اذهبي الى المحتوى

المشاركات التي تم ترشيحها

أبي لا يحبني!

أ. رضا الجنيدي

 

 

هي طفلة تخطَّت العاشرة من عمرها بقليل، ولكن حين تسمع كلماتها تظن أنك تحادث عجوزاً في السبعين!

جلست تحدثني عن بعض شوؤن حياتها، ونبرة طفولية تعتلي صوتها، ولكنها نبرة ممزوجة بشيخوخة تبعث في السامع مشاعر الحزن والألم على ما ألمَّ بها.

 

تحمل وجهاً طفولياً يعلوه الحزن والعبوس، يخبرك أن صاحبته تمتلك قلباً تجرع مر الكؤوس.

 

 

 

قالت لي بصوت ممزوج بالحزن:

 

أبي لا يُحبني أنا وإخوتي، تُرى لماذا لا يحبنا؟!

حاولت التخفيف عنها فأنا أعرف ظروف حياتها، رغبت في أن أعيد إليها الإحساس بالأمان، وأشعرها بحب أبيها لها، فردت على كلامي بكل قوة ويقين: بل هو لا يحبنا، أنا أعرف ذلك وأثق فيما أشعر به.

لو كان يحبنا لجلس معنا كما يجلس مع أبنائه من زوجته الأخرى، إنه يقضي معهم الأسبوع بأكمله ويزورنا فقط في نهاية الأسبوع، وربما تمر بعض الأسابيع ولا يزورنا.

 

 

بدأ لساني في التحرك للتخفيف عنها، ولكنها لم تترك لي الفرصة لأبدأ الحديث، واستطردتْ قائلة:

حتى اليوم الذي يزورنا فيه يقضيه بين أحضان النوم، أو مع هاتفه على صفحات الفيسبوك، أو وهو يحادث زوجته الأخرى وأبناءه منها بصوت خفيض كي لا نسمعه.

هو لا يحبنا وإن أردتِ المزيد من الأدلة فإليك المزيد:

 

هو ينفق عليهم الكثير والكثير، ولقد رأينا ذلك مرارا بأعيننا، أما نحن فلا يعطينا سوى القليل، ويعتمد على أمنا التي تنفق علينا مرتبها الضئيل، أمنا التي تخرج للعمل منذ السابعة صباحا حتى السابعة مساء ولا يكفي مرتبها سوى لأقل الضروريات، وهو يعرف ذلك ويراه بعينيه ولا يهتم لحالنا، ولا يشفق علينا مما ألمَّ بنا، فهل هذا هو حب الآباء الصادقين في حبهم؟!

 

 

 

كانت ظلال الدموع منقوشة في عينيها ولكنها تأبى الخروج، وكأنها تقول بقوة وثبات:

من تسبب في كسر قلبي لا يستحق دمع عيني.

 

 

أكملتْ حديثها قائلة:

أنا على يقين أنه لا يحبنا؛ فالحب الحقيقي يظهر في تصرفات المحبين، وتصرفات أبي لا تحمل أي معنى من معاني الحب والحنين.

 

 

أبي يدَّعي أنَّه يحبنا بينما الحب الحقيقي سنشعر به في حضن قوي وحنون يضمنا كلما قابلناه.

الحب الحقيقي سنتقبله منه حينما يكون هناك عدل بين الأبناء.

عندما نرى أبانا يشتاق لرؤيانا.

 

 

حينما يسعى لسد حاجاتنا قدر استطاعته، فلا نضطر لارتداء الملابس القديمة التي لا تصلح لأعمارنا ولا لأجسادنا بينما يرتدي أبناؤه من زوجته الأخرى الغالي والثمين من الملابس.

 

الحب الحقيقي نستطيع أن نستشعره حينما نرى والدنا قد أعزَّ أمنا، وصان كرامتها، وحفظها من السقوط في دوامة العمل المميت من أجل سداد إيجار منزلنا وتوفير قوت يومنا.

 

 

الحب الحقيقي أن يغلق الآباء هواتفهم ويجلسوا بعض الوقت مع أبنائهم، ولا يبخلوا عليهم بأوقات جميلة تُشعرهم باهتمامهم.

هذا هو الحب الذي نعرفه نحن الأطفال، أما الحب الذي يعرفه بعض الكبار فهو حب لا يعنينا؛ لأنَّه حب لا يُشبع قلوبنا ولا يروينا.

 

 

 

لو أحب الآباء أبناءهم بصدق لما ضيَّعوهم، ولا من أبسط احتياجاتهم النفسية حرموهم.

 

استمعتُ إليها وقلبي يتمزق حزناً عليها وعلى ما وصلتْ إليه؛ فاحتضنتها برفق، ووددت لو أني أستطيع احتضان مشاعرها ومسح غبار الحزن عنها، ولكن هيهات أن يعوضها حضنى عن حضن أبيها، أو تعوضها كلماتي عن فقدان حب أبيها.

 

 

 

تحدثنا كثيراً، وخففت عنها قدر استطاعتي ثم تركتنى وذهبتْ لحالها، ولكن كلماتها ظلت تحاصر عقلي؛ وتطعن بسكين الحزن قلبي، فإذا بقلمي يرتجف خوفاً عليها وعلى أمثالها، ويهرول ليسطَّرَ لكم ما حدث بيني وبينها؛ علَّه يُنبه قلوباً لا تنتبه لمشاعر صغارها؛ فكم من آباء وأمهات حرموا أبناءهم الحب والحنان، وكم من آباء وأمهات غرسوا خنجر الحزن في قلوب الأبناء.

 

 

أكتب إليكم هذا الحديث الذي يملأ القلب شجوناً؛ لأذكركم بالقاعدة الثامنة من قواعد وفنون الحب في الإسلام والتي تناشدكم وتقول لكم:

إذا كنتم تحبون أبناءكم حباً حقيقياً فليكن حباً إسلامياً قائماً على العدل الذي يأمر به الله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ".

 

العدل الذي أرشدنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّه قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ.

 

 

 

ليكن حبكم لأبنائكم حباً إسلامياً، والحب الإسلامي يتحقق حين نتأمل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل حفيديه الحسن والحسين، فنقتدي به وبهديه، وحين نتأمل سيرته فنرى كيف كانت مسؤولياته صلى الله عليه وسلم ومع ذلك يجد الوقت ليداعب حفيديه، ويُدخل السرور إلى قلبيهما، ويجد الوقت ليعلمهما ويؤدبهما ويحاورهما، فنسير على نهجه.

 

حب الأبناء في الإسلام معناه ألا تُلهيك شؤون حياتك مهما عظمتْ عن أبنائك، وأن تفرغ لهم جزءًا أساسياً من حياتك، وأن تحاول دائماً أن تسعدهم بما لا يشقيهم أو يفسدهم.

 

 

 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/126509/#ixzz5C42GJ5M3

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الله المستعان..

 

شيء يُغضب القلب..

أسأل الله أن يهدي الآباء ويحفظ الأطفال

والله لا أعرف ماذا أقول.. حسبي الله ونعم الوكيل في من سبب لأبنائه مثل هذا الحزن والاضطراب..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

@@جوهرة بحيائي

:"(

قلبي تقطع من قراءة القصة

آمين..

بوركتِ لمرورك يا حبيبة ()

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

لا حول ولا قوة إلا بالله

 

ربنا يهدى الآباء والأمهات

 

ويقر أعينهم بالأبناء والبنات الأسوياء بلا أحزان ولا شجن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×