اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

لا تغفل عن هذه التجارة

المشاركات التي تم ترشيحها


كل عاقل مُدرك لا يشك لحظة أن مَن يربح الكثير في الوقت القصير أفضل ممن يربح القليل في وقت طويل، ومن هِمَّته في الثرى ليس كمن همته في الثريا، ومن يأتيك بالأزهار ليس كمن يأتيك بزهرة واحدة فقط، وهذه حالنا مع النية؟! فكل عمل لا بد له من نية كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).
 
ولكن هناك من يعمل العمل، ويستحضر عددًا من النوايا، فتضاعف له الأجور، ويجمع أكبر قدر من الحسنات بوقت قصير وعمل واحد، وهناك من يستحضر في العمل نية واحدة، فلا يكون له إلا أجر هذه النية، وشتان بينهما.
 
قال الغزالي في إحياء علوم الدين:
الطَّاعَاتُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنِّيَّاتِ فِي أَصْلِ صِحَّتِهَا، وَفِي تَضَاعُفِ فَضْلِهَا أَمَّا الْأَصْلُ، فَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ، فَإِنْ نَوَى الرِّيَاءَ صَارَتْ مَعْصِيَةً وَأَمَّا تَضَاعُفُ الْفَضْلِ، فَبِكَثْرَةِ النِّيَّاتِ الْحَسَنَةِ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا خَيْرَاتٍ كَثِيرَةً، فَيَكُونُ لَهُ بِكُلِّ نِيَّةٍ ثَوَابٌ؛ إِذْ كل واحدة منها حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها؛ كما ورد به الخبر.
 
كمن عاد مريضًا يستطيع أن يستحضر أكثرَ من نيَّة في هذا العمل، فينوي عيادة المريض، وينوي إدخال السرور على مسلم، وينوي إطعام الطعام إن كان يأخذ معه شيء من الحلوى، ونية التبسم في وجه أخيه، وينوي الصلة إن كان من الأرحام، وينوي الدعوة إلى الله إن كان يذكِّره بالله وبأجر الصبر وحسن الظن بالله.
 
يا ألله، كم ضاعت علينا من نيات وأجور كثيرة، ونحن نغدو ونروح ونبذل من المال، ولا نستحضر مثل هذه النيات، بل قد نتضجر أحيانًا؛ لذلك قيل: النية تجارة العلماء، لا يعرف عِظم قدرها إلا هُم؛ لأنهم عرفوا كيف يتعاملون مع خالقهم؛ عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أُحدثكم حديثًا فاحفَظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزَقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصِلُ فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزَقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبِط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء)؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
 
فالكريم يجازيك على نيتك التي لم تبذل فيها أي مجهود ظاهر، فقط انوِ الخير واصدُق في ذلك،
فمن همَّ بحسنة ولم يفعلها، كُتبت له حسنة كاملة، وإن فعلها كتبت له عشر حسنات.
إنه أهل الجود والكرم، أهل المغفرة والرحمة، فالسير إلى الله سير القلوب أولًا ثم الأبدان، وقد يصل الإنسان بنيته أعلى الدرجات، والمشغول ببدنه ما وصل إلى عُشر ما وصل إليه الأول، وكما قيل: كم من عمل قليل عظَّمته النية، وكم من عمل كبير صغَّرته النية!
 
فلا تبخل على نفسك بهذا الفضل وهذه الغنيمة؛ لتنال من الخير الكثير في أعمال يسيرة، وهذا من البركة في العُمر والعمل.
 
وجاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما في كيفية قراءتهما للقرآن, قال معاذ: أما أنا فأنام وأقوم, وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي))؛ رواه البخاري، ومسلم، قال النووي معناه: ((أني أنام بنية القوة وإجماع النفس للعبادة وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر كما أرجو في قومتي؛ أي: صلواتي))، وقال ابن حجر: ((معناه: أنه يطلب الثواب في الراحة, كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قصد بها الإعانة على العبادة حصلت الثواب)).
 
جعلوا حتى العادات عبادات يتقرَّبون بها إلى الله، نومهم وقيامهم وأكلهم، فأصبحت حياتهم كلها عبادة وعدَّاد حسناتهم لا يقف أبدًا بسبب عمل هذه المضغة الصغيرة (القلب) التي هي محل نظر الرب عز وجل.
 
القرآن بين أيدينا ونقرأه كل يوم، فما هي النيات التي نستحضرها عند تلاوته؟
فالقرآن مبارك حتى لمن أراد أن يستكثر من النيات، انوِ بتلاوته رضا الله والتقرب إليه والهداية والنور والبصيرة، والعلم والإيمان، وجلاء الهم والأحزان، ولكي تنال شفاعته ولتكون صاحبًا له.
 
النيةَ النية، فهي تجعل حياتك لله ومع الله وفي الله، حتى تتمثل قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162].
 
نجمه الشرهان
شبكة الألوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×