اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

حديث جوامع الخير

المشاركات التي تم ترشيحها

عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً من كُرَبِ يوْمِ القيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنْيا والآخِرَةِ، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ ما كانَ الْعَبْدُ في عَونِ أخيهِ، ومَنْ سلك طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ له بِهِ طَرِيقًا إلى الجنَّةِ، وَمَا اجتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ ويَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلا نَزَلَتْ عليهمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَفَّتهُمُ المَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللهُ فيمَنْ عِنْدَه، وَمَنْ بَطَّأ بِه عَمَلُهُ لمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ))؛ رَواه مسلم بهذا اللَّفظ.
 
 
 
أهمية الحديث:
 
هذا الحديث شأنه عظيم، لما فيه من البشارة والنذارة التي تدفع المؤمن للعمل على خدمة الناس ومجالسة أهل العلم، ومدارسة القرآن.
 
 
 
مفردات الحديث:
 
• نفَّسَ: خفَّف وفرَّج.
 
• والكربة[1]: الشدة العظيمة التي تُوقع من نزلت فيه بغم شديد.
 
• يسَّر على معسر: المعسر: من أثقلته الديون وعجز عن وفائها، والتيسير عليه مساعدته على إبراء ذمته من تلك الديون.
 
• ستر مسلمًا: بأن رآه على فعل قبيح شرعًا فلم يظهر أمره للناس.
 
• ستره الله: حفظه من الزلات في الدنيا.
 
• سلك: مشى، أو أخذ بالأسباب.
 
• طريقًا: مادية كالمشي إلى مجالس العلم وقطع المسافات بينه وبينها، أو معنوية كالكتابة والحفظ والفهم والمطالعة والمذاكرة، وما إلى ذلك، مما يتوصل به إلى تحصيل العلم.
 
• يلتمس: يطلب.
 
• فيه: في غايته.
 
• علمًا: نافعًا.
 
• له: لطالب العلم.
 
• به: بسبب سلوكه الطريق المذكور.
 
• طريقًا إلى الجنة؛ أي: يكشف له طرق الهداية، ويهيئ له أسباب الطاعة في الدنيا، فيسهل عليه دخول الجنة في الآخرة.
 
• بيوت الله: المساجد.
 
• يتدارسونه بينهم: يقرأ كل منهم جزءًا منه، بتدبر وخشوع، ويحاولون فهم معانيه وإدراك مراميه.
 
• السكينة: ما يطمئن به القلب وتسكن له النفس.
 
• غشيتهم: غطَّتهم وعمتهم.
 
• الرحمة: الإحسان من الله تبارك وتعالى والفضل والرضوان.
 
• حفتهم: أحاطت بهم من كل جهة.
 
• ذكرهم الله فيمن عنده: باهى بهم ملائكة السماء وأثنى عليهم.
 
• بطأ به عمله: كان عمله الصالح ناقصًا وقليلًا فقصر عن رتبة الكمال.
 
• لم يسرع به نسبه: لم يعلِ من شأنه شرف النسب.
 
 
 
ومما يستفاد من الحديث:
 
1- مما يدخل في هذا الباب جواز الإقراض، والضمان عن المُعسر، والكفالة ببدله لمن هو قادر عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
 
 
 
2- أن الجزاء عند الله من جنس ما قدم العبد من عمل، فجزاء التنفيس التنفيس، وجزاء التفريج التفريج، والعون بالعون، والستر بالستر، والتيسير بالتيسير.
 
 
 
3- الإحسان إلى الخلق طريق محبة الله عز وجل، ومنه التيسير على المعسرين وقضاء حاجاتهم والستر عليهم.
 
 
 
4 - ستر المسلم إذا اطُّلِعَ عليه أنه عمل فاحشة، والمستحب للإنسان إذا اقترف ذنبًا أن يستر على نفسه، وأما شهود الزنا، فاختُلف فيهم على وجهين: أحدهما: يُستحب لهم الستر والثاني: الشهادة، وفصَّل بعضهم فقال: إن رأوا مصلحة في الشهادة شهدوا، أو في الستر ستروا[2].
 
 
 
5- الإشارة إلى القيامة وأنها ذات كُرَب.
 
قال القحطاني رحمه الله في نونيته:
 
يوم القيامة لو علمتَ بهوله 
لفررت من أهلٍ ومن أوطانِ 
يومٌ تشققت السماء لهوله 
وتشيب منه مفارق الولدان 
يوم عبوس قمطريرٌ شرهُ 
في الخلقِ منتشرٌ عظيم الشأنِ 
 
 
6- تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين، ويُقام فيه العدل ويقوم الأشهاد.
 
 
 
7- الحث على طلب العلم واستحباب المشي في طلبه، والاشتغال بطلبه، وأن سلوك طريق العلم مؤد إلى الجنة، وهذا الطريق يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوك الطرق المعنوية إلى حصول العلم، مثل: حفظه، ومدارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته.
 
 
 
8- الحث على مجالسة العلماء وملازمتهم في السفر والحضر.
 
 
 
9- الحذر من تطرق الرياء في طلب العلم؛ لأن تطرقه في ذلك أكثر من تطرقه في سائر الأعمال، فينبغي تصحيح النية فيه والإخلاص؛ كي لا يحبط الأجر ويضيع الجهد.
 
 
 
10- طلب العون من الله تعالى والتيسير؛ لأن الهداية بيده، ولا تكون طاعة إلا بتسهيله ولطفه، ودون ذلك لا ينفع علم ولا غيره.
 
 
 
11- عـون الله لمن أعان مسلمًا، لكن هذا مقيد بما إذا كان على البر والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وأما إذا كان على إثم فحرام، ولقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]، وأما إذا كان على أمر مباح فهذا من الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].
 
 
 
12- ملازمة تلاوة القرآن والإقبال على تفهمه وتعلمه والعمل به.
 
 
 
13- فضل الاجتماع على ذكر الله وعلى مدارسة القرآن.
 
 
 
قال ابن رجب رحمه الله: "هذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته، وهذا إن حُمِلَ على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه".
 
 
 
وفي صحيح البخاري عن عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
 
 
 
وقال أبو عبدالرحمن السلمي: "فذلك الذي أقعدني في مقعدي هذا". وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف.
 
 
 
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته، كما كان ابن مسعود يقرأ عليه، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري).
 
 
 
وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبة بن عامر.
 
 
 
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون حلق الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا؛ الحديث، وفيه: فيقول الله: أشهدكم أني غفرتُ لهم).
 
 
 
وفي صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده لما هدانا للإسلام ومنَّ علينا به، فقال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك، قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة).
 
 
 
قال ابن القيم رحمه الله: إن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله تعالى فيه، ثم ذكر حديث: (إن لله ملائكة سيارة). وقال: "فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله: وجعلني مباركًا أينما كنت، فهكذا المؤمن مبارك أين حل، والفاجر مشؤوم أين حل".
 
 
 
14- الحث على تدبر القرآن وتفهمه.
 
قال ابن تيمية: "المطلوب من القرآن هو فَهْم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همته لم يكن من أهل العلم والدين".
 
 
 
قال ابن القيم: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر".
 
 
 
وقال النووي: "وينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب".
 
 
 
وقال الحسن البصري: "يا بن آدم، كيف يرق قلبك، وإنما همتك في آخر السورة؟!".
 
 
 
وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بقوله: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم)؛ أي: إنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه، وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.
 
 
 
15- المبادرة إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133-134].
 
 
 
16- النسب لا ينفع إذا لم يكن العمل الصالح؛ لقوله: (من بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبُه)، والعبرة بالإيمان والعمل الصالح لا الأحساب والأنساب، فالله رتب الجزاء على الأعمال لا على الأنساب؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].
 
 
 
وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)؛ رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا)؛ متفق عليه.
 
 
 
17- ينبغي للإنسان ألا يغتر بنفسه، وأن يهتم بعمله الصالح حتى ينال به الدرجات العلى.
 
 
[1] الكربة هي: ما ضاقت على صاحبها، فناسبها التنفس.
 
[2] شرح النووي على الأربعين، [فضل الستر على المسلم: وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مَن ستر عورة أخيه المسلم، ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته)؛ رواه ابن ماجه، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر مَن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابـوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته يفضحه في بيته)؛ رواه أبو داود.
 
قال الإمام مالك: (أدركت بهذه البلدة - يعني المدينة - أقوامًا ليس لهم عيوب، فعابـوا الناس فصارت لهم عيوب، وأدركت بهذه البلدة أقوامًا كانت لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس فنسيتْ عيوبهم)؛ قال ابن رجب رحمه الله [جامع العلوم والحكم ص 639، 640]: واعلم أن الناس على ضربين:
 
أحدهما: من كان مستورًا لا يعرف بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو زلة، فإنه لا يجوز هتكها ولا كشفها، ولا التحدث بها؛ لأن ذلك غيبة محرمة، وهذا هو الذي وردت فيه النصوص، ومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا، وأقَرَّ بِحَدِّ لمْ يُفَسِّرْهُ ولم يُسْتَفْسَرْ، بل يُؤْمَرُ بأنْ يرجعَ ويَستُرَ نفسَـهُ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية، وكما لم يستفسر الذي قال له: أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، ومثل هذا لو أُخذ بجريمته، ولم يُبلغِ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتى لا يبلغ الإمامَ، وفي مثله جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)؛ خرَّجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها.
 
والثاني: من كان مشتهرًا بالمعاصي معلنًا بها، ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له، هذا هو الفاجر المعلِن، وليس له غيبة كما نص على ذلك الحسن البصري وغيره، ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لتقام عليه الحدود، ومثل هذا لا يُشْفَعُ له إِذا أُخِذَ ولو لم يبلغِ السلطانَ، بل يُتركُ حتَّى يُقَامَ عليهِ الحَدُّ، لينكف شرُّه، ويرتدع به أمثاله]؛ شرح الأربعين النووية للشيخ سليمان بن محمد اللهيميد.
 
 
الشيخ محمد بن مسعود العميري الهذلي
 
شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×