اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    4344
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    48

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد



  1. 1- قد يكون السؤال للتحدي .. " ويسألونك عن ذي القرنين " و التحدي نفسه أيضاً أسلوب تربوي يدل على صدق الدعوة والداعي ، فاليهود طلبوا من المشركين في مكة قبل الهجرة أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور ثلاثة ... عن أهل الكهف ، وعن الروح .. وعن ذي القرنين .. ولا يعرف جواب هذه الأسئلة سوى الأنبياء . وقد قبل القرآن التحدي فأنزل الله تعالى فيه خبر ذي القرنين فقال مخاطباً النبي الكريم : " قل : سأتلو عليكم منه ذكراً ... " .

    وقد يكون السؤال لمجرد المعرفة فعلى الداعية قبل دخول غمار الدعوة أن يلم قدر المستطاع بدعوته والأساليب المقنعة التي تجتذب المدعوين .
     
    2- التعظيم أسلوب يضفي هالة على الرموز الرائعة التي لها دور متميز في الدعوة إلى الله ، ويشجع المدعوين أن يتأسَّوْا بهم ويسيروا على هداهم . ولا ننسَ أنه ينبغي أن يكونوا أهلاً لهذا التشريف ، فلن ينال أحد في الإسلام إلا ما يستحق .... وقد تنبه الرسول الكريم إلى هذا الأسلوب فأسبغ على الصحابي الجليل عبد الله بن أبي قحافة رضي الله عنه لقب الصديق فعرف به ، وعلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقب الفاروق ، وعرف علي بفتى الإسلام وعثمان بذي النورين وخالد بسيف الله المسلول ، وهكذا ... والقرآن الكريم لم يعرفنا اسم ذي القرنين إنما اكتفى بلقب ذي القرنين كما أننا لا نعرف عن أحد الأنبياء الكرام سوى أنه ذو الكفل . ووصف النبي الكريم " يونس بن متّى " بذي النون لأن الحوت ابتلعه ، فأراه الله تعالى عجائب قدرته في البحر – أحد مخلوقاته – وأعاده إلى قومه يدعوهم إلى الله سبحانه . أما لماذا لقّب ذا القرنين فقد تضاربت الأقوال فيه ، فمن قائل : إنه حكم الأرض غرباً وشرقاً ، ومن قائل : إنه حكم مئتي سنة أو عاش قرنين من الزمان ، ومن قائل : إن ملكه كان قوياً يرمز إليه قرنا الثور . ولن نهتم بمعنى الاسم قدر اهتمامنا بصاحبه . فالجوهرَ نريد لا العرضَ .
     

    3- قوله تعالى " قل : سأتلو عليكم منه ذكراً ، إنا مكنا له في الأرض ، وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً " فيه فوائد تربوية عديدة ، منها :
    أ- قبول التحدي : فمن كان على حق ، وكان على ثغرة يدعو إلى الإسلام وينافح عنه لا يسعه غير ذلك .
    ب- العلم بالشيء قبل الدعوة إليه : وكلمة " سأتلو.. " دليل على المعرفة بالأمر والعلم به . والتلاوة أثبت في الإجابة من غيرها ، فهي القراءة.. ، والقراءة من شيء من ذاكرتك تحفظه عن ظهر غيب ، أو تقرؤه في كتاب أقوى حجة وأسطع دليلاً . كما كلمة " ذكراً " تعني القرآن لقوله تعالى " وإنه لذكر لك ولقومك " .
    ت- وقوله تعالى " سأتلو عليكم " بدل لكم دليل التمكن والاستعلاء . والمؤمن هكذا دائماً .

    ث- وقوله تعالى " سأتلو عليكم منه ذكراً " هذه البعضية التي دلت عليها منه توضح أن على الإنسان أن يقتصر في حديثه على ما يفي بالغرض . وهذا ما نجده في قوله تعالى " إنا مكنّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً ، فأتبع سبباً " .
     

    4- الإيجاز والإطناب : وهذه البلاغة بعينها . فقد جاء الإيجاز في مكانه ، والإطناب في مكانه . فلا داعي لذكر التفاصيل في التمكين لأنه يكون في كثرة العدد والعُدّة ، والمال الوفير والعدل وبذل الجهد ، واستفراغ الهمة والتحضير لكل أمر ... ولم يكن القرآن ليهتم بهذه التفاصيل . ويكفي أن يقول : " ... مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً " ليدل على عظمة أمره ، وسعة الستعداده . وهذا هو الإيجاز الذي رأيناه كذلك في الحديث عن " مطلع الشمس " بعد الإطناب في الحديث عن مغرب الشمس لأن التكرار ممل فيما ليس له لزوم . لكن قبل أن نتحدث عن الإطناب نلقي الضوء على ورود كلمة " سبباً " مرتين في هذه الآية ، وإيحاءات كل منهما :
    أما الأولى في الآية الكريمة فالعلم بالشيء والطريق الموصل إليه . وهذا يعني أن الله جل شأنه لم يكلفه بشيء دون أن يعلمه الطريقة التي يسلكها إليه ، بل أمدّه بأسباب النجاح . وعلى الرغم أن ذا القرنين مكن الله تعالى له ، وآتاه الحكمة بدليل " إنا مكنا له " فأنا لست مع الذي يقول :
    إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً ولا توصِهِ
    بل أقول :
    إذا كنت في حاجة مرسلاً فأرسل حكيماً كذا أوصِهِ
    لقوله تعالى " فذكّر إن نفعتِ الذكرى " ولقوله تعالى " وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين .." فإذا وصى الله تعالى أنبياءه فمَن دونهم أحق أن يوصى .
    وأما الثانية فسلوك هذا الطريق واستعماله . إنّ من عرف الطريق الصحيح سلكه فوصل إلى مبتغاه ، وإلا ضل وتاه . وهل رأيت عاقلاً يعرف السبيل فيحيد عنه إلى غيره ؟!.. وفي كل يوم نقرأ عشرات المرات قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم .." لماذا نسأل الله صراطه المستقيم إذا كنا نتنكبه بعد أن نعرفه؟! كما فعلت النصارى فتاهوا . وحادت عنه بنو إسرائيل ، فغضب الله تعالى عليهم ! .

    وجاء الإطناب في وصف أهل مغرب الشمس الذين كانوا قسمين حين دعاهم ذو القرنين إلى الإسلام ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر . فأكرم المؤمنين وعنّف الكافرين ، وهددهم بعذاب الآخرة . وجاء كذلك في وصف الضعفاء من أهل السد الذين كان أبناء قبيلتي يأجوج ومأجوج يسلبونهم أموالهم ويقتلون أبناءهم ويسومونهم الخسف كلما جاءوهم . فسألوه أن يبني سدّاً يقيهم أذاهم ويدفع عنهم غائلتهم . .. ولو اختصر القرآن حديثهم ما فهمنا المراد من أخبارهم . فالبلاغة إذاً مراعاة مقتضى الحال.... . الاختصار حين يكون الختصار مفيداً ....والإسهاب حين يكون التفصيل لازماً ... وهذا ما ينبغي للمعلم أن ينتبه إليه .
     

    5- الجزاء من جنس العمل : قال تعالى : " أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً "
    " وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا "
    وقال تعالى " أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ،فحبطت فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً ، ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً "
    " أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نُزُلاً ، خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلاً "

    " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً . "
     

    6- وجوب المساعدة : لما بلغ ذو القرنين بين السدين وجد قوما اجتمع عليهم الظلم والجهل وهاتان الصفتان إن اجتمعتا في أمة – وهما غالباً ما تجتمعان – أصابتهم نوائب الدهر وعصفت بهم حدَثانه ، فنالهم الذل وطوّح بهم الفساد . .. فلما وصل إليهم الملك الصالح ذو القرنين طلبوا مساعدته ... فولد السد الذي أبعد الله به عنهم ظلم الظالمين وعدوان المتجبرين .
    ولم يطلب الملك الصالح مالاً منهم ، ولا أجرة ، وهذا من سمات الحاكم الذي يبذل في سبيل شعبه كل ما يستطيع ، ولا يكلفهم شططاً . بل طلب إليهم أن يعينوه بقوةف فالقضية تهمه أولاً، والحاكم خادم لشعبه ، استرعاه الله إياه ،وجعله أمانة بين يديه ، وعليه أن يؤدي الأمانة .
    كان الملك عنواناً للجد والإخلاص ، أعان شعبه على التخلص من المفسدين . وهذا واجب كل مسلم يستطيع أن يقدم النفع لإخوانه . ولم ينسب الفضل لنفسه بل عزاه لله سبحانه " قال : هذا رحمة من ربي " وأكد ذلك حين قال :" ما مكنّي فيه ربي خير " فالله تعالى هو الذي مكنه من فعل ذلك وأعانه عليه .. ثم بين أن الله قادر على أن يسوّيه بالأرض إذا شاء ، وقت يشاء " فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ، وكان وعد ربي حقاً " .
    باحثة مصرية تكتشف كيف بنى ذو القرنين حاجز يأجوج ومأجوج
    المجتمع 13/5/2005 :
    توصلت الباحثة المصرية المهندسة ليلى عبدالمنعم عبدالعزيز الخبيرة بإحدى الموسوعات الأمريكية إلى تركيبة جديدة من "الخرسانة المسلحة" تقول عنها إنها استخدمت فيها نفس المواد التي اعتمد عليها ذو القرنين في إقامة الحاجز الذي يفصل بيننا وبين يأجوج ومأجوج ولا يعرف أحد مكانه حتى الآن.
    وهذه الخرسانة التي توصلت إليها الباحثة تتكون من أحد منتجات البترول مضافاً إليه الحديد المنصهر مع الإسفلت فتنتج خلطة شديدة التماسك ، لها قدرة على مقاومة الزلازل وعوامل التعرية وغيرها من القوى المؤثرة على المباني مهما بلغت شدتها. وأوضحت أنه لإقامة المباني بهذه الخرسانة المبتكرة فإن الأمر يقتضي الاستعانة بالبوتامين والحديد المنصهر، مشيرة إلى أن المصانع المختصة يمكنها بناء هذه الحوائط ثم نقلها بعد ذلك إلى مكان البناء.
    واستلهمت الباحثة دراستها من الآيتين الكريمتين في سورة الكهف اللتين نزلتا في ذي القرنين " آتوني زبر الحديد حتى" إذا ساوى" بين الصدفين قال انفخوا حتى" إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا " .
    توقفت الباحثة أمام هاتين الآيتين وتدبرت موقف نزولهما جيداً. وبعد عدة تجارب توصلت إلى هذه التركيبة.
    وفيما يتعلق برأي الإسلام في الآيات التي استندت إليها الباحثة يقول المفكر الإسلامي د. زغلول النجار : إن ما توصلت إليه الباحثة هو لمحة من لمحات الإعجاز القرآني في العلم الذي يتكشف لنا يوماً بعد يوم. وأضاف : إن الباحثة استمدت سر تركيبتها من قصة ذي القرنين الذي ألهمه الله استخدام مادة القطران التي اختلف الفقهاء حول تعريفها، فقال عنها البعض إنها من النحاس المنصهر، بينما عرَّفها البعض الآخر بأنها أحدى مشتقات البترول. وأضاف عليها ذو القرنين قطع الحديد المنصهر لتكوين مادة صلبة يستحيل طرقها ثم بنى فوقها السد لحماية القوم من يأجوج ومأجوج.
    وأكد د.النجار أن السد من علامات الساعة وسيظل قائماً حتى قيام الساعة ومكانه مجهول ولن يُعرف حتى يظهر يأجوج ومأجوج، وقيل إنه ببلاد ما وراء البحار أو بلاد التركستان. وتمنى د. النجار أن تستفيد الجهات المعنية من هذه التركيبة الجديدة وتطبقها في عمليات البناء في عصرنا الحالي.
    7- أدوات التنبيه : متعددة في هذه القصة كما تتعدد في القرآن الكريم منها :
    التكرار : " فأتبع سبباً " مرة واحدة ." ثم أتبع سبباً " مرتين . " حتى إذا بلغ... " ثلاث مرات . " حتى إذا ساوى بين الصدفين .." " حتى إذا جعله ناراً .. " ومهمتها وصل المنقطع وقطع الموصول . وذلك بالانتقال من مشهد إلى مشهد ضمن سياق واحد .
    أداة الاستفهام " هل " التي لا تحتاج للجواب " هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً " فقد جاء الجواب بعد ذلك مباشرة " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً "
    " قل " فهي تقرع الأسماع ، وتنشط الذاكرة
    " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً "
    " قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر ......"

    " قل إنما أنا بشر مثلكم ، يوحى إليّ ..... " .
     
    صيد الفوائد


  2. الحمدُ لله الذي فضَّلَ يومَ عرفةَ على أكثرِ الأيام، وجَعَلَهُ مَوْسِمَاً لعتقِ الرِّقابِ ومغفرةِ الذنوبِ والآثام، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه أتقى مَن وَقَفَ بعَرَفةَ وطافَ بالبيتِ الحَرام، اللهمَّ صلِّ وسلِّم على عبدكَ ورسولِكَ محمدٍ وعلى آله وأصحابهِ.
     
    أما بعد: فيا أيها الناسُ اتقوا الله تعالى، واغتنمُوا أيامكم هذهِ الْمُفضَّلاتِ قبلَ فواتِها، قال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، قال ابنُ عبَّاسٍ: (أيامُ العَشْرِ) رواه البخاري.
     
    وفيهنَّ اليومُ التاسعُ، المخصوصُ بالفضلِ العظيمِ الواسعِ، فقد أقْسَمَ اللهُ به: فقال: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾، قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (إنَّ المشهُودَ يومُ عَرَفَةَ) رواه الطبراني في الكبير، وحسَّنه الألباني.
     
    وأكمَلَ اللهُ لنا فيهِ الدِّينَ، وجعَلَهُ يومَ عيدٍ: فعنْ طارقِ بنِ شِهَابٍ قالَ: (جاءَ رَجُلٌ منَ اليهُودِ إلى عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ: آيةٌ في كِتابكُم تَقْرَؤونَها، لو علينا نَزَلَتْ مَعْشَرَ اليهُودِ لاتَّخَذنا ذلكَ اليومَ عيداً، قالَ رضي الله عنه: وأَيُّ آيةٍ؟ قالَ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، فقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: إني لأَعلَمُ اليومَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، والمكانَ الذي نَزَلَتْ فيهِ، نَزَلَتْ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعَرَفَاتٍ في يومِ جُمُعَةٍ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم، وقال ابنُ عباس في قولهِ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾: (فإنها نَزَلَتْ في يومِ عِيدينِ: في يومِ جُمُعَةٍ، ويومِ عَرَفَةَ) رواه الترمذي وصحَّحه الألباني.

    وهو أحدُ أيَّام عشرِ ذي الْحِجَّةِ: التي قال فيها النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (ما العَمَلُ في أيَّامٍ أَفضَلَ منها في هذهِ؟ قالُوا: ولا الجهادُ؟ قالَ: ولا الجهادُ، إلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنفسِهِ ومالِهِ، فلَم يَرْجِع بشيءٍ) رواه البخاري، قال القرطبيُّ: (يومُ عَرَفَةَ فضلُهُ عظيمٌ، وثوابُهُ جسيمٌ، يُكفِّرُ اللهُ فيهِ الذُّنوبَ العِظامَ، ويُضاعِفُ فيهِ الصالحُ من الأعمالِ) انتهى.

    ويومُ عَرَفَةَ هو يومُ العتقِ مِن النَّارِ: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (ما مِن يومٍ أَكثرَ من أنْ يُعتِقَ اللهُ فيهِ عبداً من النارِ مِن يومِ عَرَفَةَ، وإنهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُباهي بهِمِ الملائكةَ فيقُولُ: ما أرادَ هؤلاءِ) رواه مسلم، قال ابنُ رجبٍ: (يومُ عرفةَ هو يومُ العتقِ من النارِ، فيُعتقُ اللهُ من النارِ مَن وَقَفَ بعرفةَ ومَن لم يقف بها من أهلِ الأمصارِ من المسلمين، فلذلكَ صارَ اليومُ الذي يليه عيداً لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، مَن شَهِدَ الموسمَ منهم ومَن لم يشهده لاشتراكهم في العتقِ والمغفرةِ يومَ عرفة).

    والدُّعاءُ فيهِ هُو خيرُ الدُّعاءِ وأفضلُه وأجوَبُهُ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قُلتُ أنا والنبيُّونَ من قبلي: لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ) رواه الترمذي وحسَّنه الألباني.
     
    قال القاري: («خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفةَ» لأنهُ أَجْزَلُ إثابَةً وأَعْجَلُ إجَابَةً) انتهى.

    وقال ابن عبد البرِّ: (في الحديثِ.. دليلٌ على أنَّ دُعاءَ يومِ عَرَفَةَ مُجابٌ كُلُّهُ في الأغلَبِ) انتهى.

    وقالَ أُسامةُ بنُ زيدٍ رضيَ اللهُ عنهما: (كُنتُ رَدِيفَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعَرَفَاتٍ فرَفَعَ يدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بهِ ناقَتُهُ فسَقَطَ خِطامُهَا، فتَنَاوَلَ الخِطَامَ بإحْدَى يدَيْهِ وهُوَ رافِعٌ يَدَهُ الأُخْرَى) رواه النسائي وجوَّد إسناده ابنُ حَجَر.

    ويومُ عَرَفةَ هو أغيظُ يومٍ يَمُرُّ على الشيطانِ، رُويَ عنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنه قال: (ما رُئِيَ الشيطانُ يوماً هُوَ فيهِ أصغَرُ ولا أَدْحَرُ ولا أَحْقَرُ ولا أَغْيَظُ منهُ في يومِ عَرَفَةَ، وما ذاكَ إلاَّ لِما رَأَى مِن تَنَزُّلِ الرَّحمةِ، وتجاوُزِ اللهِ عنِ الذُّنوبِ العِظامِ، إلاَّ ما أُرِيَ يومَ بدرٍ، قيلَ: وما رأَى يومَ بدرٍ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: أمَا إنَّهُ قد رأَى جبرِيلَ يَزَعُ الملائكةَ) رواه مالكٌ مرسلاً وحَسَّنه البيهقي، قال ابنُ عبد البرِّ: (هذا حديثٌ حَسَنٌ في فضلِ شُهُودِ ذلكَ الموقِفِ المُباركِ.. وفيهِ دليلٌ على أنَّ كُلَّ مَن شَهِدَ تلكَ المشاهِدَ يَغفِرُ اللهُ لهُ إن شاءَ اللهُ) انتهى.

    وإدراكُ الحجِّ بالوقوفِ بعرفةَ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (الْحَجُّ عَرفَةُ) رواه الترمذي وجوَّد إسناده ابن عيينة، وقال وكيعٌ: (هذا الحديثُ أُمُّ المناسِكِ) انتهى، ويُباهي اللهُ بأهلِ عَرَفاتٍ، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إنَّ اللهَ يُباهي بأهلِ عَرَفَاتٍ أهلَ السماءِ، فيقُولُ لَهُمْ: انظُرُوا إلى عِبادِي جَاءُوني شُعْثاً غُبْراً) رواه البيهقي وصحَّحه النووي.

    قال شيخُ الإسلامُ ابنُ تيمية: (فإنهُ من المعلُومِ أنَّ الْحَجِيجَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَنزِلُ على قُلُوبهِم من الإيمانِ والرَّحْمَةِ والنُّورِ والبرَكَةِ ما لا يُمكِنُ التعبيرُ عنهُ) انتهى.

    وصومُ عَرَفَةَ أفضلُ يومٍ يُصامُ تطوُّعاً، قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (صيامُ يومِ عَرَفَةَ أحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَهُ، والسَّنَةَ التي بَعْدَهُ) رواه مسلم، و(سُئِلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن صَومِ يومِ عَرَفَةَ؟ فقالَ: يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضِيَةَ والباقيَةَ) رواه مسلم.
     
    وليُعلَم: أنه ليسَ مِن سُنَّةِ يومِ عرفةَ أن يجتمعَ الناسُ في مساجدِ بلدانهم بعدَ العَصْرِ للدُّعاءِ والذكرِ، فعن أبي حفصٍ الْمَدَنِيِّ قالَ: (اجتَمَعَ الناسُ يومَ عَرَفَةَ في مسجدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَدْعُونَ بعدَ العَصْرِ، فخَرَجَ نافعٌ مولى ابنِ عُمَرَ مِن دارِ آلِ عُمَرَ فقالَ: أيُّها الناسُ، إنَّ الذي أنتُم عليهِ بدعَةٌ وليسَتْ بسُنَّةٍ، إنَّا أَدْرَكْنَا الناسَ ولا يَصْنَعُونَ مِثلَ هذا، ثُمَّ رجَعَ فلمْ يَجلِسْ، ثمَّ خرَجَ الثانيَةَ ففَعَلَ مثلَهَا، ثُمَّ رَجَعَ) رواه ابن وضَّاح في البدع والنهي عنها.

    وقال ابنُ وهبٍ: (سَمِعتُ مالِكَاً يُسأَلُ عن جُلُوسِ الناسِ في المسجدِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بعدَ العصرِ واجتماعهم للدُّعَاءِ؟ فقالَ: ليسَ هذا مِن أمرِ الناسِ، وإنما مفاتيحُ هذهِ الأشياءِ مِن البدعِ) انتهى.

    رزقني اللهُ وإيَّاكُم حُسْنَ العَمَلِ في بقيَّةِ هذهِ العشْرِ المباركاتِ، وأعاننا على ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وحُسْنِ عِبادتهِ، آمين.
     
    الخطبة الثانية
    إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسولُه.

    أمَّا بعدُ: (فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخير الْهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ، وشَر الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُل بدعَةٍ ضَلالَةٌ)، و (لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ).

    أمَّا بعدُ: فيا عباد الله: لئن شطَّت بكم عوائقُ عن مقامِ أهلِ عَرَفَةَ، فقد شاركتموهم في الإسلامِ والإيمانِ، وشُرِعَ لكم اجتماعٌ بصلاةِ العيدِ يُقارِبُ اجتماعَهُم، ولئن اجتمَعَ الْحُجَّاجُ بمنىً يومَ العيدِ يَستكملونَ مَنَاسكَ الْحَجِّ، ويتقرَّبون إلى الله بالعَجِّ والثجِّ، فقد شَرَعَ اللهُ لكم الخروجَ إلى صلاةِ العيدِ والتقرُّبَ إليهِ بذبح الأضاحي، قال ابن عبد البرِّ: (وقدْ رُوِيَ في فضلِ الضَّحايا آثارٌ حِسَانٌ، فمنها.. عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ما مِن نفَقَةٍ بعدَ صِلَةِ الرَّحِمِ أعظَمُ عندَ اللهِ مِنْ إهراقِ الدَّمِ) انتهى.
     
    فأَحْيُوا سُنَّةَ أبيكِم إبراهيمَ بإهراقِ الدِّماءِ في ذلكَ اليومِ العظيمِ، وأفضلُها: أكرَمُها وأسمَنُها وأغلاها، وتُجزي الشاةُ عن الرَّجُلِ وأهلِ بيتهِ، والبَدَنةُ عن سَبْعِ شِياهٍ، والْمُجْزي مِنَ الضأنِ ما تَمَّ له سِتَّةُ أشهرٍ، ومِن الإبلِ ما تَمَّ له خَمْسُ سِنينَ، ومِنَ البَقَرِ ما تَمَّ له سَنَتانِ، ومِنَ الْمَعْزِ ما تَمَّ له سَنَةٌ، قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (لا يُضَحَّى بالعَرْجَاءِ بَيِّنٌ ظَلَعُهَا، ولا بالعَوْرَاءِ بَيِّنٌ عَوَرُها، ولا بالمريضةِ بَيِّنٌ مَرَضُها، ولا بالعَجْفَاءِ التي لا تُنْقِي) رواه الترمذيُّ وصحَّحه، وقال: (والعَمَلُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العِلْمِ) انتهى.

    ويُكره العضباءُ التي قُطعَ أكثرُ أُذُنِها أو قرنها، ويُستحبُّ أن تأكل منها وتتصدَّق، لعموم قولِ الله تبارك وتقدَّس: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]، ولقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (فَكُلُوا وادَّخِرُوا وتصَدَّقُوا) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم، ووقتُ الذبح مِن انقضاءِ صلاةِ العيدِ إلى آخرِ اليوم الثالثِ مِن أيام التشريق.

    أدخَلَنَا اللهُ برحمتهِ في عبادهِ الصالحين، اللهُمَّ واغفِر للمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ والأمواتِ، اللهم وارفع وادفع عنَّا الغلا والوَباءَ والْمِحَن، والزلازلَ والفِتَن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا ربَّ العالمين، اللهم وانصُر جُنودنا، واحفظ حُدودنا، ووفِّق وليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، وجميع ولاة أُمورِ المسلمين لِما تُحبُّ وترضى، اللهُمَّ واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وعاف مُبتلانا يا أرحم الراحمين، اللهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.


     
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
    شبكة الالوكة

  3. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قول الله -تعالى-: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:17،18]، قال: "جمعت هاتان الآيتان الصلوات الخمس، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾المغرب، والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر".


    هاتان الآيتان جمعتا الصلوات الخمس، وهذا من بلاغة وإعجاز القرآن
    ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾(تمسون): المساء في الأصل يطلق على ما بعد الزوال، ومنه حديث أن رجلاً جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت!، قال: "ارم ولا حرج" [رواه البخاري]، ولكن إذا أطلق المساء مع العشي، فكما قال الماوردي؛ قال: (إن المساء معناه في هذه الحال بدُوُّ الظلام بعد المغيب، وأما العشي فهو آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذٌ من عشى العين، وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس، ومنه أن الله تعالى يباهي بالحجيج ملائكته عشية عرفة، يعني آخر النهار يوم عرفة، وعلى هذا فقوله (حين تمسون) المراد بذلك: صلاة المغرب وصلاة العشاء، لأن المساء في هذه الحال معناه: بدُوُّ الظلام بعد المغيب، فيشمل صلاة المغرب وصلاة العشاء، (وحين تصبحون) هذا ظاهر أن المراد به صلاة الصبح، (وعشياً) العشي: قلنا أنه آخر النهار، عند ميل الشمس للمغيب، فالمراد بالعشي: صلاة العصر، (وحين تظهرون): صلاة الظهر، فشملت هذه الآية الصلوات الخمس، ويدخل في ذلك أذكار الصباح والمساء، فإنها تدخل في الصباح -في الصبح-، والمساء -فيما بعد العصر-، ويدخل في ذلك أيضاً النوافل، فهذه الأوقات اختارها الله -تعالى- أوقاتاً للصلاة المفروضة، وهذا يدل على أن العبادة في هذه الأوقات أفضل من غيرها، كما قال الشيخ عبدالرحمن السعدي وغيره، قالوا إن هذه الأوقات الخمسة اختارها الله تعالى للصلاة المفروضة، وهذا يدل على أن العبادة فيها أفضل من العبادة في غيرها، فيؤتى فيها بما تيسر من النوافل.





    موقع سعد ابن تركي الخثلان

     


  4. كثيرٌ من الناس قد يقع في ضائقة، وتتكالب عليه الهموم، وتتكاثر عليه الديون، ويفكر في مخرج، ولكن البعض بدل أن يتوجه إلى السماء بالدعاء إلى من يملك مفاتح الفرج والرزق؛ ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23] - يفكر في أمور أخرى، فيسد ديونه بالغش والسرقة، أو بالربا، يريد أن يتخلص من الهموم بالانتحار، والتخلص من هذه الدنيا بأكملها، لا يفكر في التوجه إلى العزيز الغفار، غفار الذنوب، وكافي الهموم، الذي يرفع عنك ما لا تتصوره لو توجهت إليه صادقًا، لو توجهت إليه خالصًا.


    نَجَمَ ذلك من ضعف في الإيمان، وضعف في التوجه إلى الرحمن، نتج ذلك من جهل في أن الدعاء كالماء للعطشان، وكالدواء للمريض، الدعاء وذكر الله والاستغفار والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإكثار منها يكفي الهموم ويغفر الذنوب.

    يا من تفكر في أن تتوجه إلى نفسك بقتلها، فتسقط من فوق عمارة، أو من فوق شجرة، أو من فوق جبل، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؟ يا من تتحسَّى السُّمَّ، وتشرب الأدوية الكثيرة؛ لتتخلص من هذه الحياة التي هي خير لك إذا أطعتَ الله فيها، خيرٌ لك من الموت، فالفرج قريب، والفرج قد جاء إن شاء الله، والكرب يزول بأمر الله سبحانه وتعالى - ألم تتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن تحسَّى سُمًّا فقتل نفسه، فسُمُّهُ في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؟ يا من توجهت إلى حديدة أو إلى مسمار أو شفرة صغيرة، فقطعت بها وريدك، أو وجأتَ بها في بطنك، ألم تعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؛ [متفق عليه: (خ) (5778)، (م) 175 - (109)].

    والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحكي لنا عمن كان من قبلنا؛ فقد ورد عن الحسن: حدثنا جندب رضي الله عنه في هذا الـمسجد فما نسينا، وما نخاف أن يكذب جندب على النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان برجل جراح، فقتل نفسه، فقال الله: بدرني عبدي بنفسه؛ حرمت عليه الجنة))؛ [رواه البخاري: (خ) (1364)].

    وفي رواية: ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزِع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده - لم يصبر عليها - فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني - سبقني - عبدي بنفسه؛ حرمت عليه الجنة))؛ [رواه البخاري: (خ) (3463)]، وفي رواية: ((إن رجلًا ممن كان قبلكم خرجت به قُرْحَة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فَنَكَأَها - يريد أن يتخلص من هذه الحياة - فلم يرقأ الدم حتى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة))؛ [(م) 180 - (113)].

    فلا تيأس من روح الله، ولا من رحمة الله، فالذين تسببوا لك بهذه الهموم سيحاسبهم الله في الدنيا قبل الآخرة إن كانوا ظالمين، من تسبب في إدخال المسلمين في الهموم والغموم مهما كان سيأخذ عقابه عاجلًا أم آجلًا، لكن أنت لا تتوجه إلى ما حرم الله، فتلاقي الله وهو عليك غضبان، إياك يا عبدالله، لا ينفعك ذلك عند الله سبحانه وتعالى.

    أكبر من ذلك؛ ربما بعض الناس لا يقصد أن يقتل نفسه، لكن يتسبب في قتلها، كإنسان في هذا الوقت، وفي هذا الجو شديد الحرارة، ينام على سطح البيت، لكن هذا السطح ليس عليه ما يحمي من السقوط يمنة ولا يسرة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن علي - يعني: ابن شيبان - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من بات على ظهر بيت ليس له حِجارٌ - لا يوجد هناك حائط - فقد برئت منه الذمة))؛ [رواه أبو داود: (د) (5041)، صحيح الجامع: (6113)، صحيح الترغيب: (3076)]، والـحِجار هو الستر والحجاب الذي يكون على السطح، يمنع الإنسان من التردي والسقوط؛ [عون المعبود ج: 11، ص: 82].

    وفي رواية: ((من بات فوق بيت ليس حوله شيء يرد قدميه، فوقع فمات، فقد برئت منه الذمة، ومن ركب البحر بعدما يرتجُّ فمات، فقد برئت منه الذمة))؛ [الحديث بزوائده: رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد: (حم) (20749)، (22333)، (خد) (1192)، (1194)، انظر الصحيحة: (828)، صحيح الترغيب: (3078)]، ((برئت منه الذمة)): قال في فتح الودود: "يريد أنه إن مات، فلا يؤاخذ بدمه"، وقيل: "إن لكلٍّ من الناس عهدًا من الله تعالى بالحفظ والسلامة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، انقطع عنه"؛ [عون المعبود (11/ 82)]، ويرتج: أي: هاج الموج وارتفع.

    إذًا هو ما قتل نفسه لكنه تسبب في قتل نفسه، لماذا؟ لم يأخذ بالاحتياطات والاحترازات التي تحفظه وتحميه من الهلاك، وقد يدخل في ذلك من قاد سيارةً، وأسرع فيها سرعة عالية جدًّا غير مسموح بها، فوقع له حادث، ومَن تعاطَى المحرمات كالدخان والأفيون والحشيش والمسكرات، فمات بسبب ذلك، ومن رأى البحر هائجًا ودخل فيه، فغرق، وذمة الله لخلقه أن يحفظهم ما داموا يحفظون حدوده، فإذا تركوا حِفْظَ حدوده ترك حفظهم، وبرئت منهم الذمة.

    روى مسلم في صحيحه عن الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه عندما جاء إلى مكة المكرمة إلى سوق عكاظ، يبيع ويشتري، حذره الناس من أن يستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يسحر الناس، فوضع الكرسف - أي: القطن - في أذنيه؛ حتى لا يسمع رسول الله، لكنه قال: أنا رجل عاقل، لِمَ لا أسمع؟ فإن كان خيرًا أخذت، وإن كان غير ذلك تركت، فاستمع فأعجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لا يعجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أولئك المنافقون والكفار، لكن من أراد الله به الخير فيعجبه كلام العزيز الغفار، فقال: يا رسول الله - وذلك بمكة المكرمة قبل الهجرة - ما رأيك لو ذهبت معي إلى حصن حصين منيعة؟ يعني: أمنعك من هؤلاء الكفار أقاربك كانوا يعذبونك، وهو يرى عذاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يريد منه أن يهاجر إلى اليمن، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لِما ادخر الله للأنصار من الخير، الله ادخر للأنصار خيرًا كثيرًا، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجاء الطفيل بن عمرو الدوسي مهاجرًا ومعه صاحب له، تغير جوُّ المدينة، حولها وباء، فاجتوى المدينة، أصاب في جوفه الجوى، أصاب صاحبه، فماذا فعل صاحبه الذي جاء معه مهاجرًا؟


    ورد عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: ((أتى الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومَنْعَة؟ قال: حصن كان لدَوْسٍ في الجاهلية - أي: جماعة يمنعونك ممن يقصدك بمكروه؛ [النووي (1/ 230)] - فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتَوَوا المدينة - أي: كرِهوا المقام بها لضجرٍ ونوع من سقم، قال الخطابي: وأصله من الجوى، وهو داء يصيب الجوف؛ [شرح النووي (1/ 230)] - فمرِض، فجزِع - أي: لم يصبر - فأخذ مشاقصَ له - المشاقص: جمع مشقص، وهو سهم فيه نصل عريض؛ [النووي (1/ 230)] أخرج سكينًا له فحزَّ بها يده - فقطع بها براجِمَهُ - البراجم: العقد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ، الواحدة: برجمة؛ [النهاية (ج: 1، ص: 291] - فَشَخَبَتْ - أي: سال دمهما - يداه حتى مات - قتل نفسه، فلم يصبر على الوباء، وتغير الجو - فرآه الطفيل بن عمرو في منامه - رأى صاحبه المنتحر - فرآه وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه - أي: في الجنة - فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لي أراك مغطيًا يديك؟ كأن اليد المعطوبة مغطاة فاسدة، قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ولِيَدَيْهِ فاغفر))؛ [رواه مسلم وأحمد: (م) 184 - (116)، (حم) (14982)].
    من هذه الأحاديث يتبين لنا ما قاله العلماء فيمن قتل نفسه بالحديدة، أو بالتردي من الجبل، أو بشرب السم ونحو ذلك، خالدًا مخلدًا في النار أبدًا، ما معناها؟ وهذا الرجل في الجنة ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ((وليديه فاغفر)).


    الخلاصة: ما عليه العلماء أن من قتل نفسه يأسًا وقنوطًا من رحمة الله سبحانه وتعالى، واستحلالًا للانتحار، وعدم إيمان برحمة الله - فقد كَفَرَ، وخرج من الملة، إلى جهنم أبدا خالدًا مخلدًا فيها أبدًا.
    أما من قتل نفسه لما احتوشحته الظروف من أمور معينة، لكن قصر ولم يستطع أن يمنع نفسه، مات مؤمنًا مسلمًا، هذا إلى الله سبحانه وتعالى، فقد يطول بقاؤه في النار، لكن لا يخلد في جهنم؛ لأن جهنم لا يخلد فيها إلا من مات على الشرك دائمًا أبدًا، فحييَ ومات على الشرك بالله؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72].


    فلنلجأ إلى الله عز وجل في كل أمورنا التي تسبب لنا الضيق والضنك، والكرب والشدة، الشدة التي حول المسلمين في هذا الزمان عمومًا، وعندنا هنا خاصة، نتوجه إلى الله بالدعاء، ونتوجه إلى الله بذكر الله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صلى الله عليه في كتابه، وأمر الملائكة أن يصلوا عليه؛ فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].
    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.
    اللهم لا تَدَعْ لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا دَينًا إلا قضيته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا مبتلًى إلا عافيته، ولا غائبًا إلا رددته إلى أهله سالمًا غانمًا يا رب العالمين.
    اللهم اقضِ الدين عن المدينين، ونفِّس كرب المكروبين برحمتك يا أرحم الراحمين
    ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].

    الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد
    شبكة الالوكة


  5. فضل يوم عرفة الذي يستقبله المسلمون، ليس خاصًّا بأهل الموقف في عرفة، بل إن فضله يشمل عباد الله في أرجاء الدنيا، والله ذو الفضل العظيم.

     

    وقد ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" رواه مسلم.

     

    قال العلامة النووي رحمه الله في شرحه: معناه: يكفر ذنوب صائمِه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر، فإن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات. انتهى.

     

    ومن أسباب المغفرة في يوم عرفة: الإكثار من ذكر الله، وبخاصة شهادة التوحيد؛ فإنها من أعظم ما يُتقرب إلى الله في ذلك اليوم به؛ جاء في المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر دعائه يوم عرفة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير)).

     

    وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ". والحديث حسنه الألباني.

     

    قال العلامة النووي في "المجموع":

    "وينبغي أن يأتي بهذه الأذكار كلها فتارة يهلل وتارة يكبر وتارة يسبح وتارة يقرأ القرآن وتارة يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يدعو وتارة يستغفر ويدعو مفرداً، وفي جماعة وليدع لنفسه ولوالديه ومشايخه وأقاربه وأصحابه وأصدقائه وأحبائه وسائر من أحسن إليه وسائر المسلمين، وليحذر كل الحذر من التقصير في شيء من هذا، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه بخلاف غيره. وينبغي أن يكرر الاستغفار والتلفظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الندم بالقلب، وأن يكثر البكاء مع الذكر والدعاء، فهناك تسكب العبرات وتستقال العثرات وترتجى الطلبات". انتهى.

     

    يوم النحر:

    ثم نستقبل بعدها يوم النحر الذي هو أفضل أيام الدنيا.

    وقد سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله‏:‏ أيما أفضل‏:‏ يوم عرفة، أو الجمعة، أو الفطر، أو النحر؟‏

    فأجاب‏:‏ الحمد لله، أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة باتفاق العلماء.

     

    وأفضل أيام العام هو يوم النحر، وقد قال بعضهم‏:‏ يوم عرفة، والأول هو الصحيح؛ لأن في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ "أفضل الأيام عند اللّه يوم النحر ثم يوم القَرِّ‏".

     

    ‏لأنه - أي يوم النحر - يوم الحج الأكبر في مذهب مالك والشافعي وأحمد، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ "يوم النحر هو يوم الحج الأكبر‏"‏.‏

     

    وفيه من الأعمال مالا يُعمل في غيره، كالوقوف بمزدلفة، ورمي جمرة العقبة وحدها، والنحر، والحلق، وطواف الإفاضة.

     

    فإنَّ فِعْل هذه فيه أفضل بالسنة واتفاق العلماء‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ ينظر: "مجموع الفتاوى" ( 13 / 155 ) ط العبيكان.

     

    ويوم القَرّ هو يوم الغد من يوم النحر أي 11 ذي الحجة لأن الناس يقرون فيه بمنى، أي يسكنون ويقيمون. "النهاية" 4/ 37 . وليس لأحد أن يَنفِر أو ينصرف من الحج في هذا اليوم.

     

    أيام التشريق:

    ثم نستقبل بعدها أيام التشريق، وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وقد ورد في فضلها آيات وأحاديث منها:

    1- قول الله عز وجل: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 203]، الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، قاله ابن عمر رضي الله عنه واختاره أكثر العلماء.

     

    2- قول النبي صلى الله عليه وسلم عن أيام التشريق: " إنها أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله عز وجل ".

     

    وذِكر الله عز وجل المأمور به في أيام التشريق أنواع متعددة:

    منها: ذكر الله عزَّ وجل عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها، وهو مشروعٌ إلى آخر أيام التشريق عند جمهور العلماء.

     

    ومنها: ذِكره بالتكبير عند رمي الجمار أيام التشريق، وهذا يختصُّ به الحجاج.

     

    ومنها: ذكر الله تعالى المطلق، فإنه يُستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان عُمر رضي الله عنه يُكبر بمنىً في قبته، فيسمعه الناس فيُكبرون فترتج منىً تكبيراً، وقد قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 200، 201].

     

    وقد استحب كثيرٌ من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق.

     

    ومنها: ذُكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النُسك، فإنَّ وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيَّام التشريق.

     

    ومنها: ذكر الله عزَّ وجل على الأكل والشرب، فإن المشروع في الأكل والشرب أن يُسمي الله في أوله، ويحمده في آخره، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله عزَّ وجل يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشَّربة فيحمده عليها " رواه مسلم.

     

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عزَّ وجل " إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيام الأعياد والشُّرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته وذلك من تمام شكر النعمة أن يُستعان بها على الطاعات.

     

    وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له، فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدَّلها كُفراً، وهو جدير أن يُسلبها، كما قيل:

    إذا كنت في نعمةٍ فارعها space.gif
    فإن المعاصي تزيل النعم space.gif
    وداوم عليها بشُكر الإله space.gif
    فشُكر الإله يُزيل النِّقم space.gif

     

    3- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها " لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل " رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

     

    اللهم وفقنا لفعل الصالحات، وأعنَّا على ذِكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ثبتنا عند الممات، وارحمنا برحمتك يا جزيل العطايا والهبات. والحمد لله رب العالمين



    شبكة الالوكة
    الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع


  6.  

    بسم الله الرحمن الرحيم


    ـ هناك أعمال لا تمس النار أصحابها:
    أن طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، بفعل ما أمر به ، وترك ما نهى عنه ، هي أصل الفوز بالجنة والنجاة من النار ، وأن معصية الله ورسوله هما سبب دخول النار ، كما قال الله عز وجل : (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) النساء/13 ، 14 .

    وكما أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قَالَ : (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى ؟ قَالَ : مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) . رواه البخاري (7280) .


    وهناك من الأعمال ما نص الرسول صلى الله عليه وسلم على تحريم صاحبها على النار ، وذلك ترغيباً لنا في القيام بهذه الأعمال ، وإتقانها على الوجه الذي يرضاه الله تعالى .

    فمن ذلك :

    1- قول لا إله إلا الله بإخلاص ويقين :

    فعن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لمعاذ رضي الله عنه : (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) رواه البخاري (128) ومسلم (32) .

    وروى مسلم (29) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) .

    وروى البخاري (425) ومسلم (33) عن عِتْبَانَ بْن مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ).

    2– حسن الخلق ولين الجانب :


    روى الترمذي (2488) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ) . وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (938) .

    " قَالَ الْقَارِي : أَيْ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ طَلْقٍ حَلِيمٍ لَيِّنِ الْجَانِبِ " انتهى .
    "تحفة الأحوذي" (7/160) .


    3- تغبير القدم في سبيل الله :

    روى البخاري (907) أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) .

    وروى أحمد (21455) أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : (مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النَّارِ) صححه الألباني في "الإرواء" (5/5) .

    ورواه ابن حبان في "صحيحه" (4064) ولفظه : عن أبي المصبح المقرائي قال : بينما نحن نسير بأرض الروم في طائفة عليها مالك بن عبد الله الخثعمي إذ مر مالك بجابر بن عبد الله وهو يمشي يقود بغلاً له ، فقال له مالك : أي أبا عبد الله ، اركب ، فقد حملك الله ، فقال جابر : أصلح دابتي ، وأستغني عن قومي ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) فأعجب مالكاً قولُه ، فسار حتى إذا كان حيث يسمعه الصوت ناداه بأعلى صوته : يا أبا عبد الله ، اركب ، فقد حملك الله ، فعرف جابر الذي أراد برفع صوته ، وقال : أصلح دابتي ، وأستغني عن قومي ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) فوثب الناس عن دوابهم ، فما رأينا يوما أكثر ماشيا منه . صححه الألباني في "الإرواء" (5/6) .

    4- الصلاة :


    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ ) متفق عليه .

    وروى أحمد (17882) عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، عَلَى وُضُوئِهَا ، وَمَوَاقِيتِهَا ، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا ، يَرَاهَا حَقًّا لِلَّهِ عَلَيْهِ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ) حسنه الألباني في "صحيح الترغيب" (381).


    5- المحافظة على أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا :

    روى أبو داود (1269) والترمذي (428) وصححه عن أُمّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضي الله عنها قالت : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

    6- ذكر الله وتوحيده عند الموت :

    روى ابن ماجة (3794) عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : صَدَقَ عَبْدِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، وَأَنَا أَكْبَرُ .

    وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ . قَالَ : صَدَقَ عَبْدِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي .

    وَإِذَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . قَالَ : صَدَقَ عَبْدِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، وَلَا شَرِيكَ لِي .

    وَإِذَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ . قَالَ : صَدَقَ عَبْدِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، لِي الْمُلْكُ ، وَلِيَ الْحَمْدُ .

    وَإِذَا قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . قَالَ : صَدَقَ عَبْدِي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي) .

    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (713) .

    7- البكاء من خشية الله ، والحراسة في سبيل الله :


    روى الترمذي (1639) وحسنه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

    8- غض البصر :

    روى الطبراني في "المعجم الكبير" (1003) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ترى أعينهم النار : عين حرست في سبيل الله ، وعين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ) . وصححه الألباني في "الصحيحة" (2673).

    9- الصبر على فقد الولد :

    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ) متفق عليه .

    قال النووي في "شرح مسلم" :

    "قَالَ الْعُلَمَاء : ( تَحِلَّة الْقَسَم ) مَا يَنْحَلّ بِهِ الْقَسَم ، وَهُوَ الْيَمِين ، وَجَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيث أَنَّ الْمُرَاد قَوْله تَعَالَى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء ، وَالْقَسَم مُقَدَّر، أَيْ : وَاَللَّه إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا ، وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : مَعْنَاهُ تَقْلِيل مُدَّة وِرْدهَا . قَالَ : وَتَحِلَّة الْقَسَم تُسْتَعْمَل فِي هَذَا فِي كَلَام الْعَرَب ، وَقِيلَ : تَقْدِيره : وَلَا تَحِلَّة الْقَسَم ، أَيْ : لَا تَمَسّهُ أَصْلًا، وَلَا قَدْرًا يَسِيرًا كَتَحِلَّةِ الْقَسَم ، وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدهَا) الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط ، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَيْهَا . وَقِيلَ : الْوُقُوف عِنْدهَا" انتهى باختصار .

    وروى الطبراني في "الكبير" (231) عن واثلة رضي الله عنه قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من دفن ثلاثة من الولد حرم الله عليه النار) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (6238) .

    هذه بعض الأعمال التي جاء النص عليها أن من فعلها حرمه الله على النار ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بها .

    وجماع ذلك كما سبق هو : طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .


    المصدر: الشيخ محمد بن صالح المنجد ـ حفظه الله - موقع الإسلام سؤال وجواب.

    (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)


    أحمد خالد العتيبي
    صيد الفوائد
     

    • معجبة 1

  7. تفسير: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)

    ♦ الآية: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾.
    ♦ السورة ورقم الآية: الحج (27).
    ♦ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ ﴾ نادِ فيهم ﴿ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا ﴾ مُشاةً على أرجلهم ﴿ وَ ﴾ ركبانًا ﴿ عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ وهو البعير المهزول ﴿ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ طريق بعيد.
     
     
    وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
        1- وأذن في الناس بالحج" أذان إبراهيم عليه السلام يدوي في أعماقنا هذه الآيام هل تحس بذلك! /عبد الله بلقاسم
              2- الحج تواصل بين الناس وتبادل للمنافع؛ ومكة أول مدينة مُعَولَمَة يأتيها الناس ) من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم (. / سلمان العودة
    3- ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ لم يثنهم نصب ، ولا وصب ، ولا فقر ولاحب مال وولد عن إجابة خالقهم . أي حب هذا !؟ / إبراهيم العقيل.
    4- يأتين من كل فج عميق " أعظم الوفود قدرا ... وفد الرحمن ... الذي أتى من كل مكان/ نايف الفيصل-       5           يَأتين من كُلِّ فَجٍّ عميق " أنّى لبشرٍ أن يَجمع الناس بتنوع أشكالهم في مكان واحد ... / نايف الفيصل
    6- {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً{  رجالا: أي على أقدامهم ، بمعنى مشاة ، وليس المقصود به الذكور . تصحيح_التفسير"من حساب: أمه لله
               7 - هل يترك أكثر الناس حجا للصفويين؟! "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا"  قال ابن عباس رضي الله عنه:  فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا. / رقية المحارب
               8- إن أخلصت الكلمة لله؛يسّر وصولها،ولو قلّ النصير مادياً والسامع إعلامياً (وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق). . / خباب مروان الحمد
            9-      من كل فج عميق" لقد أتى بيته سبحانه حجاج كثير ولكنه خص القادمين من بعيد من بعيد مراتب العبودية الكبرى حين تتخطى مسافات ألمك وتعبك وتطيع الله / عبدالله بلقاسم
    10-قال الله لإبراهيم عليه السلام ( وأذن في الناس بالحج) وكل الأنبياء بعده إبراهيم قد حجوا ، وموسى عليه السلام منهم/ عبدالله بلقاسم
    11- ﴿ يأتين من كل فج ﴾ يعني: طريق كما قال: ﴿ وجعلنا فيها فجاجا سبلا ﴾ وقوله: ﴿ عميق ﴾ أي: بعيد قاله مجاهد ، وعطاء ، والسدي، وقتادة ، وغير واحد . / روائع القرآن

    شبكة الالوكة وحصاد التدبر


    110341710_3178279235582111_4301132234157129383_n.jpg?_nc_cat=108&_nc_sid=730e14&_nc_ohc=XSGM2LcAnLoAX8psGBo&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=60b52f3eae989c206a3e1ce8ca9367b5&oe=5F4073DE

  8. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده:
    من الأعمال الصالحة في يوم النحر: التقرب إلى الله تعالى بِذَبحِ الأضحية، وبذلِ المال طاعةً لله تعالى. وتُعرَّف الأضحية: بأنها اسمٌ لما يُذبح بسبب العيد؛ من الإبل والبقر والغنم، يوم النحر، وأيام التشريق، تقرُّباً إلى الله تعالى. وأفضل زمنٍ لذبحها ضُحى يوم العيد؛ ولذلك سُمِّيَت بالأضحية.
     
    وفي الأضحية إحياءٌ لِسُنَّة الخليل إبراهيم عليه السلام، وفيها التقرب إلى الله تعالى بإراقة الدم؛ فإنَّ الله تعالى لن يبلغ مرضاتِه لحومُ الأضاحي، ولا دماؤها، وإنما يناله التقوى من عباده، ومحبته لهم، والتقرب إليه بما يحب. وإراقةُ الدَّمِ مع ذكر اسمِ اللهِ سبحانه مشروعةٌ في جميع الأمم، مما يدل على أهميته، وأنه من أعظم القربات؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾ [الحج: 34].
     
    والأضحيةُ سُنَّةٌ مُؤكَّدة في حقِّ المُوسِر، فيضحي عن نفسه، وعن أهله من الوالدين والزوجة والأولاد؛ لِيَنالَ بذلك عظيمَ الأجر، امتثالاً لأمر الله تعالى، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث ضَحَّى عنه، وعن أهل بيته. وَذَبْحُ الأضحيةِ أفضل من التَّصدُّق بثمنها؛ لأنَّ الذَّبحَ وإراقةَ الدم عِبادةٌ تدل على تعظيم الله تعالى، وإحياءِ شعيرةٍ عظيمةٍ من شعائره التي أمَرَ بتعظيمها؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ [الحج: 36]؛ وقال سبحانه: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وإخراجُ القِيمةِ تعطيلٌ لهذه الشَّعيرة.
     
    ودلَّت السُّنَّة على أنَّ مَنْ أراد أنْ يُضَحِّي وجبَ عليه أنْ يُمسِكَ عن الأخذ من شَعرِه وظُفرِه وبَشَرَتِه منذ دخول العَشْر إلى أنْ يَذبَحَ أُضحيَتَه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ؛ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» رواه مسلم. وفي رواية: «فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ» رواه مسلم. وإنْ تعمَّد الأخذَ، فعليه أنْ يستغفرَ اللهَ ويتوبَ إليه؛ لوجوبِ التوبةِ من كلِّ ذنب، ولا فِديةَ عليه إجماعاً، والأضحيةُ بحالها.
     
    إخوتي الكرام.. الأضحية مطلوبة في وقتها من الحيِّ عن نفسِه، وله أنْ يُشْرِك في ثوابها مَنْ شاء من الأحياء والأموات. وبعضُ الناسِ يظن أنها مشروعة للأموات، فهذا خطأ فادح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - كانوا يُضَحُّون عن أنفسهم وأهليهم.
     
    والمَيِّتُ لا يُضحَّى عنه ابتداءً؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ماتت خديجةُ - رضي الله عنها - وعمُّه حمزةُ - رضي الله عنه - في حياته؛ ولم يُنقل أنه ضَحَّى عن واحدٍ منهما. فإنْ أوصى الميِّتُ بأضحيةٍ، وترك مالاً؛ فيجب على القائم على الوصية تنفيذُ ذلك.
     
    أيها المسلمون.. إنَّ الاعتناءَ باختيار أحْسَنِ الأضاحي وأكْمَلِها؛ من تعظيم شعائر الله الدال على التقوى، وقد كان المسلمون يُغالون في الهدي والأضاحي ويختارونه سَمِيناً حَسَناً؛ قال أبو أُمامةَ بنُ سَهْلٍ - رضي الله عنه - قال: «كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ» رواه البخاري.
     
    فإنْ كان يُحْسِنُ الذَّبحِ فليذبح بنفسه؛ لقول أنسٍ - رضي الله عنه: «ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» رواه البخاري. وتجوز الاستنابةُ في الذبح.
     
    الخطبة الثانية
    الحمد لله... عباد الله.. ينبغي للمُضَحِّي أنْ يُراعي الإحسانَ إلى الذبيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رواه مسلم.
     
    وتجبُ التسميةُ عند الذبح، فيقول: "بسم الله"؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 118]؛ وقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ﴾ [الأنعام: 121]. ولا تُسنُّ زيادةُ "الرحمن الرحيم" لعدم ورودها. وهناك فرقٌ بين "التسمية"، و"البسملة" الخاصة بقراءة القرآن.
     
    ويُستحبُّ التَّكبِير، فيقول: "الله أكبر" مع التسمية؛ ولا تُشرع الزيادةُ عليهما إلاَّ بالدعاء بالقبول - عند ذبحها؛ لحديث عائشةَ - رضي الله عنها-، وفيه: وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» رواه مسلم.
     
    ولا تُشرَعُ الصلاةُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا المَوْضِع؛ لأنَّ فيه إيهامَ الإهلالِ لغير الله تعالى. وأمَّا استقبالُ القِبلةِ بها عند الذبح فليس بواجب.
     
    ولا يجوزُ بيعُ شيءٍ من الأضحية؛ لا لحمها، ولا شحمها، ولا جلدها؛ لأنه مَالٌ أُخرِجَ لله تعالى، فلم يَجُزْ الرجوعُ فيه. ولا يُعطي الجَزَّار أُجرَتَه منها؛ لأنه مُعاوَضَةٌ، وهي في معنى البيع. قال عليٌّ - رضي الله عنه: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» رواه مسلم. فإنْ أعطاه أُجْرَته كاملاً أولاً، ثم أهدى له منها فلا بأس؛ لئلا تقع مُسامحةٌ في الأُجرة.
     
    ويُسَنُّ للمُضحِّي أنْ يأكلَ من أُضحيته، ويُهدِي للأقارب والجيران، ويَتَصدَّق منها على الفقراء، قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا» رواه البخاري. وليس في الحديث تعيينُ مقدارِ ما يُؤكل أو يُهدى، أو يُتصدَّق بالثلث.
     
    ويجوز أن يُعطى الكافِرُ؛ لفقره، أو قرابتِه، أو جوارِه، أو تأليفِ قلبه، وهو من محاسن الإسلام. وإذا ذَبَحَ أُضحيتَه فله أنْ يَقُصَّ أظفارَه، ويأخذ الشَّعْرَ الذي يجوز أخذه، ولو كان له أُضحيةٌ غيرُها.
     
    واعتاد بعضُهم الذَّهاب إلى المقبرة بعد صلاة العيد؛ لزيارة والدٍ أو قريب، قبل أيِّ عملٍ آخَر! فهذا من البِدع المُحدثة، ولم يكن يفعله الصحابةُ - رضي الله عنهم - وهم أسبقُ الناسِ إلى كلِّ خير، وأعلمُ بِشَرعِ اللهِ تعالى.

     
    د.محمود الدوسري
    شبكة الالوكة

  9. الخطبة الأولى
    الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد مَن جلَّ عن زوجٍ وكفءٍ وولد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه من خلقه وخليلُه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، فجزاه الله عنَّا خير ما جزى نبيًا عن أُمته، وسلم تسليمًا كثيرًا.
     
    أمَّا بعد:
    فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فمن اتقى الله وقاه، ومن توكَّل عليه كفاه، فاتقوا الله: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281].

    إخوتي في الله، في دنيا مليئةٍ بالابتلاءات والمصائب والنكَبات، وتبدُّلِ الأحوال خلق الله الإنسان، جعل له مفاتيحَ يخرج بها من الضِّيق والابتلاء، أعرَضُ هذه المفاتيح وقْعًا، وأجلُّها مكانةً ومنزلةً وأثرًا، الإحسان مع الخلق والإحسان مع الخالق، جعل الله الإحسان إلى الخلق سبب لزوال النكَبات والمصائب والابتلاءات، فإذا ما نزل على إنسان بلاء وادْلهمَّت عليه لأْواءُ، ويسَّر الله له طريقًا إلى الإحسان إلى الناس، كان ذلك عنوان زوال ذلك البلاء من حياته؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل:5-6-7].

    اليسرى: تيسيرُ أمورٍ في الدنيا والآخرة، ولك أن ترحلَ في كل الآيات التي وردت في كتاب الله، تصفُ حال المحسنين، وتتأمَّلها وتتدبرها، لن أقفَ أمامها لكنْ أذكِّرك بها: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأنعام:84]، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[يوسف:90]، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن:60]، ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف:56]، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس:26].

    صاحبُ الإحسانِ مع الناس هو صاحبُ الراحةِ والطمأنينةِ في الدنيا والآخرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «مَن نَفَّسَ عن مُسلِمٍ كُرْبةً من كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامة»؛ أخرجه مسلم، ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر:9].

    قال ابن القيِّم: (فما استُجلِبت نِعَم الله واستُدفِعت نِقَمه بمثل طاعته والإحسان إلى خلقه)، إذا ادْلهمَّ عليك البلاء واشتدت عليك اللأواء، فافتح أبواب الإحسان إلى الخلق، هناك بإذن الله جلَّ في علاه ستُرفع عنك المصائب والنكَبات، لكنْ لك أن تتأمَّل قواعد الإحسان إلى الخلق، وأنا أستقرأ النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ظهرتْ لي جملة من القواعد عندما نريد أن نُحسن، قواعد الإحسان إلى الخلق قواعد العطاء سمِّها ما شئت، يجبُ أن تتأمَّلها وهي لبُّ حديث هذه الخطبة.

    القاعدة الأولى: العطاءُ للآخرين هو عطاءٌ لرب العالمين، لا يريد الإنسان من وراءه جزاءً ولا شكورًا: ﴿ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان:9]، ولتحقيقِ هذه القاعدة جاءت النصوصُ الشرعيةُ تؤدِّبُ وتعلِّمُ وتصنعُ إنسانًا يُحسن إلى الآخرين ولو أساؤوا إليه؛ قال عليه الصلاة والسلام: «أفضلُ الصدقةِ الصدقةُ على ذي الرَّحِمِ الكاشِحِ»؛ صححه الألباني.

    الرَّحِم: قريب، كاشح، ما معنى كاشح؟ قال العلماء: (الذي يُضمر لك العداوة)، أفضل الصدقة أتصدق على قريب أعرفُ أنَّه يُضمر لي العداوة وينتظرُ مني أن أَسْقط، ثم يستهزأ بي، وربَّما يؤلِّب الأسرة عليَّ، أفضل الصدقة أتصدق على هذا الكاشح، نعم، حتى تعرف أنْ يكون عطاؤك لله وليس للبشر.

    القاعدة الثانية: الأقربون أَولى وابدأ بمن تعول، أزمة أننا نُضحِك الآخرين ونحسن إلى الآخرين، ونسرُّهم ونجلس معهم ونؤانسهم، والأقربون في منْأى عنَّا، أبٌ مهموم، أمٌّ مكلومة، أختٌ منْسيَّة، ابنٌ يشعر بقسوة، زوجةٌ مهجورة، ثم يأتي هذا الإنسان البطل في العطاء يُحسن إلى صديق العمل ويتبسم في وجه الجار من أجل العطاء، وأقربُ الناس إليه يُصْلَون بكيده ليل نهار، القاعدة في العطاء: ابدأ بمن تعول.

    القاعدة الثالثة: حياتك فرصة، إذا بقيَ النَّفَس يتردد فهي فرصةٌ لكي تُحسن؛ لأنَّه في لحظة المغادرةِ لهذه الدنيا أولُ شيء يستذكره الإنسان ويطلبُه من الله أنْ يُمنح فرصةً للعطاء: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾، ماذا أصنع في الأجل القريب؟ ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [المنافقون:10]، أُحسِن، أُعطي، تَمنَّى ذلك في لحظةٍ قد انتهت فيها كلُّ تلك الأماني.

    القاعدة الرابعة: العطاءُ في الصحةِ والعافيةِ والقوةِ، أعظم من العطاء في المرض في الضَّعْف في نهاية العُمر؛ لأنَّ الإنسان بدأ يرى ملامح الموت، قال عليه الصلاة والسلام لَمَّا سُئل: «أَي الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كانَ لِفُلَانٍ»؛ متفق عليه، فالعطاءُ في الصحة أقوى.

    أسأل الله أن يرزقَنا وإياكم مفاهيمَ العطاءِ والإحسانِ إلى الآخرين، أقول ما تسمعون، وأستغفرُ الله لي ولكم من كلّ ذنبٍ فاسْتغفروه، فيا لفوزِ المستغفرين.

    الخطبة الثانية
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده، أما بعد:
    إخوتي في الله، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله.

    القاعدة الخامسة في العطاء: أعظمُ العطاء: العطاءُ مما آتاك الله: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾ [القصص:77]، فصاحبُ المال أعظم العطاء فيه العطاءُ في ماله، وصاحبُ المنصِب أعظم العطاء فيه العطاءُ من منصبه، وصاحبُ الجاه بين الناس والعلاقة مع الناس أعظم العطاء عنده أنْ يبذُل ذلك الجاه، فكلُّ أمر آتاك الله منه أعظمُ العطاء أنْ يكونَ مما آتاك الله.

    القاعدة السادسة: العطاءُ من حاجةٍ وفقرٍ وقلةِ ذات يدٍ، أعظم أجرًا عند الله وأثقلُ في الميزان: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»؛كما أخبر عليه الصلاة والسلام عن تصدُّق الفقراء،حسَّنه الألباني، ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ ﴾ فقر؟﴿ خَصَاصَةٌ ﴾[الحشر:9]، أشدُّ أنواع الفقر: ﴿ خَصَاصَةٌ ﴾، وهذا يؤْثِرُ على نفسه.

    القاعدة السابعة: إذا سخَّرك الله لتكونَ مِفتاحًا للعطاء للآخرين، وتدلَّ الناس على العطاء، فهذا دليلُ منزلةٍ عند الله، وإذا كنتَ مغلاق العطاء، ولا تعطي وتمنع الناس من العطاء بأفعالك وكلماتك، أو تصد الناس عن العطاء، فهذه أسوأ المنازل في التعامل مع الله.

    تدخلُ جماعةٌ من مُضَر في مجلس النبي عليه الصلاة والسلام في مسجده وعليهم الفقر، يتألَّمُ لحالهم ويخطبُ في الناس ويحثُّهم على الصدقة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن ثَوْبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ، مِنصَاعِ تَمْرِهِ، حتَّى قالَ، ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ »،«قالَ - راوي الحديث -: فَجَاءَ رَجُلٌمِنَالأنْصَارِ بصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قدْ عَجَزَتْ، قالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِمِنطَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ، كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: مَنسَنَّفيالإسْلَامِسُنَّةًحَسَنَةً،فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُمَنعَمِلَ بهَا بَعْدَهُ،مِنغيرِ أَنْ يَنْقُصَمِنأُجُورِهِمْ شيءٌ»؛ رواه مسلم.

    أن تكونَ مفتاحَ عطاء، تدلُّ الناس على العطاء، منزلةٌ عظيمةٌ عند الله جلَّ في علاه.

    القاعدة الثامنة: كَفُّ شرِّك عن الناس أعظم من عطائك للناس، مِنَ الناس من يبذُل مالًا أو جاهًا أو علاقات، ثم هو يؤذي، يتطاول، يظلم، يُشعِر الناس بضَعفهم، هذا في المنزلة عند الله أسوأ؛ لأنَّ كفَّ الشر أعظم منزلة عند الله، قال عليه الصلاة والسلام: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ»؛ رواه البخاري.

    فقبل أن تفكرَ في العطاء فكِّر أنْ يسلَمَ الناس من شرِّك، وفي اللحظة التي يعطي الإنسان فيها الآخرين، ثم يمنُّ ويتفضل، ويُشعِرهم بالدُّونية، وما زال يذكِّرهم بعطاء السنوات الماضية، وقفتُ معك في المكان الفلاني، أتنسى جميلي عليك في المكان الفلاني، اذهب خذ أجرَك ممن أردتَ أن تأخذ منه أجرك في الدنيا، فلن يكون لك شيء عند الله؛ لأنَّك منَنْتَ على الناس بصدقةٍ قصدتَ بها وجه الله تعالى.

    القاعدة التاسعة: العطاء أبواب وليس بابًا واحدًا، فلا تتخيَّلوا بكلماتي أنَّني فقط أريدكم أن تذهبوا وتُخرجوا من أموالكم وإن كان إخراج المال أمره عظيم، لكنْ هذا يُخرج من ماله، هذا يعفو عن الناس، هل تعلم أنَّ العفو عن الذين أخطؤوا بحقك وأساؤوا في جنابك، وتطاولوا على عِرضك، العفو عنهم من أعظمِ أنواع العطاء عند الله جلَّ في علاه؟ أن تحفِّز الناس على أمر سعوا فيه، أن تبتسم لهم، أن تسألَ عن أحوالهم، أن تقفَ مع شأنهم، أن تذهبَ إليهم تواسيهم، أن تقفَ في أفراحهم، هذا كلُّه عطاء، ليس العطاءُ بابًا واحدًا وإنما هو أبواب.

    القاعدة الأخيرة: أعظمُ العطاءِ أن تدلَّ الناس على القرآن، أعظمُ العطاءِ أن تُصلح دين الناس، أن تفتحَ للناس طريقًا يدلُّهم على الله، وأسوأ الذين يمنعون العطاء الذين يحرمون الخيرَ عن الناس أو يكونوا أبوابَ شرٍّ على الناس، فلا يُرسل مقطعًا في مجموعة أو ينشر شيئًا للناس مما يُبعد الناس عن دين الله، هو شخصٌ يدلُّ الناس على الله ولا يحرم الناس عن أبوابِ الخير، هنا ستكونُ صاحبَ عطاء، وإن كنتَ صاحبَ عطاء رُفع عنك البلاء.

    أسألُ الله العليَّ العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى - أنْ يرزُقَنا وإياكم الفقه في دينه والعمل بكتابه والتأسي بسنةِ نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلني وإياكم من أصحابِ العطاءِ ظاهرًا وباطنًا، ألا وصلُّوا وسلِّموا على البشير النذير والسراج المنير، فإنَّ الله أمركم بذلك في كتابه قائلًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56].

     
    د.فؤاد صدقة مرداد
    شبكة الالوكة

  10. مجالس التدبر - سورة هود (الآيات 84 - ختام السورة)
     
    1. هذه الآية من سورة هودهي آية الدعاة؛ فقد جمعت الصفات الضرورية التي لا بد أن يتصفوا بها. وهي سبع صفات مهمة يعرفها من تدبر هذه الآية. (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴿٨٨﴾)

     2. {واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} لن يكون العبد من المحسنين حتى يحقق الصبر؛ فلا إحسان بدون صبر.

    3. {فاستقم كما أمرت} (شيء واحد أساس، يعصمك من الانجراف وراء المتاهات، ويمنحك الثبات أمام مغريات الدعايات، وهو حقيقة إيمانية كبرى: أن تبحث عما يريد الله منك، لا عما تريد أنت منه؛ فأنت العبد، وهو السيد الربّ العظيم جل جلاله. فلا ينعكس بين يديك الميزان!) 
     فريد الأنصاري

    4. {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} (هذا تجهيل لمتبعيه، حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل.) كما قال الزمخشري. فلا أجهل من الطغاة وأسوأ منهم إلا من اتبعهم وأيدهم وركن إليهم وصفّق لهم!

    5. {إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ} لا يتعظ بالآيات حقا إلا من خاف عذاب الآخرة! التذكر الدائم للآخرة وما فيها من الأهوال قضية جوهرية في حياة الصالحين، وبه يحصل الاتعاظ والانتفاع بالآيات الشرعية والكونية. 

    6. جاء ذكر الصلاة بعد ان امر الله النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين بالاستقامة. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ) وهذا يشير على....إن الصلاة أعظم معين على الاستقامة ، وعلى إتباع الحق. 

    7. "ولاتركنـوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار...." في هذه الآيه تحذير من الركون إلى كل ظالم والمراد بالركون الميل والإنضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك والرضا بما هو عليه.

    8. {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} هذه نتائج اتباع القدوات الضالة تنتهي بأصحابها للهاوية

    9. (واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه ان ربي رحيم ودود)  الاستغفار والتوبة من اسباب رحمة الله ومحبته للعبد ان الله يحب التوابين 

    10. [ وما توفيقي إلا بالله ] مهما بلغت من درجات النجاح والرفعة فكن على يقين أنك لولا توفيق الله وتيسيره ما نجحت ولا ارتفعت. 

    11. (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) 112 * الاستقامة تحتاج مراقبة دائمة حتى نمضي على طريق النهج القويم دون انحراف.

    12. (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار ) قال السعدي: إذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة .. فكيف حال الظلمة أنفسهـم ..!!! 

    13. على العبد أن يقنع بما آتاه الله ويقنع بالحلال عن الحرام، وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك كُله! "خيّرٌ له" لقوله تعالى(بقيّت الله خير لكم)

    14. (قَالُوا: يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجمناكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ تأمل كلّ تلك الاستعلاءات الكلامية انتهت بصيحة: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ)

    15. {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} من أسباب الاستقامة : الرفقة الصالحة 

    16. (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) إن كنت صاحب علم فستقابل من يسفه علمك و يجهل قدرك فلاتجعل هذا يهز ثقتك بنفسك بل اجتهد و انشرعلمك في كل مكان

    17. (وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) باطمئنانٍ ؛ اهتف بها في وجه دُعاة الإلحاد ومُنكري الخلق.

    18. (وماتوفيقي الابالله عليه توكلت واليه أنيب )دانظر في حال الموفق تجده متوكلا على الله منيبا اليه مفتقرا اليه

    19. (فاستقم كما أمرت)112 (ولا تركنوا ..)113 (وأقم الصلاة .)114 (واصبر)115 بهذا الترتيب:في طريق الثبات على نهج الاستقامة ، قد تضعف النفس وتميل إلى الظالمين ، فإذا أرادت تخطي هذه العقبة والتمسك بالصراط المستقيم ، فعليها أن تتسلح بمثبتات منها إقامة الصلاة ، والصبر.

    20. (كلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) 120 كم نحن بحاجة إلى قراءة سير الرسل عليهم السلام قراءة عظة وتثبيت،لنكن على يقين أن : صاحب الحق لا بد أن يؤذى،فليكن أذاه في سبيل الله وليستمر في دعوته. وأما الظالمون،فإن الله تعالى ليملي لهم ،حتى إذا أخذهم لم يفلتهم.

    21. (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) أبلغُ ما يُتصور في النّهي عن الظلم
    والتهديدِ عليه!قاله أبو السعود

    22. ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ (أصلاتك) هذا حال أعداء الإسلام يوجهون سهامهم نحو الصلاة ويقللون من شأنها.

    23. ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ المطالبة بالحرية الدينية و الاقتصادية غير المنضبطة ؛ ليس مطلبًا حداثيا تطوريًا ؛ بل هو مطلب قديم بالغ القِدَمْ فهكذا كان أصحاب الأيكة. 

    24. (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) هذه مهمة كل داعية وكل مؤمن مكلّف (وما توفيقي إلا بالله) وهذا زاده في الدعوة (عليه توكلت وإليه أنيب) التبرؤ من الحول والقوة وحسن التوكل على الله والإخلاص أساس في أداء المهمة وقبولها عند الله عزوجل.

    25. لناس عند المحن إما: - فاقد للأمل يقابله (فاستقم) اصبر واستمر - متهوّر في ردة فعله يقابله (ولاتطغوا) - متخاذل يركن للقوي يقابله (ولاتركنوا)

    26. ( وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ) إن القيام بحق الله تعالى لا يبيح لك أخذ حق غيرك فاحذر كل الحذر من أكل حقوق الناس بالباطل فيضيع كل خير فعلته 

    27. {..أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ..} علموا أن الصلاة تُغيّر، تأخيرُك عن الصلاةوتهاونُ امرها في قلبك يُسلب منك مهابتها وبالمحافظة عليها تتغيّر حياتك ويثبت وايمانك{..إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر..

    28. { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ لايثبت على الحق إلا من كان من أهل الإخلاص وقليل ماهم 

    29. (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) لاتتبع داعي الضلال حتى لايقودك الى النار

    30. وَيَاقَوْمِ لاَيَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَاأَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْقَوْمَ هُودٍ أَوْقَوْمَ صَالِحٍ وَمَاقَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ) على المربين أن يضربواالأمثال فإنهامن الأمورالجيدةفي تربيةالأبناءوعليهم أن يتخيرواالوقت والأسلوب المناسب لذكرها

    31. ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) توكل على الله و خذ بالأسباب التي توصلك إلى هدفك و كن على يقين بأن التوفيق من الله عز وجل حتى لا تجلد نفسك إن لم تحقق ما تريد

    32. ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) عند نصحك غيرك لا تحمل نفسك معه فوق طاقتها ، فقط انصحه على الوجه الأكمل فإن أبى اتركه ، فهناك الكثير غيره في حاجة إلى نصحك

    33. "وموعظة وذكرى للمؤمنيـن" أي يتعظون بها، فيرتدعون عن الأمور المكروهة و يتذكرون الأمور المحبوبة فيفعلونها.

    34. ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ) هود 88 ( إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) النساء 35 عندما توجد النية الصادقة و الإرادة في الإصلاح ، يأتي المدد بالتوفيق.

    35. ( قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) في طريق دعوتك لله لا تضيع وقت من لا هم له سوى تبرير أخطائه و محاولة التشكيك في كل ما تدعوه إليه

    36. "واصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين" فائدة : احبس نفسك على طاعة الله، وعن معصيته، وإلزامها لذلك، واستمر ولا تتضجر.

    37. (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ) 106 نعوذ بالله من زفير أهل جهنم وشهيقهم ، وزفير جهنم وشهيقها. 

    38. قال تعالى : ( فأستقم كما أمرت ومن تاب معك ، ولا تطغوا ، إنه بما تعملون بصير ) قال إبن عباس رضي الله عنهما : ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه ، تفسير القرطبي 

    39. (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)

    ختمت سورة هود بمجموعة من الأوامر هي منهج لكل مسلم مُصلح مستخلَف في الأرض: -الإستقامة على شرع الله كما أمر الله تعالى -عدم الطغيان -عدم الركون إلى الذين ظلموا -إقامة الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل -الذكرى والتذكر -الصبر –الإحسان 

    اسلاميات

  11. من أساليب التربية النبوية
    أسلوب الحكيم ( الالتفات إلى الأهم )
    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ جالساً بين أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ يعلمهم ويربيهم ، يحادثهم ويحاورهم ، يباسطهم ويوادهم . . فيهم الألمعي الذكي ، وفيهم البسيط الغر ، وفيهم الصغير الغمر القليل الخبرة ، وفيهم ذو السن الذي حنكته التجارب وعركته الحياة ، فدرى كنهها وذاق حلوها مرها . .
    ويسأله أحدهم سؤالاً ليس له جواب ، إما لأنه من علوم الغيب التي استأثر الله سبحانه نفسه بها فلا يطلع عليه أحداً ، وإما أن الجواب ليس له فائدة تذكر ، والمعرفة به لا تضيف جديداً ، وهنا يستغل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ السؤال ويبني عليه قضية جديدة جديرة بالنظر والتفكير والتأمل ، جديرة بالعمل فيما ينتج عنها ، وهذا هو الأهم .
    فمن ذلك ما رواه أنس ـ رضي الله عنه ـ أن أعرابياً سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    فقال : متى الساعة يا رسول الله ؟
    فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ماذا أعددت لها ؟
    قال : حب الله والرسول .
    فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنت مع من أحببت(1) .
    فالأعرابي – كما رأينا - يسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمر غيبي لا يعرفه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا ينتج عن معرفته أمر إيجابي ، ولا عن الجهل به أمر سلبي ،وهنا نجد أسلوب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ـ ويسميه البلاغيون : أسلوب الحكيم أو الالتفات إلى الأهم ـ فيجيب عن سؤاله بسؤال : ماذا أعددت لها ؟
    فالمهم في معرفة يوم القيامة الاستعداد لها ، والعمل الدؤوب الناصح ، وعندها يقر الأعرابي أنه قليل العمل ، ضعيف الهمة ، إلا أن في قلبه حباً عظيماً لله سبحانه ولرسوله الكريم . .
    جواب ـ إن صدق فيه ـ عظيم ، فهذا جوهر الإيمان ، وحقيقة الإسلام ، وهنا يقرر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاعدة نورانية ، ضياؤها يشع ويملأ النفوس أملاً ، والقلوب سعادة ، والجوانح خشوعاً : أنت مع من أحببت ، وهل هناك هدف أسمى وأعظم من هذا الهدف ؟!!
    قال أنس ـ في رواية أخرى ـ فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام أشد مما فرحوا يومئذ(2).
    ومن هذا القبيل ( أسلوب الحكيم والالتفات إلى الأهم ) ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة أتت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصبي .
    فقالت : ادع له ، فقد دفنت ثلاثة .
    فقال : احتظرتِ بحظار شديد من نار(3) .
    فهذه امرأة – كما قرأنا - فقدت ثلاثة من أطفالها ، فلما ولد الرابع جاءت به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كي يدعو له بطول العمر. . ودعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستجاب ، ويحق لها ذلك ، فهي أم ، وما أدراك من الأم ؟! فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما أرادت ، لكنه نبهها والمسلمين إلى فضل من الله عظيم كتبه ـ تعالى ـ لمن يفقد أبناءه : إنه النجاة من النار .
    ومن هذا القبيل أيضاً : ما رواه عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يريد الجهاد فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أحي والداك ؟
    قال : نعم .
    قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ففيهما فجاهد(4) .
    لفتة عظيمة من القلب الرحيم ، والمعلم العظيم ، ودرس رائع من أستاذ الأساتيذ ، ومعلم الناس الخير .
    فالجهاد ذروة سنام الإسلام ـ لا شك في ذلك ولا ريب ـ لكن رضاء الوالدين والقيام عليهما ، وتلبية حاجاتهما جهاد وأي جهاد !!
    إن قيامك على أمرهما ، وإرضاءك لهما جهاد عظيم فلا تـُفـَوّته أيها المسلم .
    وفي رواية أخرى عن رجل جاء يبايع على الهجرة ، وترك أبويه يبكيان ، فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما(5) .
    وأسلوب الحكيم قلّ من يستعمله ، فهو يحتاج إلى سرعة البديهة ، وذكاء ، وحسن في الأداء.

    الهوامش:

    (1) رواه الشيخان .
    (2) في الأدب المفرد الحديث / 353 / ، رواه الترمذي وأبو داود والنسائي والطبراني .
    (3) احتظرت : اتقيت ، ونجوت . والحديث أخرجه مسلم في صحيحه ، والبخاري في الأدب المفرد برقم / 145 / .
    (4) رواه البخاري في الأدب المفرد ، الحديث / 20 / .
    (5) رواه البخاري في الأدب المفرد الحديث / 19 / ، وأخرجه مسلم والنسائي وغيرهما .



  12.  
    كيف بدأ الحوار بين المسلم وصاحب الجنتين في سورة الكهف ، وماذا كانت النتيجة؟ إنه موقف تربوي رائع يعلمنا الوقوف على الحق والتزامه وإن جاء الموقف متاخراً ، كل خطأٍ يمكن تلافيه ما لم نغرغر.

    1- ضرب المثل:
    إن ضرب المثل كما مر معنا في وقفات كثيرة يُجلّي الموقف ويوضح الفكرة ويقرّبها إلى الأذهان ،وكان ضرب المثل هنا توضيحاً لمعنى الآيات التي سبقت القصة :
    فلا بد من مصاحبة المؤمن الذي يدعو ربه في كل حالاته وكل وقته: { يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } ،فهو – سبحانه- نصبَ أعينهم وقلوبهم معه يرجون لقاءَه ويسعون إلى مرضاته ،لا يعيرون الحياة الدنيا ولا زينتها اهتماماً ، ولا يأبهون للمتاع الدنيوي،همُّهم الآخرة والوصولُ إليها ، ويعلمون ان الحق من ربهم فيلتزمونه يرجون رحمته ويخافون عذابه فهم بين رجاء وخوف ، يعلمون أن من ظلم وكفر أحاطت به النار فلا مهرب منها ومن آمن وعمل صالحاً كان من الفائزين الناجين

    2- وضوح التصوير ودقته:
    { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)}
    فللكافر جنّتان كاملتان في توزيع الشجر والأعناب والزرع ، وثمارهما كثيرة يانعة :
    أ- فيهما أنواع الاعناب من كرز وعنب وخوخ و..
    ب- حولهما سور من النخيل المغدق الثمر يحميها من الهواء والاتربة ويلطف حرارتها.
    ت- بين الأعناب والنخيل أنواع الزرع ذات المحصول الوافر.
    ث- استفاد صاحبهما من كل شبر فيهما فاستثمره واستفاد منه.
    ج- أغدقتا ثمارهما فكثر في كل أيام السنة .
    ح- وتفجر خلالهما نهر يتلوّى في أنحائهما يمنة ويسرة ،وشمالاً وجنوباً .

    إنها صورة واضحة ودقيقة المعالم لهاتين الجنتين اللتين اتسمتا بكثرة خيرهما.،
    فهل حمد الرجل ربه وشكره أو تراه كفره وأنكره؟!
    وهل أحسن للناس فأكرمهم وتواضع لهم ،أو تراه تكبر وافتخر، وتعالى وتجبّر؟!

    3- الحوار :
    أسلوب اتصال يجمع بين المراجعة والنقاش للوصول إلى الحقيقة أو الأكثر صواباً ، وقد يكون بين مختلفِين فكراً ومنهجاً وأسلوباً ، أو بين متفقين فكراً ومختلفين منهجاً وأسلوباً ، أو بين متفقين فكراً ومنهجاً وختلفين أسلوباً . أما هنا فالاختلاف في كل النواحي فهو حوار بين كفر وإيمان ، فلا بد من تباين المنهج والأسلوب كذلك.
    والحوار يعتمد السماع والرؤية ، وله جمهور يتابع طرفي الحوار ويميل إلى هذا أو ذاك حسب الاهتمامات المتعددة والمشارب المختلفة ،
    والحوار هنا بين صاحب الجنة الكافر الذي ظلم نفسه بالكفر وتناسى فضل الله عليه وأنكره، وتمادى في التكبر على صاحبه ولم يُراعِ حسن الضيافة وأنكر البعث والنشور واستبعد هلاك نعيم جنّتيه اللتين بذل فيهما جهده لتكونا على ما هما عليه ومن خير وفير وجمال أخّاذ.
    الكافر يستبعد فناء الجنتين وينكر يوم القيامة ثم يقيس - خطأً - غناه في الدنيا بوجوب إكرامه في الآخرة – إن كان هناك آخرة، حسب زعمه - فهو يعتقد أن الغنيَّ يبقى على كل أحواله هكذا وأن سعيد الدنيا لا بد أن يكون سعيداً في كل أحواله!.

    ونرى المسلم يجيب بقوة وفهم لمعاني الحياة :
    أ- لا وجود إلا بواجد ،ويذكر القاعدة الأصلية ( لا بدَّ لكل حادث من مُحدِث).
    ب- إن الكفر بالخالق إغلاق للفهم وعودة للبهيمية الأولى.
    ت- إن العاقل يفكر تفكيراً سليماً فيصل إلى حقيقة الوجود ويعلم حق ربه في العبادة.
    ث- والعاقل من يشكر المحسنَ إليه ويقر بفضله.
    ج- والمسلم العاقل يعلن بإصرار وإيمان ثابت ولاءَه لله تعالى وأنه عبد من عباده.
    ح- والعاقل – كذلك – لا يبطر ، فالبطر ظلم الحق وحَيْدَة عن السبيل.
    خ- من بارى الله تعالى وحاربه خسر وخاب وندم حيث لا ينفع الندم.
    د- ومن لجأ إلى مولاه كفاه وأكرمه .
    ذ- ولا بد أن يُعاقب الجاحد إن عاجلاً أو آجلاً.
    ر- يدعو على الظالم – إن أصر على فساده،والدعاء سلاح المؤمن

    4- حسن الأدب:
    من الأدب أن يتواضع الرجل لضيفه ويظهر له الاحترام ويقدمه على نفسه في الفضل ما دام عنده وأن يكلمه بلباقة ويتودد إليه ، هذا أقل ما يُقال في حسن الأدب ،
    لكننا نرى صاحب الجنتين يفجأ صاحبه وهما يدخلان الجنتين بالتعالي عليه والفخر بماله وكثرة أتباعه :
    { وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)} وليست وفرة المال ولا كثرة الاتباع برافعٍ أحداً مكانةً ، ولا معزّاً قدراً ، وهذا ما نعاه القرآن على هؤلاء حين قال في سورة الفجر :
    { فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) } فيأتي الجواب مصححاً :
    { كَلَّا ....}
    فلا يكون هذا ولا ذاك ، إن الذي يرفع المرءَ ويخفضُه أخلاقـُه ليس غير. فهي المعيار الحقيق في حياة الفرد والأمم.
    ويزداد سوء أدبه حين يخالف قاعدة الحياة التي قُرِّرَتْ منذ الأزل: (ما له بداية له نهاية) فما دام صاحب الجنتين أنشأهما واعتنى بهما، فقد بدأتا في زمن محدد ، ولسوف تنتهيان في أمد محدد، فلاينبغي للعاقل أن يخالف الحقيقة ويدّعي بلاهة ما لا يمكن أن يكون.

    5- الدعاء مخ العبادة:
    يطلب المسلم من الله ما يريد ، فهو يعلم أن حياته ورزقه بيده سبحانه، فيسأله كل شيء حتى ملح الطعام :
    ( إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله ) وتستفيض النفس المظلومة حين ترى المتكبر يتطاول على خالقه فتدعو ملك الملوك أن يحِقَّ الحق ويبطل الباطل ، ويرجو المسلم ربه أن يعاقب المفتري وأن يرزقه – هو – خيرا مما أُعطي للكافر ..
    ويستجيب الله له فتنتهي القصة في لحظات يسيرة..تهب ريح عاصفة تدمر كل شيء بإذن ربها ، فلا زرع ولا نخيل ولا أعناب ..ولا أوراق ، تغير المكان فصار أجدب قاحلاً ، وغاض الماء ، فلا نهر ولا حياة!.
    { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)}

    6- هل ينفع الندم:
    كفَرَ بالله فعوقب في الدنيا بما لم يتوقعه ،ومن يستطيع محاربة السيد المطلق؟! ، قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم :
    ( اعلم أن الأمة جميعا لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف
    ضاع كل شيء في لمح البصر ، وهو الآن يتقلب على جمر الغضا ، ما أراد الله لا بد أن يكون. ومن حسن حظه أنه عوقب في الدنيا ، وما يزال حيّاً ، ولعله يتوب إلى الله ويستغفره ، إنه لم يغادر الدنيا ، فما زال في الوقت متسع،..أجل لقد قالها:
    { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } وتصور معي موقفه الحزين وهو يقولها ويقلب كفاً على كف حسرة وألماً على ما أنفق فيها فضاع كل شيء بلمحة عين ..لكنه إذ يقر بخطئه ويملأ الأسى قلبه يقول يا ( لَيْتَنِي ) ولم تنفع (ليتَ) ولن تنفع ، وستنفع (عسى) المستقبلية فمن تاب إلى الله واستغفره وأناب إليه غفر الله تعالى له ما مضى ، فليبدأ من جديد ..

  13.  

    القاعدة الثالثة والعشرون : { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }

     

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا ظل من ظلال حلقات هذا الكتاب نتفيأه عند قاعدة من القواعد القرآنية التي حفل بها كتاب ربنا عز وجل، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } [البقرة:189].

    وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق الحديث عن عادة من عادات أهل الجاهلية، الذين إذا أحرموا، لم يدخلوا البيوت من أبوابها، تعبدًا بذلك، وظنًا أنه بر، فأخبر الله أنه ليس ببر؛ لأن الله تعالى، لم يشرعه لهم، كما ثبت سبب هذا النزول في الصحيحين من حديث البراء رضي الله عنه.

    قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} [البقرة].

    ولئن كان سبب النزول الذي عالج ذلك الخطأ من أجلى وأظهر الصور التي عالجتها هذه القاعدة، فإن ثمة تطبيقات أخرى واسعة لهذه القاعدة القرآنية الجليلة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }، تظهر لمن تتبع كلام العلماء عنها، أو في تطبيقاتهم العملية لها، ومن ذلك:

    1ـ عبادة الله تعالى، فإنها الطريق الموصل إلى الله عز وجل، ومن أراد أن يصل إلى الله، فعليه أن يسلك الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى، ولا يكون ذلك إلا بواسطة الطريق الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:
    "فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه؟ ودالة لمن سلك فيها عليه؟ بعث رسوله بها مناديًا، وأقامه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا، فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا: ازداد من الله طردًا وإبعادًا" (مقدمة كتابه (تهذيب السنن [1/3]).
    ويؤكد ذلك العلامة السعدي رحمه الله، في تعليقه على هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } فيقول: "وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد الشرع" (تفسير السعدي: [88]، وقد نبه على اطراد هذه القاعدة: شيخنا محمد العثيمين رحمه الله في شرحه على البخاري.).

    2 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } أنه:
    "يؤخذ من عمومها اللفظي والمعنوي أن كل مطلوب من المطالب المهمة ينبغي أن يؤتى من بابه، وهو أقرب طريق ووسيلة يتوصل بها إليه، وذلك يقتضي معرفة الأسباب والوسائل معرفة تامة؛ ليسلك الأحسن منها والأقرب والأسهل، والأقرب نجاحًا، لا فرق بين الأمور العلمية والعملية، ولا بين الأمور الدينية والدنيوية، ولا بين الأمور المتعدية والقاصرة، وهذا من الحكمة" (تيسير اللطيف المنان [45].).

    3 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } إغلاقها لباب الحيل على الأحكام الشرعية، إلا فيما أذن فيه الشرع؛ ذلك أن المتحايل على الشريعة لم يأت الأمر من بابه، فخالف بذلك ما دلت عليه هذه القاعدة المحكمة.

    يقول ابن القيم رحمه الله مبينًا شناعة فعل هؤلاء المتحايلين، الذين تفننوا في هذا الباب:
    "فاستبيحت بحيلهم الفروج، وأخذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير أهلها، وعطلت بها الواجبات، وضيعت بها الحقوق، وعجّت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجت مما حل بها إليه ضجيجًا، ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام" (إعلام الموقعين عن رب العالمين [373/3])انتهى.
    فإذا تبين ذلك، فقارن ـأيها المستمع الكريم ـ كم هم الذين وقعوا في هذا المرتع الوخيم؟! ممن نصبوا أنفسهم للإفتاء في بعض المنابر الإعلامية، أو في بعض المواقع، وساعدهم على ذلك تراكض كثير من الناس في هذا الباب، وأدنى نظرة في الواقع، تبين أن الأمر جلل، والله المستعان.

    4 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
    في باب طلب العلم شرعيًا كان أم غير شرعي، وكذلك في طلب الرزق، فإن "كل من سلك طريقًا وعمل عملًا، وأتاه من أبوابه وطرقه الموصلة إليه، فلا بد أن يفلح وينجح ويصل به إلى غايته، كما قال تعالى: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }، وكلما عظم المطلوب تأكد هذا الأمر، وتعين البحث التام عن أمثل وأقوم الطرق الموصلة إليه" (القواعد الحسان: [3]).
    وما أجمل ما قاله قيس بن الخطيم:

    إذا ما أتيت العزّ من غير بابه * ضللتَ، وإن تقصد من الباب تهتد

    (جمهرة الأمثال للعسكري [89]).

    5 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
    هو الحديث مع الناس، فإن الآية ترشد إلى أن المؤمن عليه أن يسلك الطريقة المناسبة في الحديث، فيعرف الموضوع المناسب الذي يحسن طرقُه، والوقت الملائم، ويعرف طبيعة الشخص أو الناس الذين يتحدث إليهم، فإن لكل مقام مقالًا، ولكل مجال جدالًا، ولكل حادثة مقامًا.
    وعلى هذا فإذا أراد الإنسان أن يخاطب شخصًا كبير المنزلة في العلم أو الشرف، فلا يليق أن يخاطبه بما يخاطب سائر الناس؛ والحكمة في هذا هي المدار، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

    6 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
    ما أشار إليه ابن الجوزي في كتابه الماتع (صيد الخاطر) حيث يقول رحمه الله:
    "شكا لي رجل من بغضه لزوجته ثم قال: ما أقدر على فراقها لأمور: منها كثرة دينها علي، وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات تعلم بغضي لها.
    فقلت له: هذا لا ينفع وإنما تؤتى البيوت من أبوابها، فينبغي أن تخلو بنفسك، فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك، فتبالغ في الاعتذار والتوبة، فأما الضجر والأذى لها فما ينفع، كما قال الحسن البصري عن الحجاج بن يوسف: عقوبة من الله لكم، فلا تقابلوا عقوبته بالسيف، وقابلوها بالاستغفار.
    واعلم أنك في مقام مبتلى، ولك أجر بالصبر وعسى أن تكرهوا شيئًا، وهو خير لكم، فعامل الله سبحانه بالصبر على ما قضى، واسأله الفرج، فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب، والصبر على القضاء، وسؤال الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها، ولا تُضَيّع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانًا منك أنك تدفع ما قدر... وأما أذاك للمرأة فلا وجه له، لأنها مسلطة فليكن شغلك بغير هذا.
    وقد روي عن بعض السلف أن رجلًا شتمه فوضع خده على الأرض وقال: اللهم اغفر لي الذنب الذي سَلّطَتَ هذا به علي" (صيد الخاطر: [303].) انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله.

    والغرض الذي أردتُ منه ذكر هذه القصة: أن هذا الإمام الواعظ استخدم هذه القاعدة القرآنية { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } في علاج مشكلة هذا الرجل الاجتماعية، وما أكثر هذا النوع من المشاكل، لكن ما أقل من يستعمل قواعد القرآن، وهداياته في علاج مشاكل الناس الاجتماعية، إما تقصيرًا في فهم هداياته، أو قصورًا في ذلك، والواجب علينا أن ننطلق في إصلاح مشاكلنا كلها مهما تنوعت من كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نعتقد ذلك يقينًا؛ لأن الله تعالى يقول: { إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْ‌آنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء:9] في كل شيء: في أمر العقائد، وأحكام الحلال والحرام، والقضايا الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، ولكن الشأن فينا نحن، وفي تقصيرنا في تطلب حل مشاكلنا من كتاب ربنا تعالى.

    نسأل الله تعالى أن يعيننا على فهم كتابه، والاهتداء بهديه، والاستنارة بنوره، وإلى لقاء جديد بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


  14. السؤال

    هل يجوز صيام أيام القضاء من رمضان الماضي في خلال العشر الأيام الأولى من ذي الحجة، علما بأنني سوف أصوم هذه الأيام بنية القضاء ولن أجمع بينها وبين نية أخرى كالسنة ونحوها؟

    الإجابــة

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

    فلا حرج عليك في صيام ما عليك من قضاء رمضان في تلك الأيام، بل يرجى أن يكون ثوابك أعظم إن شاء الله لإيقاع الصوم في هذه الأيام الفاضلة، وقد وقع خلاف بين السلف في كراهة صوم القضاء في هذه الأيام، والراجح إن شاء الله عدم الكراهة وهو المروي عن عمر رضي الله عنه.

     قال ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف: وقد اختلف عمر وعلي رضي الله عنهما في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره، وهذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل، وكان علي ينهى عنه، وعن أحمد في ذلك روايتان، وقد علل قول علي: بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعاً، وبهذا علله الإمام أحمد وغيره، وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها. انتهى.

    وصوب المرداوي في الإنصاف القول بعدم الكراهة قال رحمه الله: هل يكره القضاء في عشر ذي الحجة أم لا يكره؟ فيه روايتان وأطلقهما في المغني والشرح وشرح المجد والفائق والفروع، قلت: الصواب عدم الكراهة. انتهى.

    وقال في كشاف القناع: (ولا يكره القضاء في عشر ذي الحجة) لأنها أيام عبادة فلم يكره القضاء فيها كعشر المحرم، وروي عن عمر أنه كان يستحب القضاء فيها. انتهى.

     وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: لو مر عليه عشر ذي الحجة أو يوم عرفة، فإننا نقول: صم القضاء في هذه الأيام وربما تدرك أجر القضاء وأجر صيام هذه الأيام، وعلى فرض أنه لا يحصل أجر صيام هذه الأيام مع القضاء، فإن القضاء أفضل من تقديم النفل. انتهى.

    والله أعلم.

    اسلام ويب

    113552903_3169731953103506_2123204396067038965_n.jpg?_nc_cat=101&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=Wus1UA3VKUwAX9oCXQE&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=94fcb06ac9fc798b5e449a82f0da6203&oe=5F3DE0EF

     

  15. بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

     

    - فاضل الله بين مخلوقاته، ففضَّل الرسل على خلقه، وفضَّل نبيَّنا عليهم، واختار صحابته لصحبته من جملة العالمين: (وربك يخلق ما يشاء ويختار).

    - أفضل أيام الدنيا عشر ذي الحجة الأُوَل، وأفضلها يوم النحر، وأفضل أيام الأسبوع الجمعة، وأفضل الليالي العشر الأواخر من رمضان، وأفضلها ليلة القدر.

    - لله في أيام الدهر نفحات وهبات وأعطيات، يمتنُّ بها على عباده الموحدين، ومنها: العشر الأوائل من ذي الحجة؛ فاجتهدوا فيها والتمسوا رحمات الله.

    - في الحديث: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه)، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) [البخاري].

    - (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) [أبو داود]؛ ففيها تجتمع أمَّهات العبادة: الصلاة والصيام والصدقة والحج والأضحية.

    - العمل الصالح في أيام العشر ولياليها أحب وأفضل عند الله من العمل سائر السنة، إلا ليالي العشر الأواخر من رمضان؛ لاشتمالها على ليلة القدر.

    - ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل لاشتمالها على ليلة القدر، وأيام عشر ذي الحجة أفضل لاشتمالها على يوم عرفة ويوم النحر ويوم التروية [البدائع].

    - الفرائض في هذه العشر أفضل من الفرائض في غيرها، ومضاعفتها أكثر، والنوافل أفضل من نوافل غيرها، لكن نوافل العشر ليست أفضل من فرائض غيره [ابن رجب].

    - بادر: الصلاة في العشر أفضل من الصلاة في سائر السنة، وكذا الصوم والعمرة وقراءة القرآن والذكر والبر والصلة وقضاء الحوائج وسائر العمل الصالح.

    - أقسم الله بليالي العشر الفاضلة فقال: (والفجر*وليال عشر) وهي: عشرذي الحجة في قول جمهور المفسرين من السلف وغيرهم [ابن كثير ولطائف المعارف].

    - عشر ذي الحجة هي الأيام المعلومات التي شرع الله ذكرَه فيها، عند أكثر المفسرين [البغوي]، قال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات).

    - العشر هي الأيام المعلومات وخاتمة الأشهر المعلومات (الحج أشهر معلومات): شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، كما روي عن كثير من الصحابة [اللطائف].

    - من فضائل العشر: أن فيها يوم عرفة الذي أكمل الله فيه الدين وأتم النعمة على المسلمين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي).

    - من فضائل العشر: أن فيها يوم النحر يوم الحج الأكبر، وهو أعظم الأيام عند الله: (إن أعظم الأيام عند الله: يوم النحر، ثم يوم القرّ)[أبو داود].

    - عجيب أن نجد كثيرا من المسلمين يجتهدون في العبادة في رمضان، ويفترون هذه الأيام، مع أنها أعظم من أيام رمضان، والعمل فيها أحب وأفضل عند الله!

    - كان السلف يجتهدون في هذه العشر، فكان سعيد بن جبير يجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه، ويقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر[اللطائف].

    - الحج أفضل أعمال العشر، خاصة إذا كان حج الفريضة واستغرق العشر، وكان كاملاً بأداء الواجب واجتناب المحرَّم، مع الإحسان إلى الناس [ابن رجب].

    - من أفضل الأعمال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)[أحمد].

    - كبّروا وهلّلوا واحمدوا ربكم، وارفعوا أصواتكم بالذكر في هذه الأيام، قائمين وقاعدين،راكبين وماشين، في البيوت والشوارع والمساجد وأماكن العمل.

    - "الأفضل في أيام عشر ذي الحجَّة الإكثار من التعبُّد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيِّن" [ابن القيم].

    إلَهَنا ما أعدلَكْ*مليك كل مَن ملكْ

    لبيك قد لبيتُ لك*لبيك إنّ الحمد لك

    والملك لا شريك له*ما خاب عبد سألكْ

    أنت له حيث سلكْ*لولاك يا ربي هلَكْ

    - التكبير مع التسبيح والتحميد والتهليل هنّ الباقيات الصالحات، وغرس الجنّة، وأحبّ الكلام إلى الله، وأحبُّ إلى نبيِّنا مما طلعت عليه الشمس.

    - أكثروا في هذه العشر من التكبير تبشيرًا بقُرب نصر الله؛ فبالتكبير فُتِحَت خيبَر، وتُفتَح القُسْطَنْطينيَّة، ويُهزَم الأعداء بإذن الله.

    - قال ميمون بن مهران (من التابعين): "أدركتُ الناسَ وإنَّهم ليكبِّرون في العشر حتى كنتُ أُشَبِّهه بالأمواج من كثرتها" [فتح الباري لابن رجب]!

    - احرص في هذه العشر على ختمة كاملة للقرآن، مع التدبُّر والتفهُّم؛ فلك بكل حرف حسنة، والحسنة تضاعَف، ومضاعفتها في هذه العشر أكثر من غيرها.

    - لا تفوِّت صيام تسع ذي الحجة أو ما تيسر؛ فالصيام لا عِدل له، وهو كفارة للخطيئات، وجُنَّة من النار والسيئات، وهو في هذه العشر أفضل من غيره.

    - في الحديث: (من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) [خ م]، فكيف لو كان في العشر؟ فلا تحرِم نفسك من الخير.

    - صوم يوم عرفة لغير الحاج غنميةٌ، فهو يكفِّر سنتين: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)[مسلم].

    - يومُ عرفة يومُ عيدٍ أكملَ الله فيه الدِّين وأتمَّ النِّعمة، وصيامه يكفِّر سنتين ماضية وقادمة، فاحرص على أن تغربَ ذنوبُك فيه مع غروب شمسِه.

    - صيام يوم عرفة مستحب استحبابًا شديدًا، فانوِه من الليل، وكان سعيد بن جبير رحمه الله يقول: "أيقظوا خدمكم يتسحَّرون لصوم يوم عرفة" [الحلية].

    - الصدقة في هذه العشر أفضل من غيرها، ومن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم: بصلة أو صدقة أو قضاء حاجة، فكيف لو كان في العشر؟

    - في الحديث: (أفضل الصلاة بعد الفريضة: صلاة الليل) [مسلم]، ومغبون مَن كان يجتهد في رمضان ويفوِّت قيام ليالي العشر؛ فلا تحرِم نفسك الخير.

    - ليكن لك نصيب في العشر من قوله: (والمستغفرين بالأسحار)؛ فهو وقت نزول الرب وقبول الاستغفار وإجابة الدعاء وإعطاء السؤال؛فاللهم لا تحرمنا فضلك.

    - احرص على التبكير إلى المسجد والتسابق إلى الصف الأول في هذه العشر؛فتصبح عادة لك طول السنة، والتبكير إلى المسجد من تعظيم الصلاة وسبب للخشوع.

    - من فاته حج العام فليمش إلى صلاة مكتوبة في جماعة: (من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة؛فأجره كأجر الحاج المحرم)[أبو داود وحسنه الألباني].

    - إذا فاتك الحَجُّ هذا العام؛ فامشِ إلى صلاةٍ مكتوبةٍ في الجماعة يكُن لك أجرُ حَجَّة، واجعلها حَجَّة مبرورةً بالتبكير إلى المساجد!

    - أجر الفريضة في هذه العشر أكبر منه في سائر أيَّام السَّنة؛ فزيِّن الصلوات المكتوبات بالتبكير إلى المساجد والتسابق إلى الصف الأول.

    - من نوى الأضحية فليمسك عن شعره وأظفاره مع رؤية هلال ذي الحجة: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي؛ فليُمسك عن شعره وأظفاره) [مسلم].

    - اعمل في هذه العشر قبل أن لا يكون فطر ولا أضحى ولا عشر! واغتنم الفرصة في هذه الأيام العظيمة؛ فما منها عوض فهي غنيمة، والعجل قبل هجوم الأجل.

     

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين


  16. المتأمل في سَوق القصة يجدها جواباً لما ذُكر في افتتاحية السورة ودليلاً على صحته وإمكانِ حدوثه. ففي المقدمة أولاً: تنبيه إلى العقاب الشديد للكافرين \" لينذر بأساً شديداً من لدنه \" وفيها ثانياً: مدح وبشرى لمن آمن وعمل صالحاً \" ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً \". وفيها ثالثاً: أن الحياة دار ابتلاء: \" إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً \" وفيها رابعاً: أنه - سبحانه - يعيد الأرض كما كانت لا نبات فيها ولا عمارة: \" وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرُزاً \". وجاءت القصة تحمل في حناياها آداباً تربوية رائعة نجملها فيما يلي:
    1- ليس في قصة أصحاب الكهف عجب، فقدرة الله - تعالى -لا حدود لها، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ولئن عجب الكفار من بعثهم بعد الموت إن الأنبياء وأولي البصائر يدركون قدرة الله - عز وجل -، فيزيدهم ذلك إيماناً \" أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً؟ \"
     
    2- اللجوء إلى الله - تعالى -سمة المؤمن، فهو - سبحانه - عونه ونصيره \" ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً \" فلما لجؤوا إليه داعين، وأسلموا قيادهم له - سبحانه - واعتمدوا عليه آواهم الله وحفظهم إذ دلهم على الكهف، وأغدق عليهم مما طلبوا من الرحمة والهدى والرشاد \" فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً \" ولا حظ معي التوافق بين الإيواء إلى الله - سبحانه - ونشر الرحمة. وهكذا العلاقة بين العبد وربه. ومن لجأ إلى ربه واعتمد عليه ثبته الله وأيده \" وربطنا على قلوبهم \".
     
    3- القصة في القرآن حق لا مراء فيه \" نحن نقص عليك نبأهم بالحق \" وقد ادعى طه حسين أن قصة إبراهيم وغيرها في القرآن ليست على سبيل الحقيقة إنما على سبيل العبرة والعظة فقط. وهو بذلك ينفي حقائق التنزيل \" نحن نقص عليك أحسن القصص \" وأحسن القصص ما كان حقيقة. وعلى هذا نفهم قوله - تعالى -\" إن هذا لهو القصص الحق \" فما ورد في القرآن الكريم حق لا مراء فيه.
     
    4- للشباب الدور الكبير في نشر الدعوة والذود عنها. فإيمان الشباب اندفاعي قوي \" إنهم فتية آمنوا بربهم، وزدناهم هدى \" ويصدعون بالحق \" إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض \" ويعلنون دعوة التوحيد بثبات \" لن ندعو من دونه إلهاً \" من أشرك فقد تطاول على الحق وابتعد عنه \" لقد قلنا إذاً شططاً \". وهنا نلحظ في كلمة الشطط التشنيع على المتطاولين الذين يغيرون الحقائق وينشرون الباطل.
     
    5- لا بد لكل فكرة أو مبدأ من دليل أو برهان وإلا سقط في أول لقاء \" لولا يأتون عليهم بسلطان بيّن \" وإذا لم يكن هناك حجة قوية أو دليل ساطع فهو ضعيف، ولن تقنع أحداً بفكرتك إن لم تؤيدها بالنور الساطع الذي يكشف الغشاوة عن العيون وينير سبيل الحق. أما فرض الفكرة بالقوة والإرهاب المادي فدليل على الإفلاس وضحالة ما تدعو إليه وُيعَدّ افتئاتاً عل الحق وظلماً له \" فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً \" فالميل عن الحق افتراء على الله وتضليل للناس.
     
    6- يعلمنا الله - تعالى - بقوله: \" فأووا إلى الكهف \" اعتزال الناس في الفتن، وقد يكون مرة في الجبال والشعاب، ومرة في السواحل والرباط، ومرة في البيوت وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" يأتي على الناس زمان يكون خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن \"...ولعل هذا يكون في آخر الزمان عند مجيء المسيخ الدجال، أو عندما تشتد الفتن وتطغى.وقد جاء في الخبر: \" إذا كانت الفتنة فأخفِ مكانك وكُفَّ لسانك \" ولم يخص موضعاً.. ومن هذا نفهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن عامر حين سأله: ما النجاة يا رسول الله؟ \" يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتُك، وابك على خطيئتك \"
    وقد جعلت طائفة العلماء العزلةَ اعتزالَ الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهر الناس. قال ابن المبارك - رحمه الله - في تفسير العزلة: أن تكون مع القوم، فإن خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت. وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - من مراسيل الحسن- \" نعمَ صوامع المؤمنين بيوتهم \" أي وهم في مجتمعهم يدعونهم ويتعرضون إليهم بالنصح والموعظة، فإن اشتدوا عليهم أوَوا إلى بيوتهم، ثم عاودوا الكرّة. ويؤكد هذه الفكرة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: \" المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
     
    7- لا بد من الجهر بالدعوة بين الناس لتصل إليهم، وتكون حجة عليهم. ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الواضحة البيّنة، ولنا بهؤلاء الفتية الأطهار القدوة الحسنة، فحين سألوا الله القوة أمدّهم بها \" وربطنا على قلوبهم \" فثبتهم على الحق فقاموا يدعون إليه - سبحانه - فأعلنوا عقيدة التوحيد خالصة دون لبس ولا خوف \".. إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض، لن ندعوَ من دونه إلهاً.. \". فكانوا قدوة للدعاة يأتسونهم.. قالوها، فخلّدهم الله في كتابه الكريم إلى يوم القيامة.
     
    8- كما أن مقامهم في الكهف أكثر من ثلاثة قرون، تميل الشمس عنهم حين طلوعها ولاحِظ كلمة تزاور الدالة على قدرة الله في حركة مخلوقاته وانظر كلمة تقرضهم عند غروبها فلا تصيبهم البتة في حركتها بزوغاً وغروباً وقد قيل: تقرضهم: تنثر عليهم شعاعاً خفيفاً لإصلاح أجسادهم، وهم في فجوة من الكهف لا يتأذون بقرّ ولا حرّ عيونهم مفتحة، \" و تحسبهم أيقاظاً وهم رقود \" يحركهم الله - تعالى - كي لا تأكل الأرض أجسادهم \" ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال \" يحرسهم كلبهم في مدخل الباب ماداً قائمتيه كأنه حي متوثب \" وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد \"... تصوير بديع لهم في رقدتهم الطويلة هذه التي تدل توهم من يراهم أنهم أحياء.. مع إدخال الهيبة في قلوب من اطلع عليهم إن اطلع أن يتجاوزهم مبتعداً عنهم. مقامهم هذا دليل على قدرة الله - تعالى - في إماتتهم وحفظهم من التلف، وإخافة من ينظر إليهم، ثم على بعثهم.. فسبحان الله مالك الملك، المتصرف في مخلوقاته كما يشاء.
     
    9- الحذر في كل حالات الحياة حلوها ومرها، أمنها وخوفها مطلوب، فالتخفي والكتمان والتلميح من أنواع الحذر. فماذا فعل الفتيان حين أحياهم الله - تعالى -؟ شعروا بالجوع.. فقد استيقظوا بعد ساعات طويلة استغرقت يوماً أو بعض يوم كما ظنوا والطعام والشراب وسيلة الحياة. والعدو الذي هربوا منه يطلبهم ويرسل العيون والجند بحثاً عنهم. فينبغي الحذر في التحرك. ماذا يفعلون؟
    - أرسلوا واحداً فقط يشتري لهم طعاماً فالواحد أقدر على التخفي ولا ينتبه له أحد. وهروبه أسهل إذا شعرت به عيون العدو وإذا وقع في أيدي الظلمة فهو فدائي واحد، ولن تسقط المجموعة كلها.
    - وأمروه باللطف في الشراء واللين في الطلب، وليتكلم المختصر المفيد.
    - وليكن تصرفه حكيماً وحركاته بعيدة عن الريبة لكي لا ينطبق عليه المثل القائل \" كاد المريب أن يقول خذوني \".
    - وليختر أطيب الطعام وأزكاه، فالطعام الطيب الحلال أنفع للجسم، وأرفع للروح.
    صحيح أن الحذر لا ينجي من القدر لكن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، ويعد للأمر عدته كي لا يُؤخذ على غرة، فالعدو الذي لا يخاف الله - تعالى -لا يرحم \" إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم \" ألم يعلن كبير المجرمين فرعون رغبته في قتل النبي موسى - عليه السلام -؟ \" ذروني أقتل موسى.. \" مدعياً أنه بذلك يقضي على الفتنة ويحفظ الناس من الفساد؟! \" إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد \"؟ !. وقد دمغهم الله - تعالى -بالعدوان وكره المؤمنين ونقض العهود \" لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون \" وإذا قتل المسلم في سبيل الله فقد نال الشهادة، أما إذا كان إيمانه ضعيفاً فلم يحتمل العذاب وكفر بدينه لينجو منه فقد خاب وخسر \".. أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذاً أبداً \".
     
    10- لا ينبغي أن نمر على قصص القرآن مروراً سريعاً إنما يجب التفكر والتدبّر للعظة والعبرة واستخلاص الدروس، فتكون نبراساً نسير على هديه ونستضيء بنوره، وإلاّ كنا كمثل الحمار يحمل أسفاراً. قال المفسرون: إن الملك الذي هرب الفتيان من ظلمه وبطشه مات، ومات الكفر معه. وانتشر الإسلام في البلاد، واختلف المؤمنون في طريقة البعث والنشور. فمن قائل تحشر الأرواح فقط، ومن قائل يحشر الناس بأرواحهم وأجسادهم. فكان عثورهم على الفتية دليلاً على حشر الناس بأجسادهم وأرواحهم كما كانوا في الدنيا، فالله قادر على كل شيء. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى كان بعث هؤلاء الفتية دليلاً باهراً على أن يوم القيامة حقيقة لا شك فيها \" وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها \".
     
    11- المراء في أمر لا فائدة فيه لا حاجة إليه. وقتك أيها المسلم ثمين، وحديثك موزون، ولن يزيدك علماُ وفهماً أن تخوض فيما لا طائل له،.. فماذا يزيدك لو عرفت عدد الفتية؟ أو أسماءهم، أو أعمارهم؟ أو أعمالهم؟.. الفائدة المرجوة تجدها في أفعالهم وثباتهم على المبدأ وفرارهم بدينهم يحافظون عليه. وحذرهم في تصرفاتهم، وأخوّتهم في الله - تعالى -...
     
    12- أمر أخير ينبغي الوقوف عنده، هو تعليق الأمر بمشيئة الله \" ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله \" فقد عاتب الله - تعالى -نبيه الكريم على قوله للكفار حين سألوه عن الفتية والروح وذي القرنين: غداً أخبركم بجواب أسئلتكم. ولم يستثنِ في ذلك، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به. فنزلت عليه هذه السورة مفرِّجة، وأمر في هذه الآية أن لا يقول في أمر من الأمور: إني أفعل غداً كذا وكذا إلا أن يعلق الأمر بمشيئة الله - تعالى -.

    موقع مداد


  17. عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً من كُرَبِ يوْمِ القيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنْيا والآخِرَةِ، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ في عَونِ أخيهِ، ومَنْ سلك طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ له بِهِ طَرِيقًا إلى الجنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ ويَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلا نَزَلَتْ عليهمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عِنْدَه، وَمَنْ بَطَّأ بِه عَمَلُهُ لمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ))؛ رَواه مسلم بهذا اللَّفظ.
     
     
     
    أهمية الحديث:
     
    هذا الحديث شأنه عظيم، لما فيه من البشارة والنذارة التي تدفع المؤمن للعمل على خدمة الناس ومجالسة أهل العلم، ومدارسة القرآن.
     
     
     
    مفردات الحديث:
     
    • نفَّسَ: خفَّف وفرَّج.
     
    • والكربة[1]: الشدة العظيمة التي تُوقع من نزلت فيه بغم شديد.
     
    • يسَّر على معسر: المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها، والتيسير عليه مساعدته على إبراء ذمته من تلك الديون.
     
    • ستر مسلمًا: بأن رآه على فعل قبيح شرعًا فلم يظهر أمره للناس.
     
    • ستره الله: حفظه من الزلات في الدنيا.
     
    • سلك: مشى، أو أخذ بالأسباب.
     
    • طريقًا: مادية كالمشي إلى مجالس العلم وقطع المسافات بينه وبينها، أو معنوية كالكتابة والحفظ والفهم والمطالعة والمذاكرة، وما إلى ذلك، مما يتوصل به إلى تحصيل العلم.
     
    • يلتمس: يطلب.
     
    • فيه: في غايته.
     
    • علمًا: نافعًا.
     
    • له: لطالب العلم.
     
    • به: بسبب سلوكه الطريق المذكور.
     
    • طريقًا إلى الجنة؛ أي: يكشف له طرق الهداية، ويهيئ له أسباب الطاعة في الدنيا، فيسهل عليه دخول الجنة في الآخرة.
     
    • بيوت الله: المساجد.
     
    • يتدارسونه بينهم: يقرأ كل منهم جزءًا منه، بتدبر وخشوع، ويحاولون فهم معانيه وإدراك مراميه.
     
    • السكينة: ما يطمئن به القلب وتسكن له النفس.
     
    • غشيتهم: غطَّتهم وعمتهم.
     
    • الرحمة: الإحسان من الله تبارك وتعالى والفضل والرضوان.
     
    • حفتهم: أحاطت بهم من كل جهة.
     
    • ذكرهم الله فيمن عنده: باهى بهم ملائكة السماء وأثنى عليهم.
     
    • بطأ به عمله: كان عمله الصالح ناقصًا وقليلًا فقصر عن رتبة الكمال.
     
    • لم يسرع به نسبه: لم يعلِ من شأنه شرف النسب.
     
     
     
    ومما يستفاد من الحديث:
     
    1- مما يدخل في هذا الباب جواز الإقراض، والضمان عن المُعسر، والكفالة ببدله لمن هو قادر عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
     
     
     
    2- أن الجزاء عند الله من جنس ما قدم العبد من عمل، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، والعون بالعون، والستر بالستر، والتيسير بالتيسير.
     
     
     
    3- الإحسان إلى الخلق طريق محبة الله عز وجل، ومنه التيسير على المعسرين وقضاء حاجاتهم والستر عليهم.
     
     
     
    4 - ستر المسلم إذا اطُّلِعَ عليه أنه عمل فاحشة، والمستحب للإنسان إذا اقترف ذنبًا أن يستر على نفسه، وأما شهود الزنا، فاختُلف فيهم على وجهين: أحدهما: يُستحب لهم الستر والثاني: الشهادة، وفصَّل بعضهم فقال: إن رأوا مصلحة في الشهادة شهدوا، أو في الستر ستروا[2].
     
     
     
    5- الإشارة إلى القيامة وأنها ذات كُرَب.
     
    قال القحطاني رحمه الله في نونيته:
     
    يوم القيامة لو علمتَ بهوله 
    لفررت من أهلٍ ومن أوطانِ 
    يومٌ تشققت السماء لهوله 
    وتشيب منه مفارق الولدان 
    يوم عبوس قمطريرٌ شرهُ 
    في الخلقِ منتشرٌ عظيم الشأنِ 
     
     
    6- تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، ويُقام فيه العدل ويقوم الأشهاد.
     
     
     
    7- الحث على طلب العلم واستحباب المشي في طلبه، والاشتغال بطلبه، وأن سلوك طريق العلم مؤد إلى الجنة، وهذا الطريق يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية إلى حصول العلم، مثل: حفظه، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته.
     
     
     
    8- الحث على مجالسة العلماء وملازمتهم في السفر والحضر.
     
     
     
    9- الحذر من تطرق الرياء في طلب العلم؛ لأن تطرقه في ذلك أكثر من تطرقه في سائر الأعمال، فينبغي تصحيح النية فيه والإخلاص؛ كي لا يحبط الأجر ويضيع الجهد.
     
     
     
    10- طلب العون من الله تعالى والتيسير؛ لأن الهداية بيده، ولا تكون طاعة إلا بتسهيله ولطفه، ودون ذلك لا ينفع علم ولا غيره.
     
     
     
    11- عـون الله لمن أعان مسلمًا، لكن هذا مقيد بما إذا كان على البر والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وأما إذا كان على إثم فحرام، ولقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]، وأما إذا كان على أمر مباح فهذا من الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].
     
     
     
    12- ملازمة تلاوة القرآن والإقبال على تفهمه وتعلمه والعمل به.
     
     
     
    13- فضل الاجتماع على ذكر الله وعلى مدارسة القرآن.
     
     
     
    قال ابن رجب رحمه الله: "هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حُمِلَ على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه".
     
     
     
    وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
     
     
     
    وقال أبو عبدالرحمن السلمي: "فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا". وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف.
     
     
     
    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري).
     
     
     
    وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر.
     
     
     
    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا؛ الحديث، وفيه: فيقول الله: أشهدكم أني غفرتُ لهم).
     
     
     
    وفي صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومنَّ علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة).
     
     
     
    قال ابن القيم رحمه الله: إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه، ثم ذكر حديث: (إن لله ملائكة سيارة). وقال: "فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله: وجعلني مباركًا أينما كنت، فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشؤوم أين حل".
     
     
     
    14- الحث على تدبر القرآن وتفهمه.
     
    قال ابن تيمية: "المطلوب من القرآن هو فَهْم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همته لم يكن من أهل العلم والدين".
     
     
     
    قال ابن القيم: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر".
     
     
     
    وقال النووي: "وينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب".
     
     
     
    وقال الحسن البصري: "يا بن آدم، كيف يرق قلبك، وإنما همتك في آخر السورة؟!".
     
     
     
    وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بقوله: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)؛ أي: إنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه، وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.
     
     
     
    15- المبادرة إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133-134].
     
     
     
    16- النسب لا ينفع إذا لم يكن العمل الصالح؛ لقوله: (من بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبُه)، والعبرة بالإيمان والعمل الصالح لا الأحساب والأنساب، فالله رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].
     
     
     
    وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)؛ رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا)؛ متفق عليه.
     
     
     
    17- ينبغي للإنسان ألا يغتر بنفسه، وأن يهتم بعمله الصالح حتى ينال به الدرجات العلى.
     
     
    [1] الكربة هي: ما ضاقت على صاحبها، فناسبها التنفس.
     
    [2] شرح النووي على الأربعين، [فضل الستر على المسلم: وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَن ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)؛ رواه ابن ماجه، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابـوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته يفضحه في بيته)؛ رواه أبو داود.
     
    قال الإمام مالك: (أدركت بهذه البلدة - يعني المدينة - أقوامًا ليس لهم عيوب، فعابـوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركت بهذه البلدة أقوامًا كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فنسيتْ عيوبهم)؛ قال ابن رجب رحمه الله [جامع العلوم والحكم ص 639، 640]: واعلم أن الناس على ضربين:
     
    أحدهما: من كان مستورًا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقَرَّ بِحَدِّ لمْ يُفَسِّرْهُ ولم يُسْتَفْسَرْ، بل يُؤْمَرُ بأنْ يرجعَ ويَستُرَ نفسَـهُ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال له: أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، ومثل هذا لو أُخذ بجريمته، ولم يُبلغِ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتى لا يبلغ الإمامَ، وفي مثله جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)؛ خرَّجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها.
     
    والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي معلنًا بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلِن، وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لتقام عليه الحدود، ومثل هذا لا يُشْفَعُ له إِذا أُخِذَ ولو لم يبلغِ السلطانَ، بل يُتركُ حتَّى يُقَامَ عليهِ الحَدُّ، لينكف شرُّه، ويرتدع به أمثاله]؛ شرح الأربعين النووية للشيخ سليمان بن محمد اللهيميد.
     
     
    الشيخ محمد بن مسعود العميري الهذلي
     
    شبكة الالوكة

  18. وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)
    عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " الشفع والوتر : الصلاة ، منها شفع ، ومنها وتر " . وقال جابر بن عبد الله : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : والفجر وليال عشر - قال : هو الصبح ، وعشر النحر ، والوتر يوم عرفة ، والشفع : يوم النحر " . وهو قول ابن عباس وعكرمة . واختاره النحاس ، وقال : حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين . فيوم عرفة وتر ; لأنه تاسعها ، ويوم النحر شفع ; لأنه عاشرها .
    تفسير القرطبى
     
     

    وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)
    1-  }والفجر • وليالٍ عشر } العظيم لا يقسم إلا بعظيم ..! / نايف الفيصل
    2-  أقسم الله بيوم عرفة مرتين في كتابه: "والشفع و الوتر" الوتر هو يوم
    #عرفة "وشاهد ومشهود" المشهود هو #يوم_عرفة فالعظيم.. لا يقسم إلا بعظيم ! / نايف الفيصل
    3-  } و الفجر } قسم بإدبار الظلام ... وميلاد الضياء .. - الغزالي / نايف الفصل
    4-  )الفَجر - الفرَج) بينهما تقارب في المبنى والمعنى وهو الانتقال من حالة إلى أحسن منها الفجر من ظلام إلى نور والفرج من ضيق إلى سعة - منقول/ نايف الفيصل
    5-  {وليال عشر} أقسم الله بهذه الأيام تعظيما لها ولذلك فإن من أعظم الأعمال في هذه الأيام استشعار عظمتها ، وتعظيم الله تعالى وشرائعه فيها / محمد الربيعة
    6-  } وَلَيالٍ عَشرٍ { ﻻ يقسم الله إﻻ بشيء عظيم والعظيم عند الله يجب أن تعظمه قلوبنا }ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب{ / مها العنزي
    7-  ﴿وليال عشر﴾ روي عن ابن عباس : أنها العشر الأول من ذي الحجة . وهو قول مجاهد ،وقتادة ،والضحاك،والسدي،والكلبي . / روائع القرآن


    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر

    109783596_3167190463357655_541660448527889908_n.jpg?_nc_cat=101&_nc_sid=730e14&_nc_ohc=HetCdWCCaDEAX-w36vK&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=6bfbf6f1e5d3fabcca3a71ae26453f8f&oe=5F3D8887

  19. قد تخفى نوايا الإنسان ومقاصده من أعماله وأقواله، وقد يكون ما يعلنه من ذلك مخالفاً لما يبطنه، وليس للبشر الخوض في نيات الناس ومقاصدهم، فالله وحده العالم بها، المطلع على تفاصيلها، وهو سبحانه وحده من يثيب عليها ويعاقب .


    قال ﷺ (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
    وصية نبوية
    اجعلها نصب عينيك كل يوم،فلا تصبح وتمسي وفي نيتك إيصال أي أذى مادي أو معنوي مهما صغر لمسلم أو مسلمة. فإن هذا من علامات صدق إسلامك. أما إيصال نفعك وخيرك لمسلم أو مسلمة فتلك مرتبة عظيمة يرجى لصاحبها الدرجات الرفيعة في الآخرة


    العلم بأمرٍ ما شيء، لكن اليقين به شيء آخر فليس كل من علم شيئاً أيقن به، ولهذا جا في التنزيل ﴿ وبالآخرة هم يوقنون﴾ ولم يقل يعلمون.
    فاللهم قوِّ يقيننا بوعدك ووعيدك حتى نعبدك وكأننا نراك، ونصدق بوعدك وكأننا نشاهده أمامنا رأي العين.


    إن لم يكُن لك " ورد يومي " من القرآن
    فحاسب نفسك ، وراجع علاقتك مع الله ..



    لم يبق على أفضل أيام العام ودرة الزمان #عشر_ذي_الحجة إلا القليل التي قال النبي ﷺ عن فضلها: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى ﷲ من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا:يا رسول ﷲ ولا الجهاد في سبيل ﷲ ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل ﷲ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)


    العقلاء الذين يعملون لبناء مستقبلهم الأخروي الأبدي، هم وحدهم من يدرك عظيم نعمة ﷲ على العبد بإدراك أيام عشر ذي لحجة لكونها من أعظم الفرص لتلافي تقصير العبد،وتدارك العمر، فالعمل الصالح فيها أياً كان أفضل من العمل الصالح فيما سواها من الأيام، مما يعني مزيد الأجور ومضاعفة الحسنات


    تذكر دائماً أن الأعمار بيد ﷲ، وأن الأجل قد يأتي على حين غفلة، وأنه لن ينفعك يوم القدوم على ربك سوى عملك الصالح، فلا تتكاسل في اغتنام أيام عشر ذي الحجة ولا تفرط في إيداعها ما استطعت من عمل صالح يسرك يوم لقاء ربك،ويبهجك عند مغادرة الدنيا،ويكون أنيساً لك في قبرك وشافعا لك يوم حشرك




    ليس المقصود من الخوف من الموت: الجزع والهلع، وإنما المقصود حسن الاستعداد له،بالتوبة النصوح، والإكثار من الطاعات والقربات، والخروج من مظالم العباد. فيا سعادة من رحل عن هذه الدنيا بإيمان وإخلاص،وبر وتقوى،وسلامة من حقوق الآدميين . فاللهم: عيشة سوية وميتة نقية ومرداً غير مخز ولا فاضح



    لا تحرم نفسك الأجر ، ولا تحرم إخوانك منفعة الدعاء، فقد تكون يوما ما بأمس الحاجة إلى دعوة مسلم إذا سمعت بخبر وفاة مسلم عرفته أو لم تعرفه فحرك لسانك بالدعاء له بالرحمة والمغفرة، فإنك بذلك: تعبد ربك وتنفع نفسك وتنفع أخاك وتؤدي شيئاً من حق أخيك المسلم عليك لا تبخل بدعوة لا تكلفك شيئا

     

     

    أرأيتم عظمةَ ذلك التوجيه النبوي في قوله ﷺ : تعجلوا إلى الحج يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له.
    وهكذا في كل عبادة، وكل عملِ خير، لا تسوف، ولا تتردد في القيام به، بل بادر به، وسارع إليه، فإن أحدنا لا يدري ما يعرض له في مستقبل أيامه
     
     
    من أعظم الوصايا النبوية وأنفعها للعبد في دنياه وأخراه: قوله ﷺ : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )
    لو طُبقت هذه الوصية في حياتنا لاختفت كثير من الشرور على المستوى الخاص والعام.

  20. {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ○ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ...} [التوبة ١٠٤- ١٠٥]

    تأمل الآية الكريمة وانظر كيف جاءت الصدقة بين توبتين .. يقبل الله توبتك (ويطهرك بالصدقات) ليعود بك التواب صعودا وإرتقاء إلى الحق .. ما أروع الصدقات !!..

    (أن الله يقبل التوبة عن عباده) مجرد تاب العبد وقدم صدقته تقبلها الله التواب وغفر له ذنوبه مهما عظمت .. اما نحن البشر فتمضي السنوات وقلوبنا لم تستطع نسيان صغائر فعلها إخوتنا بالخطأ !!
    الله يقبلك .. والبشر يهجروك .. ما أقسى قلوبنا ! وما أرحم الله سبحانه !

    نتعامل بصدقاتنا مع رب كريم .. وانت تقدم صدقتك ياعزيزي لاتنظر بعينك للفقير الذي يمسكها ، ولكن انظر بقلبك إلى الله الذي يأخذها ليرفع بها درجتك ، فهي تقع في يده قبل يد الفقير ..
    وإذا فترت طاعتك تذكر(وقل اعملوا ..)
    جدد الهمة في المسير إلى الله ، فأنت مهما ابعدتك ممرات الحياة ، سيبقى الموت هو الباب الذي يعيدك للمكان الذي تجد الله عز وجل ليحاسبك ...
     
     
    فضائل وفوائد الصدقة:
    أولًا: أنّها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صدقة السر تطفىء غضب الرب تبارك وتعالى» [صحيح الترغيب].

    ثانيًا: أنّها تمحو الخطيئة، وتذهب نارها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة تطفىء الخطيئة كما تطفىء الماء النار» [صحيح الترغيب].

    ثالثًا: أنّها وقاية من النار كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا النّار، ولو بشق تمرة».

    رابعًا: أنّ المتصدق في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل امرىء في ظل صدقته، حتى يقضى بين الناس». قال يزيد: "فكان أبو مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة"، قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» [في الصحيحين].

    خامسًا: أنّ في الصدقة دواء للأمراض البدنية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة». يقول ابن شقيق: "سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ". [صحيح الترغيب].

    سادسًا: إنّ فيها دواء للأمراض القلبية كما في قوله صلى الله عليه وسلم لمن شكى إليه قسوة قلبه: «إذا إردت تليين قلبك فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم» [رواه أحمد].

    سابعًا: أنّ الله يدفع بالصدقة أنواعًا من البلاء كما في وصية يحيى عليه السلام لبني إسرائيل: "وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم". [صحيح الجامع] فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ بل من كافر فإنّ الله تعالى يدفع بها أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند النّاس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنّهم قد جربوه.

    ثامنًا: أنّ العبد إنّما يصل حقيقة البر بالصدقة كما جاء في قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [سورة آل عمران: 92].

    تاسعًا: أنّ المنفق يدعو له الملك كل يوم بخلاف الممسك وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» [في الصحيحين].

    عاشرًا: أنّ صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «ما نقصت صدقة من مال» [في صحيح مسلم].

    الحادي عشر: أنّه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلاّ ما تصدق به كما في قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ} [سورة البقرة: 272]. ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلاّ كتفها. قال: «بقي كلها غير كتفها» [في صحيح مسلم].

    الثاني عشر: أن الله يضاعف للمتصدق أجره كما في قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [سورة الحديد: 18]. وقوله سبحانه: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [سورة البقرة: 245]. ا

    لثالث عشر: أنّ صاحبها يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان». قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها: قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم» [في الصحيحين].

    الرابع عشر: أنّها متى ما اجتمعت مع الصيام واتباع الجنازة وعيادة المريض في يوم واحد إلاّ أوجب ذلك لصاحبه الجنة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضا؟». قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمعت في امرىء إلاّ دخل الجنة» [رواه مسلم].

    الخامس عشر: أنّ فيها انشراح الصدر، وراحة القلب وطمأنينته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق إلا اتسعت أو فرت على جلده حتى يخفى أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها ولا تتسع. [في الصحيحين] "فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلاّ هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقيا بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [سورة الحشر: 9].

    السادس عشر: أنَّ المنفق إذا كان من العلماء فهو بأفضل المنازل عند الله كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا فهذا بأفضل المنازل..».

    السابع عشر: أنَّ النبَّي صلى الله عليه وسلم جعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلاّ في اثنين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار»، فكيف إذا وفق الله عبده إلى الجمع بين ذلك كله؟ نسأل الله الكريم من فضله.

    الثامن عشر: أنَّ العبد موفٍ بالعهد الذي بينه وبين الله ومتممٌ للصفقة التي عقدها معه متى ما بذل نفسه وماله في سبيل الله يشير إلى ذلك قوله جل وعلا: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقتَلُونَ وَعداً عَلَيْهِ حَقّاً فِى التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرءَانِ وَمَنْ أَوفَى بِعَهدِهِ مِنَ اللهِ فَاستَبشِرُواْ بِبَيعِكُمُ الَّذِى بَايَعتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ} [سورة التوبة: 111].

    التاسع عشر: أنَّ الصدقة دليلٌ على صدق العبد وإيمانه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان» [رواه مسلم].


    العشرون: أنَّ الصدقة مطهرة للمال، تخلصه من الدَّخن الذي يصيبه من جراء اللغو، والحلف، والكذب، والغفلة فقد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يوصي التَّجار بقوله: «يا معشر التجار، إنَّ هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» [رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، صحيح الجامع].

    تأملات قرآنية
    طريق الاسلام
     
     
    https://scontent.fcai2-2.fna.fbcdn.net/v/t1.0-9/48960147_322769438325884_1323166642351374336_o.jpg?_nc_cat=105&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=BwAa71pUhxcAX-Ce1ws&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=16c1e34f3bb011eeb312f1943d4d91a0&oe=5F3B6393

  21.  تأملات تربوية في سورة يوسف (4)
     

    1- " وجاء إخوة يوسف ، فدخلوا عليه ، فعرفهم ، وهم له منكرون " . لا شك أنه عرفهم فهم رجال ، قد اكتمل نموهم حين ألقوه في الجب ، ولم يتغيروا كثيراً بعد ثلاثة عقود ، كما أنهم جاءوا معاً وعددهم عشرة ، يتكلمون العبرية – لسانَ اليهود – وكل هذا ملفت للنظر ، كما أنه يتوقع مجيئهم . أما يوسف فقد كان صغيراً ، وتغيرت ملامحه كثيراً حين اكتملت رجولته ، فلن يعرفوه ، كما أنهم اعتقدوا موته ، وانتهى أمره عندهم ، وما عادوا يفكرون فيه ، ولم يكونوا – لو أخذته قافلة - يتصورون أين سينتهي به المطاف لو بقي حياً ، ولئن استقر به المقام في مصر ، فلن يكون سوى عبد ذليل وخادم لايؤبه له ، ولن يخطر ببالهم أنه الوزير المتنفذ الذي بيده هذا السلطان كله ، وأن الله تعالى مكن له في الأرض ، فبات يُشار إليه بالبنان ، ويقصده الناس من قريب وبعيد كما يفعلون الآن .
    ولنتصور الآن الحديث بينه وبينهم بالمصرية ، ولعلهم يعرفونها أو هناك مترجم ، فيوسف لم يكن يريد أن ينبههم إلى أنه يعرف لغتهم فينتبهوا له ، ويروزوه :
    من أي البلاد قدمتم ؟
    من أرض كنعان .
    أراكم تتشابهون ، فهل أنتم من عشيرة واحدة أو بينكم قرابة؟
    بل نحن إخوة ، وأبونا واحد ، هو النبي يعقوب .
    أأنتم جميعاً ابن رجل واحد ؟
    نعم ، ولنا أخ آخر بين يدي والده لا يفارقه لحظة واحدة ، فهو متعلق به كثيراً .
    ويكرمهم يوسف عليه السلام ، فيجعلهم ضيوفه ، ثم يأمر فتيانه أن يملأوا أوعيتهم بالقمح ويزيدوهم في الكيل ، ويطلب منهم أن يأتوا بأخيهم في المرة القادمة فيَثبُت صدقُهم ، فإن لم يفعلوا فليسوا صادقين في ذلك ، وسيمنعهم من دخول مصر ويأبى أن يَميرهم ....
    وذكرنا قصتهم في المقال الأول من التأملات ، فلنعد إليها .
    2- قد يظن أحدهم أن أبناء يعقوب هم الأنبياء من الأسباط ، وهذا وهمٌ تـُسقطه القرائن ، بل الأنبياء من أحفاد أبنائهم ، إن النبي قدوة ، وهؤلاء ليسوا قدوة ، وخطؤهم كثير وكبير استمر معهم حتى صاروا كهولاً وهم حتى اللحظة الأخيرة يسيؤون إلى أخيهم يوسف ، ومن أساء إلى أخيه فلا بد أن تكون إساءاته للناس متواترة . " إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل " ويقول يوسف في نفسه متألماً " أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون " كما أننا نجد عدم احترامهم لأبيهم - وأبناؤهم مثلهم - فيلومونه لوماً أقرب إلى التوبيخ حين يخبرهم أنه يجد ريح يوسف " تالله إنك لفي ضلالك القديم " وهم يعترفون أمام يوسف بخطئهم اعتراف المحاط بهم حين يكشف لهم عن نفسه " تالله لقد آثرك الله علينا ، وإن كنا لخاطئين " ويسألون أباهم أن يعفو عنهم ويستغفر لهم " قالوا : يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ، إنا كنا خاطئين " وهل يصبحون أنبياء حين يهرمون ويعجزون وهم الخاطئون ؟ ، وكلمة " الخاطئ " التي تكررت في سورة يوسف تعني : الخطأ العمد الذي يصر صاحبه عليه .
    3- الاستعطاف طريقة تربوية قد توصل للهدف على شرط أن يُقصد به الرجل الشهم المحسن . أما استعطاف اللئيم فذلٌ وخنوع يأباهما المسلم .
    نرى ذلك حين رغبوا في سبيل استنقاذ أخيهم أن يتبرع أحدهم أن يُسترَقّ مكانه ، فأبى يوسف عليه السلام ، فلا عقوبة إلا لمن يستحق العقوبة ، والقاعدة الشرعية تؤكد " ولا تزر
    وازرة وزر أخرى " وأعلن هذا قائلاً " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده "
    4- يبدو أن الرجولة والخبرة في الحياة وتحمل المسؤولية زمناً طويلاً والعهودَ والمواثيق ،
    والخوف من الوقوع في الخطأ مرة أخرى تخفف من غلواء الفساد ،
    فهذا كبيرهم ( وقد يكون أكبرَهم عمراً أو مكانة ) يشعر بعظم المسؤولية . فلما خلصوا يتناجون ويقلبون الأمور لم يستحسن العودة إلى فلسطين خوفاً وخجلاً من لقاء أبيه حين يعود دون بنيامين ، ومن قبل فرّط في الحفاظ على يوسف وجارى إخوته في التخلص منه " قال كبيرهم : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ، ومن قبل ما فرطتم في يوسف " لقد طفح الكيل ، وما عاد يحتمل ، فقرر أن يظل في مصر قرب أخيه بنيامين حتى يأذن له أبوه أو يأتي الفرج من الله : " فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين " وهذا دليل على انفراط عِقد العُصبة ثمّ إنه قال : حتى يحكم الله لي . ولم يقل لنا
    ووثـَق الإخوة الذين ذهبوا أمرهم بالاستشهاد بالقافلة التي كانت معهم ، وبسؤال أهل مصر الذين شهدوا الحادثة ،
    5- الأمل بالله والوثوق به سمة المسلم إن قلب الأب كان مكلوماً فلم يصدقهم ، وكرر قوله السابق " بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ."
    فقد بـَعُد ثلاثة من أولاده عنه :
    أما أولهم : فيوسف الذي غاب عنه عقوداً وهو لا يعلم عنه شيئاً ، الولد الغائب الذي لا يدري أبوه أحي هو أم ميت ، أين يقيم ، وكيف يحيا غيبته أشد من غيبة غيره إلا أن يعقوب عليه السلام كان يعلم أن ابنه حي بسبب الرؤيا التي رآها يوسف ، وهو ينتظر تحقيقها ، فيجتمعُ به .
    وأما ثانيهم : فبنيامين الذي يقبع في أسر عزيز مصر ، يعرف أبوه مكانه إلا أنه لا يستطيع القدوم ، وأمره صعب لكنه أقل صعوبة من حال يوسف الغائب الذي لا يعلم عنه شيئاً .
    وأما ثالثهم : فالكبير المنفي طوعاً ، لا يجرؤ على العودة ولقاء أبيه
    إنها لمصيبة كبيرة علاجها اللجوء إلى الله تعالى والصبر عليها . " فصبر جميل ... "
    إلا أن المصيبة تصغر حين تكبر ، وتضعف حين تشتد ، فقال ، وثقته بالله ثابتة : عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ، إنه هو العليم الحكيم " وقال معلماً أبناءه اللجوء إلى الله في كل شيء " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون " ويدفعهم إلى طرح اليأس والتشمير عن ساعد الجد والبحث في مصر نفسها ، فهناك الأخوان الغائبان يوسف وبنيامين يقيمان ، وقد دنت ساعة الفرج أما الكبير فقد عاد بعد أن أذن له أبوه بالعودة " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله " بل إنه ليجد ريح يوسف حين خرج أخوه بقميصه إلى الأب الحزين .
    6- العفو سبيل الصالحين حين يقبل على يوسف إخوتـُه للمرة الثالثة ، قد مسهم الضر من تضعضعٍ في العيش الأسْري ، وفقر واضح ، وانكسار بيّن " فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز ؛ مسنا واهلَنا الضر ، وجئنا ببضاعة مزجاة ، فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ، إن الله يجزي المتصدقين " ويرى يوسف أنهم تعلموا الدرس يكلمهم بالعبرية – لغتهم – مؤنباً " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ " وأرى كلمة " إذ أنتم " غيرَ قوله تعالى " إذ كنتم " فالثانية للماضي ، والأولى للماضي والحاضر . فما تزالون تخطئون ولا ترعوون .... ويذكر سبيل الإحسان ... إنها التقوى والصبر " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "
    وحين يطلبون الصفح يصفح عنهم دون لوم ولا عتاب . بل يدعو لهم بالخير ، وهذه قمة العفو والتسامح ، وهذا دأب الصالحين " لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين " وكذلك يفعل الأب حين يستغفر اللهَ لهم ، ويعفو عنهم .
    بل إن يوسف عليه السلام يبلغ القمة في الصفح والغفران حين يتناسى ما فعله إخوته به حين ألقوه في الجب ، ولا يذكرُه كي لا يشعروا بالحرج ، ولا يذكر إلا كربته في السجن ، ويعزو إلى الشيطان وحده ما كان بينه وبين إخوته " ... وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ، وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ."
    7- التواضع والتذلل إلى الله دأب الصالحين
    - الله تعالى أحسن به إذ أخرجه من السجن ، وجاء بأهله من البدو.
    - الله سبحانه مَن آتاه الملك ، وعلمه من تأويل الأحاديث .
    - يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين .
    - إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا تعلمون.
    - عسى الله أن يأتيني بهم جميعا .
    - وما أبرئ نفسي ،إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. إن ربي غفور رحيم.
    - ذلك مما علمني ربي .
    ولن يكون المُلـْكُ والعلم للصالحين سبيلَ عظمة وتكبر ، إنما هو سبيل إلى التواضع والشكرِ للمنعم المتفضل . بل يدفع صاحبه أن يسأل الله تعالى أن يجعل ذلك مقدمة للجنة وبشرى الرضا في الآخرة " رب قد آتيتني من الملك ، وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطرَ السموات والأرض ؛ أنت وليي في الدنيا والآخرة . توفني مسلماً ، وألحقني بالصالحين . "
    ونحن معشر المسلمين نتعلم من يوسف عليه السلام أن الدنيا دار اختبار وأن الآخرة دار قرار ، اللهم توفنا مسلمين ، وألحقنا بالصالحين ....



  22. إن الأخلاق الحسنة هي رأسُ مال الإنسان، ومنتهى شرفِه؛ بل هي خلاصةُ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّحه الألباني في الصحيحة -: ((إنما بُعِثت لأتَمِّم مكارم الأخلاق)).
     

    ويأتي خُلُق الحِلم ليُمثِّل شامةَ الأخلاق وعمودها وذِروة سنامها، وبها تُستَكمل الفضائل، وتُحصَّل المعالي.

     
    إن المتأمِّل لصفة الحِلْم يجد أنها ارتَقَت قمة سامقة؛ حيث إنها صفةٌ من صفات الرب سبحانه، ولعلوِّ قدر الحلم ومنزلته اختصَّه الله فجعله اسمًا من أسمائه الحسنى "إنه غفور حليم".
     

    فما أحوجنا اليومَ إلى دخولِ مدرسة الحِلْم، بعد أن أصبح الغضبُ والصخب شعارًا للكثير منا ودثارًا، فتعكَّر صفوُ الحياة، وارتفعَتِ الأصوات العالية، وغاب صوت العقل عن المجتمعات الإسلامية؛ لذا فحريٌّ بالدعاة والمربِّين أن يدخلوا أولاً مدرسة الحِلْم النبويَّة ليستقوا من مَعِينها ريًّا صافيًا؛ ليُشرِبوا قلوبَ تلاميذهم من هذا الماء العذب الفرات الذي يُحيي مَوَات قلوبهم.
     

    كان - صلى الله عليه وآله وسلم - المثالَ الكامل للبشرية في كل الأخلاق، ومنها خلق الحِلْم، فبلغ الكمال - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - في حلمه؛ يغضب للحق إذا انتُهِكت حرماتُه، وإذا غضِب فلا يقوم لغضبه شيء حتى يهدم الباطل وينتهي، وفيما عدا ذلك فهو أحلمُ الناس عن جاهلٍ لا يعرف أدبَ الخطاب، أو مسيءٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسِه يمكن إصلاحه، أو منافقٍ يتظاهر بغير ما يُبطِن.

     

    تجد حلمه دائمًا عجيبًا يفوقُ الحدَّ الذي يتصوّره الإنسان، خاصة أن حِلْمه مع القدرة على البطش والقتل؛ إذ لا يشكُّ أحدٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أمر بقتل إنسانٍ لتبادر المئات إلى تنفيذ أمره، بل إن بعضهم لا يحتاجون إلى الأمر بقدر ما يحتاجون إلى الإذنِ، فلو أذِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لطارت رؤوس عن كواهل أصحابها قبل أن يُنْهوا كلامهم، ولكن الرسول الحليم صلى الله عليه وسلم كان يحلم حلمًا عجيبًا على الجاهلين، حتى كأنه هو الحِلْم نفسه صلى الله عليه وسلم.
     

    ومن مواقفه الرائعة العجيبة في كمال حلمه واتِّزانه الانفعالي - في مواقف تزلُّ فيها أقدام العظماء - يضربُ رسولُنا الكريم المثل في تحمُّل الأذى، وتجاوز فظاظة الجهَّال؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

    "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا، إذ أتاه ذو الخُوَيصرة - رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله، اعدِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويلك، مَن يعدل إن لم أعدل؟! لقد خبتَ وخسرتَ إذا لم أعدل فمَن يعدل))، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذَنْ لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعْه...)).

     

    بل تتجلَّى عظمته المغلَّفة بقمَّة الحلم الذي ما رأت البشرية مثله ولن ترى، تخيَّل بنظرك، وانظُر بعين قلبك إليه صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ إذ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قسم، فقال رجل - كما يروي الإمام البخاري -: "والله، إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أُرِيد بها وجه الله، فقلت: (أي عبدالله): والله، لأُخبِرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: ((مَن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبَر!)).
     

    وانتبِهْ لِما ترويه أمُّنا عائشة - فيما رواه أحمد - قالت: "ما ضرب رسول الله بيده خادمًا له قط، ولا امرأةً، ولا ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئينِ قطُّ إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يُؤتَى إليه حتى تُنتَهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله".
     

    بل بذل صلى الله عليه وسلم حلمَه ودماثة خُلُقِه حتى لمن أراد قتله، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك "أن امرأة أتت رسولَ الله بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ((ما كان الله ليُسلِّطَك عليَّ))، أو قال: ((على ذلك))، قالوا: ألا تقتلها؟ قال: ((لا...)).

     

    وروى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كُنَّا نقعُدُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغدوات في المسجد، فإذا قام إلى بيته لم نزل قيامًا حتى يدخل بيته، فقام يومًا فلمَّا بلغ وسط المجلس أدركه أعرابي، فقال: يا محمد، احمِلْني على بعيرينِ، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، وجذب بردائه حتى أدركه، فاحمرّت رقبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، وأستغفر الله، لا أحملك حتى تُقِيدَني))، قالها ثلاث مرات، ثم دعا رجلاً فقال له: ((احمله على بعيرين؛ على بعيرٍ شعيرٌ وعلى بعيرٍ تمرٌ)).

     

    فحلمُه صلى الله عليه وسلم أوسع من أن يُحَاط بجوانبه، ولولا هذا الحلم ما استطاع أن يسوس شعبًا كالعرب؛ يأنف أن يطيع أو ينصاع أو يُجرَح، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 159].

     
    د. أحمد زكريا عبداللطيف
    شبكة الالوكة

  23. من أساليب التربية النبوية
    طريقة الخطوات المتتالية
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    إن المعلم الناجح يقسم درسه إلى فقرات متتالية ، ويستعين بهذا التقسيم على إيصال المعلومات مرتبة : واحدة إثر واحدة ، ولا ينتقل إلى الثانية إلى بعد أن يفهم تلاميذه الأولى ، وهو بهذا يتيح لهم الفرصة لفهم ما يتلقونه أولاً بأول واستيعابه ، ويكون ناجحاً إذا ربط الموضوع ( بفقراته كلها ) موضحاً بدء كل فقرة وانتهاءها ، وعلاقتها بما بعدها . .
    وإذا تابعنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجدنا قسماً كبيراً منها يتبع هذا الأسلوب النافع الدال على قدرة فائقة في إيصال المراد إلى السامع ، والتأكد من أنه تلقى العظة والعبرة واستوعبها .
    وهذا ما نجده واضحاً في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاَ إلى أهل اليمن ، قال له : إنك لتقدُم على قوم من أهل الكتاب :
    1ـ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى .
    2ـ فإذا عرفوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم .
    3ـ فإذا صلوا ، فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة في أموالهم ، تؤخذ من غنيهم فترد إلى فقيرهم .
    4ـ فإذا أقروا بذلك فخذ منهم ، وتَوَقَّ كرام أموال الناس(1).
    نلاحظ : 1ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم عَرَّف معاذاً ـ رسوله ـ بأهل اليمن ، فهم ليسوا وثنيين ولا عباد أصنام ، فلا يفرض الإسلام عليهم فرضاً ، فاستعمل الحكمة معهم .
    2ـ وهم يعرفون الله تعالى ، لكن معرفتهم إياه ـ سبحانه ـ مختلطة ، فهم يجعلونه ثالث ثلاثة ويجعلون عيسى عليه السلام ابنه ، فادعهم إلى توحيده ـ سبحانه ـ وبيّنْ لهم خطأ اعتقادهم .
    3ـ فإذا عرفوا الله حق المعرفة وجب أن يعبوده ، وأول العبادات مرتبة : الصلاة ، فبينْ لهم أن الصلاة عماد الدين ، وأنها تقرب العبد من مولاه ، وأن ما بين الرجل والكفر تركُ الصلاة .
    4ـ فإذا صلوا فقد دخلوا الإسلام ، وجاءت العبادات الأخرى وراءها ، والزكاة مقدمة على غيرها . . وأعلمْهم أن الزكاة ليست إتاوة تدفع للحاكم ـ فلربما استصعبوها !! فأنبئهم أنها للتكافل الاجتماعي ، (( حق يؤخذ من الغني فيهم فيرد إلى فقيرهم )) فهذا أدعى إلى الرضا بها .
    5ـ فإن أقروا بها فخذ منهم زكاة أموالهم ، وتجنب ما يحبون ويضنون به ( وهذا يدل على عمق فهم أغوار النفس الإنسانية ) . . .
    وأنت تلاحظ من حديثه صلى الله عليه وسلم ما يلي :
    1ـ التدرج من الأهم إلى الأقل أهمية ( ولا تنس أنها ـ كلها ـ مهمة ) : المقدمة : ( تعريفهم بالدين ) ثم التوحيد ، ثم الصلاة ، ثم الزكاة . .
    2ـ الكلمات الرابطة بين الفقرات : (( إنك لتقدم ، فليكن أول ، فإذا عرفوا ، فإذا صلوا ، فإذا أقرّوا . . ))
    فالتعبير الثاني ( ليكن أول ) نتيجة للأول ( إنك لتقدم ) .
    والتعبير الثالث ( فإذا عرفوا ) نتيجة للتعبير الثاني .
    والتعبير الرابع ( فإذا صلوا ) نتيجة للثالث .
    والتعبير الخامس ( فإذا أقروا ) نتيجة للرابع .
    خطوة بعد خطوة ، وطلب إثر طلب ، وانتقال وثيق يدل على تلازم الفقرات كلها . . وهكذا يستوعب السامع العظة والعبرة ، ويتفهمها ويهضمها .
    ونجد هذه الخطوات واضحة فيما رواه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له : أي الأعمال خير ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : إيمان بالله وجهاد في سبيله .
    قيل : فأي الرقاب أفضل ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : أغلاها ثمناً ، وأنفسها عند أهلها .
    قيل : أفرأيت إن لم أستطع بعض العمل ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : فتُعين صانعاً ، أو تصنع لأخرق .
    قيل : أفرأيت إن ضعفت ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : تدع الناس من الشر ،
    فإنها صدقة ، تَصدَّقُ بها على نفسك (2).
    أنت تلاحظ في حديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يلي :
    1ـ التدرج من الإيمان إلى الإحسان إلى الناس ، إلى مساعدتهم إلى كف الأذى عنهم . أي من المُهِمِّ إلى الأقل أهمية .
    2ـ أما أداة الربط فهي : السؤال والجواب والمحاورة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائله .
    وفي حديث آخر نرى هذه الطريقة واضحة : عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    (( كل معروف صدقة ،
    وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ،
    وأن تفرغ دلوك في إناء أخيك ))(3) .
    فتأمل معي وصف المعروف . . فهو صدقة تتصدق بها على أخيك المسلم ، فإذا عرف المسلم أن المعروفَ يُثابُ عليه جاءته طريقة من طرق المعروف التي لا تكلف كثيراً . . الابتسام وطلاقة الوجه ، وحرارة لقاء المسلم أخاه المسلم ، والتحبب إليه ، وإشاعة الراحة والهناء في جو الأخوة .
    ثم ينتقل المسلم من الصدقة التي لا تكلف الكثير إلى الصدقة التي فيها عطاء وإيثار ، لأن الذي تؤثره على نفسك أخوك المسلم ، ثم إلى الصدقة التي فيها بذل وسخاء ، وهنا تهون الدنيا أمام إخوان العقيدة ، ويرخص الغالي في سبيلهم . . وما أعظمها من أخوّة .
    ومن التعليم بطريق الخطوات ، ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    (( أقيموا الصفوف ،
    وحاذوا بين المناكب ،
    وسدوا الخلل ،
    ولينوا بأيدي إخوانكم ،
    ولا تذروا فرجات للشيطان ،
    ومن وصل صفاً وصله الله ،
    ومن قطع صفاً قطعه الله ))(4) .
    ألا ترى معي أن التعليم المتدرج في هذا الحديث جاء صورة حية تبدأ من قيام المسلمين إلى الصلاة ، ورص الصفوف ، والتكاتف بينهم بود وإخاء ، يفسح بعضهم لبعض ، ثم يكونون لحمة واحدة ليس للشيطان منفذ بينهم ، وتغشاهم رحمة الله تعالى .
    هذا رسول لله صلى الله عليه وسلم يعلم البشرية حتى هذه اللحظة وإلى قيام الساعة ، الطريقة الحديثة القديمة في الوصول إلى قلوب العباد ، وهدايتهم إلى طريق الرشاد .

    الهوامش :
    (1) رواه البخاري برقم / 6937 / .
    (2) رواه الشيخان .
    (3) الأدب المفرد الحديث / 304 / .
    (4) رياض الصالحين ، باب الصف الأول ، رواه أبو داود .


  24.  تأملات تربوية في سورة يوسف (3)
    الدكتور عثمان قدري مكانسي
     

    1- أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاملة الخدم والعبيد معاملة إنسانية طيبة ، فهم بشر مثلنا ، لهم أحاسيس ومشاعر، يسعدون للكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة ، ويألمون للكلمة السيئة وسوء المعاملة بل إن النبي صلى الله علية وسلم أمرنا باللطف في نداء الخادم والحديث عنه فقال : "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولا يقولن المملوك ربي وربتي وليقل المالك فتاي وفتاتي وليقل المملوك سيدي وسيدتي فإنكم المملوكون والرب الله عز وجل " فيدعو المالكُ مملوكه بـ : يا فتى ، وينادي المملوك ُمالكه : سيدي . كما أُمرنا أن لا نتميّز عنهم بطعام أو لباس " من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموهم مما تأكلون ، واكسوهم مما تلبسون ومن لم يلائمكم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله " .
    ونرى العزيز الذي اشترى يوسف عليه السلام عاقلاً يأمر زوجته ان تحسن إليه ، فقد يرد إليهما الإحسان إحساناً حين يكبر في دلهما إياه وحسن تصرفهما إزاءه ، وقد يتبنيانه إذا رأيا فيه الصلاح والنجابة " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته : أكرمي مثواه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " وهكذا هيأ الله تعالى ليوسف الحياة الطيبة مع هذا الرجل الأريب الذي ظهر لنا رجاحة عقله في أمور منها ماقاله آنفاً في الإحسان إلى يوسف ، وحين تبين له خطأ زوجته وانكشاف أمرها ، فعقـّب " إنه من كيدكنّ ، إن كيدكنّ عظيم " وحين طلب إلى يوسف أن يتجاوز الأمر ويتناساه فلا ينبغي أن يخرج الخبر إلى حيّز الإحراج والنيل من هيبة العزيز ، فأوحى بكلمة ( أعرض ) إلى صدق يوسف إذ لم يتهمه ، إنما طلب إليه بتعطف أن يتجاوز الأمر . كما وبخ المرأة وطلب منها الاستغفار لخطئها العظيم ، حين جعلها من ( الخاطئين ) لا الخاطئات فقط ، وهذا دليل على استعظامه الأمر وقوة توبيخه إياها " يوسفُ أعرض عن هذا ، واستغفري لذنبك ، إنك كنت من الخاطئين " كما أن كلمة ( الخاطئين ) توحي بأن الزنا ذنب كبير وفاحشة عظيمة ، أفعله الذكور أم الإناث .
    2- أعتقد أن في الآيات ما يؤكد أن يوسف الشاب لم يهم بها كما همّت به لأسباب ذكرت في معرض القصة تؤكد ذلك ، منها : أ- أنه الله تعالى وهبه حكمة تمنعه من السفاهة وعلماً بالحلال والحرام ، رفعه إلى رتبة الإحسان " ولما بلغ أشدّه آتيناه حكمة وعلماً وكذلك نجزي المحسنين " فالحكمة والعلم الحقيقيان حصن من الزلل، وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه ، ومن كان يرى الله بقلبه وحاز الحكمة والعلم لم يهمّ ،
    ب- إذا أراد الله بالإنسان خيراً صرفه عن السوء والفحشاء ، فكيف إذا صرف الله تعالى السوء والفحشاء عن الإنسان؟! إنه إذاً لكريم على الله كثيراً
    ج- والمسلم السعيد يخلص لله في العبادة والالتزام ، حتى يصير مخلِصاً – ( اسم فاعل ) فإذا أخلص لله جعله الله من المخلَصين . فكيف إذا جعله الله ابتداءً مخلـَصاً ( اسم مفعول ) إنه لفضل عظيم من الله تعالى .
    د- ولولا تفيد امتناع حصول الشيء لوجود مضادِّه ، فلولا رؤية برهان ربه لهمّ بها ، فامتنع الهم لرؤية يوسف عليه السلام برهانَ ربه .
    " ولقد همّت به . وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه ، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلـَصين "
    هـ- واستباقهما الباب ، هي تلحق به لتمنعه من الخروج ، وهو يريد الهرب بنفسه ، فقدّت قميصه من دبر دليل على عدم الهم بها .
    3- ويكون إصدار الحكم الصحيح بعد المعاينة ، ولا يجوز للعواطف والانفعالات أن تؤثر في القاضي النزيه ، فالمرأة حين خافت على نفسها الفضيحة أمام زوجها أسرعت بالدافع الأنثوي السريع ( والهجوم خير وسيلة للدفاع ) تتهم يوسف بالرغبة في الفحشاء وسوء الأدب وأنه لم يراع حرمة من آواه وأحسن إليه فحاول هتك عرضه وشرفه ، ثم تسارع إلى اقتراح العقوبة المناسبة : إما السجن أو العذاب . كما أنها لخبثها ودهائها أقرت العقوبة بطريقة الاستفهام " ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يُسجن أوعذاب أليم ؟ "
    وعلى المتهم البريء أن يدافع عن نفسه ، ولا يتخاذل أمام جبروت الظالم مهما كان الظالم ذا مكانة اجتماعية تفوقه ، أو له دلّ على المتهم ، فالحق يجب أن يظهر ، ومقارعة البهتان والظلم واجبة " قال : هي راودَتـْني عن نفسي " فلا بد إذاً من البينة التي تحق الحق وتبطل الباطل . وقد ظهرت البينة بتمزيق قميصه من الخلف ، أمسكت المرأة بقميصه بقوة تستبقيه وهو يسرع هارباً ، فتمزق من الخلف ، ولو كان يريدها وهي تأبى لتمزق القميص من الأمام .
    4- القميص أمره عجيب ، وعليه دارت رحى القصة :
    فقميصه (الأول) الذي حمله إخوته إلى أبيهم لم يكن ممزقاً ، فكشف كذبهم
    وعرّاهم وبين تآمرهم .
    وقميصه (الثاني )الذي مزّقته امرأة العزيز من الخلف برّأه بإذن الله وكشف
    دعوى المرأة الكاذبة .
    وقميصه (الثالث) الذي حمله أحد إخوته إلى أبيه كان – بإذن الله- سبب عودة
    البصر إلى أبيه ، وقدوم الجميع إلى مصر ليلتئم الشمل .
    5- لم تستنكر نساء الذوات أن تعشق المرأة منهن شاباً تقطف معه الثمرة المحرمة ، فهذا – في المجتمع الكافر – أمر عادي . إنما كان استنكارهن أن تتهاوى امرأة العزيز أمام خادم تملكه ، ومتى كانت نساء الطبقة الراقية يتعلقن بعبيدهنّ ، لقد أخطأت –إذاً – خطأ كبيراً ، وضلت ضلالاً بعيداً ... ولاكت ألسنتهنّ تعلقها بيوسف ، وافتضاح أمرها بينهن فصارت قصتهما مثار التفكه والتندّر . وأرادت ان ترغمهن وتقطع ألسنتهنّ ، فدعتهنّ إلى قصرها واستقبلتهنّ استقبالاً كريماً وقدمت لهن مالذ وطاب من جنيّ الفاكهة ، فلما انشغلن بذلك أمرت يوسف أن يدخل عليهنّ ، فلما رأين هذا الجمال الأخّاذ سحرهنّ وأخذ بألبابهنّ ، وطغى عليهن بهاؤه فجرحن أيديهنَ بالسكاكين دون أن يشعرن ، " وقلن حاشَ لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم "
    وهنا تغتنم امرأة العزيز الفرصة لتقول : إنكنّ رأيتنّه مرة واحدة فملك عقولكنّ وبهركنّ حسنه ، فلِمَ تلمنني فيه وهو بين يديّ كل صباح ومساء ، فأذوب في حبه ، وأحلم ليلي ونهاري بوصاله . ثم تجترئ – أمام تهافتهنّ -على طلب الفاحشة والإصرار عليها ، ويشاركنها بذلك فيطلبن منه ما طلبت . وزادت فحشاً حين هددته كرة أخرى بالسجن إن استعصم ، وأبى ، فينضممن إليها ويسألنه ذلك ، والدليل على ذلك قوله " وإلا تصرفْ عني كيدهن أصْبُ إليهنّ وأكنْ من الجاهلين " وقوله في تحقق الملك منهنّ حين سألهنّ : " ما خطبكنّ إذ راودْتُنّ يوسف عن نفسه ؟"
    6- ويتعلق يوسف عليه السلام بحبل من الله قوي ، ويسأله السلامة من الفاحشة ، وأن يصرف عنه كيدهنّ ، وينجيه منهن ومن فسادهنّ ، فينقذه الله تعالى مما هو فيه .
    وليس للمؤمن من عياذ إلا بالله ولا ملجأ إلا إليه ، ولا اعتماد إلا عليه . فهو – سبحانه –
    الحصن الحصين والملجأ الأمين . إلا أن يوسف وهو تحت ضغط التهديد بارتكاب الفاحشة أوالسجن ، قال : " ربّ ؛ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه .." ولم يختر النجاة منهما جميعاً: وَقد حُكِيَ أَنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لَمَّا قَالَ : " رب السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ " أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ " يَا يُوسُف ! أَنْتَ حَبَسْت نَفْسك حَيْثُ قُلْت السِّجْن أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَوْ قُلْت الْعَافِيَة أَحَبّ إِلَيَّ لَعُوفِيت " . فعلى المسلم أن يسأل الله تعالى العافية والنجاة من كل بلاء . " إنه هو السميع العليم "
    7- مما يتألم له الإنسان الحر أن المفسدين المتنفذين غالباً ما يضحون بالأبرياء ليتخلصوا من آثار مفاسدهم ومخازيهم . إننا لنشم رائحة فجور النساء ينضم إلى صفاقة امرأة العزيز ، فيملأ خياشيم الرجال بنـَتـْن خطيئاتهنّ ، ولا يرى هؤلاء لوأد هذه الفضيحة سوى تغييب الضحية البريئة في أحد السجون فترة من الزمن فتنساه النساء أو تتناساه ، ولا يرين إليه سبيلاً فييئسن منه . وهكذا يدفع الطاهر العفيف ثمن طهره وعفافه ، سجناً وألماً وغصة ، نرى هذا في عالمنا السياسي حيث يُلقى الحر في السجون والمعتقلات ، أو يحكم عليه بالموت لأنه أبى الدنية ورفض الذل والتمرغ في أوحال الخيانة والعمالة ، وفي حياتنا الاقتصادية ،إذ يتسنم المسؤولية حيتان المال ، يذللون القوانين لتكديسه في أرصدتهم، ويتخمون به على حساب الفقراء الذين لا يجدون ما يسد رمقهم . فإذا زكمت رائحتهم الأنوف وانكشف أمرهم تنصلوا من المسؤولية ودفعوا صغار عملائهم ضحايا لصوصيتهم ...
    8- يغتنم الداعية الفرص السانحة لإيصال دعوته للناس ، ويستمر في أداء مهمته في كل الظروف والأحوال . فيوسف عليه السلام كان داعية فيمن حوله حين كان حراً يتنقل بين القصور وفي الأسواق والتجمعات ، ولا يتوقف عن هذا حين يدخل السجن ، فيخدم هذا ويساعد هذا، ويخفف الأسى عن ذاك . حتى لقب بيوسف الصديق وعرف بالإحسان بين المسجونين...يسألونه ويستشيرونه ، ويستفتونه ، وهو يدعوهم إلى عبادة الله ويجيبهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
    يسأله فـَتـَيان عن رؤياهما ، ويجلسان بين يديه ينتظران التأويل ، فيعرض عليهما الإيمان بالله الواحد ونبذ الشرك ، وأن علمه الذي ينشره بن الناس من فضل الله تعالى الواحد الأحد، ويعرّفهم على سبيل الصالحين قبله .
    ولا بد من سلوك سبيل الإقناع في الدعوة ، وهذا ما فعله يوسف عليه السلام الداعية الذكي ، إذ بدأ يقارن بين الصواب وإيجابياته والخطأ وسلبياته ، " أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار " وينتقل إلى الحديث عن فساد الكون لوكان فيه أكثر من إله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " ويطنب في الحديث لأن الفتيين خاليا الذهن مما يقول فلا بد من تفصيل الفكرة والإسهاب فيها ، فيقول : بنجم الفساد عن تنافس الشركاء ، وتفرقهم بعد الخصام ، ولعل بعضهم أقوى من بعض فيعلو القوي على من هو أضعف منه " إذاً لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض ..."
    فإذا ما دعاهم إلى الإيمان بالله الواحد والتسليم له سبحانه يعرض لما يسألون ويوضح لهم ما يستفتون .
    9- ولعل يوسف عليه السلام حين قال للساقي الذي نجا وعاد إلى خدمة الملك " اذكرني عند ربك " وبين له أن في السجن مظلوماً لم يرتكب ذنباً . ولعل هذا القول من يوسف في بسط القول ، والبحث عن الحق ، فكانت العقوبة لسيدنا يوسف حين توسط للمخلوق بالمخلوق ( توسط للملك بالساقي ) فأنسى الشيطان الساقي ما طلبه يوسف عليه السلام منه ،
    ولم أرتح لمن قال : إن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله واللجوء إليه ، فليس للشيطان سبيل على الأنبياء .. إنه اجتهاد من يوسف أخطأه حين التمس النصرة من البشر ، فلبث في السجن سبع سنوات " فأنساه الشيطان ذكر ربه ، فلبث في السجن بضع سنين " .
    10 – من الأدب في إبداء الرأي أن الملك حين رأى سبع بقرات هزيلة تأكل سبع بقرات سمان ، وسبع سنابل يابسات تأكل سبع سنابل خضراستفتى العارفين وأصحاب المشورة فقال : " يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي " . وهذا يذكرنا بقول بلقيس : " يا أيها الملأ أفتوني في أمري " فماذا كان من أهل العلم والمشورة؟
    أ- اعترفوا بعدم العلم ، وهذا عين الصواب ، فما ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم .
    ب- لكنْ لابد من إبداء الرأي ، فقالوا " أضغاث أحلام " .
    جـ- ولم يدّعوا أنْ لا تأويل لها ، ولعلهم أرادوا محوها من نفس الملك كي لا ينشغل بها .
    د- بعض الناس قالوا : إن الرؤيا أول ما تعبّر ، وليس صحيحاً ، فبعد أن قالوا : أضغاث
    أحلام أوّلها يوسفُ عليه السلام .
    11- ومن الأدب كذلك أن تعرف حق العلماء من التوقير والاحترام ، وهذا ما رأيناه عند الساقي حين التقى يوسف عليه السلام في السجن فكلمه بـ " يوسف أيها الصدّيق " ، إن إكرام العلماء من إكرام العلم . وقد نرى في قول الساقي " لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون " أن من معاني يعلمون " التعبيرللرؤيا ، فيعلمون قدر يوسف ، فيبحثون أمره وينصفونه " .
    12- الكرامة والعزة من صفات المسلم ... طلب الملك رؤية يوسف ، بل أمر بإخراجه من السجن وقال : " إيتوني به " وكان ليوسف أن يخرج من السجن فقد جاءته الفرصة السانحة . إلا أنه دخل السجن بتهمة شنيعة هو بريء منها ، ولن يخرج بعفو أحد ولوكان الملكَ . إنه يريد أن يخرج طاهراً عفيفاً بريئاً من كل تهمة شائنة . وتعجب الملك والناس ... ووقر في نفوسهم أن الرجل صادق ، فلا بد من البحث عن حقيقة سجنه وتعترف النساء بعد سبع سنين بالحقيقة " قلن حاشَ لله ، ما علمنا عليه من سوء " وأقرت امرأة العزيز بذنبها ، وشهدت بصدق يوسف عليه السلام " قالت امرأة العزيز : الآن حصحص الحق ، أنا راودته عن نفسه ، وإنه لمن الصادقين " فيرتفع صوت الصدّيق يوسف وهو في السجن معلناً أنه الأمين الذي لم يخن من رباه وأمنه على عرضه وماله " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ، وان الله لا يهدي كيد الخائنين " وهنا يأمر الملك بإحضاره ليجعله مستشاره الشخصي " إيتوني به أستخلصْه لنفسي " فزاد على الجملة الأولى " أستخلصه لنفسي "
    ولما مثل بين يديه اختبره ، فكلمه ، فأعجب به فقربه إليه " فلما كلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين " المكين في مكانته ومنزلته ، الأمين في مشورته ورأيه .
    13- هل يجوز للمسلم أن يطلب الإمارة ؟ فهو إما أن يكون أهلاً لها أو لايكون ...
    فإن لم يكن أهلاً لها فهو خائن لله ولرسوله وللمؤمنين يريد ان يتبوّأ عملاً ، فيفسده .
    وإن كان أهلاً لها وطلبها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري : " لا نستعمل على عملنا من أراده " وقال لعبد الرحمن بن سمرة " يا عبد الرحمن ؛ لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتَها عن مسألة وكلْتَ إليها ، وإن أُعطيتَها عن غير مسألة أُعنتَ عليها " وكان أبو موسى الأشعري من أهلها إذ كان أميراً على الكوفة لعمر رضي الله عنهما .
    أما يوسف عليه السلام فقد قال للملك :" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " لأسباب منها : أ- أنه نبي ، والنبي قائد وأسوة ومعلم ، وهو أولى الناس بتحمل المسؤولية .
    ب- أنه المسلم الأول في مصر وليس هناك غيره يفعل فعله .
    جـ - أنه صاحب التأويل ، وهو أولى الناس بتنفيذ ما أوّله ... والله أعلم .
    ومع ذلك لاننسَ قول النبي صلى الله عليه وسلم " رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل : اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ، ولكنْ أخّر ذلك عنه سنة "
    عن القرطبي في تفسيره
     


  25. {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة : 51]

    هي آية تملأ قلب المؤمن أمنا وطمأنينة ، تملأ قلبه ثقة بالله عز وجل وثقة بالمستقبل ..
    فتأملوها ...

    لايصيب المؤمن شيئا إلا وفيه الخير له ، حتى لو كان المصاب مؤلما وموجعا فإن الله تعالى يعالج عبده ليعود إليه ويطهره ويدخله الجنة دون حساب فتكون المصيبه خيرا له ..
    لكن المؤمن الضعيف يضجر عند المصيبة إذ يراها قد كتبت عليه على عكس قوي الإيمان بيقينه انه (لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا ) ولم يقل علينا .. لأن في الصبر أجر عظيم ، فما بالك ببشرى من الله (وبشر الصابرين)
    مهما كانت مصيبتك  فتأكد انها لك وليست عليك ..

    إذا عرف الإنسان الله عز وجل حق المعرفة يهون عليه كل شيء حتى انه يتحول الالم بردا وسلاما طالما انه من الله الولي (هو مولانا) كيف نخاف والله ولينا ؟!
    القضية قضية يقين .. فوض امرك كله لله وتوكل عليه ستظل سالما بإذن الله ..



     قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51)
    1-  "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " كلما نقص يقينك بهذه الآية .. زاد مستوى الخوف والهلع في قلبك. / إشراقات براءة
    2-  "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " قولوا للجبناء فليعالجوا أنفسهم بهذه الآية. / إشراقات براءة
    3-  يضجر المؤمن الضعيف عند المصيبة إذ يراها كتبت عليه لا له،أما قوي اﻹيمان فيقول(لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)ولم يقل علينا؛ﻷن في الصبرأجرا له. / سعود الشريم
    4-  ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا )  لم يقل سبحانه : ما كتب علينا ، لأنه أمرٌ يتعلق بالمؤمن ، ولايصيب المؤمن شيء إلا وهو له !! / عايض المطيري
    -5         لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا" إذا كان 
    #الله وليّك.... هل تخاف أحداً ؟ / نايف الفيصل
    -6        لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " آية تملأ قلب المؤمن أمناً وطمأنينة.. وتملأ قلب المؤمن ثقة بالله عز وجل وثقة بالمستقبل ....... فتأملوها . / نايف الفيصل          
                    7- لو أيقن الناس بما أعد الله للعصاة لم يعصه أحد.. ولو أيقن الناس ما أعد الله للطائعين لأقبل الناس جميعاً على طاعة ربهم.. القضية قضية يقين ! / نايف الفيصل
                     8-   الإنسان إذا عرف الله جل وتقدس حق المعرفة يهون عليه كلُّ شيء ويحتقر كلُّ شيء سواه . / نايف الفيصل
    9- ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون )  "على حسب إيمان العبد يكون توكله . والتوكل هو اعتماد العبد على ربه في حصول منافعه ودفع مضاره / تفسير السعدي ." / أبو حمزة الكناني 
    10-( ﻭَﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﻠﻪِ ﻓَﻠْﻴَﺘَﻮَﻛَّﻞِ ﺍﻟﻤُﺆْﻣِﻨُﻮﻥ ) ﺃﻟﻖِ ﺑِﺤِﻤْﻠِﻚ ﻛﻠﻪ ﻋﻠﻰ الله ﻭﺳِﺮْ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻮﻛﻞ ؛ ﺳﺘﺼﻞ ﺳﺎﻟﻤﺎً ﺑﺈﺫﻥ ﺍﻟﻠﻪ. ../ ناصر القطامي
    11- (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ) كم يطمئن من تيقن بهذا ولا يضعف بفرح أو شماتة أهل النفاق به لعلمه بأن ما أصابه هو بأمر الله/ إبتسام الجابري
                        12- وعلى الله فليتوكل المؤمنون من العجب أننا دائما نطرق الباب الخطأ ونسلك الدرب الذي ﻻيقود إلى شيء نعقد اﻷمل على من يخذلنا ونترك الله! / مها العنزي
                       13- ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ فللشدة صبر ، وللرخاء شكر/ روائع القرآن ..



    تأملات قرآنيه
    حصاد التدبر

    48430072_322497565019738_3440561403038007296_n.jpg?_nc_cat=111&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=PFY8ns95u6gAX8_B8NQ&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=48b3a777fd9a5e3f82334e53fb74bf5b&oe=5F379665



     

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×