اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

أين أنتم من الحسنات الجارية؟

المشاركات التي تم ترشيحها

 

 

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فقد تحدثنا في الجمعة الماضية عن خطورة السيئات الجارية، وذكرنا لكم نصيحة رجل من الصالحين وهو حبيب الفارسي رحمه الله الذي يقول فيها: "إِنَّ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ إِذَا مَاتَ مَاتَتْ مَعَهُ ذُنُوبُهُ"[1].

 


واليوم نكمل حديثنا مع أهمية الحسنات الجارية التي ينبغي لكل مسلم أن يجعل له قبل موته صدقات وحسنات جارية تنفعه في قبره، ويوم العرض على الله تعالى.

 


لذلك تعال معي واسمع إلى هذه القصة التي تحمل في طياتها درسًا عظيمًا لكل من أراد الفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، هذه القصة هي لتاجر غني من أهل التقوى والصلاح، هذا التاجر في يوم من الأيام قام بشراء سلة من العنب، وأرسلها بيد خادمه إلى بيته، إلى زوجته وأولاده، وذهب هو لدكانه، وعند الظهيرة ذهب لبيته، وطلب العنب ليأكل منه، فقالت له زوجته: لقد أكلته أنا وأولادك، فتعجب التاجر وقال: لقد اشتريت لكم سلة من العنب ولم تفكروا أن تتركوا لي حتى حبة عنب واحدة! فأنصت قليلًا، ثم قام وخرج من بيته وزوجته تناديه فلم يلتفت إليها.

 

فذهب مباشرة إلى دلال العَقَار واشترى منه قطعة أرض كبيرة، ثم ذهب إلى مقاول البناء، وقال له أريد أن تبني لي مسجدًا كبيرًا على هذه الأرض، واتفق معه على بدء العمل والمباشرة ببناء المسجد، ثم رجع إلى بيته، فاستقبلته زوجته تسأله أين كنت أيها الرجل؟ فأجابها: قال لها: حبة العنب جعلتني أفكر في آخرتي، فقالت له: كيف ذلك؟ لم أفهم!

 

فقال لها: إذا كنتُ قد أرسلت لكم سلة من العنب فأكلتموها كلها، ولم تفكروا بي، ولم تذكروني بحبة عنب واحدة، وأنا معكم في هذه الدنيا، فكيف ستذكرونني بصدقة ودعاء حين أموت، وأكون تحت التراب، لقد عملت بنفسي لآخرتي وجعلت لي صدقة جارية قبل موتي.

 

وهذا المسجد الذي بناه هذا التاجر عمره الآن أكثر من أربعمائة عام، أربعمائة عام وهذا المسجد صدقة جارية لهذا الرجل الفطن، لأنه اتخذ من حبات العنب درسًا وعبرة لنفسه.

 


فأين المسلم الذي يأخذ الدرس والعبرة من هذه القصة؟!


أين من يتعلم من هذا التاجر وينتبه لآخرته ويجعل له صدقة جارية في حياته تنفعه بعد مماته؟

أين المسلم الذي يزرع لآخرته قبل فوات الأوان؟

 


لذلك أنا أقف اليوم ناصحًا لي ولكم: قدّم لنفسك أيها المسلم ما تستطيع فعله من العمل الصالح قبل موتك ما دمت في زمن العمل، ولا تنتظر من أحد أن يتصدق عليك بعد موتك، ولا تنتظر من أحد أن يفعل الخير نيابة عنك؛ لأن الجميع سينساك بعد موتك ورحيلك عن الدنيا بعد عدة أيام أو ربما بعد أشهر قليلة.

 


وتذكر أخي المسلم أن مالك الذي تعبت في جمعه سيتقاسمه الورثة بعد موتك، وربما تشاجروا عليه في اليوم الثالث من وفاتك، وزوجتك التي ضحيت من أجلها، وقطعت أرحامك من أجلها ستتزوج بغيرك بعد وفاتك، وقصرك وبيتك ومزارعك سيسكنها غيرك، فهل سينتبه المسلم لهذه الحقيقة؟

 

هذه الحقيقة التي أخبرنا عنها سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما دخل المقبرة هو وأصحابه الكرام فسلم على أهلها، ثم نظر نظرة تأملية إلى أهل القبور وخاطبهم قائلًا: " يا أهل المقابر: أما أموالكم فقد قسمت، وأما بيوتكم فقد سكنت، وأما نساءكم فقد تزوجن بغيركم، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ أنصت سيدنا علي رضي الله عنه قليلًا، ثم التفت إلى أصحابه وقال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إن خير الزاد التقوى.

 

ولستُ أرى السَّعادةَ جَمْعَ مالٍ space.gif
ولكنَّ التَّقِيَّ هو السَّعيدُ space.gif
وتَقْوَى اللّه خيرُ الزَّاد ذُخرًا space.gif
وعنْدَ اللّه للأتقى مَزيدُ[2] space.gif

 


كم من الناس اليوم يركض في هذه الدنيا ليلًا ونهارًا، لا يعرف النوم في الليل ولا الراحة في النهار، ويحرق أعصابه من أجل أن يجمع المال وكأنّه يريد أن يعمِّر في هذه الدنيا ملايين السنين، ضحى بآخرته الباقية من أجل هذه الدنيا الفانية، فتراه لا يعرف طريق المسجد إلا في يوم الجمعة، وصلاته لا يصليها في وقتها، والقرآن لا يعرفه إلا في رمضان، ولا يتصدق إلا خجلًا وحياءً من الناس، زوجته مقصر في حقها، وأولاده لا يعرف عنهم شيئًا، يدخل إلى بيته وهم نائمون ويخرج وهم نائمون، همه الأول والأخير أن يجمع المال، ويكون عنده أملاك ومزارع، وسيارات وقصور، فيبقى على هذه الحال يركض يركض حتى يأتي يوم يقول الناس فيه: (احملوا فلانًا الله يرحمه)، ويومها يتمنى أن يعود إلى الدنيا لا من أجل أن يجمع المال ولا من أجل السهر مع الأصدقاء، وإنما ليعمل صالحًا ولكن هيهات هيهات.!! فلقد قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

 


قال ابن كثير (رحمه الله) في تفسير هذه الآية: " قال قَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أهل ولا إلى عشيرة، ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات، وَلَكِنْ تَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ عز وجل، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار "[3].

 


فيا أخي المسلم: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، ولا تكن كالذي يركض في حياته الدنيا ليجمع المال ويتفاخر به ويبني القصور، وينسى أخرته إلى أن يأتيه الموت، قال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: 1، 2]، دخل أحد الصحابة رضي الله عنهم على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾، قَالَ: " يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟" [4]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: "يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي، مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ"[5].

 

فيا من تركض في هذه الدنيا وتقول مالي مالي، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت؟ فكل ما نأكله أو نلبسه لا يبقى، وفقط الصدقات هي التي تبقى وكأنما نرسلها لأنفسنا إلى ما بعد الموت، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

 


فهل منا من يتعظ؟! هل منا من يكون كذلك التاجر الفطن الذي أخذ درسًا وعبرة من سلة العنب فراح يعمل لآخرته قبل موته لتكون له صدقة جارية تنفعه في قبره ويوم العرض على الله تعالى؟ هل منا من يكثر من الصدقات الجارية التي تكون سببًا في نجاته من مصائب الدنيا واهوال الاخرة؟

 


الخطبة الثانية

 

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ وبعد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"[6].

 

قال الامام النووي (رحمه الله) في شرح هذا الحديث: "قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عَمَلَ الْمَيِّتِ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَيَنْقَطِعُ تَجَدُّدُ الْثوَابِ لَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبَهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِهِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَصْنِيفٍ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ وَهِيَ الْوَقْفُ"[7].

 


والصدقة الجارية هي: التي يستمر الانتفاع بها؛ ولهذا سميت جارية، لأنها غير واقفة، ومن أنواع الصدقات الجارية وأمثلتها كثيرة، منها: بناء المساجد، وغرس الأشجار، وحفر الآبار، وطباعة المصحف وتوزيعه، ونشر العلم النافع بطباعة الكتب وتوزيعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ"[8].

 

فليحرص المسلم على ان تكون له صدقات جارية قبل موته لتكون سببًا في نجاته يوم القيامة.

 

 

[1] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني (6/ 153).

[2] ديوان الحطيئة: (ص: 6).

[3] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: (5 /430).

[4] صحيح مسلم، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ: (4/ 2273)، برقم (2958).

[5] صحيح مسلم، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ: (4/ 2273)، برقم (2959).

[6] صحيح مسلم، كتاب الوصية - بَابُ مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: (3/ 1255)، برقم (1631).

[7] شرح النووي على مسلم: (11/ 85).

[8] سنن ابن ماجه، كتاب الايمان - بَابُ ثَوَابِ مُعَلِّمِ النَّاسَ الْخَيْرَ: (1/ 88)، برقم (242).


د. محمد جمعة الحلبوسي


شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×