اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    4338
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    48

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد



  1. {قال فاخرج منها فإنك رجيم }

    إبليس شيطان لأنه أبعد آدم عن الجنة ويبعد ذريته عن الله فلا يجدون غير الله يلجؤون إليه،
    وهو اللعين؛ لأن ذنبه التصق به ودام إبعاده فاستحق العقاب من الله تعالى،
    لكن ما المراد بوصفه بأن "رجيم"
    مادة "رجم" مستعملة في الإبعاد والتغييب والستر؛
    ويكون ذلك بعدة أساليب؛ منها القتل، والطرد، والسجن، والهجر،
    ومن أدواته؛ الرمي بالحجاردة لطرده أو قتله، والهجران له، وإبعاده بالسب والشتم ورميه بالقول.
    فالمرجوم قد لزمه تغير حاله بإفراده وإبعاده والإحاطة به مغلوبًا على أمره،
    ففي (لسان العرب) مادة "رجم"
    الرجم : القتل، لأَنهم كانوا إِذا قتلوا رجلاً رَمَوْهُ بالحجارة حتى يقتلوه، ثم قيل لكل قتل رَجْمٌ، ومنه رجم الثيِّبَيْنِ إِذا زَنَيا، وأَصله الرمي بالحجارة. [فمتى قتل غاب عن الحياة وغاب جسده تحت الحجارة والتراب]
    والرَّجْمُ الهِجْرانُ، والرَّجْمُ الطَّرْدُ، والرَّجْمُ الظن، والرَّجْمُ السَّب والشتم. [وكلها في البعد والخفاء لأن الهجر والطرد والسب والشتم يؤدي إلى البعد ومع البعد الستر والخفاء، والظن يكون فيما خفي وستر وليس عليه دليلا صريحًا]

     
    والرَّجْمُ القول بالظن والحَدْسِ، وفي الصحاح: أَن يتكلم الرجل بالظن؛ ومنه قوله: {رَجْمًا بالغيب}.
    ومنه قوله تعالى: {سَيقُولونَ ثَلاثةٌ رابعهم كَلْبُهُمْ ويقولون خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ رَجْمًا بالغيب}؛ وما يعانيه المُنَجِّمُونَ من الحَدْسِ والظن. [وهو قول فيما خفي وستر ، ولا يقين فيه، فلا يعرف أنهقد أصاب حقيقة أم لم يصبها]
    وراجَمَ عن قومه: ناضَلَ عنهم. [لإبعاد وطرد أعدائهم أو المتكلمين فيهم ]

     
    والرَّجْمُ والرِّجامُ: الحجارة المجموعة على القبر؛ [فهي ساترة ومخفية لما تحتها]
    ورَجَمَ القبر وضع عليه الحجارة. [غطَّاه وستره بالحجارة]
    والرَّجْمُ أَيضاً: الحُفْرَةُ والبئر والتَّنُّور. [وكلها لستر باطنها عن النظر مباشرة فيها]
    والرُّجمة، بالضم: وِجارُ الضبع.[لكونه يستر ويخفي الضبع في داخله من الجبل ]
     
    ويقال: صار فلان مُرَجَّمًا لا يوقف على حقيقة أَمره؛ ومنه الحديث المُرَجَّمُ، [لستر وخفاء حاله والمقصد من موقفه وكلامه]
    والمَراجمُ: الكلِمُ القَبيحة. ولسان مِرْجَمٌ إذا كان قَوَّالاً. [ يطرد ويبعد من شاتمه بقبح كلامه الذي يرميه به]

     
    والرِّجامُ: حجر يشد في طَرَف الحبل، ثم يُدَلَّى في البئر فتُخَضْخَض به الحَمْأَة حتى تثور، ثم يُسْتَقَى ذلك الماءُ فتستنقى البئرُ، وهذا كله إِذا كانت البئر بعيدة القعر لا يقدرون على أَن ينزلوا فَيُنْقُوها، [وهذا الفعل فيما بعد وستر عن العين لبعد قعر البئر]
    وقال ثعلب: الرَّجْمُ الخَليل والنَّدِيم. [فعندهما السر الخفي لخليلهما.]
    والتَّرْجُمانُ والتُّرْجُمانُ: المفسِّر، ويقال: قد ترْجَمَ كلامَه إِذا فسره بلسان آخر. [تاء ترجم مثلها مثل تاء تقدم وتأخر، تؤخر المتقدم وتقدم المتأخر، والكلام الأعجمي المستور معناه تجعله مفهومًا وتبعد عجمته بالتفسير له]

     
    ومَرْجُومٌ: لقب رجل من العرب كان سيِّداً ففاخر رجلاً من قومه إِلى بعض ملوك الحِيرة فقال له: قد رَجَمْتُكَ بالشرف، [قد يريد بقوله؛ أنه أبعده عن مجلسه ورمى به قومه بما يشرفه بتعيينه سيدًا على قومه]
    وكلام آخر في لسان العرب ... ولكن فيه نظر؛
    ((والرَّجْمُ اللعن، ومنه الشيطان الرَّجِيمُ أَي المَرْجُومُ بالكَواكب، صُرِفَ إِلى فَعِيلٍ من مَفْعُولٍ، وقيل: رَجِيم ملعون مَرْجوم باللعنة مُبْعَدٌ مطرود، وهو قول أَهل التفسير، قال: ويكون الرَّجيمُ بمعنى المَشْتُوم المَنسْوب من قوله تعالى
    وقوله تعالى، حكاية عن قوم نوح، على نبينا وعليه الصلاة والسلام: لتَكونَنَّ من المَرْجومينَ؛ قيل: المعنى من المَرْجومين بالحجارة، وقد تَراجَمُوا وارْتَجَمُوا؛ عن ابن الأَعرابي وأَنشد: فهي تَرامى بالحَصى ارْتِجامها والرَّجْمُ ما رُجِمَ به، والجمع رُجومٌ.
    والرَّجْمُ والرُّجُوم: النجوم التي يرمى بها. قال الله تعالى في الشُّهُب: وجعلناها رُجوماً للشياطين؛ أَي جعلناها مَرامي لهم.
    وفي حديث قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاثٍ: زينةً للسماء، ورُجوماً للشياطين، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بها؛ قال ابن الأَثير: الرُّجُومُ جمع رَجْمٍ، وهو مصدر سمي به، ويجوز أَن يكون مصدراً لا جمعاً)
    )
     
    موقع
    أبو مسلم العرابلي
     

     

     


  2. من أساليب التربية النبوية
    الترغيب

    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    أرسل الله تعالى رسوله الكريم رحمة للعالمين ، يهديهم إلى صراط الله المستقيم ، ويفتح لهم آفاق الحياة على نهج مضيء ، وسبيل واضح .
    ومن طبع الإنسان الوقوع في الخطأ والتفلت والتهاون ، لأن الله تعالى خلقه ( على عجل ) و (( خلقه ضعيفاً ) يصيب الذنوب ، ويقترف الآثام ، ولذلك كانت الجنة للتائبين والنار للعاصين . وهنا يأتي دور المعلم الأول سيدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرغب أصحابه في الجنة ، ويعدهم عفو الله ومغفرته ، ويحثهم على عصيان الشيطان واللجوء إلى الرحمن ، فإن تقدموا إليه شبراً تقدم إليهم ذراعاً ، وإن جاءوه سيراً جاءهم ـ عز وجل ـ هرولة . .
    وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرغبهم في طاعة الله ، ويعدهم الخير ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال :
    خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون فقال : ( والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) . ثم انصرف وقد أبكى القوم .
    فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم من الغيب ما علَّمَه اللهُ ، وأراه من النار وأهوالها في معراجه إلى السماء . . فتراه يحذر المسلمين الركونَ إلى الدنيا والسكون إليها ، فيبكي القومُ ويخافون ويدركون أن على المسلم أن يقتصد في ضحكه . .
    وأوحى الله عز وجل إليه : يا محمد لِمَ تقنط عبادي ؟
    سبحان الله . . إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أراد تذكيرهم بالله ، والعمل بما يرضيه فوعظهم فتأثروا فبكوا . . فأراد الله سبحانه وتعالى ـ حين بكوا من خشيته ـ أن يفرحوا لرحمته وغفرانه ، فأمر النبي عليه والصلاة والسلام أن يضحكهم كما أبكاهم ، فخرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : أبشروا وسددوا وقاربوا(1) . .
    فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها فلئن صدقت نية المسلم ، فعفو الله ومغفرته أسرع إليه وأقرب .
    وسلعة الله غالية ، وقليل من الناس من يقدر على ثمنها ، فماذا يفعل سواد المسلمين ؟!
    إن قيام الليل دليل على صدق المؤمن في توجهه إلى الله تعالى ، والتزام الصلاة جماعة تشهد له بالإيمان ، فهل كل الناس يستطيعون قيام الليل وإحراز فضل الإجتهاد في العبادة ـ اللهم إلا من كتب الله له الكرامة ـ ؟!!
    وينظر الله إلى عباده نظرة رحمة ومغفرة وحب وكرامة : فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يقول : من صلى العشاء في جماعة ، فكأنما قام نصف الليل ، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله(2) .
    فكان الترغيب في صلاة العشاء وصلاة الفجر جماعة ، إنهما تعدلان قيام الليل كله . ولذلك يحرص المسلم مهما كان منشغلاً في أمور حياته ـ إلا المضطر ـ أن يصليهما في جماعة لينال ثواب القيام ، وأحسِنْ به من ثواب ! .
    ويرغـِّب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه ، ومن بعدهم ، في التوادِّ والتراحم والحب في الله ، لأن الحب في الله :

    1ـ يجلو الصدأ عن النفوس .
    2ـ ويجمع القلوب على مصدر واحد يتوجهون إليه جميعاً .
    3ـ ويغرس الأخوَّةَ في نفوس المسلمين ، فيكونون صفاً واحداً وجبهة واحدة .
    4ـ ويبعث الأمان والاطمئنان والرأفة والإيثار في عالم المسلمين .
    5ـ ويظلهم الله في ظله يوم القيامة حين تدنو الشمس من رؤوس الخلائق .
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
    إن الله يقول يوم القيامة :
    ( أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )
     (3) .
    6ـ ويؤدي إلى حب الله تعالى إياهم :
    عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : قال الله تعالى : ( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ )(4) .
    ونجد الترغيب في الاستغفار حين يَذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن المسلم إن أخطأ ـ وهو يخطئ ـ استغفرَ الله ، فأقرَّ بذنبه ، وعلم أن له رباً يغفر ، فتاب إليه ، وكلما أخطأ عاد إلى ربه فتاب عليه .

    فالعلاقة ـ إذن ـ بين الرب والعبد علاقة ودٍ وحبٍ ومغفرةٍ ورحمةٍ من ذي الجلال ، وعلاقة إقرار بالعبودية ولجوء وتوبة واستغفار من العبد المحب لربه ، الراجي عفوَه ورضاه .
    عن أبي أيوب الأنصاري خالد بن يزيد ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول :
    ( لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون ، فيستغفرون فيغفر لهم )(5) .
    أرأيت إلى هذه الصلة الوشيجة بين العبد وربه . . . الرب كامل كمالاً مطلقاً . . والعبد كمالـُه نسبي . .والكمال النسبي فيه ضعفٌ ، وفيه نسيان ، وفيه إهمال . . . فمن يسد نقصَه هذا ؟ ..
    إنه ذو الكمال المطلق . . خالقه وبارئه على هذه الصورة ليكون محتاجاً إليه دائماً ، وليكون الغفران والرحمة من الله متواصلاً .
    اللهم اكتب لنا الغفران والرحمة . . لجأنا إليك بضعفنا فتولـّنا بكمالك . . . . . يا رب .
    ومن الترغيب الذي يذكره سيد المربين ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فيسري عن المؤمنين الذين كثرت ذنوبهم ما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : يجيء يومَ القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوب أمثالِ الجبال ، فيغفرها الله لهم (6) .
    فما علينا ـ معشر المسلمين ـ إلا أن نأتي الله بكلمة التوحيد موقنين بها ، مقرّين بها ، عاملين بها ، فإن كثرت ذنوبنا فالله يغفرها وإن كانت أمثال الجبال . .
    فهل هناك أفضل من هذا الترغيب ؟!!.

    ( أستغفر الله ) دأبي مذ وعيت إلى ** نفسي وحـالي ، ومـا حصَّلْتُ من عمل
    ( أستغفر الله ) دربـي للـكـريـم إذا ** فاضت ذنوبي وضاق الصدر من خلل
    ( أستغفر الله ) نـبـراسٌ يـســدد ما ** آلـت إليـــه نـفـوس القـوم مـن خـطــل
    فهو الدواء لمـن ضـل الطـريـق إلى ** كـنـف الـهـدايـة أو قـدْ لَـجَّ في الـهـزل
    أو تـاهَ في سـعيـه فالنـاس مُذ وجدوا ** فـعـنـصـر الخلق فيهم كـان مـن عـجل
    فـيـــا سـعــادة مــن وافــاه مـقـتـبـلاً ** ويـا شـقـاء ضلـيـل القـلب والعـقـل (7)

    الهوامش:

    (1) الأدب المفرد الحديث / 254 / .
    (2) رياض الصالحين الحديث / 1069 / رواه مسلم .
    (3) رياض الصالحين الحديث / 375 / رواه مسلم .
    (4) رياض الصالحين الحديث / 380 / رواه مسلم .
    (5) رياض الصالحين الحديث / 421 / رواه مسلم .
    (6) رياض الصالحين الحديث / 430 / رواه مسلم .
    (7) من ديوان ( نبضات القلب ) لمؤلف الكتاب .


  3. ( ائْتوني به أستخلصه لنفسي )
    الدكتور عثمان قدري مكانسي
     
    رأى الملك رؤيا عجيبة ، سبع بقرات عجاف يأكلن سبع بقرات سمان ، وسبع سنبلات يابسات يأكلن سبع سنبلات خضر، فسال أولى العلم عن تأويل ما رأى فاعتذروا قائلين
    " أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين "
    وما ينبغي لمن لا يدري أمراً أن يدلي بدلوه فيه . فكانوا صادقين فيما أجابوا ، وهذا دأب المستشار الأمين ، يقول ما يعرف ويسكت عما يجهل ، وكثيراً ما كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى عالم المدينة يجيب عن سؤال أحدهم : لا أدري ، ويعقب قائلاً : نصف العلم لا أدري .

    وهنا يتذكر ساقي الملك الذي كان أحد اللذَين استفتيا يوسف عليه السلام في السجن لحلم رآه أنّ يوسف قال له
    " اذكرني عند ربك " – الملك – فنسي الأمر سبع سنوات ، ثم تذكر الصديقَ يوسفَ ، فأخبر الملك بقصته وأنه يستطيع أن يفسر الرؤيا فأرسله الملك إلى يوسف عليه السلام يستفتيه في ذلك ، فيجيبه يوسف عليه السلام : إن سبع السنوات القادمة فيهنّ خير كثير ينبغي أن يُحتفظ بجُلّ خيرهنّ لسبع سنوات تليهنّ شديدات يأكلن الأخضر واليابس ، ثم يعود الخير في السنة الخامسة عشرة . وهنا يودّ الملك أن يتعرّف على المفسّر القابع في السجن ليجعله من بعض خدمه كما فعل بالساقي نفسه ،فقال " ائْتوني به "

    فهل اغتنم الصدّيق يوسف عليه السلام هذه الدعوة ليخرج من السجن بعفو ناقص لا يعطيه حقه ولا يبرئه من الظلم الذي وقع عليه ؟ وليظلَّ في أعين الناس رجلاً حاول ان يعتدي على شرف من آواه في بيته وعامله معاملة الابن ؟! إنه إنْ فعل ذلك فقد أثبت التهمة عليه مدى الحياة ، ولن يستطيع بعد ذلك أن يقوم بواجب الدعوة بين أناس ينظرون إليه بريبة وشك ، وكيف يصدّقونه فيما يدعوهم إليه وهو متّهم بأخلاقه مشكوك بصدقه ؟! فلن يخرج من السجن إلا بريئاً يمشي بين الناس مرفوع الرأس طاهر الثوب يعلم الجميعُ أنه ظُلم تلك السنوات الطويلة وأنه كان مثال الأخلاق الكريمة والسيرة العطرة ، فقال للساقي " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ إن ربي بكيدهنّ عليم "

    وحين تعترف النساء بنصاعة أخلاقه وكريم شمائله ستضطر امرأة العزيز – وقد رأت نفسها وحيدة – أن تقر بذنبها وتعترف بجريرتها ، فدعا الملك النسوة مشدداً عليهنّ أن يقلن الحقيقة " ما خطبُكنّ إذ راودتُنّ يوسف عن نفسه "
    ولعل سائلاً يسأل : لماذا صدّق الملك دعوى يوسف بالبراءة - وهو لم يره بعدُ – فتبنّى موقفه واتـّهم النساء بمراودة يوسف ؟ والجواب : ما من رجل يرفض عفو الملك ويأبى الخروج من السجن دون تحقيق إلا إذا كان بريئاً من التهمة التي رُميَ بها ، وكان صادقاً فيما يدّعيه ومطمئناً إلى قوّة موقفه .
    حين رأت النساء أن الملك يخاطبهنّ كمن يعرف الحقيقة أقررن بها ونفين التهمة عن يوسف عليه السلام
    " حاشا لله ما علمنا عليه من سوء " ،
    وهنا لم يكن لامرأة العزيز بد من أن تعترف بالحقيقة ، وتبرئ المتّهم المظلوم ، وتقر أنها المذنبة التي راودتْه عن نفسه
    " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين "
    فلما تناهى اعترافها إلى الصدّيق يوسف وهو لمّا يزل في سجنه قال بلهجة الواثق من نفسه
    " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وان الله لا يهدي كيد الخائنين "
    فيوسف عليه السلام الذي رباه الله تعالى على عينه لا يخون من رعاه في بيته وأمِنه على عرضه وشرفه .
    ويكبر يوسف عليه السلام بعين الملك ، فيقول
    " ائْتوني به أستخلصْه لنفسي " .
    لقد قال في المرة الأولى :
    " ائْتوني به " ،
    فلما عرف قدْر يوسف وعظم شأنـُه في نفسه زاد في قوله
    " أستخلصه لنفسي "
    لقد كان يريده واحداً من ضمن خدمه في المرة الآولى ، وأراده في المرّة الثانية مستشارً أميناً يُعتمد عليه في كبار الأمور وجليلها ، وقرّبه إليه ، وقال له حين التقاه وكلّمه فرأى فيه النباهة والصدق
    " إنك اليوم لدينا مكين أمين "
    إنه ذو مكانة لا تضاهيها مكانة ، مكين لأنه كريم الشمائل أمين .

    إن من أراد أن يعلوَ بقدره بين الناس مسموعَ الكلمة عظيم المكانة فليكن صادقاً مع نفسه ، حافظاً للأمانة لطيف المعشر ، متحبباً إلى الناس ... صلى الله على يوسف الكريم ابن الكريم يعقوب ابن الكريم إسحاق ابن الكريم إبراهيم . وعلى الحبيب المصطفى محمد وعلى الأنبياء جميعاً .


  4. {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل : 19]

    الإبتسامة حدث جميل يستحق أن يسجله القرآن .. سمع سيدنا سليمان نملة تحذر قومها فتبسم ...لكن من منا ابتسم لقولها ؟!

    بعض الكلام لاتملك إلا أن تحييه بابتسامة .. مهما كانت قوامتك ومكانتك  فهذا لايعني أن لايرى الناس ابتسامتك ..
    لماذا لانتعلم التواضع ؟...
    (وان أعمل صالحا ترضاه)
    ليس كل عمل صالح يرضاه الله ، فإن شابه رياء رد في وجوهنا .. اللهم سلم ..
    ولنتأمل أن سيدنا سليمان دعا الله بالعمل الصالح وأتبع بأن يرضاه الله - لقد تذكر شكر النعمة بنعمة أخرى ..
    تلك هي الهمم العاليه ..

    لنستحضر نعم الله تعالى علينا .. مهما أصابنا من ضيق تبقى نعمه تغمرنا ..انظر كيف ينطلق لسانك بالتذمر عندما تصاب بمكروه ويعجز عن الشكر لله بما أفاض عليك من منته ونعمه !!
    رب ألهمنا شكرك واجعلنا من عبادك الصالحين ..

     

    فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
     
    1- { فتبسم ضاحكا من قولها} قال الزجاج : أكثر ضحك الأنبياء التبسم/ محمد الربيعة
    2- أنصتَ لها، ( فتبسم ضاحكاً من قولها.. )إنها نملة تُحذر منه، فيتبسم هكذا الملك العادل حين يستمع حتى لأصغر الرعية !!/عايض المطيري
    3-  «فتبسّم ضاحكاً» «أو لأذبحنّه» سلطتك .. وقوامتك .. وإدارتك الصارمة لا تعني أن لا يرى الناس ابتسامتك .. اجمع بين اللطف والصرامة نبأ_الداوودين / علي الفيفي
               4- أنصتَ لها،(فتبسم ضاحكا من قولها!) إنها نملة تُحذر منه،فيتبسم!  لم يعتقل،، لم يعذب،، هكذا الملك العادل،حين يستمع حتى لأصغر الرعية،،/ وليد العاصمي
    5-  (أن أعمل صالحا ترضاه ليس كل عمل تراه صالحا، مرضي عند الله! راقب الإخلاص والمتابعة في أعمالك حتى يرضاها الله. تدبر/ روائع القرآن 
    6- [ وأن أعمل صالحا ترضاه[ ما كل عمل صالح هو مقبول عند الله ! لأننا لم نتفقد نفوسنا عند الإقدام عليه فشابه الرياء فرد في وجهنا ! /مها العنزي
    7-ناجِ ربك مثلهم: دعا سليمان: (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) ودعا موسى: (وأدخلنا في رحمتك)" / نوال العيد
    8-  {قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك..} حين يستغرق الإنسان في استحضار نعمة ربه ويطلع على أسرار منة الله عليه يرى عجزه عن شكر ربه فيلهج بهذا الدعاء. /مجالس القرآن / د.محمد الربيعة
    9-  نعمة الله على الوالدين تتعدى بركتها لأولادهم، فيشرع أن يشكر الأبناء نعمة الله على الآباء (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي) / عبد العزيز الطريفي
              10- ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي﴾ .. ما أجمله من دعاء جمع بين عبادتين عظيمتين (الشكر و البِر) / إبراهيم العقيل
               11- "وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحينشرف بالنبوة والعلم وأوتي ما لم يؤت أحد لكن العبودية لله أعظم شرف ولاتتحصل إلا برحمته/ خواطر قرآنية

    تاملات قرآنية
    حصاد التدبر


    46821435_310340642902097_363742352256270336_n.jpg?_nc_cat=110&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=zigi9QdivMgAX_oEQKR&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=aa9e7dcefa5018f56335662a0f269bc4&oe=5F25ECCB

     


  5. السؤال: سئل شيخ الإسلام عن الصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل الإجابة: وَسُئل الشَّيخُ الإمَامُ، العَالِمُ العَامل الحبر الكامل، شيخ الإسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده اللّه وزاده من فضله العظيم عن ‏(‏الصبر الجميل‏)‏ و ‏(‏الصفح الجميل‏)‏ و‏(‏الهجر الجميل‏)‏ وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس‏؟‏

    فأجاب رحمه اللّه‏:‏ الحمد للّه، أما بعد‏:‏ فإن اللّه أمر نبيه بالهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فالهجر الجميل‏:‏ هجر بلا أذى، والصفح الجميل‏:‏ صفح بلا عتاب، والصبر الجميل‏:‏ صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏}‏‏‏[‏يوسف‏:‏ 86‏]‏ مع قوله‏:‏ ‏{‏‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ‏}‏‏‏[‏يوسف‏:‏ 18‏]‏ فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ويروي عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث وعليك التكلان‏"‏‏ ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‏‏‏"اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلي من تكلني‏؟‏ إلى بعيد يتجهمني‏؟‏ أم إلى عدو ملكته أمري‏؟‏ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي‏.‏ أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبي حتى ترضى‏"‏‏‏.‏ وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقرأ في صلاة الفجر‏:‏ ‏{‏‏إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ‏}‏‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 86‏]‏ ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف؛ بخلاف الشكوي إلى المخلوق‏.‏ 

    قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طاووسًا كره أنين المريض، وقال‏:‏ إنه شكوى‏.‏ فما أن حتى مات‏. ‏‏ 


    وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال، إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ‏.‏ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ‏}‏‏‏[‏الشرح‏:‏ 7- 8‏]‏، وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس "إذا سألت فاسأل اللّه، وإذا استعنت فاستعن باللّه‏". ‏‏ 

    و
    لابد للإنسان من شيئين‏:‏ طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور‏.‏ 

    فالأول هو التقوى، والثاني هو الصبر‏.‏ 
    قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا‏}‏‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏‏وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ‏}‏‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏‏‏[‏آل عمران‏:‏ 118-125‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}‏‏‏[‏آل عمران‏:‏ 186‏]‏ وقد قال يوسف‏:‏ ‏{‏‏أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏‏[‏يوسف‏:‏ 90‏]‏‏. ‏‏ 

    ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشائخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين‏:‏ المسارعة إلى فعل المأمور، والتقاعد عن فعل المحظور، والصبر والرضا بالأمر المقدور، وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة؛ بل ومن السالكين، فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن اللّه خالق كل شيء وربه، ولا يفرق بين ما يحبه اللّه ويرضاه، وبين ما يسخطه ويبغضه، وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية، وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر، والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبئ الكاذب، وأهل الجنة وأهل النار، وأولياء اللّه وأعداؤه، والملائكة المقربون والمردة الشياطين‏.

    ‏ فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية، وهو أن اللّه ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره‏.‏ 

    ولا يشهد الفرق الذي فرق اللّه به بين أوليائه وأعدائه‏.‏ وبين المؤمنين والكافرين، والأبرار والفجار، وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية، وهو عبادته وحده لا شريك له، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما يحبه ويرضاه، وهو ما أمر اللّه به ورسوله أمر إيجاب، أو أمر استحباب، وترك ما نهى اللّه عنه ورسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان، فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء، ويكون مع أهل الحقيقة الدينية وإلا فهو من جنس المشركين، وهو شر من اليهود والنصارى‏.‏ 

    فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية‏. ‏‏ 

    إذ هم يقرون بأن اللّه رب كل شيء كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ‏}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 38‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏.‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏.‏ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏.‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ‏.‏ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏.‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ‏}‏‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 84-89‏]‏ ولهذا قال سبحانه‏:‏ ‏{‏‏وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ‏}‏‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 106‏]‏ قال بعض السلف‏:‏ تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون اللّه وهم مع هذا يعبدون غيره‏. ‏‏ 

    فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود والنصارى، فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤوا بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا‏.‏ أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا‏}‏‏ ‏[‏النساء‏:‏ 150-151‏]‏‏. ‏‏ 


    وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية، وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة، ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر، ويسلك هذه الحقيقة، فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر اللّه الذي بعث به رسله، وبين من عصى اللّه ورسوله من الكفار والفجار، فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى‏. ‏‏

    لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض، بحيث يفرق بين المؤمن والكافر، ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار، وبين بعض الفجار، ولا يفرق بين آخرين اتباعًا لظنه وما يهواه، فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار، ويكون معه من الإيمان بدين اللّه تعالى الفارق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه‏.‏ 

    ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة، فهؤلاء يشبهون المجوس، وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس‏. ‏‏ ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضًا، فهو من أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه‏.‏ 

    فهذا التقسيم في القول والاعتقاد‏.‏ وكذلك هم في الأحوال والأفعال‏. ‏‏ 

    فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي اللّه فيفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على مايصيبه من المقدور، فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ويستعين باللّه على ذلك‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.

    ‏‏ وإذا أذنب استغفر وتاب‏:‏ لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات، ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات، بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به، كما في الحديث الصحيح الذي فيه "سيد الاستغفار أن يقول العبد‏:‏ اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت‏"‏‏، فيقر بنعمة اللّه عليه في الحسنات، ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى، ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها، كما قال بعضهم‏:‏ أطعتك بفضلك، والمنة لك وعصيتك بعلمك، والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي، إلا غفرت لي‏.

    ‏ وفي الحديث الصحيح الإلهي "يا عبادي إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏"‏‏‏. ‏‏

    وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع‏. ‏‏ وآخرون قد يشهدون الأمر فقط‏:‏ فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة؛ لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر‏.‏ وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر، ما ليس عند أولئك؛ لكنهم لا يلتزمون أمر اللّه ورسوله وإتباع شريعته، وملازمة ماجاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون اللّه ولا يعبدونه، والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه؛ والمؤمن يعبده ويستعينه‏. ‏‏ 

    والقسم الرابع شر الأقسام، وهو من لا يعبده ولا يستعينه، فلا هو مع الشريعة الأمرية؛ ولا مع القدر الكوني‏.‏ 

    وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك؛ وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك، فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني،
     والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام‏. ‏‏

    أحدها‏:‏ أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم اللّه عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة‏.‏ 

    و
    الثاني‏:‏ الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر، مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها، ويتركون المحرمات، لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه، أو ابتلى بعدو يخيفه عظم جزعه، وظهر هلعه‏.‏

    و
    الثالث‏:‏ قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى، مثل الفجار الذين يصبرون علي مايصيبهم في مثل أهوائهم، كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها‏. ‏‏ 


    وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس، وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام‏.‏ وهؤلاء هم الذين يريدون علوًا في الأرض أو فسادًا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق، ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان، والاستمتاع بالصور المحرمة نظرًا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات، ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور، وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب‏:‏ كالمرض والفقر وغير ذلك، ولا يكون فيه تقوى إذا قدر‏. ‏‏

    وأما 
    القسم الرابع، فهو شر الأقسام‏:‏ لا يتقون إذا قدروا، ولا يصبرون إذا ابتلوا؛ بل هم كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ‏.‏ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ‏.‏ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا‏}‏‏‏[‏المعارج‏:‏ 19-21‏]‏ فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا‏.‏ إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك، وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسئول، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبًا‏.‏ 

    وأقلهم رحمة وإحسانًا وعفوًا، كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الإيمان أبعد‏:‏ مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم‏.‏ وإن كان متظاهرًا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم، فالاعتبار بالحقائق "فإن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم‏"‏‏‏. ‏‏ فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيهًا لهم من هذا الوجه، وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه، بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية، وأبعد عن الأخلاق الإسلامية، من التتار‏. ‏‏ 

    وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته "خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وإذا كان خير الكلام كلام اللّه، وخير الهدي هدي محمد، فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب، وهو به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف، كان عن الكمال أبعد، وبالباطل أحق‏.‏

    والكامل هو من كان للّه أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر اللّه به ورسوله وأعظم موافقة للّه فيما يحبه ويرضاه، وصبرًا على ما قدره وقضاه، كان أكمل وأفضل‏.‏ وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك‏. ‏‏ 

    وقد ذكر اللّه تعالى الصبر والتقوى جميعًا في غير موضع من كتابه، وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين، وعلى من ظلمه من المسلمين، ولصاحبه تكون العاقبة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ‏}‏‏‏[‏ آل عمران‏:‏ 125‏]‏، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏‏لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‏}‏‏‏[‏آل عمران‏:‏ 186‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ‏.‏هَاأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏.‏ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ‏}‏‏‏[‏آل عمران‏:‏ 118-120‏]‏، وقال إخوة يوسف له‏:‏ ‏{‏‏أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 90‏]‏‏. 

    ‏‏ وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عمومًا وخصوصًا فقال تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ‏}‏‏ ‏[‏يونس‏:‏ 109‏]‏‏.‏ وفي اتباع ما أوحى إليه التقوى كلها تصديقًا لخبر اللّه وطاعة لأمره وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ‏.‏ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ‏}‏‏ ‏[‏هود‏:‏ 114- 115‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ‏}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏ 55‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ‏}‏‏ ‏[‏طه‏:‏ 130‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 45‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏ فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر‏.‏ وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ‏}‏‏ ‏[‏البلد‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها؛ فإن القسمة أيضًا رباعية، إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة، ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين، مثل كثير من النساء، ومن يشبههن، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع‏. ‏‏ والمحمود هو الذي يصبر ويرحم، كما قال الفقهاء في المتولي‏:‏ ينبغي أن يكون قويًا من غير عنف، لينا من غير ضعف فبصبره يقوى، وبلينه يرحم، وبالصبر ينصر العبد؛ فإن النصر مع الصبر، وبالرحمة يرحمه اللّه تعالى‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء"، وقال "من لا يرحم لا يرحم‏"‏‏، وقال "لا تنزع الرحمة إلا من شقي‏"‏‏، وقال "الراحمون يرحمهم الرحمن، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء‏"‏‏‏. ‏‏ واللّه أعلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء العاشر. ابن تيمية 
     
    طريق الاسلام


  6. الحمدلله رب العالمين الفعال لما يريد الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد
    فهذه سبع حقائق تنفع بإذن الله كل مريض ومهموم ومكروب ، لا تكفي قراءتها بل تحتاج إلى إعادة تأملها وحتى تنتفع بها عش بها في كل لحظة٠



    أولا / مكتوب :
    ما أصابك مكتوب عليك لا بد من وقوعه لك
    فلا تجزع ولا تحزن٠
    (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)




    ثانيا/ عليك وعلى غيرك:
    فلست الوحيد الذي مرض ولست الأول ولست الأخير ولا يعني المرض مهما كان فتاكا نهاية الحياة ٠
    ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله )



    ثالثا/ هذا المكتوب من رب رحيم:
    الله أرحم الراحمين هو الذي كتبه عليك فما ظنك بأرحم الراحمين 
    (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) 



    رابعا /ولك الأجر والرفعة:
    هذا المرض أتاك ومعه الحسنات والأجور العظيمة
     وكما يرفعك العمل الصالح يرفعك البلاء والمرض إن صبرت وأحتسبت٠
     قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ثم صبَّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى ) رواه أبو داود وصححه الألباني . 


    خامسا /وهو للتطهير:
    كما يطهرك الماء يطهرك المرض

    عنْ أَبي سَعيدٍ وأَبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه متفقٌ عَلَيهِ.


    سادسا /يفتح لك أبواب الدعاء:
    يغفل الكثير عن باب الدعاء حتى يأتيه المرض والبلاء فيفتح له أبواب الدعاء العظيمة فيدعو ويدعو ويدعوبالشفاء وغيره فيعطى ويعطى ويعطى٠
    ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)



    سابعا/الشفاء مع حسن الظن وقوة اليقين:
    المرض مهما قوي لن يغلب حسن الظن بالله وقوة اليقين برحمته والشفاء من هذا السقم ؛ فالعاقبة غالب الشفاء ، انظر كم يدخل المستشفيات وانظر كم يموت منهم فالغالبية العظمى للشفاء والعافية بإذن الله٠
    فإنه سبحانه وتعالى يعامل العبد بقدر حسن ظن العبد به، كما في الحديث القدسي: أنا عند حسن ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرا فله، وإن ظن بي شرا فله. رواه أحمد وصححه الأرناؤوط والألباني.


     


  7.  
    ذكر حديث أسامة بن زيد ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه
    وقوله ﷺ: يؤتى بالرجل هذا مفهوم لقب لا حجة فيه، أي: أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، فالمرأة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تمتثل، داخلة في هذا الوعيد.

    يقول: يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، أي: تخرج، وأقتاب البطن المقصود بها: الأمعاء، وهي جمع قِتْب، فتخرج أمعاؤه، فيدور بأمعائه كما يدور الحمار في الرحى، والرحى هو الحجر الكبير الذي يطحن به الحب، ويربط بحمار، ويطرح هذا الحجر على حجر آخر أملس فيوضع الحب في نحو حوض أو ما أشبه ذلك، فيدور هذا الحجر الكبير الذي يجره الحمار حتى يطحن هذا الحب، كما يدور الحمار في الرحى، فيدور على أمعائه، وتكون هذه الأقتاب قد خرجت من البطن، والقِتب منها مما يتصل به، كأنه ذلك الحبل الذي ربط بالحمار، فيدور بالرحى بهذه الصورة البشعة، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، وهذه النار التي يجتمع أهلها ربما تكون هي نار الموحدين، أي: من المسلمين، فهم يعرفون هذا الإنسان كان آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ويحثهم على طاعة الله ، فكانوا يظنون أنه من الناجين لما يرون من حسن مقاله ودعوته إلى الخير، فلما رأوا حاله بهذه البشاعة سألوه وقالوا له: ما الذي أوردك هذه الموارد؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه.

    وهذا الحديث يدل على وعيد من خالف قوله فعله، إذا تباينت الأقوال والأفعال، وصار الإنسان يتكلم بما لا يعمل فهو متوعَّد بهذا
    هذا الحديث يدل على وعيد من خالف قوله فعله، إذا تباينت الأقوال والأفعال، وصار الإنسان يتكلم بما لا يعمل فهو متوعَّد بهذا، ولكن الأعمال على مراتب، أما الواجبات فإنه لا يجوز للإنسان أن يتركها بحال من الأحوال، والمحرمات لا يجوز للإنسان أن يقارفها، وأما المندوبات فهي أنواع كثيرة جداً، ولا يستطيع الإنسان أن يفعل كل المندوبات، وكذلك قد لا يستطيع أن يترك جميع المكروهات، لكنه يأمر بطاعة الله  مطلقاً من الواجبات والمندوبات، وينهى عن المنهيات، سواء كان ذلك من قبيل المنهي للتحريم، أو كان من قبيل المنهي للكراهة، ويكون النهي عن المكروهات من باب الاستحباب، فالمقصود أن مثل هذه الأمور بمجموعها لا يستطيع الإنسان أن يحيط بها، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذا المتوعَّد بهذا الوعيد هو الذي ترك الواجب أو فعل المحرم، وكان يأمر به أو ينهى عنه.
    الناس في هذه القضية على مراتب متعددة:
    فأكمل المراتب وأعظمها هو الذي يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، وهذا هو الكمال.
    والمرتبة التي تحته هو من يفعل المعروف لكن لا يأمر به، ويترك المنكر لكن لا ينهى عنه، وهذا حال كثير من المسلمين، لا يجترئ، فتراه يجبن أو يستحيي أو يخجل.
    والمرتبة الثالثة وهو الذي يأمر بالمعروف لكن لا يفعل، وينهى عن المنكر ويفعل المنكر.
    والمرتبة الرابعة هو الذي لا يأمر بالمعروف ولا يفعل المعروف، ولا ينهى عن المنكر ويفعل المنكر.
    والمرتبة الخامسة وهي أسوأ هذه المراتب هو الذي ينهى عن المعروف ولا يفعل المعروف، ويأمر بالمنكر ويفعل المنكر، هؤلاء هم الشياطين، الشياطين الذين يضلون الناس، من شياطين الإنس والجن، لا يحبون طاعة الله ، وينكرون على من فعل ذلك، ويعيقونه، ويلمزونه، وما يتركون طريقاً يستطيعون به صرفه عن طاعة الله  إلا فعلوه، كما قال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ۝ عبداً إذا صلى ۝ أرأيت إن كان على الهدى ۝ أو أمر بالتقوى [العلق: 9-12]، فهذا شر المراتب.
    والمقصود أنه ليس لأحد أن يفهم من هذا الحديث، أو من الآيات السابقة كقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[البقرة:44]، أنه إن لم يكن ممتثلاً في نفسه فلا يجوز له أن يأمر و ينهى، ليس كذلك، بل الأمر والنهي واجب، والفعل والامتثال واجب، فإذا ضيع واجبًا فلا يحق له أن يضيع الواجب الآخر، فيكون بذلك مستجمعاً لألوان من التقصير، فالذي يأمر وينهى ولا يمتثل أحسن من الذي لا يأمر ولا ينهى ولا يمتثل، فلابد أن يُفهم هذا الحديث على وجهه، وكل إنسان لا يخلو من تقصير.إذا لم يَعظ الناسَ مَن هو مذنبٌ فمَن يعظُ العاصين بعدَ محمدِ

    ولهذا قال بعض السلف  لمن اعتذر عن الأمر بالمعروف والدعوة أو عن وعظ الناس لأنه مقصر قالوا: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فمن الذي يكون مستجمعاً لأوصاف الكمال؟!، لو كان كل إنسان لا يتكلم في شيء من البر وطاعة الله ، ويحث الناس على هذا إلا أن يفعله فمعنى ذلك أن الناس يبقون في جهالة، وهذا غير صحيح، والدال على الخير كفاعله (1)، والإنسان قد يفتح له في بعض الأبواب من طاعة الله  بعد الالتزام بالواجبات وترك المحرمات، ولا يفتح له في أبواب أخرى من البر، ولكنه يحث الناس عليها، ويبين فضلها، ويدعوهم إلى ذلك فيكون مأجوراً، فإن امتثل أحدٌ بناء على ما سمع فإنه له كأجره.
    هذا خلاصة ما يمكن أن يقال في هذا الباب.
    وأسأل الله  أن يعيننا وإياكم على أنفسنا، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونمتثل أمر الله -تبارك وتعالى، ونجتنب نهيه وما يسخطه، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

     

    1-أخرجه أبو داود، أول كتاب الأدب، باب في الدال على الخير كفاعله، (7/ 447)، رقم: (5129)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، رقم (108).



    1. موقع  فضيله الشيخ د.خالد السبت
       

  8. -﴿كذلك كنتم من قبل؛ فَمَنّ اللهُ عليكم﴾ آيةٌ توضعُ بين العينَين.. تذكيرٌ دائم بالأيام الأولى.. كيف كنت.. وأين صرت.. هو محضُ توفيق.. تخفض جناحَ القلب.. تشهدُ منةَ الله عليك.. ولا ترى نفسك "على" أحد.. والله هو الغني الحميد..

     

    -"في حديثٍ—يظهر أنه ضعيفٌ—؛ يقول النبي ﷺ: "إنَّ أسرَعَ الدّعاءِ إجابةً دعوةُ غائبٍ لغائبٍ".. نعم؛ الحديث قد لا يصِح.. ولكنّ فكرته آسرة.. الدعاء في ظهر الغيب دليلٌ على الرابطة الروحية العالية.. المودة الصادقة المتجاوزة.. وإنْ كنت لا تدري فإنني أذْكُرك.. أنا معك في غيبتك
    ·

     

    -يُعلمني قولُهم ﴿إنْ يسرق؛ فَقَدْ سرق أخٌ له من قبل﴾؛ أنّ للإنسان قدرةً غريبة على التبرير الفوري أيا كان، واختلاق الروابط غير المنطقية.. وهناك كذلك درس بعيدٌ يلوح في هذه الآية: الإنسان ليس مسؤولا عما اقترفه أقرباؤه.. فلا تقيسوه عليهم.. ليسوا سواء.. ولا تزر وازرةٌ وِزْرَ أخرى..

     

    -لشيءٍ ما.. كانت الأخلاقُ طريقَ العلمِ، الفتحِ، والعطاء الإلهي.. في الحديث يقول ﷺ، ما معناه، إِنّ اللّهَ يُعْطي على الرّفق ما لا يُعْطي عَلى مَا سوَاهُ.. و أُمِرَ موسى بِخَلْع النّعْلينِ حين كلّمَ ﷻ ﴿فاخلَعْ نعليك﴾.. العلمُ ينحازُ للأخلاقِ.. الخُلُق الكريم يختصر عليك الكثير..

     

    -أتى قولُه ﷻ: ﴿وأنا اخترتُك﴾، وهو تعبير بليغ عن المحبة.. قبل الأمر الإلهي: ﴿فاسْتَمِعْ﴾.. إذا علمَ الإنسانُ مكانتَه ومنزلَته.. هانَ عليه ما يلقاه.. وكان ذلك أدعى لأن يستجيب ويصبر.. ومن هنا ألمحُ أهمية "التعبير" عما في القلب.. إنه يعني الكثير..

     

    -الاستمرارُ (وربما الإصرار كذلك) خيارٌ مناسبٌ حين يكون لوجودك "معنى".. حين تضيفُ لنفسك أو لغيرك شيئا.. وأما ألا تَأْنسَ، ولا تُؤْنَس؛ فقد تكون تلك علامة على أنه من الأجدر أن ترحل.. ولا تستنزف روحَك.. تأمّل قولَهُ ﷻ في سياق دخول البيوت ﴿حتى تَستأنِسوا﴾..

     

    ·
    -طلب يوسفُ من إخوته المجيءَ بأهلهم جميعا: ﴿وأتوني بأهلكم﴾، ولم يطلب الإتيانَ بأبيه، بل جزم بمجيئه: ﴿يأتِ بصيرا﴾، وذلك -كما يقول الألوسي- "وثوقًا بمحبته".. وشاهدُه الآخر: ﴿لا يستأذِنُك الذين يؤمنون﴾.. الذي يُحب يبادر من غير طلب.. وتلبي روحُه من غير دعوة.. الحبُ المحرك الأول..

     

    -الفكرة التي يعتنقها المرء لا عن قناعة، ولكن بسبب ضغط ما، كتوقّعات المجتمع؛ فإنه سيتخلى عنها في أقرب فرصة للتحرر من إصرها، ولن يكون وفيا لها.. تأمل هذا المعنى في قوله ﷻ ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾، ولذلك كان شعيب يستغرب ويقول ﴿أوَلو كنا كارهين﴾؛ أي: لا إجبار في عالم الأفكار!

     

    -التغاضي والتّنازل في أحيان كثيرة.. استبقاءً لِحبال المودّة.. وفاءً لسابق العهد.. وحفاظًا على الرابطة الإنسانية.. أَنْبلُ من التّمسك بحقّك والخروج بمظهر "المُنتصِر".. راحةُ البال أهنأ.. والحياة لا تستحق كل ذلك.. رَحِم الله رجلا سَمْحا.. ﴿ولا تنسَوا الفضلَ بينكم﴾..

     

    -هناك نوع من الارتباط بين التدين والالتزام الأخلاقي، وبين الإحساس المرهف، الروح الشفيفة، ولين النفس.. تأمل قوله ﷻ ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾، وتعليق ابن عاشور: "والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى [..] وفي القلب المفطور على الرّأفة والسماحة لينٌ يَزَعُه عن المظالم."

     

    -مِن الاعتراضات التي تُواجهك إذا قلت رأيا ما: "لم يقلْ بهذا أحدٌ قبلك"، أو "أول مرة أسمع به"؛ يا عزيزي: القبول أو الرفض لابد أن يُبنى على معايير علمية، لا الأسبقية والأولية؛ تأمّل كيف ذم القرآن الذين رفضوا شيئا "جديدا" لمجرد أنه ليس له "سلفٌ": ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾..
    طارق

     

    -في كلمات مُعبّرة عن سير الحياة.. كتب كانط: "بينما نحن نحلم، يقودنا قَدَرُنا الحقيقي في طريقٍ مختلف تماما. إن الذي نحصل عليه نادرا ما يُشبه ذلك الذي كنا نتَوقّعه".. وربك يخلق ما يشاء ويختار.. ما كان لهم الخيرة.. والله غالب على أمره.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

     

    -كان جرير -رضي الله عنه- يقول: "ولا رآني [أي: النبي ﷺ] إلا تَبَسّمَ".. جرير كالشخص الذي يدخل القلبَ مباشرة.. وبلا استئذان.. تبتسمُ برؤيته.. بسماع صوتِه.. بل بالتّفكير به.. الحياة بصحبة "جرير" أجمل.. وهنيئا لِمَن لهُ "جرير" في حياتِه..

     

    -تَأمّلتُ الدعاءَ النبويَ.. فوجدتُ أنّ منْ أَجْمعِه.. وأكثرِه ثراءً.. قولَه ﷺ: "واجعلني نورا".. دعاءٌ يجمع الأمنيات.. ويختصر الطموحَ والآمالَ.. "وجعلنا له نورا"..

     

    -أصدقُ مِعيارٍ للمَحبّة في القُرآن: سَعْيُك في أن يكون مَنْ تُحِبّ "إنْسانا أفضل".. بكلّ ما يعنيه ذلك.. وهو معنى مستفاد من مفهوم قوله ﷻ ﴿إنك لا "تهدي" منْ أَحْبَبْت﴾..

     

    -مفتاح فهم القرآن: أن تقرأه كلَ مرّة وكأنها المرة الأولى.. تنظر إليه بِعَين جديدةٍ.. تَتَخلى -قدر المستطاع- عن تحيّزاتِك وقَناعاتك المسبقة في كل مرة.. تتناسى الإجابات الأولى.. وتُعيدُ اكتشافَ القرآنِ.. واكتشاف نفْسِك في كلّ قراءة..

     

    -يُكَرّر علينا القرآنُ، في أكثر من سورة، تعاقُبَ الليل والنهار ﴿يغشي الليل النهار؛ يَطْلبُه حَثِيثا﴾.. وكأنه يقول لنا.. مهما يكن.. الحياةُ تَستمِر.. إن لم تظفر باليوم.. فربما تَكسِب الغدَ.. من خيبات الأمس إلى بشائر الفجر.. تلك الأيامُ نُداولها.. ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾..

     

    -شعورُ سيدنا موسى.. لما خرج خائفا يَتَرقب.. لا يعرفُ ما تخبئه له الأيام.. مُستقبل غامض.. ولا يعرف أين يتجه.. فدعا: "عسى ربي أن يهديني سواءَ السبيل".. دعاء عظيم..

     

    -من نعيم الجنة "نزعُ الغل"؛ هذه الفكرة التي تتكرر مرتين ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ تدل على أن من نعيم الدنيا تصفية النفس، تطهير القلب تجاه الآخرين، والفرح بإنجازاتهم ولو كانوا أعلى؛ قيل في تفسير الآية إن الله يصفي قلوبهم حتى "إن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة."

     

    -شعورُ "وقع القرآن" وقت الحاجة.. سماع آية بشكل مفاجئ.. أو قراءتها بلا سابق ميعاد.. تَتنزل على قلبك عزاءً ونورا.. هذا "تقريبًا" ما حدث معه ﷺ حين نزلتْ عليه -في وقت صعب-: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾؛ فقال: "لقد أُنزلت عليّ سورةٌ لَهِي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمسُ"..

     

    -قد يخطئ الإنسانُ من شدةِ الحُب.. فلا يؤاخذ.. بل يحتمي بالحبِ.. لما عُوتب موسى بكل لطف: ﴿وما أعجَلكَ عن قومك يا موسى؟﴾؛ كان "معنى" جوابِه ﴿وعجلتُ إليك ربّ لترضى﴾؛ هو: لأنني أُحِبّك يا ربّ.. وكفى بالمحبة من شفيعٍ..

     

    -الإصرار على تحقيق الآمال مبدأ قرآني: في الكهف ﴿لا أبرح حتى أبلغ﴾، وفي نوح ﴿إني دعوتُ قومي ليلا ونهارًا﴾.. ولكنّ القرآن يرشدنا كذلك للتوقف حين لا تكون هناك جدوى من الاستمرار ﴿فأووا إلى الكهف﴾.. أو لا معنى في الإصرار ﴿وأعتزلكم﴾.. أن تتوقف عن الركض الطويل وتتساءل؛ ما الجدوى؟

     

    ·
    -قيل إن الكنز ﴿وكان تحته كنز لهما﴾ كان لوحا مكتوبا عليه أشياء؛ منها: "وعجبتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن".. ربما يكون القول بعيدا دلالةً، ولكنني مؤمن بأن هذا المعنى كنز.. فالتسليم لله "هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة".. كما قال علي عزت.. والرضا باب الحرية الأعظم.

     

     

    -﴿كذلك كنتم من قبل؛ فَمَنّ اللهُ عليكم﴾ آيةٌ توضعُ بين العينَين.. تذكيرٌ دائم بالأيام الأولى.. كيف كنت.. وأين صرت.. هو محضُ توفيق.. تخفض جناحَ القلب.. تشهدُ منةَ الله عليك.. ولا ترى نفسك "على" أحد.. والله هو الغني الحميد..
     

     

    -"في حديثٍ—يظهر أنه ضعيفٌ—؛ يقول النبي ﷺ: "إنَّ أسرَعَ الدّعاءِ إجابةً دعوةُ غائبٍ لغائبٍ".. نعم؛ الحديث قد لا يصِح.. ولكنّ فكرته آسرة.. الدعاء في ظهر الغيب دليلٌ على الرابطة الروحية العالية.. المودة الصادقة المتجاوزة.. وإنْ كنت لا تدري فإنني أذْكُرك.. أنا معك في غيبتك
    ·

     

    -يُعلمني قولُهم ﴿إنْ يسرق؛ فَقَدْ سرق أخٌ له من قبل﴾؛ أنّ للإنسان قدرةً غريبة على التبرير الفوري أيا كان، واختلاق الروابط غير المنطقية.. وهناك كذلك درس بعيدٌ يلوح في هذه الآية: الإنسان ليس مسؤولا عما اقترفه أقرباؤه.. فلا تقيسوه عليهم.. ليسوا سواء.. ولا تزر وازرةٌ وِزْرَ أخرى..
     

     

    -لشيءٍ ما.. كانت الأخلاقُ طريقَ العلمِ، الفتحِ، والعطاء الإلهي.. في الحديث يقول ﷺ، ما معناه، إِنّ اللّهَ يُعْطي على الرّفق ما لا يُعْطي عَلى مَا سوَاهُ.. و أُمِرَ موسى بِخَلْع النّعْلينِ حين كلّمَ ﷻ ﴿فاخلَعْ نعليك﴾.. العلمُ ينحازُ للأخلاقِ.. الخُلُق الكريم يختصر عليك الكثير..
     

     

    -أتى قولُه ﷻ: ﴿وأنا اخترتُك﴾، وهو تعبير بليغ عن المحبة.. قبل الأمر الإلهي: ﴿فاسْتَمِعْ﴾.. إذا علمَ الإنسانُ مكانتَه ومنزلَته.. هانَ عليه ما يلقاه.. وكان ذلك أدعى لأن يستجيب ويصبر.. ومن هنا ألمحُ أهمية "التعبير" عما في القلب.. إنه يعني الكثير..
     

     

    -الاستمرارُ (وربما الإصرار كذلك) خيارٌ مناسبٌ حين يكون لوجودك "معنى".. حين تضيفُ لنفسك أو لغيرك شيئا.. وأما ألا تَأْنسَ، ولا تُؤْنَس؛ فقد تكون تلك علامة على أنه من الأجدر أن ترحل.. ولا تستنزف روحَك.. تأمّل قولَهُ ﷻ في سياق دخول البيوت ﴿حتى تَستأنِسوا﴾..
     

     

    ·
    -طلب يوسفُ من إخوته المجيءَ بأهلهم جميعا: ﴿وأتوني بأهلكم﴾، ولم يطلب الإتيانَ بأبيه، بل جزم بمجيئه: ﴿يأتِ بصيرا﴾، وذلك -كما يقول الألوسي- "وثوقًا بمحبته".. وشاهدُه الآخر: ﴿لا يستأذِنُك الذين يؤمنون﴾.. الذي يُحب يبادر من غير طلب.. وتلبي روحُه من غير دعوة.. الحبُ المحرك الأول..

     

     

    -الفكرة التي يعتنقها المرء لا عن قناعة، ولكن بسبب ضغط ما، كتوقّعات المجتمع؛ فإنه سيتخلى عنها في أقرب فرصة للتحرر من إصرها، ولن يكون وفيا لها.. تأمل هذا المعنى في قوله ﷻ ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾، ولذلك كان شعيب يستغرب ويقول ﴿أوَلو كنا كارهين﴾؛ أي: لا إجبار في عالم الأفكار!
     

     

    -التغاضي والتّنازل في أحيان كثيرة.. استبقاءً لِحبال المودّة.. وفاءً لسابق العهد.. وحفاظًا على الرابطة الإنسانية.. أَنْبلُ من التّمسك بحقّك والخروج بمظهر "المُنتصِر".. راحةُ البال أهنأ.. والحياة لا تستحق كل ذلك.. رَحِم الله رجلا سَمْحا.. ﴿ولا تنسَوا الفضلَ بينكم﴾..
     

     

    -هناك نوع من الارتباط بين التدين والالتزام الأخلاقي، وبين الإحساس المرهف، الروح الشفيفة، ولين النفس.. تأمل قوله ﷻ ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾، وتعليق ابن عاشور: "والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى [..] وفي القلب المفطور على الرّأفة والسماحة لينٌ يَزَعُه عن المظالم."
     

     

    -مِن الاعتراضات التي تُواجهك إذا قلت رأيا ما: "لم يقلْ بهذا أحدٌ قبلك"، أو "أول مرة أسمع به"؛ يا عزيزي: القبول أو الرفض لابد أن يُبنى على معايير علمية، لا الأسبقية والأولية؛ تأمّل كيف ذم القرآن الذين رفضوا شيئا "جديدا" لمجرد أنه ليس له "سلفٌ": ﴿ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين﴾..


     

     

    -في كلمات مُعبّرة عن سير الحياة.. كتب كانط: "بينما نحن نحلم، يقودنا قَدَرُنا الحقيقي في طريقٍ مختلف تماما. إن الذي نحصل عليه نادرا ما يُشبه ذلك الذي كنا نتَوقّعه".. وربك يخلق ما يشاء ويختار.. ما كان لهم الخيرة.. والله غالب على أمره.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون..
     

     

    -كان جرير -رضي الله عنه- يقول: "ولا رآني [أي: النبي ﷺ] إلا تَبَسّمَ".. جرير كالشخص الذي يدخل القلبَ مباشرة.. وبلا استئذان.. تبتسمُ برؤيته.. بسماع صوتِه.. بل بالتّفكير به.. الحياة بصحبة "جرير" أجمل.. وهنيئا لِمَن لهُ "جرير" في حياتِه..
     

     

    -تَأمّلتُ الدعاءَ النبويَ.. فوجدتُ أنّ منْ أَجْمعِه.. وأكثرِه ثراءً.. قولَه ﷺ: "واجعلني نورا".. دعاءٌ يجمع الأمنيات.. ويختصر الطموحَ والآمالَ.. "وجعلنا له نورا"..
     

     

    -أصدقُ مِعيارٍ للمَحبّة في القُرآن: سَعْيُك في أن يكون مَنْ تُحِبّ "إنْسانا أفضل".. بكلّ ما يعنيه ذلك.. وهو معنى مستفاد من مفهوم قوله ﷻ ﴿إنك لا "تهدي" منْ أَحْبَبْت﴾..
     

     

    -مفتاح فهم القرآن: أن تقرأه كلَ مرّة وكأنها المرة الأولى.. تنظر إليه بِعَين جديدةٍ.. تَتَخلى -قدر المستطاع- عن تحيّزاتِك وقَناعاتك المسبقة في كل مرة.. تتناسى الإجابات الأولى.. وتُعيدُ اكتشافَ القرآنِ.. واكتشاف نفْسِك في كلّ قراءة..
     

     

    -يُكَرّر علينا القرآنُ، في أكثر من سورة، تعاقُبَ الليل والنهار ﴿يغشي الليل النهار؛ يَطْلبُه حَثِيثا﴾.. وكأنه يقول لنا.. مهما يكن.. الحياةُ تَستمِر.. إن لم تظفر باليوم.. فربما تَكسِب الغدَ.. من خيبات الأمس إلى بشائر الفجر.. تلك الأيامُ نُداولها.. ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾..
     

     

    -شعورُ سيدنا موسى.. لما خرج خائفا يَتَرقب.. لا يعرفُ ما تخبئه له الأيام.. مُستقبل غامض.. ولا يعرف أين يتجه.. فدعا: "عسى ربي أن يهديني سواءَ السبيل".. دعاء عظيم..
     

     

    -من نعيم الجنة "نزعُ الغل"؛ هذه الفكرة التي تتكرر مرتين ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ تدل على أن من نعيم الدنيا تصفية النفس، تطهير القلب تجاه الآخرين، والفرح بإنجازاتهم ولو كانوا أعلى؛ قيل في تفسير الآية إن الله يصفي قلوبهم حتى "إن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة."
     

     

    -شعورُ "وقع القرآن" وقت الحاجة.. سماع آية بشكل مفاجئ.. أو قراءتها بلا سابق ميعاد.. تَتنزل على قلبك عزاءً ونورا.. هذا "تقريبًا" ما حدث معه ﷺ حين نزلتْ عليه -في وقت صعب-: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾؛ فقال: "لقد أُنزلت عليّ سورةٌ لَهِي أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمسُ"..
     

     

    -قد يخطئ الإنسانُ من شدةِ الحُب.. فلا يؤاخذ.. بل يحتمي بالحبِ.. لما عُوتب موسى بكل لطف: ﴿وما أعجَلكَ عن قومك يا موسى؟﴾؛ كان "معنى" جوابِه ﴿وعجلتُ إليك ربّ لترضى﴾؛ هو: لأنني أُحِبّك يا ربّ.. وكفى بالمحبة من شفيعٍ..
     

     

    -الإصرار على تحقيق الآمال مبدأ قرآني: في الكهف ﴿لا أبرح حتى أبلغ﴾، وفي نوح ﴿إني دعوتُ قومي ليلا ونهارًا﴾.. ولكنّ القرآن يرشدنا كذلك للتوقف حين لا تكون هناك جدوى من الاستمرار ﴿فأووا إلى الكهف﴾.. أو لا معنى في الإصرار ﴿وأعتزلكم﴾.. أن تتوقف عن الركض الطويل وتتساءل؛ ما الجدوى؟

     



    من أقرب أسماء الله ﷻ لقلبي.. اسم الفتاح.. والذي له معنيان؛ أحدهما—كما يقول الرازي—"أنه الذي يفتح أبواب الخير".. وتأمل التقاءَ العلمِ بالفتح في ﴿وهو الفتاح العليم﴾؛ فهو يفتح لك ما يعلم أنه خير.. ومن هنا يتأكد سؤال الفتح للنفس ﴿فتحنا لك﴾.. ومع الناس ﴿افتح بيننا وبين قومنا﴾..


    من أبلغ معاني بث الروح في الإنسان والنهوض بعد الفشل ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها﴾.. وتأمل هذه الرمزية في ﴿وترى الأرض هامدة﴾ الانطفاء والانكسار.. ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت﴾.. الاهتزاز إشارة لمعاناة الوقوف مرة أخرى.. ولكن النتيجة تستحق ﴿وأنبتت من كل زوج بهيج﴾..

  9. القاعدة الثامنة عشرة : { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }


     

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فهذا موعد جديد لموضوعنا المتنور: (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخلق، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } [فاطر:43].

    وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق آيات في سورة فاطر، يحسن ذكرها ليتضح معناها، يقول تعالى عن طائفة من المعاندين [التحرير والتنوير:12/73 في تفسير ابن عاشور لهذه الآية]:
    { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيْقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بَأَهْلِه فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)} [فاطر].

    ومعنى هذه القاعدة التي تضمنتها هذه الآية باختصار: "أن هؤلاء الكفار المعاندين أقسموا بالله أشد الأَيْمان لئن جاءهم رسول من عند الله يخوِّفهم عقاب الله ليكونُنَّ أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ما زادهم ذلك إلا بُعدًا عن الحق ونفورًا منه، وليس إقسامهم لقَصد حسن وطلبًا للحق، وإنما هو استكبارٌ في الأرض على الخلق، يريدون به المكر السيِّئ، والخداع والباطل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فهل ينتظر المستكبرون الماكرون إلا العذاب الذي نزل بأمثالهم الذين سبقوهم، فلن تجد لطريقة الله تبديلاً ولا تحويلاً فلا يستطيع أحد أن يُبَدِّل، ولا أن يُحَوِّل العذاب عن نفسه أو غيره" [التفسير الميسر (تفسير المجمع)].

    وهذا المعنى الذي قررته هذه القاعدة، جاء معناه في آيات أخر من كتاب الله تعالى، تأمل قوله عز وجل:
    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم } [يونس:23] وقولَه تعالى:
    { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } [الفتح:10]، بل قد قرر الله تعالى أن هذا الأسلوب ـ وهو المكر ـ إنما هو منهجٌ من مناهج أعداء الرسل مع الأنبياء والرسل، فقال ـ في سورة الرعد:
    { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42)}[الرعد]، وقال عز وجل:
    { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} [إبراهيم].

    وأما الأمثلة الفردية التي تبين معاني هذه القاعدة، فكثيرة في كتاب الله تعالى، لكن حسبنا أن نشير إلى بعضها، فمن ذلك:

    1 ـ ما قصه الله تعالى عن مكر إخوة يوسف بأخيهم، فماذا كانت العاقبة؟ يقول تعالى:
    { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)}[يوسف] صحيح أن إخوته تابوا، لكن بعد أن آذوا أباهم وأخاهم بأنواع من الأذى، فعاد مكرهم على غير مرادهم، وفاز بالعاقبة الحسنة، والمآل الحميد من صبر وعفى وحلَم.

    2 ـ وتأمل في قول الله تعالى عمن أرادوا كيداً بنبي الله عيسى:
    { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران]

    3 ـ ولما تحايل المشركون بأنواع الحيل لأذية نبينا - صلى الله عليه وسلم- قال الله عنهم:
    { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال].

    وأما في السنة، وفي التاريخ فكثيرٌ جداً، ومن قرأ التاريخ قراءة المتدبر المتأمل، وجد من ذلك عبراً، وأدرك معنى هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }.
    ولهذا، ولما كان المكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيراً، والكيدُ له عظيماً، سلاه الله بآية عظيمة، تبعث على الثقة والطمأنينة، والأمل والراحة، ليس له - صلى الله عليه وسلم - وحده، بل لكل داعية يسير على نهجه ممن قد يشعر بكيد الكائدين ومكر الماكرين، فقال سبحانه:
    { وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}[النحل].

    "فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئاً لنفسه، وقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة: { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون" [في ظلال القرآن:4/499]، والمهم أن يحفظ سياج التقوى، ولا يقطع إحسانه إلى الخلق، ثم ليبشر بعد ذلك ببطلان كيد الماكرين.

    أيها القارئ المحب لكلام ربه:
    لعلك تلاحظ أن المكر في هذه القاعدة القرآنية: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } لعلك تلاحظ أن المكر أضيف إلى السوء، وهذا يوضح أن المكر من حيث هو لا يذم ولا يمدح إلا بالنظر في عاقبته، فإن كان المكرُ لغاية صحيحة فهو ممدوح، وإلا فلا، ومن بلاغة البيان القرآني التعبير بالحيق مع كلمة المكر، في قوله عز وجل: { وَلَا يَحِيقُ }، فالعرب تقول: حاق به المكروه يحيق به حيقاً، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة، فلا تقول: حاق به الخير، بمعنى: أحاط به [أضواء البيان:4/153].

    ولعلك تتأمل معي ـ أيها المستمع الكريم ـ في الحكمة من اتباع هذه القاعدة القرآنية بقوله تعالى: { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } ليتبين أن هذه القاعدة القرآنية مطردة، وفي ذلك من التحذير من مكر السوء ما فيه، لمن تدبر ووعى، كما سبق في ذكر الآيات الكريمة الدالة على ذلك.

    وإذا تقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإنه يدخل في هذه الآية كل مكرٍ سيئ، يقول العلامة ابن عاشور: مبيناً علة اطّراد وثبات هذه القاعدة { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }:
    "لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكر بعضهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك، ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم، والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء.
    وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى: { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة:205].

    وفي كتاب ابن المبارك في "الزهد" بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
    « لا تمكر، ولا تُعن ماكراً فإن الله يقول:{ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }».
    ومن كلام العرب: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً.
    فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية، ومعجزات قرآنية، ومعجزات نبوية خفية [التحرير والتنوير:22/335-336].

    أيها الممعن النظر:
    وإذا أردنا أن ننظر في آثار هذه القاعدة { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } على أهلها في الدنيا والآخرة، فلنتأمل هذه القصص التي ذكرها ربنا في كتابه عن أهل المكر بأوليائه والدعاة إلى سبيله، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره عن جملة من الأنبياء، نجد أمثلة أخرى لأتباعهم، نجاهم الله فيها من مكر الأعداء، ومن ذلك:

    ـ فرعون! كم كاد لبني إسرائيل لمّا آمنوا به! ومن جملتهم ذلك الرجل الذي عرف بـ "مؤمن آل فرعون" الذي قصّ الله خبره في سورة غافر! تأمل قوله تعالى: { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)}[غافر] فنجى الله المؤمن، وأما فرعون وجنوده فهم الآن، بل منذ ماتوا وهم يعذبون وإلى يوم القيامة.

    ـ وهذا الإمام البخاري ـ صاحب الصحيح ـ كان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك! فيقول:
    { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} [النساء] ويتلو أيضاً: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } [فاطر:43]، فقال له أحد أصحابه: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟
    فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
    « اصبروا حتى تلقوني على الحوض »، وقال صلى الله عليه وسلم:
    « من دعا على ظالمه، فقد انتصر » [سير أعلام النبلاء:23/455].

    ـ وقد ذكر ابن القيم أمثلةً تطبيقية وعملية من واقع الناس لهذه القاعدة: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } في سياق حديثه عن المتحايلين على الأحكام الشرعية، كالمتحايلين على أكل الربا ببعض المعاملات، أو يحتالون على بعض الأنكحة، وأمثال هؤلاء، فقال: "فالمحتال بالباطل مُعَاملٌ بنقيض قصده شرعاً وقَدَرَاً، وقد شاهد الناس عيانا أنه من عاش بالمكر مات بالفقر، ولهذا عاقب الله من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بحرمانهم الثمرة كلها (يشير بذلك إلى قصة أصحاب الجنة في سورة القلم)، وعاقب من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير، وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله، كما قال تعالى: { يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} [البقرة] فلا بد أن يمحق مال المرابي ولو بلغ ما بلغ، وأصل هذا أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم،... إلى أن قال: وهذا بابٌ واسعٌ جداً عظيمُ النفع، فمن تدبره يجده متضمناً لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته بأن يعكس عليه مقصوده شرعاً وقدراً، دنياً وأخرى، وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خُدِعَ، قال الله تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء:142]، وقال تعالى: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }، فلا تجد ماكراً إلا وهو ممكورٌ به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع ولا محتالا إلا وهو محتال عليه" انتهى كلامه.

    وبه تنتهي هذه الوقفات المختصرات مع هذه القاعدة القرآنية الكريمة، ولم تنته بعد وقفاتنا التي نريدها مع بقية القواعد، فإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.

  10. {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [ابراهيم : 39]
    لايمكن لعبد وقف بباب الله وعرض حاجته وتوسل إليه ورجاه بقلب صادق وعلق أمله به ، أن يخيب الله دعاءه ... لايمكن ..

    من أهم مايميز سيرة سيدنا ابراهيم - الدعاء في كل الأحوال - حتى الصلاة يدعو أن يقيمها ، مع انه كان يصلي!..
    فهو يرجو قبولها ..لأن أفضل مطلب تطلبه من ربك ياعزيزي هو صلاح دينك ، فإن صلح دينك صلحت دنياك وأتاك الله من خيرها أضعافا فالاستقامة بركة ...
    ظل نبي الله طول عمره ينتظر الولد ويدعو ربه ولم ييأس حتى جاءه الفرج ، وهو على يقين (إن ربي لسميع الدعاء)
    هكذا عرف الخليل عليه السلام ربه ...


    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)
                  1- هبات الله وعطاياه ﻻ وقت محدد لها فقد تأتيك عند انقطاع اﻷسباب وتطلع النفس !الحمد لله الذي وهب لي على الكبر) / روائع القرآن
                2-  لحظةالفرج قد تأتي في ساعة اليأس والقنوط فلاتيأس فالله سميع الدعاء "الحمدلله الذي وهب لي على الكبرإسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء"/ روائع القرآن
    3-  [ الحمدلله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل] قد تنتظر كثيرا وقد يطول الإنتظار ويمر الزمن ولاشيء تغير في تلك الظروف يأتيك غوث الله   / مها العنزي
    4-  [ إن ربي لسميع الدعاء ] لا يمكن لمرء وقف بباب الله وعرض حاجته وتوسل إليه ورجاه بقلب صادق وعلق أمله به فخيب الله رجاه، لا يمكن   / مها العنزي
    5-  "رب اجعلني مقيم الصلاة" من أهم ما يميّز سيرته "الدعاء في كل الأحوال" .. حتى الصلاة يدعو الله أن يقيمها : الدعاء عتبة الولاية / علي الفيفي
    6-  ( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي) من دعاء نبي الله إبراهيم من علاجات : تهاوننا وتثاقلنا وتكاسلنا وتأخيرنا وإماتتنا للصلوات ومنها صلاة الفجر / عقيل الشمري
    7-  [ رب اجعلني مقيم الصلاة] أفضل مطلب تطلبه من ربك هو صلاح دينك فإن صلح دينك صلحت دنياك واتاك الله من خيرها أكوام فللإستقامة بركة / مها العنزي
    8-  الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ) ظل طول عمره ينتظر الولد ويدعو ربه ولم ييأس حتى جاءه الفرج. /علي الحامد
    9-  "إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ لم يقل لدعائي  بل الدعاء عامة هكذا عرف الخليل ربه. / د.عبد الله بلقاسم
    10-  ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) ليس المهم كثرة الذرية ، بل المهم بركتهم ، هما ولدان فقط لكنهما نجلا أمما / علي الحامد
               11-)الحمد لله الذي وهب لي ( على الكِبَر ) إسماعيل وإسحاق (لا تستعجـل الثمـرة والأُمنيـات ، فقط عش متفائلاً برب السمٰوات . صباحكم تحقق أُمنية/ عايض المطيري
              12-  (إن ربي لسميع الدعاء) نسر إن وجدنا من يستمع لبوحنا ووجعنا فكم هي الراحة التي نشعر بهاورب العزة هو الذي يستمع لناولدعائنا وتضرعنا. / روائع القرآن
             13-﴿الحمدلله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل﴾ قال
    #ابن_كثير عن هاجر: وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. / روائع القرآن.
             14-﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ﴾. الاب يحتاج كثيرا الى الابن عندما يكبر لاتخذُل من من يحتاجك. / تأملات قرآنية


    لندع الله ونناجيه بما في قلوبنا ولا نيأس من غوث الله وإجابته ، نثبت بها أرواحنا حين تذبل يأسا ، ونخاطب بها أنفسنا إن تأخر عنها الفرج ... نعيش مع الدعاء يقينا محققا ونختمه ب (ربنا وتقبل دعاء) فالدعاء والطاعة بعمومها يعقبها طلب قبول وانكسار

    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر



    46874556_309780579624770_8965220081181130752_n.jpg?_nc_cat=103&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=__sRniiBhRgAX_cU39h&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=90b318b42aaddd3d1377819b6350b83c&oe=5F25D41C


  11. من أساليب التربية النبوية
    حسن الخلق والتحبب
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    (( الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف )) .
    ويزداد الإنسان بالإنسان تعارفاً إذا عامله بخلق حسن ، وتحبب إليه . وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثال المسلم الخلوق ، حتى مدحه رب العزة فقال : { وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
    (1) . كما مدح فيه لطف معشره وحسن أدبه مع الناس ، فاجتمعوا إليه وأخذوا عنه ، وجعلوه أسوتهم ، فقال : { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }(2) ، فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهوى أفئدة من عرفه ، يفدونه بأرواحهم ، ويفضلونه على آبائهم وأولادهم .
    وبحسن الخلق دخل عقولهم وقلوبهم ، فصنع منهم سادة الأمم وقادتها .
    عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( . . وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله عز وجل )(3) .
    وكان إذا رأى خطأ من أحد أصحابه نبهه بلطف دون أن يجبهه ، فيعمّم . عن عمر رضي الله عنهما أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً )(4) .
    فالمسلم داعية ، والداعية ذو أخلاق ، والمدعو يرى الداعية ويقوّمه بما يفعل وما يصدر عنه من تصرف قبل أن يأخذ عنه ، حتى إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أساء إليه أحد عفا عنه ، وإذا شتمه يهودي رد عليه بما يناسب دون أن يفحش .
    روت عائشة رضي الله عنها أن يهوداً أتـَوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليكم(5) (أي إنهم كانوا يدعون على النبي صلى الله عليه وسلم بالموت )
    فقالت عائشة وهي الزوج المحب لزوجها ، الصبية المندفعة غير المتروية ـ فقد كانت في الرابعة عشرة أو أقل ـ : وعليكم ، ولعنكم الله ، وغضب عليكم .
    ( إنه رد منفعل يوضح مدى التأثر الذي أصابها من اليهود حين سمعتهم يدعون على رسول الله جهاراً نهاراً بحجة أنهم يسلمون عليه ) .
    فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق ، وإياك والعنف والفحش ( جواب يدل على سمو في الأخلاق ، وترفع عن السفاسف ، وتحمل في سبيل الدعوة ، وهذا يغيظ الشاتم ويقلقه ، فالمشتوم أهمله ، ولم يرد عليه بعنف يوحي بانفعال وتحرق ).
    قالت : أولم تسمع ما قالوا ؟! ( سؤال لم تطلب عائشة الإجابة عليه ، إنما أرادت الدفاع عن موقفها ، فقد ردت عليهم بمثل ما قالوا ).
    قال صلى الله عليه وسلم : أو لم تسمعي ما قلت ؟! ( وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رد عليهم بقوله : ( وعليكم ) فكلامهم مردود عليهم والموت لهم . فكان جوابه لها بصيغة السؤال نفسه الذي لا يحتاج لجواب ، بل يحتاج أن تنتبه عائشة إلى معناه وفحواه . ) ردَدْتُ عليهم فيستجاب لي فيهم ، ولا يستجاب لهم فيّ (6) .
    ( فهو حبيب الله ورسوله يحميه ويدافع عنه ، واليهود أعداء الله لعنهم وغضب عليهم ، فدعاؤهم على النبي صلى الله عليه وسلم لا يستجاب ، ودعاؤه عليهم مستجاب . . فالويل لهم ثم الويل لهم ) .
    أدب عظيم يعلمُناه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويجمل بنا أن نتمثله ونحياه .
    ومن التحبب الذي يؤتي ثماره سريعاً : إشعار المخاطب أنه عندك ذو مكانة ، وأن له في قلبك وداً وإكراماً ، فإذا شعر بهذا اطمأن ، فكان إليك قريباً وإلى دعوتك مجيباً . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارعاً في هذا المضمار :
    فقد كان يُردف بعض أصحابه وراءه في سفره ، كما فعل مع معاذ بن جبل وعبد الله بن عباس وأسامة بن زيد رضي الله عنهم جميعاً وكان يطلب من أصحابه أن يدعوا له فهو بحاجة إلى دعائهم ، كما كان يخص بعضهم الآخر بلفتة كريمة منه صلى الله عليه وسلم ، ويلقبهم بالألقاب الكريمة أو الكنى الطيبة :
    ( الصدّيق ، الفاروق ، أمين الأمة ، سيف الله .. ) وكان يدعو لبعضهم بالخير . . و يؤثر الآخرين بشيء يحبونه . . وهكذا .
    فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله بمنكِبَيَّ فقال : ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )(7) .
    تصوروا معي رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إليه ، ، ويستقبله بوجهه ، ويمسك منكبيه تحبباً ، وهو الفتى الشاب . . فيرى ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيماً لا ينساه ، ولقد عُرِفَ عن ابن عمر أنه كان يمشي في المكان الذي كان رسول الله يمشي فيه ، ويتوقف في المكان الذي توقف فيه ، ويصلي في المكان الذي صلى فيه . . أليس هذا من حسن أخلاق سيد الدعاة ؟!! ألم يثمر هديه العملي في أصحابه ، حتى إن أبا سفيان قال في جاهليته : لقد رأيت هرقل في أصحابه ، وكسرى في أصحابه ، فلم أجد أحداً يُعظّم أحداً كتعظيم أصحابِ محمد محمداً ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم .
    إنك إن مدحت إنساناً مسْلِماً بما فيه فقد استفدت أموراً عدة :

    أولها : أنك ترفع من قدره ، وتشعره بمكانته عندك .
    ثانيها : أنك تجعل بينك وبينه وداً ورباطاً من الأخوة والمحبة .
    ثالثها : أنك تدفعه إلى التمسك بما فيه من خصال حميدة مدحته عليها .
    رابعها : أنك تحثه على الاستزادة من هذه الشمائل .
    خامسها : أنه ينجذب إليك وترتاح نفسك لسماعك ومعاشرتك والأخذ عنك . وهذا ما يريده الداعية المسلم من المدعو فتصل التربية والأفكار إلى قلبه وعقله دون عائق ، فيكون لك طيّعاً منقاداً . . وأنت تريد له الخير وتحرص عليه . ( على أن يكون مدحك له بما فيه ، وإلا كان نفاقاً ـ نعوذ بالله من ذلك ـ ) .
    وقديماً قال الشاعر :
    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ** فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس :
    إن فيك خصلتين يحبهما الله : الحلم ، والأناة )(8) .
    كما أنك حين تخبر أخاك أنك تحبه ، يحبك ويقبل عليك ، ويفتح قلبه لك ، وهذا ما يريده الداعية من الناس : حبٌّ وودٌ وراحة نفس وإقبالٌ . فقد روى المقدام بن معدي كرب قال :
    قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه )(9)
    فلا يكون الود وداً من طرفٍ واحد .
    ولن تكون العلاقة من جهة واحدة علاقة .
    وسيظل الطرف الآخر يجهل نواياك تجاهه ، وتقديرك له ، وحبك اياه ، ( على أساس أنه في الله تعالى ) . إلا أن توضح ذلك فيتبادل الطرفان المحبة في الله فيكون رباط الأخوّة متين العرى مكين الأركان .


  12. { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا }

    الدكتور عثمان قدري مكانسي

     

    قال تعالى : { إن الذين قالوا قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ماتدّعون }.

    إن الإيمان قول وعمل { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } فأخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم . روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم ، فمن قالها حين يموت فقد استقام عليها "
    فعن سعيد بن عمران قال : قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قال هم الذين لم يشركوا بالله شيئا ،
    وفي رواية من حديث الأسود بن هلال قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما تقولون في هذه الآية: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا }
    قالوا { ربنا الله ثم استقاموا } من ذنب.
    فقال لقد حملتموه على غير المحمل { قالوا ربنا الله ثم استقاموا }...فلم يلتفتوا إلى إله غيره .
    وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي آية في كتاب الله تبارك وتعالى أرخص ؟ ( أقوم للمسلم وأسلم) قال قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } على شهادة أن لا إله إلا الله وقال الزهري : تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال استقاموا –والله- لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب .
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما : { قالوا ربنا الله ثم استقاموا } على أداء فرائضه .
    وكان الحسن البصريّ يقول اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ، وقال غيره { ثم استقاموا } أخلصوا له الدين والعمل .
    وعن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك
    قال صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ثم استقم )
    قلت فما أتقي ؟
    فأومأ إلى لسانه . ورواه النسائي.
    وفي رواية عن عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به
    قال صلى الله عليه وسلم : ( قل ربي الله ثم استقم )
    قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي ؟
    فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه ثم قال: ( هذا ) رواه الترمذي وابن ماجه . وقال الترمذي حسن صحيح .

    وقوله تعالى { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت قائلين " أن لا تخافوا " مما تقدمون عليه من أمر الآخرة { ولا تحزنوا } على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال فإنا نخلفكم فيه "
    { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير.
    جاء في حديث البراء رضي الله عنه قال " إن الملائكة تقول لروح المؤمن اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه ،اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان " .
    وقيل إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. وقرأ ثابت سورة حم السجدة حتى بلغ { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة } فوقف فقال بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن " { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } قال فيؤمّن الله تعالى خوفه ويقر عينه فما يخشاه الناس يوم القيامة هو للمؤمن قرةُ عين لما هداه الله تبارك وتعالى لأنه كان يعمل له في الدنيا ، وقال زيد بن أسلم يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث ،وهذا القول من أجمع الأقوال.

    سوق في الجنّة

    { نزلاً من غفور رحيم } إنها ضيافة وعطاء وإنعامٌ من غفور لذنوبنا رحيمٍ بنا رءوف ، فقد غفر وستر ورحم ولطف وقد ذكر ابن أبي حاتم أن في الجنة سوقاً يوضحهُ قوله تعالى :
    { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم }. لقي سعيد بن المسيب أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة رضي الله عنه أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة
    فقال سعيد أوَفيها سوق ؟
    فقال نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله عز وجل ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ،ويوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ،ويجلس أدناهم - وما فيهم دنيء- على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا .
    قال أبو هريرة رضي الله عنه قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا ؟
    قال صلى الله عليه وسلم : ( نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر ؟ )
    قلنا لا
    قال صلى الله عليه وسلم : ( فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضَره اللهُ محاضرةً حتى إنه ليقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا - يذكره ببعض غدراته في الدنيا - فيقول أيْ رب أفلم تغفر لي ؟
    فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه - قال -
    فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط - قال -
    ثم يقول ربنا عز وجل قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة وخذوا ما اشتهيتم قال فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب. قال فيُحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى. وفي ذلك السوق . يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه - وما فيهم دنيء- فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا ،فيقلن مرحبا وأهلا بحبيبنا، لقد جئتَ وإن بك من الجمال والطيب أفضلَ مما فارقتنا عليه. فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى. وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به ) . وقد رواه الترمذي في صفة الجنة ، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

    من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

    عن أنس رضي الله عنه قال :
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )
    قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت.
    قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس ذلك كراهية الموت ،ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه، قال وإن الفاجر أو الكافر إذا حُضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه ) وهذا حديث صحيح.

    سمات الداعية إلى الله

    { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } فدعا عبادَ الله إلى طاعة الله ،
    { وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } فهو في نفسه مهتد بما يقوله ، ونفعُه لنفسه ولغيره متلازمان ،وهو مثال لما يدعو إليه قولاً وفعلاً ، وامتنع أن يكون من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه
    وهذا السؤال لا يتطلّب الإجابة إنما يؤكد أن أفضل المسلمين مَن كان عمله يواكب قوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } قال بعض المفسرين : إنها نزلت بالمؤذنين في قولهم " حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح"، واُريد بالعمل الصالح ركعتا السنّة بين الأذان والإقامة .
    وأرى الامر أكبر من هذا وأعمّ ،فالدعوة إلى الله بابها واسع يشمل العبادات والمعاملات والاخلاق وآيات التي تلي هذه الآية تؤكد ما ذكرته. فالمسلم يدعو إلى الله بالقول والفعل ،ويكون قدوة يأتسيه الناس ويعجبون به ويسألون عن سر تجمّله فيعلن لهم أنه مسلمٌ والإسلام يأمره بذلك .

    { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة }

    قال بعضهم :
    1- الحسنة كلمة الإيمان ، والسيئة كلمة الكفر ،فلا يستوي التوحيد و الشرك .
    2- وقيل : الحسنة الطاعة , والسيئة الشرك .
    3- وقيل : الحسنة المداراة , والسيئة الغلظة .
    4- وقيل : الحسنة العفو , والسيئة الانتصار .
    5- وقيل : الحسنة العلم , والسيئة الفحش .
    6- وقيل : الحسنة حب آل الرسول , والسيئة بغضهم .

    وما أروع قال ابن عباس : (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك) . وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي , وإن كنت كاذبا فغفر الله لك .
    وروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه .

    { ادفع بالتي هي أحسن }

    قال بعضهم: يلقى بالسلام من يعاديه وذكرالقاضي أبو بكر بن العربي أنه قُصد بالأحسن – على وزن ( أفعل) : المصافحة . وفي الأثر : ( تصافحوا يذهبِ الغلُّ ) . وقد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفراً حين قدم من أرض الحبشة ; وقال قتادةُ لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . وهو حديث صحيح . وفي الأثر : ( من تمام المحبة الأخذ باليد ) .وعن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي , فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيَتْ ذنوبُهما بينهما ) .

    الصبر على الأذى والتحبب خير

    إن الصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة يقلب العداوة صداقة والبغضاء حباً ، قال تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } . فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان , وأخضع لهم عدوهم .
    وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر ! دع شاتمك , والْهُ عنه ترضِ الرحمن وتسخط الشيطان , وتعاقب شاتمك , فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .
    وروى القرطبي رحمه الله عن بعض الشعراء قال :

    وللكفُّ عن شتم اللئيم تكرما * أضرُّ له من شتمه حين يُشتم


    وقال الوراق:

    سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب * وإن كثرت منه لدي الجرائمُ
    فما الناس إلا واحد من ثلاثة * شريف ومشروف ومثل مقاومُ
    فأما الذي فوقي فأعرف قدره * وأتبع فيه الحق والحق لازم

    وما شيء أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجواب ، ومتاركة السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السباب ، وقال عمر رضي الله عنه : ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه . والعاقل من الأعداء حين يرى معاملة خصمه الطيبة يخجل من نفسه ويرى أنه أخطأ كثيراً بحقه فينقلب صديقاً حميماً بعد أن كان خصيماً مبيناً ، وصديقاً قريباً مشفقاً ويصافيك فتنقلبان أخوين ! { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }.

    لا يربح إلا الحليم الصبور

    فهو من يكسب الدنيا بصداقة أعدائه ،ويربح الآخرة برضا ربه وعفوه عنه ورفع درجاته. فالعفوُ عمّن ظلمك وانت قادر على أخذه، والتواضعُ له وانت أقوى منه يرفع من قدرك في الدارين ، ويُعلي من شأنك.

    الاستعاذة بالله من نزغ الشيطان

    والنزغ أدنى وسوسات الشيطان، وهو فساد يواصله الشيطان ليفرق بين الناس ويزرع البغضاء بينهم والحقد في نفوسهم. ومنه قوله : { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } فأفسد .
    وقال : { من شر الوسواس الخناس }
    إن الأمر بالاستعاذة لكون تلك الوساوس من آثار الشيطان .
    يقول القرطبي رحمه الله: فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به .

    إن الشيطان لما يئس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقِيات والوساوس ، فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا - كما في الصحيح - فقالوا : يا رسول الله , إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به .
    قال : ( أوَقدْ وجدتموه ) ؟
    قالوا : نعم .
    قال : ( ذلك صريح الإيمان )
    رغماً للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } إن الشيطان يجلب الخواطر السيئة يوسوس بها ، وهي لا تستقر في النفس المؤمنة بل تطردها مستعينة بالله منها ، هذه هي الوساوس التي تزيد المؤمن إيماناً حين يأباها ويلجأ إلى الله ، فيذهبها عنه .

    اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم ومن وسوساته.


  13. 1-كانوا يقولون إن القرآن يُفسّره لسانُ الزمان.. أي تكشف الأحداثُ عن وجوهٍ جديدة من تفسيره.. وأُضيف: تجاربك الشخصية.. وخبراتك الخاصة.. تُفسّر لك القرآن.. وتكشفه لك بشكل خاص..
     
    2-من معاني الاستخارة: "وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر [..] فاصرفه عني واصرفني عنه"؛ أي لا تعلق قلبي به.. ولعل من هذا المعنى قولهم في ﴿يُغن الله كلا من سعته﴾ "هو النسيان، وأن يكون الأمرُ كأن لَمْ يكن".. ومثله الدعاء: اللهم ما زويت عني ممَا أُحِبّ.. فَاجعَلهُ فراغا لي فيما تُحِبّ..
     
    3-رحم الله امرأً عرفَ قدر نفسه.. رحم الله امرأً عرف حدود علمه.. رحم الله امرأً قال: لا أدري.. ورحم الله امرأ لم يجرّه قبولُ الناس له للكلام في كل شيء؛ كان المسيح عيسى واضحا جدا عندما قال لقومه ﴿ولأُبيّن لكم (بعضَ) الذي تختلفون فيه﴾.. أي: بيّن لهم أنه لن يفتيَ في كل شيء..
     
    4-إذا كانتْ المبادئُ وحدها لا تردع المرءَ عن الإساءة للغير.. فلا أقلّ من أن يتذكرَ دوران الأيام ﴿وتلك الأيامُ نُداولِها بين الناس﴾.. وأن الذين أخذ حقهم اليوم ﴿في غيابت الجبّ﴾.. قد يحتاج لهم غدا ﴿يا أيها العزيز: مسّنا وأهلنا الضرّ﴾..
     
    5-قد يتعلقُ الإنسانُ بالأشياء التي ترافقه.. فتصير جزءا منه.. كأني ألمح هذا المعنى في ردّ موسى.. لما سُئل عن العصا؛ فقال: ﴿هي عصاي؛ أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي، ولي فيها مآربُ أخرى﴾.. صارت بينهما "عِشرة".. وعلاقة وانتماء.. وإذا كان هذا مع الأشياء.. فكيف بالأرواح.. والقلوب..
     
    6-حتى لو كنت تُحب عملَك.. تعشقُ تخصصك.. وتجدُ نفسك في مجالك؛ لن تخلو من لحظات حزن بسببه ﴿قد نعلم إنه ليحزنك﴾.. بل وربما إحباط شديد ﴿فلعلك باخع نفسك﴾.. حينها لا تملك إلا الصبر ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾.. وتأمل الغد الأجمل ﴿إن مع العسر يسرا﴾..
     
    7-أُحِبّ أن أَفْهمَ هذه الآية الجليلة ﴿وإن يتفرقا؛ يُغْن اللهُ كلا من سعته﴾ بدلالتها الواسعة.. المتجاوزة للطلاق والعلاقة الإنسانية.. هي، برأيي، رمزٌ للخروج من التجارب المريرة.. وأنت أفضل.. وأقوى.. ألتمس ذلك من ﴿يُغْنِ اللهُ كلا من سعته﴾.. كأن السعة الإلهية تنقلك إلى حالة أفضل..
    ·
     
    8-الإلهام.. قد يأتي بلا فكر طويل.. أو تأمّل عميق.. الإلهام قد ينبعث من لحظة حضور.. أو نظرة خاطفة.. ﴿فنظر "نظرةً" في النجوم﴾.. وسبيل ذلك المجيءُ إلى الله ﴿بقلبٍ سليم﴾..
     
    9-رُبّ كلمة لا تُلقي لها بالا.. تعيشُ في قلب أحدهم.. العمرَ كله..
     
    10-كان عليه أن يتعرّف على نفسه أولا.. ويعطيها حقها ﴿قم الليل﴾.. كي يستطيع أن يبذل للناس وينفعهم ﴿إن لك في النهار سبحا طويلا﴾..
     
    11-"أنا عند ظن عبدي بي".. المفزع في ظلمات العالم.. الروح التي تسري.. والمعنى الذي لا يخيب.. لا يغيب.. ولا يخذل..
     
    12-قراءتي لسورة الضحى.. هي مثل التذكير بالأشياء التي صنعتك.. الوحدة والغربة ﴿ألم يجدك يتيما﴾.. الحيرة ﴿ووجدك ضالا﴾.. وقسوة الحياة ﴿ووجدك عائلا﴾.. لولاها لما كنت أنت.. والماضي ليس شيئا تستحي منه.. ليست السورة دعوةً للحنين.. بقدر ما هي نظرٌ للمستقبل.. ولقد مننّا عليك مرة أخرى..
     
    13-أحداث كثيرة.. عادية في نظرك.. تترابط فجأة.. لتجتمع في لحظة.. في شيء واحد جليل.. فكرة واحدة.. حدث واحد.. يصبح هو "قدرك".. كانت الطرق كلها تؤدي إليه.. ﴿ثمّ جئتَ على قدر﴾..
     
    14-القرآنُ كتابٌ وجيزٌ مختصر.. ليس من السّهل أن يُفْرِدَ مساحةً لأحد.. شروطُ القرآن صعبة..! لا تنسَ هذا وأنت تقرأ ﴿إذ "تمشي" أختك﴾؛ لقد سجّل "خطواتِ" أخت موسى.. وخلّدها في التاريخ.. لأنها سَعَتْ في جبر الخواطر: ﴿فرجعناك﴾.. لم ينس لها القرآنُ الجميلَ.. والبرّ لا يبلى..
     
    15-في أحد أكثر المواقف إيلاما للإنسان.. قضية تمسّ السمعة والعائلة والمستقبل.. كان جوابُ القرآن ﴿لا تحسبوه شرا لكم؛ بل هو خير لكم﴾.. ومن هذا الباب فهم بعض العلماء "لنا" في قوله ﷻ ﴿لن يُصيبَنا إلا ما كتب اللهُ لنا﴾؛ أي كتبه لأجلنا.. فهو خير لنا..
     
    16-حين أتأمل احتواء شعيب لموسى ﴿قال: لا تخف؛ نجوت﴾؛ أتذكر دافعَ الأستاذ مطاوع للعطاء: "لكنّي أعرفُ -على الأقل- عُمقَ الألم .. بل والخجل الّذَيْنِ يحسُ بهما الإنسانُ حين يُصدمُ بأنّ مشاعرَه وأحزانَه لم تلقَ ما تستحقّهُ من الاحترام عند من توجَّهَ بها إليه .. وطلبَ منه عونَهُ عليها."
     
    17-صمتك.. ليس بالضرورة لأنك لا تملك جوابا.. أو لأنك في موقف ضعيف.. كلا.. تصمت وفاءً لعهد سابق.. تصمت صلةً وبِرّا.. تصمت رحمةً وشفقةً.. تصمت لأن الأخلاق العليا خير.. تصمت لأنك تسأل الله دائما أن يُعرّفك القضايا التي تستحقّ.. ﴿فأسرّها يوسف في نفسه، ولم يُبدها لهم﴾..
     
    18-نكون أقرب لإنسانيّتنا.. وأكثر تصالحا مع الذات والآخرين.. حين ندركُ أن التقلبَ سنة الحياة.. وأن اضطراب المشاعر واختلاطها من صميم تكوين الإنسان ﴿وأَنه هو أضْحك وأبكى﴾..
     
    19-من سعادة المرء.. أن يسلك الطريق الصحيح مع من يُحب.. ذلك أكثر أمانا.. مع الصديق في المكان المناسب.. أستشف هذا المعنى -على بعد- من إشارة قول بلقيس: ﴿وأَسلمت "مع سليمان" لله﴾.. وكأنها تقول: "أريد هذا الطريقَ.. معه".. ومن هذا الباب قول الصحابي للحبيب ﷺ "أسألك مرافقَتَك في الجنة"..
     
    20- نجد ارتباطا بديعا بين "العين" وبين "القرب" في القرآن.. هناك اتصال لطيف بينهما.. يقول ﷻ للحبيب ﷺ ﴿فإنك "بأعيننا"﴾.. ويُعبّرُ عن عنايته بموسى بقوله ﴿ولتصنع على "عيني"﴾.. والحنانُ الذي يكتنف مريم تختصره آيةُ ﴿وقرّي "عينا"﴾..
     
    21-﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ صدقٌ وثقة واحترام.. ﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ وضوح ومبدأ.. ﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ اتزان وهدوء.. ﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ احترام للخصوصية ومساحة آمنة.. ﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ ظنّ جميل.. ﴿وأتوا البيوتَ منْ أبوابها﴾ منهجُ حياة..
     
    22-أشعر أنه مهما تَعلّم الإنسان وقرأ.. ومهما بلغ من درجات العلم.. فلا بد له من "مرشد" حكيم.. رحيم.. ذي تجربة.. يأخذ بيديه.. موسى والخضر نموذجا..
     
    23-أؤمنُ بهذه الآية كثيرا ﴿والطّيّبونَ للطيّبات﴾.. بِعُمومها المتجاوز.. في العلاقات.. الأفكار.. المشاريع.. المحبة.. في رحلة الحياة..
     
    24--قيل في تفسير ﴿والسماء ذاتِ الحُبُك﴾؛ إنّ الحبكَ هي الطرقُ والمساراتُ في السماء.. ثم هذه الطرقُ قد تكون طرقا معنويةً تُدْركُ بِعين البصيرة.. وتقودُ للعالَمِ الأعلى.. فَأَرْنا يا الله طُرُقَك..

  14. أغلب المشاكل التي تواجه الأسرة اليوم هي افتقارها للحوار، وانعدام النقاش بين أفرادها، فالأب لا يجلس مع أبنائه إلا السويعات القليلة في اليوم، والأم مشغولة في عملها أيضًا، والأبناء حيارى لا يجدون من يسأل عنهم أو يحاورهم، فيكبرون وتكبر معهم المشاكل، وتترسخ فيهم الأنانية، وقد يفعلون أشياءَ لا يعلم عنها الآباء لانعدام العلاقة وانقطاع الرابطة بينهم منذ الصغر، ولو أن الآباء خصصوا قليلًا من وقتهم في الجلوس مع الأبناء وحوارهم في أمور حياتهم، والتقرب إليهم لتجاوزوا كثيرًا من الأزمات، وحلُّوا كثيرًا من المشاكل التي تقع بينهم، فالحوار مهم جدًّا في الحياة الزوجية والتربية الأسرية، يحتاجه الكبير والصغير، ويرغب فيه جميع الأفراد، وقد جاء أسلوب الحوار مبثوثًا منثورًا في القرآن الكريم، فقد حاور الله تعالى الملائكة عندما أراد خلق آدم في سورة البقرة، ليبيِّن لنا سبحانه أن الحوار هو الذي أوجد بني آدم، فينبغي أن يكون هذا منهج لهم في الحياة، يستخدمونه إذا وجد هناك تنافر في وجهات النظر، أو بعض المشاكل التي تنقص الحياة، وقد جاء الحوار أيضًا في سورة الكهف التي نقرأها كل يوم جمعة؛ لينبه الجميع لأهميته، ويذكِّرهم به كل أسبوع، ويعرض عليهم الحوار الذي دار بين كافر غني يتفاخر بماله وولده، ومؤمن فقير ليس لديه ما يملِك صاحبه الكافر؛ حيث بدأ الحوار بقول الكافر: ﴿ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34]، فالكافر يحاور المؤمن مغترًّا بجاهه وماله، ونفره وولده، وجاءه الرد من المؤمن بقوله: ﴿ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴾ [الكهف: 37]، ناصحًا ومذكرًا، كيف تكفر بالله الذي أوجدك وأنعم عليك، وأعطاك من النعم ما ليس لك بها يد، آخر القصة التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى، وورد الحوار أيضًا في سورة المجادلة عندما جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو زوجها أوس بن الصامت إلى النبي عليه الصلاة والسلام عندما ظاهر منها وجعلها محرمة عليه مثل أمة: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1]، وتمام القصة وحوارها مع النبي عليه الصلاة والسلام منقول محفوظ.

     

    ولكن استوقفني ذلك الحوار الأبوي الراقي، الذي ذكرة ربنا لنا في سورة لقمان، وهو يحاور ابنه، ويعلمه تلك الوصايا العظيمة، على شكل حوار فيه كثير من معاني المحبة والرفق والتودد من لقمان لابنه وهو يعظه، وينبهه على مهمَّات الأمور وأجلِّ الوصايا، وهكذا هي أساليب التربية مع الأبناء إذا غُلفت بغلاف الحب والرفق أثمرت ذلك الانقياد والالتزام، أما إذا كانت مجرد كلمات لا يشعر معها الابن بالحنان والحب، فإنه سرعان ما ينساها أو يحاول التفلُّت منها؛ لأنها خرجت من قلب موحش وبأسلوب خاطئ، ولنتأمل معًا هذا الحوار الودي الأبوي البديع؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ ﴾ [لقمان: 13].

     

    بدأ هذا الحوار بين الأب والابن بأسلوب النداء:

    يا بني، وهذه الكلمة من الكلمات التي تقرب الابن إلى أبيه، وتحبِّبه إليه، وتشعره بالأمان، وقوله: ﴿ لابنه ﴾؛ أي: إنه يقصده هو ذاته، وليس شخصًا آخر بهذه المواعظ والنصائح الثمينة، وقوله: ﴿ وهو يعظه ﴾ يدل على أنه اختار الزمان المناسب للوعظ والإرشاد، وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة خشية السأم والملل، ثم لَما تهيأت النفس لاستقبال النصيحة والموعظة بدأ بالموعظة الأهم، والوصية الكبرى في الحياة وهي قوله تعالى: ﴿ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

     

    وهي الوصية الأولى بألا يشرك بالله تعالى شيئًا، والأمر بعدم الإشراك بالله يستلزم منه ضده وهو التوحيد، فكان لقمان أول أمره قد أمَر ابنه بتوحيد الله تعالى؛ لأنه الغاية التي أرسل الله من أجلها الرسل، وأنزل الكتب؛ يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، ولعله علِم أنه سيرد سؤال على الابن: لماذا تأمرني بعدم الإشراك بالله يا أبي، فجاء بالتسبب الذي من أجله أمره بعدم الشرك، فقال: (إن الشرك لظلم عظيم)، تعليل للأمر بعدم الإشراك، إنه لو أشرك فإنك تظلم نفسك غاية الظلم وأعظمه؛ إذ كيف تسوِّي مخلوقًا ناقصًا بالإله القوي القادر الغني سبحانه.

     

    ثم أعقبه بالوصية الثانية بعد التوحيد بالله وعدم الإشراك به، وهي قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 14، 15] ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 14، 15]، بعد أن انتهى لقمان من بيانه لابنه أعظمَ أمر يجب عليه وهو التوحيد، والابن لا يزال مُنصت لأبيه، أعقبه بالحوار بينه وبين ابنه إلى وصية مهمة، وهي الوصية بالوالدين والبر بهما، فطاعة الوالدين تأتي بعد التوحيد؛ لِما لها من منزلة عظيمة في الإسلام، وقد جاءت كثير من الآيات بالوصية بالآباء وبرهما، والتحذير من عقوقهما، وخصوصًا عند كِبرهم، وكأنَّ لقمان يجيب على تساؤل قد يخطر على بال ولده، وهو أيهما أعظم حقًّا الأم أم الأب، ولماذا يجب عليَّ أن أُطيعهما وأبرهما، فأجابه أن كليهما لا بد من برهما، ولكن الأم حقها أعظم لتكبُّدها مشقة الحمل تسعة أشهر، ومكابدتها ألم الحمل والولادة والمخاض، فأنت قد غُذيت من لحمها، وأكلت من جسدها الهزيل، وشاركتها كل عناصرها الغذائية حتى أضعفتَ جسدها، ورق منها عظمُها، لذلك هي تحتاج إلى عناية أكبر، وبر أعظم، ومما يدل على عظم حق الأم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه بقوله: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ يعني: صحبتي، قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك).

     

    ولقمان وهو يحاور ابنه استدرك أنه من هذا قد يفهم الابن أنه يطيعهم طاعة مطلقة كاملة؟ وكأنه ينظر إلى ابنه وهو يسأله هل نطيعهما في كل شيء؟! فجاء بقوله تعالى: (وإن جاهداك على أن لا تشرك بي شيئًا فلا تطعهما...)، فالطاعة للوالدين تحت طاعة الله ورسوله، وطاعتهما واجبة فيما ليس فيه معصية لله ورسوله، أو مخالفة لأمرهما، أما إذا أمروك بمعصية، فلا تطعهما ولا تمتثل أمرهما؛ قال عليه الصلاة والسلام: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، أيًّا كان هذا المخلوق، ورغم هذا فإنه يجب عليك مصاحبتهم بالمعروف، وبرهما والإحسان إليهما والتودد لهما، ومنه يفهم أن الوالدين حتى وإن كانا كافرين، فإنه يُحسن إليهما ويبرهما، ويخفض لهما جناح الذل والرحمة، فهما سبب وجوده، وماده حياته.

     

    ثم جاءت ثالثة الوصايا في حوار لقمان مع ابنه بقوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 16].

     

    ثم جاء يرغِّبه في عمل الطاعات، ويرهبه من فعل القبائح والمنكرات، ببيان سعة علم الله وشموله، وإنه سبحانه لا يغيب عنه شيء مهما تناهى في صغره، أو اختفى عن الأنظار في أي جهة من جهات الكون الفسيح، وهذ الجواب جاء بعد حوار مع ابنه وسؤال منه؛ حيث قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة؛ حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: (يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل، فتكن في صخرة)؛ كرَّر لقمان في هذه الوصية النداء، لتجديد السامع، وشد انتباهه؛ لكيلا يسأم أو يمل، وفي هذه الآية أهمية تقريب المعنى للطفل بشيء من المحسوسات، أن أمكن فلقمان ذكر الخردل وهي حبة صغيرة يعرفها الابن، فضرب بيان علم الله بهذه الحبة الصغيرة، وهذا أدعى في رسوخ المعنى في الذهن وعدم نسيانه أبدًا، ويكون أقرب للفَهم والاستيعاب، وفي الآية جواز استعمال الموكدات لبيان أهمية الكلام وبيان خطر ما يقع بعدها، فقد جاء في هذه الآية بثلاثة مؤكدات هي النداء، وأن، وضمير القصة.

     

    وبعدها ذكر الله سبحانه وتعالى الوصية الرابعة بعد التوحيد وطاعة الوالدين، وبيان علم الله تعالى، فقال: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ [لقمان: 17]، بعد أن علَّم ابنه أصول العقيدة، وفي مقدمتها التوحيد لله وعدم الشرك به، انتقل إلى تعليمية أعظم الأعمال الصالحة البدنية، وبدأها بالصلاة فهي عمود الإسلام، والفرق بين الكفر والإيمان يقول عليه الصلاة والسلام: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر....)، والصلاة هي الصلة بين العبد وربه، فيها يناجي ربه، وتستريح نفسه، ويطمئن قلبه (أرحنا بها يا بلال...)، وأعاد أيضًا تَكرار النداء في هذه الوصية، ليشد انتباه ابنه وينشط سمعه لما سيأتي بعدها، ثم أمره بإقامة الصلاة، ولم يقل يأمره بأداء الصلاة، بل أقم الصلاة، وإقامة الصلاة يكون بأدائها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها، والمواظبة عليها بوقتها وبخشوعها؛ كما أمرنا ربُّنا: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]؛ حيث ربط ربنا سبحانه الفلاح بالخشوع في الصلاة، فقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، ثم انتقل لقمان للوصية الخامسة التي بيَّنها لابنه في حواره معه؛ قال تعالى على لسان لقمان: ﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [لقمان: 17]، ثم أمره أن يأمر الناس بالطاعات، ويحضُّهم على الخير، ويدعو إليه بالقول والفعل، فإنه من الطاعات العظيمة التي تحتاج إلى عزم وصبر، وأيضًا أمره أن ينهي الناس عن المعاصي والسيئات بقوله وفعله، فمن النصح للناس منعهم عن الشر وتثبيطهم عن ارتكابه، وهما من العبادات التي تنال بهما الأمة رِفعتها بين الأمم؛ قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، وذمَّ الله تعالى بني إسرائيل بقوله: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 79].

     

    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد فيهما من العلم؛ حتى لا يأمر عن جهل أو ينهى أيضًا عن خير جاهل به، وأيضًا من مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الرأفة والرحمة بالناس، والرفق بهم غاية الرفق؛ حتى لا يكون صلفًا فلا يقبل منه الناس، وهذا الذي يطبِّقه لقمان في هذه الوصايا مع ابنه؛ حيث يظهر تودُّده وحبه لابنه وهو يعظه ويوصيه.

     

    ولَمَّا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور التي فيها مخالطة للناس، كان لا بد أن يأتي بالوصية السادسة بعدها، وهي قوله تعالى على لسان لقمان لابنه: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]، فالذي يأمر الناس وينهاهم لا بد أن يقع منهم عليه أذى وصدود وتضجُّر مِن فعله، فأمره بالصبر واحتمال الأذى في ذلك، وبيَّن له أن الصبر على الأذى من عزائم أهل الإيمان وصفاتهم، وأنه من مكارم الأخلاق وأحاسنه، وهو أعظم أجر من الذين لا يصبرون على أذى الناس؛ قال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم..).

     

    ثم انتقل في الحوار مع ابنه إلى الآداب في التعامل مع الناس، فقال في وصيته السادسة: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ [لقمان: 18].

     

    نهى لقمان ابنه عن الميل بوجهه عن الناس احتقارًا لهم، والتفاخر عليهم بأي صورة من صور الاحتقار، سواء كان بالقول أو الفعل، أو الإشارة، وأن يعامل الناس سواسية كأنه واحد منهم، أو فرد في جماعتهم، فعن عبدِاللَّهِ بن مسعُودٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لا يَدْخُل الجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مَنْ كِبرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُه حَسَنًا، ونعلهُ حَسَنَةً؟ قَالَ: إِنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ.

     

    والوصية السابعة هي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: 18]، وينهاه عن المشي بين الناس بطرًا مختالًا، معجبًا بنفسه، بل لا بد أن يكون متواضعًا لهم، مساويًا لمشيتهم، ثم علَّل ذلك النهي والتساؤل الذي قد يقع في ذهنه وهو قوله: لماذا نهيتني عن المشي فرحًا، فقال: إن الله لا يحب كل مختال متبختر فخور، بل يبغضه ويَقليه، وقد ذكر لنا ربُّنا قصة قارون كيف خرج على الناس في زينته، متفاخرًا مبتهجًا متكبرًا بما يملِكه من الذهب والفضة والأموال، فكيف كانت عاقبته، وما هو مصيره، خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها؛ قال تعالى عنه: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: 79 - 81].

     

    وجاءت الوصية الثامنة بشقَّيها وهي قول لقمان لابنه: ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان: 19]، أمر لقمان ابنه أن يمشي مشية سوية، ليس فيها كبر أو بطر أو تفاخر، وأمره أيضًا أن يخفض من صوته، وألا يرفع صوته عند الحديث مع الناس، فإن أقبح الأصوات ما كان مرتفعًا لغير حاجة، وقد شبَّهه بصوت الحمار المرتفع لشدته وتأثيره في نفس الإنسان، فالاعتدال في الصوت أمر ينبغي أن يتحلى به المؤمن حتى في الصلاة وفي التعبد، يقول الحق سبحانه: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110].

     

    وقوله: (من صوتك..) فيه التبعيض، فليس كل صوت عالٍ مبغوض مذموم، فقد يحتاج الناس إلى رفع الصوت بأمر بمعروف أو نهي عن منكر، فلا بأس به، وخفضُ الصوت بحيث لا يُسمع ليس محمودًا أيضًا، فالإنسان يقدِّر الأمر، وينظر إلى أيهما أصلح، والاعتدال في كل الحالات مطلوب مرغوب، وهو من سمات هذه الأمة المباركة: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143].

     

    فهذه وصايا جاءت في سورة لقمان ذكرها ربُّنا لما فيها من آداب تربوية، وفوائد علمية جمة، وذكر حوار لقمان مع ابنه ليكون الحوار بين الأبناء والآباء منهج ثابت لا يحيدون عنه، وركن أساس من أركان الأسرة الصالحة السعيدة، ولينبِّهنا ربنا أن العقائد والأعمال الصالحة والآداب العالية، لا تنبت هكذا في القلوب فجأة، وإنما تُبنى بالحوار والنقاش الجاد بين الأبناء والآباء في جو يملؤه الحب، ويحوطه الرفق، فهذا صلى الله عليه وسلم كان كثير من حياته حوار وإقناع، فهذا شاب جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا؟! فقام الصحابة عليه، فأشار إليهم النبي عليه الصلاة والسلام أن دعوه، ثم حاوره وناقَشه هل ترضاه لأمك، هل ترضاه لأختك، والشاب يُجيب: لا، فقال له: والناس لا يرضونه لأهليهم. فأقنعه بالحوار البنَّاء والنقاش المثمر، حتى أصبح الزنا من أبغض الأمور إليه، وكذلك الأعرابي الذي بال في المسجد كيف تعامل معه النبي عليه الصلاة والسلام، وحاوره محاوره الأب المشفق الناصح، وكيف كانت ردة فعله بعدها.

     

    هذا ونسأل الله أن يعلِّمنا ما جهِلنا، ويفتح علينا ما استُغلق على أفهامنا.

    محمد على الخلاقي
    شبكة الالوكة



     

  15. من فضل الله على هذه الأمة أن جعل لها شفاعاتٍ عديدةً غير شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم:
     
     
     
     
    فهناك: شفاعة الملائكة:
     
    قال تعالى: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم: 26].
     
     
     
    وفي الآية دلالة على شفاعة الملائكة؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا أذن للملك فإنه يشفع.
     
     
     
    وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 28].
     
    وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جَنَبَتَا الصراط تقادع الفراش في النار، فينجي الله برحمته مَن يشاء، ثم أنه يؤذن في الشفاعة للملائكة والنبيين والشهداء والصديقين، فيشفعون، ويخرجون من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من إيمان".
     
     
     
    وهناك شفاعة المؤمنين:
     
    ففي حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم في حديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... حتى إذا خلصَ المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدَّ مناشدة لله في استيفاء الحقِّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويُصلُّون، ويحجُّون، فيقال لهم: أَخْرِجُوا مَن عَرَفْتُم، فتحرَّمُ صُوَرُهُم على النار، فيُخْرِجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به، فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير - وفي رواية: من إيمان - فأَخْرِجُوه، فيُخْرِجُون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمَن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خيرٍ فأَخْرِجُوه، فيُخْرِجُون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأَخْرِجُوه، فيُخْرِجُون خلقًا كثيرًا....."؛ الحديث.
     
     
     
    وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليخرجن الله من النار قومًا منتنين قد مَحشتهم النار، فيدخلون الجَنَّة بشفاعة الشافعين، يسمون فيها الجهنميون".
     
     
     
    بل هناك رجل من المسلمين يشفع لكثير من هذه الأمة حتى يدخلوا الجنة، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة:
     
    فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليدخلنَّ الجَنَّة بشفاعة رجل ليس بنبي، مثل الحيين[1] ربيعة ومضر، فقال رجل: يا رسول الله، أوما ربيعة من مضر؟ فقال: إنما أقول ما أقول[2]".
     
     
     
    وهناك شفاعة الشهيد:
     
    يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته:
     
    فقد أخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته".
     
     
     
    وهناك شفاعة أولاد المؤمنين الذين ماتوا دون البلوغ:
     
    فقد أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الجَنَّة بفضل رحمته إياهم".
     
     
     
    وهناك شفاعة القرآن:
     
    مرَّ بنا أن أرحم الراحمين يشفع لعباده، فيُخرِج مَن يشاء منهم من النار، وكذلك كلام رب العالمين وهو القرآن الكريم يشفع لأصحابه يوم القيامة، ففي هذا اليوم العصيب يبحث الإنسان عمَّن يشفع له لينجو من عذاب النار، وليدخل جنة الرحمن، وإذا به يجد القرآن شافعًا له مدافعًا عنه أمام الله تعالى.
     
     
     
    فقد أخرج ابن حبان عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القرآن شافِعٌ مُشفَّعٌ، وماحِلٌ[3] مُصدَّقٌ، مَن جعلهُ أمَامَهُ قادَهُ إلى الجَنَّةِ، ومَن جَعَلَهُ خَلَفهُ سَاقَهُ إلى النار"؛ (صحيح الجامع:4443).
     
     
     
    ♦ وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: - البقرة وسورة آلِ عمران - فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غياتيان[4]، أو كأنهما فِرْقَان[5] من طير صواف - تُحَاجَّانِ عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تسطيعها البطلة[6]".
     
     
     
    وسورة تبارك تشفع لصاحبها:
     
    فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن سورةً من القرآن ثلاثون آيةً شفعت لرجل حتى غُفِر له، وهي سورةُ تبارك الذي بيده الملك".
     
     
     
    وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سورةٌ من القرآن ما هي إلا ثلاثون آية خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجَنَّة، وهي تبارك".
     
     
    وهناك شفاعة الصيام:
     
    الصيام كذلك يشفع لصاحبه يوم القيامة، فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبد يوم القيامة، يقول الصيامُ: أي ربِّ، إني مَنعته الطعامَ والشهوات بالنهار فشَفِّعني فيه، ويقول القرآنُ: ربِّ مَنعْتهُ النَّومَ بالليلِ فشَفِّعني فيه، قال: فيشفعان"؛ (صحيح الجامع:3882).
     
     
     
    [1] الحييَّن: مثنى الحي: والحي هو القبيلة من العرب، والجمع: أحياء.
     
    [2] إنما أقول ما أقول: أي ما يوحى إليَّ.
     
    [3] ماحل: يعني: ساعٍ، وقيل: خصم مجادل.
     
    [4] الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه.
     
    [5] فرقان: الفرق: هو الجماعة أو القطعة.
     
    [6] البطلة: أي السحرة.
     
     
     
    الشيخ ندا ابو احمد
    شبكة الالوكة

  16. يقرأ الإمام في صلاته قوله تعالى في سورة الكهف
    ( وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا )(48)
    ..... وتنطلق أفكاري تتصور العرض الكبير المخيف ‘ فالبرية إنسها وجنها وحيوانها تقف ذليلة في حضرة الخالق العظيم لا تكاد تسمع لهم همساً ، وهل يتكلم الوضيع أمام السيد العظيم ملك الملوك ومالك الملك سبحانه ،عظم شأنه. يقفون في صفوف عرايا غرلاً كما ولدوا لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون شيئاً ، ليس بين أيديهم ما كان يحيطهم في الدنيا من سطوة وقوة وغنى وملك ، ولا مال ولا رجال ، إنهم في هذا اليوم خائفون لا يدرون ما يُصنع بهم ولا إلى أين يصيرون،وأمرهم بين يدي الملك العزيز الجبار ،
    ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(49).
    وأرى الكتب تتطاير فوق رؤوس الخلائق وتحط في أيدي أصحابها ، يأخذ أهل اليمين كتبهم بأيمانهم – اللهم اجعلنا منهم - وأهل الشمال كتبهم بشمائلهم ، نعوذ بالله من هذا المصير.وقد كنت قبل أن نتعرف الحواسيب والنت و(السيديهات) التي تحمل في طياتها عشرات الآلاف من الكتب ،ووزنها لا يتجاوز بضعة غرامات أقول في نفسي : كيف يحمل المرء كتبه التي سجلت الملائكة فيها كل ما فعله منذ أن بلغ رشده إلى أن وافاه الأجل ، إنها سنوات طويلة والمراقب يسجل فيها كل أمر صغير أو كبير حسُن أو ساء .وكنت أقلب الأفكار كغيري فإذا بالإنسان الضعيف يكتشف بعد آلاف السنين علماً غاب عنه كل هذه القرون ، فكيف وعلم الله تعالى لا تدركه الأحلام ولا العقول.
    وأتصور المجرمين خائفين مما ينتظرهم من فضائح ، فالكتاب الذي وقع في شمائلهم ينذر بشر مستطير ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابيه * ولم أدْرِ ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه..) فما من صغير ولا كبير إلا مستطر لم يغب منه مثقال ذرة – اللهم لا تفضحنا بين خلقك ولا تجعل النار مصيرنا يا رب.. والله تعالى لا يظلم أحداً ، ميزانه العدل لكننا نسأله تعالى أن يعاملنا برحمته لا بعدله فليس لنا بتحمل تبعاتنا طاقة، ونحن ضعاف مخلوقون من عَجَل ونقصان ، والناقص كثير الخطإ يحتاج عفواً ومغفرة من اللطيف الرحيم سبحانه من إله ودود غفّار.
    وأتذكر قوله تعالى في سورة الحديد( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(12) فأعلم أن الشمس في ذلك اليوم كُوّرت وأن النجوم انكدرت والظلام يلف الموقف لكنّ الله تعالى يرزق المؤمنين والمؤمنات نوراً ينطلق منهم ينير لهم دربهم ، لِمَ لا وقد كانت قلوبهم مليئة في الدنيا بنور الإيمان وأعمالهم يرجون بها وجه الله ورضاه ،فاليوم ينبع هذا الإيمان من قلوبهم ليثيبهم الله به على أعمالهم .. ينطلقون إلى مكان حشرهم يتبعهم المنافقون مستضيئين بنورهم – فلا نور للمنافق – ينير دربه .
    وأسمع هؤلاء يسألون المؤمنين أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم ، فيسمعون صوتاً يقول لهم ارجعوا حيث كنتم فالتمسوا النور الذي فقدتموه ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) ولسنا بصدد معرفة من قال لهم ذلك ، أهم المؤمنون أنفسهم أم هم الملائكة التي تسوقهم إلى المحشر. ولعل هؤلاء المنافقين حين يعودون متقهقرين يظنون أنهم فوّتوا النور في قبورهم ، وأعتقد أنا – أن المقصود بذلك أنهم ضيعوا أنوارهم في الدنيا حين نافقوا وكفروا بالله واليوم الآخر وأن المقصود بالوراء العودة إلى الدنيا وهذا مستحيل ، فكأن القائل يقصد أنه لا نور لهم الآن .
    ويرجع هؤلاء وراءهم ، فينقطعون عن المؤمنين والمؤمنات ويتمايز الفريقان ، وفجأة يقطع بينهم سور كبير مرتفع يمنع المنافقين والمنافقات من الالتحام بالمؤمنين فقد حُسم الأمر وافترق الفريقان ، وينبغي أن يفترقا ، فأهل الجنة غير أهل النار، ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) وأتصور السور وبابه المُغلق بين الطرفين فهو من ناحية المؤمنين جدار رحمة وأمن وأمان ،وسلم وسلام . وهو من ناحية المنافقين جدار شوك وعذاب ونار ولهيب . وينادي المنافقون من بعيد من كانوا في الدنيا معهم يعيشون قربهم في بيوت متقاربة وأحياء متجاورة ومعايش مشتركة لماذا حصل الفراق وامتزتم عنا ، لماذا وقد كنا في الدنيا معاً ؟ ( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) فيجيبهم المؤمنون ( قَالُوا بَلَىٰ ) لقد كنتم معنا أجساماً لا افكاراً وأشباحاً لا قلوباً وأجساداً لا أرواحاً .. ابتعدتم عنا وأنتم بيننا في خمسة أمور رئيسة أبعدتكم عنا بعد المشرق عن المغرب :

    1 ـ أولها أنكم أهلكتم أنفسكم باللذات والمعاصي
    2 ـ وتربصتم بالمؤمنين الدوائر ، وكدتم لهم وسعيتم لصرفهم عن الإيمان والعمل الصالح.
    3 ـ وارتبتم بالبعث والنشور وشككتم بالتوحيد وأنكرتم النبوّة والرسالة.
    4 ـ وعشتم على أمانيّ كاذبات من طول حياة ودوام الدنيا – وهي الفانية – ونسيتم الآخرة – وهي الباقية- وأحببتم الدنيا وكرهتم الآخرة حتى جاءكم الموت على غرّة فلم تتوبوا .
    5 - وخدعكم الشيطان فتبعتموه وصدقتموه وهو الكذوب الذي آلى على نفسه أن يضلكم ويرديكم فكنتم أتباعه وأقرانه ( وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)

    إن القارئ الفصيح والمجوّد المتمكّن يحلق بمأموميه في معاني القرآن الكريم ويدعوهم إلى التفكر والتدبر ويسقيهم جرعات من الإيمان قوية ، فتكون الصلاة بحق صلاة خشوع وفهم ووعي يأخذ المصلي إلى رحاب الإيمان .

    اللهم اجعلنا من أهل الإيمان إلى أن نلقاك .

  17. السؤال رقم (49) :
    َمن أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن ؟..
    وما هي السورة الوحيدة التي ابتدأت ٍ باسم من أسماء الله الحسنى ؟..

    الجـــواب :
    أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن هو موسى .. وقد تكرر اسمه 136 مرة .. ولعل من أسباب تكرار قصة موسى مع فرعون أكثر من غيرها، وجود التناسب الكبير بين شريعة موسى وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
    ، وبين كتابيهما ولهذا يكثر في القرآن ذكر موسى وكتابه وبعده ذكر القرآن العظيم .

    السورة التي بدأت باسم من أسماء الله الحسنى هي سورة الرحمن .. ولقبت بعروس القرآن .. والسورة موجهة إلى الثقلين (الإنس والجن)، حيث يسألهما رب العزة بعد كل آية { فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ..
    فعند تلاوتها على الصحابة قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ويحكم ألا تردون ؟.. لقد كان الجن خيرا منكم؟
    فقالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟
    فقال لهم: قولوا ولا بأي من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد ( آلائك أي نعمك . )
    فقد بدأها الله سبحانه وتعالى بصفة عظيمة من صفاته وهي الرحمن ( وكل ما بين اسم الرحمن في أول السورة وتمجيده في آخر السورة مثال على نعم الله سبحانه وتعالى التي لا يمكن تكذيبها.


    السؤال رقم 50 :
    ثلاث سور في القرآن افتتحت بالإشارة إلى فضل العلم .. فما هذه السور؟..

    الجواب :
    السور التي افتتحت بالإشارة لفضل العلم هي: سورة الرحمن .. والقلم .. والعلق ..

    فكفى بذلك للعلم حظًا ولطالبه فخرا .. فلم يأمر الله نبيه أن يطلب الاستزادة من شيء إلا العلم .. قال {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)}( سورة طه) .. وما ذاك إلا لمكانته وشرفه .. فهنيئًا لمن كان للعلم طالبًا له عاملا به.



    السؤال رقم (51) :
    في الجزء السابع والعشرين آية استدل بها العلماء على أن مؤمني الجن يدخلون الجنة .. فما هذه الآيـــة ؟..
    الجــواب :
    قوله تعالى في سورة الرحمن: { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)}
    يقول العلامة العثيمين :وهذا يدل على أن الجن يدخلون الجنة مع ً الإنس، وهو كذلك؛ لأن الله لا يظلم أحدا .. والجن منهم صالحون ومنهم دون ذلك، منهم مسلمون ومنهم كافرون، ٍ كالإنس تمامًا، كما أن الإنس فيهم مطيع وعاص، فيهم كافر ومؤمن، كذلك الجن، والجني المسلم فيه خير يدل على الخير، ينبئ بالخير، ويساعد أهل الصلاح من الإنس، والجني الفاسق أو الكافر مثل الفاسق أو الكافر من بني آدم ً سواء بسواء، كافرهم يدخل النار بإجماع المسلمين، كما في القرآن الكريم :
    { قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ ...(38)}(الأعراف) وهذا نص القرآن، وأجمع العلماء على أن كافر الجن يدخل النار، ومؤمن الجن يدخل الجنة، ولهذا قوله تعالى في سورة الرحمن : { فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يعني: الجن والإنس، وقوله سبحانه : { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56)} يدل على أن الجن يدخلون الجنة وهو كذلك ..
    جعلنا الله من أهل الجنان ..


    السؤال رقم (52) :
    آية عظيمة في الجزء (27) عاتب الله بها عباده المؤمنين .. قال عنها ابن مسعود :ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!..
    وقال ابن عباس :إن الله استبطأ قلوب المؤمنين؛ فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن .. اذكروا هذه الآية واسم السورة ..
    الجــواب :
    هي قول الله تعالى : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)} (الحديد)
    أي: جاء الحين والأوان لأن تخشع قلوبهم لذكر الله؛ لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه ..
    وهذه الآية دعوة من الله - تعالى - أن ننظر إلى قلوبنا، ونفتش عن حالها مع الخشوع .. لنسألها:
    - أين الخشوع في صلاتنا ؟!!..
    - أين الخشوع عند تلاوة القرآن ؟!..
    - أين الخشوع عند ذكر الله ؟!..
    - أين الخشوع الذي يولد الانقياد الكامل لله رب العالمين ؟!!.


    السؤال رقم 53 :
    اسم من أسماء الله بمعنى: المنزّه والمطهر من النقائص والعيوب .. الموصوف بصفات الكمال ..
    ما هو هذا الاسم ؟.. وفي أي السور ورد هذا الاسم ؟..
    الجواب :
    اسم الله عز وجل هو: القدوس .. فهو المنزه عن الأضداد والأنداد والصاحبة والولد ، الموصوف بالكمال ، بل المنزه عن العيوب والنقائص كلها ، كما أنه منزه عن أن يقاربه أو يماثله أحد في شيء من الكمال سبحانه وتعالى
    وقد ورد في القرآن في موضعين مقترنًا باسم الملك:
    الأول: في سورة الحشر في قوله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)} :
    الثاني: في مطلع سورة الجمعة وهو قوله تعالى: { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) }



    السؤال رقم (54) :
    في الجزء الثامن والعشرين آية استنبط منها ابن القيم رحمه الله فائدة (الجار قبل الدار) ..
    فما هذه الآية؟ وفي أي سـورة وردت؟
    الجواب :
    هو قول المرأة المؤمنة المجاهدة الصابرة آسية بنت مزاحم زوجة فرعون كما ورد في القرآن الكريم :
    { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) } (التحريم).
    فقد قال العلماء: َ اختارت الجار قبل الدار وذلك أنها قدمت قولها: { عِندَكَ } على قولها: { بَيْتًا }


    السؤال رقم (55) :
    في قوله تعالى في سورة القيامة: { كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)}
    لماذا ذكر الله سبحانه الراقي دون الطبيب؟.
    الجواب :
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :قوله تعالى: { وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)}.. ذكر سبحانه الراقي دون الطبيب الذي يسقي الدواء ونحوه؛ لأن تعلق النفوس بالرُّقى أعظم


    السؤال رقم (56) :
    أكملوا ما يلي: قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه : ما نـزلت ٌ على أهل النار آية ّ قط أشد منها هي قوله تعالى: ................
    الجواب :
    في سورة النبأ { فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)} فهم في مزيد من عذاب الله أبدا


    السؤال رقم (57) :
    اختاروا الإجابة الصحيحة:
    قوله تعالى في سورة الانفطار: { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13)} ..
    النعيم المذكور في الآية يراد به:
    1 ) النعيم في الدنيا.
    2 ) النعيم في البرزخ (القبر) .
    3 ) النعيم في الآخرة.
    4 ) كل ما سبق .
    الجواب :
    يقول ابن القيم رحمه الله :ولا تظن أن قوله تعالى: { إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } يختص بيوم المعاد فقط !.. بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة: الدنيا .. والبرزخ .. والآخرة ..
    وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة ..
    وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته !!.



    السؤال رقم (58) :
    في أي سورة ورد أطول قسم في القرآن؟..
    وفي أي جزء؟.. وما جواب هذا القسم ؟..
    الجواب :
    ظ”اطول قسم في القرظ“ان في الجزء الثلاثين .. في سورة الشمس أحدَ عشر قسمًا:
    1) { وَالشَّمْسِ }
    2) { وَضُحَاهَا }
    3) { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا }
    4) { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا }
    5) { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا }
    6) { وَالسَّمَاء }
    7) { وَمَا بَنَاهَا } أي والذي بناها وهو الله سبحانه أو وبنائها
     { وَالْأَرْضِ }
    9) { وَمَا طَحَاهَا } .. أي والذي طحاها وهو الله سبحانه أو وطحوها
    10) { وَنَفْسٍ }
    11) { وَمَا سَوَّاهَا } أي والذي سواها وهو الله سبحانه أو وتسوية النفس
    أحد عشر قسمًا على قضية عظيمة هي رظ”اس الفلاح او الخسران :
    { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)}
    . فهلا اعتنينا بشأن اعتنى به ربنا تعالى وعلق عليه فلاحنا وسعادتنا في الدارين ؟!.


    السؤال رقم (59) :
    قال تعالى في سورة الضحى: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) }..
    - لماذا قال:{ فآوَى } ولم يقل: فآواك ..
    - وقال: { وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)} ولم يقل: فهداك ..
    - وقال:{ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)} ولم يقل: فأغناك ؟..
    الجواب :
    لم يقل الله عز وجل فآواك، فهداك، فأغناك؛ لأنه لو قال ذلك لصار الخطاب ًّخاصا بالنبي وليس الأمر كذلك .. فإن الله آواه وآوى به .. وهداه وهدى به .. وأغناه وأغنى به .


    السؤال رقم (60) :
    ليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ..
    استشهدوا من جزء عم بآية تدل على ذلك ..
    الجواب :
    هي قوله تعالى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)} (الشرح).
    قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. صلوات ربي وسلامه عليه ..



    33798624._SY475_.jpg

     

  18. القاعدة السابعة عشرة : { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين }

     
    حمداً لك اللهم، وصلاةً وسلاماً على خيرتك من خلقك، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فمرحى بكم في مهيع موضوعنا الشائق الرائق: (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة في أبواب المعاملات، والعلاقات بين الناس، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين } [القصص:26].

    وهذه الآية الكريمة جاءت ضمن قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين ـ في سورة القصص ـ والذي كان عاجزاً عن طلب الماء فخرجت ابنتاه للسقيا، بيد أنهما تأخرتا انتظاراً لصدور الناس عن البئر، إلا أن مروءة موسى وشهامته حملته على أن يبادر ـ من غير أن ينتظر سؤالهما ـ بقضاء حاجتهما، والسقيِ لهما، فأعجبَ هذا الفعلُ الفتاتين، فذكرتاه لوالدهما المقعد عن العمل، فأرسل في طلبه، فلما جاء وحدثه بخبره، قالت له إحداهما ـ وهي العالمة بعجز والدها عن القيام بمهام الرجال ـ :
    { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص] فقولها: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } تعليل لطلبها، فالقوة في العمل، والأمانة في أدائه على الوجه المطلوب.

    وهذا التنصيص على هذين الوصفين هو من وفور عقل هذه المرأة التي رأت اكتمال هاتين الصفتين في موسى عليه السلام، وهو دليل ـ كما سيأتي ـ أن هذا من المطالب التي يتفق عليها عقلاء البشر في كل أمة من الأمم، وشريعة من الشرائع.

    وقد أخذ العلماء ـ رحمهم الله ـ هذه الآية مأخذ القاعدة فيمن يلي أمراً من الأمور، وأن الأحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان، وكلما كانت المهمة والمسؤولية أعظم، كان التشدد في تحقق هاتين الصفتين أكثر وأكبر.

    أيها الأخ الموفق:
    إن من تأمل القرآن الكريم وجد تلازماً ظاهراً وبيّناً بين هاتين الصفتين (القوة والأمانة) في عدة مواضع، ومن ذلك:
    ما وصف الله به مبلغ الوحي والرسالات إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ـ جبريل ـ في قوله سبحانه:
    { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين (21)} [التكوير]
    فانظر ـ يا عبدالله ـ كم وصفاً وصف الله به هذا الرسول الملكي الكريم؟! ومن ذلك وصفه بالقوة والأمانة، وهما من أعظم عناصر النجاح والكمال فيمن يؤدي عملاً من الأعمال.

    والموضع الثاني من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة، فهو قول يوسف عليه السلام للملك :
    { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} [يوسف:55]. "أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه" [تفسير السعدي:400].

    ولا يخفى أن إدارة أموال مجموعة من الأيتام تحتاج إلى هاتين الصفتين فكيف بإدارة أموال تتعلق بجماعة، أم كيف بإدارة أموال دولة بأكملها، ولهذا أبرزَ يوسفُ عليه السلام هاتين الصفتين، ومدح نفسه بهما، لا لذات المدح، بل لأن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك يقتضي مبادرة في ضبط إدارة أموالها، خصوصاً وقد كانت مقبلة ـ بحسب الرؤيا ـ على سنين عجاف مجدبات، تحتاج إلى حكمة وتعقل في الصرف.

    أما الموضع الثالث من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة في القرآن الكريم فهو ما جاء في قصة سليمان عليه السلام، وهو يعرض على من كان عنده أمر إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ:
    { قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)} [النمل].

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: 
    معلقاً على هذه المواضع الثلاثة بكلام نفيس، أنقل منه ما يناسب المقام: "وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة كما قال تعالى: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين }، والقوة في كل ولاية بحسبها: فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدْعَةٌ، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر...، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وتركِ خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حَكم على الناس في قوله تعالى: 
    { فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} [المائدة] إلى أن قال: "اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوةً، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً فيها، فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر.
    ثم قال: مبيناً منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج في هذا الباب: "ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل الرجل لمصلحةٍ مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان"

    ثم لخص كلامه الطويل في تعليقه على هذه الآية بقوله: "والمهم ـ في هذا الباب ـ معرفةُ الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَتْ المقاصد والوسائل تَمَّ الأمر" [السياسة الشرعية ـ مع تعليق شيخنا العثيمين عليها ـ ص:42-63 باختصار وتصرف].

    وكان قد قال كلمة ينبغي أن نعيها جيداً ـ معشر المستمعين والمستمعات: "ثم إن المؤدي للأمانة ـ مع مخالفة هواه، يثبته الله، فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله، ويذهب ماله، وفي ذلك الحكاية المشهورة، أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك؟ فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين أقفرتْ أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم - وكان في مرض موته - فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم، وهم بضعةَ عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بَنَيّ! والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني!
    قال هذا العالم ـ الذي يحكي هذه القصة ـ: فلقد رأيت بعض بنيه، حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها.
    قلت (والكلام لابن تيمية): هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصى المشرق بلاد الترك، إلى أقصى المغرب، بلادالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص، وثغور الشام والعواصم، إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحدٍ من أولاده، من تركته شيئاً يسيراً، يقال: أقل من عشرين درهماً ! قال ـ أي هذا العالم الذي يحدث بهذه القصة القصة ويعظ ذلك الخليفة العباسي ـ: وحضرتُ بعض الخلفاء، وقد اقتسم تركتَه بنوه، فأخذ كلُّ واحدٍ منهم ستّمائة ألف دينار، ولقد رأيتُ بعضهم، يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه!!

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب" [السياسة الشرعية ـ مع تعليق شيخنا العثيمين عليها ـ ص:29-31، وسيرة عمر بن عبدالعزيز:338].

    ختاماً من أراد أن يتوسع في فهم معاني هذه القاعدة القرآنية العظيمة، فليراجع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية".
    رزقنا الله وإياكم فهمَ كتابه والعمل به، وجعلنا وإياكم ممن يقوم بحق ما ولاه الله عليه، والحمد لله رب العالمين.
    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

    يتبع

  19. { مثل الحياة الدنيا }

    فَقِهَهُ معكم : الدكتور عثمان قدري مكانسي
     
    بسم الله الرحمن الرحيم
    { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شي مقتدراً }.

    كثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل:

    1- كما قال تعالى في سورة يونس :{ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام } الآية

    2- وقال سبحانه في الزمر: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يُخرج به زرعا مختلفا ألوانه } الآية

    3- وقال عز وجل في سورة الحديد : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ...} الآية

    4- وفي الحديث الصحيح : ( الدنيا خَضِرة حلوة ).

    5- وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع , كذلك الدنيا لا تـُبقى على واحد, ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا , ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى , ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله دون أن يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها , ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا مُنبِتا , وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا كذلك الدنيا: الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله , إني أريد أن أكون من الفائزين ; قال :
    ( ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يُطغي ) .
    وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم :
    ( قد أفلح من أسلم ورزق كَفافا وقنّعه الله بما آتاه ) .

    6- { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } كقوله :
    { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ....} الآية وقال تعالى :
    { إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } فالإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمعِ لهم والشفقةِ المفرطة عليهم ولهذا قال :
    { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا }.

    7- قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس

    8- وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر

    9- سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

    10- جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال :
    ( من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات )

    11- قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

    12- وعن أبي سعيد الخُدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    ( استكثروا من الباقيات الصالحات )
    قيل وما هن يا رسول الله ؟
    قال:  ( الملة )
    قيل وما هي يا رسول الله ؟
    قال
    image.gif.36e3b4783ac6f78f939e4ff80e2c2587.gif (التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ) رواه أحمد .

    13- عن أيوب الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول :
    ( عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم عليه السلام فقال يا جبريل من هذا الذي معك ؟ فقال محمد فرحب بي وسلم ثم قال مُرْ أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقلت وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ).

    14- وعن شداد بن أوس رضي الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
    ( إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمةَ على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب ).

    15 ـ { ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً }
    وهنا يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، فيقول :

    أ ـ { يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا } إنها تذهب من أماكنها وتزول والموران التخرك القويّ السريع "

    ب - { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب }

    جـ - { وتكون الجبال كالعهن المنفوش }

    د- { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } إنّ الجبال تضمحل وتتساوى المهاد وتبقى الأرض قاعا صفصفا (سطحا مستويا) لا عوج فيه ولا أمتا (لا واديَ ولا جبل) وانظر قوله تعالى:
    { وترى الأرض بارزة } (بادية ظاهرة) ليس فيها مَعْلم لأحد ولا مكان يواري أحدا فالخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.

    16- { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }
    لقد جمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحدا (صغيرا ولا كبير) ألم يقل عز وجل :
    { قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ويقلْ :
    { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } .

    17-{ وعرضوا على ربك صفاً }
    فهو تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه الجميع: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حُجتكم ويسّروا جوابا فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب .

    18- { لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة }
    لقد جئتمونا حفاة عراة , لا مال معكم ولا ولدَ ،بل فرادى ، ألم يقلْ سبحانه :
    { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام : 94 ] .

    19- { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً }
    هذا خطاب لمنكري البعث فقد زعموا أنهم لن يُبعثوا وأن لن يجعل الله لهم موعدا للبعث . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
    ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )
    قلت : يا رسول الله آلرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟
    قال : ( يا عائشة , الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ) .
    " غرلا " غيرَ مختونين

    20- { ووضع الكتاب } كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والنقير (والثفروق) والصغير والكبير
    { فترى المجرمين مشفقين } خائفين من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة { ويقولون يا ويلتنا } و يا حسرتنا ويا ويلنا على ما فرط في أعمارنا "

    21- { ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } فهو لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر إلا أحصاها وضبطها وحفظها . وروى الطبراني عن سعد ابن جنادة قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
    ( اجمعوا، من وجد عودا فليأت به ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به )
    قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
    ( أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجلٌ ولا يذنبْ صغيرة ولا كبيرة فإنها مُحصاة عليه ) .

    22- وقوله : { ووجدوا ما عملوا حاضرا } من خير وشر،

    أ‌- ـ فقد قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا... }

    ب‌- ـ وقال تعالى : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر }

    ت‌- ـ وقال تعالى : { يوم تبلى السرائر } فتظهر المخبآت والضمائر، ولا يجوز على الله شيء.

    ث‌- ـ فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    ( لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به ) أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ :
    ( يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان ).

    23- { ولا يظلم ربك أحدا } فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا ولا يظلم أحدا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي ثم ينجي أصحاب المعاصي ويُخلّد فيها الكافرين.

    أ‌- ـ وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم قال تعالى { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ...} الآية

    ب‌- ـ وقال : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين }.

    ت‌- ـ وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول :
    بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا فسرت عليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله : قلت نعم فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
    ( يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بهما )
    قلت وما بهما ؟
    قال : ( ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه حتى اللطمة )
    قال : قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟
    قال : ( بالحسنات والسيئات ).

    ث‌- ـ وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    ( إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة ) رواه عبد الله بن الإمام أحمد .

  20.  

    التصوير الحسي

    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    الإنسان روح وفكر وقلب ، والإنسان ـ كذلك ـ عين وسمع وذوق ولمس وشم . .
    فهو معنوي ومادي بآن واحد ، وإذا عجز أحياناً عن الوصول إلى الفكرة الشفافة ذهناً وصل إليها مادة وحساً . . فهو أولاً وآخراً مخلوقٌ من صلصالٍ من حمأٍ مسنون ، من طين لازب .
    وقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أستاذ المربين مع أصحابه على هذا الأساس ، فقرب إليهم الفكرة والإيمانَ بها بعد العقل والتدبير ، رؤية ولمساً ، فحرك المشاعر واستجاش الخواطر ، ووطد أركان الإيمان ودعائم الإسلام في نفوسهم . . فكانوا ـ كنبيّهم ـ قرآناً يمشون على الأرض .
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا يوم القيامة من أهل النار ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم : هل رأيت خيراً قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول : لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيُصبَغ صبغة في الجنة ، فيقال له : هل رأيت بؤساً قط ؟! فيقول : لا والله يا رب ، ما مر بي بؤس ولا رأيت شدة قط )(1) .
    إنها صورة ترتجف لها القلوب وتزهق لها الأرواح . . تقرب إلى الفهم صورة الكافر في النار ـ نعوذ بالله منها ـ فتنخلع الأفئدة ، وتطيش العقول .
    ما هذه الصبغة التي تنسي نعيم الدنيا وفتونها ..؟!
    ما هذه الغطة الرهيبة التي تغطي على بهارج الحياة الدنيا وغرورها ؟!
    لمثل هذا فليحذر الحاذرون ، وليرْعَوِ الغافلون .
    بل ما هذه الصبغة التي تُنسي بنعيمها من شقي في الدنيا سنوات وسنوات ؟!
    ما هذه الحياة الرضية التي تنسي مآسي الدنيا الدنية ، فيقسم الإنسان ـ وهو صادق ـ أنه لم يعرف البؤس قط ؟!.
    ما أجمل الجنة إذ يرى فيها المؤمن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ! ...
    لهذا فليعمل العملون وليتسابق المتسابقون ، نسأل الله أن نكون منهم .
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( صنفان من أمتي لم أرهما(2) : قوم معهم سياط من نار كأذناب البقر ، يضربون بها الناس .ونساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا)(3)
    إنهما فئتان ممن يدَّعون الإسلام وليسوا بمسلمين :
    من يا رسول الله ؟
    إنهم الظَّلَمةُ الذين يعذبون الناس ويخيفونهم ، ويُلهبون وجوههم وأجسادهم بسياط تلسع كالنار ، وزبانيتُهم الذين قرنوا أنفسهم بهم ، يَصدرون عن أوامرهم وينفذون تعليماتهم ، لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، يسلبونهم ، يهينونهم ، يقهرونهم . . ليسوا منا ولسنا منهم . . لا يدخلون الجنة ، بل لا يدنون منها ، بل هم بعيدون لا يشمون رائحتها ، وإن رائحتها لتصل إلى الناس عن بعد بعيد ، ومسافة كبيرة . .
    وإنهن النساء اللواتي خلعن برقع الحياء ، وأمَطنَ حجاب الطهر والعفاف ، يلبسن وهنّ في الحقيقة لا يسترن أجسادهن .
    يرتدين الثياب الرقيقة ، فلا تحجب عن العيون النهمة والذئاب الجائعة شيئاً .
    ويرتدين الثياب القصيرة ، فلا ترد عن السوق والأفخاد وقاحة الغربان الجائعة . ويرتدين الثياب الفاضحة ، عارضات الشعر والأعناق والصدور والنهود لكل من يرغب ، فلا يتمنّعن عن لمس الفاسقين وإجابة الفاجرين ، يتزيَّن للزنا ويتهيأن للخنا .
    هؤلاء وهؤلاء لم يرَهُم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرضت عليه النار فرأى أهوالها ، إنما يأتون في أخَرة من الحياة . . وها نحن الآن نراهم بيننا ، وما أكثرهم ! ظلمٌ وإرهاب وقهر وإيذاء للمسلمين وللذين بدينهم يتمسكون ، هؤلاء هم الصنف الأول .
    وفسق ودعارة ، ودعوة إلى الفساد وترويجٌ للفجور على صفحات المجلات والجرائد ، وفي وسائل الإعلام ، المسموعة ، والمرئية ، في الشوارع والطرقات . . بلاء . . بلاء . . وهؤلاء هن من الصنف الثاني .
    فليحذر الحاذرون وليعُد إلى دينهم المسلمون .
    إنه تصوير واضح لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
    وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ( عُرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرُهيط(4) ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد ، إذ رُفع لي سوادٌ عظيم ، فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه . ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) .
    ثم نهض فدخل منزله صلى الله عليه وسلم فخاض الناس في أولئك(5) ،
    فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ، فلم يشركوا بالله ،
    وذكروا أشياء . . فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما الذي تخوضون فيه ؟).
    فأخبروه فقال : هم الذين لا يَرْقون ولا يستَرْقون(6) ، ولا يتطيرون(7) وعلى ربهم يتوكلون . فقام عُكـّاشة بن مِحصَن فقال : ادع الله أن يجعلني منهم .
    فقال : ( أنت منهم ) .
    ثم قام رجل آخر فقال : ادعُ الله أن يجعلني منهم .
    قال : ( سبقك بها عكاشة(8) ) .
    الحديث كله صورة شعرية امتدت زمناً استغرق جلوس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، يعرض عليهم صورة حية ، تشترك فيها الحواس البصرية والسمعية ، وتتحرك آلة التصوير فيها نحو الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فهذا وحده ، وهذا معه رجل ورجلان ، وهذا معه عدة رجال ، وهذا عدد المؤمنين به وافر . .
    وفجأة يظهر جمع عظيم يظنه الرسول صلى الله عليه وسلم جمع المسلمين ، فيقول له مرافقه من الملائكة : هذا موسى والمؤمنون به ، وهم كثر ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد أن المسلمين أكثر ، وهذا صحيح فقد ظهر جمع المسلمين يسد الأفق ، ويتقدم نحو منصة سيد الأنبياء ، فيشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسعادة تغمره ، فأتباعه كثيرون ، وكثرتهم زيادة في فضله ، فهو هاديهم وبسببه أسلموا وعرفوا ربهم .
    والمسلمون ينظرون بعيون بصائرهم إلى اللوحة التصويرية التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتفاعلون ويتحمسون ، ويرجون أن يكونوا من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب .
    ويدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، ويظل بعض المسلمين في المسجد يتحاورون ويعللون ، يريدون أن يعرفوا فضل هؤلاء والسبب الذي جعلهم يفوزون بالجنة بغير حساب ، ليسيروا على نهجهم ، ويتخلقوا بأخلاقهم ، فيفوزوا بالجنة مثلهم .
    إن هذا التصوير البديع الذي عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أوْصلَ العظة التي أرادها الرسول الكريم أن تمتزج بالنسائم التي يستنشقونها ، وتختلط بدمائهم ، وأنفاسهم ، ونجح رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . فهذا عكاشة بن محصن يسأل رسول الله أن يكون واحداً منهم ، فكافأه رسول الله على نباهته ومبادرته وبشره أنه واحد منهم ، ويسأله آخر أن يكون منهم . . فينبهه المعلم العظيم أنه ضيع على نفسه الفرصة حين تأخر عن عكاشة ، وأنه كان عليه أن يسبقه ، فالنجاح حليف المتنبهين اليقظين الذين يغتنمون الفرص فلا يُفَوتوّنها ، وهكذا نجح رسول الله مرة أخرى في إثارة الحوافز والدفع إلى التنافس ، صلى الله عليه وسلم .
    وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ :
    ( مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار غَمْر(9) على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ) (10) .
    صورة أخرى متحركة ، تمثل مكاناً جميلاً فيه نهر كثير الماء ، بنى أحدهم بيته إلى شاطئه ، يغتسل فيه صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً خمس مرات كل يوم . . أين منه القذارة ؟ إنها لا تعرفه ولا يعرفها ، بدنه نظيف ، ورائحته طيبة ، بعيدٌ عن الأدران والأمراض ، تتجد خلايا جسمه باستمرار . .
    هذه هي الصلوات الخمس يقابل الإنسان ربه فيها ، فيناجيه ، ويناديه ويسأله العفو والمغفرة ، العفو عن زلاته ، وغفران خطاياه ، مُحِب يلقى حبيبه فياحدثه باللغة التي يحبها ، يقف أمامه معظماً ، ويسجد له مقراً بالربوبية ، لا يشغل نفسه إلا به ، فإذا انتهى من صلاته سبحه وحمده وكبّره ، وختم ذلك بتوحيد الله وإفراده بالألوهية .
    خمس مرات في اليوم ! . . تقف في باب ملك الملوك , وفاطر السموات والأرض تضْرع إليه ، وتعاهده على العبودية لجلاله ! ! . أنت إذن دون ذنوب ، قريب إلى مولاك ، يقول لك : لقد رضيت عنك يا عبدي لقد رضيت . .
    وكثيراً ما نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقرن التصوير الحسي بالحركة المعبرة أو الرسم والإيضاح :
    فمثال الأول ( الحركة المعبّرة ) : ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضاً " وشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه " )(11) .
    فأنت ترى جداراً من المؤمنين قوياً مرصوصاً لا فرجة فيه ، كل مؤمن يسد ثغرة أخيه ، ويمنعه أن يقع أو يميل ، يعينه على أمر دينه ، ويرفع معنوياته ، يساعده مادياً ومعنوياً ، يدله على الخير ويوضح له طريقه ، ويبعده عن الشر ويحذره الوقوع فيه ، يدافع عنه ويحمي ظهره أن يقع فيه بنميمة أو غيبة أو أذى .
    ولم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا التشبيه الواضح الجلي ؛ إنما شبك بين أصابع يديه العشر ، فبدت لحمة واحدة ، وكتلة متماسكة لا ينفذ منها الماء ولا الهواء ، فهي وإن كانت عشر أصابع قطعة ٌواحدة على عدوات الدهر . وهكذا المسلمون بعضهم لبعض .
    ومن مثاله أيضاً : ما رواه سفيان بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال :
    قلت : يا رسول الله ، حدثني بأمر أعتصم به .
    قال : قل : ربي الله ، ثم استقم .
    قلت : يا رسول الله ، فما أخوف ما تخاف علي ؟
    فأخذ ـ عليه الصلاة والسلام ـ بلسان نفسه ثم قال : ( هذا )(12) .
    فالصحابي سفيان رضي الله عنه يحتاط لآخرته فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدله على أمر يتمسك به ، ويعيش عليه ليلقى ربه ناجياً من عذابه ، فيأمره الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بشيئين :
    الأول : أن يؤمن بالله رباً لا شريك له ، يعبده ويخلص في عبادته .
    الثاني : أن يستقيم في حياته ، فيقرن الإيمان بالعمل . .
    فالله تعالى لا يقبل إيماناً بلا عمل ولا عملاً بلا إيمان ، لأن الإيمان الخالص بالله يترجمه إلى واقع الالتزام بتعاليمه ، فيأتمر بأوامره ، وينتهي عن نواهيه ، وإلا ما كان إيماناً. ... يجب أن يكون الظاهر كالباطن ، والعلانية كالسر ، وإلا كان النفاق والكذب والمراءاة ، وهذه صفات ينأى عنها المسلم ويأباها .
    فلما سأله الصحابي عن أشد ما على الإنسان أن يخافه ليكون على حذر منه ، فاجأه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجواب عمليّ لن ينساه . . ما هو ؟! . .
    إليك هذا التصوير العملي : فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم فمه الطاهر ، وأخرج لسانه الشريف ، وأمسك به ، ورآه سفيان يفعل ذلك فانتظر التوضيح ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينبس إلا بكلمة واحدة . . ( هذا ) . .
    سبحان الله!. . وماذا يفعل اللسان بصاحبه ؟ .
    إنه يرفعه مكاناً علياً ، أو يخفضه في حفرة من حفر النار .
    وفي رواية أخرى لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لسانه وقال : ( كف عليك هذا ) ، قال : أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به ؟ كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرَ عجباً ، كان على صيغة السؤال الإنكاري الذي يوضح الفكرة ويؤكد المعنى : ( وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ؟! ) . لقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم العظة بالكلام ، العظة بالحركة والإشارة ، فكانت عظته بالغة وتحذيره واضحاً .
    وحبذا استخدام الداعية بعضاً من حواسه لخدمة الدعوة وتثبيتها في نفوس الناس
    ومثال الثاني ( الرسم والإيضاح ) : ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً ، وخط خطاً خارجاً منه ، وخط خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط ، فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به ، وهذا الذي خارج ( أي عن الخط ) أمله ، وهذه الخطوط الصغار والأعراض هي الحوادث والنوائب المفاجئة ، فإن أخطأ هذا نهشه هذا وإن أخطأه كلها أصابه الهرم(13) .
    وهذا هو المخطط الذي خطه عليه الصلاة والسلام :

    image.png.d68d3393fd98ef8e3634466036009894.png


    فبين لهم عليه الصلاة والسلام بالخطوط التي رسمها بعض المفاهيم الهامة ، وقرّب إليهم بعض التصورات المفيدة .
    وفي الحديث الذي رأيناه بيّن رسمُ النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض كيف يحال بين الإنسان والآمال الواسعة بالموت المباغت ، أو الحوادث النازلة ، أو الهرم المضني المقعِد .
    وهو توضيح جميل من المعلّم الأول عليه الصلاة والسلام (14) .
    ومن المثال الثاني كذلك ( الرسم والإيضاح ) ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فخط بيده في الأرض خطاً ـ هكذا ـ فقال : هذا سبيل الله ، وهذه سبل الشيطان ، ثم وضع يده في الخط الأوسط ثم تلا هذه الآية :
    { وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الأنعام ـ 153(15) .

    وأنموذج الخطوط كما يلي :

    image.png.e5a2aa948ccdc88bc757433711fc094c.png



    فبين لهم عليه الصلاة والسلام بما رسمه لهم على الأرض ، أن منهج الإسلام هو الصراط المستقيم الموصل إلى العزة والجنة ، وأن ما عداه من المبادئ والنظم والأفكار . . هي سبل الشيطان ، وطرقه الموصلة إلى الدمار والنار .(16)

    الهوامش:

    (1) أخرجه مسلم
    (2) لم يرهما في حياته فقد كانت الجاهلية إذ ذاك أكرم من جاهليتنا هذه فلا سجون ولا تعذيب بالكهرباء وقلع الأظافر وإذابة الأجساد بالأسيد و ...وكانت النساء مستورات محتشمات لا تظهر مفاتنهن .
    (3) رواه مسلم .
    (4) الرُهيط : تصغير الرهط وهي الجماعة دون العشرة .
    (5) خاض الناس في أولئك ـ تكلموا وتناظروا بما يميز السبعين ألفاً .
    (6) لا يطلبون الرقية .
    (7) لا يتطيرون : من الطيرة وهي التشاؤم .
    (8) متفق عليه ، ورواه الترمذي .
    (9) الغَمْر : الكثير الماء .
    (10) رواه مسلم ، ومن رياض الصالحين الحديث / 427 .
    (11) رواه الشيخان .
    (12) رواه الترمذي في سنته .
    (13) رواه البخاري في صحيحه (عن تربية الأولاد في الإسلام ج/2 ، ص/682).
    (14) تربية الأولاد في الإسلام ، ج/2 ، ص/683 .
    (15) رواه الإمام أحمد في مسنده . سورة الأنعام : الآية ( 153 ) .
    (16) تربية الأولاد في الإسلام .


  21. الحمد لله القائل: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾[1]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» متفق عليه[2]، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
     
     
    أما بعد:
     
    ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[3].
     
    أيها الأحبة:
     
    في الجُمَع الماضية شاهدنا كيف أنّ من أهم أسباب دفع البلاء بعدَ التوكلِ على الله والظنِّ به سبحانه ظناً حسناً، اللجوءُ إليه ودعاؤه واستغفاره وملازمة ذلك سراً وجهراً ليلاً ونهاراً، واليوم أيها الأحبة ينبغي أن نَعلم أن الصدقةَ مِن أهمِّ أسباب دفع البلاء قبل وقوعه وبعد وقوعه، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» متفق عليه.[4]
     
     
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي هذا الحديث من الفوائد... أن الصدقةَ تدفَعُ العذاب"[5].
     
     
    وقال العلامة ابن القيم: "للصدقة تأثيرٌ عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل مِن كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاءِ، وهذا أمرٌ معلوم عند الناس، خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلُّهم مُقِرُّون به؛ لأنهم قد جرَّبوه"[6].
     
     
    وقال رحمه الله: "في الصدقة فوائدُ ومنافع لا يحصيها إلا الله؛ فمنها أنها تقي مصارعَ السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفَعُ عن الظالم" اهـ [7].
     
     
    أيها الأحبة:
     
    وفي شأن الأمراض والأوبئة خاصة نجد قوله صلى الله عليه وسلم: «وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» [8] قال ابن الحاج رحمه الله: "والمقصود من الصدقة أن المريض يشتري نفسه من ربه سبحانه بقدر ما تساوي نفسه عنده، والصدقة لا بد لها من تأثير على القطع؛ لأن المخبر صلى الله عليه وسلم صادق، والمخبَر عنه كريم منان"[9]، ويذكر بعضهم أن رجلاً سأل ابن المبارك عن قرحة في ركبته لها سبع سنين، وقد أَعْيَتْ الأطباء فأمره بحفر بئر يحتاج الناس إليه إلى الماء فيه، وقال: أرجو أن ينبع فيه عين فيمسك الدم عنك[10]، وقد تقرح وجه أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك قريباً من سنة فسأل أهل الخير الدعاء له فأكثروا من ذلك، ثم تصدق على المسلمين بوضع سقاية بنيت على باب داره وصب فيها الماء فشرب منها الناس، فما مر عليه أسبوع إلا وظهر الشفاء وزالت تلك القروح وعاد وجهه إلى أحسن ما كان.[11]
     
     
     
    كيف لا يكون ذلك؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الْمَعْرُوفُ إِلَى النَّاسِ يَقِي صَاحِبَهَا مَصَارِعَ السُّوءِ، وَالْآفَاتِ، وَالْهَلَكَاتِ"[12].
     
     
    ثم لنلاحظ ما قاله صلى الله عليه وسلم حين فزع الناس لكسوف الشمس: قال «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا»[13]، قال ابن دقيق العيد رحمه الله في شرحه له: "وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ، لِاسْتِدْفَاعِ الْبَلَاءِ الْمَحْذُورِ"[14][15].
     
    أقول قولي هذا وأستغفر الله..
     
    الخطبة الثانية
     
    الحمد لله جعل الصدقة تُطفئ غضَبَه، وتمحو خطايا بني آدم وتُذهِبُ نارَها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أخبرنا أنّ من السبعةِ الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» متفق عليه،[16] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. 
     
    أمّا بعد:
     
    فاتقوا الله عباد الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾.[17]
     
     
    كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ» فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. متفق عليه[18].
     
    أيها الإخوة:
     
    والشيء بالشيء يُذكر فإنّه لما أعلنت الجهات المختصة محدودية عدد الحجاج هذه السنة جمعاً بين مقاصد الشريعة في حفظ النفوس من انتشار هذا الوباء، وتلبيةً لنداء المولى جل وعلا بالحج، فإنّي أذكر كلام الإمام أحمد رحمه الله حينما سُئل: أيحج نفلاً أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحب إلي، ونقل ابن هانئ في هذه المسألة أنه قال: "ضَعُهَا فِي أَكْبَادِ جَائِعَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ"[19]، وذكر ابن الجوزي رحمه الله في "كتاب صفة الصفوة" عن بشر بن الحارث: "الصدقة أفضل من الحج والعمرة والجهاد"[20] فعلى من لم يستطع الحج أن يستحضر مثل هذه النصوص ويحتسب في دفع صدقاته لعل الله عز وجل يقبل منا ومنه ويصرف عنّا هذا الوباء وهذه النذر التي توالت..
     
    اللهم ادفع عنا كل بلاء ووباء وفتنة وشر..
     
    ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾.[21]
     
     
    [1] [إبراهيم: 31].
     
    [2] متفق عليه؛ أخرجه البخاري (6539)، ومسلم (1016).
     
    [3] [التغابن: 16].
     
    [4] متفق عليه؛ أخرجه البخاري (304)، ومسلم (889).
     
    [5] فتح الباري لابن حجر (1/ 406).
     
    [6] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 31).
     
    [7] عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 254).
     
    [8] حسن لغيره؛ أخرجه أبو داود في "المراسيل"(105)، وحسنه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (3492).
     
    [9] المدخل لابن الحاج (4/ 141).
     
    [10] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 321).
     
    [11] ذكره البيهقي في شعب الإيمان (5/69).
     
    [12] صحيح؛ أخرجه الحاكم في المستدرك"(943)، وصححه الألباني في "الصحيحة"( 1908). وفي لفظ عند الطبراني في الأوسط(943): "إِنَّ صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ".
     
    [13] متفق عليه؛ أخرجه البخاري(1044)، ومسلم (901).
     
    [14] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 353).
     
    [15]مختصر من مقال: سنابل الخير لفيصل البعداني 
     
    [16] متفق عليه؛ أخرجه البخاري (1423)، ومسلم (1031).
     
    [17] [الحج: 1].
     
    [18] متفق عليه؛ أخرجه البخاري (1461)، ومسلم (998).
     
    [19] الفروع وتصحيح الفروع (4/ 386).
     
    [20] صفة الصفوة (1/ 477).
     
    [21] [الأحزاب: 56].
     
    شبكة الالوكة

    • أثبت العلماء حديثاً أن الأماكن الأثرية حيث توجد الأهرامات في مصر، كانت ذات يوم مليئة بالأنهار والغابات. وهذه الحقيقة العلمية لم يتم التأكد منها إلا في منتصف عام 2012 في دراسة علمية استغرقت عدة سنوات. ولكن المذهل أن القرآن تحدث بدقة تامة عن هذه الحقيقة قبل أكثر من 1400 سنة، فسبحان الله!
    •  
       

      اعتقادات العلماء حول مصر القديمة

      اعتقد العلماء سابقاً أن الفراعنة شيدوا الأهرامات في مناطق صحراوية كما يشاهدونها اليوم. ولكن تبين أن هذا الاعتقاد خاطئ. فقد بحث العلماء طويلاً عن أسرار الفراعنة وأسرار بناء الأهرامات، واطلعوا على كثير من الرقم والآثار المكتوبة. ولكن لم يعثروا على دليل علمي يظهر نوعية البيئة التي كانت سائدة في ذلك الزمن.

      المعروف أن الفراعنة بنوا حضارتهم قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، وكان لديهم قوة هائلة وتقنيات متطورة ودرسوا علوم الكيمياء والتحنيط وفن البناء وعلم الفلك، وتبين الدراسات التاريخية أن الناس في ذلك الزمن كانوا يعيشون في رفاهية ونعيم وبيئة مناسبة للتطور والازدهار.



      هذه بيئة الأهرامات الصحراوية كما نراها اليوم. إن الذي يتأمل هذه المنطقة يتوقع أنها كانت هكذا منذ آلاف السنين، ولا أحد يتوقع أن هذه الرمال تخفي تختها أنهاراً ومياه تدفقت لآلاف السنين ثم اختفت بفعل التغير المناخي الذي يضرب مختلف مناطق الكرة الأرضية كل عدة آلاف من السنوات.

      دراسات تاريخية وعلمية جديدة

      يقول باحثون: إننا وللمرة الأولى نكتشف أن تغير المناخ هو سبب رئيسي في انهيار الحضارات مثل حضارة الفراعنة في مصر القديمة قبل 4000 سنة (حسب الديلي ميل 29 -5- 2012). وقام البروفسور Liviu Giosan بدراسة معمقة لخمس سنوات مع فريق من الباحثين، وباستخدام بيانات القمر الصناعي حيث وجد فيها أن غزارة الأنهار ساهمت في تشكل هذه الحضارات القديمة، وبسبب زوال هذه الأنهار زالت الحضارات واختفت تدريجياً عبر آلاف السنين.

      يربط العلماء في هذه الدراسة بين ازدهار الحضارة وغزارة الأنهار المتدفقة في منطقة ما. فالصحراء العربية مثلاً والتي تمتد من مصر إلى ليبيا والجزائر لآلاف الكيلومترات كانت ذات يوم مزدهرة والأنهار تتدفق فيها.



      يقول البروفسور Michael Petraglia من جامعة أكسفورد: هذه الرمال تخفي تحتها شبكة هائلة من الأنهار التي كانت ذات يوم تغذي الحضارة المصرية، والتي مكنت الفراعنة من إقامة مملكة عظيمة وذلك قبل خمسة آلاف سنة تقريباً.

      وفي دراسة جديدة (حسب جريدة ديلي ميل العدد 17-8- 2012) حيث قام باحثون بتحليل مستويات الفحم وغبار الطلع الذي يعود لسبعة آلاف سنة فوجدوا أن تغير المناخ وجفاف الأنهار أدى لانهيار الحضارة المصرية القديمة.

      فقد أظهرت وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS أن الذين بنوا الأهرامات وعلى الرغم من قوتهم وقوة حضارتهم إلا أن المناخ كان أقوى منهم فلم يتمكنوا من الصمود أمام تغير المناخ. فقد لاحظ الباحثون زيادة مستويات الفحم في زمن الجفاف بفعل النيران. ووجدوا كميات أقل من غبار الطلع مما يدل على اختفاء النباتات من تلك المنطقة.



      تخبرنا الدراسات العلمية الجديدة أن الفراعنة نحتوا هذه التماثيل في أرض مليئة بالحياة والماء والأشجار، ولكن عوامل الجفاف وتغير المناخ سبب نزوح السكان وتصحّر هذه المنطقة واختفاء معظم أشكال الحياة منها!

      البروفسور Benjamin Horton من جامعة بنسلفانيا يؤكد أن الأحداث التي مرت بها مصر القديمة من ازدهار للحضارة وتغير للمناخ واختفاء الأنهار وزوال هذه الحضارة، هذه الأحداث مسجلة بدقة على ذرات الفحم وعلى حبوب الطلع ومخلوقات مجهرية أخرى، ولولا ذلك لم نتمكن من رؤية الماضي ومعرفة هذه الأحداث.

      صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر كيف انقرضت الحياة البشرية من معظم أنحاء مصر وانحصرت الحياة فقط في منطقة نهر النيل (الشريط الأخضر). ويؤكد العلماء أن هذه المنطقة الصحراوية كانت ذات يوم خضراء مزدهرة ومليئة بالبحيرات والأنهار والنباتات وكانت الينابيع تتدفق في كل مكان.

      إشارة قرآنية رائعة

      والآن وبعدما اطلعنا على هذه الدراسات العلمية التي عرضت للمرة الأولى عام 2012 دعونا نتأمل كتاب الله تعالى وسنة نبيه الأعظم، وكيف تناول القرآن هذه الحقيقة العلمية قبل أربعة عشر قرناً، وهل يتطابق العلم مع القرآن؟ لنقرأ:

      1- لقد أخبر القرآن في عدة مواضع بقصة فرعون والنعيم الذي كان يتمتع به والخيرات التي أعطاها الله له، ولكنه تكبر وكفر فأهلكه الله وأغرقه بذنوبه. يقول تعالى:

      (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الزخرف: 51].

      والمعجزة تكمن في قوله: (وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي) إشارة إلى وجود أنهار في مصر القديمة وهو ما لم يكن معلوماً زمن نزول القرآن الكريم.

      العلماء يؤكدون أن مصر القديمة زمن الفراعنة كانت مليئة بالمزارع والنباتات وأشجار الفاكهة، واستدلوا على ذلك من خلال الكميات الكبيرة والمتنوعة من غبار الطلع، والتي عثروا عليها مخبأة في رمال الصحراء لمدة سبعة آلاف عام!

      وهذه الحقيقة العلمية أشار إليها القرآن أيضاً في قصة فرعون وكيف أخرجه الله من النعيم الذي كان يتمتع به، يقول تعالى:
      (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) [الشعراء: 57-
      58].
      ولو تأملنا قوله تعالى: (جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) نجد فيه إشارة واضحة جداً لوجود البساتين والينابيع وهو ما أثبته العلماء اليوم.

      2- الدراسة الجديدة تؤكد أن الصحراء العربية في شمال أفريقيا ليست الوحيدة التي ازدهرت فيها حضارات بفعل الأنهار والغابات والمروج، إنما هناك منطقة في صحراء الربع الخالي في شبه جزيرة العرب كانت تتمتع بشبكة من الأنهار والحضارات دفنتها رمال الصحراء!



      صورة حديثة بالأقمار الاصطناعية لمنطقة الربع الخالي في الجزيرة العربية، تظهر وجود بحيرة كبيرة ومجموعة من الأنهار دفنتها الرمال قبل آلاف السنين. ويحاول العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التنبؤ بمستقبل هذه المنطقة وتؤكد الدراسات العلمية أنها ستعود كما كانت أنهاراً ومروجاً خلال السنوات القادمة.

      لدينا حديث عجيب يمثل معجزة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يؤكد فيه أن منطقة صحراء الجزيرة العربية كانت مليئة بالأنهار والمروج يقول فيه:

      (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وانهاراً) [رواه مسلم].
      والأبحاث العلمية تقول إن دورة المناخ تنتقل من منطقة لأخرى، وبعد مدة محددة سوف تهطل كميات كبيرة من الأمطار في منطقة الربع الخالي مما يؤدي لعودة الأنهار والنباتات كما كانت قبل خمسة آلاف سنة!

      3- يقول العلماء من أهم الأحداث التي أثرت على مصر القديمة هو الجفاف الذي ضرب مصر قبل 4200 سنة، وأدى لمجاعات ولعب دوراً في نهاية مملكة مصر القديمة. فقد بدأت موجات الجفاف بالهيمنة على المشهد المصري القديم بشكل متتابع حتى أنهكت البشر، وربما تكون بداية هذه الموجات قبل 4200 سنة تقريباً.

      وهنا نتذكر سورة يوسف والمجاعة التي تنبأ بها سيدنا يوسف عليه السلام من خلال تفسيره لمنام الملك. يقول تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) [يوسف: 48]

      موسوعة الكحيل للاعجاز فى القرآن والسنة

       

     


  22. السؤال رقم (40)
    في صحيح البخاري: عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد: إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك حتى بدت نواجذه ، تصديقًا لقول الحبر .. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ..... ؟..
    ما الآية العظيمة التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقًا لقول الحبر ؟

    الجواب :
    قرأ رسول الله:
    { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)} (الزمر))
    وقد كان النبي يتلوها على أصحابه في خطبه كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر:
    { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ورسول الله يقول هكذا بيده ويحركها يقبل بها ويدبر : يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرن به !!.
    الله أكبر !!.. ما أعظمه من حديث يجلي هول ذلك اليوم ..
    فلو علم العباد ما لله من عظمة ما عصوه ..
    ولو علم المحبون أسماءه وصفاته وكماله وجلاله ما أحبوا غيره ..

    السؤال رقم (41) :
    لمن ينسب هذا القول: { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)}(غافر) ؟..
    وفي أي سورة ورد ؟..

    الجواب:
    ُنسب لمؤمن آل فرعون حيث قال لقومه كما ورد في سورة غافر: { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ }
    وفي قصة مؤمن آل فرعون وامرأة فرعون آسيا، رسالة للرجال والنساء:
    أنه يمكن أن نكون إيجابيين فاعلين حتى في أكثر البيئات طغيانًا !..
    فلنكف عن كثرة التشكي، ولنقبل على العمل ...
    فعلى كل واحد منا الإسهام في الدعوة إلى الله بما يستطيع .
    فمؤمن آل فرعون لم تمنعه الظروف المحيطة به من أن يقول كلمة حق ...
    فلا تحقرن من المعروف شيئا

     

    ...................................

     

    السؤال رقم (42) :
    في الجزء الخامس والعشرين آية تدل على أن القرآن رفعة وشرف لحامله ..
    ومع ذلك سوف نُسْأَل عنه ونُحاسَبْ عليه يوم القيامة ..
    ما هذه الآية؟ وفي أي سورة وردت؟..

    الجواب :
    هي في قوله تعالى في سورة الزخرف: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)} أي هذا القرآن شرف لك ولقومك من قريش حيث أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وسوف تسألون أنت ومن معك عن الشكر لله عليه والعمل به، جعل الله القرآن حجة لنا لا علينا.

    السؤال رقم (43) :
    ما هي السور التي ورد فيها ذكر ليلة القدر ؟..

    الجواب :
    ورد ذكر ليلة القدر في سورتين :
    سورة الدخان في قوله تعالى : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3)} ..
    وفي سورة القدر في قوله سبحانه : { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)}
    ِوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في الَعْشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ، يفعل ذلك؛ طلبًا لليلة القدر .

     

    ....................

     

    السؤال رقم (44) :
    سورة في القرآن سماها بعض العلماء سورة (الشريعة)؟..
    ما هذه السورة؟ ولماذا سميت بهذا االسم؟..

    الجواب :
    السورة التي تسمى سورة الشريعة هي سورة الجاثية ، وسميت بذلك لوقوع لفظ { شَرِيعَة } فيها:
    { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)}،
    ولم يقع هذا اللفظ في موضع آخر من القرآن .
    والشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين والجمع الشرائع ،
    قال ابن عباس:{ عَلَى شَرِيعَةٍ } أي على هدى من الأمر .
    وقال قتادة: الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض

    السؤال رقم (45) :
    في الجزء (25) آية عظيمة سماها العلماء مبكاة العابدين .. فما هي ؟..

    الجـواب :
    هي الآية الكريمة : { أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (21)}(الجاثية)
    قال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة

    ....................................

     

    السؤال رقم (46)
    في قوله تعالى في سورة الحجرات: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)} .
    لماذا أفرد الله النساء بالذكر في هذه الآية ؟.

    الجواب :
    قال القرطبي في تفسيره: أفرد النساء بالذكر؛ لأن السخرية منهن أكثر ..
    وقال العلامة العثيمين :ونص على النساء والرجال بالتفصيل حتى لا يقول أحد: إن هذا خاص بالرجال لو ذكر الرجال وحدهم، أو بالنساء لو ذكر النساء وحدهن .. وبهذا نعرف الفرق بين القوم والنساء، إذا جمع بين القوم والنساء فالقوم هم الرجال والنساء هن الإناث، وإن ذكر القوم وحدهم شمل الرجال والنساء، مثل ما يذكر في الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم أرسلوا إلى قومهم، فهو يشمل الذكور والإناث، لكن إذا ذكر القوم والنساء صار النساء هن الإناث والقوم هم الذكور

    السؤال رقم (47) :
    آية في الجزء 26 وردت فيها كلمة (هل) الأولى كانت سؤالا والثانية كانت جوابًا ، فما هذه الآية ؟..

    الجواب:
    الآية الثلاثون من سورة ق: { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }
    فـ: هل الأولى كانت سؤالا { هَلِ امْتَلَأْتِ } و هل الثانية كانت جوابًا من جهنم: { هَلْ مِن مَّزِيدٍ }
    وهي آية تقرع القلوب .. جديرة بالتأمل ومحاسبة النفس .. أعاذنا الله من النار ..

    السؤال رقم (48) :
    آية في الجزء (27 )استنبط منها بعض أهل العلم كفارة المجلس .. فما هذه الآيــة ؟..

    الجــواب :
    هي قوله تعالى: {... وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)} في سورة الطور .
    فلنحرص أن نختم مجالسنا بكفارة المجلس:
    سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

     

     


  23. من أساليب التربية النبوية
    أسلوب القص
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    إن للقصة تأثيراً كبيراً في نفس متلقيِها لما فيها من تدرج في سرد الأخبار ، وتشويق في العرض وطرح للأفكار ، ممزوجة بعاطفة إنسانية . وهي تعتمد على الحوار والنقاش الداخلي أحياناً والخارجي أحايين أخرى ، وتصدر مقترنة بالزمان والمكان اللذين يغلفان الأحداث بإطار يمنع الذهن من التشتت وراء الأحداث ، وتتدرج من موقف إلى آخر ، تجذب السامع إلى التفاعل والمتابعة بأحاسيسه وأفكاره ومشاعره ، ويندمج فيما يسمع ، فتصل به إلى نقطة التأزم ، ثم تنحل شيئاً فشيئاً . وتكون نقطة التنوير في الأحداث الضوء الذي ينقذ الموقف القصصي وينقله إلى حالة الهدوء والانتظام . . أو اتخاذ الموقف الإنساني . . نتيجة للتفاعل الفكري والنفسي مع الأحداث .
    والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ استخدم الأسلوب القصصي لأنه رآه من أبلغ الطرق المؤدية إلى توثيق الفكرة وإصابة الهدف .
    بعض القصص التي جاءت في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت تامة العناصر من مقدمة وشخصيات ، وأحداث زمانية ومكانية ، وعقدة تصل بالقارئ والسامع إلى نقطة التأزم ، ثم حل في آخر المقام .
    وسنرى ـ إن شاء الله ـ مما نستشهد قصصاً محبوكة التركيب ، متماسكة الأحداث ، تدحض ما يدعيه أصحاب التغريب من أن القصة لم تبلغ شأوها إلا في هذا العصر ، حين اتصل أدباؤنا القاصون بالغرب فتعلموا منه !!!.
    وبعض القصص تتجاوز بعض عناصر القصة وتركز على بعضها الآخر ، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يريد من القصةِ القصة َ نفسها ، إنما أراد الهدف منها . . فإذا وصل إلى ما يبتغيه من الهدف التعليمي اختصر في بعض عناصرها . . . ومن أوضح الأمثلة على القصص التامة العناصر : ما رواه صهيب الرومي ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :

    قصة الغلام والساحر :

    ( كان ملكٌ فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث لي غلاماً أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاماً يعلمه . . وكان في طريقه ـ إذا سلك ـ راهبٌ ، فقعد إليه وسمع كلامه ، فأعجبه ، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال ( الراهب ) :
    إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر .
    فبينما هو على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ( منعتهم من تجاوز الطريق ) فقال : اليوم أعلم : آلساحرُ أفضل أم الراهبُ أفضل ؟ فأخذ حجراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس .
    فرماها فقتلها ومضى الناس . وأتى الراهبَ فأخبره ، فقال له الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي . وكان الغلام يبرئ الأكمه (1) والأبرص – بإذن الله - ويداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمع به جليسٌ للملك ـ كان قد عمي ـ فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال ( جليس الملك ) : ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني .
    فقال ( الغلام ) : إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك . فآمن بالله تعالى(2) ، فأتى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس .
    فقال له الملك : من رد عليك بصرك ؟؟!! .
    قال : ربي .
    قال : ولك رب غيري ؟!! .
    قال : ربي وربك الله .
    فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام ، فجيء بالغلام فقال له الملك : أي بني : قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل ؟
    فقال : إني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي الله تعالى ، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب . فجيء بالراهب فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمنشار ، فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه حتى وقع شقاه .
    ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه .
    ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته ( فراودوه عن دينه ) فإن رجع عن دينه ( فعودوا به ) وإلا فاطرحوه .
    فذهبوا به فصعدوا به الجبل . فقال : (( اللهم اكفنيهم بما شئت )) ، فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ( متحدياً ) ، فقال له الملك : ما فُعِل بأصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى .
    فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور(3) وتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه ( فعودوا به ) وإلا فاقذفوه . فذهبوا به ، فقال (( اللهم اكفنيهم بما شئت )) ، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ( متحدياً ) ، فقال له الملك : ما فُعِل بأصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله تعالى .
    فقال ( الغلام ) للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ( أطلبه منك ) ، قال ( الملك ) : ما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد(4) ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهماً من كنانتي(5) ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : باسم الله رب الغلام ، ثم ارمني ، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني .
    فجمع الملك الناس في صعيد واحدٍ ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهماً من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه (6) ، فوضع ( الغلام ) يده في صدغه فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام .
    فأتي الملك ، فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس . فأمر بالأخدود(7) بأفواه السكك فخٌدّت(8) وأضرم فيها النيران .
    وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه(9) فيها . أو قيل له : اقتحم (10) ، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها ( رضيعٌ لا يتكلم ) ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام ( أنطقه الله تعالى ) (11) : يا أماه اصبري ، فإنك على الحق(12) .
    وهكذا فالقصة إن حبكت بأسلوب سهل مسلسل الأفكار ـ وهذا أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أسرت القلوب وحبست الأنفاس وفتحت العقول ، وامتزجت بأرواح القارئين والمدعوين ، فوجدت فيها مكاناً تربعت عليه وآتت أكلها .
    فالقصة الهادفة تفتح آذاناً صمّاً ، وقلوباً ران عليها الجهل ، وعقولاً تلبدت ، إن كان صاحبها صادقاً في دعوته ، قادراً على التعبير عنها ، وكان المدعوُّ فيمن رحمه الله تعالى .
    ومن القصة الهادفة المكتملة العناصر :

    قصة جريج :

    روى هذه القصة أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ إذ سمعها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قال : (( ما تكلم مولود من الناس في مهدٍ إلا عيسى بن مريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحب جريج )) فلما أنصت المسلمون إلى مقالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرهفوا السمع ، وحبسوا الأنفاس ينتظرون رسول الله أن يبدأ قصته هذه ، قال : فإن جريجاً كان رجلاً راهباً في صومعة له يعبد الله ، ويتبتل إليه ، انقطع عن الدنيا وأخلص وقته ونفسه لله تعالى ، وكانت صومعته على صخرةٍ عاليةٍ في الجبل ، وتحتها كهفٌ يأوي إليه أحد رعاة البقر فيقيل أو يمسي .
    ولم يكن الراعي تقياً إنما كان يزني بمومس تأتيه في هذا الكهف ، ولم يكن جريج الراهب يدري بما يفعل أسفل صومعته ، فقليلاً ما كان يخرج منها .
    جاءت أم جريج مرةً وهو يصلي فدعته ، وكان عليه أن يجيب دعاءها ، قال في نفسه : أيهما أفضل يا ترى ؟ الاستمرار في الصلاة والوقوف بين يدي الله تعالى ، أم قطع الصلاة وإجابة دعاء الأم ؟!!.
    لم يكن يدري ما يفعل ، إلا أنه آثر الصلاة رغبة في إتمام الثواب ، وسوف يفرغ لأمه ويبرها . . نعم لن يضيع الصلاة ، وإرضاء الوالدة بعد ذلك أمر يسير وهو بذلك ينال أجرين . . هكذا فكَّرَ جريج .
    وعادت الأم تنادي : يا جريج رد علي يا بني . . أنا أمك أناديك فهلم إلي . . إجابتي خير لك في الدنيا والآخرة .
    لم يكن جريج يعلم أن ترك صلاة السنة والمبادرة إلى إجابة الوالدة من أفضل القربات عند الله ، فعزم أن يستمر في الصلاة . . ولا شك أن الله تعالى يعرف أنه يحب والدته ويود برها لكنه في الصلاة ، والصلاة وقوف بين يدي الله تعالى ، وهل هناك أفضل من هذه العبادة ؟! .
    إنه ليس عاقاً وسيجيب والدته حين يفرغ من صلاته . . هكذا اجتهد للمرة الثانية ، وحين نادته للمرة الثالثة وآثر الاستمرار في الصلاة وأبطأ عليها فلم يجبها ، قالت حزينة دامعة العينين متأثرة بصده ـ المؤقت لها ـ وفي سورة غضبها : لا أماتك الله يا جريج حتى تنظر في وجه المومسات .
    وجه المومس ليس فيه طهر ولا نقاء ! ، دنس الزنا يذهب رواءه ويطفئ نوره ويترك عليه مسحة من سواد تنفر منه النفوس الصافية والقلوب المؤمنة ، وتستعيذ منه الأرواح الشفافة والأفئدة الطاهرة !! . وأين يرى المومسات وهو لا يدري بما يجري حوله ؟ إنه لا يخرج من صومعته إلا لماماً ، ولا يزوره إلا أشراف الناس ممن يلتمسون بركته ويسألونه الدعاء لهم .
    لم تكن الأم ترغب أن يصيب ولدَها مكروهٌ ، ولكن سبق السيف العذل ، وسبق لسانُها إلى الدعاء ، وكأن دعاءها قد وجد أذناً من الله سميعة . انصرفت الأم بعد أن دعت . . ونسيت ، ولكن الله لا ينسى ، ولم يكن لينسى ، فلا بد أن يعاقب العاق جزاءً وفاقاً ولكن كيف ؟! .
    إن المومس حين زنا بها الراعي ولدت صبياً أبوه مجهول ، فمن هو يا ترى ؟. لم تذكر المرأة اسم الراعي لأنها تحبه ولا ترضى له العقاب ، إنها تريد إبعاد التهمة عنه ، فمن البديلُ يا ترى ؟ فكرت في الأمر ، وأمام ضغط الملك والتلويح بالعقوبة رمت جريجاً قائلة إنه الزاني . .
    وأبلس القوم . . جريج يفعل هذا ؟ أمن المعقول أن يكون ظاهره غير باطنه ؟! وهل يمكن لهذا الرجل الصالح أن يقع في الزنا ؟. وتهامس القوم غير مصدقين , وقال الملك مستغرباً أصاحبُ الصومعة ؟ قالت : نعم ، ألم يرني أحدكم تلك الأيام أختلف إلى الصومعة ؟ . لا شك أن أحدهم رآها تقصد الصومعة في أوقات مختلفة . . لا بل تقصد تحت الصومعة .
    وثار الناس وتصايحوا . . وغضب الملك وازداد غضبه ، لماذا ؟ لأنه فوجئ بمن يزني وهو متزي بزي أعلام الصالحين . فأمر أتباعه بهدم الصومعة وجر جريج مهيناً إلى مجلس الملك ، ففعلوا ، ربطوا يديه بحبل إلى عنقه كما يفعل بالمجرمين . ومر في طريقه على المومسات فرآهن يبتسمن وهن ينظرن إليه في الناس . . وصدقت دعوة أمه فيه . . فقد رأى المومسات يشمتن به ويهزأن منه وكأنهن يقلن في أنفسهن : تدّعي الصلاح وترتكب الموبقات ! فنحن إذن أكثر طهراً منك سرُّنا كعلانيتنا . قال في نفسه : حسبي الله ونعم الوكيل ، اللهم أنقذني مما أنا فيه يا الله ، وأعِنّي على بر أمي .
    قال الملك : أعرفت ما تزعم هذه المرأة ؟
    قال : وماذا تزعم ؟
    قال الملك : تزعم أن ولدها منك .
    قال جريج : أنت تزعمين ذلك ؟
    قالت : نعم . يا ويلها إنها تصر على الكذب ، وتود في سبيل إنقاذ الراعي أن ترمي به في المهالك .
    قال جريج : أين هذا الصغير ؟
    قالوا : هو ذا في حجرها .
    لكن الله تعالى بعد أن أخذ بحق أمه لم ينس له عبادته إياه ، والله يعلم حب جريج أمه .. وأنه اجتهد فأخطأ ، ولعل في هذا درساً له وعبرة أيما عبرة ، فأراد إنقاذه ورفع منزلته ، فليس الظلم من صفاته ـ جلّ وعلا ـ .
    أقبل جريج حتى وقف على الطفل وسأله على مسمع من الملك وأركان ملكه واثقاً من نصر الله له ورحمته به : من أبوك ؟
    وهنا كانت المفاجأة التي وجفت لها القلوب وتسمّرت لها الأقدام ، لقد أنطق الله تعالى الطفل ابن الأيام فقال :
    إنه الراعي . . . راعي البقر . . الذي استغل ذلك المكان الطاهر في آثامه ونزواته وخلا بأمه ، فكان هذا الطفل ثمرة الزنا .
    وانقلب الأسير حراً . . والمهين عزيزاً .
    أسف الملك لسوء ظنه بالراهب الطاهر ، وندم على إهانته إياه ورغب ـ معبراً عن ندمه هذا ـ أن يعيد بناء الصومعة من ذهب !! . . . إن بريق الذهب يذهب بريق القلوب . .
    قال : لا ، لا أريدها من ذهب .
    قال الملك : من فضة إذن . .
    قال : لا ، إن لمعان الفضة يحجب لمعان الحقيقة عن القلوب .
    قال الملك : مم نجعلها إذن ؟.
    قال جريج : ردوها كما كانت ، فهذا أدعى إلى السكينة والصفاء .
    إن بهرجة الدنيا تشغل القلوب وتثقل الأرواح وتقيد النفوس . ثم تبسم جريج . . وعجب الحاضرون إذ تبسم ، لا بد أن هناك أمراً يستدعي الابتسام . . نعم لقد أدرك الراهب جريج أن الذي أدى إلى هذا الموقف العصيب الذي كاد يعصف به لولا أن تداركته رحمة الله ، إنما هو دعوة الأم أن يرى وجوه المومسات ، ولم يكن له بد من أن يراها ، فدعوة الأم أحق أن تجاب(13).

    قصة الأبرص والأقرع والأعمى :

    ومن القصص النبوية التي ركزت على الحوار أكثر من بقية العناصر الأخرى للقصة ، ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن ثلاثة من بني إسرائيل ( أبرص وأقرع وأعمى ) أراد الله أن يبتليهم ( يختبرهم ) فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص :
    الملك : أي شيء أحب إليك ؟
    الأبرص : لون حسن ، وجلد حسن ، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس ( عليه ) .
    فمسحه ، فذهب عنه قذره ، وأعطي لوناً حسناً .
    الملك : فأي المال أحب إليك ؟
    الأبرص : الإبل ، فأعطي ناقة عُشراء ( حاملاً ) .
    الملك : بارك الله لك فيها .
    ثم أتى الأقرع وقال له :
    الملك : اي شيء أحب إليك ؟
    الأقرع : شعر حسن ، ويذهب عني الذي قذرني الناس ، فمسحه فذهب عنه ، وأعطي شعراً حسناً .
    الملك فأي المال أحب إليك ؟
    الأقرع : البقر ،
    فأعطي بقرةً حاملاً .
    الملك : بارك الله لك فيها .
    ثم أتى الأعمى وقال له :
    الملك : أي شيء أحب إليك ؟
    الأعمى : أن يرد الله بصري فأبصر الناسَ . فرد إليه بصره .
    الملك : فأي المال أحب إليك ؟
    الأعمى : الغنم ،
    فأعطي شاةً والداً ( حاملاً )
    فأنتج هذان ، وولد هذا . فكان لهذا وادٍ من الإبل ، ولهذا وادٍ من البقر ، ولهذا وادٍ من الغنم .
    ثم إن الملك أتى الأبرص في صورته وهيئته ( الأولى ) :
    الملك : رجلٌ مسكينٌ قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم ( أي لا معونة من مال ) إلا بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال ، بعيراً أتبلغ به في سفري .
    الأبرص : الحقوق كثيرة !! ( أي ما عندي ما أعطيكه ) .
    الملك : كأني أعرفك !! ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله ؟
    الأبرص : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر ( أباً عن جد ) ( فهو ينكر ما كان عليه ) .
    الملك : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ماكنت . . وهكذا عاد الأبرص أبرص يقذره الناس ، فقيراً .
    وأتى الأقرع في صورته وهيئته ( الأولى ) :
    الملك : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك . أسألك بالذي أعطاك الشعر الحسن ، والمنظر الحسن والمال ، بقرة أتبلغ فيها في سفري .
    الأقرع : الحقوق كثيرة !! ( قالها يصرفه دون أن يعطيه )
    الملك : كأني أعرفك . . ألم تكن أقرع يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله ؟
    الأقرع : إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر !!.
    الملك : إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت . .
    وهكذا عاد الأقرع أقرع يقذره الناس ، فقيراً .
    وأتى الأعمى في صورته وهيئته ( الأولى ) :
    الملك : رجل مسكين انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلى بالله ثم بك . أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري .
    الأعمى : قد كنت أعمى ، فرد الله لي بصري ، فخذ ما شئت ، ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك ( لا أعارضك ) بشيءٍ أخذته لله عز وجل .
    الملك : أمسك مالك ( لا أريده ) ، فإنما ابتليتم ( اختبرتم ) ، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك . (14)
    ولقد كانت القصة في أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفيرة لأنها من أقرب الطرق السهلة القريبة إلى الإنسان وإلى قلبه وإلى فكره .
    ولقد يسّر الله تعالى لي من الوقت ما أجمعت فيه الكثير من قصص النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب سمّيته 0 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم فالقصص نبعٌ ثر لقصص هادفة أسطرها لإخواننا وأبنائنا تنير لنا الطريق وتدلنا على الخير .
    والله الموفق والهادي . .


  24. من أساليب التربية النبوية
    ذكر الصالحين
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    إن الأذن لتسرع إلى سماع أخبار الصالحين وإن النفس لترغب أن تعرف أحوالهم وما يخصهم . فهم القدوة والمثل ، والراغب في الكمال يتأساهم ويتحسس خطاهم ، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه كل حين بأخبار الصالحين الأولين .
    فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى عليه السلام يا رب ، علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به .
    قال رب العزة جلَّ وعلا : قل يا موسى : { لا إله إلا الله } .
    قال : يا ربِّ ، كل عبادك يقولون هذا ؟ .
    قال : يا موسى ، لو أن السموات السبع وعامرَهنَّ - غيري – والأرضين في كفة ، ولا إله إلا الله } في كفة ، لمالت بهن { لا إله إلا الله } .
    فالسامع يسمع اسم سيدنا موسى – عليه السلام – وهو من الأنبياء أولي القوة ... والنفس المؤمنة تميل إليه وتحبه { وألقيت عليك محبة مني } ثم يسمع ما سأل ربَّه ، فيعلم أن هناك فائدة يفيد منها ، فـَلـْنـَعِ ما يقوله الله تعالى له ، ولنسِرْ على خطاه ، فمن استهدى المهديين اهتدى .
    وهكذا يكون الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – بذكر حوارموسى – عليه السلام – مع ربه – قد غرس فينا حب { لا إله إلا الله } ، وعرَّفنا مكانتها ، وحثنا على الإيمان بها .
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : بينا أيوب عليه السلام يغتسل عُرياناً ، فخرَّ عليه جراد من ذهب ، فجعل أيوب يحثي في ثوبه ، فناداه ربه عزَّ وجلَّ : يا أيوب ، ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟
    قال : بلى ، - وعزتك – ولكن لا غنى لي عن بركتك .
    فهذا النبي أيوب عليه السلام له في نفوس المسلمين حب وهوى لما عرف عنه من صبره على الابتلاء ـ والصبر من سمات الصالحين - والرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يرينا أن المال الصالح للعبد الصالح بركة ويمن ، وأن النفس البشرية تهوى المال { وتحبون المال حباً جما } ، وأن الله تعالى يختبر حتى الأنبياء ، وأن المال يشغل حتى كرام الناس .
    فهذا أيوب عليه السلام ينسى أنه عريان فيشتغل بجمع الذهب ويحرص عليه ، والإنسان لا يعدم سبباً يعلل به حبه للمال ( ... ولكن لا غنى لي عن بركتك ..)
    كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بُعِثَ موسى وهو راعي غنم ، وبعث داود وهو راعي غنم ، وبعثت أنا وأنا أرعى غنماً لأهلي بأجياد .
    وهل هناك أفضل من موسى وداود والأنبياء ، وعلى رأسهم رسول الله صلوات الله عليهم جميعاً ؟ ! .
    ماذا كان عملهم ؟ لم كونوا تجاراً ولا ومهندسين أو أطباء أو مقاولين ، ولم يكونوا يسكنون القصور والبيوت الفخمة ، كانوا فقراء يرعون الغنم للناس ، فرعوا الأمم بعد ذلك .
    والإنسان كما يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث : يشرُف ُ بعمله لا بنسبه ، وبإيمانه لا بحسبه ، وبروحه لا بماله ، وبعقله لا بطينه ، فعلى الإنسان أن يعمل ولا يحقرن شيئاً من عمله .
    فآدم عليه السلام كان مزارعاً ، ونوح عليه السلام كان نجاراً ، وموسى عليه السلام كان راعياً ، وما من نبي إلا رعى الغنم ، وعلى الإنسان أن يأكل من عمل يده
    ( ما أكل امرؤ طعاماً قطُّ خيراً من عمل يده ) ، وعلى الإنسان أن يبحث عن اللقمة الحلال من العمل الحلال ، ففيها الأمن والأمان والصحة والعافية ، ورضى الرحمن .
    إن ذكر الصالحين مدعاة للاقتداء بهم والسير على منوالهم .. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين .

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×