اذهبي الى المحتوى
أمّ عبد الله

نعم (المدمرة) في تربية الأبناء

المشاركات التي تم ترشيحها

نعم (المدمرة) في تربية الأبناء

محمد علي الخلاقي 

 

يولد الأبناء في بيئات مختلفة، ومستويات اجتماعية متباينة، وهذا ليس للأبناء اختيار فيه بل هو من تقدير الله تعالى لهم.

 

ولكن هذه البيئات المتفاوتة والمجتمعات المختلفة في ثقافتها وتنوع العرقيات والأديان فيها هي المؤثر الأول في حياة الأبناء، والمكون الرئيس في شخصياتهم والمسئول عن بناء أفكارهم وتكوين توجهاتهم السلوكية، والتي من خلاله يرسم الأبناء قناعاتهم المستقبلية، ويبينون عليها نظرتهم للحياة والكون.

 

وهذه الثقافات والأفكار يتلقاها الأبناء من الآباء عن طريق التربية والتعليم التي ترسخ فيهم هذه الأفكار وتكسبهم القيم والمبادئ التي تعلمها الآباء قبلهم.

 

وتعتبر التربية من المهمات الصعبة والوظائف الشاقة المتعبة، لأن التعامل مع النفس البشرية التي من خصائصها كثرة التقلب والتغير، يحتاج إلى صبر وحكمة قال تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا.. ﴾ [طه: 132]، فالأمر والنهي يحتاج من الآباء طاقة قد تفوق الصبر، وتتجاوز الحد.

 

وإذا تأملنا طرق التربية اليوم لوجدنا أن الآباء يتفاوتون فيها تفاوتًا كبيرًا، ويختلفون في تقديمها للأبناء بحسب ثقافتهم، والطريقة التي تلقوا فيها تربيتهم قبلها، ولكنها - في وجهة نظري - لا تخرج عن ثلاث بيئات رئيسية:

أما أن يكون الآباء مع أبنائهم ممن يكثرون من كلمة (نعم) فكل ما يطلبه الطفل مجاب وكل طلباته مقضية.

 

أو بيئة لا يسمع الطفل فيها إلا كلمه (لا) فكل شيء يطلبه الطفل يجاب بالنفي والزجر والتعنيف، فلا يلبَّى له طلب أو يقضي له أمر إلا بشق النفس وصعوبة بالغة.

 

والثالثة: هي أن البيئة التي يترك فيها لطفل دون أن يسمع كلمة (لا أو نعم) بمعنى افعل ما تشاء دون توجيه أو إرشاد وهذا ما يسميه البعض (الحرية المطلقة) بلا رقيب أو حسيب، ولا أفعل أو لا تفعل فيعيش الطفل لا يستطيع التمييز بين الصح من الخطأ، ولا يعلم هل ما يفعله نافع أو مضر له.

 

ولست في هذا المقال في صدد سرد كل واحدة من هذه الحالات والتحدث عن سلبياتها أو إيجابياتها لأن المقال يطول ويتشعب، ولكن سآخذ واحدة منهن وهي (نعم) والتي تعني أن طلب الطفل مجاب لا يسمع كلمة لا، وليس في قاموسه شيء ممنوع، يعطى ما يشاء، ويلبى طلبه أيا كان ذلك الطلب، ومن يقول له لا فإنه يتعرض للهجوم من الآباء والتعنيف، بحجه أنه يجرح مشاعر الطفل، ويسبب له عقدة نفسيه، فينشأ الطفل على طريقة (اطلب تعطى، واسأل تجاب)، وأسباب لجوء الآباء لهذه الطريقة (نعم) وتوفير كل ما يحتاجه الطفل مهما كان ذلك الشيء، قد يكون من دافع الحب الشديد والاعتقاد أن هذا يسعد الطفل، ويدخل السرور إلى قلبه، أو قد يكون من باب أن الآباء يرون أنهم حرموا في حياتهم من أمور كانوا يتمنون حصولها لهم، ولكن لم يتمكن آباءهم من توفيرها لهم، فيشبعون ذلك الشعور بالنقص بأن يوفروا لأبنائهم ما حرموه في حياتهم السابقة يقول مصطفى السباعي - رحمه الله -: (رأيت كثيرًا من الآباء أفرطوا في تدليل أبنائهم ردّة فعل لقسوة آبائهم معهم، وهكذا يؤدي عدم الحكمة في التربية إلى متاعب جيلين فأكثر.. ).

 

وهذه الطريقة في التربية طريقة خاطئة جملة وتفصيلًا، وتشكل خطرًا محدقًا بالأبناء في مستقبل حياتهم، فسماع الابن كلمة (نعم) فقط، وتلبية جميع طلباته، قد يدمر الطفل ويلغي شخصيته ويقضي على حياته المستقبلية، وتصنع منه شخصًا مدللًا ضعيفًا لا يستطيع العيش بمعزل عن والديه، أو التصرف بعيدًا عنهم فهو يعتمد عليهم اعتمادًا كليًا في توفير حاجياته (الأكل، والشرب، واللباس...) وحتى ترتيب سريره واختيار ألعابه وملابسه الخاصة، وهذا التدليل الزائد عن حده قد يصنع منه طفلًا متمردًا لكل ما هو حوله فلا يرضى بأحد ينافسه أو يكون خيرًا منه، لأنه تعود على الدلال المفرط الذي لا يرى سوى رغباته وشهواته، والطفل المدلل تجد فيه طفلًا أَنَانِيًّا فهو يشعر بأنه النجم المميز الذي لا يرفض له طلب، والشخص المهم الذي يأتيه كل شيء إلى تحت قدميه، فلا يشعر بقيمة النعمة التي هو بها والحياة التي يعيشها ويتمناها غيره، ورغم توفير والديه له كل ما يطلب إلا أنك تجد منه قلة الاحترام لمن هو أكبر منه، فلا يقدر الجهد والتعب الذي يبذله والديه في توفير حاجاته ومتطلباته التي لا تنتهي مهما كانت الظروف فلا يرضى إلا بأن يجاب طلبه والا أقام الدنيا وأقعدها ودخل في نوبة من الصراخ والغضب، وانقلب إلى طفل متوحش عنيف، وإذا أعطى فإنه لا يقدر ذلك بل يتطلع إلى ما هو أكبر منه، وهذا من شأنه أن ينمي لديه الشعور بالغرور والاتكالية، حين يرى أن رغباته تتحقق دون جهد منه أو عناء، فيشقى والديه في تلبية مطالبة والبحث عن رضاه، دون أن يجدوا منه تقديرًا لذلك الجهد أو شعوره بما يعانونه من أجل توفير ما يريد، لأنه يعتقد أن هذا حقًا واجبًا له لابد من توفيره مهما كانت الظروف والأحوال، وانه أمر قد اعتاد عليه منذ نعومه أظفاره لا يرضى إلا بالحصول عليه، وهذا قد يسبب له كثير من المشاكل في مستقبل حياته، والقادم من أمره، وقد يصاب بالصدمة عندما ينطلق إلى واقع الحياة، فيجد أن الواقع الذي يعيشه، لا يشبه ما كان عليه من التدليل والترفيه عندما كان صغيرًا، فالحياة ليس فيها كل ما يطلبه الإنسان بل لابد فيها لينال مطلوبة من السعي والعمل المعاناة والكد.. طبعت على كدر وأنت تريدها… صفصفوا من الأقدار والأكدار.

 

وبعد ذلك قد يحصل على ما يريد وقد لا يحصل عليه، فيصاب بازدواجية بين الحياة التي عاشها مدللًا منعمًا، وبين الواقع الخارجي الذي يناقض تلك الحياة جملة وتفصيلًا، فيكره المجتمع الذي هو فيه وينقلب على الأسرة التي ربته أولًا، وهذا الطفل المدلل إذا تزوج فإن هذا الزواج سرعان ما يفشل، وتنهدم الأسرة لأن الزواج مسئولية، فلابد أن يكون هو المسئول عن هذه الحياة الجديدة في توفير ما يحتاجونه، و تلبية طلبات تلك العائلة فإذا كان لا يستطيع الاستقلال بحياته هو، فكيف سيكون مسئولًا عن حياةٍ أخرى معه، فالزواج ليس مفروشًا بالورود أو مطليٌ بالذهب كما يقولون، فقد يجد فيه الشخص أمور قد لا ترضية، أو تقصيرًا من جهة زوجته وأبناءه، أو أمور قد تخالف ما تربى عليه في بيته، فإذا كان قليل الصبر ضيق الصدر لم يعتد على تحمل المسئولية فإنه يتأفف لأتفه الأشياء، ويحاول التهرب من مواجهة تلك الأمور التي لا تعجبه، أو يلجأ إلى والديه الذي اعتاد أن يسألهما في حياته، فيشيرون عليه بأمور قد تكون من أسباب الطلاق والفرقة بينه وبين زوجته، وكم هي حالات الطلاق في الأشهر الأولى للزواج في بلداننا اليوم، وكم سمعنا في ميادين التربية والتعليم من طلاب إذا عوقب أو منع من شيء ظهرت أخلاقه السيئة، وفاحت منه رائحة التندر وعلامات الغضب بقوله: (أبي لم يمنعني من كذا، أو لم يقل لي (لا) بحياتي).

 

فنصيحتي للآباء أن لا يكثروا من الدلال الزائد، وأن يقدموا مصلحة الأبناء في المستقبل، وليعلموا أن حرمان الأطفال أحيانًا من أمور قد يكون فيه مصلحة من أسباب سعادتهم لاحقًا، وأنَّ إعطاءهم كل شيء حتى أصبحوا كأنهم نسخة منَّا أمر مُدمر للأبناء، وخطر على شخصياتهم وسلب إرادتهم.

 

فالأب يجب أن يُسمع أبناءه كلمة (لا) أحيانًا، حتى يعلم الابن أن هذه الحياة ليست عطاءً دائمًا، ونعيمًا أبديًّا، ويجب تربيته على أن الحصول على شيء يرغب فيه، لابد أن يكون له ضريبة من جهده أو وقته، وأنه لا يقدم إليه بطبق من ذهب، أو يجلس فيأتيه إلى مكانه دون سعي وعمل (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقة...)، فالحياة لابد فيها من عمل وصبر، والإنسان مادام في هذه الحياة فإنه لابد أن يتعامل مع كل هذه البيئات فقد يسمع كلمة لا من مسئولة أو رئيسة فلا يغضب، وقد يسمع كلمة (نعم) فلا يفرح بها، والأمر في ذلك على ما يعتاده الابن منذ صغره، وتذكروا قول الشاعر:

وَينشأُ ناشئُ الفتيانِ منَّا *** على ما كان عوَّده أبوه


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×