السجود عبادة الأنبياء كشأن كثير من شرائع الإسلام كانت خاصة بالأنبياء"؛ ((تفسير ابن عاشور)) (23/ 240)، وينظر: ((أحكام القرآن))؛ لابن العربي (4/ 57)، و((الإجماع في التفسير))؛ للخضيري، (ص 379 -382).



    ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾:

    أي: فسترنا لداود ذلك الذنب، وعفونا عنه ولم نؤاخذه بخطيئته، وإن لداود عندنا قُرْبة منا ومنزلة عالية يوم القيامة، وحُسْن مرجع في الجنة يرجع إليه في الآخرة.



    يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 76)، و((تفسير ابن عطية)) (4/ 502)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 60، 62)، و((تفسير السعدي)) (ص: 712).



    حديث يتعلق بتفسير الآية:

    وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))؛ رواه مسلم (1827).



    أقوال المفسرين في ذنب داود عليه الصلاة والسلام:

    قال السعدي: "هذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرُّض له من باب التكلُّف، وإنما الفائدة ما قصَّه الله علينا من لطفه به، وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها"؛ ((تفسير السعدي)) (ص: 712).



    وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بالفتنة ما جرى لداود من رغبته في تزوُّج امرأة رجل من قوادِه، وذكروا قصة طويلة لا تصحُّ؛ يُنظَر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/ 639، 640)، و((تفسير ابن جرير)) (20/ 71، 74، 75)، و((الوسيط))؛ للواحدي (3/ 547، 548)، و((تفسير ابن عطية)) (4/ 498، 499)، و((زاد المسير))؛ لابن الجوزي (3/ 564 -566).



    وقد أبطل تلك القصة كثيرٌ من المحقِّقين؛ كابن حزم، والقاضي عياض، وابن كثير، والشنقيطي، ومحمد أبو شهبة، والألباني؛ يُنظر: ((الفصل))؛ لابن حزم (4/ 14)، ((الشفا))؛ للقاضي عياض (2/ 371 -373)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 60)، و((أضواء البيان))؛ للشنقيطي (6/ 339)، و((الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير))؛ لمحمد أبو شهبة (ص: 268 -270)، و((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة))؛ للألباني (1/ 484، 485).



    وذهب بعض المفسرين - كالنحاس، والبغوي، والبيضاوي، وابن القيم، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور - إلى صحَّة أصل القصة بما لا يتنافى مع مقام نبوة داود عليه الصلاة والسلام، وإليك أقوالهم:

    قال أبو جعفر النحاس: "قد جاءت أخبار وقصص في أمر داود صلى الله عليه وسلم وأوريا وأكثرُها لا يصحُّ، ولا يتَّصِل إسنادُه، ولا ينبغي أن يجترَّأ على مثلها إلا بعد المعرفة بصحَّتها، وأصحُّ ما رُوي في ذلك ما رواه مسروق، عن عبدالله بن مسعود، قال: "ما زاد داود صلى الله عليه وسلم على أن قال: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾؛ أي: انزل لي عنها"، وروى المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "ما زاد داود على أن قال: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾؛ أي: تحوَّل لي عنها وضُمَّها إليَّ"، قال أبو جعفر: فهذا أجل ما روي في هذا، والمعنى عليه: أن داود عليه السلام سأل "أُوريَّا" أن يُطلِّق له امرأته كما يسأل الرجل الرجلَ أن يبيعه جاريته، فنبَّهَه الله جل وعز على ذلك وعاتبَه لمَّا كان نبيًّا، وكان له تسع وتسعون، أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا وبالتزيُّد منها، فأمَّا غير هذا فلا ينبغي الاجتراء عليه"؛ ((معاني القرآن)) (6/ 98 - 101).



    وقال البغوي: "قال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه تمنَّى أن تكون امرأة "أُوريَّا" حلالًا له، فاتَّفق غزو "أُوريَّا" وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوَّج امرأته، فعاتبه الله على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغُرت، فهي عظيمة عند الله"؛ ((تفسير البغوي)) (4/ 61).



    وقال البيضاوي: "﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ ابتليناه بالذنب، أو امتحنَّاه بتلك الحكومة، هل يتنبَّه بها؟ وأقصى ما في هذه القضية الإشعار بأنه عليه الصلاة والسلام ودَّ أن يكون له ما لغيره، وكان له أمثاله، فنبَّهَه اللهُ بهذه القصة، فاستغفر وأناب عنه، وما رُوي أن بصره وقع على امرأة فعشقها، وسعى حتى تزوَّجها وولدت منه سليمان، إن صحَّ فلعلَّه خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته، وكان ذلك معتادًا فيما بينهم، وقد واسى الأنصارُ المهاجرين بهذا المعنى، وما قيل: إنه أرسل "أُوريَّا" إلى الجهاد مرارًا، وأمر أن يُقدَّم حتى قُتِل فتزوَّجها، هزء وافتراء"؛ ((تفسير البيضاوي)) (5/ 27)، ويُنظَر: ((معاني القرآن))؛ للزجاج (4/ 328)، و((تفسير الزمخشري)) (4/ 80، 81).



    وقال ابن القيم: "نكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواءً شرعًا، وقد تداوى به داود عليه السلام، ولم يرتكب نبيُّ الله مُحرَّمًا؛ وإنما تزوَّج المرأة وضَمَّها إلى نسائه لمحبَّته لها، وكانت توبتُه بحسب منزلته عند الله وعلوِّ مرتبته، ولا يليق بنا المزيد على هذا"؛ ((الجواب الكافي))؛ لابن القيم، (ص: 237)، ويُنظَر: ((تفسير القاسمي)) (8/ 251).



    وقال الشوكاني: "الظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضًا لداود عليه السلام أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها، ويضُمُّها إلى نسائه، ولا يُنافي هذا العِصْمة الكائنة للأنبياء، فقد نبَّهَه الله على ذلك، وعرض له بإرسال ملائكته إليه ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه ويتوب منه؛ فاستغفر وتاب"؛ ((تفسير الشوكاني)) (4/ 490).



    وقال الألوسي: "عندي أن ترك الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكاد يقبله المنصِفُ، نعم لا يُقبَل منها ما فيه إخلال بمنصب النبوَّة، ولا يقبل تأويلًا يندفع معه ذلك، ولا بد من القول بأنه لم يكن منه عليه السلام إلَّا ترك ما هو الأولى"؛ ((تفسير الألوسي)) (12/ 178).



    وقال ابن عاشور: "قد حُكِيت هذه القصة في سِفْر صمويل الثاني في الإصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن، وعلى خلاف ما تقتضيه العِصْمة لنبوَّة داود عليه السلام فاحذروه، والذي في القرآن هو الحق، والمنتظم مع المعتاد، وهو المهيمن عليه، ولو حُكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه، والجزم بوضْعِه؛ لمعارضته المقطوع به من عِصْمة الأنبياء ... أي: علم داود بعد انتهاء الخصومة أن الله جعلها له فتنة ليُشعِره بحال فعلته مع "أُوريَّا"، وقد أشعره بذلك ما دلَّه عليه انصراف الخَصْمين بصورة غير معتادة، فعلم أنهما ملكان، وأن الخصومة صورية؛ فعلم أن الله بعثهما إليه عتبًا له على متابعة نفسه زوجة "أُوريَّا"، وطلبه التنازُل عنها، وعبَّر عن علمه ذلك بالظن؛ لأنه علم نظري، اكتسبه بالتوسم في حال الحادثة، وكثيرًا ما يُعبَّر عن العلم النظري بالظَّنِّ لمشابهته الظن من حيث إنه لا يخلو من تردُّد في أول النظر"؛ ((تفسير ابن عاشور)) (23/ 239).



    وذهب بعض المفسرين - كأبي حيان والمراغي وطنطاوي ووهبة الزحيلي - إلى أن ذنب داود هو سوء ظنه بالخَصْمين؛ حيث ظن أنهما أتيا لاغتياله، فلما تبيَّنَ له أنهما جاءا في خصومة استغفر ربَّه من سوء ظنِّه بهما؛ يُنظَر: ((تفسير أبي حيان)) (9/ 151)، و((تفسير المراغي)) (23/ 109، 110)، و((الوسيط))؛ لطنطاوي (12/ 148)، و((التفسير المنير))؛ للزحيلي (23/ 186).



    وذهب بعض المفسرين إلى أن ذنب داود أنه حكم بين الخَصْمين بعد سماعه من أحدهما بلا بيِّنة، ولم يسمع من الخَصْم الآخر؛ ليعرف إقراره أو إنكاره، وهذا القول شاذٌّ كما قال مكي بن أبي طالب، ومع هذا رجَّحه بعض المفسرين؛ كأبي بكر الجزائري؛ يُنظَر: ((الهداية))؛ لمكي بن أبي طالب (10/ 6233)، و((أيسر التفاسير))؛ للجزائري (4/ 444).



    وذهب ابن عثيمين إلى أن ذنب داود عليه السلام أنه اشتغل بالعبادة الخاصة عن الحكم بين الناس، فأغلق الباب دونهم، وأيضًا حكم للخَصْم دون أن يسمَع حجَّة خَصْمه، وتعجَّل بالحكم قبل سؤال الخَصْم من أجل أن يرجع إلى عبادته، فعلم عليه الصلاة والسلام أن الله اختبره بهذا فخرَّ راكعًا، وأناب تائبًا إلى الله عز وجل؛ هذا النقل موجود في موقع الشيخ ابن عثيمين في الإنترنت.



    ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾: أي: يا داود، إنا استخلفناك في أرض الشام بعد من كان قبلك من الأنبياء والصالحين لتأمُرَ بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتُدبِّر أمور أهلها الدينية والدنيوية بأمرنا، فاحكم بين الناس بالعَدْل الذي شرعته، ولا تتبع هوى نفسك المخالف لأمر الله في القضاء بين الناس وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، فيضلك الهوى عن دين الله، فتترك الحق والعمل بالعدل، إن الذين يميلون عن العمل بدين الله لهم في النار عذاب شديد بسبب ضلالهم في الدنيا عن العمل بالحق والقضاء بالعدل، وبسبب نسيانهم يوم القيامة وتركهم الإيمان به والاستعداد له بالأعمال الصالحة.



    يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 77)، و((تفسير السمرقندي)) (3/ 165)، و((الهداية))؛ لمكي بن أبي طالب (10/ 6237)، و((تفسير البغوي)) (4/ 66)، و((تفسير القرطبي)) (15/ 188، 189)، و((تفسير ابن كثير)) (7/ 62، 63)، و((تفسير أبي السعود)) (7/ 223)، و((تفسير الشوكاني)) (4/ 493)، و((تفسير السعدي)) (ص: 712)، و((تفسير ابن عاشور)) (23/ 242، 244).



    تنبيه: قال ابن عطية: "لا يُقال: خليفة الله إلا لرسوله، وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، وما يجيء في الشعر من تسمية أحدهم خليفة الله، فذلك تجوُّز وغلوٌّ"؛ ((تفسير ابن عطية)) (4/ 502).



    وقال ابن تيمية: "سُمِّي الخليفة خليفة؛ لأنه يخلف من قبله، والله تعالى جعله يخلفه، كما جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، ليس المراد أنه خليفة عن الله، كما ظنَّه بعض الناس"؛ ((منهاج السنة النبوية))؛ لابن تيمية (5/ 525).



    فائدة: قال الشنقيطي: "معلوم أن نبي الله داود لا يحكم بغير الحق، ولا يتَّبِع الهوى فيضله عن سبيل الله؛ ولكن الله تعالى يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم ليشرع لأممهم"؛ ((أضواء البيان)) (6/ 340).



    فائدة أخرى: لا يتمكن الإنسان من إقامة العدل إلا بالعلم بالواجب، والعلم بالواقع، والقدرة على تنفيذ الحق؛ يُنظَر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712).



    من فوائد الآيات وهداياتها:

    ذكر السعدي في تفسيره بعض الفوائد والحكم في قصة داود، فقال:

    "منها: أن الله تعالى يقصُّ على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار مَنْ قبلَه؛ ليُثبِّت فؤادَه وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدَّة صبرهم وإنابتهم، ما يُشوِّقه إلى منافستهم، والتقرُّب إلى الله الذي تقرَّبوا له، والصبر على أذى قومه؛ ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلَّى به.



    ومنها: أن الله تعالى يمدح ويحبُّ القوَّة في طاعته؛ قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوَّة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلَّة بالقوى المضعفة للنفس.



    ومنها: أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور من أوصاف أنبياء الله وخواصِّ خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك، فليقتدِ بهما المقتدون، وليهتدِ بهُداهم السالكون ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].



    ومنها: ما أكرم الله به نبيَّه داودَ عليه السلام، من حسن الصوت العظيم الذي جعل الله بسببه الجبال الصُّمَّ، والطيور البُهْم، يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويُسبِّحْنَ معه بالعشيِّ والإشراق.



    ومنها: أن من أكبر نِعَم الله على عبده أن يرزقه العلمَ النافعَ، ويعرف الحُكْمَ والفَصْلَ بين الناس، كما امتنَّ الله به على عبده داود عليه السلام.



    ومنها: اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخَلَل بفتنته إيَّاهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذورُ، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام.



    ومنها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يُبلِّغُون عن الله تعالى؛ لأن مقصود الرسالة لا يحصُل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي؛ ولكن الله يتداركهم ويُبادرهم بلُطْفه.



    ومنها: أن داود عليه السلام، كان في أغلب أحواله ملازمًا محرابَه لخدمة ربِّه؛ ولهذا تسوَّر الخَصْمان عليه المحراب؛ لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحدٌ، فلم يجعل كلَّ وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام؛ بل جعل له وقتًا يخلُو فيه بربِّه، وتقرُّ عينُه بعبادته، وتُعينه على الإخلاص في جميع أموره.



    ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكَّام وغيرهم، فإن الخَصْمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، فزع منهم واشتدَّ عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال.



    ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سُوءُ أدبِ الخَصْم وفعله ما لا ينبغي.

    ومنها: كمال حلم داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملك، ولا انتهرهما، ولا وبَّخَهُما.



    ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه: أنت ظلمتني أو يا ظالم ونحو ذلك أو باغ عليَّ لقولهما: ﴿ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ ﴾ [ص: 22].



    ومنها: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئزُّ؛ بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخَصْمين نصَحا داودَ فلم يشمئزَّ ولم يغضب، ولم يُثْنِه ذلك عن الحق؛ بل حكم بالحق الصرف.



    ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلُّقات الدنيوية المالية، مُوجِبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يردُّ عن ذلك إلا استعمال تقوى الله، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس.



    ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصًا الصلاة، من مكفِّرات الذنوب، فإن الله رتَّب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده.



    ومنها: إكرام الله لعبده داود وسليمان بالقرب منه، وحسن الثواب، وألَّا يُظنَّ أن ما جرى لهما منقصٌ لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار.



    ومنها: أن الحكم بين الناس مرتبة دينية، تولَّاها رُسُل الله وخواصُّ خَلْقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه.



    ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بالٍ، فإن النفوس لا تخلُو منه؛ بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يُلقي عنه وقت الحكم كلَّ محبَّة أو بُغْض لأحد الخَصْمين"؛ ((تفسير السعدي))، (ص: 713).



    وذكر أبو بكر الجزائري في تفسيره بعض هدايات الآيات، فقال: "من هداية الآيات:

    1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر على أذى قريش وتكذيبها وعنادها.

    2- بيان استهزاء المشركين واستخفافهم بأخبار الله تعالى وشرائعه.

    3- مشروعية الأسوة والاقتداء بالصالحين.

    4- بيان آية تسخير الله تعالى الجبالَ والطيرَ لداود تُسبِّح اللهَ تعالى معه.

    5- حُسْن صوت داود في قراءته وتسبيحه.



    6- مشروعية صلاة الإشراق والضُّحَى، [قلت: صلاة الإشراق: هي صلاة الضُّحَى في أول وقت الضُّحَى].

    7- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر.

    8- تقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ مثل هذا القصص لا يتأتَّى له قصُّه إلا بوحي إلهي.

    9- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة بني آدم.



    10- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخَصْمين معًا؛ إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام، [قلت: هذا أحد الأقوال كما سبق بيانه].



    11- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب.

    12- مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية ﴿ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ﴾ [ص: 24].

    13- وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم، ولا عدل في غير الشرع الإلهي.

    14- حرمة اتِّباع الهوى لما يفضي إليه بالعبد إلى الهلاك والخسار.

    15- تقرير البعث والجزاء"؛ ((أيسر التفاسير)) للجزائري (4/ 441 - 447).



    ومن هدايات الآيات أيضًا ما يلي:

    1- في أمر الله لرسوله أن يذكر قصة داود: الحث على ذكر القصص، وبيان أهميتها في الدعوة كما قال تعالى: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176].



    2- في وصف الله داود بقوله: ﴿ عَبْدَنَا ﴾ بيان شرف العبودية، وأنها من أعظم ما يُمدح به الإنسان.

    3- في الآيات: أن الأنبياء عبادٌ لله، فلا يجوز عبادتهم بأي نوع من أنواع العبادة كالدعاء.



    4- فيها: ثناء الله لداود بأنه كثير الرجوع إلى الله، فالله يحب التوَّابين الذين يُكثِرون التوبة والرجوع إليه بالدعاء والاستسلام لحكمه في كل نازلة، وبعد كل زلَّة.



    5- في تسخير الجبال والطير يُسبِّحْنَ مع داود بيان أن كل شيء يُسبِّح الله حقيقة؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: 44].



    6- في ذكر الله للتسبيح في أول النهار وآخره بيان لفضل التسبيح في هذين الوقتين، وبيان لفضل صلاة الفجر وصلاة العصر، وقد خصَّهما الله في آيات كثيرة كقوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ [طه: 130]، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ صلَّى البردين دخل الجنة))، والبردان: هما صلاة الفجر، والعصر.



    7- فيها: بيان أن الملك لله يُؤتيه من يشاء، وينزِعُه ممَّن يشاء، ويشده لمن يشاء بما شاء.



    8- فيها: أن من أعظم ما يُؤتيه الله لعبده الحكمة، وهي العلم النافع، والتوفيق للعمل الصواب في كل حال؛ كما قال تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269].



    9- فيها: أن البيان والفصاحة والبلاغة من نِعَم الله على عبده، وأنه ينبغي لطالب العلم تعلُّمها، فقد أثنى الله على داود بأنه آتاه فَصْلَ الخِطاب، وقد ذكر المفسِّرون أن من معانيها: بيان الكلام.



    10- فيها: فضل الحكم بين الناس بالصواب، وأن طلب الحاكم من المتخاصمَينِ البيِّنة والشهود من الفضائل، كما هو أحد الأقوال في تفسير ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾.



    11- فيها: أن من طرق التعليم السؤال، فقد بدأ الله ذكر قصة داود مع الخَصْم بالسؤال فقال: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ﴾ [ص: 21]، وقد ورد في أحاديث كثيرة استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الطريقة في تعليم أصحابه اتِّباعًا لطريقة القرآن؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرُون ما الغيبة؟))، ((أتدرون من المفلس؟))، ((يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟)).



    12- يؤخذ من دخول الخَصْمين على داود بالتسوُّر على الجِدار لكون داود مُغلقًا عليه باب المحراب للعبادة: الاحتيال للوصول إلى أهل العلم لسؤالهم إن تعسَّر لِقاؤهم.



    13- يُؤخَذ من ذلك أيضًا أن الضرورات تُبيح المحظورات، فلو كان داود عليه السلام لم يجعل وقتًا للحكم بين الناس انشغالًا بالعبادة كما قيل في القصة فهما مضطرَّان للدخول عليه من غير الباب، فقد كانا بحاجة مُلحَّة للسؤال والقضاء بينهما بالحق، وهذا على القول بأنهما كانا خَصْمين من الإنس، وأن الخصومة بينهما كانت حقيقيةً.



    14- فيها أنه ينبغي للعبد أن يجعل له وقتًا يخلُو فيه بنفسه لعبادة ربِّه، وتلاوة كتابه، حتى ولو كان من أعلم الناس أو كان من الملوك والأكابر، وحتى لو كان من أكثر الناس انشغالًا، فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يحافظ على الاعتكاف كل عام مع كثرة أشغاله.



    15- فيها أن الخوف الطبيعي جائزٌ، وأنه يقع من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.

    16- فيها: مشروعية نصح المفضول للفاضل، وأن على الفاضل أن يسمَع النصيحة ممَّن هو دونه، وأن يتقبَّلها منه، وإن لم يكن فيه ما ينهاه عنه.



    17- فيها: أن القاضي إذا حكم بين الناس بالعَدْل، فإنه يهديهم إلى الصواب، ويحصل بحكمه العادل خيرٌ كثيرٌ للمتخاصمين في دينهم ودُنياهم.



    18- فيها: أنه لا ينفع الإيمان بلا عمل صالح، وقد قرَنَ الله ورسوله بينهما في آيات وأحاديث كثيرة، وقال بعض السلف: ليس الإيمان بالتمنِّي ولا بالتحلِّي؛ ولكن ما وقَرَ في القلب وصدَّقَه العمل.



    19- فيها: فضل سرعة فهم الأمثال، وتنزيلها على النفس والواقع؛ فقد مدح الله داود بأنه فهم أنه هو المراد من تلك القصة التي أُريد بها المثال؛ قال تعالى: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ [ص: 24]، وهذا على القول بأن الخَصْمين ملَكانِ، وأنه لم تقع بينهما خصومة حقيقية، وأن المقصود بها ضرب المثال لداود عليه السلام.



    20- فيها: فضل الاستغفار، وأنه لا يستغني عنه أحد حتى الأنبياء، وقد كان نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم يُكثِر من الاستغفار، وحثَّ عليه في أحاديث كثيرة.



    21- فيها: فضل السجود، وفضل الصلاة بعد الذنوب، وأنها من أسباب المغفرة.

    22- فيها: سَعة رحمة الله، وقبوله التوبة عن عباده.

    23- فيها: سَعة فضل الله على عبده، فهو الذي هداه في الدنيا ووفَّقَه، ثم أعطاه في الآخرة وقرَّبه.

    24- فيها: أن على مَنْ مكَّنَ اللهُ له في الأرض أن يحكُم بين الناس بالعَدْل الذي شرعه الله، ولا يتَّبِع هواه فيضل عن سبيل الله.



    25- في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [ص: 26] بيان أن سبيل الله واحد لا يتعدَّد، كما قال سبحانه تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]

    شبكة الالوكة
    محمد بن علي بن جميل المطري


  10. (11)الستير

    من أعظم نِعَم الله تعالى عليك: أن يشملك بستره، فالله سبحانه وتعالى سِتيرٌ يحبُّ السَّتر والصَّون، فيستر على عباده الكثير من الذنوب والعيوب، ويكره القبائح والفضائح والمجاهرة بها.. الستير سبحانه هو الذي يحب الستر ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات ويبغض الفضائح، يستر العيوب على عباده وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عَظُمَت طالما أن عبده من الموحدين، وإذا ستر الله عبدًا في الدنيا ستره يوم القيامة.

    المعنى اللغوي للاسم:
    الستير في اللغة على وزن فعِيل من صيغ المبالغة، فعله ستر الشيء يَسْتُرُه سَترًا: أَخفاه، والستير: هو الذي من شأْنه حب الستر والصَّوْن والحياء، والسُّتْرةُ: ما يُستَر به كائنًا ما كان، وكذا السِّتَارة والجمع السَّتَائِرُ، وسَتَر الشيء غطاه، وتَسَتَّر، أي: تغطى، ورجلُ مستور وسَتِيرٌ، أي: عَفيف، والجارية: سَتِيرة. ورود الاسم في السُّنَّة النبوية: لم يرد الاسم في القرآن الكريم، لكنه ورد في الحديث عن عطاء عن يعلى: "أن رسول الله رأى رجلاً يغتسل بالبراز (أي: بالخلاء) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل حَلِيمٌ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» (رواه النسائي وصححه الألباني، صحيح الجامع:1756).

    معنى الستيـر في حق الله تعالى:
    يقول ابن الأثير: "ستيــر: فعيل بمعنى فاعل، أي: من شأنه وإرادته حبُّ السَّتر والصون". ويقول البيهقي: "ستيــر: يعني أنه ساتِرٌ يستر على عباده كثيرًا، ولا يفضحهم في المشاهد. كذلك يحبُّ من عباده السَّتر على أنفسهم، واجتناب ما يَشينهم، والله أعلم"، قال المناوي: "ستيــر، أي: تاركٌ لحب القبائح، ساتر للعيوب والفضائح".

    قال ابن القيم (القصيدة النونية:189):   
    وهو الحَيِيُّ فَلَيسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ *** عندَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بالعِصْيَانِ لَكِنَّهُ يُلْقِي عَلَيْهِ سِتْرَهُ *** فَهْوَ السَّتِيرُ وصَاحِبُ الغُفْرَانِ


    آثــار الإيمان باسم الله تعالى الستيــر:
    قال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان من الأية:20]. قال مقاتل: "أن الظاهرة الإسلام، والباطنة ما ستره الله من المعاصي" (تفسير الماوردي). فمن أعظم نِعَم الله تعالى عليك: أن يشملك بستره، فالله سبحانه وتعالى سِتيرٌ يحبُّ السَّتر والصَّون، فيستر على عباده الكثير من الذنوب والعيوب، ويكره القبائح والفضائح والمجاهرة بها، وقد أمر تبارك وتعالى بالسَّتر، وكره المفاخرة بالمعصية، أو مجرد محبة ذكرها وشياعها بين المؤمنين، يقول الله جلَّ وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19].   وأخبر الرسول بأن المُجاهر بالمعاصي لا يُعافى منها، فقال: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» (متفق عليه). قال الكرماني: "ومُحَصَّل الكلام: أن كلُّ واحدٍ من الأمة يُعفى من ذنبه، ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المُعْلِن".

    الفرق بين الستر والغفران:
    قال أبو البقاء الكفوي: "الغفران: يقتضي إسقاط العقاب ونيل الثواب ولا يستحقه إلا المؤمن ولا يستعمل إلا من الباري تعالى"، لذلك يقول تعالى {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران من الأية:135]، "والغفران في الآخرة فقط، والستر: أخص من الغفران، إذ يجوز أن يستر ولا يغفر" (كتاب الكليات: [1/1058]).

    حظ المؤمن من اسم الله تعالى الستيـــر:
    كيف تفوز بستر الله تعالى عليك؟ إليـــك بعض أسبــاب الفوز بستر الله تعالى عليك:
    1) الإخلاص واجتناب الريـــاء: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (متفق عليه). 
     2) عدم المجاهرة بالذنب والستر على نفسه: فلو ستر نفسه، لكان في محل ستر الله تبارك وتعالى له، فليس عندنا كرسي اعتراف ولا صناديق غفران، فمن اقترف ذنبًا وهتك سترًا فليبادر بالتوبة من قريب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه. عَنْ مَيْمُوْنٍ قَالَ: "مَنْ أَسَاءَ سِرّاً، فَلْيَتُبْ سِرّاً، وَمَنْ أَسَاءَ عَلاَنِيَةً، فَلْيَتُبْ عَلاَنِيَةً، فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُوْنَ وَلاَ يَغْفِرُوْنَ، وَالله يَغْفِرُ وَلاَ يُعَيِّرُ" (سير أعلام النبلاء: [9/81])، وعن العلاء بن بذر قال: "لا يعذب الله قومًا يسترون الذنوب"، وعن عثمان بن أبي سودة قال: "لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر الله. قيل: وكيف يهتك ستر الله؟ قال: يعمل الرجل الذنب فيستره الله عليه فيذيعه في الناس". قالَ ابن بَطّال: "فِي الجَهر بِالمَعصِيَةِ استِخفاف بِحَقِّ الله ورَسُوله وبِصالِحِي المُؤمِنِينَ، وفِيهِ ضَرب مِنَ العِناد لَهُم، وفِي السِّتر بِها السَّلامَة مِنَ الاستِخفاف، لأَنَّ المَعاصِي تُذِلّ أَهلها، ومِن إِقامَة الحَدّ عَلَيهِ إِن كانَ فِيهِ حَدّ ومَن التَّعزِير إِن لَم يُوجِب حَدًّا، وإِذا تَمَحَّضَ حَقّ الله فَهُو أَكرَم الأَكرَمِينَ ورَحمَته سَبَقَت غَضَبه، فَلِذَلِكَ إِذا سَتَرَهُ فِي الدُّنيا لَم يَفضَحهُ فِي الآخِرَة ، والَّذِي يُجاهِر يَفُوتهُ جَمِيع ذَلِكَ" (فتح الباري: [10/487]). فإذا وقع العبد في معصية ثمَّ تاب منها دون أن يجهَر بها، ستره الله في الدنيا والآخرة.. عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟، فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ .. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ، الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود من الأية:18]» (متفق عليه).
    3) الاستغفار والإكثـــار من العبادات: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَوْ قَالَ حَدَّكَ» (متفق عليه)، فالأصل أن تستر على نفسك إذا وقعت في ذنبٍ ما، وعليك أن تُكْثِر من الصلاة ومن العبادات والاستغفار وتُجدد توبتك.
    4) أن تستر على أخيـــك المسلم: فإن الجزاء من جنس العمل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح مسلم). عن علام بن مسقين قال: "سأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، رجل عَلِمَ من رجل شيئًا، أيفشي عليه؟، قال: يا سبحان الله! لا". ومن الستر: تغطية المسلم لعيوب أخيه، قال رسول الله: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح البخاري)، يقول ابن حجر: "قَوله: «ومَن سَتَرَ مُسلِمًا»؛ أَي رَآهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَم يُظهِرهُ أَي لِلنّاسِ، ولَيسَ فِي هَذا ما يَقتَضِي تَرك الإِنكار عَلَيهِ فِيما بَينَهُ وبَينَهُ. ويحمل الأَمرُ فِي جَوازِ الشَّهادَةِ عَلَيهِ بِذَلِكَ عَلَى ما إِذا أَنكَرَ عَلَيهِ ونَصَحَهُ فَلَم يَنتَهِ عَن قَبِيحِ فِعلِهُ ثُمَّ جاهَرَ بِهِ.    كَما أَنَّهُ مَأمُورٌ بِأَن يَستَتِرَ إِذا وقَعَ مِنهُ شَيء، فَلَو تَوجَّهَ إِلَى الحاكِمِ وأَقَرَّ لَم يَمتَنِع ذَلِكَ والَّذِي يَظهَرُ أَنَّ السَّترَ مَحَلّه فِي مَعصِيَةٍ قَد انقَضَت، والإِنكارَ فِي مَعصِيَةٍ قَد حَصَلَ التَّلَبُّس بِها فَيَجِبُ الإِنكارُ عَلَيهِ وإِلاَّ رَفَعَهُ إِلَى الحاكِمِ، ولَيسَ مِنَ الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ بَل مِنَ النَّصِيحَةِ الواجِبَةِ، وفِيهِ إِشارَةٌ إِلَى تَركِ الغِيبَةِ لأَنَّ مَن أَظهَرَ مَساوِئَ أَخِيهِ لَم يَستُرهُ" (فتح الباري: [97/5]). واعلم أنَّ النَّاس على ضربين: أحدهما: من كان مستوراً لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ ، فإنَّه لا يجوزُ كشفها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمة، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور:19]، والمراد: إشاعةُ الفَاحِشَةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإفك.   والثاني: من كان مشتهراً بالمعاصي، معلناً بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره؛ لِتُقامَ عليه الحدودُ، ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتّى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه، قال مالك: "من لم يُعْرَفْ منه أذى للناس، وإنَّما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أنْ يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أنْ يشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ" (جامع العلوم والحكم: [38/11-12]، بتصرف). ومن الستر على المسلم: أن لا تنعت المرأة امرأة أخرى لزوجها، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (متفق عليه)، وهذا للأسف ينتشر بين المسلمات حتى المتدينات منهن، وينبغي أن لا تصف المرأة امرأة أخرى لزوجها.
    5) عدم تتبع عورات المسلمين: عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» (رواه أبو داوود وقال الألباني: حسن صحيح 4880)، وعن ابن عباس عن النبي قال: «من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني: 2546).
    6) الصدقـــة: فالصدقة من أسباب الستر وأن يحجبك الله تعالى عن النار، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ» (صحيح مسلم).
    7) ستر المسلم عند تغسيله: قال رسول الله: «من غسل ميتًا فستره، ستره الله من الذنوب. ومن كفنه، كساه الله من السندس» (رواه الطبراني وحسنه الألباني، صحيح الجامع: 6403).
    😎 عدم إفشــاء أسرار الزوجين: قال رسول الله: «هل منكم رجل إذ أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله»، قالوا: نعم، قال: «ثم يجلس بعد ذلك فيقول فعلت كذا فعلت كذا»، فسكتوا، ثم أقبل على النساء فقال،«هل منكن من تحدث؟»، فسكتن، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت لرسول الله ليراها ويسمع كلامها فقالت: يا رسول الله، إنهم ليحدثون وإنهن ليحدثن، فقال: «هل تدرون ما مثل ذلك؟، إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة فقضى حاجته والناس ينظرون إليه، ألا إن طيب الرجال ما ظهر ريحه ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يظهر ريحه» (رواه أبو داوود وصححه الألباني، صحيح الجامع: 7037)
    9) كظم الغيظ والغضب: قال رسول الله: «ومن كف غضبه ستر الله عورته» (رواه ابن أبي الدنيا وحسنه الألباني، صحيح الجامع: 176).
    10) الدعـــاء: عن ابن عمر قال: لم يكن رسول الله يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» (رواه أبو داوود وصححه الألباني: 5074)
    . 11) حُسن الظن بالله: فمن جملة الخير أن يُحسن العبد ظنه بربِّه ويُحسن الظن بأنه سيستره في الدنيا والآخرة، فالله جلَّ في علاه هو الستيـــر يحب الستر على عباده ويسترهم في الدنيا والآخرة، يقول الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي إن خيرا فخير وإن شرا فشر» (صحيح الجامع: 1905).
    12) الإحســان إلى البنــات: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ»" (متفق عليه).
    13) تأدية حق الله في المال: فإذا أديت حق الله في مالك، سترك الله، أما إذا لم تؤد حق الله في مالك، نالتك العقوبة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ؛ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ .. فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ..» (رواه مسلم).
    14) عدم التسميع بالفواحش: فلا يجوز إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، عن شبيل بن عوف قال: "كان يقال: مَنْ سمَّع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذى أبداها" (صحيح الأدب المفرد: 325)، فالذي ينشر أخبار المعاصي ويُفشيها، سينال وزر كل من يقع فيها بسببه حتى وإن لم يقع هو في تلك المعصية. 15) حجـــاب المرأة: عن أبي المليح قال: "دخل نسوة من أهل الشام على عائشة ، فقالت: ممن أنتن؟، قلن: من أهل الشام، قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمامات، قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله يقول": «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى» (رواه أبو داوود وصححه الألباني: 4010)، فالتي تخلع ثيابها في غير بيت أهلها، تهتك الستر الذي أسدله الله تعالى عليها.
    16) اجتنـــاب الذنوب والمعاصي: عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» (متفق عليه)، فإذا ظلم العبد نفسه باقتراف الذنوب والمعاصي وتعدى الحدود، فإن الله تعالى يؤاخذه بذنبه ويرفع ستره عنه، أما أن لم يقترف تلك الذنوب، كان في رحمة الله تعالى وسَتَرَهُ الله جلَّ وعلا.
    17) الاستتــار وعدم التعري: عن جابر أن النبي قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار» (رواه الترمذي وصححه الألباني، مشكاة المصابيح: 4477)، والحمامات المقصود بها كحمامات البخار وصالات الألعاب الرياضية في عصرنا، فالأصل أن يستتر.
    18) غض البصر: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (صحيح مسلم).

    . هذه بعض أسباب الفوز بستر الله جلَّ وعلا عليك، ومن يشمله بستره، فقد فاز بمحبة الله عزَّ وجلَّ.. سترنا الله وإياكم في الدنيــا والآخرة،، 

     

  11. المال في فلسفته هو قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري :

    مع الآية الواحدة والستين بعد المئتين من سورة البقرة، وهي قوله تعالى:
    ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

     بعد الإيمان لا شيء يعلو على الإنفاق، آمنت بالله فلا بد من التقرُّب إليه، ولا بد من دفع ثمن جنَّته، تتقرب إليه بالإنفاق، وتدفع ثمن جنةٍ عرضها السماوات والأرض بالإنفاق، والإنفاق بالمعنى الواسع إنفاق كل شيءٍ تملكه؛ إنفاق علمٍ، وإنفاقُ خبرةٍ، وإنفاق مالٍ، وإنفاق وقتٍ، وإنفاق جهدٍ، وإنفاق وجاهةٍ..

    ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

    لكن الإنفاق إذا أُطلق انصرف في الأعم الأغلب إلى إنفاق المال، والمال قيمةٌ مطلقة، كيف؟
    إنسان درس الطب ثلاثةً وثلاثين عاماً، امتلك خبرةً في معالجة المرضى، يأتيه مريض يعالجه فيأخذ منه ألف ليرة، هذه الألف ليرة قيمة علمٍ دامت ثلاثةً وثلاثين عاماً، إنسان نقل بضاعة من مكان إلى مكان، أخذ ألف ليرة، هذه الألف الثانية أجرة نقل بضاعة، إنسان أصلح آلة أخذ ألفا ليرة مثلاً، إنسان علَّم درس رياضيات أخذ ألف ليرة، فهذا الأخير قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري، إذاً المال في فلسفته: قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري.


    الله سبحانه وتعالى خلقنا كي نربح عليه :

    إنسان عنده بضاعة لها ثمن، إنسان عنده مواد زراعية لها ثمن، إنسان عنده خبرات لها ثمن، إنسان عنده خدمات لها ثمن، فأنت حينما تأخذ أجراً على عملك هذا الأجر يساوي جهدك، مثلاً: نقلُ سيارة رمل من مكان إلى مكان يكلِّف ألف ليرة، فهذه الألف ليرة هي قيمة جهد بشري، فهي قيمةٌ مطلقةٌ لهذا الجهد، فالمعنى أنك حينما تنفق هذا الألف ماذا أنفقت؟
    أنفقت جهداً، أنفقت جهداً يساوي أربع ساعات بعملٍ شاق، فأنت أنفقت جهداً مضنياً، حينما أنفقت الألف أنفقت جهداً، والطبيب إذا أنفق الألف أنفق علمه، والمدرس إذا أنفق ألفاً أنفق علمه أيضاً، والمحامي أنفق علمه، والمهندس أنفق علمه، والبائع أنفق خبرته في الشراء والبيع، والصانع في صناعةٍ معيَّنة، والذي أدَّى الخدمات أنفق خدماته مقابل ألف، فالمال قيمةٌ مطلقةٌ للجهد البشري..


    ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾

    فكأن الله سبحانه وتعالى خلقنا كي نربح عليه، أنفِق حبةً يأتِك مئة ألف حبَّة، يأتِك سبعمئة ألف، يأتِك أعدادٌ لا تعد ولا تحصى..

    ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾


    الآية التالية تشجع المؤمنين على الإنفاق :

    ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

    أيْ أيها الإنسان: اعلم أنك إن أنفقت شيئاً ضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة، هذه الحقيقة تحتاج إلى إيمان، أنت حينما تؤمن أن كل شيءٍ تنفقه يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة، وحينما تؤمن أن كل شيءٍ تنفقه يعلمه الله عزَّ وجل، فأنت بحاجة إلى حقيقتين: إلى حقيقة أن الله يعلم، والثانية إلى أن الله سيعوض، لذلك لا تجد إنساناً مؤمناً إيماناً قوياً إلا ويبادر إلى الإنفاق لأنه يعلم علم اليقين أن الله يعلم، وأن الله سيضاعف أضعافاً كثيرة.


    المال مال الله و الإنسان مستخلف فيه :

    تأكيداً لمعنى أن المال مال الله، وأن الإنسان مستخلف فيه يقول الله عز وجل:
    ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
    [سورة الحديد: 7]
     وإنما سمى الله الزكاة - ونحن في شهر الزكاة - صدقة لأن إنفاق المال يؤكد صدق الإنسان، هناك عبادات لا تكلف الإنسان شيئاً، وهناك عبادات تتناقض مع طبعه، طبع الإنسان أن يأخذ المال، والتكليف أن ينفقه، إذاً سميت الزكاة صدقة لأنها تؤكد صدق الإنسان، كل يدعي وصلاً بليلى، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، كلّ يدعي أنه مؤمن ولكن هذا الإدعاء يحتاج إلى دليل، من أدلة الإيمان إنفاق الأموال:

    ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
    [سورة التوبة: 103]
     تطهرهم: بمعنى ثلاثي، تطهر الغني من الشح، تطهر الفقير من الحقد،
     تطهر المال من تعلق حق الغير به.
     تزكيهم: تنمو نفس الغني فيرى عمله الطيب ويرى دوره الخطير في المجتمع، تزكي نفس الفقير فيرى أنه ليس هيناً على الناس، والناس يهتمون به، فتنشأ هذه العلاقات الاجتماعية المتينة من هذا التواصل بالمال. وتنمي المال نفسه بأن الله عز وجل يطمئن المنفقين أن كل شيء ينفق يخلفه الله جل جلاله. أيها الأخوة:
    ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾
    [سورة النازعات: 40]
     يبدو أن الهوى أن يكنز الإنسان المال، هوى الإنسان في تجميع الأموال، قال تعالى:
    ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
    [ سورة الزخرف: 32]
     هوى الإنسان في قبض المال، والتكليف في إنفاقه، فهذا الذي ينشأ في نفس الإنسان من صراع بين كنز المال وإنفاقه هو ثمن الجنة.


     


  12. 42085335_694813147538641_845403386818016



    الحمد لله حق حمده، وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم، أما بعد:


    فهذه جملة من المواضع التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو فيها في الصلاة؛ وهي:

    الأول: بعد تكبيرة الإحرام:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة - قال: أحسبه قال: هُنيَّة - فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد))؛ أخرجه البخاري رقم: (٧٤٤)، ومسلم رقم: (٥٩٨).



    الثاني: عند الرفع من الركوع:

    عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول: ((اللهم لك الحمد ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ))؛ أخرجه مسلم، رقم: (٤٧٦).



    وقد بوَّب النووي رحمه الله في شرحه لصحيح الإمام مسلم عليه: "باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع"، على أن بعض أهل العلم يرى أنه مطلق، ولا يقيده بالركوع، وانظر: تمام المنة، (ص: ١٩٢).



    الثالث: الركوع:

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن))؛ أخرجه البخاري رقم: (4968)، مسلم رقم: (٤٨٤).



    الرابع: السجود:

    عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن))؛ أخرجه البخاري رقم: (4968)، مسلم رقم: (٤٨٤).


    بل وأرشدهم إليه؛ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: ((... وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم))؛ أخرجه مسلم، رقم: (٤٧٩).

    41895641_694812740872015_632183657572230

    الخامس: بين السجدتين:

    عن حذيفة رضي الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل وفيه: ((... وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي))؛ أخرجه أبو داود رقم: (٨٧٤)، وغيره.



    وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني))؛ أخرجه الترمذي رقم: (٢٨٤)، وغيره.



    السادس: عقب التشهد:

    عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: إن الرجل إذا غرم، حدث فكذب، ووعد فأخلف))؛ أخرجه البخاري رقم: (٨٣٢)، ومسلم رقم: (٥٨٩).



    وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))؛ أخرجه البخاري رقم: (٨٣٤).



    وعن زرارة بن أوفى أن عائشة رضي الله عنها سُئلت عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جوف الليل، فقالت: ((... ثم يقرأ الثانية فيركع ويسجد وهو قاعد، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم وينصرف فلم تزل تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدُن...))؛ أخرجه أبو داود رقم: (١٣٤٦)، وهو في صحيحه للألباني.



    وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجد الله تعالى، ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عَجِلَ هذا ثم دعاه، فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربه عز وجل والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يدعو بعد بما شاء))؛ أخرجه أبو داود وغيره، وهو في صحيحه رقم: (١٣٣١) للألباني.



    السابع: في القنوت:

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في القنوت: اللهم أنجِ سَلَمَةَ بن هشام، اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف))؛ أخرجه البخاري رقم: (٢٩٣٢).



    الثامن: عند القراءة في صلاة الليل:

    عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذَ، ثم ركع...))؛ أخرجه مسلم رقم: (٧٧٢).



    قال العلامة النووي رحمه الله في شرحه لصحيح الإمام مسلم (٦/ ٦٢): "فيه استحباب هذه الأمور لكل قارئ في الصلاة وغيرها، ومذهبنا استحبابه للإمام والمأموم والمنفرد"، وبنحوه قال العلامة الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار (٢/ ٢٦٦).

    بكر البعداني
    شبكة الألوكة



    42045510_694812844205338_214959559938356


  13. أحداث, القيامة, يوم
     
    تاسعاً: الصراط

    ● ما الصراط؟!
    جسر حسي منصوب فوق جهنم، يعبر الناس عليه على قدر أعمالهم، وأثناء مرورهم عليه، تُبدَّل الأرض غير الأرض، كما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ) [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط».
    صحيح مسلم رقم: 2791
    وينتشر الظلام في هذا اليوم، لكن يُعطى المؤمنون نورهم بيمينهم وبين أيديهم، ليستضيئوا به على الصراط، وليكون لهم دليلاً إلى الجنة، بينما المنافقون في الظلمات يغرقون.
    وفي هذا الموضع يفترق المنافقون والمؤمنون، فيتخلف المنافقون، ويسبق المؤمنون، وعندها يفزع المنافقون وينادون: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد:13]، فإذا رأى المؤمنون انطفاء نور المنافقين أشفقوا أن ينطفىء نورهم كذلك، فقالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}، ثم يقال للمنافقين: (ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) [الحديد:13]
    أي ارجعوا إلى المكان الذي قسمت فيه الأنوار فيرجعون، فإذا رجعوا، ضُرِب بينهم وبين المؤمنين بسور وحاجز منيع يحول بين الفريقين:{بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد:13]، فهذا هو الوقت الذي يتميز فيه المنافقون عن المؤمنين.


    ● الظالمون في الظلمات!
    والظلمة التي يغرق فيها المنافقون هي نفسها التي يغرق فيها الظالمون، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    «اتقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة».
    صحيح الجامع رقم: 101
    والظاهر أن عقوبة الظلم يبدأ إنزالها على الظالمين قبيل الصراط، حين يفترق المؤمنون عن المنافقين.
    قال الإمام القرطبي:
    «ظاهره أن الظالم يعاقب يوم القيامة، بأن يكون في ظلمات متوالية، يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، حين يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، فيقال لهم: {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}».


    ● لكن لماذا هذه العقوبة الشديدة للظالمين؟!
    ذكر الحافظ ابن حجر السبب فقال:
    «الظلم يشتمل على معصيتين:
    - أخذ مال الغير بغير حق.
    - ومبارزة الرب بالمخالفة.
    والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالبا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار.
    وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لاعتبر، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي حصل لهم بسبب التقوى، اكتنفت ظلمات الظُّلْم الظالم، حيث لا يغني عنه ظلمه شيئا».


    ● هل يمر الكفار بالصراط؟!
    والجواب: كلا، لأنهم يسقطون في النار قبلها.
    قال النبي صلى الله عليه وسلم :
    «ينادي مناد: ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله، من بر أو فاجر، وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تُعرَض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم.
    ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة، ولا ولد، فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم».
    صحيح البخاري رقم: 7439


    ● معنى ورُود النّار
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
    «وأما الورود المذكور في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا}، فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر، بأنه المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلِّ من يدخل الجنة».


    ● ما صفات الصراط؟
    وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصراط بعدة أوصاف:
    أولا: مدحضة مزلة
    في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قلنا: ما الجسر يا رسول الله؟ قال: «مدحضة مزلة».
    البخاري رقم: 7439
    ومعنى مدحضة: يعني تزلق فيه الأقدام، ومزلة تعني: تسقط فيه الأجساد، فالصراط مضروب على متن جهنم، من أولها إلى آخرها، ومن الطرف إلى الطرف.
    ثانيا: حوله كلاليب وخطاطيف
    ومن صفات الجسر الواردة في الحديث الصحيح أن له كلاليب على حافتيه، روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة)، كلاليب فيها حياة وروح، وتتحرك حركة دائبة، ولها تمييز وإدراك، فتميز بين من أمرت بأخذه، ومن أُمِرت بتركه، فهي مأمورة.
    وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الصراط:
    «وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان». قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنها مثل شوك السَّعْدَانِ ، غير ألا يعلم قدر عظمها إلا الله».
    وشوك السعدان نبات له شوك، يرعى البدو إبلهم عنده، وهو مشهور في منطقة نجد، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرِّب لهم صورة تعلق هذه الكلاليب بأجساد الناس، كيف تتخطفهم وتعلق بأجسادهم مثل شوك السعدان الذي يعلق، وإذا نشب بالجسم لا يخرج بسهولة.
    ثالثا: حد الصراط مثل حد الموسى
    جاء في حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    «ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من تجيز على هذا، فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: ما عبدناك حق عبادتك».
    السلسلة الصحيحة رقم: 941
    تصور سمك الطريق الذي تسير عليه، مثل حد الموسى، وهو مع هذا حوله خطاطيف وكلاليب تنهش من يمر عليه، وتهوي به يمينا وشمالاً، فيتساقط في جهنم إلا من شاء الله.


    ● أول من يجتاز الصراط
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها».
    وفي رواية:
    فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته»، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: «إلى أن تمر أمتي كلها، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم».
    وهذا من شفقته على أمته، وكذلك الأنبياء كما جاء في رواية أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والأنبياء بجنبتي الصراط، وأكثر قولهم: اللهم سلِّم سلِّم».
    وعند الصراط لا أحد ينطق من هول الموقف، ولا يتلفظ أحد بكلمة، ما عدا الرسل عندهم القدرة على الكلام، لكن كلامهم محدود بعبارة من ثلاث كلمات: «اللهم سلِّم سلِّم».


    ● تفاوت النور وسرعة العبور
    في حديث بن مسعود:
    «ثم يُقال لهم: انجوا على قدر نوركم».
    لا يستطيع أحد أن يمشي في الظلمة، فإذا أضيء له مشى، وإذا أظلم قام واقفا، لأنه إن غامر بالسير في الظلام سقط، فهو يقوم على صراط كشفرة الموسى في الحِدَّة، والكلاليب حوله، يطفئ نوره فيقف، ثم يوقد مرة فيمشي، وذلك بحسب عمله، ولذا تتفاوت أحوال العباد على الصراط في أمرين أساسيين:
    في قدر النور، وسرعة العبور.
    أما قدر النور، فمنهم من يُعطَى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطَى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطَى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك، حتى يكون آخر من يُعطَى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ، ويطفئ مرة.
    وأما سرعة العبور، فتختلف سرعات الناس في المرور على الصراط باختلاف قوة النور الذي يعطونه، فالنور تابع للسرعة، جاء في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم :
    «ويقال لهم : امضوا على قدر نوركم ، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كشد الرِّجل ، يرمل رملاً على قدر أعمالهم ، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتُعلَّق يد، وتخر رجل، وتُعلَّق رجل، وتصيب جوانبه النار».
    والمراد والدرس المستفاد:
    كلما كانت حسناتك أكثر كان مرورك أسرع، وكلما كانت أقل كان مرورك أبطأ، وصرتَ إلى الخطر أقرب، وما زال بيدك اليوم تحديد سرعة الغد، وبإمكانك تسريع نجاتك.


    ● أحوال الناس على الصراط.
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مُسلَّم، ومخدوش به ثم ناج، ومحتبس به، ومنكوس فيها».
    صحيح الجامع رقم: 8189

    أصناف المارين على الصراط أربعة:
    الأول: ناجٍ مُسلَّم
    أي من الأذى بلا خدوش، وهؤلاء هم صفوة المؤمنين.
    الثاني: ناجٍ مخدوش
    أي أصابه لفح جهنم أو نالته الكلاليب والخطاطيف بخدوش، قبل أن ينجو، وفي رواية: «مخدوجٌ به»، والخدْج: النقص أي يُنقَص من جسمه، بسبب ما تقتطعه منه الخطاطيف والكلاليب المأمورة به.
    الثالث: محتبس به
    أي يُحبس على الصراط، فيظل في رعب وخوف حتى يطلق سراحه، فيجتاز الصراط.
    والرابع: الهالك في النار
    وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف، منها: «منكوس فيها»، ومنها: «مكرْدَس في النار»، وقال: «مكدوسٌ في نار جهنم» أو «مكدوش».
    والمنكوس هو المقلوب على رأسه، فرأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى أعلى، ليخر بهذه الصورة إلى قعر النار.
    والمكَرْدَس هو من جُمِعَت يداه ورجلاه، قبل أن يُلقَى في جهنم.
    والمكدوس هو الذي تكدَّس، أي دُفِع من وراءه، فسقط في النار.
    والمكدوش هو الذي يساق سوقا شديدا حتى يُكبَّ على وجهه في النار.


    ● الواجب العملي:
    الاستقامة على الصراط المعنوي في الدنيا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] ، هو شرط عبور الصراط الحسي المنصوب فوق النار في الآخرة، فالصراط الثاني يعبره الناس غدا بحسب أعمالهم وأحوالهم اليوم، وكلاهما صعب، لذا قال الإمام أبو حامد الغزالي:
    «الاستقامة على الصراط في الدنيا صعب كالمرور على صراط جهنم، وكل واحد منهما أدق من الشعر، وأحدُّ من السيف»، ومما يؤيِّد صعوبة الاستقامة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصوا».
    أي ولن تطيقوا أن تستقيموا حق الاستقامة، ولكن اجتهدوا في الطاعة حق الإطاعة، فما لا يدرك كله لا يُترَك كله.

     


  14. "أحطّك في عيوني".. كم هو تعبير جميل وآسر.. حين يخرج من قلب محبّ مُشفق.. وكثيرا ما أتذكّره وأنا أقرأ.. ﴿فإنّك بأعيُننا﴾.. ولله المثل الأعلى..



    يغلب على ظني أن القرآن لم يأتِ بمثالية حالمة؛ على الأقل ذلك ما يلوح لي من ﴿خلقنا الإنسان في كبد﴾.. ولكنه علمني أن ابتسامةَ القلب -في أقسى الظروف- هي طريقُ المؤمنين ﴿لا ييأس من روح الله﴾.. بل وعلّمني أن باستطاعة الإنسان ولو لوحده.. أن يغيّرَ الكثير.. ﴿وأرسلناه إلى مئة ألف﴾..



    نحن مدينون لكل تلك التجارب التي صنَعَتنا.. مدينون لكل تلك القصص والحكايا.. بحلوها ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾.. ومُرّها ﴿من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي﴾.. علّمني يوسف -عليه السلام- أن قصة الإنسان تستحقّ أن تُروى وتُحكى.. وأن تُحتَرمَ.. بكل ما فيها.. من ضعف وجمال..



    أظن أنّ من أعظم الهبات الإلهية للإنسان.. القلبَ المُبْصر.. تلك الحساسية الروحية التي تستشعرُ بها الأشياء قبل وقوعها: ﴿إني ليحزُنُني أن تذْهبوا به﴾.. تتلمس بها الجمال حيث كان: ﴿إني آنستُ نارا﴾.. وتنظر من خلالها إلى الغيب: ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾.. فاللهم أرنا الأشياءَ كما هي..



    ﴿فاصبرْ صبرا جميلا﴾.. يصبح الصبرُ جميلا، في نظري، حين لا يكون هاجسك هو الوصول فقط.. ولكن تستشعر "الطريق" بكل ما فيه.. الصبر الجميل يُحَرّرُك من قلق التّرقّب..




    غدا نتذكّر موسى.. ذاك الذي علّمنا أن نتصالح مع فراق ما ألفناه ﴿فألقيه﴾.. أن نتأمّل حكمةَ قدر الله ﴿جئت على قدر﴾.. الخوفُ ليس عيبا ﴿فأخاف﴾.. التضحية معيار الحب ﴿ثماني حجج﴾.. ألا مبررَ لسوء الخُلق ﴿قولا ليّنا﴾.. وأن الثقة بالله من أعلى مراتب الوعي ﴿كلا؛ إن معي ربي﴾..



    ﴿ورَحمتي وسِعَتْ كلّ شيءٍ﴾.. هو الجوابُ الإلهي عن تأنيب الضمير..



    لِأبي العلاء في رسالة الغفران تعبيرٌ يعجبني كثيرا: "أدامَ الله الجمالَ ببقائه".. كأنه يصف لنا تلك الأرواحَ الجميلة التي يكون الجمالُ حيث يوجَدون، وينتقل معهم.. وهو معنى أجده -على أحد التأويلات- في قوله ﷻ: ﴿وأنتَ حلٌ بهذا البلد﴾؛ أي كأن البلدَ الحرام زاد تشريفا بحُلوله ﷺ فيه..



    الكتابةُ وحْيٌ.. الكتابة تستمطرُ الأفكارَ.. ولعل القرآن أشار لهذا في قوله ﷻ: ﴿الذي عَلّمَ بالقلم﴾.. فالقَلمُ مُعلّمٌ.. ويبدو أن هذا ما حصل للإمام فخر الدين الرازي وهو يُفسّرُ إحدى الآيات.. إذ كَتَبَ عن أحد الأوجه: "وهو الّذي خَطرَ بِبالِي وقتَ كتابَةِ هذا المَوْضع"..



    الصّبر أهون بكثير من خيار لا يناسبك.. ولحظة من الشعور الصادق قد تستحقّ سنوات الصبر الطويلة.. وما صبرك إلا بالله..



    التّشتت، والخوف من التعبير، وفقدان الاتساق مع الذات؛ كلها تؤَثّرُ على الأمان النّفسي.. ولعل القرآن أشار لهذا في قوله ﷻ ﴿يحسبون كلّ صيحةٍ عليهم﴾.. وأحسبُ أنّ من أسباب ذكره لهذه الظاهرة= الإشارةَ لأهمية العلاج؛ سواء بالإيمان -كما يُستفاد من السّياق- أو بالعلاجات الأخرى قياسا.

    EEjnLTAWkAAqDBG.jpg


     

  15. (10)اسم الله البصير

    البصير سبحانه وتعالى المطلع على خلقه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، فالسر عنده علانية والغيب عنده شهادة..

    المعنى اللغوي: (البصر) في حق الخلق:
    حاسة الرؤية أو حِسُّ العين، و(البصيرة): العلم والفطنة. ورود الاسم في القرآن الكريم: ورد الاسم في القرآن اثنتين وأربعين مرة، منها قوله جلَّ وعلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1]، وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61]، وقوله سبحانه: {..وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20].

    معنى الاسم في حق الله تعالى:
    البصير: هو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، الذي يرى الأشياء كلها ظهرت أو خفيت، دقت أو عظمت، وهو الذي يبصر خائنة الأعين وما تخفى الصدور. قال السعدي "البصير الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع، كما يبصر ما فوق السموات السبع. وأيضًا سميع بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة" (تيسير الكريم الرحمن:1:946)

    على هذا يكون للبصير معنيان:
    الأول: أن له بصرٌ يرى به كل شيء سبحانه وتعالى. الثاني: أنه ذو البصيرة بالأشياء، الخبير بها. يقول ابن القيم في القصيدة النونية: (2:215): وهو البصيرُ يَرَى دبيبَ النَّملةِ *** السـوداءِ تحت الصَّخرِ والصَّوَّانِ ويَرَى مجاري القوت في أعضائِها *** ويَرَى عُروقَ بَيَاضِها بعيانِ ويَرَى خياناتِ العيونِ بلْحظِها *** ويَرَى كذلكَ تقلُّبَ الأجْفَانِ

    آثار الإيمان باسم الله تعالى البصيـر:
    1- إثبـات صفة الإبصار لله جلَّ شأنه: وهي صفة ثابتة لله عزَّ وجلَّ نؤمن بها ولا ندري كيفيتها، فهو سبحانه: {..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]، وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع.
    2- الله جلَّ جلاله هو البصير الذي ينظر للمؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بنعمته وجنته، ويزيدهم كرمًا بلقائه ورؤيته، ولا ينظر إلي الكافرين إيقاعًا لعقوبته، فهم مخلدون في العذاب محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15]، وقال: {..أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ الله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:77]، فكما لم تُبصِر قلوبهم، عوقبوا بجنس عملهم بأن حُجِبوا عن ربِّهم في الآخرة، وكم من آيات ونذر يرسلها إلينا ربُّنا عزَّ وجلَّ، ونحن عنها غافلون..!

    حظ المؤمن من اسم الله تعالى البصير:
    1- دوام الحياء والمراقبة، قال تعالى: {..وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:17]، فمن عَلِم أن ربَّه بصيرٌ مُطلعٌ عليه، استحى أن يراه على معصية أو في ما لا يُحب، ومن عَلِم أنه يراه، أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربِّه وخشع، وإذا داوم العبد على تلك المراقبة، بلغ أعلى مراتب الإيمان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام عند ما سأل النبي: «ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (متفق عليه)، فيجب على العبد أن يراقب ربَّه في جميع أحواله، ويوقن أن ربَّه سبحانه وتعالى من فوق عرشه بصيرٌ به.
    2- النظر والتفكُّر والاعتبار والتذكُّر: فعلينا أن ننظر في خلق الله تعالى؛ لنرى كمال قدرته فنزداد يقينًا وإيمانًا، يقول الله عزَّ وجلَّ: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [الغاشية:17-20]، وكذلك التفكُّر والاعتبار من أحوال من سبق، فكما أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن ننظر في خلقه، أمرنا أن نعتبر بما فُعِل في ما مضى من الأمم الغابرة، يقول تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:137-138].
    3- التوكل على الله سبحانه وتعالى: فالله تبارك وتعالى بصيرٌ بأحوال عباده، خبيرٌ بما يُصلحهم وما يفسدهم، يقول تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:30]، مما يجعلنا نتوكل عليه سبحانه وتعالى حق التوكل ونفوض إليه جميع أمورنا.
    4- الرضا بقضاء الله تعالى وقدره: لأن طالما الله سبحانه وتعالى بصيرٌ بنا شهيدٌ علينا، فهو سبحانه يعلم إن كان ما نسأله عليه من الرزق سيصلحنا أم أن فيه هلاكنا دون أن ندري، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى:27]، فلا بد أن نرضى بقضائه لنا.

    كيف ندعو الله تعالى باسمه البصير؟
    ورد الدعاء باسمه تعالى البصير في مواضع كثيرة، منها: دعاء موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي . يَفْقَهُوا قَوْلِي . وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا . قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى..} [طه: 25،36]، أحْسَن في الدعاء، فأناله الله تعالى ما سأل. وكما قال العبد الصالح مؤمن آل فرعون: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر:41-44].

    ومن دعاء المسألة أيضًا: الدعاء بمعنى الاسم ومقتضاه، كسؤال العبد ربَّه أن ينير له بصره وبصيرته، كما في قول إبراهيم عليه السلام وهو يطلب من ربِّه في دعائه أن يبصره بمناسك الحج إلى البيت الحرام: {رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلِمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:128]، وكذلك طلب الحق تعالى من سيد الخلق أن يتوكل على الله الذي يراه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الشعراء:217-218]. وكان من دعائه: «اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا..» (متفق عليه)، فكان يدعو الله سبحانه وتعالى أن يفتح له من رحمته، فيُبصِر بقلبه مع عينه ولا يرى إلا مايحب الله جلَّ وعلا. نسأل الله تعالى أن يُبصرنا بعيوبنا، وأن يجعلنا نرى الحق حقًا ويرزقنا إتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا إجتنابه، وأن يُبصر قلوبنا بحقائق الأمور، فلا تزيغ ولا تنحرف عن طريق الهداية.

    المصدر: موقع الكلم الطيب

     

  16. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ○ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس : 9-10]

    الجميع في الآخرة يقول نفسي نفسي .. ولمَ لا .. فالنفس هي طليعة الأولويات في الدنيا والآخرة ..ولكن لماذا نهتم بأنفسنا دنيوياً ونقصِّر في تزكيتها للآخرة وهي أَوْلى ؟!
    أعزائي :
    الاهتمام بتزكية النفس وإصلاح الباطن طمأنينة الدنيا ، ونجاح وفلاح الآخرة .. فمن أراد الفلاح في الدارين والنجاة من عذاب الله فليطهر نفسه من الذنوب وليقبل على ربه مخبتاً منيباً ..
    لكلٍّ منا إيجابياته وسلبياته .. فإن لم نعزّز إيجابياتنا ستضعف وتتناقص حتى تختفي ... وإن لم نقلل من حدّة سلبياتنا ستصبح جزءاً منّا .. فلْنحذر ...
    هنيئاً لمن زكى نفسه فأصلحها وحَمَلَها على طاعة الله ، وياخيبة من دسَّاها فأهلكها وأضلَّها وحَمَلها على المعصية ..
    مفاتيح سعادتك بين يديك ياعزيزي .. وهي حول كلمة تتمنى فوزها يوم الحشر.. (نفسي نفسي ...)

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)
    1-راهن كثيرون على الحضارة فلم تزد بسمتنا إلا انحسارا،ولا فقرنا إلا انتشارا،ولا حروبنا إلا اشتعالا،فهل نفقه(قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها). / سعود الشريم
    2-أقسم الله سبع مرات متوالية على أنه قد أفلح من زكاها /عبد الله بلقاسم
    3-]قد أفلح من زكاها [ الاهتمام بتزكية النفس ، وإصلاح الباطن طمأنينة الدنيا ، ونجاح وفلاح في الآخرة ،، / إبراهيم العجلان
    4-( قد أفلح من زكاها ) من أراد الفلاح في الدارين والنجاة من عذاب الله فليطهر نفسه من الذنوب وليقبل على ربه مخبتا منيبا / محمد العيد | أبو مصعب
    5- ايجابياتك ان لم تعززها ستضعف وتختفي وسلبياتك ان لم تقلل من حدتها ستصبح جزءاً منك ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) / الفيلكاوي
    6- قال الحسن: قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله ﴿وقد خاب من دساها﴾ أهلكها وأضلها وحملها على المعصية فجعل الفعل للنفس. / فرائد قرآنية
    7- يجب أن تكون تزكية النفس قرينة العلم؛ تحوطه من آفات الطلب، وتحميه من الفتن والشهوة الخفية: {قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها{ / أ. د ناصر العمر
    8- ما بال أقوام لا يرضون لصحة أبدانهم إلا أطيب العيش وأغلى الدواء، بينما يبحثون عن شواذ الفتاوى؛ مما يفسد قلوبهم ويضعف تقواهم (وقد خاب من دساها) / أ.د.ناصرالعمر
    9- ﴿قد أفلح من زكاها﴾ عنوان حياة الكبار، ومعلمٌ لسير العقلاء؛ ينعم به الله على من يريد به الخير، فيثمر زيادةَ قرب منه تعالى، وصدقَ رجوعٍ إليه. / أ.د رقية المحارب
    10- لا يبلُغُ الزكاءَ ويَنالُ الفلاحَ من ارتضى أن يَدُسَّ نفسَه في وحل الهوى ويُصفِّدَها في مرمى الخطيئات(قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) / سعود الشريم
    11- أقسم الله أحد عشر قسماً تسبق " قد أفلح من زكاها " ففلاحك مقرون بتزكيتك . / أبو حمزة الكناني

    (وَمِنْ, {فَآتِ, {قَالَ, {وَأَن, آيَاتِهِ, أَزْوَاجاً, أَسْمَعُ, أَنفُسِكُمْ, أَنْ, إِلَّا, إِنَّنِي, الجزء, الرابع, القرآن, الكريم, الْقُرْبَىٰ, تدبر, تدبر:, تَخَافَا, حَقَّهُ, خَلَقَ, ذَا, سَعَىٰ, لَا, لَكُمْ, لِلْإِنسَانِ, لَّيْسَ, مَا, مَعَكُمَا, مِنْ, وَأَرَىٰ}, وَالْمِسْكِينَ


  17. 45579929_722446581441964_447477066012347

    لقد مرّت بالرّسول صلى الله عليه وسلم، عبر مسيرته في الدَّعوة إلى الله عزّ وجلّ، ابتلاءات عظيمة، لكنّي أرى أنّ أعظمها وأشدّها هو ذلك الابتلاء الّذي مسّ عرضه الشّريف، فيما يُسمّى بحادث الإفك، الّذي اهتزّ له بيت النّبوّة، فاهتزّت له المدينةُ كلّها، وفي هذا الحادث، يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11] ويلفت نظرنا في هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}! وعندئذٍ يثور هذا السؤال: كيف يكون حادث الإفك خيراً للمؤمنين؟

     

    نحن نعلم أنّه بالنسبة للمنافقين، لم يزِدهم إلا سوءاً على سوئهم، وهذا ما قرّرته الآية الكريمة: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}.

    وحتّى بالنّسبة للمؤمنين، نحن نعلم ما عانته عائشة الصديقة رضي الله عنها، من انتشار قالة السّوء عنها، وما عاناه الرّسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ الصديق وأمها، والصّحابة جميعاً، طوال شهرٍ كاملٍ، ولكنّ قوله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ينقلهم بعد المعاناة إلى أفقٍ آخر، أكثر رحابةً، إذ ينهاهم عن الاعتقاد العفويّ الّذي يوسوس به الشيطانُ في النّفوس، ويجعلها تعتقد أنّ هذا الأمر شرٌّ لها، فلذا جاء قوله تعالى في هذه الآية القرآنيّة مؤكّداً بأداة الإضراب "بل"، وبصيغة الجملة الاسميّة الدّالّة على الثّبوت، لتُقرّر في نفوس المؤمنين، أنّ هذا الحدثَ، بالرّغم مما يحف به من شرّ، هو خيرٌ لهم!

     

    إنّ هذه الآية الكريمة، تُعتبر من أعظم الأدلة على خُلُق التّفاؤل، الّذي يرسمُ منهجاً إسلاميّاً في تفسير الأحداث، وكيفيّة التّعامل معها، منهجاً يستند إلى الإيمان بالله تعالى وإلى الإيمان بالقدر.

     

    إنّ خلُق التّفاؤل، ليس من وظيفته، أن يعود بالإنسان إلى الماضي، ليُبدّل مسار الأحداث الواقعة التي ألمّت به فعلاً، بلى إنه يعود إليها، ليمسح الآثار السّيّئة التي ترسّبت عنها في نفسه، ويُعيد بناءَ وعيه وتفكيره، ليُوجّهه إلى أفقٍ جديد! إذن، ففي هذا المنهج التّفاؤليّ، ينبغي أن نُميّز في الأحداث بين ما قد وقع فعلاً، وما لم يقع بعدُ.

     

    والقاعدة الكبرى التي يقوم عليها هذا المنهجُ، هي قاعدة التَّمييز بين القدر الكونيّ والقدر الشّرعيّ، فالقدر الكونيّ هو ما قدّر الله وُقوعه، سواءٌ كان مُراداً يُحبّه، أو مُبغضاً ولا يُريده، أمّا القدر الشّرعيُّ فهو ما يُريده الله ويُحبّه، سواءٌ كان قد وقع أو لم يقع.

     

    فحادث الإفك قَدَرٌ كونيٌّ، وليس قَدَراً شرعيّاً، أي إنّ الله عزّ وجلّ لا يُحبّ وُقوعه، فلماذا قدّره؟ لا شكّ أنّ الله عزّ وجلّ، إنّما قدّره لحِكَمٍ جليلة، فلذا جاء تنبيهُه لعباده المؤمنين، بأنّه -أي هذا الحدث المزلزلُ- في الحقيقة خيرٌ لهم!

     

    وهذا مبدأٌ عامٌّ، فكلُّ قدرٍ إلهيٍّ كونيٍّ، ألمَّ بالمؤمن، فليتذكّر عنده قول الله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ونحو هذا، وقوله سبحانه: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: من الآية19]، وليعتقد بخيريّة البلاء الّذي وقع به، متفائلاً بما سوف يعقُبُه بإذن الله من الخير العميم، إذا أخذ بالأسباب المؤدية إلى ذلك.

     

    وكما استُثنيَ المنافقون من هذه الخيريّة، في سياق الآية الكريمة، كذلك يُشترطُ للاعتقاد بخيريّة البلاء، والتّفاؤل بناءً عليه، أن لا يكون مقروناً بوقوع معصيةٍ من المرء، بل: إنّ من وقع في المعصية، فلا ينبغي أن يتفاءل بها خيراً، ما لم يتُب منها توبة صادقة كما بين شيخ الإسلام.

     

    على الإنسان أن يرضى بالقدر الإلهيّ الكونيّ، ويتفاءل موقناً بأنّه –لا شكّ- خيرٌ له. ومن مقتضى صدق يقينه وصحّة تفاؤله، أن يجتهد في سياق الحدثِ نفسه، على الالتزام بمقتضى ما ورد في القدر الإلهيّ الشَّرعيّ، من الأمر والنّهي ومدافعة آثار هذا القدر.

     

    ومن أعظم ما يُعين المرءَ، على تحقيق هذه المعاني القدريّة، ويُهوِّنُ عليه المصائب: تعظيمُ الله عز وجلّ في قلب المؤمن، فإنّه يُيسّرُ له حسن التّعامل مع أقدار الله الكونيّة، والاستعانةِ عليها بأقداره الشرعيّة، الأمر الّذي يوفّق صاحبه بإذن الله إلى الحكمة والصواب، وقطع دابر كلّ الوساوس.

    ÃÂç ÃÂêÃÂÃÂñ ÃÂõàÃÂÃÂõÃÂñé.
     

     


  18.  

    51. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: 20]: حتى لو كنت مريضا، أو كنت في جهاد أو طلب رزق، لا تقطع صلتك بالقرآن، فكيف لو كنت فارغا من كل هذه الأشغال؟!
    52. ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: 6]: قال الحسن : «لا تستكثِر عملك! فإنك لا تعلم ما قُبلَ منه، وما رُدَّ فلم يُقبل».
    53. ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: 6]: قال ابن كيسان: «لا تستكثر عملك، فتراه من نفسك، إنّما عملك مِنَّة من الله سبحانه عليك، إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته، فله بذلك الشكر أن هداك له».
    54. ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 7]: اصبِر لربك لا تجلدا، ولا ليراك الناس، ولا ليثنوا على شجاعتك وتجلُّدك، أخلِص في صبرك حتى يقبله الله.
    55. ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 29]: ومعنى: لَوَّاحَةٌ مغيِّرة للبشرات، ومسوّدة للوجوه، والبشَر: جمع بشرة وهي ظاهر الجلد.
    56. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37] : وكلمة (شاء) في الآية معناها أن تقدمك أو تأخرك إنما هو (قرارك) الشخصي.
    57. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37]: معناه أن لا وقوف في الطريق إلى الله ألبتة، فإما تقدم وإما تأخر، ومن لم يتقدم بالحسنات سيتأخر بالسيئات؛ فإن لم تتقدم كل يوم فأنت (متأخِّر).
    58. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37]: آية فيها تهديد ووعيد يدفع كل واحد منا لمحاسبة نفسه باستمرار، خوفا من أن تتراجع أعماله الصالحة، فيحرص على اغتنام كل دقيقة من وقته آناء الليل وأطراف النهار.
    59. ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]: من الملائكةِ والأنبياءِ والشهداءِ والصَّالحِينَ؛ لأنهم لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشفاعة، فإنه ليس للكفارِ شفيعٌ يشْفَع لهم.
    60. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: 49-50]: من كرِه النصحَ والناصحين فقد أخرج نفسه بنفسه عن حدود الآدمية!
    61. ‏قال ابن تيمية رحمه الله: فإن أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه!"
    62. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ [القيامة: 5]: قال سعيد بن جبير: «يُقدِم على الذنب ويؤخِّر التوبة، فيقول: سوف أتوب، سوف أعمل، حتى يأتيه الموت على شرِّ أحواله وأسوأ أعماله».
    63. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ [القيامة: 5]: قال ابن عباس: «يعني الكافر يُكذِّب بما أمامه من البعث والحساب».
    64. ﴿كَلاَّ لا وَزَرَ﴾ [القيامة: 11]: والوَزَر: المراد به الملجأ والمكان الذي يحتمي به الشخص ليتقي به ما يخاف، وأصله: الجبل المرتفع المنيع، من الوَزَر وهو الثِّقَل، فلا مهرب يوم القيامة من الحساب.
    65. ﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14]: أنت أدرى الناس بنفسك، وتستطيع أن تخدع الجميع إلا نفسك التي بين جنبيك.
    66. ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16]: إذا كان الله ينهى نبيه عن العجلة في قراءة القرآن مع وجود سبب معتبر لذلك، فماذا يقول من يقرؤه باستعجال دون تدبر أو فهم دون وجود سبب معتبر لذلك؟!
    67. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22]: النضارة ليست اليوم، بل في ذلك اليوم! ومعايير الآخرة تختلف عن معايير الدنيا، فكم من ضاحكٍ هنا باكٍ هناك، وقد يبكي هنا من يضحك هناك، والعبرة بمن يضحك آخِرا!
    68. ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان: 1]: تأمل هوانك وضعفك الذي كنت عليه، وأنك سترجع لنفس المصير، فهذا أدعى ألا تتكبر!
    69. ‏﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ [الإنسان: 8]: ينفق مما يحب لا مما يكره أو استغنى عنه، ويبذل ما يحب طمعا في الفوز بما هو أحب: الجنة!
    70. ‏﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾ [الإنسان: 8]: يحثك القرآن على الإحسان إلى الأسير ولو كان كافرا، فكيف بمن يؤذي الأسير المسلم ويعذِّبه؟!
    71. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان: 9]: تربية ربانية لصاحب المعروف على الإخلاص؛ ومن علاماته: عدم طلب المقابل على معروفه ولو بكلمة شكر.
    72. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان: 10]: أي يوما تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته. قال الأخفش: القمطرير: أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء.
    73. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمْ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 10-11] ببساطة: خوفهم من الله هو الذي نجَّاهم.
    74. ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴾ [الإنسان: 11]: قال ابن القيم: «جمَع لهم بين النضرة والسرور، وهذا جمال ظواهرهم، وهذا حال بواطنهم، كما جمَّلوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام، وبواطنهم بحقائق الإيمان».
    75. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ﴾ [الإنسان: 12]: النهاية السعيدة الأكيدة لرحلة الصبر الشاقة الطويلة المثيرة.
    . ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان: 12]: في الصبر من الخشونة والضيق والألم ما اقتضى أن يكون جزاؤهم من نعيم الجنة ونعومة الحرير ما يقابل ذلك الحبس والخشونة.


  19. قد يغتر أحدنا بصحته , أو بشبابه , أو بماله , أو بسلطانه , أو بجنده , أو بشىء آخر مما آتاه الله من نعمه , يغتر , فينسى , ويغتر فيغفل , أو يلهو , فتأخذه الايام والسنون , فيقضي الله عليه بلحظة النهاية , وعندها تكون الحسرة , ويشتد الندم !

     

    والمرء في لحظاته الأخيرة  أحوج ما يكون لعون ودعم , فهو ضعيف أشد ما يكون الضعف , عديم الحيلة والقدرة , فبعد لحظات قليلات , سيترك الدنيا , ويفارقها , ولن يبقى معه سوى ثلاث " علم ينتفع به , أو لد صالح يدعو له , أو صدقة جارية " ..

     

    وقد شرع لنا ديننا تلقين الموتى الراحلين كلمات الخير , وجعلها سنة مستحبة , فيها من الهدى ما فيها لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله‏ " ‏أخرجه مسلم , وقد أمر الشرع بالتلقين واستحبه , إذ حياة المؤمن قائمة على توحيد الله سبحانه , فيختم عمره موحدا معلنا بشهادة التوحيد , فيلقنه من حضره رجاء أن يختم له بكلمة التوحيد .

     

    فالتلقين إعلان بالمحبة في الله , كون المحيطين بالمؤمن المقبل على الموت يحرصون على الخير له , وعلى أن تحسن خاتمته , فيحسن مثواه , فيكون من أصحاب الجنة .

     

    وهو إشارة إلى التعاون على البر والتقوى , والائتمار بالمعروف , فالمؤمنون وحدة واحدة , وقلب واحد , وهم في خدمة وعون بعضهم بعضا عند حاجته , وعند عوزه , وعون له في مصابه وآلامه ففي الحديث " والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه " أخرجه مسلم .

     

    والتلقين كذلك بيان واضح لتأكيد العهد مع الله سبحانه في آخر لحظات الحياة , أن العبد عبدك , و أنه مؤمن بك يارب , موحد بك , عاش على التوحيد , ويموت عليه , ميثاقا معقودا , وعهدا محفوظا .

     

    والسنة في التلقين , أن يقال أمامه وهو يسمع كلمة الشهادة , عند الاحتضار لتكون هذه الكلمة العظيمة آخر كلامه من الدنيا حتى يلقى الله تعالى بها، ويختم له بها ، فيلقن هذه الكلمة وهو في الاحتضار برفق ولين .

     

    فإذا قالها مرة واحدة سكت عنه من حوله ولم يكرروا  ذلك عليه ، إلا إذا تكلم بعد ذلك بكلام من أمور الدنيا فتعاد عليه مرة أخرى ليقولها.

     

    ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته: " يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله " رواه البخاري ومسلم.

     

     وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل من بني النجار يعوده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا خال قل: لا إله إلا الله " أخرجه أحمد

     

    والأولى أن يلقنه الشهادتين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) , وقد ذكر ابن حجر في الفتح أن المراد في الحديث كلمتا الشهادة , وقال ابن المنير : قول " لا إله إلا الله " لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعا .

     

    وهذا التلقين المستحب إنما هو قبل الوفاة , أما بعد الوفاة فإن التلقين في القبر وقبل الدفن لم يثبت بحديث صحيح , بل غاية دليله حديث ضعيف جدا لايستدل به أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه , وضعفه النووي وابن الصلاح والهيثمي , والعراقي وابن القيم , وقال السيوطي , " التلقينَ لم يثبت فيه حديثٌ صحيحٌ ولا حسنٌ بل حديثهُ ضعيفٌ باتفاقِ المحدثين " , وقال الألباني في الضعيفة : " حديث منكر " (1)

     

    وسئل العز بن عبد السلام : هل في تلقين الميت بعد مواراته ووقوف الملقن تجاه وجهه خبر أم أثر ، أم لا ؟ , فأجاب ، رحمه الله ، : " لم يصح في التلقين شيء ، وهو بدعة ، وقوله عليه السلام (( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )) محمول على من دنا موته ويئس من حياته"  (2)

     

    وأما السنة بعد الدفن فهي الدعاء للميت بالتثبيت , وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء عند القبر بعد أن يوارى الميت فيه بالثبات والأمر بذلك، فكان يقول: "اسألوا له الثبات فإنه الآن يسأل" وأخرجه ابو داود ، وأخرج مسلم في الصحيح أن عمرو بن العاص رضي الله عنه أوصى ولده إذا هو مات أن يقفوا عند قبره قدر ما تنحر جزور ويوزع لحمها، ولعله يقصد بذلك دعاءهم له في تلك اللحظات بالقدر الذي لا يشق عليهم.

     

    إن لحظة الاحتضار لحظة تذكرة بالغة , وتلقين الموتى كلمة الشهادة موعظة عظيمة , ولنعلم جميعا أن المرء قد يحرم من قول الخير عند موته بما كان يعمله من معاص في حياته , وربما يكرر عند موته ماكان قد اعتاده من اللغو واللهو في حياته والعياذ بالله .

     

    فلنعود ألسنتنا ذكر الله سبحانه , لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لايزال لسانك رطبا من ذكر الله " , ولنعودها كلمة التوحيد " خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله " .

     
    ________________________________
    (1) انظر تعليق الألباني على الحديث في السلسلة الضعيفة ( حديث رقم 500) , و عمرو عبد المنعم سليم في " صونِ الشرعِ الحنيفِ ببيانِ الموضوعِ والضعيفِ " (حديث رقم 373)
    (2) الفتاوى الموصليّة للعز بن عبد السلام (ص 99 )


    د. خالد رُوشه
    موقع المسلم

     


  20. {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح : 1]
    بلى يارب .. فكم من همٍّ فرَّجْتَهُ عنا ، وكم من يُسرٍ أتى بعد عسرٍ تهلَّلتْ به وجوهنا ..فلك الحمد أولاً وآخراً ..
    أعزائي :
    الله تعالى وحده هو الذي يبدل الضيقَ انشراحاً ، والغمّ طمأنينة ..يفتِّتُ جبال الهموم بكلمةِ( كُنْ .. فيكون )
    يا من أبْكَتْهُ الآلام والأحزان والهموم : أرِحْ فكرك واشرح صدرك بهذه الآية الكريمة ، إذ ليست النعمة الكبرى أن يتغير العالم من أجلك ، بل النعمة الكبرى أن يتغير صدرك ليحتوي كل ما في الحياة بحلوها ومرِّها .. عندما يملؤه الله انشراحاً وسكينةً وطمأنينةً فيتَّسع الصدر وترتاح النفس ..
    وتأمل معي ياعزيزي إن الله تعالى لم يقل ألم أشرح .. بل قال (ألم نشرح) وذلك تعظيماً للنعمة وتفخيماً لها .. مِنَّة الله عليك عظيمة فاستحضر عظمتها ..
    اللهم اشرح صدورنا ويسًّر أمورنا وتقبل طاعاتنا ..

    أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)
    1-  ماصور شرح صدره منها ماهو ظاهر كما في القرآن والسنةومنها ماهو سر بينه بين ربه / محمد الربيعة
    2-  سر قوله {نشرح لك صدرك}دون نشرح صدرك إظهار مزيد العناية به والامتنان .هداية : ما أعظم عناية الله بنبيه / محمد الربيعة
    3-  دلالة: سر التعبير ب { نشرح } دون أشرح تعظيما للنعمة وتفخيما لها / محمد الربيعةهداية : منة الله عليك عظيمة فاستحضر عظمتها/ محمد الربيعة
    4-  ماذا يفيد الافتتاح بالاستفهام { ألم }الاستفام للتقرير وهو يفيد مزيد تنبيه وتقرير بالنعم هداية: ( استحضر نعم الله عليك ) / محمد الربيعة
    5-  يا محزون.. اشرح صدرك بـ ﴿ أَلَم نشرح لك صدرك ﴾/ نايف الفيصل
               6-      "ألم نشرح لك صدرك" ليست النعمة الكبرى أن يتغير من أجلك العالم النعمة الكبرى أن يتغير صدرك ليحتوى العالم. / عبد الله بلقاسم
               7- ألم نشرح لك صدرك" التغيير الذي يحدث في صدرك هو الذي سيغير العالم. / عبد الله بلقاسم
    8-  يا من أبكته الآلام والأحزان والهـموم : أرِحْ فكرك بـ { ألم نشرح لك صدرك  {/ نايف الفيصل
               9- يا محزون.. اشرح صدرك بـ ﴿ أَلَم نشرح لك صدرك ﴾ / نايف الفيصل
              10-                حينما شرح الله صدر حبيبنا للإسلام وبيَّن له طريق الهداية..أصابه سرور بالغ فقال له تعالى مسليّاً إياه وممتناً عليه: ﴿ ألَمْ نشرح لك صدرك ﴾
               11-         ﴿ الم نشرح لك صدرك ﴾.. اللهم بعُمق هذه الآيه اشرح صدوُرنا وارح قلوبنا وازل همومنا إنّك على كلّ شيء قدير . / تأملات قرآنية
    12-                     ‏﴿ ألم نشرح لك صدرك ﴾ بلى يارب ! فكم من هم فرجته عنا فنسيناه وكم من يسر أتى من بعد عسر تهللت به وجوهنا فلك الحمد أولا وآخرا / حاتم المالكي
    13-                     { ألم نشرح لك صدرك} الله هو الذي يبدل الضيق، انشراح، والغم طمأنينة جبال الهموم يفتتها بكلمة "كن فيكونولكن أكثر الناس ﻻيشكرون! / مها العنزي

    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر 

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏

  21.  

    2017, العيد, النت, جمييلة, جنان, حصرية, حكم, شيااكة, عدلات, مؤتورة, مرة
     


    قوله تعالى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: 101].

     

    هذه الآية خاتمة لقصة يوسف، وقد تضمنت مناجاة يوسف عليه السلام لربه، وتذللـه له، واعترافه بما أنعم به عليه، من الملك والعلم، وغاية هذه المناجاة سؤال حسن الخاتمة: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). وقد توسل إلى الله في هذه المناجاة لنيل غايته بأنواع من التوسل:

     

    1ـ الاعتراف بنعمه سبحانه: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ).

     

    2ـ والاعتراف بربوبيته العامة: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)،

     

    3ـ الاعتراف بولايته الخاصة: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).

     

    وخَتْمُ القصةِ بهذه المناجاة من بديع البيان ومن حسن الختام، فصلوات الله وسلامه على الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليه وعلى آبائه وسائر النبيين وعلى خاتمهم سيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم أجمعين، هذا؛ ويحسن هنا ذكر ما جاء في الشرع من أنواع التوسل في الدعاء، وهي:

     

    التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)، وشواهد هذا في السنة كثيرة، ومن ذلك ما تضمنه سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

     

    التوسل إلى الله بالافتقار إليه، والاعتراف له بإنعامه، والاعتراف بالتقصير، كما في سيد الاستغفار: (أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي).

     

    التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى عن عباده الذاكرين: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) الآيتين، وكما في قصة الثلاثة أصحاب الغار.

     

    التوسل إلى الله بالفقر إليه في رزقه وكشف ضره، كما في قول موسى عليه السلام: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، وقول أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

     

    التوسل بدعاء من دعا من نبي وصالح، كما في قول عمر رضي الله عنه: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ـ أي بدعائه ـ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ـ أي بدعائه ـ
     

    عبد الرحمن بن ناصر البراك
    موقع المسلم

    2017, العيد, النت, جمييلة, جنان, حصرية, حكم, شيااكة, عدلات, مؤتورة, مرة


  22. 1)    (كلمة الحق) قذيفة ربَّانية في وجه الباطل، تُزلزل كيانه، وتحطم أركانَه، وتقهره وتُهلكه، حتَّى يصل الهلاك إلى دماغه؛ فيعطب ويتلف، يقول تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: 18].
    ومَن القاذف إلا الله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49]، فهل ترى للباطل وأهله من باقية؟! وأي شيء سيبقى للباطل حتى يعيده ويبدؤه؟!
    فلن يبق منه شيء أبدًا لأنَّه سيضمحل ويزول، فإنَّ الحق مجلجل أبلج، والباطل مهلهل لجلج.
    والحق ناطق ساحق ماحق، والباطل مخبط مخلط زاهق: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
    أخرج البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة صنمًا، فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، { جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49].

    لَوْ قَدْ رَأَيْتَ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ *** بِالفَتْحِ يَوْمَ تُكَسَّرُ الأَصْنَامُ
    لَرَأَيْتَ دِينَ اللهِ أَضْحَى بَيِّنًا *** وَالشِّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الإِظْلامُ

    والحق وإن ناوأه المناوِئُ، وكادَه له الكائد، وحاول أن يمكرَ بأهله الماكر، وأراد أن يطمس صورته، فإنَّه سيأتي يومٌ يقول فيه مَن كان على ذلك الباطل: { الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف: 51]، وسيعترف بأنَّه كان على باطل وضلال، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32].

     

    2)    (كلمة الحق) كالمطر النازل من السماء؛ حيث تسيل به الأودية، وتفيض به العيون، وتسقى به الأرض بعد موتها، وينتفع بها الخلق منافِع شتَّى، وأمَّا الباطل فلو كان كثيرًا كثيفًا، فمآله إلى زوال وسفال واضمحلال؛ {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17].

     

    3)    (كلمة الحق) ما كانت تُقال لِتُقمَع، بل لكي يظهر أثرُها ويسْطَع، ويزهق الباطل ويُقلع، ولئن ابتُلي صاحبها فلا بدَّ له من أصدقاء صدق يُدافعون عنه، ولا يُبقونه لظلم السجَّان، ولا لطغيان السلطان، ولا لتجاهل الأصحاب والخلاَّن.
    وتأمَّل في حالة رسول الله محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - حينما كان يعرض الإسلام على القبائل والوفود، ويطلب منهم نصرتهم؛ وذلك لأنَّ كلمة الحق عزيزة، وصاحبها عزيز، فلا بدَّ مِن نصرته وحمايته، وتأمل قول الفاروق عمر - رضي الله عنه -: (إنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له)، فالحق لا بدَّ له من قوَّة تَحْمِيه، وتزيح العقبات والعراقيل التي تواجهه، وصدق الله القائل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

     

    4)     (كلمة الحق) ما هي إلاَّ جرأة نفسيَّة، وقوَّة داخليَّة، يدفعك إيمانُك الصادق لكي تقولها، بكل ثباتٍ وإباء، ورسوخٍ وشموخ، وانتماء لها واستعلاء، تُشعرك بأنَّك (حر) في زمن كَثُرَ فيه العبيد، حيث انطلقت من عقال العبوديَّة لساحة وباحة الحريَّة فهنيئًا لك!

     

    5)    (كلمة الحق) تحتاج لأشخاص يقولونها ويقولون بها، ويثبتون عليها ولا يتراجعون عنها؛ لأنَّها (حق)، والحق لا رجعة فيه.

     

    6)    (كلمة الحق) إن صدرتْ عن رجلٍ أكبره الناس بها واحترموه وقدَّروه، فما بالك إن صدرتْ عن المرأة، فتحيَّة كبيرة لنساء قائلات بالحقِّ كنَّ فيه أجرأ من الرجال!

     

    7)    كم من شخص قال (كلمة الحق) لم يخلص النيَّة فيها لله وحده، بل قالها يبتغي بها رضا الناس؛ ليكون ويكون! ويصعد على الأكتاف، وتهتف باسمه الجماهير! ولمَّا ابتلي وأوذي وكله الله إلى الناس فتخلَّّوا عنه! وكم مِن شخص ربَّاني قالها لإرضاء الله، بل في حالة إعراض الناس عنه، فحماه الله وعصَمه من أذى الناس، وإن أُوذي حباه الله بمحبَّة الناس ومناصرتهم له ولكلمته.

     

    😎    (كلمة الحق) لها ضريبةٌ اشتكى منها كثيرٌ مِمَّن قالها، وهي بُعد كثيرٍ من الناس عن قائلها، إمَّا خوفًا مِمَّا سيحصل لهم من أذى السلطان أو الناس، أو أنَّ كثيرًا من الناس لا يُعجبهم الصدع بالحق؛ لأنَّ لسان حالهم كلسان حال من قال: (مَا سَمِعْنا بهذا في آبائنا الأولين)، ومِمَّا جاء عن أبي ذر قوله: (مَا زَالَ بِي الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى مَا تَرَكَ الْحَقُّ لِي صَدِيقًا)، فكلمةُ الحقِّ ثقيلةٌ على النفس، ولهذا لا يتحمَّلها إلا القليل، لكن إن أرضيت بها الرحمن، فسيجعل لك من بعد عُسْرٍ يُسرًا.

     

    9)     (كلمة الحق) قد تكون سهلةً ميسَّرة إن كانتْ لا تغضب مَن قلتها أمامهم، لكنَّها مُرَّة للغاية إن قلتها أمام من تظن أنَّهم سيأبونها ويُعرضون عنها، ويثنون أعطافهم نكاية بصاحبها، لكن حسبك أن تقرأ ما قاله الصحابي الجليل أبو ذر - رضي الله عنه -: أمرني خليلي رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بسبع: ((أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرًّا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن مِن كنز تحت العرش))؛ أخرجه أحمد، وابن حبَّان، بسند لا بأس به!

     

    10)    (كلمة الحق) مُرَّة فلا تزدْها مرارة بمرارة أسلوبك، وهي مقولة قيلتْ سابقًا، وهي مقولة حق كذلك، فمَن يريد أن يتكلَّم بالحق فعليه باللطف والرفق واللين والحلم والعلم، لعلَّها تصادف قلبًا خاليًا، فيتمكَّن قائلها من إيصالها إليه، وتذكر قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43، 44]، فأمرهم الله باللين والرفق مع ذلك الطاغية، مع أنَّه تعالى يعلم في سابق علمه أنَّ فرعون لن يتذكر ولن يخشى، ولكنَّها المهارة في تأدية الحق.

     

    11)    (كلمة الحق) تقال في أي مكان، فهي كلمة نورانيَّة، وحجَّة ربانيَّة، ومنحة إلهيَّة، ولقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم، أو: نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم. وهكذا هي دعوة الإسلام القائمة على الحق والصدق والقوَّة، ومن يريد أن يكون مسلمًا حقًّا، فعليه أن يستعدَّ لهذا الحق؛ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 1 - 6].

     

    12)    من شرف (كلمة الحق) أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جَعَلَها (من أعظم الجهاد) حيث قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر))؛ أخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب.
    وفي سنن النسائي عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي: أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد وضع رِجْله في الغرز -: أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حق عند سلطان جائر)).
    قال الخطابي: وإنما صار ذلك أفضل الجهاد؛ لأنَّ مَنْ جاهَد العدو كان متَرَدِّدًا بين الرجاء والخوف، لا يدري هل يغلب أو يغلب، وصاحب السلطان مقْهُورٌ في يده، فهو إذا قال الحق وأمره بالمعروف فقد تعرض للتلف؛ فصار ذلك أفضل أنواع الجهاد من أجْل غلبة الخوْفِ.

     

    13)    (كلمة الحق) كما أنَّها تُقال أمام السلطان، فلابدَّ من قولها أمام الجماهير والإخوان والأصحاب والحشود، ولربما يكون قولها أمامهم أصعب من أن تقال أمام السلطان!
    فكم من جَريءٍ في كلمة الحق أمام السلطان ضعيف جبان في قول كلمة الحق أمام الجماهير؛ خصوصًا إن كانوا من أتباعه ويعلم أنَّ (كلمة الحق) قد تخالف أكثرهم أو كثير منهم!

     

    14)    (كلمة الحق) لا يُستحيى منها ولا ينبغي الخجل من قولها، فإنَّها كلمة أصلها ثابت وفرعها في السماء؛ لأنَّها كلمة طيبة ولا بد أن تكون كذلك.
    عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا لا يمنعن أحدًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه))؛ أخرجه الترمذي، وقال: (حديث حسن صحيح).
    وفي رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ)) أخرجه أحمد بسند جيد.

     

    15)    السكوت عن قول (كلمة الحق) أحيانًا هو من الحق، وتذكر تلك القصَّة الواردة في صحيح الإمام مسلم حينما طلب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أن يذهب إلى مكان المشركين ليأتيه بخبر القوم، وألاَّ يتحدَّث شيئًا أمامهم، ولا يفعل شيئًا يُذعرهم على المسلمين، فلو أنَّه تكلَّم أو دافع أو نافح عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لكان في ذلك إفسادٌ للمقصد الذي بعث لأجله رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصحابي الجليل حذيفة - رضي الله عنه.
    وما يتناقله كثيرٌ من الناس وينسبونه لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلِّم بالباطل شيطان ناطق))، لا يصح مطلقًا عن رسول الله فهو حديث باطل!
    لكن ورد في "الرسالة القشيرية "لأبي القاسم القشيري - رحمه الله - أنَّه سمع الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: (من سكت عن الحق، فهو شيطان أخرس)، وهذه الكلمة صحيحة في الأصل، لكنَّها ليست على جميع أحوالها صحيحة، فقد يسكت المرء عن شيء ما يستحق السكوت، ولا يستحق الكلام كما بيَّنا في قصَّة حذيفة.

    ولربما يتكلَّم الشخص بكلمة حق، يكون مآلها زيادة إنكار المنكر، فسكوته في هذه الحالة أولى وأوجب.

     

    ويتحدث الإمام ابن تيمية عن هذا السر قائلًا: "كنت آمر أصحابنا ألا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول: إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يوقع بينهم العداوة والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوُهم شر من سكرهم، فلا خير في إعانتهم على الصحو، بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره".
    كما أنَّ من لا يستطيع إنكار المنكر إلاَّ بقلبه، فإنَّه لا يجب عليه أن ينكره بلسانه، فلقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وفي رواية: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)).
    فمَن كان قادرًا على إنكار المنكر بلسانه ولكنَّه سكت فهو الشيطان الأخرس، ومن لم يكن قادرًا على إنكار ذلك المنكر بلسانه، فليس بشيطان أخرس.

     

    16)    (كلمة الحق) تكون في الغضب والرضا، ولربَّما يقول الشخص كلمة الحق في الرضا، لكنَّه لا يقولها في الغضب؛ لأنَّه إن اعتراه غضب فقد يمنعه من قول (كلمة الحق) أو قبولها.
    فحريٌّ بنا أن نسأله تعالى أن يرزقنا قول الحق في الغضب والرضا، فلقد كان الصحابي الجليل عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يقول مُخبرًا عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا - يعني في الركعتين - بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ))؛ أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح.

     

    17)    كم تأسَّى المسلمون من أناس قالوا (كلمة الحق)، ولم يكونوا على قدر من القوَّة والتجلد والصبر عليها، فهانوا وخاروا وتراجعوا، فظنَّ بعض الناس أنَّ الخطأ في (كلمة الحق)، وما علموا أنَّ المشكلة فيمن قالوها؛ لضعفهم عن تحمُّل ضريبة قول (كلمة الحق).

     

    18)     من يعلم عن نفسه جبنًا وخورًا وضعفًا ويريد أن يستعرض بطولاته وعضلاته فيقول (كلمة الحق)، ثمَّ ينتكس بعدها ويرتكس إن ابتلي، فخير له أن يصمت، فقد قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وثبت عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الصحيح أنَّه قال: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)).

    خباب الحمد
    موقع المسلم


  23.  


    26168887_532290487124242_666601152406614

    السؤال
    أشعر أني أقوم بالعبادات والطاعات بدافع حبِّ الجنَّة ، والخوف من النَّار ، وليس بدافع محبة الله ، أو حب الطاعات ، فما السبب في ذلك ؟ وما العلاج ؟ . أريد أن أقوم بأي عبادة حبّاً في الله ، وحبّاً في طاعته ، في المقام الأول ، فما السبيل إلى ذلك؟


    نص الجواب

    الحمد لله

    هذا الإشكال في سؤالك أخي الفاضل منبعه تلك المقولة الخاطئة المشتهرة " لا نعبد الله خوفاً من ناره ، ولا طمعاً في جنته ، بل نعبده حبّاً له " ! وبعضهم يذكرها بصيغة أخرى مفادها : أنه من عبد الله خوفا من ناره فهي عبادة العبيد ، ومن عبده طمعاً في جنته فهي عبادة التجار ، وزعموا أن العابد هو من عبده حبّاً له تعالى !!

    وأيّاً كانت العبارة ، أو الصيغة التي تحمل تلك المعاني ، وأيا كان قائلها : فإنها خطأ ، وهي مخالفة للشرع المطهَّر ، ويدل على ذلك :

    1. أنه ليس بين الحب والخوف والرجاء تعارض حتى تريد - أخي السائل - أن تعبد ربك تعالى حبّاً له ؛ لأن الذي يخافه تعالى ويرجوه ليست محبة الله منزوعة منه ، بل لعله أكثر تحقيقاً لها من كثيرين يزعمون محبته .

    2. أن العبادة الشرعية عند أهل السنَّة تشمل المحبة والتعظيم ، والمحبة تولِّد الرجاء ، والتعظيم يولِّد الخوف .

    قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

    والعبادة مبنية على أمرين عظيمين ، هما : المحبة ، والتعظيم ، الناتج عنهما : ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهَباً ) الأنبياء/ 90 ، فبالمحبة تكون الرغبة ، وبالتعظيم تكون الرهبة ، والخوف .

    ولهذا كانت العبادة أوامر ، ونواهي : أوامر مبنية على الرغبة ، وطلب الوصول إلى الآمر ، ونواهي مبنية على التعظيم ، والرهبة من هذا العظيم .

    فإذا أحببتَ الله عز وجل : رغبتَ فيما عنده ، ورغبت في الوصول إليه ، وطلبتَ الطريق الموصل إليه ، وقمتَ بطاعته على الوجه الأكمل ، وإذا عظمتَه : خفتَ منه ، كلما هممتَ بمعصية استشعرت عظمة الخالق عز وجل ، فنفرتَ ، ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ) يوسف/ 24 .

    فهذه مِن نعمة الله عليك ، إذا هممتَ بمعصية وجدتَ الله أمامك ، فهبتَ ، وخفتَ ، وتباعدتَ عن المعصية ؛ لأنك تعبد الله ، رغبة ، ورهبة .

    " مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 8 / 17 ، 18 ) .

    3. أن عبادة الأنبياء والعلماء والأتقياء تشتمل على الخوف والرجاء ، ولا تخلو من محبة ، فمن يرد أن يعبد الله تعالى بإحدى ذلك : فهو مبتدع ، وقد يصل الحال به للكفر .

    قال الله تعالى – في وصف حال المدعوين من الملائكة والأنبياء والصالحين - : ( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) الإسراء/ 57 .

    وقال الله تبارك وتعالى – في وصف حال الأنبياء - : ( إِِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) الأنبياء/ 90 .

    قال ابن جرير الطبري – رحمه الله - :

    ويعنى بقوله : ( رَغَباً ) : أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه ، من رحمته ، وفضله .

    ( وَرَهَباً ) : يعني : رهبة منهم ، من عذابه ، وعقابه ، بتركهم عبادته ، وركوبهم معصيته .

    وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

    " تفسير الطبري " ( 18 / 521 ) .

    وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله - :

    وقوله : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) أي : في عمل القُرُبات ، وفعل الطاعات .

    ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) قال الثوري : ( رَغَبًا ) فيما عندنا ، ( وَرَهَبًا ) مما عندنا .

    ( وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي : مصدِّقين بما أنزل الله ، وقال مجاهد : مؤمنين حقّاً ، وقال أبو العالية : خائفين ، وقال أبو سِنَان : الخشوع هو الخوف اللازم للقلب ، لا يفارقه أبداً ، وعن مجاهد أيضاً : ( خَاشِعِينَ ) أي : متواضعين ، وقال الحسن ، وقتادة ، والضحاك : ( خَاشِعِينَ ) أي : متذللين لله عز وجل ، وكل هذه الأقوال متقاربة .

    " تفسير ابن كثير " ( 5 / 370 ) .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

    قال بعض السلف : " مَن عبد الله بالحب وحده : فهو زنديق ، ومَن عبده بالخوف وحده : فهو حروري – أي : خارجي - ، ومَن عبده بالرجاء وحده : فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء : فهو مؤمن موحد .

    " مجموع الفتاوى " ( 15 / 21 ) .

    4. اعتقادهم أن الجنة هي الأشجار والأنهار والحور العين ، وغفلوا عن أعظم ما في الجنة مما يسعى العبد لتحصيله وهو : رؤية الله تعالى ، والتلذذ بذلك ، والنار ليست هي الحميم والسموم والزقوم ، بل هي غضب الله وعذابه والحجب عن رؤيته عز وجل .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :

    ومِن هنا يتبين زوال الاشتباه في قول مَن قال : " ما عبدتُك شوقاً إلى جنَّتك ، ولا خوفاً من نارك ، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك " .

    فإن هذا القائل ظنَّ هو ومَن تابعه أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل ، والشرب ، واللباس ، والنكاح ، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات ، ولهذا قال بعض مَن غلط مِن المشائخ لما سمع قوله : ( مِنْكُم مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ) قال : فأين من يريد الله ؟! وقال آخر في قوله تعالى : ( إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنينَ أنْفُسَهُم وَأَمْوَالُهُم بِأَنَّ لَهُم الجَنَّةَ ) قال : إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه ؟! .

    وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر ، والتحقيق : أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم ، وأعلى ما فيها : النظر إلى وجه الله ، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة ، كما أخبرت به النصوص ، وكذلك أهل النار ، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار ، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفاً بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق ناراً ، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد ، ويجب التقرب إليك ، والنظر إليك ، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق .

    " مجموع الفتاوى " ( 10 / 62 ، 63 ) .

    وقال ابن القيم - رحمه الله - :

    والتحقيق أن يقال : الجنَّة ليست اسماً لمجرد الأشجار ، والفواكه ، والطعام ، والشراب ، والحور العين ، والأنهار ، والقصور ، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنَّة ، فإنَّ الجنَّة اسم لدار النعيم المطلق الكامل ، ومِن أعظم نعيم الجنَّة : التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم ، وسماع كلامه ، وقرة العين بالقرب منه ، وبرضوانه ، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبداً ، فأيسر يسير من رضوانه : أكبر من الجنان وما فيها من ذلك ، كما قال تعالى : ( وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَر ) التوبة/ 72 ، وأتى به مُنَكَّراًَ في سياق الإثبات ، أي : أي شيء كان من رضاه عن عبده : فهو أكبر من الجنة .

    قليل منك يقنعني *** ولكن قليلك لا يقال له قليل

    وفي الحديث الصحيح حديث الرؤية : ( فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه ) ، وفي حديث آخر : ( أنه سبحانه إذا تجلى لهم ورأوا وجهه عيانا : نسوا ما هم فيه من النعيم وذهلوا عنه ولم يلتفوا إليه ) .

    ولا ريب أن الأمر هكذا ، وهو أجل مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال ، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة ، فإن ( المرء مع مَن أحب ) ، ولا تخصيص في هذا الحكم ، بل هو ثابت ، شاهداً ، وغائباً ، فأي نعيم ، وأي لذة ، وأي قرة عين ، وأي فوز ، يداني نعيم تلك المعية ، ولذتها ، وقرة العين بها ، وهل فوق نعيم قرة العين بمعية المحبوب الذي لا شيء أجل منه ، ولا أكمل ، ولا أجمل قرة عين ألبتة ؟ .

    وهذا - والله - هو العِلم الذي شمَّر إليه المحبون ، واللواء الذي أمَّه العارفون ، وهو روح مسمَّى الجنَّة وحياتها ، وبه طابت الجنة ، وعليه قامت .

    فكيف يقال : " لا يُعبد الله طلباً لجنَّته ، ولا خوفاً من ناره " ؟! .

    وكذلك النار أعاذنا الله منها ، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله ، وإهانته ، وغضبه ، وسخطه ، والبُعد عنه : أعظم من التهاب النار في أجسامهم ، وأرواحهم ، بل التهاب هذه النار في قلوبهم : هو الذي أوجب التهابها في أبدانهم ، ومنها سرت إليها .

    فمطلوب الأنبياء ، والمرسلين ، والصدِّيقين ، والشهداء ، والصالحين : هو الجنَّة ، ومهربهم : من النار ، والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

    " مدارج السالكين " ( 2 / 80 ، 81 ) .

    5. مؤدى تلك المقولة الاستخفاف بخلق الجنة ، والنار ، والله تعالى خلقهما ، وأعدَّ كل واحدة منهما لمن يستحقها ، وبالجنة رغَّب العابدين لعبادته ، وبالنار خوَّف خلقه من معصيته والكفر به .

    6. كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النار ، وكان يعلِّم ذلك لأصحابه رضوان الله عليهم ، وهكذا توارثه العلماء والعبَّاد ، ولم يروا في ذلك نقضاً لمحبتهم لربهم تعالى ، ولا نقصاً في منزلة عبادتهم .

    عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) . رواه البخاري ( 6026 ) .

    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : ( مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ ؟ ) قَالَ : أَتَشَهَّدُ ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ – أي : ابن جبل - قَالَ : ( حَوْلَهَا نُدَنْدِن ) .

    رواه أبو داود ( 792 ) وابن ماجه ( 3847 ) ، وصححه الألباني في " صحيح ابن ماجه " .

    وعَنْ الْبَرَاء بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ وَقُلْ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ ) . رواه البخاري ( 5952 ) ومسلم ( 2710 ) .

    قال تقي الدِّين السبكي – رحمه الله - :

    والعاملون على أصناف : صنف عبدوه لذاته ، وكونه مستحقّاً لذلك ؛ فإنه مستحق لذلك ، لو لم يخلق جنَّة ولا ناراً ، فهذا معنى قول من قال : " ما عبدناك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنَّتك " ، أي : بل عبدناك لاستحقاقك ذلك ، ومع هذا فهذا القائل يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النار ، ويظن بعض الجهلة خلاف ذلك ، وهو جهل ، فمَن لم يسأل الله الجنَّة والنجاة من النار : فهو مخالف للسنَّة ؛ فإن مِن سنَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولما قال ذلك القائل للنبي صلى الله عليه وسلم : " إنه يسأل الله الجنة ، ويستعيذ به من النار " ، وقال : " ما أُحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ " : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حولها ندندن ) .

    فهذا سيد الأولين والآخرين يقول هذه المقالة ، فمن اعتقد خلاف ذلك : فهو جاهل ، ختَّال .

    ومِن آداب أهل السنَّة أربعة أشياء لا بد لهم منها : الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والافتقار إلى الله تعالى ، والاستغاثة بالله ، والصبر على ذلك إلى الممات .

    كذا قال سهل بن عبد الله التستري ، وهو كلامٌ حقٌّ .

    " فتاوى السبكي " ( 2 / 560 ) .

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

    كل ما أعده الله لأوليائه : فهو مِن الجنَّة ، والنظر إليه هو من الجنة ، ولهذا كان أفضل الخلق يسأل الله الجنَّة ، ويستعيذ به من النَّار ، ولما سألَ بعضَ أصحابه عما يقول في صلاته ، قال : " إني أسأل الله الجنَّة ، وأعوذ بالله من النَّار ، أما إني لا أُحسن دندنتك ، ولا دندنة معاذ " ، فقال : ( حولها ندندن ) .

    " مجموع الفتاوى " ( 10 / 241 ) .

    7. من أراد أن يعبد الله تعالى بالمحبَّة وحدها دون الخوف والرجاء : فدينه في خطر ، وهو مبتدع أشد الابتداع ، وقد يصل به الحال أن يخرج من ملَّة الإسلام ، وبعض كبار الزنادقة يقول : إننا نعبد الله محبة له ، ولو كان مصيرنا الخلود في النار !! ، ويعتقد بعضهم أنه بالمحبة فقط ينال رضا الله ورضوانه ، وهو يشابه بذلك عقيدة اليهود والنصارى ، حيث قال تعالى عنهم : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) المائدة/ 18 .

    قال تقي الدين السبكي – رحمه الله - :

    وأما هذا الشخص الذي جرد وصف المحبة ، وعبد الله بها وحدها : فقد ربا بجهله على هذا ، واعتقد أن له منزلة عند الله رفَعته عن حضيض العبودية ، وضآلتها ، وحقارة نفسه الخسيسة ، وذلتها ، إلى أوج المحبة ، كأنه آمِنٌ على نفسه ، وآخذٌ عهداً من ربِّه أنَّه من المقربين ، فضلاً عن أصحاب اليمين ، كلا بل هو في أسفل السافلين .

    فالواجب على العبد : سلوك الأدب مع الله ، وتضاؤله بين يديه ، واحتقاره نفسه ، واستصغاره إياها ، والخوف من عذاب الله ، وعدم الأمن من مكر الله ، ورجاء فضل الله ، واستعانته به ، واستعانته على نفسه ، ويقول بعد اجتهاده في العبادة : " ما عبدناك حق عبادتك " ، ويعترف بالتقصير ، ويستغفر عقيب الصلوات ، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير في العبادة ، وفي الأسحار ، إشارة إلى ما حصل منه من التقصير ، وقد قام طول الليل ، فكيف من لم يقم؟! .

    " فتاوى السبكي " ( 2 / 560 ) .

    وقال القرطبي – رحمه الله - :

    ( وادعوه خوفاً وطمعاً ) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب ، وتخوف ، وتأميل لله عز وجل ، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر ، يحملانه في طريق استقامته ، وإن انفرد أحدهما : هلك الإنسان ، قال الله تعالى : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) الحِجر/ 49 ، 50 .

    " تفسير القرطبي " ( 7 / 227 ) .

    فأنت ترى أخي السائل أنه يجب عليك أن تسير في عبادتك على ما سار عليه الأنبياء والصالحون من قبلك ، فتؤدي ما أمرك الله به من عبادات على الوجه الذي يحبه الله ، وتقصد بذلك التقرب إليه ، والرجاء بالثواب الذي أعدَّه للعابدين ، والخوف من سخطه وعذابه إن حصل تقصير في الطاعات أو ترك لها ، ومن زعم أنه يحب ربه تعالى فليريه منه طاعته لنبيه صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران/ 31 .

    والله أعلم
    المصدر الاسلام سؤال وجواب


    26168887_532290487124242_666601152406614

     



  24. (9) اسم الله الفتاح

     

     
     
    الحمد لله الفتَّاح العليم، يمن على من يشاء من عباده بالفتح والفهم فيوفقهم ويهديهم، ويفتح لهم المغاليق سبحانه وتعالى.

    ورود اسم الله الفتَّاح في القرآن العظيم:
    ورد اسم الله الفتاح مرة واحدة في قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ:26]، وورد مرة واحدة بصيغة الجمع، في قول الله عزَّ وجلَّ: {..رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89].

    معنى الاسم ودلالته في حق الله تعالى:
    المعنى الأول: الفتاح الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده أجمعين، ويفتح المُنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم، ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ..} [الأعراف:96]، أي: لو أنهم امتثلوا لأمرنا وراعوا قدرنا في السر والعلانية، لكان من جزاء ذلك أن يُفتِحَ لهم من رحمته وأن يُنزل عليهم من فيض رزقه: {..وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96]. ومنها قول الله تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2]، يخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فلو فتح الله تعالى المطر على الناس، فمن ذا الذي يحبسه عنهم؟ ولو حبس عن عباده القطر والنبات سنين طويلة، لما استطاعوا أن يفتحوا ما أغلقه الله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [يونس:17].
    والمعنى الثاني: الفتاح الذي يفتح أبواب الامتحان والبلاء للمؤمنين الصادقين، قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، فهذه عقوبة الذين لا يذكَّرون برسائل الله تعالى المتتالية. فالله عزَّ وجلَّ يُرسل إليك في كل ثانية من عمرك رسالة، فإما أن تفهمها وإما أنك تغفل عنها، فتكون عقوبة الغافل أن تزداد عليه المحن والابتلاءات لعله يُفيق من غفلته، فتأتيه الابتلاءات من كل الطرق؛ يُبتلى في بيته وفي عمله ورزقه.. وحتى فيما بينه وبين نفسه، فيشعر بالوحشة، ويظل يُبتلى حتى يعود، وقد يكون من هذا الابتلاء أن يزداد في النِعَم زيادة في إقامة الحُجج عليه، فيكون من شأنه أن يفرح، وحينها تأتيه العقوبة فجأة: {..حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44]، مُبْلِسُونَ: أي حائرون تائهون. والمعنى الثالث: الفتاح الذي يحكم بين العباد فيما هم فيه يختلفون، كما في قوله تعالى: {..رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]، فالفتاح: صفة جمالٍ وجلال، لإنه سبحانه وتعالى يفتح أبواب رحمته ورزقه للطائعين، كما إنه قد يفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين، ويفتح قلوب المؤمنين، وعيون بصائرهم؛ ليبصروا الحق، فإذا ضاقت عليك الطُرُق وضاقت عليك الأرض بما رَحُبَت، فالجأ إلى ربِّك الفتاح، يفتح لك كل عسير، وييسر لك أمرك. يقول ابن القيم في القصيدة النونية (245):   وَكَذِلكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ *** والفَتْحُ في أَوْصَافِهِ أَمْرَانِ فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلَهِنَا *** والفَتْحُ بالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثانِ والربُّ فَتَّاحٌ بذَيْنِ كِلَيْهِمَا *** عَدْلاً وإِحْسَاناً مِنَ الرَّحْمَنِ  

    آثار الإيمان بهذا الاسم:
    1- الله سبحانه وتعالى هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة، يحكم بينهم بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرْسَلَ من الرسل وأنزل من الكتب، وهذا يتضمن من الصفات كل ما لا يتم الحكم إلا به، فطالما إنه يحكم بينهم، فهذا يتضمن أنه سبحانه وتعالى حكيم وعدل إلى غيره من الصفات التي تليق به سبحانه وتعالى.. وهذا يدل على الجزاء العدل على أعمال الجوارح والقلوب.. فهو عالم بأسرار الأمور وبواطنها سبحانه وتعالى، ويُجازي على معاصي القلوب كما يجازي على معاصي الجوارح، وهو يختص بالفصل والقضاء بين عباده بالقِسط والعدل، والحاكم في الحقيقة هو الله جلَّ وعلا.. وإن حُكِم بغير حكم الله، فليس بحاكم إنما هو ظالم، يقول تعالى: {..وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45].
    2- الله سبحانه يحكم بين عباده في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويفتح بينهم بالحق والعدل.. لذلك توجهت الرُسُل إلى الله الفتاح أن يفتح بينهم وبين قومهم المعاندين في ما حصل بينهم من الخصومة والجدال، وهذه رسالة إلى الدُعاة أن ينهجوا نهج الأنبياء والرُسُل في معاملة قومهم، فحينما يشعر بأن دعوته لقومه لا تُجدي نفعًا، يلهج بالدعاء إلى ربِّه الفتاح، كما دعا نوح عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ . فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:117-118].
    3- الله سبحانه هو الفتاح يوم القيامة، الذي يحكم بين عباده فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا.. فالله جلَّ وعلا لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه، وما كان غائبًا عما حدث في الدنيا، يقول تعالى: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف:7]، ويقول جلَّ وعلا: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61]، فكل خطاراتك وسكناتك تُسجل، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يُحاسبك إلا على ما عِملت بالفعل، وقد سمى الله تعالى يوم القيامة بيوم الفتح، لأنه يوم القضاء بين العباد، يقول تعالى: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [السجدة:29].
    4- الله سبحانه وتعالى متفردٌ بعلم مفاتح الغيب، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ..} [الأنعام:59]، وقد عددها في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34].
    5- الفتح والنصر من الله سبحانه وتعالى: فهو يفتح على من يشاء ويذل من يشاء، وقد نسب الله تعالى الفتوح إلى نفسه؛ ليُنبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، لذلك قال الله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، وقال جلَّ ثناؤه: {..فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ..} [المائدة:52]، وقال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، إذًا، فليس علينا إلا أن نجتهد ونأخذ بالأسباب، أما النصر فهو من عند الله سبحانه وتعالى.
    6- الله تعالى بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض، قال تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى:12].
    7- وقد يفتح الله تعالى أنواع النِعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، فإذا تركوا ما أُمِروا به، ووقعوا في ما نُهوا عنه عوقِبوا بالاستدارج.
    8- والحكمة والعلم والفقه في الدين من الأمور التي يفتحها الله على من يشاء من عباده.. يقول الله عزَّ وجلَّ: {..وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ..} [البقرة:282]، ويقول جلَّ وعلا: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر:22]. يقول القرطبي: "وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ.. ففاز الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم من الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين ولم يُخيِّب الله منه سوى الكافرين".


    حظ العبد من اسم الله الفتاح:
    1- دوام التوكُّل: أن تعتمد على الله سبحانه وتعالى قبل الأخذ بالأسباب، وأن تطلب منه وحده مفاتيح الخير، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله قام على المنبر فقال: «إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض»، وفي رواية: «..ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها»(صحيح البخاري).
    2- كن أنتَ مفتاحًا للخير: يقول النبي: «إن هذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبدٍ جعله الله عزَّ وجلَّ مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وويلٌ لعبدٍ جعله الله مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير» (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، فعليك أن تكون مباركًا حيث ما كنت، وتظل طوال الوقت تُفكِّر في أفكار وطرق لهداية الناس من حولك، وتفتيح أبواب الخير أمامهم.
    3- التوحيد والمتابعة للنبي: وهي أعظم المفاتيح للخير والرزق، كما يقول النبي: "«ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله»، وفي رواية: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (رواه مسلم)، و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصًا، إلا فُتِحَت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وأعظم أسباب الحرمان: (الذنوب) لا سيما الكبائر.


    كيف ندعو الله تعالى باسمه الفتاح؟
    ادع ربَّك الفتاح أن يفتح عليك إذا انغلقت في وجهك الأسباب والأمور.. ومن الأدعية الواردة في القرآن والسُّنَّة: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.. واللهم افتح لي أبواب رحمتك: عند دخول المسجد، قال رسول الله: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهمَّ إني أسألك من فضلك» (رواه مسلم). اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وافتح لنا أبواب فضلك واجعلنا من عبادك الصالحين.  

     المصدر: موقع الكلم الطيب

     


  25. (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه) الكدح ..مكتوب عليك يابن آدم فالكلّ يكدح ولكن بحسب إيمانه وقناعاته وشتان بين كدحٍ وكدح كدحٌ لله ..وكدح للشيطان كدحٌ للدنيا ..وكدح للآخرة كدحُ خير.. وكدح شر فاجعل كدحك فيما يرضيه فالكل يومئذ بكدحه ملاقيه



    (أم تأمرهم أحلامهم بهذا) عقلك بما وقَر فيه يأمرك وينهاك فمن ربّى عقله وسمّنه على الغثّ قاده إلى الفاسد والرديء والرثّ فاحذر أن تغذّيه إلا بخير العلوم وأصوبها وأنفعها ليأمرك بالخير ويأمرك بالصواب ويأمرك بما يُرضي الله فثقافتك تشّكل قناعات عقلك وعلى أساسها يبني قراراته



    (فأولئك تحرّوا رشدا) كما تتحرى لنفسك الرفاهية والسعادة فالآخرة من باب أولى تحرّ لها الحق من مظانّه ولا تقبل لنفسك أن تنجرف مع التيار اجتهد في تحرّي الصواب تحرِّي الحقيقة تحرّي الرشد تحرّي الخير تحرّى طريق السعادة والنجاة لنفسك فنفسك تستحق



    (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُون) من خاض في أعراض عباد الله نسي الله ومن نسي الله ازدادت جُرأته على عباده فكلّ منهما يُمدّ الآخر والشيطان يزيد ذلك ويؤجّحه نسأل الله اليقظة والاستعداد ليوم المعاد




    (وإنا فوقهم (قاهرون)) (إِنّا لنَحن (الغالبون)) (فغُلبوا هُنالك وانقلبوا (صَاغِرِين)) إنها ثقة الباطل بعدته وعتاده فانظر كيف يكون نصر الله عليه في أوج أهبته واستعداده وانظر كيف يكون دفاع الله عن خاصة عباده (وأَنجينا موسى ومن معه أَجمَعين) فكن مع الله يكن معك



    (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) الأمانة تضفي على القلب الطهر وعلى الروح الصفاء والسمو وعلى الضمير الراحة وعلى العقل بُعد النظر وعلى الخُلق النزاهة وعلى الجوارح العفة وعلى الحال الرضا والقناعة وعلى الحياة البركة والزيادة وعلى المآل السلامة وحسن العاقبة



    (ولتنظر نفس ما قدّمت لغد) غدك لاتحدّه هذه الأبعاد الدنيوية وتلك الحواجز المادية يزعمون أن المسلم لاطموح له فهو يعيش على مآثر الأجداد(كُنّا وكنّا) بل طموحه يخترق فضاء هذه الكون فغده هو ما بعد خروجه من هذه الحياة هو المستقبل الذي لم يطمح إليه أحد سواه فضعه أمام عينيك وصل يومك بغدِك



    (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) اكتمل الدين وتمت النعمة به فهل اكتمل لديك هل لمست نتائجه على قلبك بالسكينة على روحك بالإشراق على عقلك وجوارحك بالخضوع والاستسلام هل فُعلت قراراته في نظامك الروحي البدني قل لمن لم يأخذ من الدين إلا اسمه خذ نصيبك من تمام النعمة قبل الفوات



    {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظلما وعلوا} أتباع فرعون وإبليس من يجحد الحق والصواب وهو يعلمه ويؤيد الباطل وهو يعلم خطؤه لغرض محبب أوشهوة ملحّة أوخوفا من فوات حظ وبقدر الحق المجحود يكون الظلم والعلو فاحذر مسلكهم عافانا الله وإياك



    (وبشّر الذين آمنوا أنّ لهم قدَمَ صدْق عند ربهم) يطير المرء فرحا إذا بُشّر بجائزة للإقامة ليوم أو يومين في أرقى وأجمل الأماكن فكيف فرحك أيها المؤمن بهذه البشرى جائزة بالإقامة مدى الخلود (لهم)نعيم خاص بهم (قدم صدق)مقام رفيع لن يتحوّل ولن يفنى (عند ربهم)منزلة شرف ومكانة فيا بشراهم


    (كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِين) الإيمان المُنجي بذرة ثم شجرة ثم ثمار فبِذرته الإخلاص والتصديق واليقين وشجرته الطاعة والتسليم والاستعانة والتوكل وثماره النجاة والطمأنينة والأمن والرضا والثبات فبحسب جودة البذرة وريّ الشجرة يكون الثمر



    (ومن عمل صالحا فلأنفُسهِم يَمهَدُون) ((العمل الصالح)) خذ منه أوفر النصيب مهّد به حياتك..فالحياة به تطيب مهّد به قبرك.. فالقبر بغيره رهيب مهد به يوم حسابك..ذلك اليوم العصيب امسح به سيئاتك قبل أن تلقى الحسيب مهّد به الصراط..شذّبه من الكلاليب مهّد به منزل الخلود..شيّد به القصرالرحيب


    (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب) ستنطوي السماء وتنطوي صفحة هذا الكون العجيب بعد أن استنفد الغرض منه سيبقى أحدوثة على ألسنة المنعّمين في الجنة وسيبقى في ذاكرة كل إنسان إما ذكرى حسرة وألم ليتها لم تكن أو ذكرى سرور وبهجة ليتها تعود فنستكثر



    (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ) استباق الخيرات لا يكون إلا لوجهته فاجعل وجهتك إليه وجّه إليه أعمالك وجه إليه أهدافك وجه إلى ما عنده طموحاتك اجعله قِبلة قلبك وقبلة أقوالك وأعمالك فبقدر ذلك يكون سباقك فكل وجهة إلى غيره لا خير فيها



    (وأَلزمهم كلمة التّقوى وكانوا أَحقَّ بِها وأَهلها) (لا إله إلا الله) مُرتقى الشرف وشهادة الحق ومفتاح الجنة لا يتأهّل لها أي أحد فمن آمن بها حق الإيمان ألزمه الله إياها فتؤهله للتقوى من الشرك به للتقوى من غضبه للتقوى من عقابه فمن التزم بها ألزمه الله إياها فلاينفكّ عنها حتى يلقاه

     

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏‏ثبتت امرأةُ فرعونَ وهي في بيتِ أكبر طاغية! وانتكست امرأةُ نوحٍ وهي في بيتِ أكبر داعية! ضغط الواقع ليس عذرًا للتفلت من التكاليف الشرعية . ╰🌸🍃╮

×