اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

هذا ولي الله

المشاركات التي تم ترشيحها

No photo description available.


هذا وليّ الله([1])
 
 
إن الحمد لله ..., أما بعد:
 
فأوصيكم ونفسي أيها المسلمون بتقوى الله عز وجل, إخوة الإيمان: روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «من عاد ليّ وليًا فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه, فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يُبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأُعطينه, ولئن استعاذني لأُعيذنه, وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته»([2]).
 
هذا الحديث القدسي العظيم هو أشرف حديثٍ في صفة الأولياء, فمن هم الأولياء؟
يُجيبنا ربنا عز وجل في كتابه عن هذا السؤال, فيقول سبحانه:

﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾, من هم؟ 
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]، فهم مَن تحقق بالإيمان ولازم التقوى.
 
لذا قال أهل العلم: من كان لله تقيًا كان لله وليًا.
 
أيها المؤمنون: إن مما يلفت نظر المتأمل في هذا الحديث القدسي العظيم: أن الله عز وجل لم يبتدئ بثمرة الولاية المتعلقة بفعل الطاعات -نوافلها وفرائضها- بل ابتدأ بالدفاع الأول من الله عز وجل عن وليه المؤمن, ولكأنما تلحظ تشابهًا في بداية هذا الحديث وفي بداية سورة النور التي هي سورة العفة, التي أحاطت العفةَ بأسوارٍ عظيمة, لكنها ابتدأت بأعظم الحدود المتعلقة بهتك الأعراض، حينما ابتدأ التحذير الشديد في ثاني آيةٍ من آياتها ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾[النور:2] الآيات... ثم بعد ذلك الحديث عن غض البصر, هنا حديثٌ عن دفاع ملك الملوك جل جلاله وتقدست أسماؤه عن وليّه المؤمن الذي قد يُكاد من أعداءٍ له يتربصون به السوء, هو يمشي على الأرض, لكنه محفوظ من السماء, محفوظ ممن له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله, إنه مقام الدفاع عن الأولياء, إنه مقام بيان مكانتهم «فمن عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب».
 
والمتأمل في لفظة: «الحرب» في نصوص الشريعة يلحظ ما قاله ابن رجب رحمه الله: كل معصية لله عز وجل ففيها حرب، وتتفاوت بتفاوت الذنوب والمعاصي قبحًا وشدةً, ألم تسمعوا قول الله عز وجل عن أكَلَة الربا، وعن قُطّاع الطريق؟ أما أكلة الربا فقال سبحانه عنهم: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[البقرة:279]، وأما قطّاع الطريق فقد قال الله عنهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ويسعون في الأرض فسادًا...﴾[المائدة:33].
 
ولذا كان الحسن البصري رحمه الله إذا تلا أمثال هذه النصوص يقول: يا ابن آدم! هل لك بمحاربة الله تعالى من طاقة؟!
 
إذا عُلم هذا أيها المؤمنون فإن المؤمن العاقل ينفر من معصية الله عز وجل، ولست أعني بذلك الخطأ العارض, فكلنا ذو خطأ, «وكل ابن آدم خطاء»([3]), إنما الحديث عن إصرارٍ على معصية الله عز وجل وديمومة عليها، مع علم العبد بأن هذه معصية، أي أنها تُغضب الله, أي أن الله يغار من عبده أن ينتهكها، «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله»([4]).
 
ثم ينتقل الحديثُ القدسي العظيم إلى بيان وذكر الأسباب التي تُنال بها ولاية الله, لأن كثيرًا من الناس يدّعي الولاية، وربما ظن أن الولاية تُورَث, فما دام أن أباه وليٌ فهو ولي, وما دام أن شيخه ولي فهو ولي؟ كلا، فالولاية عَقدٌ ثمنه: الإيمان والتقوى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:63].
 
فكيف تُنال هذه الولاية؟
 
الجواب المُجمَل: أن ولاية الله لا تُنال إلا بطاعته سبحانه، وترك معصيته، هذا محصِّل الأسباب, فاستمع إلى قول ربك عز وجل في هذا الحديث القدسي يقول: «وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إليّ مما افترضته عليه».
 
وأعظم الفرائض على الإطلاق: فريضة التوحيد, فإن الله عز وجل ما أوجب على العباد أعظم منها, وما بعث الرُسل عليهم الصلاة والسلام إلا لأجل تحقيقها.
 
ثم فريضة الصلاة التي لعِظمها ومحبة الله لها فرضها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلى مكانٍ وصل إليه بشر, وفرضها أول ما فرضها خمسين صلاةً في اليوم والليلة، أيُّ حبٍ هذا؟! لكنه سبحانه علم ضَعف عباده فرحمهم، وخفّف عنهم هذا التخفيف العظيم، فصارت خمس صلواتٍ في اليوم والليلة, هذه عمود الدين, هذه أعظم الفرائض بعد الشهادتين التي يحبها الله عز وجل, فمن ادعى الولاية وهو مفرطٌ فيها فقد كذب في دعواه.
 
ثم تأتي فريضة الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم بر الوالدين إلى غير ذلك مما أوجبه الله عز وجل, فكل ما أوجبه الله فهو مما افترضه على عباده, وهو أحب ما يَتقرَّب إليه العبادُ به.
 
فيا باغي الولاية! ويا محب محبة الله جل وعلا! انظر في صلاتك, وتفقّد باقيَ فرائضك، فإن وجدته على ما يرضي الله عز وجل فإنك –بلا شك- نائلٌ من ولاية الله بحسب فعلك، وبحسب أداءك وقيامك بها على الوجه الشرعي.
 
قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا أدى الصلاة على الوجه الشرعي؛ فإنه يشعر –ولابد- بقرب من الله سبحانه وتعالى, يجد ذلك انشراحًا في صدره, وطمأنينة في باله, وأُنسًا في حياته.
 
أما إن كان يؤديها هكذا حركاتٍ بلا روح فحينئذ ثمة خلل ولابد.
 
أما الوسيلة الثانية، والسبب الآخر لنيل ولاية الله عز وجل: فهي فعل النوافل والتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى, كما قال تعالى في هذا الحديث: «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه».
 
تأملوا أيها الأحبة في قوله سبحانه: «ولا يزال» فليست من صفة الأولياء: أنهم يفعلون النافلة مرةً من المرات في يومٍ من الأيام! بل هم دائمون على فعل النوافل، كما يدل عليه هذا الفعل «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل».
 
وهذا صريحٌ في أن من أسباب القرب من الله: كثرة نوافل العبد, لأنه إذا انتقل من مرحلة الفرائض إلى مرحلة النوافل فهذا دليلٌ على حبه لطاعة الله عز وجل, إذْ بعض الناس قد يقتصر على الواجبات -من فعل الفرائض وترك المحارم- وهذه درجة أصحاب اليمين, لكنّ أُناسًا منهم تاقت نفوسُهم إلى مقامٍ أعلى, وهو مقام السابقين, فانتقلوا من فعل الفرائض -والحرص على إحكامها والقيام بها- إلى فعل النوافل، مع أنهم لو تركوها لم يكونوا آثمين، بل يفعلونها حبًا ورغبةً في القرب من الله عز وجل «ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل».
 
جاء ربيعة بن كعب الأسلمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرّب له وضوءه, فلمح صلى الله عليه وسلم في عيني الشاب رغبةً في سؤالٍ أو طلبٍ, فقال له صلى الله عليه وسلم: «سلني حاجتك»؟
 
أتتوقع أن هذا الشاب تمنى أن يدعوا له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُرزق المال الكثير, أو أن يتزوج الزوجات، ويجمع الجواري، أو ينال ملكًا؟ لا, قال: يا رسول الله! أسألك مرافقتك في الجنة.
 
هنا لم يُحِلْهُ النبي صلى الله عليه وسلم على الأماني، بل أحاله على الأفعال, فأرشده إلى شيء هو من أحب الأحوال إلى الله عز وجل أن يرى العبدَ عليها, فقال: "أعنّي على نفسك بكثرة السجود"([5]).
 
ولما كانت الفرائض محدودة، ولا يمكن للعبد أن يزيد فيها؛ فلم يبق للعبد إلا أن يُكثر من نوافل الصلاة.
 
أيها الشاب! انظر إلى سؤال ربيعة، وانظر إلى همومك وطموحاتك! ربيعة يسأل الله أن يكون رفيقًا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم في الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُحلْه إلى الأماني بل أحاله إلى الفعل، ففتش يا بني, فتش يا أُخيّ عن نصيب النوافل من صلاتك, فإن وجدتها نتيجةً لا تَسُر ففتش عن الفرائض, فإن وجدتها كذلك فالحق بنفسك قبل أن تُلْحَق نفسُك بالأموات.
 
«ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه» الله أكبر ما أعظمها من ثمرة! ولله المثل الأعلى والمقام الأسمى والصفات العلا: لو أن وزيرًا أو أميرًا أو ملِكًا قال لمن حوله: من حافظ على الدوام في وقته، ومن أنجز هذا القدْر من العمل؛ فإن مكانته ستزيد عندي, ماذا سيصنع الموظفون عنده؟ إنهم سيتسابقون إلى رضا بشر مثلهم! وماذا سيعطيهم هذا البشر؟ هل سيضمن لهم الجنة؟ هل سيضمن لهم النجاة من النار؟ هل سيضمن لهم انشراحًا في صدورهم؟ هل سيزيل همومهم؟ غاية ما يملكه أن يمنحهم مالًا أو عقارًا أو وظيفةً ثم قد يموت قبلهم, لكن القُرب من الله قُربٌ لا خسارة معه, لكن القُرب من الله قُربٌ كل الخير فيه، فالله هو الذي بيده أن يُدخلك الجنة، ربُّك إذا أحبك أنجاك من النار, إذا أحبك شرح صدرك, وآنس وحشتك, وفرّج كربتك, ووهبك من الخير ما لا يخطر لك على بال، أليس الله هو الذي بيده خزائن السموات والأرض؟!
 
«ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه», ومن أعظم النوافل: هي نوافل الفرائض التي يحبها الله, فلئن كانت الصلاة أحب الأعمال إلى الله فإن نوافل الصلاة كذلك, وإن قيام الليل ولو قليلًا لمن أعظم الفرص التي يتقرب بها العبد إلى الله, ومن أعظم المقامات التي يتصف بها أولياء الله، وانظر كيف أثنى الله على صالحي أهل الكتاب بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾[آل عمران:113].
 
قيام الليل ولو قلّ هو دأب الصالحين، وهو مِن أبعد الأعمال عن الرياء، وأفضله ما وافق وقت التنـزّل الإلهي.
 
تصور أنك تناجي ربًا يقول لك: «من يستغفرني فأغفر له, من يدعوني فأستجيب له»([6]).
 
ومن النوافل العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى الله: كثرة قراءة القرآن.
 
قال خباب بن الأرتّ: "تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه"([7]).
 
وكذلك كثرة الذكر لله, فقد جاء في الحديث الصحيح: «من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم, ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسيّ»([8])، وفي الحديث الآخر: «أنا مع عبدي حيثما ذكرني»([9]).
 
أيها المؤمنون: قد يقول بعضُ الناس: لقد أكثرتَ علينا من أنواع النوافل؟
 
وأقول: لا والله ما ذكرتُ إلا قليلًا, ولكن مَن تأمل في واقع الناس الصالحين، وأولياء الله المتقين -فضلًا عن التَّراجِم التي مرّت في الغابرين- وجد أن مَن أقبل على الله يسّر الله له أمورًا لا تخطر له على بال من بقية الطاعات ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾[محمد:17].
 
ولو لم يكن ـ أيها الإخوة ـ في ثمرات الإكثار من النوافل: إلا أن الإنسان يتطبّع قلبُه عليها، فيُحبّب اللهُ إليه الإيمان ويُزينه في قلبه, ويُكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، حتى إنه لو عصا معصيةً من الصغائر شعر بما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: "يرى ذنبه كأنه جبلٌ فوق رأسه يخشى أن يسقط عليه".
 
أما من مَرَدَ وفرّط في الفرائض والنوافل؛ فتراه يعصي ويعصي  ويعصي, ولا يبالي بما فعل, نعوذ بالله تعالى من هذه الحال!
 
هذه ـ أيها الأحبة ـ بعض وسائل نيل الولاية، فما ثمرات أن تكون وليًا لله؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله تعالى في الخطبة الثانية, نفعني الله وإياكم بما سمعنا, وجعلنا وإياكم من أوليائه المتقين, وحزبه المفلحين, أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم ليّ ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
 
فإن مَن تحقق بالولاية لله عز وجل فسينال خيراتٍ كثيرة, لكن محل الشاهد هنا ما جاء في هذا الحديث القدسي العظيم، فمن كان لله وليًا فليستمع إلى هذه الثمرات:
 
قال الله تعالى: «فإذا أحببتُه: كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يُبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها».
 
والمعنى: أن الله تعالى يرزقه السداد والتوفيق؛ فيرى بنور الله، ولا يُبصر إلا إلى ما أباح الله أو شرع الله عز وجل، حتى إذا ما حانت منه التفاتةٌ إلى مُحرم أعانه الله على غض البصر, وعلى حفظِ السمع عما حرم الله, أو كتابة شيءٍ بيده -رسالة جوالٍ أو تغريدةٍ أو مقطعٍ أو غير ذلك- يعصمه الله ويُسدّده فلا يكتب إلا ما يرضي الله تعالى.
 
واجعل هذا ـ أيها المؤمن ـ مقياسًا لحياتك، فإذا رأيت بصرك مطلقًا في الحرام, أو أُذنك مطلقة في الحرام فهذا دليل بَيّنٌ على نقص ولايتك, فانظر مِن أين أُتيت؟ أمِن تقصيرك في الفرائض الواجبات؟ أم انتهاكك لمحرمات؟ والله تعالى لا يظلم أحداً.
 
أما الثمرة الثانية ـ وهي من أعظم الثمار ـ: «ولئن سألني لأعطينه»!
 
سبحان الله! تأتي جملة القسم هذه ـ والله تعالى لا يأمره أحدٌ بالقسم ـ ولكنه مقام الثناء, ومقام العطاء من الله عز وجل لأوليائه المتقين.
 
«ولئن سألني لأعطينه» هذه جملة قسَم، وما ظنك بعطاء الرب الكريم؟! لا يمكن أن يصفه واصف.
 
والثمرة الثالثة: «ولئن استعاذني لأُعيذنه» بالله عليك! كم هي العطايا التي تتوق لها نفسك؟ وكم هي الأشياء المحظورة التي تخافها وتستعيذ بالله منها؟
 
إن أقرب طريقٍ لتحقيق الإجابة هو نيل ولاية الله عز وجل, فإذا نلتها فأبشر, لكن انتبه لا تدعونّ بإثم أو قطيعة رحم, وأيضًا لا تعجلن فتقول: "دعوتُ دعوتُ فلم أر يستجاب لي"!([10]) فإن عليك الدعاء وعلى الله الإجابة, والإجابة لستَ أنت ولا أنا من يُحدد كيفيتها، فقد يؤتيك الله سؤلك مباشرة, وقد يدفع الله عنك شرًا لم تكن تعلمه, وقد يؤجل الله إجابتك إلى وقت أحوج ما تكون إليه, وقد -وهذه التي لابد منها- أن ترى ذلك في صحيفة حسناتك إذا لقيتَ الله عز وجل.
 
ثم يُختم هذا الحديث القدسي العظيم بما يدل على مكانة هذا الولي عند الله عز وجل: «وما ترددتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته».
 
المؤمن بل الإنسان ـ مسلمًا كان أم كافرًا ـ يكره الموت، كما قالت عائشة رضي الله عنها لما سمعت قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن كره لقاء الله كره الله لقاءه», قالت: "يا رسول الله! أهو الموت فكلنا يكره الموت؟ قال: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بُشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه»"([11]).
 
الموت تكرهه النفوس, ولعِظم مكانة الولي عند الله فإن الله تبارك وتعالى يُخبر عن نفسه العلية بأنه لا يتردد عن فعل الشيء ـ وهو الذي لا مُكرِه له سبحانه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ـ ولكن لعِظم مكانة هذا الولي يتردد سبحانه ترددًا يليق بجلاله وعظمته عن قبض روح عبده المؤمن, ولكن لابد له من هذا الموت؛ فهي سُنة ماضية.
 
هذه ـ يا عباد الله ـ صفة الأولياء، وهذه بعضُ أسباب نيل ولايتهم, وبعض ثمرات الولاية, فالله الله لنجتهد جميعًا في التحقق بها، والحذر من نواقضها علّ الله عز وجل أن يسلكنا جميعًا في سلك أولياءه المتقين, وحزبه المفلحين, اللهم اجعلنا من أوليائك المتقين, وحزبك المفلحين, اللهم إنا نعود بك يا ربنا أن نُصِر على معصيةٍ تُبعدنا من القرب منك يا رب العالمين.
 
 
 
([1]) ألقيت في 8/5/1436هـ.
 
([2]) رواه البخاري في كتاب الرقاق ح(6502).
 
([3]) سنن ابن ماجة ح(4251)، سنن الترمذي ح(2499)، قال ابن حجر في بلوغ المرام ح(1491): وسنده قوي.
 
([4]) البخاري ح(5223)، مسلم ح(2761).
 
([5]) صحيح مسلم ح(489).
 
([6]) البخاري ح(1145)،  مسلم ح(758).
 
 
د. عمر بن عبد الله المقبل
الموقع الرسمى لد. عمر بن عبد الله المقبل

No photo description available.
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

تمامُ الخذلان انشغال العبد بالنعمة عن المنعم وبالبلية عن المبتلي؛ فليس دومًا يبتلي ليعذّب وإنما قد يبتلي ليُهذّب. [ابن القيم]

×