اذهبي الى المحتوى
خير أمة

سعد بن أبي وقاص – رضى الله عنه -

المشاركات التي تم ترشيحها

بســم الله الـرحمــن الرحيــم

 

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

 

سعد بن أبي وقاص – رضى الله عنه -

الشيخ محمد جمعة الحلبوسي

 

 

 

نقفُ اليوم مع صَحَابِي من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين سطَّروا أمجادًا وبطولات يَعجز المرءُ عن إتمامها، ويعجز العقل عن نسيانها، ويعجز اللسان عن نكرانها، مع صَحَابي كان لا يعرف الحقدَ والشحناء والبغضاء، إنما قلبه عامرٌ بالمحبَّة والإيمان والتقوى.

 

هذا الصحابي نزلت في حقِّه آياتٌ تتلى إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها؛ {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].

 

هذا الصحابي في ذات يوم قَدِمَ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بين أصحابه، فحيَّاه وداعبه، قائلاً: ((هذا خالي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَه))؛ أخرجه الترمذي.

 

قال علي - رضي الله عنه -: "ما سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَجْمَعُ أبوَيه لأَحَدٍ غَيْرِ هذا الصحابي، قَالَ له يومَ أُحُدٍ : (( ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وأُمِّي))".

 

هذا الصحابي كان يلقِّبـه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، والصحابة -رضي الله عنه - (الأسد في براثنه).

 

إنه الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشَّرين بالجنة.

 

أيها المسلم:

إن حياة سيدنا سعد حافلةٌ بالأمجاد والبطولات، ومليئة بالعِبَر والعِظَات التي تنفع المسلمين في هذا الزمان، وأنا لن أتكلمَ عن سيرته بصورة تفصيليَّة، إنما سأقف وقفاتٍ قصيرة، وأعيش معه لحظاتٍ قليلة.

 

فسيدنا (سعد) في بداية إسلامه مرَّ ببلاءٍ عظيم، وبامتحان صعب مع أقرب الناس إليه، وهي أمُّه، فيومَ أن دخل الإسلام إلى قلبه وعَلِمَت به أمُّه، وقفت بوجهه، وأرادت أن ترجعه إلى دين آبائه وأجداده، إلى عبادة الأصنام والأحجار التي لا تضرُّ ولا تنفع.

 

سعد يثبت أمام الموقف الصعب:

واسمع إلى الحوار الذي دار بين سيدنا سعد وأمِّه، قالت له: يا سعد لقد سمعت أنك أسلمت ودخلت في دين محمد الجديد، قال لها: نعم يا أمَّاه، قالت: ولقد سمعتُ بأن محمدًا يأمركم بأن تكونوا طائعين لأمهاتكم، قال لها: نعم، قالت له: إذًا أنا أمُّك، وآمرك بأن تكفر بمحمدٍ وبآل محمد، فقال لها: يا أمَّاه والله لا يكون ذلك، وحاولت معه، لكنَّه رفض طلبها.

 

فعندما رأتْ منه الإصرار وعدم الاستجابة لها، لجأت إلى وسيلة لم يشك أحدٌ في أنها ستهزم روحَ سعـد، وتردُّ عزمه إلى وثنية أهله وذويه، لقد أعلنت أمُّه صومها عن الطعام والشراب، حتى يعودَ سعد إلى دِين آبائه وقومه، ومضت في تصميم مُستميت تواصلُ إضرابها عن الطعام والشراب، حتى أشرفت على الهلاك، كلُّ ذلك وسعد لا يبالي، ولا يبيعُ إيمانه ودينه بشيءٍ، حتى لو كان هذا الشيءُ حياة أمِّه.

 

ثم أخذه بعضُ أهله إليها؛ ليُلقي النظرة الأخيرة عليها، مؤمَّلين أن يرقَّ قلبه حين يراها في سكرات الموت، وذهب سعد ورأى مشهد أمِّه يذيب الصَّخر، بيـد أن إيمانه بالله وبرسوله كان قد تفوَّق على كلِّ صخرٍ، وعلى كلِّ فولاذٍ.

 

ويأتي سيدنا سعد إلى أمِّه، وينظرُ إليها وهي في لحظاتها الأخيرة، فنظر إليها وأطال النظر، وظن أقرباؤه أنه سيتراجع عن إسلامه؛ لأن أمه ستموت، والله إنه لموقفٌ صعبٌ لا يثبت أمامَه إلا الصادقون.

 

فاقترب من وجه أمِّه، وصاح بها لتسمعه: "تعلمين والله يا أمـه، لو كانت لك مائةُ نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيءٍ، فكُلِي- إن شئت - أو لا تأْكُلي".

 

ومباشرةً يرجع إلى معلِّمه - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يتكلَّم سيدنا سعد، قال له المصطفى- صلى الله عليه وسلم -: ماذا فعلت مع أمِّك يا سعد؟ لقد أنزل الله فيك قرأنًا يُتْلى إلى يوم القيامة: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].

 

هذه هى ثمرةُ الصدق والثبات على المبدأ، فليت البائعين لدينهم وعقيدتهم يتعلمون الثبات على المبدأ وعلى الدين من هذا الصحابي الجليل.

 

سعد لا يعرف الحقد ولا الشحناء:

سيدنا سعد كان رجلاً لا يعرف الحقدَ ولا الشحناء والبغضاء، بل كان قلبه مليئًا بالمحبَّة لكلِّ الناس.

 

كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجلس بين نَفَرٍ من أصحابه، فَرَنَا ببصره إلى الأفق في إصغاء من يتلقَّى همسًا وسرًّا، ثم نظر في وجوه أصحابه، وقال لهم: ((يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة))، وأخذ الصحابة يتلفَّتون؛ ليروا هذا السعيد، فإذا سعد بن أبي وقاص آت، وقد سأله عبدالله بن عمرو بن العاص أن يدلَّه على ما يتقربُ به إلى الله من عبادة وعمل، فقال له: لا شيء أكثر مما نعمل جميعًا ونعبد، غير أني لا أحمل لأحدٍ من المسلمين ضغنًا ولا سوءًا".

 

نعم، هذه هي التي بلغت به تِلْكُم المنزلة، فرفعت قدره، وأعلت شأنه، إنَّ هذا الموعود بالنعيم والرضوان،لم يكن طويلَ القيام والصلاة، قد يُحتقر عمله ويُستقل، ولكنه كان يحمل قلبًا طاهرًا طهارة الماء العذب الزُّلال، نقيًّا نقاء الثلج والبرد، مشرقًا بنور الإخاء والمحبَّة، ساطعًا بضوء السلامة وحب الخير للناس، سليمًا من الحقد والغش والحسد.

 

كم من مريضِ قلبٍ، يتقطَّع حسرة وألمًا؛ لأن زيدًا ربح في تجارته، وعمرًا نجح في دراسته، وآخر بورك له في زواجه!

كم من الناس يعيش همًّا وغمًّا وعناءً وحُرْقةً، يتقلَّب على فراشه والغيظ يعتصره، يأكل معه الحسد ويشرب، وينام معه الكره والبغض ويستيقظ؛ لأن فقيرًا اغتنى، ومريضًا شفي، أو عقيمًا رزق!

 

فأين المسلم الذي يتخلَّق بأخلاق سعد؛ كي يكون من أهل الجنة؟! أنا أقول لكلِّ مسلمٍ: إن استطعت أن تصبح وأن تُمسي وليس في قلبك حقد على أحدٍ، فافعل؛ فإن ذلك من سُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أحيا سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معه في الجنة.

 

يا سعد، أطِبْ مطعَمَك تكن مستجاب الدَّعوة.

 

كان سيدنا سعد من الرجال الذين ابتعدوا عن أكل الحرام، ومن الذين تركوا الدنيا قبل أن تتركهم.

 

هذا قيس بن أبي حازم، وهو من كبار التابعين الذين اجتمعوا بالصحابة، قال: "كنت في المدينة أطوف في السوق حتى بلغت أحجارَ الزيت، فلقيت أُناسًا مجتمعين، وإذا برجل راكبًا دابةً بينهم، فجاء سعد بن أبي وقاص، فقال: ما هذا؟، فقالوا: هذا رجل يشتم علي بن أبي طالب، فتقدم إليه فأفرجوا له، فقال سعدٌ: يا هذا، علام تشتمُ علي بن أبي طالب؟! ألم تعلم أنه أول من أسلم؟! ألم تعلم أنه أول من صلَّى مع رسول الله؟! وذكر حتى قال: ألم تعلم أنه خَتَنُ رسول الله؛ أي: صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألم تعلم أنه صاحب راية رسول الله في غزواته؟! ثم استقبل القبلة ورفع يديه، فقال: اللهم إن كان هذا يشتم وليًّا من أوليائك، فلا تفرِّق هذا الجمع حتى تُريهم قدرتك، فساخت به دابته فوقع على هامته على تلك الأحجار، فانفلق دماغه فمات.

 

هكذا ينتقم الله - تعالى - ممن يشاء ممن يؤذي أولياءه وينتهك حُرُمَهم، وهذا الذي يؤذي الأولياء لا يأمن أن يصيبه الله - تعالى - قبل موته بمصيبة تقصم ظهره جزاءً له على فعله. وفي ذات يوم رأى رجلاً يسبُّ طلحة وعليًّا والزبير، فنهاه وقال له: هؤلاء رجال سبقت لهم من الله الحسنى، فلا تتكلم عليهم، ولكنه لم ينته عن سبِّه، فقال له: يا فلان، اترك سبَّهم وإلا دعوت عليك، فقال الرجل مستهزأً: أراك تتهددني كأنك نبيٌّ، فانصرف سعد وتوضأ وصلَّى ركعتين ثم رفع يديه، قائلاً: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سبَّ أقوامًا سبقت لهم منك الحسنى، وأنه قد أسخطك سبُّه إياهم، فاجعله آيةً وعبرةً"، فلم يمضِ غير وقتٍ قصير حتى خرجت من إحدى الدُّور ناقةٌ لا يردُّها شيءٌ، حتى دخلت في زحام الناس وكأنها تبحث عن شخصٍ، وإذا بها تجد هذا الرجل الذي سبَّ الصحابة الكرام، فأخذته بين قوائمها، ومازالت تتخبَّطه حتى مات، وإذا بالناس يقولون لسعد: لقد استجاب الله دعوتك يا أبا إسحاق".

 

رُويَ في الصحيحين: أن أهل الكوفة شكوا سيدنا سعدًا إلى سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- في كلِّ شيءٍ حتى قالوا: لا يُحسن يصلي، هذه شكوى باطلة بحقِّ سيدنا سعد بن أبي وقاص.

 

فأرسل سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى أهل الكوفة يسألهم عن حال سعدٍ معهم، فجعل لا يسأل أهل مسجد إلا أثنوا خيرًا حتى مرَّ بمسجدٍ لبني عَبْس، فقام رجلٌ منهم يُقال له: أسامة بن قتادة، أما وقد سألتنا عن سعد، فأنا أجيبك: بأنَّ سعدًا لا يُحسن الصلاة، وأنه لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل بالقضيَّة، فبلغ سعدًا ما قاله أسامة، فكان سيدنا سعد يقول: أنا لن أدافع عن نفسي، بل سأرفع يَدَي إلى السماء، إلى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فقال: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا فيما يقول وقام مقامَ رياءٍ وسمعه، فأطلْ عمره، وأدمْ فقره، وعرضه للفتن".

 

وفعلاً عاش الرجل حتى بلغ من الكِبَر عتيًّا، وسقط حاجباه على عينيه، وكان يقف في الطريق ويمدُّ يده للسؤال يطلب من الناس إحسانًا، وإذا مرَّت من أمامه امرأة غمزها بيده، فيقول له الناس: أيها الشيخ الكبير، ألا تستحي من الله وأنت تغمز النساء بيدك؟! فيقول لهم: ماذا أصنع؟! إنني شيخ كبير أصابته دعوة سعد.

 

هذه وقفات قصيرة عشنا فيها مع سيدنا سعد بن أبي وقاص، فلتكن سيرته نبراسًا لنا ولأبنائنا؛ لنستنهض الهِمَمَ من جديد، ونعيد ضياء حضارتنا للعالمين، يا أبناء الإسلام، لا يلهينَّكم أحدٌ عن سِيَر أجدادكم العظام؛ ففيها عزُّكم ومجدكم وكرامتكم في الدنيا والآخرة.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله.

 

منقول من موقع الألوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

 

جزاكِ الله خيرًا يا غالية على هذه السيرة العطرة

جعل الله ما نقلتِ في ميزان حسناتك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

 

ووفقك الله ياغالية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

رضى الله عنه و أرضاه

 

 

 

 

 

جزاكى الله كل خير

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×