اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مدرسة الحلم النبوية

المشاركات التي تم ترشيحها


إن الأخلاق الحسنة هي رأسُ مال الإنسان، ومنتهى شرفِه؛ بل هي خلاصةُ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم - فيما صحَّحه الألباني في الصحيحة -: ((إنما بُعِثت لأتَمِّم مكارم الأخلاق)).
 

ويأتي خُلُق الحِلم ليُمثِّل شامةَ الأخلاق وعمودها وذِروة سنامها، وبها تُستَكمل الفضائل، وتُحصَّل المعالي.

 
إن المتأمِّل لصفة الحِلْم يجد أنها ارتَقَت قمة سامقة؛ حيث إنها صفةٌ من صفات الرب سبحانه، ولعلوِّ قدر الحلم ومنزلته اختصَّه الله فجعله اسمًا من أسمائه الحسنى "إنه غفور حليم".
 

فما أحوجنا اليومَ إلى دخولِ مدرسة الحِلْم، بعد أن أصبح الغضبُ والصخب شعارًا للكثير منا ودثارًا، فتعكَّر صفوُ الحياة، وارتفعَتِ الأصوات العالية، وغاب صوت العقل عن المجتمعات الإسلامية؛ لذا فحريٌّ بالدعاة والمربِّين أن يدخلوا أولاً مدرسة الحِلْم النبويَّة ليستقوا من مَعِينها ريًّا صافيًا؛ ليُشرِبوا قلوبَ تلاميذهم من هذا الماء العذب الفرات الذي يُحيي مَوَات قلوبهم.
 

كان - صلى الله عليه وآله وسلم - المثالَ الكامل للبشرية في كل الأخلاق، ومنها خلق الحِلْم، فبلغ الكمال - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - في حلمه؛ يغضب للحق إذا انتُهِكت حرماتُه، وإذا غضِب فلا يقوم لغضبه شيء حتى يهدم الباطل وينتهي، وفيما عدا ذلك فهو أحلمُ الناس عن جاهلٍ لا يعرف أدبَ الخطاب، أو مسيءٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسِه يمكن إصلاحه، أو منافقٍ يتظاهر بغير ما يُبطِن.

 

تجد حلمه دائمًا عجيبًا يفوقُ الحدَّ الذي يتصوّره الإنسان، خاصة أن حِلْمه مع القدرة على البطش والقتل؛ إذ لا يشكُّ أحدٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أمر بقتل إنسانٍ لتبادر المئات إلى تنفيذ أمره، بل إن بعضهم لا يحتاجون إلى الأمر بقدر ما يحتاجون إلى الإذنِ، فلو أذِن رسول الله صلى الله عليه وسلم لطارت رؤوس عن كواهل أصحابها قبل أن يُنْهوا كلامهم، ولكن الرسول الحليم صلى الله عليه وسلم كان يحلم حلمًا عجيبًا على الجاهلين، حتى كأنه هو الحِلْم نفسه صلى الله عليه وسلم.
 

ومن مواقفه الرائعة العجيبة في كمال حلمه واتِّزانه الانفعالي - في مواقف تزلُّ فيها أقدام العظماء - يضربُ رسولُنا الكريم المثل في تحمُّل الأذى، وتجاوز فظاظة الجهَّال؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:

"بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا، إذ أتاه ذو الخُوَيصرة - رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله، اعدِل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويلك، مَن يعدل إن لم أعدل؟! لقد خبتَ وخسرتَ إذا لم أعدل فمَن يعدل))، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، ائذَنْ لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعْه...)).

 

بل تتجلَّى عظمته المغلَّفة بقمَّة الحلم الذي ما رأت البشرية مثله ولن ترى، تخيَّل بنظرك، وانظُر بعين قلبك إليه صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ إذ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قسم، فقال رجل - كما يروي الإمام البخاري -: "والله، إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أُرِيد بها وجه الله، فقلت: (أي عبدالله): والله، لأُخبِرنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُه فأخبرتُه، فقال: ((مَن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟! رحم الله موسى قد أُوذِي بأكثر من هذا فصبَر!)).
 

وانتبِهْ لِما ترويه أمُّنا عائشة - فيما رواه أحمد - قالت: "ما ضرب رسول الله بيده خادمًا له قط، ولا امرأةً، ولا ضرب بيده شيئًا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئينِ قطُّ إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يُؤتَى إليه حتى تُنتَهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله".
 

بل بذل صلى الله عليه وسلم حلمَه ودماثة خُلُقِه حتى لمن أراد قتله، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك "أن امرأة أتت رسولَ الله بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ((ما كان الله ليُسلِّطَك عليَّ))، أو قال: ((على ذلك))، قالوا: ألا تقتلها؟ قال: ((لا...)).

 

وروى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كُنَّا نقعُدُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغدوات في المسجد، فإذا قام إلى بيته لم نزل قيامًا حتى يدخل بيته، فقام يومًا فلمَّا بلغ وسط المجلس أدركه أعرابي، فقال: يا محمد، احمِلْني على بعيرينِ، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، وجذب بردائه حتى أدركه، فاحمرّت رقبته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، وأستغفر الله، لا أحملك حتى تُقِيدَني))، قالها ثلاث مرات، ثم دعا رجلاً فقال له: ((احمله على بعيرين؛ على بعيرٍ شعيرٌ وعلى بعيرٍ تمرٌ)).

 

فحلمُه صلى الله عليه وسلم أوسع من أن يُحَاط بجوانبه، ولولا هذا الحلم ما استطاع أن يسوس شعبًا كالعرب؛ يأنف أن يطيع أو ينصاع أو يُجرَح، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 159].

 
د. أحمد زكريا عبداللطيف
شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×