اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

في رحاب التفسير مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ...(متجددة)

المشاركات التي تم ترشيحها

image.png.cc07e05f742a6126027e4bf95de57af2.png
 
كلمة الكفر لها معنى واسعاً جداً

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) البقرة
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا (103) ﴾


هم بهذا قد كفروا، كفروا حينما اتبعوا ما تتلو الشيطان على ملك سليمان، لعل كلمة الكفر هنا أخذت معنى واسعاً جداً، فأنت حينما لا تعبأ بكلام الله،لو سُئِلت وقلت: هذا كلام الله على العين والرأس، هذا القرآن الكريم . أما حينما لا تطبق أحكامه،ولا تأخذ بأوامره ونواهيه، ولا تقيم له وزناً في حياتك اليومية، في العلاقات اليومية؛في البيع والشراء، في الزواج، في كل شؤون الحياة، حينما لا تعبأ بكلام الله عزَّ وجل فهذا نوع من الكفر به
الكفر بمعناه الضيِّق أن تنكر وجود الله عزَّ وجل، أو أن تنكر أسماءه الحسنى، أو أن تنكر فرائضه التي افترضها الله على البشر، ولكنك حينما لا تعبأ بمنهج الله، ولا تقيم له وزناً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به في شؤونك إنما تقرأ القرآن كما يقول عامة الناس: للتبرك . يقرؤون قرآن وفي بيوتهم المُنكرات، وفي تجارتهم المخالفات، فأنت حينما لا تعبأ بكلام الله عزَّ وجل، ولا تُحَكِّمُهُ في حياتك، ولا تأخذ به في كل شؤون حياتك اليومية فهذا نوعٌ من الكفر، طبعاً هذا كفر صريح، بواح .


 - من أتى كاهنًا فصدَّقه بما قال ؛ فقد كفَر بما أُنزِلَ على محمدٍ .
الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب
الصفحة أو الرقم: 3044 | خلاصة حكم المحدث : صحيح | انظر شرح الحديث رقم 61708
التخريج : أخرجه البزار كما في ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (5/120)

 - مَن أتى عَرَّافًا فسأَله عن شيءٍ لم تُقبَلْ له صلاةٌ أربعينَ يومًا
الراوي : - | المحدث : محمد الأمين الشنقيطي | المصدر : أضواء البيان
الصفحة أو الرقم: 2/232 | خلاصة حكم المحدث : [ثابت] | انظر شرح الحديث رقم 76443


 نطبق هذا الحكم على كل ما من شأنه أن يخبرك بالمستقبل، المنجمون والمنجِّمات، وقارؤوا الفنجان، وحظك هذا الأسبوع، والأبراج، والفلكي الذي يتنبأ، هذا كله ما أنزل الله به من سلطان، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، سيِّد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب .

الإيمان الإبليسي: قال تعالى: 

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ (103) ﴾
دقق الآن، لا قيمة للإيمان بالله إن لم يثمر العمل الصالح والاستقامة على أمر الله وقد نسمِّيه إيماناً إبليسياً، لأن إبليس قال:
﴿ رَبِّ ﴾
( سورة الحجر الآية: 36)
آمن به رباً:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
( سورة ص الآية: 82)
آمن به عزَّيزاً:

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
( سورة ص الآية: 76)
آمن به خالقاً:

﴿ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة الحجر الآية: 36)

آمن بالآخرة ولكنه رفض أن ينفِّذ أمر الله عزَّ وجل، فالإيمان النظري لا قيمة له ولكن الإيمان هو الذي يحملك على طاعة الله ويقودك إلى العمل الصالح . الإيمان منه نظري ومنه عملي، منطلقات نظرية، تطبيقات عملية، فكر، تطبيق، اعتقاد، عبادة، شيء عَقَدِي، وشيء سلوكي .

موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية


نتيجة بحث الصور عن من اتى عرافا فقد كفر
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) البقرة

معنى مَثُوبَةٌ

كلمة (مثوبة) لها معنيان: معنى ؛ من الثَوْب:﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْأتِكُمْ وَرِيشاً (26) ﴾( سورة الأعراف)
هذه الثياب تواري سوءات الإنسان،
قال :﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)

إذاً كلمة الثياب لها معنى آخر، المعنى الأول: ثيابٌ ماديةٌ من قطنٍ وحرير أو من قـطنٍ وصوف يرتديها الإنسان فيستر بها عورته، بينما ثوب التقوى يستر به جسمه من النار: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)أي أن أجمل ثوب أن تكون مطيعاً لله، أجمل ثوب ترتديه أن تكون صادقاً، أجمل ثوبٍ ترتديه أن تكون أميناً، أجمل ثوب ترتديه أن تكون عفيفاً . قد يرتدي الإنسان أجمل الثياب، ثياباً جميلة جداً وهو منحرف الأخلاق بذيء اللسان، قلت مرة لأخواننا: كان أحدهم يرتدي ثياباً أنيقة جداً وكلامه بذيء جداً . فقال له أحدهم: " إما أن تتكلم مثل لبسك أو أن تلبس مثل كلامك "، هناك تناقض .
ثوب التقوى ثوبٌ عظيم، قد ترتدي ثوباً متواضعاً، لكن استقامتك، وعفتك، وأمانتك، ترفع بهما رأسك، تجد المستقيم ملكاً، وقد تكتشف فضيحة لإنسان في أعلى مرتبة فيسقط في الوحل، هذا وحيد القرن الذي يقصف العالم ـ رئيس أكبر دولة حالياً ـ دخل بفضيحة لا تنتهي، فضيحة قذرة جداً، فأي ثوبٍ جميل لا يغنيك، قد يرتدي أجمل الثياب، أغلى ثياب في العالم قد يرتديها، ولكنه مفضوح، وقد وضع له موقع على الإنترنت وكان التقرير ألفي صفحة، صار في الوحل .
على المؤمن أن يرتدي ثياب التقوى ويبتغي الرفعة عند الله تعالى: قال تعالى:
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) ﴾( سورة الأعراف)
فأنت لو كنت أي إنسان، بأي وظيفة، معلم ابتدائي، ضارب آلة كاتبة، حاجباً حسب مراتب المجتمع، الحاجب المستقيم مَلِك، والله مرة كنت في مؤتمر، وقد سمعت بالفندق قرآناً يتلى مع الفجر، أطللت من الشرفة، فإذا عامل الحديقة يصلي الفجر بصوتٍ جميل، فخطر في بالي خاطر، لعل هذا العامل في الحديقة عند الله خير من كل نزلاء الفندق وهذا ممكن . ابتغوا الرفعة عند الله عزَّ وجل .


إذاً يجب أن ترتدي ثياب التقوى، " كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " . شخص أمين، صادق، عفيف، لا يوجد إنسان يهدده بصورة فيقوله له: انتبه سنبرز الصورة . لا توجد عنده مشكلة أبداً، لا يوجد إنسان يهدده بكشف الأمر: أنت مختلس . لا بل كل ماله حلال، لا يوجد علاقة غير نظيفة، بيته نظيف من الداخل والخارج، سره كعلانيته، جلوته كخلوته، لا يوجد عنده ازدواجية بالحياة، هذا ينام مرتاح البال .
ذكر لي أخ كان بألمانيا أن كُتب على السرير في الفندق، وهو فندق فخم من فنادق النجوم الخمس: إن لم تستغرق في النوم فالعلَّة ليست في فُرُشِنا بل في ذنوبك . إذا لم ترتح بالنوم فهذا ليس من الفرش، فرشنا وثيرة، لكن العلة في ذنوبك .
فكن ابن من شئت، بأي مكانة، بأي مرتبة، بأي دخل، بأي شكل أنت ملك إذا كنت مستقيماً، يروى أن الأحنف بن قيس كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، ضيِّق المنكبين، أحنف الرجل، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيَّدَ قومه، إذا غضب غَضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه .
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ (103)
المعنى الثاني: أنك إن آمنت واتقيت لبست ثوباً جميلاً هو أجمل ثياب الأرض، المؤمن شريف، عفيف، ذِكره حسن، لو أنه مات تبكي عليه السماء والأرض والدليل قول الله عن الكفار:
﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ (29)﴾( سورة الدخان)
المعنى المخالف: المؤمن تبكي عليه السماء والأرض . فأنت لا تعبأ بمراتب الدنيا، اعبأ بمرتبةٍ عند الله

راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية

3dlat.com_28_18_5b56_66654c39819e1.jpg

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 لكلمة (راعنا) في الآية التالية ثلاثة معانٍ 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) 
طلب موجبات الرحمة أَولَى من طلب الإعفاء من الحساب:
قال تعالى: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا (104) ﴾

هذا معنى يستنبط منه أن كل كلمةٍ تحتمل معنيين، وأنت تريد المعنى السليم ابتعد عنها، هذا سمَّاه العلماء سد الذرائع، فقد تفعل شيئاً لا غبار عليه، ولكنه قد يقود إلى ما هو محرم، فقد تزرع العنب في مكان لا يباع إلا للخمَّارات، فبذلك تكون زراعة العنب محرمة سداً للذريعة، قد تسب إنساناً فيسب الله، سُباب هذا الإنسان محرَّم، من هو الذي يسب أباه؟ يسب أبا الرجل فيسب أباه، فالتحريم تحريم سد ذريعة، هذا حكم شرعي، أنه إذا احتملت كلمة معنيان، فالأولى أن تبتعد عن استخدامها، وأن تستخدم كلمة تحتمل معنى واحداً، وهذا من بلاغة الإنسان وفصاحته .

هناك معنى آخر ـ سأحاول أن أوضحه لكم ـ لو أن شاباً له أب أستاذ رياضيَّات وهو أستاذه في الصف، هو في الصف الحادي عشر ووالده أستاذه، وعنده مذاكرة في اليوم الثاني، هذا الابن أمامه خياران ؛ إما أن يسأل أباه أن يوضح له بعض المسائل، وإما أن يقول له: أعطني أسئلة الامتحان . أيهما أولى ؟ أن يسأله، لا تقل: راعني قل: انظرنِ . هذا معنى آخر، أي أنَّك إن أردت رحمة الله قدم موجباتها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لعلو أدبه مع الله عزَّ وجل كان يقول:(( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ))[الترمذي عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه ]
قال لأحد أصحابه الكرام:(( أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ))[ مسلم عن ربيعة بن كعب رضي الله عنه ]
اطلب موجبات رحمة الله، لا تطلب أن يعفيك الله من الحساب، اطلب موجبات الرحمة لا تطلب الأمور من طريق غير صحيح، هذا معنى آخر، على كلٍ القرآن حمَّال أوجه 

فالمعنى الأول: لا تتكلم كلمة تحتمل معنيين، أسلوب غش الكلام محرم . بعض الناس مزاحهم فيما بينهم كلمة مغشوشة، ظاهرها ليس فيه شيء، ولكنه يقصد معنى آخر قذراً، ويبتسم ويغمز، ويلمز، هذا محرَّم . فاختر كلمةً واضحةً نقية جليَّة، وهذا من الفصاحة، فالكلام الذي يحتمل معنيين فيه متاهات كثيرة جداً .
والمعنى الثاني: أنك بدلاً من أن تطلب العفو دون الموجبات، اطلب من الله ورسوله أن ينظرا إليك نظرة شكرٍ لاستقامتك، هذا أولى من أن تطالب بالعفو، وأوضح مثل الطالب . لئن سأل والده أن يوضِّح له المنهج أولى ألف مرة من أن يسأله أن يعطيه سؤال الامتحان، هذا سلوك لا يليق .


﴿ رَاعِنَا ﴾صيغة مشاركة، وهناك معنى ثانٍ قال عنه العلماء أنه: سوء أدب، أي ارعني وأرعاك انصحني وأنصحك . هذا بين الناس لا بين الناس ورسول الله، النبيُّ يؤخذ منه فقط ولا يُملى عليه شيء .
المعنى الآخر إذاً: راعنا فيها مشاركة، أي:﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9) ﴾( سورة القلم)بالتعبير العامي: " حك لي لأحك لك، أي حلها برمة لنحلها نحن برمة " .هذا لا يليق بخطاب النبي عليه الصلاة والسلام، النبي مشرع، والنبي معصوم يؤخذ منه فقط، تُتَّبع سنَّته فقط:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1) ﴾( سورة الحجرات)
هذا هو المعنى، إذاً صار عندنا ثلاثة معانٍ، فإذا كنا قد فهمنا راعنا، ارعنا ولنرعك، دلنا ولندُلَّك، أعطنا ولنعطك،
إذاً المعنى جعلتم دعاء النبي كدعاء بعضكم بعضاً، اعتقدت أنه يخطئ ويصيب، عملت مساومة، هذا المعنى ذكره القرطبي .
المعنى الثاني ارعنا على سبيل التعظيم، وسبيل طلب المغفرة، قد يكون الصحابي في أعلى درجة من الأدب، ولكن هذه الكلمة لها لغة أخرى يستغلها اليهود ليقلدوا الصحابة بها، وهم يقصدون سَبَّ النبي عليه الصلاة والسلام فجاء النهي عنها .

إذاً أول معنى: خطاب الناس شيء وخطاب رسول الله شيءٌ آخر،
المعنى الثاني: ابتعد عن كل كلمة تحتمل معنيين، إذاً كل المزاح المغشوش هذا محرَّم، عوِّد نفسك أن تقول كلمة الحق واضحةً جليةً نقية، أما مجتمعات التسيب والتقصير والمعصية، هناك آلاف الألغام في حديثهم،
المعنى الثالث: اطلب موجبات رحمة الله عزَّ وجل ولا تطلب أن يستثنيك من الحساب .


راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية


نتيجة بحث الصور عن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الخير كله بيد الله فلا تسأله من غيره

هناك لفتةٌ في الآية دقيقةٌ :
﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ (105) سورة البقرة﴾


الخير لا يخضع لرغبة الخلق بل هو بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب:

الخير من الله، لا من الغرب ولا من الشرق، وحينما توقَّعنا الخير من الشرق خاب ظنُّنا، وإذا توقَّعنا الخير من الغرب سيخيب ظنُّنا، الخير من الله وحده، هذه حقيقة .
أيها الأخوة، الخير الذي من عند الله وحده لا يخضع لرغبة أحد، فأنت إذا تمنيت الخير لفلان أو لم تتمن له الخير لا تمنِّيك يعطيه الخير ولا عدم تمنيك يمنع عنه الخير.

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾( سورة فاطر)
أي إذا أراد الله أن يكرمك وأراد أهل الأرض مجتمعين عكس ذلك ما استطاعوا، وإذا أراد الله بقومٍ سوءً فلا مردَّ له لو أن معك أهل الأرض جميعاً ما انتفعت بهم، الله وحده هو الذي يعطي وهو الذي يمنع، هو الذي يرفع وهو الذي يخفض، وهذا هو التوحيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، الخير لا يخضع لرغبة الخلق، الخير بيد الله يعطيه لمن يشاء باستحقاقٍ وبطلب .
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ﴾( سورة الزخرف)وقال: ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

آيات من الذكر الحكيم دالة على أن الخير بيد الله يختص به من يشاء: كلامٌ دقيقٌ أيها الأخوة، رحمة الله من الله وحده، والخير وهو رحمة الله يختص به من يشاء . قال تعالى في آياتٍ كثيرة :
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(6) ﴾( سورة المنافقون)وقال:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾( سورة المائدة)وقال: ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

الشيء الثاني: رحمة الله لمن طلبها:

﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾( سورة البقرة)
رحمة الله لمن طلبها وقدّم موجباتها وهي محجوبة عن الكافرين والظالمين والفاسقين: رحمة الله لمن قدَّم موجباتها،
رحمة الله محجوبةٌ عن الكافرين، ومحجوبةٌ عن الظالمين، ومحجوبةٌ عن الفاسقين، ورحمة الله لمن طلبها:

﴿ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218)﴾( سورة البقرة)
رحمة الله للمحسنين:﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) ﴾( سورة الأعراف )
رحمة الله للطائعين، رحمة الله للمُصَّلين، رحمة الله للعابدين، رحمة الله للمُخلصين، رحمة الله للتائبين، فربنا عزَّ وجل قال : ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
هذه آيةٌ محكمة جاءت تفصيلاتها في آياتٍ كثيرة، إنه لا يهدي القوم الفاسقين ولا الكافرين ولا الظالمين، بل يُعطي رحمته لمن يطلبها، ويعطيها لمن دفع موجباتها،
كان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب وهو يقول:
((اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ))[من الأذكار النوويَّة عن أم سلمة]
وقال:﴿
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ﴾

من الشرك أن تعقد الآمال على غير الله أو أن تتوجه إلى غيره :
قال تعالى:﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾

رحمته تابعةٌ لمشيئته، والخير من الله وحده،
لا يوجد خير في الأرض إلا من الله، وكل مسلم يعقد الآمال على غير الله سيخيب ظنُّه، وكل مسلم يتوجَّه إلى غير الله لينال منه الخير سيخيب ظنه، وهذا نوعٌ من الشرك:


﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ (105) ﴾
هذه المشيئة مفصَّلة في آيات أخرى، رحمة الله عزَّ وجل محجوبةٌ عن الفاسقين، محجوبةٌ عن الكافرين، محجوبةٌ عن الظالمين، محجوبةٌ عن المتكبِّرين، محجوبةٌ عن المشركين، لمن هي مبذولة ؟
لمن يطلبها، لمن يقدِّم موجباتها، لمن يكون صادقاً، لمن يكون مخلصاً، لمن يكون تائباً، لمن يكون متطهِّراً .


راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أي مسلم يُعدّ سفيراً للمسلمين
 
﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)سورة البقرة﴾

الكافر يبحث عن التناقض عند المؤمن ليشكِّك المؤمن في أصل دينه : 

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً)

 

أي أن الطرف الآخر يبحث عن نقاط الضعف عند المؤمنين، يكتشف تناقضاً وهمياً في أفكاره أو ليكتشف بعض الأخطاء غير المقصودة في سلوكهم،
فيكبِّرها ويقيم النكير عليها، وهو يودُّ أن يشكِّك المؤمنين في أصل دينهم
حينما يقصِّر المؤمن في عمله، حينما يتناقض في كلامه، حينما يكتب تصريحاً كاذباً للحج فرضاً، حينما يهمل عمله، حينما يعد ولا يفي، ماذا يفعل ؟ يفعل جريمةً . ما هي الجريمة ؟ الطرف الآخر يتمسَّك بكفره، يتشبَّث به، يقول: أنا على الصواب، وأنت الخطأ، أنا على حق وأنت الباطل لأنك قصَّرت معه، فأي مؤمن يُعدّ سفيراً للمسلمين
أنت مسلم وتمثِّل هذا الدين العظيم، فحينما تُدلي بتصريحٍ كاذب فقد كذبت والمؤمن لا يكذب
تمسُّك المؤمن بالقيم ووضوحه في الفكر والتزامه في السلوك يحدث عند الطرف الآخر خللاً: حين يعد المؤمن ولا يفي بموعده فقد أجرم
أنت حينما تعد ولا تفي بوعدك أنت بهذا جعلت الطرف الآخر يتشبَّث بكفره، ويحتقر ما أنت عليه، وينتقل احتقاره إلى دينك، فقبل أن تدلي بتصريح، قبل أن تُخلف الوَعد، قبل أن تقدِّم صنعةً غير متقنة، قبل أن تقدِّم شيئاً تافهاً، قبل أن تسلُك سلوكاً غير صحيح عدَّ للمليون لأن الطرف الآخر يبحث عن خطأ، يضع أعمالك تحت إضاءةٍ شديدة، الأضواء كلُّها مسلَّطة على المؤمن، فإذا أخطأ كُبِّرَ هذا الخطأ وصار خطأً يمسُّ هذا الدين العظيم .
دقِّق أنك لو تعاملت مع غير المسلم وأخطأت، لا يقول: فلان أخطأ معي، بل يقول: هكذا الإسلام، يُغفل اسمك ويظهر الإسلام، لو أنك لا سمح الله ولا قدَّر أخطأت في حق مسلم يقول: فلان أخطأ معي . لا يذكر الدين .
ربنا عزَّ وجل يعرض علينا نموذجاً من تمنيِّات هؤلاء القوم، يتمنون أن يردوكم بعد إيمانكم كافرين، ماذا يفعلون ؟ يشكِّكونكم في أصل دينكم، يشكِّكونكم في الوحي، الوحي أصل الدين 
الطرف الآخر يُعادي الحق، ويبحث عن ثغرات ليكبِّرها ويجعل منها قضيَّة، فأنت كمؤمن ينبغي أن لا تعطي الطرف الآخر حُجَّةً عليك، ينبغي أن لا تعطي الطرف الآخر شيئاً يتمسَّك به . لذلك المؤمن الصادق يُحدث اختلال توازن عند الطرف الآخر، مؤمن، صادق، أمين، مُتقن، متفوِّق في عمله، يفي بوعده، يفي بعهده، لا يخون ولا يكذب، هذا التمسُّك بالقيم وهذا الوضوح في الفكر وهذا الالتزام في السلوك يحدث عند الطرف الآخر خللاً ولعلَّه يؤمن بهذه الطريقة

راتب النابلسى

موسوعة النابلسى للعلوم الشرعية
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الفرق بين الغِبطة والحسد
 
قال تعالى:﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) سورة البقرة﴾
(حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)
إن تمنيت عمل الآخرة فهذه غِبطة وإن تمنيت ما عند أهل الدنيا فهذا حسد: 
لكن هذا الحسد من عند أنفسهم، ما الحسد ؟
هذه جبلَّةٌ في الإنسان، هل هي مذمومةٌ دائماً ؟
لا، فهي جبلَّةٌ حياديَّة، خصيصةٌ حياديَّة، الإنسان مجبول على أن يتمنَّى ما عند الآخرين دون أن يزول عنهم، أي أنه يغار، يتمنَّى ما عند الآخرين هذه جبلَّة، هي في الأصل حياديَّة، إن وُظِّفت في الحق سميت الغِبْطَة . أنت كإنسان ترى إنساناً أعلم منك في الدين تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنساناً حافظاً لكتاب الله تتمنَّى أن تكون مثله، ترى إنساناً أجرى الله على يديه الخيرات تتمنَّى أن تكون مثله، هذه جبلَّة جُبِلَ عليها الإنسان، حينما صرفها للخير ارتقى بها إلى أعلى عليين، فإذا تَمَنَّيت أن تكون من أهل الدنيا هذا حسد، إن صُبَّت هذه الخصيصة على الدنيا كانت الحسد، وإن صُبَّتْ على الآخرة كانت الغبطة . جبلَّةٌ حياديَّة لا تُمدح ولا تذم، تُوظَّف في الخير أو في الشر، أي أن تتمنى ما عند الآخرين، أما الحسد وهو الجانب السلبي، الجانب المنهي عنه حينما ترى إنساناً غنياً تتمنى أن يزول المال عنه:

﴿ حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (109)﴾
 
تتمنَّى بعد ذلك أن يتحوَّل المال إليك، هذه أقل سوءاً، وقد تفعل بيدك ما تصرف ماله إليك، هذه صارت جريمة، حينما تتمنى أن تزول النعمة عن أخيك هذا حسد، بصرف النظر عن تحوِّلها إليك أو عدم تحوُّلها إليك، وحينما تفعل بنفسك ما يزيل النعمة عن أخيك فهذه جريمة، أما حينما تتمنى أن تكون عالماً كعلم أخيك، حافظاً كحفظ أخيك، لك عملٌ طيبٌ كعمل أخيك هذه غِبْطَة،
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ))
[الترمذي عن سالِم عن أبيه رضي الله عنه ]
علامة المؤمن أنك تسعد بخيرٍ ساقه الله لأخيك، المؤمنون كالجسد الواحد، أي إذا اغتنى أخوك تسعد بهذا، وصل أخوك لمنصب رفيع تسعد بذلك، حينما تعاديه وضعت نفسك في صف المنافقين، وحينما تبارك له وتطمئن لما أصابه من خير وضعت نفسك في صف المؤمنين 

 

نتيجة بحث الصور عن الحسد لا تتمنوا ما فضل
 
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الله يظهر الحق في الوقت المناسب
 
قال تعالى:﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾سورة البقرة

حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾
أمر الله عزَّ وجل أن ينصر المؤمنين ولكن في وقتٍ لا يعلمه إلا الله:﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (46) ﴾( سورة يونس الآية: 46 )

أمر الله نصر المؤمنين، إظهار الحق، إبطال الباطل، ولكن قد تكون الأمور مختلطة، فأنت مؤمن، وهناك إنسان آخر غير مؤمن يأكل، ويشرب، ويعيش، ويتكلَّم، ويقول ما يشتهي، متى يُفْصَلُ بين المؤمنين وغير المؤمنين ؟ في وقتٍ يعلمه الله:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (17) ﴾( سورة الحج الآية: 17 )

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾

أي إنه قدير أن يظهر الحق، ولكنه يظهره في وقتٍ مناسب . ألم يكن الله عزَّ وجل قادراً على أن يرسل النبي عليه الصلاة والسلام في مكانٍ ليس فيه أي كافر ؟ ممكن، لو جعل الله كل هؤلاء الكفار في قارة ثانية، وجاء النبي إلى مكة، كلهم مؤمنون، كلهم آمنوا به، وليست هناك هجرة، ولا يوجد بدر، ولا أحد، ولا الخندق، لا يوجد شيء أبداً، كلهم ذائبون في محبته لم تعد هناك جنة . الطرف الثاني له فضل عليك، الطرف الثاني عندما يكيد لك وأنت تصبر ارتقيت، عندما يكيد لك وأنت تبحث عن الحقيقة ارتقيت، عندما يكيد لك وأنت تقف أمامه بكل ما تملك ارتقيت، فشاءت حكمة الله أن يتصارع الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان وهذا مما يقوي الحق، أما لو غاب الطرف الثاني يضمُر الطرف الأول. 

 

الذي يمدحك مدحاً ساذجاً يجعلك لا ترقى أما الذي ينتقدك يجعلك ترقى: إذا لم تكن هناك حركة، كأن تصاب يد بكسر ويوضِع لها الجبس، بعد حين تضمُر العضلات، فلو لم يكن طرف آخر يناوئ، ينتقد، يطعن، فأنت تهمد، هناك حكمة إلهيَّة لأن الحياة تتوقد بهذه المعركة . أحياناً يُطْبع كتاب فيه ضلالات كثيرة جداً، هذا الكتاب مثل اللقاح الذي يعطي للجسم جرثوماً مُضَعَّفاً، مما يجعل أجهزة الجسم تعمل ليلاً نهاراً لتصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، صار هناك مناعة، هذه المناعة ما كان لها أن تكون لولا هذا اللُقاح، فاللقاح مفيدٌ جداً في إحداث المَناعة، قال تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ(113) ﴾( سورة الأنعام )

هذا الكتاب الضال يحدث حركة، عاد المؤمن إلى العلماء وسألهم، اجتهد العلماء وردّوا عليه، هذا الكتاب الضال ومع ما فيه من ضلالات عمل حركة مُنْعِشَة، لو لم يكن هناك طرف آخر فإنه يحدث ضمور، سكون، همود، تلاشي، هذه حكمة الله، لا تحزن إذا كان الإنسان يناوئك، هذا يرقى بك، بالمناسبة الذي يمدحك مدحاً ساذجاً يجعلك لا ترقى، أما الذي ينتقدك يجعلك ترقى، لذلك قال بعض الشعراء:عداتي لهم فضلٌ عليَّ ومنَّةٌ فلا أعدم الله لي الأعاديا
* * *

 

هذا العدو يراقبك، ينتقدك، يقف لك بالمرصاد أنت ماذا تفعل ؟ تضبط أمورك، تضبط كلامك، تضبط كل شيء، فهذا الضبط سببه الطرف الآخر . على كلٍ كما قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " . بطولتك أن تكون مع الله وعلى الحق وما دمت على الحق فلا بدّ من أن يظهر الحق: قال تعالى:
﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾

 

الله عزَّ وجل هو الحق، والحق لا بد من أن يُحقّ، على الله جلَّ جلاله أن يُحق الحق، قل ما شئت، ادَّعُّ ما شئت، اتهم من شئت، الله متكفِّل أن يحق الحق وأن يبطل الباطل، هذا على الله عزَّ وجل﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾

 

قدير أن يأتي بأمره في كل وقت، ولكن له حكمةٌ لا نعلمها، أي أن بطولتك أن تكون مع الله وأن تكون على الحق، ما دمت على الحق لا بد من أن يظهر الحق . الباطل لا بد من أن يزهق مهما كان عظيماً، ومهما كان كبيراً، ومهما كان متعدِّداً، مهما كان عظيماً وكبيراً ومتعدِّداً:﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾( سورة الإسراء )

راتب النابلسى

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

image.png.daab7c92f1dd3ee94a8bd739b47e06d7.png

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الفرض المتكرِّر الذي لا يسقط بحال

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)سورة البقرة
(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)
الشهادة ينطق بها مرَّةً في العمر، تقول: أشهد أنه لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله حينما تعلن إسلامك، والزكاة تسقط عن الفقير وتؤدَّى في العام مرَّةً، والصيام يسقط عن المريض الذي لا يرجى برؤه، والحجُّ يسقط عن المريض وعن الفقير ويؤدَّى في العمر مرَّة، هذه أركان الإسلام ؛ شهادة أن لا إله إلا الله والصيام والحج والزكاة، أما الفرض المتكرِّر الذي لا يسقط بحال هو الصلاة، قال تعالى:
﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (110) ﴾

أي أقم الصلاة:﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾( سورة العلق)-
الصلاة قرب:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾( سورة طه)
الصلاة ذكر:﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾( سورة العنكبوت الآية: 45 )
تلقي في قلبك نوراً ترى فيه الحق والباطل .﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾( سورة الملك )
وقال:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾( سورة الحديد الآية: 28)
الصلاة عقل:﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (43) ﴾( سورة النساء )
لم يقل: وَصَلَّوا، بل قال:﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (110) ﴾
عندما يقام بناء فهو يحتاج بشكل أو بآخر إلى رخصة، يحتاج إلى حفر أساسات، يحتاج إلى هيكل إسمنتي، إلى كسوة، إلى أثاث، فكيف تقيم الصلاة ؟
بطاعتك لله أولاً، بغض بصرك عن محارم الله، بالصدق، بالأمانة، حينما تكون كما أراد الله تقف فتصلي .


حُكــمُ تاركِ الصلاة :

 قال ابن القيم : " لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أعظم الذنوب والكبائر ، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم الكبائر كلها ، من قتل نفس ، وأخذ مال ، ومن إثم الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه ، وخزيه في الدنيا والآخرة .
وكان عمر يكتب إلى الآفاق : << إن أهم أموركم عندي الصلاة ، فمن حفظها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع >> .
أنا أقترح عليكم إذا خطب رجلٌ ابنتكم ، وهو لا يصلي أصلاً فلا مصلحة معه أبداً ، لأن الذي يصلي عنده نوع من الخوف ، والصلاة الكاملة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾[ سورة العنكبوت 45]

ابن حجر عدّ ترك الصلاة عمداً من الكبائر ، بل من أكبر الكبائر ، الدليل : قال تعالى :
﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾[ سورة المدثر ]
صح عن النبي أن تارك الصلاة كافر ، لكن إذا تركها جحوداً بفرضيتها ، أما إذا تركها تقصيراً يعد عاصياً معصية كبيرة .


الآيات المبينّة لحكم تارك الصلاة والتهاون عنها :
1 – الآية الأولى :
يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾[ سورة النساء ]
ألا تكفي هذه الآية ؟


2 – الآية الثانية :
الآية الأخطر :

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾[ سورة التوبة ]

3 – الآية الثالثة :
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾[ سورة مريم ]

4 – الآية الرابعة :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾[ سورة المدثر ]

5 – الآية الخامسة :
الصلاة هي الفرض الوحيد المتكرر الذي لايسقط بحال

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾[ سورة الماعون)

راتب النابلسىى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
 
image.png.eafeabce1f280592a36cab14468aa80e.png
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أعمال تُذهِب فضل الطاعة

إنسان قال لك: إذا انضممت للمؤمنين فسيزيد ربحي لأنهم سيصبحون زبائني جميعاً، فمجيئه إلى المسجد هذا بنية أن يزداد ماله، اختلف الوضع، يقول لك: أنا أصوم لأحسِّن صحَّتي . اختلف وضع الصيام، أنا أصلي لكي تتقوَّى عضلاتي لأن الصلاة رياضة .
هذه كلها أعمال تذهب فضل الطاعة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى (111﴾
قال اليهود: لن يدخل الجنَّة إلا من كان يهودياً . توهموا أن الجنة لهم وحدهم، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنَّة إلا من كان نصرانياً . والمسلمون يقولون: لن يدخلها إلا من كان مسلماً . هذا ادعاء، قال:﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ (111) ﴾
الأماني بضاعة الحمقى
الأماني بضاعة الحَمْقَى، فكل طالب من القُطر يتمنَّى أن ينجح، التمني سهل لا يكلف شيئاً .
﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾
أين العمل الذي يؤهِّلكم لدخول الجنَّة ؟ أين التضحية التي ضحيتم بها ؟ أين الالتزام الذي التزمتم به ؟ يقول لك أكثر المسلمين الآن بسذاجةٍ مضحكة: الحمد لله نحن مسلمون، نحن من أمة محمَّد .
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))[أخرجه الحارث في ((المسند)) (41)، والطبراني (22/337) (844)
الأماني بضاعة الحمقى: الله عزَّ وجل قال:﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1) ﴾(سورة المسد)
أبو لهب عم النبي:﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2) ﴾( سورة المسد )
وقال:﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾
أين البرهان ؟ أكثر الناس يقول: أنا إيماني أقوى من إيمانك . لكن بيتك كله معاصي، عملك كله معاصي، مالك كله حرام، هذا الكلام فارغ إذاً:﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) ﴾

راتب النابلسى

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الازدواجية والنفاق من أمراض كثير من المسلمين اليوم:

إنسان مبتدع جاء بشيء ليس من الدين لماذا تبجِّله وتعظِّمه وتبدي أعلى درجات الاحترام له ؟ فأنت بهذا كنت مِعْوَلاً هدم الدين، فهذه الازدواجية وهذا النفاق من أمراض المسلمين اليوم:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) سورة البقرة﴾

أنا أُصَدِّق طبيباً إذا نصحني أن أدع الملح مثلاً منعاً لارتفاع الضغط ، لمَ لا تنصاعُ لنصيحة خالق الأكوان ؟
قال الإمام الغزالي: "يا نفسُ لو أن طبيباً منعكِ من أكلةٍ تحبينها لا شكَّ أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندكِ من الله ؟
إذاً ما أكفركِ، أيكون وعيد الطبيب أشد عندكِ من وعيد الله ؟
إذاً ما أجهلكِ ".

كأن الله عزَّ وجل يقول: هذه دعوى فأين البرهان ؟ تدَّعون أن الجنَّة لكم وحدكم ولكن ما برهانكم على ذلك ؟ وما العمل الذي إذا فعلتموه ارتقيتم عند الله عزَّ وجل ؟
وأنت لاحظ عندما يكون إنسان شارداً تائهاً غافلاً عن الله يناقش مؤمناً، يقول له: أنا إيماني أقوى من إيمانك، أنا إيماني بقلبي ! لكنه في سلوكه ليس منضبطاً أبداً، ثم يدعي أن إيمانه بقلبه، أخرج ديناً جديداً، يقول: العبرة بالقلب، والمرأة الساقطة تقول كذلك، فلا يوجد إنسان ساقط بسلوكه إلا ويدعي أن إيمانه بقلبه هذه دعوى، كأن لسان حال هؤلاء يقول: يا رب ألا يدخل الجنة أحد ؟
هؤلاء تمنوا دخولها ولا يدخلونها، ألا يدخل الجنَّة أحد ؟ قال الله عزَّ وجل:
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾

أي طبَّق أمر الله مخلصاً، الوجه يعبَّر به عن الذات، أنا أبتغي بهذا العمل وجه الله، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل، أشرف شيء بالإنسان وجهه، فأنت تقول: أبتغي وجه الله عزَّ وجل، أي أبتغي ذات الله عزَّ وجل .

خُلُقُ المؤمن:
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾
أي وجدته مطيعاً لله، وجدته وقَّافاً عند كلام الله، وجدته مؤتمراً بما أمر الله منتهياً عما نهى الله عنه، يرتاد بيوت الله، يبتعد عن أماكن اللهو، ويجعل دخله حلالاً، ويبتعد عن الدخل الحرام، ويُقيم الإسلام في بيته، أي أنه من فرقه إلى قدمه ينطق بإسلامه، إذا حدَّثك فبالقرآن والسنة، وإن نظر ضبط بصره وغَضَّه عن محارم الله، وإن استمع لا يستمع إلى منكر، إن نطق لا ينطق إلا بالحق، إن تكلَّم ذكر الله وإن سكت فكَّر في خلق الله، وإن رأى أدرك العبرة مما يرى .
أحياناً يقول لك إنسان: والله مؤمن ورب الكعبة ؛ بكلامه، وجلسته، ومشيته، ونظرته، وحديثه، ومواقفه، وعلاقاته، ومعاملاته، وبيته، وعمله هو مسلم إسلاماً خالصاً فقد سُئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله فقالت:(( كان خُلُقُه القرآن ))[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]قال بعضهم: " القرآن كونٌ ناطق، والكون قرآنٌ صامت والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي " . المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، يأتمر بما أمر، وينتهي عما عنه نهى وزجر، ولا يفعل إلا ما يرضي الله:

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (112) ﴾
﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾هذه الكلمة مطلقة، محسن في كل شيء ؛ محسن في عمله المهني، محسن في بيته، محسن في أفراحه، الفرح لا يستخفُّه، محسن في أحزانه، الحزن لا يسحقه، إنفاقه ولو كان غنياً ينفق الدرهم في مكانه الصحيح، محسن في كسب ماله لا يُخادع الناس، ولا يغشُّهم، ولا يحتال عليهم، ولا يأكل المال الحرام، ولا يأكل المال بالخِداع، فكلمة﴿ مُحْسِنٌ ﴾إنه محسن، متقن بعمله، صادق بكلامه، إذا وعد وفى، إذا حدَّث صدق، وإذا عامل أنصف، قال: هذا الذي أسلم وجهه لله وهو محسن هذا الذي يدخل الجنَّة، الجنَّة لمثل هؤلاء . وهذا درس لنا، أخلص لله عزَّ وجل، وطبِّق أمره، وأحسن .
يوجد في هذه الآية شيء تطبيقي وشيء إنشائي، أنت مستسلم لأمر الله، طبَّقت أمر الله وأنت محسن أي أن هناك عطاء، أنت قدَّمت شيئاً معنى محسن أي أنك قدَّمت شيئاً، فالاستسلام هو الاستقامة، والإحسان هو العطاء، وكل واحد منا لو سأل نفسه هذا السؤال: يا نفس ماذا قدَّمتِ ليوم القيامة ؟ ماذا قدَّمت للمسلمين ؟ ما العمل الذي يمكن أن تعرضيه على الله عزَّ وجل ؟
هذا سؤال دقيق . هناك إنسان يعيش لذاته، وهناك إنسان يعيش للآخرين، فقيمتك عند الله تساوي عملك الصادق، وأنت في الدنيا هنا من أجل العمل الصالح .

﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ (112) ﴾
إسلام الطاعة وإسلام الإخلاص، أي أنه أطاع الله مخلصاً ثمَّ أعطى مما أعطاه الله، هل هناك إنسان ليست له ميِّزة ؟ هل هناك إنسان ليست له حرفة ؟ أو أنه لا يفهم شيئاً ؟
المؤمن الصادق يقدِّم جزءاً من اختصاصه، ومن حرفته، ومن خبرته، مما مكَّنه الله منه لوجه الله عزَّ وجل، فالطبيب يعالج المرضى الفقراء لوجه الله، والمحامِي المؤمن يتولَّى قضايا لأُناس فقراء لوجه الله، والتاجر المؤمن يؤدي زكاة ماله وينصح المسلمين، وما من حرفةٍ تستعصي عن أن تكون لوجه الله، ما من حرفةٍ تستعصي عن أن تعمل من خلالها العمل الصالح .

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
محاسبة الله للإنسان :
 
{ وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } البقرة / 123 .
هذا هو اليوم الذي تسوَّى فيه الحسابات، هذا هو يوم الدين، هذا هو يوم الفصل، هذا يوم القارعة، هذا يوم الحاقَّة، هذا يوم الطامَّة الكبرى، هذا يوم النبأ العظيم، الناس في الدنيا مختلفون ؛ أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، طلبوا العلم وزهدوا في العلم، استقاموا وانحرفوا، صدقوا وكذبوا، أكلوا المال الحلال أو أكلوا المال الحرام، عفوا أو اعتدوا على أعراض بعضهم بعضاً، هؤلاء الناس بعجزهم وبجرهم، وبانحرافهم واستقامتهم لا بد من أن يقفوا يوماً بين يدي الله عزَّ وجل ليحاسبوا عن أعمالهم كلها، صغيرها وكبيرها .
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه(8) ﴾( سورة الزلزلة )

العاقل كل العاقل، والذكي كل الذكي، والفالح كل الفالح، والفائز كل الفائز، والمتفوِّق كل المتفوِّق هو الذي يُعد لهذا اليوم عدته، هو الذي يدخل هذا اليوم في حساباته اليوميَّة، ويجب عليه قبل أن ينطق بكلمة، وأن يعطي، وأن يمنع، وأن يعادي، وأن يقطع، وأن يصل، وأن يبتسم، وأن يعبس، وأن يغضب، وأن يرضى يجب أن يقول: ماذا سأجيب الله يوم القيامة ؟ ولذلك فالأبوَّة مسؤوليَّة، والعمل مسؤوليَّة، والحرفة مسؤوليَّة، والله عزَّ وجل سيسألنا عن كل أعمالنا صغيرها وكبيرها .
يوم القيامة يحاسب كل إنسان عن عمله:

قال تعالى:﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (49) ﴾( سورة الكهف )
كتاب أعمال الإنسان:
﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(49)﴾( سورة الكهف )
نحن الآن في بحبوحة في الدنيا، لك أن تحسن ولك أن تسئ، لك أن تصدق ولك أن تكذب، لك أن تبالغ ولك أن تقلِّل من أهمية الشيء، هذا لا ينفعك عند الله شيئاً، لا بد من أن تُسأل لماذا فعلت ؟
ولماذا قُلت ؟ ولماذا ضخَّمت ؟ ولماذا قلَّلت ؟ ولماذا اتهمت ؟ ولماذا اغتبت ؟ ولماذا أعطيت ؟ ولماذا منعت ؟

﴿ وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (123) ﴾
يوجد في الدنيا تكتُّلات، فهناك جماعات، وهناك إنسان له أتباع، وله مكانة، وسيطرة، وغني كبير، وقوي يحتل منصباً رفيعاً بإمكانه أن يفعل كل شيء، هذا في الدنيا ؛ ولكن في الآخرة:
﴿ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (123) ﴾

أدلة من القرآن الكريم والسُّنة الشريفة أنه لا تجزى نفس عن نفس شيئاً:

يقول الله عزَّ وجل :
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ (19) ﴾( سورة الزمر )
يا محمد يا سيد الخلق:
﴿ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) ﴾( سورة الزمر )
(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))[ مسلم عن أبي هريرة ]
(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))[ أحمد عن أبي هريرة]
(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))[ أحمد عن أبي هريرة]
لو أنك استطعت أن تستخلص، أو أن تأخذ من فم رسول الله وهو سيِّد الخلق وحبيب الحق فتوى لصالحك أو حكماً ولم تكن محقاً فإنك لا تنجو من عذاب الله:
(( لعلَّ أحدكم ألحن بحجَّته من الآخر فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار ))[الجامع لأحكام القرآن عن أم سلمة ]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
معنى قول الحاج لبيك اللهم لبيك

وإذا أراد الإنسان أن يحج بيت الله الحرام ولم يكن مستقيماً، وكان ماله حراماً وقال: لبيك اللهم لبيك . يناديه منادٍ: أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردودٌ عليك . ولكن من يلبي هذه الدعوة مخلصاً لا يبتغي الرياء ولا السمعة، يبتغي وجه الله الكريم، يلقي الله في قلبه من السعادة ما يحمله على أن يعود إليه مرة ثانية
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً (125) ﴾
إذا زار الإنسان مكاناً جميلاً جداً وسعد في هذا المكان أيَّما سعادة يقول: إن شاء الله نعيد الكرَّة في العام القادم . وهذه قاعدة، فكلمة مثابةً أي أن هذا البيت لما يلقي الله في قلب حاجِّه ومعتمره من السعادة يتمنى أن يعود إليه دائماً، والإنسان دائماً يصلي في بلده ويصوم، وفي البلد متاعب وأعمال ومشاغل ومشكلات، أما حينما يترك بيته، ومكتبه، وعمله، وتجارته، ويدفع الأموال، ويمشي في الطرقات، ويركب السيارات، ويتحمل المشاق، ووعثاء السفر، يبتغي وجه الله، فلا يعقل إلا أن يكرمه الله إكراماً لا يعرفه إلا من ذاقه:
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر .))[أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]

إذا زار الإنسان بيت الله في بلده يلقي الله في قلبه من الطمأنينة والسكينة والشعور بالأمن ما لا يعلمه إلا الله، ولذلك التجلي الإلهي في بيت الله الحرام تجلٍ مركَّز جداً، فعندما فرَّغ الإنسان نفسه لهذه العبادة يتولى الله تفريغ قلبه ـ نقطة دقيقة ـ هو فرَّغ قلبه مادياً ؛ ترك بيته، ووطنه، ومكتبه، وتجارته، وزوجته، وأولاده . أنت حينما تفرِّغ جسمك ونفسك من متاعب الدنيا يتولى الله تفريغ قلبك من سواه، واسأل أي حاجٍ أو معتمر كان مخلصاً في حجَّته أو عمرته يقول لك: والله وأنا هناك ما ذكرت شيئاً من هموم دنياي كلها لأنها نُزعت مني . أنت فرَّغت نفسك لطاعتنا ونحن نفرغ قلبك لمشاهدة كمالنا .
وهذا معنى قول الحاج: لبيك اللهم لبيك . كأن الله يقول له: تعال يا عبدي، تعال كي تذوق طعم القُرب، تعال كي تذوق طعم الأمن، تعال كي تذوق جمال المُناجاة . فالإنسان ذاق الدنيا، ذاق طعامها وشرابها، ونساءها، وعزَّها، وسلطانها، والمناظر الجميلة، والحدائق الغناء، والبيوت الفارهة، والمركبات الأنيقة، وكأنه يُقال له: تعالَ ذق شيئاً آخر، تعالَ اتصل بأصل الجمال، تعال اتصل بأصل الكمال، تعال اتصل بأصل النوال في بيت الله الحرام، وهذا الكلام الذي أقوله وأنا أعني ما أقول الذي سعد بحجةٍ مقبولةٍ أو عمرة مقبولةٍ يعرف معنى هذا الكلام، أنت هناك في عالم آخر.
 
الحج دعوة من الله وأنت تلبي هذه الدعوة والعمرة زيارة:

قال تعالى:﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا (125) ﴾
كيف أن الله عزَّ وجل جعل بين الزوجين المودة والرحمة ؟ وكيف أن الله عزَّ وجل جعل بين المؤمنين هذا الود:
﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (63).﴾( سورة الأنفال.)
هذا الود بين المؤمنين، وتلك المودة بين الزوجين من خلق الله عزَّ وجل، وهذه السعادة التي تعمر قلب الحاج والمعتمر من خلق الله عزَّ وجل، أما حينما يحج الناس للسمعة والرياء والتجارة والمصالح والتباهي والتسوّق فقط، فهذا لا يذوق طعم الحج، لذلك الحج دعوة من الله وأنت تلبي هذه الدعوة، والعمرة زيارة، الله عزَّ وجل في الحج دعاك وأنت في العمرة زرته .
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً (125) ﴾

هذا الأمن أيها الأخوة قد يفقده أغنى الأغنياء، وقد يفقده أقوى الأقوياء، ولكنه عطاءٌ إلهي خاصٌ بالمؤمن .
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)

راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

image.png.0470e3b51ef5f5f717fa4c35aec168b3.png

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127البقرة) ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾

أصل الإخلاص قول النبي عليه الصلاة والسلام :(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )) .[البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]
فالعمل عند بعض العلماء لا يُقبل إلا بشرطين ـ وهذا كلام دقيق وخطير ـ لا يقبل إلا إذا كان صواباً، أي ما وافق السنة، وخالصاً أي ما ابتغي به وجه الله . وهناك تخليطٌ كثير بين عملٍ وافق السنة ولم يبتغَ به وجه الله، أو عملٍ ابتغي به وجه الله ولم يوافق السنة، العبرة أن يأتي عملك موافقاً للسنة مبتغياً به وجه الله حتى يُقبل:﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا (127) ﴾
العمل حينما يُقبل يمتلئ قلب صاحبه ثقةً بالله عزَّ وجل، وسكينةً، وسعادةً، وإن العمل إذا قُبل ألقى الله في روع المؤمن أنه قد قُبل عملك يا عبدي:﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) ﴾


 ثلاث علامات تؤكِّد لك إخلاصك:
1ـ أنْ يستوي عندك الجهر والسر:
العلامة الأولى: أنْ يستوي عندك الجهر والسر، أيْ الجلوة والخلوة، والباطن والظاهر، والسريرة والعلانية، فإذا استوى الداخل والخارج، أو المعلن والمخبَّأ، والسريرة والعلانية، أيْ إذا استوى ظاهرك مع باطنك، وخلوتك مع جلوتك فهذه إشارة من إشارات الإخلاص لله عزَّ وجل .
2ـ استواء استحسان العمل أو عدم استحسانه:
الشيء الثاني: ألا يتأثر الإنسان المؤمن المخلص أبداً لرد فعلٍ سيئ لعمله الصالح، وهو لا يبتغي مديح الناس، ولا ثناءهم، ولا استحسانهم، ولا يستجدي عطفهم، بل هو يبتغي بعمله وجه الله عزَّ وجل، والإنسان حينما يبتغي بعمله وجه الله ينبغي له أن لا يعبأ بأحد، إذا كان الله عزَّ وجل قصدك، وأنت تُرضي الله عزَّ وجل، وأنت واثقٌ من أن هذا العمل مطابقٌ للسنة، وأنك تبتغي به وجه الله فلا تعبأ بأحد .
3ـ السكينة في القلب:
الحالة الثالثة من علامات الإخلاص: أن العمل الصالح إذا كان خالصاً ارتفع إلى السماء وعادت منه سكينةٌ على قلبك .

فالسكينة في القلب، واستواء السر والعلانية، واستواء استحسان العمل أو عدم استحسانه،
ثلاث علاماتٍ تؤكِّد أن العبد مخلصٌ لله عزَّ وجل .


 
image.jpeg.4d46b28415d20b8b7085e377e785be69.jpeg

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم :

قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
الله هو الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي لها أن تتبع تعليماتها، فأنت أعقد آلة في الكون، والله عزَّ وجل هو الصانع الحكيم، وهذا المنهج تعليمات الصانع، وينبغي أن يتبع الإنسان تعليمات الصانع حرصاً على سلامته وعلى سعادته
هل من الممكن أن يسعد إنسان وابنه شقي ؟ مستحيل . كنت أقول مرَّةً في بلدٍ غربي: لو وصلت إلى أعلى منصبٍ في العالم، وإلى أكبر ثروةٍ وأعلى شهادةٍ في العالم، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
فأخطر شيء ينبغي للمسلمين أن يعالجوه تربية أولادهم، فأنت تجد أحياناً امرأة محجَّبة وابنتها متفلِّتة في الطريق، وتجد الأب يصلي والابن لا يعتقد بهذا الدين إطلاقاً، فحينما يرى الأب ابنه منحرفاً شارداً يشقى بانحرافه، وحينما ترى الأم ابنتها تائهةً ضالَّةً تشقى بشقائها، الأب يشقى بشقاء ابنه، والأم تشقى بشقاء ابنتها، فلذلك دائماً:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا (128)﴾

تربية الأولاد من أولويات الحياة:

قال تعالى :
﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي (124)﴾( سورة البقرة)
تربية الأولاد من أولويات الحياة وينبغي لنا أن يكون هذا العمل في المرتبة الأولى في حياة المسلمين اليوم والسبب أن هناك صوارف لا تنتهي ؛ تصرف ابنك عن دينه، وعن قيَمه، وعن ماضي أُمَّته، وعن سبيل سلامته، وعن سبيل سعادته . صوارف كثيرة جداً، وعقبات كثيرة، عقبات وصوارف، ونحن في آخر الزمان ؛ والفتن مستعرة، والضلالات منتشرة، والشُبهات تملأ الجوانح، والمُغريات قد لا يحتملها ضعيف الإيمان:(( الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))[أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
شمَّة واحدة الآن تجعل هذا الفتى مدمن مخدرات، فيلم واحد يصرفه من الدين إلى الزنا، فهناك صوارف كثيرة، وعقبات كثيرة، وضغوط هائلة، فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تربية أولادنا، إلى أن يأتوا إلى المساجد، فرحِّبوا بالصغار في المساجد واعتنوا بهم، فإن الصغير سبب سعادة الكبير، ولا يمكن أن يسعد الإنسان وابنه شقي، هذا تعليق:
﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
أنا أرى أن أي أب يرى ابنه صالحاً مستقيماً، يعرف الله ويخاف الله يدخل إلى قلبه سعادة واللهِ لا يعرفها إلا من ذاقها .

الولد الصالح ثروة لا تقدر بثمن:

أب قد لا يملك من حطام الدنيا شيئاً لكنه يملك ولداً صالحاً، وهذا الولد الصالح لا يقدَّر بثروة الدنيا كلها، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له .
قرأت مرَّة تفسير آية فوجدت فيها دقَّة بالغة، فجعلتها محور لخطبة، خطبت هذه الخُطبة وفق تفسير هذه الآية، فوجدت لهذه الخطبة صدى طيِّباً جداً، وتأثَّر الأخوة الكرام بها تأثراً بالغاً، وأنا انتبهت أن هذا الذي ألَّف هذا التفسير قبل ألف عام أين هو الآن ؟ لعلَّه عظام في قبره، ولكن إلى متى يستمر تأثير هذا العمل الذي فعله ؟ إلى يوم القيامة . فهؤلاء الذين تركوا مؤلَّفات راقية جداً، إذ هذه الكتب العملاقة التي أُلِّفت وتنتقل الآن من جيل إلى جيل إلى جيل، وهذه صدقة جارية، فهذا علم ينتفع به . أو ولد صالح يدعو له، فهناك ولد لا يقدَّر بثمن وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾( سورة الفرقان )وقال:﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾
ما شعور إنسان ذهب إلى بلاد الغرب فوجد حياة ناعمة جداً، حياة كل شيء فيها ميسَّر، لكن أمامه خطر أنه قد يخسر ابنه . وقد يجد ابنه ليس مسلماً، ولا ينتمي إلى أمته،
وهذا أكبر ثمن يدفعه من أراد أن يعيش مع هؤلاء:

﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ (128)﴾

راتب النابلسى

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه
 

صورة ذات صلة

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
الآن:
﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾
الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل من رحمته بنا، فقد تجد إنساناً قوياً جداً بيده مقاليد الأمور ولكن لا سبيل إليه، ولا تستطيع أن تتصل به، ولا أن تقابله، ولا أن تعرض له، ولا أن تسأله، لكن الله عزَّ وجل جعل إليه ألف سبيلٍ وسبيل ؛ فالصلاة سبيل، والصيام سبيل، وغض البصر سبيل، وأنت في البيت لك إليه عشرات السُبل، فالزواج الصالح سبيل إلى الله، والأبوَّة الكاملة سبيل إلى الله، والأمومة الكاملة كذلك سبيل إلى الله، والبنوَّة الطيبة أيضاً، وهناك ضمن الأسرة آلاف الطُرق إلى الله عزَّ وجل، وهناك ضمن العمل آلاف الطرق، فأن تنصح المسلمين، وأن تكون صادقاً معهم، وأن ترحمهم، وأن تقدِّم لهم خدمةً سبل إلى الله، والآن أن تكف شهواتك عما لا يرضي الله سبيل إلى الله .
فهذه سبل الطاعة العامَّة، وهناك مناسك مكثَّفة ؛ فالصلاة، والزكاة، والحج، كلها مناسك، تذهب إلى بيت الله الحرام، وتطوف حول البيت، وتسعى بين الصفا والمروة، وتذهب إلى جبل عرفات فتشعر بسعادة لا توصف، فهذا سبيل إلى الله .

الله عزَّ وجل جعل لك مناسك، فقال لك: صَلِّ خمس مرات، أيْ أن عندك خمس شحنات في اليوم، وصلِّ يوم الجمعة في المسجد واستمع إلى الخطبة، فهذه شحنة أسبوعيَّة ووجبة دسمة، تعالَ في العام صم ثلاثين يوماً فهي دورة مكثَّفة، وفي العمر حجَّ إلى بيت الله الحرام، فهذه المناسك طرق إلى الله سالكة، جعل الله عزَّ وجل الطرائق إليه بعدد أنفاس الخلائق
قال بعضهم:
" الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق " .
إذا أنقذ الإنسان نملة وهو يتوضَّأ فهذا سبيل إلى الله، وإذا أطعم هرَّة جائعة فهذا سبيل إلى الله، وإذا وضع على السطح طعاماً للطيور فهو سبيل إلى الله، وإذا نصح مسلماً فأيضاً سبيل إلى الله، وإذا كفَّ أذاه عن إنسان فإنه سبيل إلى الله، ففي كل لحظة هناك آلاف السبل إلى الله عزَّ وجل، وإذا رحم زوجته أو أمه وأباه وإذا أخلص في عمله وإذا نصح المسلمين فكلها سبيل إلى الله . المناسك بمعناها العام هو أي عمل يرضي الله، بمعناها الخاص الضيق العبادات المكثَّفة التي أُمرنا بها، والمنسك هو الطريق، أيْ يا رب أرني الطريق إليك، فهناك طريق قد يكون إلى جهنَّم ؛ أو إلى النار، وإلى الدمار والعقاب، ونحن في الحياة المدنية إذا هرَّب الإنسان مُخَدِّرات فهذا طريق إلى السجن ثلاثين سنة، وإذا قتل فطريق إلى الإعدام، وإذا نال شهادة عُليا ونفع بها أمته تحتفل به أحياناً، فصار طريقاً للسمو بالحياة المدنية، والله عزَّ وجل قال:﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (128)﴾
يا رب دلَّنا على الطريق الذي نصل به إليك، وبعضهم يقول: يا رب دلني على ما يدلني إليك، والآية الكريمة:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾( سورة المائدة)
هذه مُطلقة، فالعمل الصالح وسيلة، والاستقامة وسيلة، وأن تلتقي بأهل الحق وسيلة، وأن تؤاخي أخاً صالحاً في الله يعينك على أمر دينك وسيلة .
" لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلُّك على الله مقاله "،
يجب أن يكون لك أخ مؤمن تثق بعلمه، وورعه، واستقامته وذلك وسيلة:

﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا (128)﴾


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الدين استسلام لله وخضوع له

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) سورة البقرة﴾

الدين في أصله وفي جوهره استسلامٌ لله عزَّ وجل وخضوع، ولكن هذا الخضوع لمن ؟ للخالق، الخضوع للقوي، الخضوع للعليم، للرحيم، للعدل، للخبير، للطيف، وهذا الذي يخضع لغير الله إنسانٌ أحمق، لأنه يخضع لضعيف، وخسيس، ولئيم، وعاجز، وجاهل، وأصل الدين أن تخضع لله، بل إن العبادة في أصلها غاية الإذعان مع غاية الحب، ولا يليق بالإنسان أن يخضع لغير الله

الإسلام أن تستسلم للمطلق:

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (131)﴾( سورة البقرة)

دقِّق، أحياناً تأخذ فكرةً عن طبيبٍ متفوِّقٍ جداً ؛ عالمٍ، ورعٍ، مسلمٍ، مخلصٍ، يعطيك تعليمات، راقب نفسك، فقلَّما تحاول أن تفكَّر في حكمة هذه التعليمات لأنك مؤمنٌ أنه متفوِّق في علمه، وفي ورعه، وفي اختصاصه، وفي نصحه، فأنت مع إنسان تستسلم، فكيف مع الواحد الديَّان ؟ فإذا استسلمت إلى خالقك وطبَّقت منهجه فهو الصانع الحكيم، وتعليماته هي تعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها . أما أن يستسلم الإنسان لإنسان، أيْ لمخلوق ضعيف، إذ يستسلم لما يبدو له أنه قوي وهو في الحقيقة ضعيف !!
يقال: إن أحد الوزراء سأل أمير المؤمنين وقد طلب كأس ماءٍ منه، فقال: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس لو مُنِع منك ؟ قال: " بنصف ملكي " ، قال: ولو منع إخراجه ؟ قال: " بنصف ملكي الآخر ".الإنسان ضعيف إذ كل ملك هذا الخليفة لا يساوي كأس ماءٍ يشربه ويخرجه 

الكون وحده يعتبر دليلاً قاطعاً على عظمة الله عزَّ وجل:
قال تعالى:
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) ﴾

دقِّق:﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) ﴾

عالم ذهب إلى أمريكا، وأجرى حواراً مع عالم مسلم أمريكي حول لحم الخنزير، فالعالِم الذي من بلدنا أفاض، وشرح، وبيَّن الحكم، والعلل، والجراثيم، والدودة الشريطيَّة . فابتسم هذا المسلم الأمريكي وقال له: كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرَّمه . لأن كل علم الله في هذا التحريم، ولأن كل رحمة الله في هذا التحريم، وحكمته وخبرته أيضاً، قال تعالى:﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾( سورة فاطر )

أنا لا أريد أن أُكثر من الأمثلة، ولكن لو كان لديك جهاز كمبيوتر وأصابه خلل، فأنت تذهب به إلى الخبير، فيقول لك: يجب أن تُغَيَّر هذه القطعة ـ فإذا كنت واثقاً طبعاً ـ تقول له: افعل ما تريد . فأنت مع الخبراء مستسلم، ومع الأقوياء مستسلم، ومع العلماء أيضاً، فالله يأمرك أن تكون مستسلماً له، فالعلم كلُّه، والحكمة كلها، والرحمة كلها، والقدرة كلها، واللطف كله، والخبرة كلها إن استسلمت لله استسلمت للمُطلق .

هذا هو الدين، إنّه خضوع ؛ إنك حينما تخضع لأمر إلهي، تخضع لأنه أمر الله عز وجل، قال علماء الأصول: " علَّة كل أمرٍ أنه أمر " . ويكفي أنه أمر وانتهى الأمر، وهذا يقودنا إلى قول سيدنا الصديق حينما أنبأه أهل قريش أن صاحبك يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلته . كلام غير مقبول، لا توجد مواصلات، ولا طائرات، ولا حوَّامات، ولا مركبات سريعة، ولا قطار سريع، ولا يوجد إلا الجمال، فشهر ذهاب وشهر إياب، أما أن يذهب إنسان ويصلي في بيت المقدس ويعود !! أرادوا أن يؤكِّدوا له أن صاحبك يقول كلاماً غير معقول: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلته !! فماذا كان جواب سيدنا الصديق ؟ قال: " إن قال هذا فقد صدق "، أرأيت الاستسلام ! 

 

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه

image.png.3abc33e9cfa91f7f29a8c665b6bb7fcb.png

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 وهذا الذي يخضع لغير الله إنسانٌ أحمق، لأنه يخضع لضعيف، وخسيس، ولئيم، وعاجز، وجاهل، وأصل الدين أن تخضع لله،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بورك فيك وجزاك الله خير

ومن يكون لغير الله تعالى مذلولا

قال تعالى { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتا} 66

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قضية تربية الأولاد من أخطر قضايا المسلم

﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)سورة البقرة ﴾

ذكر العلماء: أن من السُنَّة أن يكتب الإنسان وصيَّة يُصَدِّرها بنصح أولاده من بعده
أنا أُلِحُّ على أخواني الكرام أن يعتنوا بتربية أولادهم، لأن الابن استمرار لأبيه، ولأن شعور الأب حينما يرى ابنه طائعاً لله، عارفاً بالله، وقَّافاً عند حدود الله شعورٌ لا يوصف، ولا يعرفه إلا كل أبٍ حريصٍ على هداية أولاده

من النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده، من آيات القرآن الكريم قال تعالى:وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)(سورة طه)
أكبر معاناة يعانيها الأب الآن، أن أولاده ليسوا على ما يريد، ماذا يفعل ؟..

أرى أحياناً أنَّ الإنسان يعتصر الألم قلبه، ماذا يفعل ؟..

فقبل فوات الأوان يا إخوان، قبل فوات الأوان، إخواننا الشباب المتزوجون حديثاً هذا الكلام مفيد جداً لهم، مهما كان ابنك صغيراً يجب أن تربيه، ليكون أول صوت وصله كلمةُالتوحيد

( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن ))

أمَّا إذا وُجِدَت أجهزة المُلهيات بالبيت.. يؤدَّب الابن على حبِّ الفنانين والفنَّانات الأحياء منهم والأموات، هكذا..لا تنس هذا المثل الشهير (خزان ماء)، الذي تضعه من فتحته العليا تأخذه من صنبوره الأسفل، ما نوع التغذية التي يُغذى بها أولادك ؟ نوع التغذية.. ما يقرؤون من مجلات ؟ ما يقرؤون من صحف ؟ مع من يجلسون ؟ مع من يسهرون ؟
ما الحديث الذي يدور فيما بينهم ؟ هذه تغذية. ماذا يشاهدون ؟ ماذا يقرؤون ؟ ماذا يستمعون ؟ أين يذهبون ؟ مَنْ أصدقاؤهم ؟
هذه تغذية.. فإذا كان لابنك أصدقاء يغذونه تغذية سيئة، تغذية أساسها المتعة المحرمة، أساسها رفقاء السوء، أساسها الاحتيال على الناس، أنّى له أن يكون قرَّة عينٍ لك ؟المسلم أحياناً ينظر يمنةً ويسرةً فقد يجد نفسه ضعيفاً، أو يجد نفسه مستضعفاً، لا يملك أن يمنع هذه القوى المخيفة التي تتحرك لتقضي على الإسلام، لكنه يملك أن يربي أولاده والإنسان إذا أراد ألا يموت، فعليه بتربية أولاده تربيةً إسلاميةً قد يقول أحدكم: هناك عقبات كثيرة جداً، وهذا صحيح، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))( سنن الترمذي عن أنس بن مالك )

كل عمل ابنك في صحيفتك:إنها كلمة قالها الأبناء، ولكن هذه الكلمة مُحَصِّلة توجيهات مديدة وطويلة ومتعدِّدة، فالأب الذي يكون وراء أولاده ومعهم دائماً ينصحهم ويعلِّمهم، هذا والله شهدته مرَّةً إذ هناك أولاد متميزون في تدَيُّنهم، وسبب هذا التميز في التديُّن أن آباءهم كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على تربيتهم وعلى توجيههم، فالله عزَّ وجل يلحق عمل الأبناء بالآباء:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾( سورة الطور الآية: 21 )
أي أن كل عمل ابنك في صحيفتك،
ولذلك ( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ . ))[الترمذي عن أبي هريرة]
الأعمال الصالحة أولاً منوَّعة، ولكن أجلَّ هذه الأعمال على الإطلاق هي التي تستمر بعد موت الإنسان . فإنسان ترك أثراً علمياً كبيراً جداً، وإنسان ترك علماً، وآخر ترك كتاباً، وثان ترك دعوة، وثالث ترك معهداً، فهذه الدعوات الجليلة التي تستمر بعد موت الإنسان هي من أَجَلّ الأعمال، إنها صدقةٌ جارية لا نهاية لها، فتصور أنه يمضى مئة سنة، وألف سنة، وألفا سنة، وآلاف مؤلَّفة، وكل من استفاد من هذا الكتاب في صحيفتك، وكل من استفاد من هذا العلم في صحيفتك .

راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)سورة البقرة﴾

هل من الممكن أن نوفِّر وقتنا ونتجه نحو المستقبل ؟

قال العلماء: " هناك من يعيش الماضي، وهناك من يعيش الحاضر، لكن نُخبة البشر هم الذين يعيشون المستقبل " .
أخطر حدث في المستقبل هو الوفاة، وأخطر حدث بعد الولادة هو الموت، فالإنسان أمامه حدث خطير هو مغادرة الدنيا، بحسب الظاهر من كل شيء إلى لا شيء، إلى قبر، من بيتٍ فاخر إلى قبرٍ مظلم، ليس معك في القبر إلا عملك إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، فهذا الشيء المُجدي، أما الماضي فما لي وللماضي ؟
ما مضى فات والمؤمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
الأولى أن يفكِّر الإنسان في مستقبله، والأولى أن يعُد عمره عداً تنازلياً لا عداً تصاعدياً، اركب مركبة واذهب إلى حمص تصلها بمئة وخمسين كيلو متر، وبعدها بمئة وأربعين، مئة وثلاثين، مئة وعشرين، مئة وعشرة، مئة، تسعين، ثمانين، سبعين، ستين، خمسين، أربعين، ثلاثين، عشرين، عشرة، خمسة، حمص ترحِّب بكم، نازلين . فلو أحصينا عمرنا بهذه الطريقة اختلف الأمر .

البطولة لا أن تبحث في عمل الآخرين بل أن تبحث في عملك أنت :
الآن قضينا أربعين، فكم بقي يا ترى ؟
على المستوى المتوسِّط بالستين، فمعترك المنايا بين الستين والسبعين، فإنسان يموت وعمره خمس وخمسون، أو أربع وأربعون، أو تسع وثلاثون، أما الأغلبيَّة فبين الستين والسبعين، فإذا مضى من عمر أحدنا أربعون سنة، كم بقي له على المتوسط ؟ نصف ما مضى، وصل إلى الخمسين فبقي عشر، ووصل إلى الخامسة والخمسين بقي خمس، وبعد هذا ينتظر الصباح والمساء، فإذا نام لا يستيقظ، وإذا استيقظ لا ينام، يخرج من بيته كل يوم قائماً، ومرَّة واحدة أفقياً، وكلَّما خرج عاد إلا مرَّة واحدة يخرج ولا يعود، والموت مصير كل حيّ، فلذلك:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ (134) ﴾

مضت ونحن سنمضي، وبعد مئة عام في الأعم الأغلب لن يكون واحد منا في هذا المجلس على قيد الحياة، بل كلنا تحت الأرض بلا استثناء، وهؤلاء الذين في القبور كانوا أشخاصاً، ولهم هموم، ولهم مشكلات، وعندهم أعمال، وعندهم إنجازات، وسكنوا في بيوت جميلة، وأكلوا طعاماً طيباً، وتزوَّجوا النساء أين هم الآن ؟ أحياناً تجد جمجمة مثلاً بمتحف، أو بمخبر علمي طبيعي، فمن صاحب هذه الجمجمة ؟ ماذا كان يعمل ؟ لا نعرف، يوجد في أمريكا حفرة مثل الجب فيها كتلة تساوي خمسة طن كلها جماجم، وكان هناك اعتقاد واهم أن فيها كنوزاً فمئات وآلاف الأشخاص ألقوا بأنفسهم ليخرجوا الكنز، فماتوا ولم يجدوه وجماجمهم تشهد عليهم، وهذا هو الإنسان .

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) ﴾

هذه المقابر حول دمشق، هذا مات بالثمانين، وبالتسعين، وبالسادسة والثمانين، وبالخامسة والثمانين، وبالخامسة والتسعين، هذا عميد أسرته، وهذا الشاب، وهذا الطبيب، وهذا المهندس، فهذه المقبرة فيها كل الناس، وكل إنسان له عمله، فالبطولة لا أن تبحث في عمل الآخرين ـ دقِّق في هذا الكلام ـ البطولة أن تبحث في عملك أنت، لأن عملك أنت هو الذي تُسأل عنه بالضبط .

راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
image.png.ab6d49f15ab1b7dc2ad22b8ff120b071.png
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) سورة البقرة﴾

من هو السفيه ؟

السفيه هو الذي يبدد ماله أو قدراته بلا جدوى . أوضح مثل لو أن إنساناً أمسك ألف ليرة وأحرقها أمامك بلا سبب، وبلا هدف هو سفيه، وأنا مضطر أن أسوق الموضوع إلى فرع ثم أعود إلى أصل الموضوع، مُرَكَّب في الإنسان أن الوقت أثمن من المال، بدليل أن الذي ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ يصاب بمرضٍ عضال،
وهناك عملية جراحيةٌ في بلدٍ بعيد، ربما أمدت في عمره بحسب قول الأطباء سنواتٍ معدودات، يبيع بيته وكل ما يملك ليجري هذه العملية التي يأمل أن يعيش من خلالها سنواتٍ معدودات، ما معنى ذلك ؟
أن الوقت أثمن من المال، فالذي يُبدد المال يُتَّهم بالسفه، والذي يبدد الوقت هو أشد سفاهةً .
هذا الذي يجلس يُمضي ساعاتٍ وساعات وراء المسلسلات التي لا طائل منها، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في حديثٍ فارغٍ لا جدوى منه، هذا الذي يمضي ساعاتٍ وساعات في لعب النَرد، هذا يُعَدُّ أشد سفهاً من الذي يبدد المال لأنه يبدد الوقت الذي هو أثمن من المال، السفيه إنسان غير عاقل، إنسان يتلف الجوهر ويبحث عن الفحم، يُهمل اللؤلؤ ويأخذ الأصداف، السفيه لا يلتفت إلى النفيس ويتَّجه إلى الخسيس، هذا هو السفيه .
ثم إن الإنسان حينما يرفض شيئاً يعبِّر عن احتقاره له، إن رفض بيتاً فلأنه صغير، أو لأنه في منطقةٍ ليست مناسبة، أو لأن اتجاهه نحو الشمال، إن رفضت عملاً فلأن دخله قليل، إن رفضت فتاةً لأن أخلاقها لا تُعجبك،


﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾
( سورة البقرة)

السفيه هو الذي يردُّ النفيس ليأخذ الخسيس، هو الذي يرد الثمين ليأخذ الرخيص، هو الذي يزهد في الآخرة ليأخذ الدنيا الفانية هذا سفيه، وكل إنسانٍ ما عرف الله سفيه ولو كان أذكى الأذكياء ولو حمل أعلى الدرجات، السفاهةُ أن تعرض عن النفيس وتتبع الخسيس .

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الله سبحانه وتعالى حينما كلَّف الإنسان حمل الأمانة جعله مخيراً:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾( سورة البقرة الآية: 148 )
وقال:
﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾( سورة الكهف)
تؤكد هذه الآيات أن الإنسان مخيَّر، وإذا سعد الإنسان بهذا الاختيار فلأن الله شاء له أن يختار، إذا اختار طاعة الله عز وجل والتقرب منه استحق دخول الجنة .

الإنسان مخير في حدود ما كُلِّف:

لولا أن الله سمح له أو أذن له أن يكون مختاراً لما اختار، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾( سورة التكوير )
الإنسان حمل الأمانة، وكلف طاعة الله عز وجل، كان مخيراً من أجل أن يثمن عمله، ولكن الله طليق الإرادة، أي شيءٍ يعطيك إيَّاه يأخذه منك في أية لحظةٍ، فالإنسان في الأساس مسير حينما يولد، مسير في أمه وأبيه، وعصره وزمانه، ومكانه وقدراته، وما إلى ذلك مما ليس له اختيارٌ فيه، وهذه الأشياء التي سُيِّرت فيها هي أكمل شيءٍ إليك، ليس في إمكانك أبدعُ مما أعطاك، ثم أنت مخيَّر في حدود ما كُلِّفت .
أنت مخير في دائرة التكليف افعل ولا تفعل، أمرك أن تصلي، بإمكانك أن تصلي وأن لا تصلي، أمرك أن تكون صادقاً، بإمكانك أن تصدق أو أن تكذب، أمرك أن تغض البصر، بإمكانك أن تغض وأن تطلق، أنت مخير في حدود ما كلفت، ولكن ولأن الله رب العالمين، من أجل أن يربيك تربيةً تقيك دخول النار، لو أنك اخترت اختياراً غير صحيح لأدبك الله عز وجل . كيف يؤدبك الله ؟
يأخذ من كل ذي لبٍ لبَّه، ثم يسوقه إلى مصيبة، أنت الآن مسيرٌ، مسيرٌ بدفع ثمن اختيارك، فكنت مسيراً حينما ولدت، من قبل أمك وأبيك، فكونك ابن فلانة وابن فلان، أنت فيهما مسيراً، وولدت في دمشق مثلاً، وفي عام كذا، أنت فيه مسير، وقدراتك كذا وكذا أنت فيه مسير، ثم حُمِّلْتَ الأمانة، وحملت أن تكون مخيراً فيما كلفت، حينما تستخدم هذا الاختيار بشكلٍ غير صحيح يأتي التأديب رحمةً بك، مع التأديب يُسْلَب الإنسان اختياره ليؤدَّب أو ليكافأ ز
الله جعل هذا الإنسان المخلوق الأول، جعله مكرماً كرمه بالشهوة والشهوة قوة دافعة، وكرمه بالاختيار، وكرمه بالفردية، وكرمه بالعقل، وكرمه بالتشريع، هذه مقومات التكليف لذلك ربنا عز وجل يقول: لو شئنا أن نجبركم على شيء ما وأن نلغي اختياركم ونلغي تكريمكم وأن نلغي أنكم المخلوق الأول، لو شئنا أن نلغي هويتكم وتكريمكم واختياركم وأردنا أن نجبركم لما أجبرناكم إلا على الهدى.


﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾(سورة السجدة )
لكن هذا الهدى الناتج عن الإكراه لا يسعد إطلاقاً ولا ترقى به إلى الجنة
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾(سورة الأنعام )
قال علماء التفسير وعلماء العقيدة: هذه الآية أصل في أن الإنسان مخير فمن ادعى أنه مسير، مكره، مجبر فقد التقى مع طور المشركين.الخرص أشد أنواع الكذب، وهذا الكذب على الله،
ويقول الإمام الغزالي: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
فأن تتوهم أن الله أجبرك على المعصية، وقدر عليك كل المعاصي قبل أن تخلق وسوف يحاسبك عليها ولا رأي لك بذلك، هذا كلام لا يقبله أحد


موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ديننا دين الفطرة والوسطية
 
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143) سورة البقرة﴾
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
نحن ديننا دين الفطرة، دين الوسطية، الإنسان مأمور أن يعبد الله وأن يسعى لرزق يومه، ما من شهوةٍ أودعها الله فينا إلا فتح لها قناةً نظيفة تسري خلالها، دين وسطي، الأمة التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغط من الواقع، عادت شعوب الإسلام الآن مُكرهةً . الأمةٌ التي تطرفت عادت الآن إلى وسطية الإسلام بضغطٍ من الواقع السيئ الذي نتج عن هذا التطرُّف، لا عن تعبُّدٍ ولكن عن رجوعٍ إلى مصالحها .
مثلاً الاتحاد السوفيتي حرم الخمر قبل أن ينهار، كثير من القوانين الآن تصدر مطابقة لتعليمات الشرع، مثلاً منعت بعض الجامعات في أمريكا الاختلاط، لأنهم وجدوا أن عدد اللقطاء في الحدائق أصبح لا حدود له، فحرمت الاختلاط، سمعت أن بعض البلاد في أوروبا حرَّمت الخمر، الخمر مثلاً محرم في السويد، لا يستطيع الإنسان هناك أن يشرب الخمر إطلاقاً إلى أن يذهب إلى الدنمارك، فالآن الشعوب المتطرفة يميناً أو يساراً عادت إلى الإسلام لا عن تعبُّدٍ، ولا عن طاعةٍ لله، ولكن عن مصلحةٍ، فديننا دين وسطي بين تعدد الآلهة وبين إنكار الآلهة، بين إنكار النبوة أو بين أن يتهم الأنبياء كما في العهد القديم بالفسق والفجور والزنا وما إلى ذلك

بعض معاني الوسطية:هناك من لا يعمل وهو زاهدٌ في الدنيا، وهناك من يعمل وينسى كل شيء، نحن أُمرنا أن نعمل وأن نعبد الله وأن نصلي خمس صلواتٍ كل يوم، في أي موضوع وصفه الإسلام كان وسطياً، إذا ضربك إنسان على خدك الأيمن، في بعض الأديان يجب أن تدير له خدك الأيسر ليضربك عليه صفعةً ثانية، ولكن الله عز وجل قال:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) ﴾( سورة الشورى )

هناك وسطية، لو عدتم إلى هذه الخطبة الوسطية في الإسلام لوجدتم فيها كل شيء، بحث مطوَّل جداً:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
وسطاء من جهة، والوسط دائماً مركز الدائرة، المركز في الوسط والمحيط يساوي الأطراف، فالإسلام في الوسط، مكان تقاطع الأفكار، لا يوجد تقاطع في التطرف، أما الوسط فيه تقاطع، هذا المعنى رياضي أيضاً، الشمس لا تكون في أشد سطوعٍ إلا وهي في وسط النهار، فالوسط اعتدال، والوسط قوة، والوسط عَدْل، والوسط توسط بين شيئين متطرفين، هذه كلها من معاني الوسطية

ديننا دين متوازن:
ديننا متوازن، بين عدم الزواج كلياً، وبين الزنا من دون قيد أو شرط، لدينا زواج، وفي حالات خاصة مسموح بثانية وثالثة ورابعة:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
ترك العمل تطرُّف، والانغماس بالعمل تطرف:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (143)﴾
وقال:﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (37) ﴾(سورة النور)
وقال:﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (143)﴾تشهدون لهم الحق:﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (143)﴾
إنك حين ترى واقع الأمة المؤلم، لماذا تتألم ؟ أين كنا وأين أصبحنا ؟ فبعض المسلمين أو أكثرهم فتنوا بالغرب، فعاشوا حياة الغرب، ونسوا دينهم، والأمانة التي حملهم الله إيَّاها، وعاشوا في انفصامٍ في شخصيتهم، يعتزون بدينهم وبماضيهم، ويضربون في هذه الحضارة المتوهِّجة التي نسوا فيها أوامر ربهم، هذه حالة صراع، وحالة انفصام شخصية، تصيب كل إنسان لم يقو إيمانه بحيث يتجاوز كل هذه العقبات والصوارف، بل جعله إيماناً وسطاً، إيماناً ضعيفاً جذبته هذه القوى من يمينٍ أو من شمال .


راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الابتلاء امتحان وليس شراً

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين )[البقرة155]
لا بد من كلماتٍ بين يدي هذه الآية، الابتلاء ليس شراً، كيف أن الناس يفهمونه شراً لا أدري، الابتلاء امتحان، ما هو الشر ؟
أن تسقط في هذا الامتحان. فإذا نال شخص أعلى شهادة، تربَّع على أعلى منصب بسبب شهادته، وله دخلٌ خيالي بسبب شهادته، هذه الأيام العصيبة التي دخل فيها الامتحان هل يراها شراً ؟
لولا هذا الامتحان لما نال هذه الشهادة، ولما كان في هذا المنصب، ولما كان له هذا الدخل الكبير، هل يعد هذا الإنسان الامتحانات التي خاضها شراً ؟
أعوذ بالله، بل هي خيرٌ محض.

الابتلاء هو الامتحان، لماذا الامتحان ؟
من لوازم الإعداد الابتلاء، إنك عندما تعد طالباً ليكون طبيباً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون قائداً عسكرياً لا بد من أن تمتحنه، إنك حينما تعد إنساناً ليكون محامياً لا بد من أن تمتحنه، كلمة إعداد من لوازمها الامتحان.


الامتحان من لوازم الإعداد:
نحن في حياةٍ دنيا، أهم ما في هذه الحياة أنها إعداد لحياة عليا، هذه الحياة الدنيا المحدودة القصيرة المفعمة بالمتاعب، هي إعداد لحياة عُليا أبدية لا نغص فيها ولا نصب، إذاً لا بد من الامتحان.
فأول نقطة  أن الامتحان من لوازم الإعداد، وما دمنا نُعَدُّ في هذه الحياة لليوم الآخر ؛ لجنة عرضها السماوات والأرض إذاً لا بد من أن نمتحن، والدليل قوله تعالى:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]
هذا من سنن الله في خلقه، إيَّاكم أن تتوهموا أنه يمكن أن تعيشوا حياةً مديدة من دون ابتلاء، وكل إنسانٍ له مادة امتحان مع الله، قد تمتحن بالخير:﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾[ سورة الأنبياء الآية: 35 ]وقد تمتحن بالشر، قد تمتحن بالعطاء وقد تمتحن بالأخذ، قد تمتحن بالغنى وقد تمتحن بالفقر، قد تمتحن بالصحة وقد تمتحن بالمرض، قد تمتحن بالوسامة وقد تمتحن بالدمامة، قد تمتحن بالقوة وقد تمتحن بالضعف، لا بد للمؤمن من مادة امتحانٍ مع الله، إما أن تمتحن فيما أعطاك، وإما أن تمتحن فيما سلبك، على كلٍ امتحان.

آيات من الذكر الحكيم تبين أن الإنسان ممتحن في كل أطوار حياته :قال تعالى:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾[ سورة العنكبوت الآية: 2]
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 142 ]﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 92]
إذاً يجب أن توطِّن نفسك على أنك ممتحن في كل أطوار حياتك ؛ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟
يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ـ رسب في الامتحان ـ قال: ألم تعلم أني الرزاق القوي المتين، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم. سأل عبد آخر: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظ وأنت أرحم الراحمين. قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.


الامتحان من خصائص الحياة الدنيا :
أيها الأخوة... يجب أن نؤمن جميعاً أن الامتحان من خصائص الحياة الدنيا، كما يجب أن يؤمن أي طالب في العالم أن الامتحان من خصائص المدرسة، هل رأيتم أو سمعتم في العالم كله جامعة بلا امتحان ؟ مستحيل، هل هناك جامعة تنتسب إليها وبعد مضي زمن محدد تمنح الدكتوراه من دون امتحان ؟ أنت تقدم طلباً فتُمنح الدكتوراه، مستحيل، من لوازم التعليم في العالم كله الامتحان، والإعداد في العالم كله من لوازمه الامتحان، فإذا كانت الدنيا دار ابتلاء، دار إعداد للآخرة فمن لوازمها الامتحان:﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾[ سورة المؤمنون الآية:30 ]

الامتحان ليس شراً ولا خيراً، خير إذا نجحت فيه وشر إذا رسبت فيه، حيادي، أنت مخير، لا خير ولا شر، كما قلت قبل قليل: إنسان ينعم بدخل فلكي، لأن معه شهادة نادرة، لأنه دخل امتحانات صعبة ونجح فيها، هل يعد الامتحان شراً له ؟ بالعكس، كل هذه المكانة مع كل هذا الدخل لأنه نجح في الامتحان، وإنسان رسب في الامتحان، الامتحان شر له، فالامتحان صفة مطلقة لا خير ولا شر، ليس خيراً ولا شراً، الامتحان شر إذا رسبت فيه، وخير إذا نجحت فيه.

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

                                                                               

الخوف بيد الله ويمكن إزالة أسبابه بالتوحيد والإيمان :

قال تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾
قد يأتي عدوٌ لك فيتهددك، هو بيد الله، فربنا عز وجل أراد أن تقوى معنوياتك، وأن تتدرب على تحدي الخوف، وأن تزيل أسبابه بالتوحيد والإيمان، فربنا عز وجل قال :﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ﴾

هذا الخوف ينتهي من حياتك:﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾[ سورة المعارج ]
المتصل لا يخاف، المتصل أقوى إنسان لأنه مع الواحد الديَّان، المتصل بالله أقوى إنسان لأن الله عز وجل قال:﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾[ سورة غافر الآية: 60 ]
علاقة المؤمن طيبة مع ربه، هو ربَّاني، مستجاب الدعوة، وأكبر خصم له في قبضة الله، " فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ "
علاج الخوف الصبر حتى يحكم الله :
يجب أن نؤمن أن الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات إعدادات وتدريبات على خوض معركة الحق والباطل، الصحابة الكرام أكلوا ورق الشجر في أثناء القطيعة التي فرضها عليهم المشركون،، قد تحتاج إلى أن تكون صابراً، قد تخاف، علاج الخوف أن تصبر حتى يحكم الله:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾[ سورة آل عمران الآية: 146]


الخوف والجزع نقاط ضعف لصالح إيمان المؤمن :
يدربك الله على أن تخوض معركة الحق والباطل، وأن تنجح في هذه المعركة، فهو يعطيك شيئاً من خوف، مثل للتوضيح: قد يهجم جرثوم على جسم فيفتك به، وينهي حياته، لكن كي نهيئ الجسم إلى مقاومة هذا الجرثوم نعطيه جرثوماً مضعفاً، خفيفاً، فالأجهزة المناعية تهيئ مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فإذا حدثت هجمة شرسة قوية ، فالسلاح جاهز، ماذا فعلنا حينما حقننا تحت الجلد جراثيم مضعَّفة ؟ دربنا الجسم على صنع مصل مضاد لهذا الجرثوم.
كذلك الله عز وجل يخوفك، حتى إذا جاء الخوف الحقيقي تكون صامداً، لا تنهار، وأساس الإنسان أنه يخاف، يخاف لمصلحته، لأن أمنه عند الله، فإذا خاف يلجأ إلى الله، الإنسان سريع العطب، شديد الخوف، هكذا قال الله عز وجل:﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾[ سورة المعارج ]
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾[ سورة المعارج ]
هذه نقاط ضعف لصالحه، لصالح إيمانه.


هناك كذلك خوف أرقى من هذا، فقد ورد:
رأس الحكمة مخافة الله، حينما تخاف أن تنقطع صلتك بالله، فتتمسك بأهداب الشرع هذا خوف راقٍ جداً، ليس خوفاً من مصيبة،
بل خوفاً من أن تنقطع عن الله، حريص على هذه الصلة مع الله،
هذا الخوف الذي يرقى بك إلى الله عز وجل.

image.png.c82b90e91030b72ff808ebdcdea8d034.png

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏‏من سورة النحل [99] ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لا يقوى تسلُّط الشيطان على الإنسان إلا مع ضعف الإيمان، وإذا قوي الإيمان ضعف تسلّطه. دُرَر الطَّريفِي

×