اذهبي الى المحتوى

المشاركات التي تم ترشيحها

رداء الحب

د. حنان لاشين أم البنين

 

كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه "صور وخواطر":

(الحبُّ ثوبٌ برَّاق تحمله المرأة وتمشي حتى تلقَى رجلًا فتخلعه عليه، فتراه به أجملَ الناسِ، وتحسب أنه هو الذي كانت تُبصر صورتَه من فرج الأحلام، وتراها من ثنايا الأماني، ومِصباح في يد الرجل يُوجِّهه إلى أول امرأة يلقاها، فيراها مشرقةً الوجه بين نساء لا تُشرق بالنور وجوهُهن، فيحسبها خُلِقت من النور وخلقن من طين، فلا يطلب غيرها، ولا يهيم بسواها، لا يدري أنه هو الذي أضاء مُحيَّاها بمصباح حبه).

 

دعوني أسقطها على زوجين حبيبينِ، ألا ترون معي أنها نِعَمٌ قد رُزقَ بها الزوج الطيب والزوجة الطيبة.

 

الرضا والقناعة، تأملوا معي! لقد تم بالفعل السكن، استحسانٌ روحاني، وامتزاج نفساني، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].

 

في الآية علَّة السكن أن تكون النفس "منها"، الحب هنا متمكن من صميم الفؤاد، نافذ في حجاب القلب، ملتصق بالأحشاء، نعم، فنحن نجد المرأة الطيِّبة التقية النقية تحبُّ زوجها وتعشقه وتجلُّه، وتتحدث عنه وكأنه نجم في السماء، ترفع قدره في المجلس وكأنه السلطان، وتلمع عيناها وهي تُخبِر قريباتها عنه وعن أخباره؛ لأنها - كما قال الشيخ - كانت تحمل الحب في قلبها كالثوب البراق، والحلة الجميلة الأنيقة، رداء رائع، كانت تنتظر على نقائها وعفَّتها في خدرها وبيت أبيها حتى تراه، ويطرق بابها، ويأتي سالكًا الطريق الصحيح.

 

رآها أو التقى بها خلال دراستِها، أو أثناء عملها، أو في بيت أقاربها، فأعجبَتْه، فطلبها كما تُطلب الأميرة من أبيها، وبعد الرؤية الشرعية - وعندما نظر إليها ونظرت إليه - بدأَتْ تُخرج ثوب الحب الملفوف والمخبَّأ في حنايا قلبها، وألقَتْه عليه وألبسته إيَّاه، بعد عقد النكاح ربتَتْ على كتفيه، ومسحت بإعجاب على أزراره، ووقفت تتأمله، إنه هو حبُّ حياتها وقرَّة عينها، رغم أنه لا يعجب البعض؛ لأنه سمين، أو قصير، أو أسمر، أو أبيض، أو أنفه كبير، أو حتى لا يمتُّ للوسامة بصلةٍ - حسب رؤيتهم - فهي تحبُّه بشدة! ومعجبة بل مفتونة به أيضًا؛ لأنها تراه فارس الأحلام الذي كانت تتمناه وتحلم به، صارت تحب صوته وحركاته وعطره، وتتكحل عيناها برؤيته، أرضاها الله به وصار سكنًا لها، فلا تتعجبوا، إنه الحب.

 

وكذلك ترى الرجل في جلسة عائلية، أو جمع على إفطار في بيت أبيه وزوجتُه بين شقيقاته وأهله، تجده يلتفت فتلتقط عينُه وجهَها فقط، وكأنها شمس ساطعة تبرق وتضيء، وحتى وإن سار معها في طريق تناثرت على جانبَيْه الفتيات الحِسان بأجسادهن الفاتنة، وملابسهن التي تكشف أكثر مما تستر، وعبق المكان بعطورهن، وعلى الطريق تعالَت ضحكاتهن، وارتفعت أصوات كعوبهن وهي تدق وتسحق قلوبَ مَن شَقُوا بإطلاق البصر، تراه لا يرى نورًا إلا من هناك حيث تقف زوجته، يختار الأقل جمالًا، ويعرف فضل غيرها، ولا يَحيد عنها بقلبه؛ إذًا ليس الجمال أساس الحب، فعيناه مِصباحان طاهران، وجهُهما على صفحة وجهِها فأشرقت، رآها جميلة وكأنها أميرة مُتوَّجة على جمالها البسيط أو الباهت - كما يراه البعض - أو حتى لو كانت بقايا جمال بعد مرور الزمن، رآها ويراها وسيظل يراها جميلة فاتنة، وهي فقط التي تُشعره بأن لديه قلبًا ينبض.

 

هو الذي أضاء وجهها، وهو الذي استعفف فأعفَّه الله ورضَّاه بها، وهو الذي غضَّ بصره عن كل أنثى أخرى فظلَّت هي الأولى، إنه الحبُّ الحلال، فلا تتعجبوا، فالجمال هو شيء يُحَس ويُستلذُّ به عندما يقع في النفس، وليس كما يُظن أنه فقط يُرى بالعين، فالزوج المُحب يرى خلف تضاريس وجه زوجته الحبيبةِ - التي يراها الجميع فقيرة الجمال - تلك التفاصيلَ الصغيرة التي لا تُرى بالعين، فيلتفت إليها بقلبه، ويعيش فيها، وتحيا روحها فيه، فيراها جميلة؛ لأنه يحبها، شيء يشبه الجوع يسدُّه الطعام الذي تحبُّه وترضاه نفسُك، وعندما تشبع - وحتى لو كان طعامك خبزًا جافًّا وقطعة من الجُبن - فلن تشتهي شيئًا آخر الآن؛ لأنك - ببساطة - بالفعل قد شبعت وارتويت وسكنت.

 

••••

منارة حب

الحب هو أن تخرج علامات الحب كلها من خِدْرها فجأة عندما تراك، خصيصى لك، أنت وحدَك، فقد خبَّأتْها لك، وعطَّرتها بحيائها، ثم دثَّرتها بتقواها، وربطت عليها بحبلٍ من الصبر عن المعاصي، عقدته في ليلة بهيمة أطلَّ فيها وجه قمرٍ وهو يشهد دموعها في سجدة لله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ما أجمله من رداء

وما أعظمه من حب ووفاء

 

نقل رائع يا حبيبة بورك فيك ونفع بك ِ ()

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وصفت فأجادت

كلمات جدا رائعة

بوركت وجزاك خيرا على نقلك الطيب

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جزاكِ الله خيرا يا حبيبة نقل رائع

 

جزى لله الكاتبة خيرا

 

أسال الله أن يجعل بيوت المسلمين كما ورد فى المقال

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

@@سُندس واستبرق

@@أمّ عبد الله

@@آسفة على أحوال المسلمين

@@ساجدة للرحمن

 

أنتن الأروع بمروركنّ الطيب يا حبيبات ^^

وفيكن بارك الرحمن وجزانا وإياكن خيرا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×