اذهبي الى المحتوى
طيبة أم حسام

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً

المشاركات التي تم ترشيحها

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من تفسير الظلال سيد قطب

 

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

[الأنعام78 _79]

 

هنا يقع التماس , وتنطلق الشرارة , ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق , ويغمر النور القلب

ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي . . هنا يجد إبراهيم إلهه . يجده في وعيه وإدراكه كما هو

في فطرته وضميره . . هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح . .

وهنا يجد إبراهيم إلهه . ولكنه لا يجده في كوكب يلمع , ولا في قمر يطلع , ولا في شمس تسطع . . ولا

يجده فيما تبصر العين , ولا فيما يحسه الحس . . إنه يجده في قلبه وفطرته , وفي عقله ووعيه , وفي الوجود

كله من حوله . . إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين , ويحسه الحس , وتدركه العقول .

وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ; ويبرأ في حسم لا

مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة , ولكنهم كانوا

يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك:

قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من

المشركين).

فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض . الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك . وهي الكلمة الفاصلة

, واليقين الجازم , والاتجاه الأخير . . فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير

 

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر . . مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس , واستولت على القلب ,

بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش . . نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني , فلم يعد وراءها

شيء . وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله . . وهو مشهد

يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق .

لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله . وقد اطمأن قلبه

واستراح باله . وقد احس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق . . والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى

إليه من يقين ; وفيما انشرح له صدره من توحيد ; وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا . . وهو

يواجههم في يقينه الجازم ; وفي إيمانه الراسخ ; وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه:

إن الفطرة حين تنحرف تضل ; ثم تتمادى في ضلالها , وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء , حتى

ليصعب عليها أن تثوب . . وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوم ا . فلا

يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم . ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر

بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه . وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين .

ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله , يواجههم مستنكرا في طمأنينة ويقين

:

أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي , ويفتح بصيرتي , ويهديني إليه , ويعرفني به . لقد أخذ بيدي

وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي , كما رأيته في

الكون من حولي . فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل . فهدايته لي إليه هي الدليل

!?

)ولا أخاف ما تشركون به). .

وكيف يخاف من وجد الله ? وماذا يخاف ومن ذا يخاف ? وكل قوة - غير قوة الله - هزيلة وكل سلطان -

غير سلطان الله - لا يخاف؟!

ولكن إبراهيم في عمق إيمانه , واستسلام وجدانه , لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنا إلى مشيئة الله الطليقة

)إلا أن يشاء ربي شيئا . وسع ربي كل شيء علم

فهو يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته ; ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئا , لأنه يركن إلى حماية ا لله

ورعايته . ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاءه الله , ووسعه علمه الذي يسع كل شيء .

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود . إنه إن كان أحد قمينا بالخوف فليس هو إبراهيم -

وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد الله ويمضي في الطريق - وكيف يخاف آلهة عاجزة

كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة , ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله

أي الفريقين أحق بالأمن , لو كان لهم شيء من العلم والفهم ؟!

هنا يتنزل الجواب من الملأ الأعلى ; ويقضي الله بحكمه في هذه القضية:

الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)

الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله , لا يخلطون بهذا الإيمان شركا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه . هؤلاء لهم

الأمن , وهؤلاء هم المهتدون(

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه . ولقد كشف

لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم

لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها الله له وألهمه إياها , سقطت حجتهم , وعلت حجته , وارتفع إبراهيم على

قومه عقيدة وحجة ومنزلة . . وهكذا يرفع الله من يشاء درجات

متصرفا في هذا بحكمته وعلمه:

إن ربك حكيم عليم

تم تعديل بواسطة طيبة أم حسام

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

جزاكِ الله خيرًا وبارك فيكِ

 

سبحان الله!

وماذا تفعل الحجج مع من عميت قلوبهم فاستحبوا العمى على الهدى!

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

جزاكِ الله خيرًا وبارك فيكِ

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×