اذهبي الى المحتوى

البحث في الموقع

عرض نتائج البحث بالكلمات المفتاحية 'تفسير القرآن'.

  • البحث بالكلمات المفتاحية

    اكتبي الكلمات المفتاحية بينها علامة الفاصلة
  • البحث بالمؤلف

نوع المحتوي


المنتديات

  • "أهل القرآن"
    • ساحة القرآن الكريم العامة
    • ساحات تحفيظ القرآن الكريم
    • ساحة التجويد
  • القسم العام
    • الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"
    • الملتقى المفتوح
    • شموخٌ رغم الجراح
    • همزة الوصل
    • شكاوى واقتراحات
  • فتياتنا الجميلات
    • أحلى صحبة
    • استراحة الفتيات
    • ملتقى المسابقات
    • ملتقى زهرات ركن الأخوات
  • ميراث الأنبياء
    • قبس من نور النبوة
    • مجلس طالبات العلم
    • واحة اللغة والأدب
    • أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة
    • ساحة تحفيظ الأربعون النووية
    • ساحة تحفيظ رياض الصالحين
  • الملتقى الشرعي
    • الساحة الرمضانية
    • الساحة العقدية والفقهية
    • أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية
    • المناسبات الدورية
  • قسم الاستشارات
    • استشارات اجتماعية وإيمانية
    • استشارات وفوائد طبية
  • داعيات إلى الهدى
    • زاد الداعية
    • إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية
  • البيت السعيد
    • بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ
    • .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.
    • آمال المستقبل
  • سير وقصص ومواعظ
    • قصص عامة
    • القصص القرآني
    • السيرة النبوية
    • سيرة الصحابة والسلف الصالح
    • على طريق التوبة
  • العلم والإيمان
    • العبادة المنسية
    • الساحة العلمية
  • إن من البيان لسحرًا
    • قلمٌ نابضٌ
  • مملكتكِ الجميلة
    • زينتكِ وجمالكِ
    • منزلكِ الجميل
    • الطيّبات
  • كمبيوتر وتقنيات
    • صوتيات ومرئيات
    • جوالات واتصالات
    • عالم الكمبيوتر
    • خربشة مبدعة
    • وميضُ ضوء
    • الفلاشات
    • المصممة الداعية
  • ورشة عمل المحاضرات المفرغة
    • ورشة التفريغ
    • المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة
  • ورشة عمل "مجلة ركن أخوات طريق الإسلام"
  • le forum francais
    • le forum francais
  • IslamWay Sisters
    • English forums
  • المكررات
    • المواضيع المكررة

التقاويم

لاتوجد نتائج

لاتوجد نتائج


البحث في...

البحث في النتائج التي تحتوي على...


تاريخ الإنشاء

  • بدايه

    End


آخر تحديث

  • بدايه

    End


فلترة بعدد ...

انضمت

  • بدايه

    End


مجموعه


AIM


MSN


Website URL


ICQ


Yahoo


Jabber


Skype


المكان


الاهتمامات

تم العثور علي 45 نتائج

  1. السؤال: فصل في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏}‏ الإجابة: قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏} ‏[‏المجادلة‏:‏ 11‏]‏، خص سبحانه رَفْعَه بالأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم والإيمان، وهم الذين استشهد بهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 18‏]‏‏. ‏ وأخبر أنهم هم الذين يرَون ما أنزل إلى الرســول، هــو الحق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ‏} ‏[‏سبأ‏:‏ 6‏]‏، فدلَّ على أن تَعَلُّم الحجة والقيام بها يرفع درجات من يرفعها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء}‏‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 76‏]‏‏. ‏‏ قال زيد بن أسلم‏:‏ بالعلم‏.‏ فَرَفعُ الدرجات والأقدار على قدر معاملة القلوب بالعلم والإيمان، فكم ممن يختم القرآن في اليوم مرة أو مرتين، وآخر لا ينام الليل، وآخر لا يفطر، وغيرهم أقل عبادة منهم، وأرفع قدرًا في قلوب الأمة، فهذا كُرْز بن وَبرَة ‏[‏هو كرز بن وبرة الحارثي، أبو عبد الله، تابعي، من أهل الكوفة، يضرب به المثل في التعبد، دخل جرجان غازيا مع يزيد بن المهلب سنة 98هـ‏.‏ ثم سكنها، وتوفي بها سنة 728م‏]‏، وكَهْمَس، وابن طارق، يختمون القرآن في الشهر تسعين مرة، وحال ابن المسيب وابن سيرين والحسن وغيرهم في القلوب أرفع‏.‏ وكذلك ترى كثيرًا ممن لبس الصوف، ويهجر الشهوات، ويتقشف، وغيره ممن لا يدانيه في ذلك من أهل العلم والإيمان أعظم في القلوب، وأحلي عند النفوس، وما ذاك إلا لقوة المعاملة الباطنة وصفائها، وخُلُوصَها من شهوات النفوس، وأكدار البشرية، وطهارتها من القلوب التي تكدر معاملة أولئك، وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم بما جاء به الرسول،وكمال تصديقه في قلوبهم، ووده ومحبته، وأن يكون الدين كلــه لله، فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}‏‏ ‏[‏الرعـد‏:‏ 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}‏‏ الآية ‏[‏يونس‏:‏ 58‏]‏‏. ففضل الله ورحمته‏:‏ القرآن والإيمان، من فرح به فقد فرح بأعظم مَفرُوح به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه ووضع الفرح في غير موضعه‏. فإذا استقر في القلب، وتمكن فيه العلم بكفايتـه لعبـده، ورحمته له، وحلمه عـنده، وبره به، وإحسانه إليه على الدوام، أوجب له الفرح والسرور أعظم من فرح كل مُحِب بكل محبوب سواه، فلا يزال مترقيا في درجات العلو والارتفاع بحسب رقيه في هذه المعارف‏.‏هذا في باب معرفة الأسماء والصفات‏. ‏‏ وأما في باب فهم القرآن فهو دائم التفكر في معانيه، والتدبر لألفاظه، واستغنــائه بمعانــي القــرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع شيئًا من كلام الناس وعلومهم عرضــه على القرآن، فإن شـهد له بالتزكية قَبِلَه، و إلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه، وهمته عاكفــة على مراد ربه من كلامه‏.‏ ولا يجعل همته فيما حُجِبَ به أكثرُ الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها، وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط، وغير ذلك‏. ‏‏ فإن هذا حائل للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ ‏{‏أأنذرتهم‏}‏، وضم الميم من ‏{‏عليهم‏}‏ ووصلها بالواو، وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك‏.‏ وكذلك مراعاة النغم، وتحسين الصوت‏.‏ وكذلك تتبع وجوه الإعراب، واستخراج التأويلات المستكرهة، التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان‏. ‏‏ وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس، ونتائج أفكارهم‏.‏ وكذلك تأويل القرآن على قول من قَلَّدَ دينه أو مذهبه، فهو يتعسف بكل طريق، حتى يجعل القرآن تبعًا لمذهبه، وتقوية لقول إمامه، وكلٌّ محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره‏.‏ وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره، أنه غير كاف في معرفة التوحيد، والأسماء والصفات، وما يجب لله وينزه عنه، بل الكافي في ذلك‏:‏ عقول الحيارى والمُتَهَوِّكين ‏[‏المتهوكون‏:‏ المتحيرون‏]‏ الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة‏. وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى‏. ‏‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏
  2. ( تفسير سورة الطلاق) تفسير الآيات (1- 2) أخواتى فى الله .. لى كلمة قبل ان نبدأ فى شرح الآيات وهى أنَّ من قرأ القرآن وتفسيره تعلم حقاُ دينه،فاصبرى أختى القارئة على قراءة هذا الدرس اليومى فما قمت به الا لنتقرب به الى الله فى زمن ضاعت فيه معنى القرآن وبالتالى العمل بها. وياليتنا نكمل القرآن كله سوياُ بتيسير الله وحده وتوفيقه .كتب الله لنا و لكم الأجر والثواب والقبول والغفران . حفظكم الله من كل مكروه.دمتم طيبين فى رعاية الرحمن. . تفسير الآيات (1- 2) {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)} مقدمة وتمهيد 1- سورة «الطلاق» من السور المدنية الخالصة، وقد سماها عبد الله بن مسعود بسورة النساء القصرى، أما سورة النساء الكبرى فهي التي بعد سورة آل عمران. وكان نزولها بعد سورة «الإنسان» وقبل سورة «البينة» ، وترتيبها بالنسبة للنزول: السادسة والتسعون، أما ترتيبها بالنسبة لترتيب المصحف، فهي السورة الخامسة والستون. 2- وعدد آياتها إحدى عشرة آية في المصحف البصري، وفيما عداه اثنتا عشرة آية. 3- ومعظم آياتها يدور حول تحديد أحكام الطلاق، وما يترتب عليه من أحكام العدة، والإرضاع، والإنفاق، والسكن، والإشهاد على الطلاق، وعلى المراجعة. 4_وخلال ذلك تحدثت السورة الكريمة حديثا جامعا عن وجوب تقوى الله- تعالى- وعن مظاهر قدرته، وعن حسن عاقبة التوكل عليه، وعن يسره في تشريعاته، وعن رحمته بهذه الأمة حيث أرسل فيها رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو على النَّاس آيات الله- تعالى- ويخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان بإذنه- سبحانه- وقد افتتحت بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة ) . 5_وأحكام الطلاق التى وردت فى هذه الآية ، تشمل النبى - صلى الله عليه وسلم - كما تشمل جميع المكلفين من أمته - صلى الله عليه وسلم - . وإنما كان النداء له - صلى الله عليه وسلم - وكان الخطاب بالحكم عاما له ولأمته ، تشريفا وتكريما له - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبلغ للنَّاس ، وهو إمامهم وقدوتهم لأحكام الله - تعالى - فيهم . قال صاحب الكشاف : خُصَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنداء ، وعُمًّ بالخطاب ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان : افعلوا كيت وكيت ، وإظهارا لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ...الطنطاوى شرح الكلمات {يا أيها النبي}: أراد الله بالنداء النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بدليل ما بعده. {إذا طلقتم النساء}: أي إذا أردتم طلاقهن. {فطلقوهن لعدتهن}: أي لِقُبُلِ عدتهن أي في طهر لم يجامعها فيه. {وأحصوا العدة}: أي احفظوا مدتها حتى يمكنكم المراجعة فيها. {واتقوا ربكم}: أي أطيعوه في أمره ونهيه. {لا تخرجوهن من بيوتهن}: أي لا تخرجوا المطلقة من بيت زوجها الذي طلقها حتى تنقضي عدتها. {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}: أي إلا أن يؤذين بالبذاء في القول وسوء الخلق، أو يرتكبن فاحشة من زناً بينة ظاهر لا شك فيها. {وتلك حدود الله}: أي المذكورات من الطلاق في أول الطهر وإحصاء العدة وعدم إخراج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها. {لا تدرى لعلّ الله يحدث بعد أمراً}: أي يجعل في قلب الزوج الرغبة في مراجتها فيراجعها إذا لم ذلك تكن الثالثة من الطلقات. الجزائرى معنى الآيات ( 1 ) يا أيها النبي إذا أردتم- أنت والمؤمنون- أن تطلِّقوا نساءكم فطلقوهن مستقبلات لعدتهن -أي في طهر لم يقع فيه جماع، أو في حَمْل ظاهر- واحفظوا العدة؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن، وخافوا الله ربكم، لا تخرجوا المطلقات من البيوت التي يسكنَّ فيها إلى أن تنقضي عدتهن، وهي ثلاث حيضات لغير الصغيرة والآيسة والحامل، ولا يجوز لهن الخروج منها بأنفسهن، إلا إذا فعلن فعلة منكرة ظاهرة كالزنى، وتلك أحكام الله التي شرعها لعباده، ومن يتجاوز أحكام الله فقد ظلم نفسه، وأوردها مورد الهلاك. لا تدري- أيها المطلِّق-: لعل الله يحدث بعد ذلك الطلاق أمرًا لا تتوقعه فتراجعها. ( 2 ) فإذا قاربت المطلقات نهاية عدتهن فراجعوهن مع حسن المعاشرة، والإنفاق عليهن، أو فارقوهن مع إيفاء حقهن، دون المضارَّة لهن، وأشهدوا على الرجعة أو المفارقة رجلين عدلين منكم، وأدُّوا- أيها الشهود- الشهادة خالصة لله لا لشيء آخر، ذلك الذي أمركم الله به يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. ومن يخف الله فيعمل بما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجًا من كل ضيق، وييسِّر له أسباب الرزق من حيث لا يخطر على باله، ولا يكون في حسبانه. ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره. إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، قد جعل الله لكل شيء أجلا ينتهي إليه، وتقديرًا لا يجاوزه. التفيسير الميسر فى ظلال الآيات 0 تتبعت النصوص سائر الحالات، وما يتخلف عنها، بأحكام مفصلة دقيقة، ولم تدع شيئاً من أنقاض الأسرة المفككة بالطلاق إلا أراحته في مكانه، وبينت حكمه، في رفق وفي دقة وفي وضوح.. 0إنه يدل ابتداء على خطورة شأن الأسرة في النظام الإسلامي: فالإسلام نظام أسرة. البيت في اعتباره مثابة وسكن، في ظله تلتقي النفوس على المودة والرحمة والتعاطف والستر والتجمل والحصانة والطهر؛ وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة؛ ومنه تمتد وشائج الرحمة وأواصر التكافل. {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} 0 ويحيط الإسلام هذه الخلية، أو هذا المحضن، أو هذه المثابة بكل رعايته وبكل ضماناته. وحسب طبيعة الإسلام الكلية، فإنه لا يكتفي بالإشعاعات الروحية، بل يتبعها التنظيمات القانونية والضمانات التشريعية. الآيات: 0 هذه هي أول مرحلة وهذا هو أول حكم يوجه الخطاب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم {يا أيها النبي}.. ثم يظهر أن الحكم خاص بالمسلمين لا بشخصه صلى الله عليه وسلم: {إذا طلقتم النساء.. الخ} فيوحي هذا النسق من التعبير بما وراءه، وهو إثارة الاهتمام، وتصوير الجدية. فهو أمر ذو بال، ينادي الله نبيه بشخصه ليلقي إليه فيه بأمره، كما يبلغه لمن وراءه. وهي إيحاءات نفسية واضحة الدلالة على ما يراد بها من احتفال واحتشاد. 0 {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}.. وقد ورد في تحديد معنى هذا النص حديث صحيح رواه البخاري ولفظه: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر بها الله عز وجل». ورواه مسلم ولفظه: «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء». _ ومن ثم يتعين أن هناك وقتاً معيناً لإيقاع الطلاق؛ وأنه ليس للزوج أن يطلق حينما شاء إلا أن تكون امرأته في حالة طهر من حيض، ولم يقع بينهما في هذا الطهر وطء. _ وتفيد آثار أخرى أن هناك حالة ثانية يجوز فيها الطلاق، وهو أن تكون الزوجة حاملاً بينة الحمل. والحكمة في ذلك التوقيت هي أولاً إرجاء إيقاع الطلاق فترة بعد اللحظة التي تتجه فيها النفس للطلاق؛ وقد تسكن الفورة إن كانت طارئة وتعود النفوس إلى الوئام. كما أن فيه تأكداً من الحمل أو عدمه قبل الطلاق. فقد يمسك عن الطلاق لو علم أن زوجه حامل. فإذا مضى فيه وقد تبين حملها دل على أنه مريد له ولو كانت حاملاً. فاشتراط الطهر بلا وطء هو للتحقيق من عدم الحمل، واشتراط تبين الحمل هو ليكون على بصيرة من الأمر. 0 وهذه أول محاولة لرأب الصدع في بناء الأسرة، ومحاولة دفع المعول عن ذلك البناء. وليس معنى هذا أن الطلاق لا يقع إلا في هذه الفترة. فهو يقع حيثما طلق. ولكنه يكون مكروهاً من الله، مغضوباً عليه من رسول الله. وهذا الحكم يكفي في ضمير المؤمن ليمسك به حتى يأتي الأجل. فيقضي الله ما يريد في هذه المسألة. {وأحصوا العدة}.. كي لا يكون في عدم إحصائها إطالة للأمد على المطلقة، ومضارة لها بمنعها من الزواج بعد العدة. أو نقص في مدتها لا يتحقق به الغرض الأول، وهو التأكد من براءة رحم المطلقة من الحمل المستكن حفظاً للأنساب. ثم هو الضبط الدقيق الذي يوحي بأهمية الأمر، ومراقبة السماء له، ومطالبة أصحابه بالدقة فيه! 0 {واتقوا الله ربكم. لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}. وهذا أول تنبيه بعد وهلة النداء الأول وأول تحذير من الله وتقديم تقواه. قبل الأمر بعدم إخراجهن من بيوتهن وهي بيوت أزواجهن _ ولكنه يسميها بيوتهن لتوكيد حقهن في الإقامة بها فترة العدة لا يُخرَجن منها ولا يَخرجن، إلا في حالة وقوع فاحشة ظاهرة منهن. (وقد ورد أن هذه الفاحشة قد تكون الزنا فتخرج للحد: وقد تكون إيذاء أهل الزوج. وقد تكون هي النشوز على الزوج ولو أنه مطلق وعمل ما يؤذيه. _ذلك أن الحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة. حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين؛ فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين! فأمَّا حين ترتكس في حمأة الزنا وهي في بيته! أو تؤذي أهله، أو تنشز عليه، فلا محل لاستحياء المشاعر الطيبة، واستجاشة المودة الدفينة. ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة. فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها! 0 {وتلك حدود الله. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}. وهذا هو التحذير الثاني. فالحارس لهذا الحكم هو الله. فأي مؤمن إذن يتعرض لحد يحرسه الله؟! إنه الهلاك والبوار.. {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}.. ظلم نفسه لتعريضها هكذا لبأس الله القائم على حدوده يحرسها ويرعاها. وظلم نفسه بظلم زوجه. وهي وهو من نفس واحدة، فما يظلمها يظلمه كذلك بهذا الاعتبار.. ثم.. {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. وهي لمسة موحية مؤثرة. فمن ذا الذي يعلم غيب الله وقدره المخبوء وراء أمره بالعدة، وأمره ببقاء المطلقات في بيوتهن.. _ إنه يلوح هناك أمل، ويوصوص هناك رجاء. وقد يكون الخير كله. وقد تتغير الأحوال وتتبدل إلى هناءة ورضى. فقدر الله دائم الحركة، دائم التغيير، ودائم الأحداث. _والتسليم لأمر الله أولى، والرعاية له أوفق، وتقواه ومراقبته فيها الخير يلوح هناك! والنفس البشرية قد تستغرقها اللحظة الحاضرة، وما فيها من أوضاع وملابسات، وقد تغلق عليها منافذ المستقبل، فتعيش في سجن اللحظة الحاضرة، وتشعر أنَّها سرمد، وأنها باقية، وأن ما فيها من أوضاع وأحوال سيرافقها ويطاردها.. وهذا سجن نفسي مغلق مفسد للأعصاب في كثير من الأحيان. ••وليست هذه هي الحقيقة. فقدر الله دائماً يعمل، ودائماً يغير، ودائماً يبدل، ودائماً ينشئ ما لا يجول في حسبان البشر من الأحوال والأوضاع. فرج بعد ضيق. وعسر بعد يسر. وبسط بعد قبض. والله كل يوم هو في شأن، يبديه للخلق بعد أن كان عنهم في حجاب. ويريد الله أن تستقر هذه الحقيقة في نفوس البشر، ليظل تطلعهم إلى ما يحدثه الله من الأمر متجدداً ودائماً. ولتظل أبواب الأمل في تغيير الأوضاع مفتوحة دائمة. ولتظل نفوسهم متحركة بالأمل، ندية بالرجاء، لا تغلق المنافذ ولا تعيش في سجن الحاضر. واللحظة التالية قد تحمل ما ليس في الحسبان.. {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}.. 0 {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف، وأشهدوا ذوي عدل منكم، وأقيموا الشهادة لله. ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيء قدراً}.. وهذه هي المرحلة الثانية وهذا هو حكمها، وبلوغ الأجل آخر فترة العدة. وللزوج ما دامت المطلقة لم تخرج من العدة على آجالها المختلفة التي سبق بيانها أن يراجعها فتعود إلى عصمته بمجرد مراجعتها وهذا هو إمساكها أو أن يدع العدة تمضي فتبين منه ولا تحل إلا بعقد جديد كالزوجة الجديدة. وسواء راجع أم فارق فهو مأمور بالمعروف فيهما، منهي عن المضارة بالرجعة، كأن يراجعها قبيل انتهاء العدة ثم يعود فيطلقها الثانية ثم الثالثة ليطيل مدة بقائها بلا زواج! أو أن يراجعها ليبقيها كالمعلقة، ويكايدها لتفتدي منه نفسها وكان كلاهما يقع عند نزول هذه السورة، وهو ما يزال يقع كلما انحرفت النفوس عن تقوى الله. 0 وهي الضمان الأول لأحكامه في المعاشرة والفراق. كذلك هو منهي عن المضارة في الفراق بالسب والشتم والغلظة في القول والغضب، فهذه الصلة تقوم بالمعروف وتنتهي بالمعروف استبقاء لمودات القلوب؛ فقد تعود إلى العشرة، فلا تنطوي على ذكرى رديئة، لكلمة نابية، أو غمزة شائكة، أو شائبة تعكر صفاءها عندما تعود. ثم هو الأدب الإسلامي المحض الذي يأخذ الإسلام به الألسنة والقلوب. _وفي حالتي الفراق أو الرجعة تطلب الشهادة على هذه وذاك. شهادة اثنين من العدول. قطعاً للريبة. فقد يعلم النَّاس بالطلاق ولا يعلمون بالرجعة، فتثور شكوك وتقال أقاويل. والإسلام يريد النصاعة والطهارة في هذه العلاقات وفي ضمائر الناس وألسنتهم على السواء. والرجعة تتم وكذلك الفرقة بدون الشهادة عند بعض الفقهاء ولا تتم عند بعضهم إلا بها. ولكن الإجماع أن لا بد من الشهادة بعد أو مع الفرقة أو الرجعة على القولين. وعقب بيان الحكم تجيء اللمسات والتوجيهات تترى: 0 {واقيموا الشهادة لله}.. فالقضية قضية الله، والشهادة فيها لله، هو يأمر بها، وهو يراقب استقامتها، وهو يجزي عليها. والتعامل فيها معه لا مع الزوج ولا الزوجة ولا الناس! 0 {ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر}. والمخاطبون بهذه الأحكام هم المؤمنون المعتقدون باليوم الآخر. فهو يقول لهم: إنه يعظهم بما هو من شأنهم. فإذا صدقوا الإيمان به وباليوم الآخر فهم إذن سيتعظون ويعتبرون. وهذا هو محك إيمانهم، وهذا هو مقياس دعواهم في الإيمان! 0 {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب}.. مخرجاً من الضيق في الدنيا والآخرة، ورزقاً من حيث لا يقدر ولا ينتظر. وهو تقرير عام، وحقيقة دائمة. ولكن إلصاقها هنا بأحكام الطلاق يوحي بدقة انطباقها وتحققها عندما يتقي المتقون الله في هذا الشأن بصفة خاصة. وهو الشأن الذي لا ضابط فيه أحس ولا أدق من ضابط الشعور والضمير، فالتلاعب فيه مجاله واسع، لا يقف دونه إلا تقوى الله وحساسية الضمير من هداية الآية 1- بيان السنة في الطلاق وهي أن يطلقها في طهرٍ لم يمسها فيه بجماع. 2- أن يكون الطلاق واحدة لا اثنتين ولا ثلاثاً. 3- وجوب إحصاء العدة ليعرف الزوج متى تنقضي عدة مطلقته لما يترتب على ذلك من أحكام الرجعة والنفقة الإِسكان. 4- حرمة إخراج المطلقة من بيتها الذي طلقت فيه إلى أن تنقضي عدتها إلاَّ أن ترتكب فاحشة ظاهرة كزناً أو بذاءة أو سوء خلق وقبيح معاملة فعندئذ يجوز إخراجها. المراجع ابن كثير التفسير العظيم التفسير الميسر لمجموعة من العلماء. في ظلال القرآن الكريم سيد قطب الطنطاوى الوسيط الجزائرى أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير.
  3. طيبة أم حسام

    تفسير سورة القارعة

    السلام عليكم ورحمة وبركاته تفسير سورة القارعة بسم الله الرحمن الريحيم "القَارِعَةُ مَالقَارِعَةُ*وَمَا أَدْرَاكَ مَالقَارِعَةُ*يَوْمَ يَكُونُ النَاسُ كَالفَرَاشِ المَبْثُوثِ*وَتَكُونُ الجِبَالُ كَالعِهْنِ المَنْفُوشِ* فأَمَا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ*فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيةٍ*وَأَمَا مَنْ خَفَتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُهُ هَاوِيةٌ*وَمَاأَدْرَاكَ مَا هِيَه*نَارٌ حَامِيةٌ*" القارعة هو إسم القيامة وسمي لأنها تقرع قلوب الناس بالفزع وتقرع أعداء الله بالعذاب الفراش المبثوث أي المنتشر يسيرون على غير هدى في كل إتجاه لشدة الهول حتى يحشرواإلى الموقف وتكون الجبال كالعهن :أي الصوف الملون بالألوان المختلفة نفش بالندف ولأنها تتفتت وتطير فأما من ثقلت موازينه كالأعمال الصالحة فهو في عيشة راضية كلمة تجمع النعم بالجنة وأما من خفت موازينه فأمه هاوية فأمه هاوية:أي فمسكنه جهنم وسماها أمه لأنها يأوى إليها كما يأوى الطفل لأمه وسميت هاوية لأنه يهوى فيها مع بعد قعرها وما أدراك ماهية:للتهويل والتفظيع بيان إنها خارجة عن المعهود ونار حامية بلفت الشدة في حرها للغاية اللهم أجرنا وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وذرياتنا ومن أحبّنا فيك وأحببناه فيك من النار
  4. كثيرًا ما يتسلل الشيطان إلى القلب المؤمن ليزرع فيه حزناً عميقاً و حسرة على ما يراه من تسارع الكثير ممن حوله في الوقوع في الكفر و محادة الله و عداوة أوليائه. كفراشات تسارع إلى النار فرحاً بنور الوهج و هي لا تدري لسع حرها . هنا خاطب ربنا نبيه صلى الله عليه و سلم و معه أصحاب القلوب المؤمنة الصافية قائلاً سبحانه : { وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران 176 - 177 ] . قال السعدي في تفسيره : كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه { إنهم لن يضروا الله شيئا } فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم. ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع { لن يضروا الله شيئا } بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: {ولهم عذاب أليم } وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى: {قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } الآيات. أبو الهيثم
  5. {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟! أرجى آية في كتاب الله! في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النور من الآية:11]. قالت عائشة رضي الله عنها: "لما أنزل الله هذا في برائتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، -وكان يُنفق على مِسطح بن أثاثة، لقرابته منه، وفقره-: والله لا أنفق على مِسطح شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، -وكان مِسطح ممَّن خاض في حادثة الإفك-. فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؟! [النور:22]، قال أبو بكر: بلى والله إني أحبُّ أن يَغفر الله لي! فرجع إلى مِسطح النفقة التي كان يُنفق عليه.. وقال: والله لاأنزعها منه أبدًا" (متفق عليه). وزاد مسلم في روايته: "قال حبّان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله". قلتُ: فاعفُ متى قَدرتَ، واغفر متى استُرحمتَ، واصفَح متى طُلب منك، ما وجدتَ إلى ذلك سبيلًا! وتعزَّ وتسلَّ بما واساك به الغفور الرحيم: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}؟!! * المصدر: طريق الإسلام. عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه ، فقال له عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال : " رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ، فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي ، فقال الله تبارك وتعالى للطالب : فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب فليحمل من أوزاري " قال : وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء ، ثم قال : " إن ذاك اليوم عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم ، فقال الله تعالى للطالب : " ارفع بصرك فانظر في الجنان فرفع رأسه ، فقال : يا رب أرى مدائن من ذهب وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ ، لأي نبي هذا أو لأي صديق هذا أو لأي شهيد هذا ؟ قال : هذا لمن أعطى الثمن ، قال : يا رب ومن يملك ذلك ؟ قال : أنت تملكه ، قال : بماذا ؟ قال : بعفوك عن أخيك ، قال : يا رب فإني قد عفوت عنه ، قال الله عز وجل : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك : ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . اسلام ويب
  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] إذا قابلت أحدًا من الآن فصاعداً لا تكلمي أحدًا وكان هذا مشروعاً في تلك الشرائع، جزء من حقيقة الصيام عندهم هو الصمت ونُسخت في شريعتنا بل جاء في شريعتنا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو فليصمت. الأصل أن تقول خيرا أو تصمت. كم من الناس يحتاج إلى عبادة الصمت وقد هلك فئام من الناس بسبب ألسنتهم، أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يمسك لسانه ويقول هذا الذي أوردني المهالك فماذا نقول نحن؟؟؟!!! الشيخ خالد الخليوي اعتزل من حولك {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا} قال ابن سعدي: "فتباعدت عن الناس" وقال ابن كثير: "لئلا تراهم ولا يروها" هذه الخطوة الأولى عند الصدمة أنت بحاجة إلى أن تخلو مؤقتًا بنفسك لتسترد توازنك أنت بحاجة لمزيد هدوء من حولك لـ (إيقاف الضجيج في داخلك) يقول براترند راسل: ( في الجو الهادئ وحده يمكن للسرور الحقيقي أن يحيا) أقول (عزلة مؤقتة)؛ لأن إطالتها قد تفتح للشيطان بابا أما الصوم الذي ورد في قوله تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: 26]، فأكثر أهل العلم على أن المراد بالصوم في هذه الآية هو الإمساك عن الكلام بدليل قوله تعالى، بعدها (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).(1). ثم جاءت العلة والحكمة من فرض الصيام على العباد فقال سبحانه: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)، فهذا هو المقصود من التشريع وهو الوصول بالعباد والمؤمنين إلى التقوى والتي هي ميزان التفاضل بينهم، فبالصيام يرتقي العبد إلى تلك المنزلة بامتثال أمر الله –تعالى- واجتناب نواهيه والوقوف عند حدوده. فوائد الآية: الأولى: أحدها الاهتمام بهذه العبادة ، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها. وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم. الثانية: أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب ، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبى العهد بالإسلام ، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده : (أياماً معدودات) . الثالثة: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة. وقال ابن كثير –رحمه الله- (1/266): "وَليَجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [المائدة: 48]".إهـ الرابعة: وفي الحديث الصحيح « الصَّوْمُ جُنَّة » أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة ، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة ، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات(2). الخامسة: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.(3). وقال الشيخ ابن عثيمين في تفسيره: "ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته"إهـ.السادسة: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ ليتم اختبار المكلف". قالها الشيخ ابن عثيمين في تفسيره، والله أعلم بشرعه وحكمه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 1- تفسير أضواء البيان (3/ 410). الفائدة الأولى والثانية والثالثة والرابعة تفسير ابن عاشور (2/ 210). 3- تفسير السعدي ص (86).
  7. هو الخالق و هو القادر على فناء العالم أو تبديل أهله له كمال القوة و كمال القدرة مالك الدنيا و الآخرة من أراد الدنيا فليطلبها من مالكها وليقدم بين يدي طلبه ما يرضيه و من أراد الآخرة فليطلبها من مالكها و ليقدم بين يدي طلبه ما يرضيه { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا * مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا }133-134 . قال السعدي في تفسيره : أي: هو الغني الحميد الذي له القدرة الكاملة والمشيئة النافذة فيكم { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } غيركم هم أطوع لله منكم وخير منكم، وفي هذا تهديد للناس على إقامتهم على كفرهم وإعراضهم عن ربهم، فإن الله لا يعبأ بهم شيئا إن لم يطيعوه، ولكنه يمهل ويملي ولا يهمل. ثم أخبر أن مَن كانت همته وإرادته دنية غير متجاوزة ثواب الدنيا، وليس له إرادة في الآخرة فإنه قد قصر سعيه ونظره، ومع ذلك فلا يحصل له من ثواب الدنيا سوى ما كتب الله له منها فإنه تعالى هو المالك لكل شيء الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلبا منه ويستعان به عليهما، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به، والافتقار إليه على الدوام. وله الحكمة تعالى في توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله وفي عطائه ومنعه، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } . أبو الهيثم
  8. خادمة دين الاسلام

    آية التطهير .. وقفة تربوية

    آية التطهير .. وقفة تربوية الشيخ محمد المحيسني بسم الله الرحمن الرحيم قال تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا))[الأحزاب:33]. التوجيه يخص نساء النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يشمل في ذات الوقت سائر نساء الأمة، وإنما خصهن الله تعالى بالخطاب؛ لعظمة مكانتهن، ومحلهن من رسول الله، ولأنهن يمثلن القدوة والمثل الأعلى لكل المؤمنات على مر الدهور والعصور، وعلى اختلاف الأمكنة. وتخصيصهن جاء ليبين عظم الواجب والتبعة الملقاة عليهن، وكذلك لأنّ الثواب مضاعفٌ بالنسبة لهن، كما كان العقاب مضاعفاً أيضاً. بيّن الله سبحانه لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء، وهو يقرر واجباتهن في معاملة الناس، وفي عبادة الله، وفي بيوتهن، ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم، وحياطته وصيانته من الرجس، وما يتلى في تلك البيوت من آيات الله والحكمة، مما يلقي عليهن تبعات خاصة، ويفردهن من بين سائر النساء. ففي حال التقوى فلهن الأجر مرتين، وفي حال المعصية بإتيان الفاحشة المبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين، ولا تشفع لهن قرابتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد أن بيّن الله لهن منزلتهن التي ينلنها بـ (حقها) وهو التقوى، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد الله أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم بها.. ومن هذه الوسائل: عدم الخضوع بالقول: ((فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ))[الأحزاب:32]، وذلك منعاً للأسباب المثيرة لأصحاب القلوب المريضة. القول المعروف: ((وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا))[الأحزاب:32]، لا لحن فيه، ولا إيماء، ولا هذر، ولا هزل، ولا دعابة، ولا مزاح. الاستقرار في البيوت: ((وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ))[الأحزاب:33]، إشارة لطيفة إلى أن الاستقرار في البيت هو الأصل، وما عداه هو الاستثناء، وإنما هي الحاجة تقدر بقدرها. عدم التبرج: ((وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى))[الأحزاب:33]، أي: عندما يحدث الاضطرار للخروج بعد الأمر بالقرار في البيوت، وقد كانت النساء في الجاهلية يمشين بين الرجال، وبعضهن تتكسر وتتغنج، وبعضهن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فلا يحجب قلائدها وأقراطها وعنقها وربما أشياء أخرى فيبدو ذلك منها، وذلك هو التبرج وما شابهه.. والنص الكريم يشير إلى أن ذلك التبرج من مخلفات الجاهلية. الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله، كخاتمة للتوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. تلك هي التوجيهات الربانية، ساقها الله تعالى لحكمة، وقصد، وهدف، هو: استحقاق أهل ذلك البيت لإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم.. فهو سبحانه يسميهم: (أهل البيت)، بدون وصف للبيت لتحديد ماهيته أو مكانه، ولا إضافة إلى صاحبه، كأنما هو البيت الواحد في هذا العالم المستحق لأن يذكر مطلقاً دون تحديد أو إضافة. فإذا قيل البيت عرف وحدد ووصف، كما هو شأن الكعبة المشرفة هي بيت الله، فيقال عنها: البيت، والبيت الحرام، وكذلك التعبير عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلقاً، هو تكريم وتشريف واختصاص. وفي العبارة القرآنية تلطّفٌ ببيان علة التكليف وغايته، يشعرهم بأن الله بذاته العلية يتولى تطهيرهم، وتربيتهم، وإذهاب الرجس عنهم، في رعاية علوية مباشرة، وجعل من تلك الأوامر والتوجيهات وسيلة لإذهاب الرجس، وتطهير أهل ذلك البيت. ويختم تلك التوجيهات لنساء النبي بمثل ما بدأ به، فيذكرهن بعلو مكانتهن وامتيازهن على سائر النساء، لمكانتهن من رسول الله، وبما أنعم الله به عليهن، حين جعل بيوتهن مهبطاً للقران، ومنزلاً للحكمة، ومشرقاً للنور والهدى. ثم يخيرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وبين إيثار الله ورسوله والدار الآخرة، ليبين أي الخيارين أفضل وأجزل وأكمل، وبذلك تبدو جزالة النعمة التي ميزهن الله بها.. ولقد اخترن رضي الله عنهن الله ورسوله والدار الآخرة. إن استخدام ميم الجمع بدلاً عن نون النسوة عند ذكر أهل البيت، لأن الخطاب يشمل النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه ومن قرب منه، والتوجيهات تنسحب آثارها على كل أهل البيت، وإن كان الخطاب موجهاً لأمهات المؤمنين خاصة بمناسبة التخيير الذي كان قبلها، والذي بموجبه اخترن الله ورسوله والدار الآخرة اختياراً مطلقا.. وكن حيث تؤهلهن مكانتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المكان العالي اللائق، ببيت الرسول الكريم. وبعد: هذه التعاليم الكريمة المشتملة على أرقى أصول التربية، ليست مقتصرة على نساء النبي وحدهن، إنها التربية الخاصة لغرض الاقتداء بهن من سائر نساء الأمة؛ لأنهن محط الأنظار ومحل الاقتداء، والمثل الذي يسعى الجميع لتمثّله والوصول إليه، فكل مؤمنة هي محل الخطاب وموضع التكليف.. والحمد لله رب العالمين..
  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في رحاب قوله تعالى((وّ مِن النّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسَه.. قال الله تعالى : ((وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)) ، البقرة : 207 . المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في صُهَيْب بْن سِنَان الرُّومِيّ - رضي الله عنه - ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ بِمَكَّة ، وَأَرَادَ الْهِجْرَة ليلحق بالنبي – عليه الصلاة والسلام - مَنَعَتهُ قريشٌ أَنْ يُهَاجِر بِمَالِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ فعليه أَنْ يَتَجَرَّد مِنْهُ وَيُهَاجِر ، ففَعَلَ ليَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ ، وَأَعْطَاهُمْ مَاله ؛ فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ هَذِهِ الْآيَة ، فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب – رضي الله عنه - ، وَجَمَاعَةٌ إِلَى طَرَف الْحَرَّة في المدينة النبوية ؛ فَقَالُوا لَهُ : رَبِحَ الْبَيْعُ . فَقَالَ : وَأَنْتُمْ فَلَا أَخْسَرَ اللَّهُ تِجَارَتكُمْ ، وَمَا ذَاكَ ؟ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة . وَيُرْوَى أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : " رَبِحَ الْبَيْعُ صُهَيْب ". ولا يَمنعُ أنها نزلتْ فِي كُلّ مُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : (( إِنَّ اللَّهَ اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ )) . فللهِ دَرُّك يا صهيب ! شَرَى نفسَه طلباً لرضوان الله - تعالى - هكذا تكون التضحية ، وإلا فلا ! هذا صُهيبٌ ، وهذا فِعلُه قد غَدَا قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة ؛ فماذا قدّمنا نحن طلباً لمرضات الله سبحانه ؟ وماذا بذلنا من أموالنا ، وأنفسنا ، وأوقاتنا لنصرة دين الله – تعالى – في زمن الغُربة التي أفقدت كثيراً من المسلمين توازنهم ، وزلزلت كِيانهم ، وشَوَّهَتْ أفكارهم ؛ إلا مَن رَحِم ربي ؟ اللهمّ استرنا ولا تفضحنا ، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا . شادي السيّد من موقع صيد الفوائد
  10. أم استبرق محبة كتاب الله

    لمسات بيانية في سورة الفاتحة

    *هدف السورة: شاملة لأهداف القرآن* سميت الفاتحة وأم الكتاب والشافية والوافية والكافية والأساس والحمد والسبع المثاني والقرآن العظيم كما ورد في صحيح البخاري أن النبي r قال لأبي سعيد بن المعلّى: (لأعلّمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) وقد وصفها الله تعالى بالصلاة فما هو سر هذه السورة؟ سورة الفاتحة مكية وآياتها سبع بالاجماع وسميت الفاتحة لافتتاح الكتاب العزيز بها فهي اول القرآن ترتيبا لا تنزيلا وهي على قصرها حوت معاني القرآن العظيم واشتملت مقاصده الأساسية بالاجمال فهي تتناول أصول الدين وفروعه، العقيدة، العبادة، التشريع، الاعتقاد باليوم الآخر والايمان بصفات الله الحسنى وافراده بالعبادة والاستعانة والدعاء والتوجه اليه جلّ وعلا بطلب الهداية الى الدين الحق والصراط المستقيم والتضرع اليه بالتثبيت على الايمان ونهج سبيل الصالحين وتجنب طريق المغضوب عليهم والضآلين وفيها الاخبار عن قصص الامم السابقين والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه وغير ذلك من مقاصد وأهداف فهي كالأم بالنسبة لباقي السور الكريمة ولهذا تسمى بأم الكتاب. إذن اشتملت سورة الفاتحة على كل معاني القرآن فهدف السورة الاشتمال على كل معاني واهداف القرآن. والقرآن نص على : العقيدة والعبادة ومنهج الحياة. والقرآن يدعو للاعتقاد بالله ثم عبادته ثم حدد المنهج في الحياة وهذه نفسها محاور سورة الفاتحة: · العقيدة: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين ). · العبادة: (إياك نعبد وإياك نستعين). · مناهج الحياة: (إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضآلين). وكل ما يأتي في كل سور وآيات القرآن هو شرح لهذه المحاور الثلاث. تذكر سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومنها: · شكر نعم الله (الحمد لله)، · والاخلاص لله (إياك نعبد واياك نستعين)، · الصحبة الصالحة (صراط الذين أنعمت عليهم)، · وتذكر أسماء الله الحسنى وصفاته (الرحمن الرحيم)، · الاستقامة (إهدنا الصراط المستقيم)، · الآخرة (مالك يوم الدين) ويوم الدين هو يوم الحساب. · أهمية الدعاء، · وحدة الأمة (نعبد، نستعين) ورد الدعاء بصيغة الجمع مما يدل على الوحدة ولم يرد بصيغة الافراد. وسورة الفاتحة تعلمنا كيف نتعامل مع الله فأولها ثناء على الله تعالى (الحمد لله رب العالمين) وآخرها دعاء لله بالهداية (إهدنا الصراط المستقيم) ولو قسمنا حروف سورة الفاتحة لوجدنا أن نصف عدد حروفها ثناء (63 حرف من الحمد لله الى اياك نستعين) ونصف عدد حروفها دعاء (63 حرف من (اهدنا الصراط) الى(ولا الضآلين) وكأنها اثبات للحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فاذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله عز وجل: حمدني عبدي، واذا قال: الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي، واذا قال : مالك يوم الدين، قال عز وجل: مجدني عبدي، وقال مرة فوض الي عبدي، فاذا قال: اياك نعبد واياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فسبحان الله العزيز الحكيم الذي قدّر كل شيء. وقد سئل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لماذا يقف بعد كل آية من آيات سورة الفاتحة فأجاب لأستمتع برد ربي. إذن سورة الفاتحة تسلسل مبادئ القرآن (عقيدة، عبادة، منهج حياة) وهي تثني على الله تعالى وتدعوه لذا فهي اشتملت على كل اساسيات الدين. أنزل الله تعالى 104 كتب وجمع هذه الكتب كلها في 3 كتب (الزبور، التوراة والانجيل) ثم جمع هذه الكتب الثلاثة في القرآن وجمع القرآن في الفاتحة وجمعت الفاتحة في الآية (إياك نعبد واياك نستعين). وقد افتتح القرآن بها فهي مفتاح القرآن وتحوي كل كنوز القرآن وفيها مدخل لكل سورة من باقي سور القرآن وبينها وبين باقي السور تسلسل بحيث انه يمكن وضعها قبل أي سورة من القرآن ويبقى التسلسل بين السور والمعاني قائما. لطائف سورة الفاتحة: · آخر سورة الفاتحة قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) وجاءت سورة البقرة بعدها تتحدث عن المغضوب عليهم (بني إسرائيل) وكيف عصوا ربهم ورسولهم وجاءت سورة آل عمران لتتحدث عن الضآلين (النصارى) . · وآخر كلمات سورة الفاتحة الدعاء جاءت مرتبطة ببداية سورة البقرة (هدى للمتقين) فكأن (اهدنا الصراط المستقيم) في الفاتحة هو الهدى الذي ورد في سورة البقرة. · بداية السورة (الحمد لله رب العالمين) وهذه أول كلمات المصحف، يقابلها آخر كلمات سورة الناس (من الجنة والناس) ابتدأ تعالى بالعالمين وختم بالجنة والناس بمعنى أن هذا الكتاب فيه الهداية للعالمين وكل مخلوقات الله تعالى من الجنة والناس وليس للبشر وحدهم او للمسلمين فقط دون سواهم. · أحكام التجويد في سورة الفاتحة جاءت ميسرة وليس فيها أياً من الأحكام الصعبة وهذا والعلم عند الله لتيسير تلاوتها وحفظها من كل الناس عرباً كانوا او عجما. والله تعالى هو الرحمن الرحيم وهو مالك يوم الدين وعلينا أن نحذر عذابه يوم القيامة ويوم الحساب. والناس هم بحاجة الى معونة الله تعالى لعبادته فلولا معونته سبحانه ما عبدناه (إياك نعبد وإياك نستعين) وندعو الله تعالى للهداية إلى الصراط المستقيم (اهدنا الصراط المستقيم) وهذا الصراط المستقيم ما هو إلا صراط النبي r وصراط السلف الصالح من الصحابة والمقربين (صراط الذين أنعمت عليهم) وندعوه أن يبعدنا عن صراط المغضوب عليهم والضآلين من اليهود والنصارى وكل الكفار الين يحاربون الله ورسوله وr والاسلام والمسلمين في كل زمن وعصر (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) الآن وقد عرفنا أهداف سورة الفاتحة التي نكررها 17 مرة في صلاة الفريضة يومياً ما عدا النوافل لا شك اننا سنستشعر هذه المعاني ونتدبر معانيها ونحمد الله تعالى ونثني عليه وندعوه بالهداية لصراطه المستقيم. د.حسام النعيمى:أرقام الآيات توقيفي على ما فعله الصحابة. هم ما وضعوا أرقاماً وإنما وضعوا فجوات ثم بعد ذلك وضعت الأرقام. هم كانوا على الوقف لأنهم كانوا يقفون على رؤوس الآي يعني وقفة فيها طول فيعلمون أن الآية انتهت هنا ففي الكتابة يضعون بين الآيات فراغاً ظاهراً ليس كالفراغ بين كلمتين إنما يبتعد. لو نظرنا في المخطوطات القديمة سنجد أنه في نهايات الآيات لا يوجد ترقيم ولكن توجد فواصل واضحة. الترقيم جاء متأخراً. *لمسات بيانية في سورة الفاتحة للدكتور فاضل صالح السامرائي* الحمد لله: معنى الحمد الثناء على الجميل من النعمة او غيرها مع المحبة والاجلال. فالحمد ان تذكر محاسن الغير سواء كان ذلك الثناء على صفة من صفاته الذاتية كالعلم والصبر والرحمة ام على عطائه وتفضله على الآخرين. ولا يكون الحمد الا للحي العاقل. وهذا اشهر ما فرق بينه وبين المدح فقد تمدح جمادا ولكن لا تحمده وقد ثبت ان المدح اعم من الحمد. فالمدح قد يكون قبل الاحسان وبعده اما الحمد فلا يكون الا بعد الاحسان. فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات او الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد اما المدح فقد يكون قبل ذلك فقد تمدح انسانا ولم يفعل شيئا من المحاسن والجميل ولذا كان المدح منهياً عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"احثوا التراب في وجه المداحين" بخلاف الحمد فإنه مأمور به فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من لم يحمد الناس لم يحمد الله" وبذا علمنا من قوله: الحمد لله" ان الله حي له الصفات الحسنى والفعل الجميل فحمدناه على صفاته وعلى فعله وانعامه ولو قال المدح لله لم يفد شيئا من ذلك، فكان اختيار الحمد اولى من اختيار المدح. *ولم يقل سبحانه الشكر لله لان الشكر لا يكون الا على النعمة ولا يكون على صفاته الذاتية فانك لا تشكر الشخص على علمه او قدرته وقد تحمده على ذلك وقد جاء في لسان العرب "والحمد والشكر متقاربان والحمد اعمهما لانك تحمد الانسان على صفاته الذاتية وعلى عطائه ولا تشكره على صفاته.فكان اختيار الحمد اولى ايضا من الشكر لانه اعم فانك تثني عليه بنعمه الواصلة اليك والى الخلق جميعا وتثني عليه بصفاته الحسنى الذاتية وان لم يتعلق شيئ منها بك. فكان اختيار الحمد اولى من المدح والشكر. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه قال: الحمد لله . *ولم يقل أحمد الله أو نحمد الله وما قاله اولى من وجوه عدة: ان القول أحمد الله او نحمد الله مختص بفاعل معين ففاعل أحمد هو المتكلم وفاعل نحمد هم المتكلمون في حين أن عبارة "الحمد لله" مطلقة لا تختص بفاعل معين وهذا اولى فانك اذا قلت أحمد الله اخبرت عن حمدك انت وحدك ولم تفد ان غيرك حمده واذا قلت نحمد الله اخبرت عن المتكلمين ولم تفد ان غيركم حمده في حين ان عبارة "الحمد لله" لا تختص بفاعل معين فهو المحمود على وجه الاطلاق منك ومن غيرك. وقول "احمد الله" تخبر عن فعلك انت ولا يعني ذلك ان من تحمده يستحق الحمد في حين اذا قلت " الحمد لله" افاد ذلك استحقاق الحمد لله وليس مرتبط بفاعل معين. وقول احمد الله او نحمد الله مرتبط بزمن معين لان الفعل له دلالة زمنية معينة. فالفعل المضارع يدل على الحال او الاستقبال ومعنى ذلك ان الحمد لا يحدث في غير الزمان الذي تحمده فيه. ولا شك ان الزمن الذي يستطيع الشخص او الاشخاص الحمد فيه محدود وهكذا كل فعل يقوم به الشخص محدود الزمن فان اقصى ما يستطيع ان يفعله ان يكون مرتبطا بعمره ولا يكون قبل ذلك وبعده فعل فيكون الحمد اقل مما ينبغي فان حمد الله لا ينبغي ان ينقطع ولا يحد بفاعل او بزمان في حين ان عبارة "الحمد لله" مطلقة غير مقيدة بزمن معين ولا بفاعل معين فالحمد فيها مستمر غير منقطع. جاء في تفسير الرازي أنه لو قال "احمد الله" افاد ذلك كون القائل قادرا على حمده اما لما قال "الحمد لله" فقد افاد ذلك، انه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين فهؤلاء سواء حمدوا ام لم يحمدوا فهو تعالى محمود من الازل الى الابد بحمده القديم وكلامه القديم. وقول "احمد الله" جملة فعلية و"الحمد لله" جملة اسمية والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد في حين ان الجملة الاسمية دالة على الثبوت وهي اقوى وادوم من الجملة الفعلية. فاختيار الجملة الاسمية اولى من اختيار الجملة الفعلية ههنا اذ هو ادل على ثبات الحمد واستمراره. وقول "الحمد لله" معناه ان الحمد والثناء حق لله وملكه فانه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة اياديه وانواع آلآئه على العباد. فقولنا "الحمد لله" معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ولو قال "احمد الله" لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد بذاته ومعلوم ان اللفظ الدال على كونه مستحقا للحمد اولى من اللفظ الدال على ان شخصا واحدا حمده. والحمد عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والاجلال. فاذا تلفظ الانسان بقوله : "احمد الله" مع انه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا لانه اخبر عن نفسه بكونه حامدا مع انه ليس كذلك. اما اذا قال "الحمد لله" سواء كان غافلا او مستحضرا لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا لان معناه: ان الحمد حق لله وملكه وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التعظيم والاجلال او لم يكن. فثبت ان قوله "الحمد لله" اولى من قوله أحمد الله او من نحمد الله. ونظيره قولنا "لا اله الا الله" فانه لا يدخل في التكذيب بخلاف قولنا "اشهد ان لا اله الا الله" لانه قد يكون كاذبا في قوله "اشهد" ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" (المنافقون، آية 1) *فلماذا لم يقل الحمدَ لله بالنصب؟ الجواب ان قراءة الرفع اولى من قراءة النصب ذلك ان قراءة الرفع تدل على ان الجملة اسمية في حين ان قراءة النصب تدل على ان الجملة فعلية بتقدير نحمد او احمد اواحمدوا بالامر. والجملة الاسمية اقوى واثبت من الجملة الفعلية لانها دالة على الثبوت. وقد يقال أليس تقدير فعل الامر في قراءة النصب اقوى من الرفع بمعنى "احمدوا الحمد لله" كما تقول "الاسراع في الامر" بمعنى أسرعوا؟ والجواب لا فان قراءة الرفع اولى ايضا ذلك لان الامر بالشيئ لا يعني ان المأمور به مستحق للفعل. وقد يكون المأمور غير مقتنع بما أمر به فكان الحمد لله اولى من الحمد لله بالنصب في الاخبار والامر. *ولماذا لم يقل "حمداً لله"؟ الحمد لله معرفة بأل وحمداً نكرة والتعريف هنا يفيد ما لا يفيده التنكير ذلك ان "أل" قد تكون لتعريف العهد فيكون المعنى: أن الحمد المعروف بينكم هو لله، وقد يكون لتعريف الجنس على سبيل الاستغراق فيدل على استغراق الاحمدة كلها. ورجح بعضهم المعتى الاول ورجح بعضهم المعنى الثاني بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك الحمد كله" فدل على استغراق الحمد كله فعلى هذا يكون المعنى: ان الحمد المعروف بينكم هو لله على سبيل الاستغراق والاحاطة فلا يخرج عنه شيئ من أفراد الحمد ولا أجناسه. "الحمد لله" أهي خبر أم انشاء؟ الخبر هو ما يحتمل الصدق او الكذب والانشاء هو ما لا يحتمل الصدق او الكذب. قال اكثر النحات والمفسرين ان الحمد لله اخبار كأنه يخبر ان الحمد لله سبحانه وتعالى وقسم قال انها انشاء لان فيها استشعار المحبة وقسم قال انها خبر يتضمن انشاء. أحيانا يحتمل ان تكون التعبيرات خبرا او انشاء بحسب ما يقتضيه المقام الذي يقال فيه.فعلى سبيل المثال قد نقول (رزقك الله) ونقصد بها الدعاء وهذا انشاء وقد نقول (رزقك الله وعافاك) والقصد منها افلا تشكره على ذلك؟ وهذا خبر. والحمد لله هي من العبارات التي يمكن ان تستعمل خبرا وانشاء بمعنى الحمد لله خبر ونستشعر نعمة الله علينا ونستشعر التقدير كان نقولها عندما نستشعر عظمة الله سبحانه في امر ما فنقول الحمد لله. *فلماذا لم يقل سبحانه إن الحمد لله؟ لا شك ان الحمد لله لكن هناك فرق بين التعبيرين ان نجعل الجملة خبرا محضا في قول الحمد لله (ستعمل للخبر او الانشاء) ولكن عندما تدخل عليه إن لا يمكن الا ان يكون انشاء لذا فقول الحمد لله اولى لما فيه من الاجلال والتعظيم والشعور بذلك. لذا جمعت الحمد لله بين الخبر والانشاء ومعناهما. مثلا نقول رحمة الله عليك (هذا دعاء) وعندما نقول إن رحمة الله عليك فهذا خبر وليس دعاء من المعلوم انه في اللغة قد تدخل بعض الادوات على عبارات فتغير معناها مثال: رحمه الله (دعاء)، قد رحمه الله (اخبار) رزقك الله (دعاء) قد رزقك الله (اخبار) *الان لماذا لم يقل سبحانه لله الحمد؟ الحمد الله تقال اذا كان هناك كلام يراد تخصيصه (مثال لفلان الكتاب) تقال للتخصيص والحصر فاذا قدم الجار والمجرور على اسم العلم يكون بقصد الاختصاص والحصر (لازالة الشك ان الحمد سيكون لغير الله) الحمد لله في الدنيا ليست مختصة لله سبحانه وتعالى الحمد في الدنيا قد تقال لاستاذ او سلطان عادل اما العبادة فهي قاصرة على الله سبحانه وتعالى المقام في الفاتحة ليس مقام اختصاص اصلا وليست مثل اياك نعبد او اياك نستعين. فقد وردت في القران الكريم (فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين) الجاثية (لآية 36). لا احد يمنع التقديم لكن التقديم والتأخير في القران الكريم يكون حسب ما يقتضيه السياق. المقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية أما في سورة الجاثية فالمقام في الكافرين وعقائدهم وقد نسبوا الحياة والموت لغير الله سبحانه لذا اقتضى ذكر تفضله سبحانه بانه خلق السموات والارض واثبت لهم ان الحمد الاول لله سبحانه على كل ما خلق لنا فهو المحمود الاول لذا جاءت فلله الحمد مقدمة حسب ما اقتضاه السياق العام للآيات في السورة. فلماذا التفضيل في الجاثية (رب السموات والارض) ولم ترد في الفاتحة؟ في الجاثية تردد ذكر السموات والارض وما فيهن وذكر ربوبية الله تعالى لهما فقد جاء في اول السورة (ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين) فلو نظرنا في جو سورة الجاثية نلاحظ ربوبية الله تعالى للسموات والارض والخلق والعالمين مستمرة في السورة كلها. (ولله ملك السوات والارض) يعني هو ربهما ( ويوم تقوم الساعة يخسر المبطلون) اذن هو رب العالمين ( وخلق الله السموات والارض بالحق) فهو ربهما ( لتجزى كل نفس..) فهو رب العالمين. (فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين) جمع الربوبية في السموات والارض والعالمين في آية واحدة أما في الكلام في الفاتحة فهو عن العالمين فقط وذكر اصناف الخلق من العالمين (المؤمنين، الضالين..) لذا ناسب التخصيص في الجاثية وليس في الفاتحة. (وله الكبرياء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم)(الجاثية الآية 37) ولم يذكر الكبرياء في الفاتحة لانه جاء في الجاثية ذكر المستكبرين بغير حق (ويل لكل افاك اثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعهافبشره بعذاب أليم.واذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) (الجاثية الأيات 7-9) دل على مظهر من مظاهر الاستكبار لذا ناسب ان يرد ذكر الكبرياء في السموات والارض. فسبحانه تعالى يضع الكلام بميزان دقيق بما يتناسب مع السياق العام للآيات. الحمد لله: جاء سبحانه وتعالى باسمه العلم (الله) لم يقل الحمد للخالق أو القدير او اي اسم آخر من اسمائه الحسنى فلماذا جاء باسمه العلم؟ لانه اذا جاء باي اسم آخر غير العلم لدل على انه تعالى استحق الحمد فقط بالنسبة لهذا الاسم خاصة فلو قال الحمد للقادر لفهمت على انه يستحق الحمد للقدرة فقط لكن عند ذكر الذات (الله) فانها تعني انه سبحانه يستحق الحمد لذاته لا لوصفه. من ناحية اخرى الحمد لله مناسبة لما جاء بعدها (اياك نعبد) لان العبادة كثيرا ما تختلط بلفظ الله. فلفظ الجلاله (الله) يعنى الإله المعبود مأخوذة من أله (بكسر اللام) ومعناها عبد ولفظ الله مناسب للعبادة واكثر اسم اقترن بالعبادة هو لفظ الله تعالى (اكثر من 50 مرة اقترن لفظ الله بالعبادة في القران) لذا فالحمد لله مناسب لاكثر من جهة. الحمد' لله اولى من قول الحمد للسميع او العليم او غيرها من اسماء الله الحسنى. وقول الحمد لله أولى من قول أحمد الله أو الحمدَ لله او حمدا لله او ان الحمد لله او الحمد للحي او القادر او السميع او البصير. جلُت حكمة الله سبحانه وتعالى وجل قوله العزيز. *من برنامج(ورتل القرآن ترتيلاً): قال تعالى (الْحَمْدُ للّهِ (2) الفاتحة) هل سألنا أنفسنا ما معنى الحمد لله؟إن الحمد هو الثناء على الجميل من نعمة أو غيرها مع المحبة والإجلال. فالحمد أن تذكر محاسن الغير ولا يكون الحمد إلا للحيّ العاقل أما المدح فلا يختص بشيء معين فقد تمدح حيواناً مثلاً كأن تمدح الديك ولكنك لا تحمده. وفرق آخر أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان لذلك لا نحمد إلا من يستحق الحمد بفعل جميل أو صفة حسنة أما المدح فقد أمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن ولذا نهينا عن المدح وأُمرنا بالحمد فقد قال r: "احثوا التراب في وجوه المدّاحين" في حين قال " من لم يحمد الناس لم يحمد الله" فكان الحمد أولى من المدح. لو تقصينا الفرق بين المدح والشكر نجد أن الشكر لا يكون إلا عقب نعمة أو إحسان أُسدي إليك دون غيرك ولا يكون في الصفات فأنت لا تشكر الشخص على عِلمه أما الحمد فإنه لا يختص بذلك فأنت تحمد الله على إنعامه لك ولغيرك وتحمد الله على قدرته وعلمه وفضله فكان اختيار الحمد أولى من الشكر أيضاً. رب العالمين: الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيم فاذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم لذا فهو اولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي انسب ما يمكن وضعه بعد (الحمد لله). رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل اسماء الله الحسنى. العالمين جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم امر بلاغي يعني ذلك ان العالمين خاص للمكلفين واولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى (تبارك الذي نزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على ان المقصود بالعالمين اولي العقل واولي العلم او المكلفون. والعالمين جمع العالم بكل اصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات او الجماد او البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين الا اذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم. أما العوالم قد يطلق على اصناف من الموجودات ليس منهم البشر او العقلاء او المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات) اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين او قسما من جيل (قالوا اولم ننهك عن العالمين) (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال. واختيار العالمين ايضا لان السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية واظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص باولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا ان الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم. اما اختيار كلمة رب فلانها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم) لان من معاني الرب المربي وهي اشهر معانيه واولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيرا بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي اعطى كل شيئ خلقه ثم هدى) (طه آية 49-50) (فاجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه آية 122) (سبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الأعلى آية 1-3) (قل انني هداني ربي الى صراط مستقيم) (الانعام آية 161) (وقل عسى ان يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) (الكهف آية 24) (قال كلا ان معي ربي سيهدين) (الشعراء آية 62) (وقال اني ذاهب الى ربي سيهدين) (الصافات آية 99) (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي ان يهديني سواء السبيل) (القصص آية 22) لذا ناسب لفظ رب مع اهدنا الصراط المستقيم وفيها طلب الهداية. الرحمن الرحيم: الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية ان الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف الى حده الاقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضبا (فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا) لكن الغضب زال (فلما سكت عن موسى الغضب) ومثل ذلك عطشان، ريان، جوعان يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش اما صيغة فعيل فهي تدل على الثبوت سواء كان خلقة ويسمى تحول في الصفات مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وانما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه. هذا الاحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة الى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيئ جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو اصلا ضعيف) ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع ان هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها ان صفة رحيم مع انها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة انما قد تنفك مثلا عندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة انما الصفة الغالبة عليه هي الكرم. وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على ان صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة ويدل على ان رحمته لا تنقطع وهذا ياتي من باب الاحتياط للمعنى وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن احداهما انما هذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة غير منقطعة. *فلماذا اذن قدم سبحانه الرحمن على الرحيم؟ قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لابعد حدودها لان الانسان في طبيعته عجول وكثيرا ما يؤثر الانسان الشيئ الآتي السريع وان قل على الشيئ الذي سيأتي لاحقا وان كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة اليه ولا تنفك لان رحمته ثابتة. ووقوع كلمة الرحيم بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها اشارة الى ان المربي يجب ان يتحلى بالرحمة وتكون من ابرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي ان يتصف بالرحمة سواء كان مربيا او سيدا او قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة. مالك يوم الدين: هناك قراءة متواترة (ملك يوم الدين) بعض المفسرين يحاولون تحديد اي القراءتين اولى وتحديد صفة كل منهما لكن في الحقيقة ليس هناك قراءة اولى من قراءة فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الامين ليجمع بين معنى المالك والملك. المالك من التملك والملك بكسر الميم (بمعنى الذي يملك الملك) . وملك بكسر اللام من الملك بضم الميم والحكم (اليس لي ملك مصر) الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الاعلى هو الله تعالى. المالك قد يكون ملكا وقد لا يكون والملك قد يكون مالكا وقد لا يكون. المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف الملك (بكسر اللام) والمالك عليه ان يتولى امر مملوكه من الكسوة والطعام والملك ينظر للحكم والعدل والانصاف. المالك اوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملك هو المتصرف الاكبر وله الامر والادارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين لتجمع بين معنى المالك والملك وتدل على انه سبحانه هو المالك وهو الملك (قل اللهم مالك الملك) الملك ملكه سبحانه وتعالى فجمع بين معنى الملكية والملك *مالك يوم الدين، لم لم يذكر الدنيا؟ سواء كان مالكا او ملكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟ اولا قال (الحمد لله رب العالمين) فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا. (مالك يوم الدين) هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من ايام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله يوم الدين شمل فيه الدنيا ايضا. *لم قال يوم الدين ولم يقل يوم القيامة؟ الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع انواع القيامة من اولها الى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين وكلمة الدين انسب للفظ رب العالمين وانسب للمكلفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو انسب من يوم القيامة لان القيامة فيها اشياء لا تتعلق بالجزاء اما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين لان الكلام من اوله لآخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة. *لماذا قال مالك يوم؟ واليوم لا يملك انما ما فيه يملك والسبب لقصد العموم ومالك اليوم هو ملك لكل ما فيه وكل من فيه فهو اوسع وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي اضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه واحداثه وكل ما فيه من باب الملكية (بكسر الميم) والملكية (بضم الميم) . اقتران الحمد بهذه الصفات احسن واجمل اقتران. (الحمد لله) فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم) ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لان من الارباب من لا تحمد عبوديته وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لان الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة فالرحمة اذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحا لصاحبها، محمود في رحمته يضعها حيث يجب ان توضع وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته (مالك يوم الدين) محمود في ملكه ذلك اليوم (في قراءة ملك يوم الدين) استغرق الحمد كل الازمنة لم يترك سبحانه زمنا لم يدخل فيه الحمد ابدا من الازل الى الابد فهو حمده قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيئ قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات استغرق الحمد هنا الزمن الاول وعند خلق العالم (رب العالمين) واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم) واستغرق الحمد يوم الجزاء كله ويوم الجزاء لا ينتهي لان الجزاء لا ينتهي فاهل النار خالدين فيها واهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم فاستغرق الحمد كل الازمنة من الازل الى الابد كقوله تعالى له الحمد في الاولى والاخرة هذه الآيات جمعت اعجب الوصف. *من برنامج(ورتل القرآن ترتيلاً): فى قوله تعالى (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ (3) الفاتحة) فيه إضفاء الأمل في قلبك أيها العبد الفقير إلى رحمة ربك فصيغة فعلان أي (الرحمن) تفيد الدلالة على التجدد كقولنا عطشان فهي لا تدل على الثبوت بل على التجدد والامتلاء بهذا الوصف وصيغة فعيل أي الرحيم تدل على الثبوت في الصفة كقولنا طويل أو جميل فجاء السياق القرآني بهاتين الصيغتين للدلالة على أن رحمته سبحانه وتعالى ثابتة ومتجددة فالعطشان يذهب ظمأه إن شرِب ولكن الكريم لا تزول عنه هذه الصفة ولو افتقر فكان الترادف بين الصيغتين فعلان وفعيل أي الرحمن الرحيم يبث في الحنايا الرحمة الدائمة التي تباشر العباد. اياك نعبد واياك نستعين: قدم المفعولين لنعبد ونستعين وهذا التقديم للاختصاص لانه سبحانه وتعالى وحده له العبادة لذا لم يقل نعبدك ونستعينك لانها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى اما قول اياك نعبد فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده وكذلك في الاستعانة (اياك نستعين) تكون بالله حصرا (ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير) (الممتحنة آية 4) كلها مخصوصة لله وحده حصرا فالتوكل والانابة والمرجع كله اليه سبحانه (وعلى الله فليتوكل المتوكلون)(ابراهيم 12) (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك آية 29) تقديم الايمان على الجار والمجرور هنا لان الايمان ليس محصورا بالله وحده فقط بل علينا الايمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا لم تأت به آمنا. أما في التوكل فجاءت وعليه توكلنا لا توكلنا عليه لان التوكل محصور بالله تعالى. *الآن لماذا كررت اياك مع فعل الاستعانة ولم يقل اياك نعبد ونستعين؟ التكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به لو اقتصرنا على ضمير واحد (اياك نعبد ونستعين) لم يعني المستعان انما عني المعبود فقط ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك انه لا يتقرب اليه الا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى انه لا يعبد بدون استعانة ولا يستعان به بدون عبادة. يفهم من الاستعانة مع العبادة مجموعة تربط الاستعانة بالعبادة وهذا غير وارد وانما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير اياك نعبد واياك نستعين. التكرار توكيد في اللغة، في التكرار من القوة والتوكيد للاستعانة فيما ليس في الحذف. اياك نعبد واياك نستعين:اطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شئ او نستعين على طاعة او غيره انما اطلقها لتشمل كل شئ وليست محددة بامر واحد من امور الدنيا. وتشمل كل شئ يريد الانسان ان يستعين بربه لان الاستعانة غير مقيدة بامر محدد. وقد عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع (نعبد ونستعين) وليس بالتعبير المفرد أعبد وأستعين وفي هذا اشارة الى أهمية الجماعة في الاسلام لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة وتلزم ان صلاة الجماعة افضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة وفيها دليل على اهمية الجماعة عامة في الاسلام مثل الحج وصلاة الجماعة، الزكاة، الجهاد،الاعياد والصيام. اضافة الى ان المؤمنين اخوة فلو قال اياك اعبد لأغفل عبادة اخوته المؤمنين وانما عندما نقول اياك نعبد نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين ايضاً. *لماذا قرن العبادة بالاستعانة؟ اولاً ليدل على ان الانسان لا يستطيع ان يقوم بعبادة الله الا بإعانة الله له وتوفيقه فهو اذن شعار واعلان ان الانسان لا يستطيع ان يعمل شيئاً الا بعون الله وهو اقرار بعجز الانسان عن القيام بالعبادات وعن حمل الامانة الثقيلة اذا لم يعنه الله تعالى على ذلك، الاستعانة بالله علاج لغرور الانسان وكبريائه عن الاستعانة بالله واعتراف الانسان بضعفه. *لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟ العبادة هي علة خلق الانس والجن (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون)(الذاريات 56) والاستعانة انما هي وسيلة للعبادة فالعبادة اولى بالتقديم. العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وحق الله اولى من مطالبه. تبدأ السورة بالحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وهذه كلها من اسلوب الغيبة اي كلها للغائب ثم انتقل الى الخطاب المباشر بقوله اياك نعبد واياك نستعين. فلو قسنا على سياق الآيات الاولى لكان اولى القول اياه نعبد واياه نستعين. فلماذا لم يقل سبحانه هذا؟ في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو المتكلم او العكس الإلتفات. للالتفات فائدة عامة وفائدة في المقام، اما الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للاصغاء والانتباه. اما الفائدة التي يقتضيها المقام فهي اذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة غير العامة مثال: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم) (يونس آية 22) لم يقل وجرين بكم فيها التفات لانهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك اصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين. وعندما قال سبحانه الحمد لله رب العالمين فهو حاضر دائما فنودي بنداء الحاضر المخاطب. الكلام من اول الفاتحة الى مالك يوم الين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة والثناء في الغيبة اصدق واولى أما اياك نعبد واياك نستعين فهو دعاء والدعاء في الحضور اولى واجدى اذن الثناء في الغيبة اولى والدعاء في الحضور اولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي اولى. إهدنا الصراط المستقيم هذا دعاء ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم وهذا بدوره يدل على اهمية الطلب وهذا الدعاء لان له اثره في الدنيا والآخرة ويدل على ان الانسان لا يمكن ان يهتدي للصراط المستقيم بنفسه الا اذا هداه الله تعالى لذلك. اذا ترك الناس لانفسهم لذهب كل الى مذهبه ولم يهتدوا الى الصراط المستقيم وبما ان هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة وهذا غير دعاء السنة في (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (البقرة آية 201). والهداية هي الالهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر مثل اهدنا الصراط المستقيم (تعدى الفعل بنفسه) وقد يتعدى بإلى (وانك لتهدي الى صراط مستقيم) (الشورى آية 52) (واهديك الى ربك فتخشى) (النازعات آية 19) وقد يتعدى باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا ) (الاعراف 43) (بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان) (الحجرات آية 17) ذكر اهل اللغة ان الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه ان التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه بمعنى ان المهدي كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية اليه. والتعدية بدون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه كقولنا هديته الطريق قد يكون هو في الطريق فنعرفه به وقد لا يكون في الطريق فنوصله اليه. (فاتبعني اهدك صراطا سويا) (مريم آية 43) ابو سيدنا ابراهيم لم يكن في الطريق، (ولهديناهم صراطا مستقيما) (النساء آية 68) والمنافقون ليسوا في الطريق. واستعملت لمن هم في الصراط (وقد هدانا سبلنا) (ابراهيم آية 12) قيلت في رسل الله تعالى وقال تعالى مخاطبا رسوله (ويهديك صراطا مستقيما) (الفتح آية 2) والرسول مالك للصراط. استعمل الفعل المعدى بنفسه في الحالتين. التعدية باللام والى لمن لم يكن في الصراط (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا الى سواء الصراط) (ص آية 22) (هل من شركائكم من يهدي الى الحق) (يونس آية 35) وتستعمل هداه له بمعنى بينه له والهداية على مراحل وليست هداية واحدة فالبعيد عن الطريق، الضال، يحتاج من يوصله اليه ويدله عليه (نستعمل هداه اليه) والذي يصل الى الطريق يحتاج الى هاد يعرفه باحوال الطريق واماكن الامن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس ثم اذا سلك الطريق في الاخير يحتاج الى من يريه غايته واستعمل سبحانه اللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله) (الاعراف آية 43) وهذه خاتمة الهدايات. ونلخص ما سبق على النحو التالي: -انسان بعيد يحتاج من يوصله الى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى. -اذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق واحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه. -اذا سلك الطريق ويحتاج الى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام. الهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل او الصراط ابدا في القرآن لان الصراط ليست غاية انما وسيلة توصل للغاية واللام انما تستعمل عند الغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده او للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم) (الاسراء آية 9) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء) (النور آية 35). قد نقول جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف. § (قل هل من شركائكم من يهدي الى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدي الا ان يهدى) (يونس آية 35). جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى لان معنى الآيات تفيد هل من شركائكم من يوصل الى الحق قل الله يهدي للحق الله وحده يرشدك ويوصلك الى خاتمة الهدايات، يعني ان الشركاء لا يعرفون اين الحق ولا كيف يرشدون اليه ويدلون عليه. § (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ويهديهم الى صراط مستقيم) (المائدة آية 16). استعمل الهداية معداة بنفسها بدون حرف واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدى بالى ومعنى الآيات انه من اتبع رضوان الله وليس بعيدا ولا ضالا استعمل له الفعل المعدى بنفسه والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج الى من يوصله الى الصراط لذا قال يهديهم الى صراط مستقيم (استعمل الفعل المعدى بإلى). نعود الى الآية (اهدنا الصراط المستقيم) (الفعل معدى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدى بنفسه لجمع عدة معاني فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى ان يوصله اليه والذي في الطريق نطلب من الله تعالى ان يبصره باحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق. وهنا يبرز تساؤل آخر ونقول كما سبق وقدم سبحانه مفعولي العبادة والاستعانة في (اياك نعبد واياك نستعين) فلماذا لم يقل سبحانه ايانا اهدي؟ هذا المعنى لا يصح فالتقديم باياك نعبد واياك نستعين تقيد الاختصاص ولا يجوز ان نقول ايانا اهدي بمعنى خصنا بالهداية ولا تهدي احدا غيرنا فهذا لا يجوز لذلك لا يصح التقديم هنا. المعنى تطلب التقديم في المعونة والاستعانة ولم يتطلبه في الهداية لذا قال اهدنا الصراط المستقيم. *فلم قال اهدنا ولم يقل اهدني؟ لانه مناسب لسياق الآيات السابقة وكما في ايات الاستعانة والعبادة اقتضى الجمع في الهداية ايضا. فيه اشاعة لروح الجماعة وقتل لروح الاثرة والانانية وفيه نزع الاثرة والاستئثار من النفس بان ندعو للآخرين بما ندعو به لانفسنا. الاجتماع على الهدى وسير المجموعة على الصراط دليل قوة فاذا كثر السالكون يزيد الانس ويقوى الثبات فالسالك وحده قد يضعف وقد يمل او يسقط او تأكله الذئاب. فكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان والاستئناس. والاجتماع رحمة والفرقة عذاب يشير لله تعالى الى امر الاجتماع والانس بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع كما ورد في قوله الكريم (ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) (النساء آية 13) خالدين جاءت بصيغة الجمع لان المؤمنين في الجنة يستمتعون بالانس ببعضهم وقوله (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء آية 14) في العذاب فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين النار والوحدة. لذا فعندما قال سبحانه وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم) فيه شئ من التثبيت والاستئناس هذا الدعاء ارتبط باول السورة وبوسطها وآخرها. الحمد لله رب العالمين مهمة الرب هي الهداية وكثيرا ما اقترنت الهداية باسم الرب فهو مرتبط برب العالمين وارتبط بقوله (الرحمن الرحيم) لان من هداه الله فقد رحمه وانت الان تطلب من الرحمن الرحيم الهداية اي تطلب من الرحمن الرحيم ان لا يتركك ضالا غير مهتد ثم قال (اياك نعبد واياك نستعين) فلا تتحقق العبادة الا بسلوك الطريق المستقيم وكذلك الاستعانة ومن الاستعانة طلب الهداية للصراط المستقيم (صراط الذين انعمت عليهم) اي صراط الذين سلكوا الصراط المستقيم، (ولا الضآلين) ، والضالون هم الذين سلكوا غير الصراط المستقيم فالهداية والضلال نقيضان والضالين نقيض الذين سلكوا الصراط المستقيم. *لماذا اختار كلمة الصراط بدلا من الطريق او السبيل؟ لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط هو على وزن (فعال بكسر الفاء) وهو من الاوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والسداد والخمار والغطاء والفراش، هذه الصيغة تدل على الاشتمال بخلاف كلمة الطريق التي لا تدل على نفس المعنى. الصراط يدل على انه واسع رحب يتسع لكل السالكين اما كلمة طريق فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق اي مسلوك والسبيل على وزن فعيل ونقول اسبلت الطريق اذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال. فكلمة الصراط تدل على الاشتمال والوسع هذا في اصل البناء اللغوي (قال الزمخشري في كتابه الكشاف الصراط من صرط كانه يبتلع السبل كلما سلك فيه السالكون وكانه يبتلعهم من سعته). صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين *لماذا جاءت كلمة الصراط معرفة بأل مرة ومضافة مرة اخرى (صراط الذين انعمت عليهم)؟ جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالالف واللام والاضافة وموصوفا بالاستقامة مما يدل على انه صراط واحد (موصوف بالاستقامة لانه ليس بين نقطتين الا طريق مستقيم واحد والمستقيم هو اقصر الطرق واقربها وصولا الى الله) واي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل الى المطلوب ولا يوصل الى الله تعالى. والمقصود بالوصول الى الله تعالى هو الوصول الى مرضاته فكلنا واصل الى الله وليس هناك من طريق غير الصراط المستقيم. (ان هذه تذكرة فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا) (المزمل آية 19) (الانسان آية 29) (ان ربي على صراط مستقيم) (هود آية 56) (قال هذا صراط علي مستقيم) (الحجر آية 41) وردت كلمة الصراط في القرآن مفردة ولم ترد مجتمعة ابداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعا (سبل) لان الصراط هو الاوسع وهو الذي تفضي اليه كل السبل (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (الانعام 153) (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) (المائدة 16) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (العنكبوت 69) (هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة ) (يوسف آية 108) الصراط هو صراط واحد مفرد لانه هو طريق الاسلام الرحب الواسع الذي تفضي اليه كل السبل واتباع غير هذا الصراط ينأى بنا عن المقصود. ثم زاد هذا الصراط توضيحا وبيانا بعد وصفه بالاستقامة وتعريفه بأل بقول (صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) جمعت هذه الآية كل اصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم احدا فذكر: الذين انعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه. الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين انهم العصاة. الذين لم يعرفوا الحق وهم الضآلين (قل هل انبئكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا) (الكهف آية 103-104) هذا الحسبان لا ينفعهم انما هم من الاخسرين. ولا يخرج المكلفون عن هذه الاصناف الثلاثة فكل الخلق ينتمي لواحد من هذه الاصناف. *وقال تعالى (صراط الذين انعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟ اختار الفعل الماضي على المضارع اولاً: ليتعين زمانه ليبين صراط الذين تحققت عليهم النعمة (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا) (النساء آية 69) صراط الذين انعمت عليهم يدخل في هؤلاء. واذا قال تنعم عليهم لاغفل كل من انعم عليهم سابقا من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على انه سبحانه انعم على احد ولاحتمل ان يكون صراط الاولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى ان تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما اعطيت امثالي فمعناه أعطني مثل ما اعطيت سابقا، ولو قلنا اعطني ما تعطي امثالي فهي لا تدل على أنه اعطى احدا قبلي. ولو قال تنعم عليهم لكان صراط هؤلاء اقل شأنا من صراط الذين انعم عليهم فصراط الذين انعم عليهم من اولي العزم من الرسل والانبياء والصديقين اما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. فالاتيان بالفعل الماضي يدل على انه بمرور الزمن يكثر عدد الذين انعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين انعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وانعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من اولي العزم والرسل واتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم اما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان قوله سبحانه انعمت عليهم اوسع واشمل واعم من الذين تنعم عليهم. *لماذا قال صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين؟ اي لماذا عبر عن الذين انعم عليهم باستخدام الفعل (انعمت) و(المغضوب عليهم ) و(الضآلين) بالاسم؟ الاسم يدل على الشمول ويشمل سائر الازمنة من المغضوب عليهم والدلالة على الثبوت. أما الفعل فيدل على التجدد والحدوث فوصفه انهم مغضوب عليهم وضالون دليل على الثبوت والدوام. *اذن فلماذا لم يقل المنعم عليهم للدلالة على الثبوت؟ لو قال صراط المنعَم عليهم بالاسم لم يتبين المعنى اي من الذي أنعم انما بيَّن المنعِم في قوله (أنعمت عليهم) لان معرفة المنعِم مهمة فالنعم تقدر بمقدار المنعِم لذا اراد سبحانه وتعالى ان يبين المنعِم ليبين قدرة النعمة وعظيمها ومن عادة القرآن ان ينسب الخير إلى الله تعالى وكذلك النعم والتفضل وينزه نسبة السوء اليه سبحانه (وانا لا ندري اشر اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا) (الجن آية 10) والله سبحانه لا ينسب السوء لنفسه فقد يقول (ان الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم اعمالهم فهم يعمهون) (النمل آية 4) لكن لا يقول زينا لهم سوء اعمالهم (زين لهم سوء أعمالهم) (التوبة آية 37) (زين للناس حب الشهوات ) (آل عمران آية 14) (وزين لفرعون سوء عمله). (غافر آية 37) (أفمن زين له سوء عمله) (فاطر آية 8) (واذ زين لهم الشيطان اعمالهم) (الانفال آية 48) اما النعمة فينسبها الله تعالى الى نفسه لان النعمة كلها خير (ربي بما انعمت علي) (القصص آية 17) (ان هو الا عبد انعمنا عليه) (الزخرف آية 59) (واذا انعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه واذا مسه الشر كان يؤوسا) (الاسراء آية 83) ولم ينسب سبحانه النعمة لغيره الا في آية واحدة (واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك) (الاحزاب آية 37) فهي نعمة خاصة بعد نعمة الله تعالى عليه. *(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7) الفاتحة) لماذا ذكرت المغضوب عليهم بصيغة المبني للمجهول والضالين بصيغة إسم الفاعل؟(د.فاضل السامرائى) أولاً جيء بكل منهما إسماً (المغضوب عليهم) و(الضالين) للدلالة على الثبوت الغضب عليهم ثابت والضلال فيهم ثابت لا يرجى فيهم خير ولا هدى لم يقل صراط الذين غضب عليهم وضلوا وإنما المغضوب عليهم ولا الضالين فجاء بالوصفين بالإسمية للدلالة على ثبوت هذين الوصفين فيهما. يبقى السؤال لماذا جاء المغضوب عليهم إسم مفعول ولم يقل غاضب إسم فاعل؟ مغضوب عليهم إسم مفعول يعني وقع عليهم الغضب لم يذكر الجهة التي غضبت عليهم ليعم الغضب عليهم من جميع الجهات غضب الله وغضب الغاضبين لله من الملائكة وغيرهم لا يتخصص بغاضب معين ليس غضب عليهم فلان أو فلان وإنما مغضوب عليهم من كل الجهات بل هؤلاء سيغضب عليهم أخلص أصدقائهم في الآخرة (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام) (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا (25) العنكبوت) إذن مغضوب عليهم من جميع الجهات من كل الجهات، حذف جهة الغاضب فيه عموم وشمول. أما الضالين فهم الذين ضلّوا. *لماذا قال المغضوب عليهم ولم يقل أغضبت عليهم؟ جاء باسم المفعول واسنده للمجهول ولذا ليعم الغضب عليهم من الله والملائكة وكل الناس حتى اصدقاؤهم يتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ولذا جاءت المغضوب عليهم لتشمل غضب الله وغضب الغاضبين. *غير المغضوب عليهم ولا الضآلين: لم كرر لا؟ وقال غير المغضوب عليهم والضالين؟ اذا حذفت (لا) يمكن ان يفهم ان المباينة والابتعاد هو فقط للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط اما من لم يجمعها (غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) فلا يدخل في الاستثناء. فاذا قلنا مثلا لا تشرب الحليب واللبن الرائب (اي لا تجمعهما) اما اذا قلنا لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما ان اجتمعا او انفردا. *فلماذا قدم اذن المغضوب عليهم على الضآلين؟ المغضوب عليهم الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم اشد بعدا لان ليس من علم كمن جهل لذا بدأ بالمغضوب عليهم وفي الحديث الصحيح ان المغضوب عليهم هم اليهود واما النصارى فهم الضالون. واليهود اسبق من النصارى ولذا بدأ بهم واقتضى التقديم. وصفة المغضوب عليهم هي اول معصية ظهرت في الوجود وهي صفة ابليس عندما امر بالسجود لآدم عليه السلام وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي اول
  11. تفسير ما تيسر من سورة الجمعة .تفسير الآيات (1- 2) {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } .شرح الكلمات: {سبح لله ما في السموات وما في الأرض}: أي ينزه الله تعالى عما لا يليق به ما في السموات وما في الأرض من سائر الكائنات بلسان القال والحال، ولم يقل (من) بدل (ما) تغليباً لغير العاقل لكثرته علي العاقل. {في الأميين}: أي العرب لندرة من كان يقرأ منهم ويكتب. {رسولاً منهم}: أي محمداً صلى الله عليه وسلم إذ هو عربي قرشي هاشمي. {ويزكيهم}: أي يطهرهم أرواحاً واخلاقاً. {ويعلمهم الكتاب والحكمة}: أي هدى الكتاب وأسرار هدايته. {وان كانوا من قبل لفى ضلال مبين}: أي وإن كانوا من قبل بعثة الرسول في ضلال الشرك والجاهلية. الجزائرى . معنى الآيات: ( 1 ) ينزِّه الله تعالى عن كل ما لا يليق به كلُّ ما في السموات وما في الأرض، وهو وحده المالك لكل شيء، المتصرف فيه بلا منازع، المنزَّه عن كل نقص، العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وصنعه. ( 2 ) الله سبحانه هو الذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون، ولا كتاب عندهم ولا أثر رسالة لديهم، رسولا منهم إلى الناس جميعًا، يقرأ عليهم القرآن، ويطهرهم من العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، ويعلِّمهم القرآن والسنة، إنهم كانوا من قبل بعثته لفي انحراف واضح عن الحق. وأرسله سبحانه إلى قوم آخرين لم يجيئوا بعدُ، وسيجيئون من العرب ومن غيرهم. والله تعالى- وحده- هو العزيز الغالب على كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله. التفسير الميسر __وقوله : ( القدوس ) من التقديس بمعنى والتطهير وغير ذلك من صفات الكمال . أى : أن التسبيح : نفى ما لا يليق بذاته - تعالى - ، والتقديس : إثبات ما يليق بجلاله - سبحانه - والمعنى : ينزه الله - تعالى - ويبعده عن كل نقص ، جميع ما فى السموات ، وجميع ما فى الأرض من مخلوقات ، فهو - سبحانه - ( الملك ) أى : المدبر لشئون هذا الكون ، المتصرف فيه تصرف المالك فيما يملكه . ( القدوس ) أى : البليغ فى الطهارة وفى التنزه عن كل نقص ، من القُدْس - ضم القاف وسكون الدال - بمعنى الطهر ، وأصله القَدَس - بفتح القاف والدال - وهو الإناء الذى يكون فيه ما يتطهر به ، ومنه القادوس وهو إناء معروف . ( العزيز ) الذى لا يغلبه غالب ( الحكيم ) فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . الطنطاوى. . _يسبح لله كلّ ما في السموات السبع، وكل ما في الأرضين من خلقه، ويعظمه طوعًا وكرهًا .... الطبرى فى ظلال الآيات: مقدمة وتمهيد 1- سورة «الجمعة» من السور المدنية الخالصة. 2_قد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقرؤها في صلاة الجمعة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة «الجمعة والمنافقون» . الطنطاوى. *نزلت هذه السورة بعد سورة "الصف" السابقة . وهي تعالج الموضوع الذي عالجته سورة الصف , ولكن من جانب آخر , وبأسلوب آخر , وبمؤثرات جديدة . *إنها تعالج أن تقر في أخلاد الجماعة المسلمة في المدينة أنها هي المختارة أخيرا لحمل أمانة العقيدة الإيمانية ; *وأن هذا فضل من الله عليها ; وأن بعثة الرسول الأخير في الأميين - وهم العرب - منة كبرى تستحق الالتفات والشكر , وتقتضي كذلك تكاليف تنهض بها المجموعة التي استجابت للرسول , واحتملت الأمانة ; وأنها موصولة على الزمان غير مقطوعة ولا منبتة , فقد قدر الله أن تنمو هذه البذرة وتمتد . بعدما نكل بنو إسرائيل عن حمل هذه الأمانة وانقطعت صلتهم بأمانة السماء ; وأصبحوا يحملون التوراة كالحمار يحمل أسفارا , ولا وظيفة له في إدراكها , ولا مشاركة له في أمرها ! *تلك هي الحقيقة الرئيسية التي تعالج السورة إقرارها في قلوب المسلمين . من كان منهم في المدينة يومذاك على وجه الخصوص , وهم الذين ناط الله بهم تحقيق المنهج الإسلامي في صورة واقعة . ومن يأتي بعدهم ممن أشارت إليهم السورة , وضمتهم إلى السلسلة الممتدة على الزمان . *وفي الوقت ذاته تعالج السورة بعض الحالات الواقعة في تلك الجماعة الأولى ، في أثناء عملية البناء النفسي العسيرة المتطاولة الدقيقة . وتخلصها من الجواذب المعوقة من الحرص والرغبة العاجلة في الربح , وموروثات البيئة والعرف . وبخاصة حب المال وأسبابه الملهية عن الأمانة الكبرى , والاستعداد النفسي لها . وتشير إلى حادث معين . حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبهم في المسجد للجمعة حين حضرت قافلة من قوافلهم التجارية ; فما إن أعلن نبأ قدومها حتى انفض المستمعون منصرفين إلى التجارة واللهو الذي كانت القافلة تحاط به - على عادة الجاهلية - من ضرب بالدفوف وحداء وهيصة ! وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما . فيما عدا اثني عشر من الراسخين فيهم أبو بكر وعمر بقوا يستمعون ! كما تذكر الروايات , التي قد لا تكون دقيقة من حيث العدد , ولكنها ثابتة من حيث وقوع هذه الحركة من عدد من الحاضرين اقتضى التنبيه إليها في القرآن الكريم . *وهي حادثة تكشف بذاتها عن مدى الجهد الذي بذل في تربية تلك الجماعة الأولى حتى انتهت إلى ما انتهت إليه ; وحتى صارت ذلك النموذج الفريد في تاريخ الإسلام وفي تاريخ البشرية جميعا . *وتلهمنا الصبر على مشقة بناء النفوس في أي جيل من الأجيال , لتكوين الجماعة المسلمة التي تنهض بحمل أمانة هذه العقيدة , وتحاول تحقيقها في عالم الواقع كما حققتها الجماعة الأولى . *وفي السورة مباهلة مع اليهود , بدعوتهم إلى تمني الموت للمبطلين من الفريقين وذلك ردا على دعواهم أنهم أولياء الله من دون الناس , وأنهم شعب الله المختار , وأن بعثة الرسول في غيرهم لا تكون ! كما كانوا يدعون ! مع جزم القرآن بأنهم لن يقبلوا هذه المباهلة التي دعوا إليها فنكلوا عنها لشعورهم ببطلان دعواهم . *وتعقب السورة على هذا بتقرير حقيقة الموت الذي يفرون منه , وأنه ملاقيهم مهما فروا , وأنهم مردودون إلى عالم الغيب والشهادة فمنبئهم بما كانوا يعملون . . وهو تقرير لا يخص اليهود وحدهم , إنما يلقيه القرآن ويدعه يفعل فعله في نفوس المؤمنين كذلك . فهذه الحقيقة لا بد أن تستقر في نفوس حملة أمانة الله في الأرض , لينهضوا بتكاليفها وهم يعرفون الطريق ! هذا هو اتجاه السورة , وهو قريب من اتجاه سورة الصف قبلها , مع تميز كل منهما بالجانب الذي تعالجه , وبالأسلوب الذي تأخذ القلوب به , والظلال التي تلقيها هذه وتلك في الإتجاه الواحد العام . فلننظر كيف يتناول الأسلوب القرآني هذا الاتجاه الدرس الأول:1 تسبيح ما في الوجود لله (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض , الملك القدوس العزيز الحكيم). . *هذا المطلع يقرر حقيقة التسبيح المستمرة من كل ما في الوجود لله ; ويصفه - سبحانه - بصفات ذات علاقة لطيفة بموضوع السورة . السورة التي اسمها "الجمعة " وفيها تعليم عن صلاة الجمعة , وعن التفرغ لذكر الله في وقتها , وترك اللهو والتجارة , وابتغاء ما عند الله وهو خير من اللهو ومن التجارة . ومن ثم تذكرالملك). . الذي يملك كل شيء بمناسبة التجارة التي يسارعون إليها ابتغاء الكسب . وتذكر(القدوس)الذي يتقدس ويتنزه ويتوجه إليه بالتقديس والتنزيه كل ما في السماوات والأرض , بمناسبة اللهو الذي ينصرفون إليه عن ذكره . وتذكر(العزيز). . بمناسبة المباهلة التي يدعى إليها اليهود والموت الذي لا بد أن يلاقي الناس جميعا والرجعة إليه والحساب . وتذكر(الحكيم). . بمناسبة اختياره الأميين ليبعث فيهم رسولا يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة . . وكلها مناسبات لطيفة المدخل والاتصال . الدرس الثاني:2 - 4 مهمة الرسول وطبيعة رسالته وأثره في أمته ثم يبدأ في موضوع السورة الرئيسي: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم , ويعلمهم الكتاب والحكمة , وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين . وآخرين منهم لما يلحقوا بهم , وهو العزيز الحكيم). . قيل إن العرب سموا الأميين لأنهم كانوا لا يقرأون ولا يكتبون - في الأعم الأغلب - وروي عن النبي [ ص ] أنه قال:الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال:" إنا نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب " . . وقيل:إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من الأم , لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم . وربما سموا كذلك كما كان اليهود يقولون عن غيرهم من الأمم:إنهم "جوييم" باللغة العبرية أي أمميون . نسبة إلى الأمم - بوصفهم هم شعب الله المختار وغيرهم هم الأمم ! - والنسبة في العربية إلى المفرد . . أمة . . أميون . وربما كان هذا أقرب بالنسبة إلى موضوع السورة . ولقد كان اليهود ينتظرون مبعث الرسول الأخير منهم , فيجمعهم بعد فرقة , وينصرهم بعد هزيمة , ويعزهم بعد ذل . وكانوا يستفتحون بهذا على العرب , أي يطلبون الفتح بذلك النبي الأخير . ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هذا النبي من العرب , من الأميين غير اليهود ; فقد علم الله أن يهود قد فرغ عنصرها من مؤهلات القيادة الجديدة الكاملة للبشرية - كما سيجيء في المقطع التالي في السورة - وأنها زاغت وضلت كما جاء في سورة الصف . وأنها لا تصلح لحمل الأمانة بعدما كان منها في تاريخها الطويل ! وكانت هناك دعوة إبراهيم خليل الرحمن - عليه الصلاة والسلام - تلك الدعوة التي أطلقها في ظل البيت هو وإسماعيل عليه السلام وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل . . ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم , ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك , ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم . إنك أنت العزيز الحكيم). . كانت هناك هذه الدعوة من وراء الغيب , ومن وراء القرون , محفوظة عند الله لا تضيع , حتى يجيء موعدها المقدور في علم الله , وفق حكمته ; وحتى تتحقق في وقتها المناسب في قدر الله وتنسيقه , وحتى تؤدي دورها في الكون حسب التدبير الإلهي الذي لا يستقدم معه شيء , ولا يستأخر عن موعده المرسوم . وتحققت هذه الدعوة - وفق قدر الله وتدبيره - بنصها الذي تعيده السورة هنا لتذكر بحكاية ألفاظ إبراهيم . . (رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة). . كما قال إبراهيم ! حتى صفة الله في دعاء إبراهيم: (إنك أنت العزيز الحكيم)هي ذاتها التي تعقب على التذكير بمنة الله وفضله هنا: (وهو العزيز الحكيم). *وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه فقال:" دعوة أبي إبراهيم . وبشرى عيسى . ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام " . (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). . والمنة ظاهرة في اختيار الله للأميين ليجعلهم أهل الكتاب المبين ; وليرسل فيهم رسولا منهم , يرتفعون باختياره منهم إلى مقام كريم ; ويخرجهم من أميتهم أو من أمميتهم بتلاوة آيات الله عليهم , وتغيير ما بهم , وتمييزهم على العالمين . . (ويزكيهم). . وإنها لتزكية وإنه لتطهير ذلك الذي كان يأخذهم به الرسول صلى الله عليه وسلم تطهير للضمير والشعور , وتطهير للعمل والسلوك , وتطهير للحياة الزوجية , وتطهير للحياة الاجتماعية . تطهير ترتفع به النفوس من عقائد الشرك إلى عقيدة التوحيد ; ومن التصورات الباطلة إلى الاعتقاد الصحيح , ومن الأساطير الغامضة إلى اليقين الواضح . وترتفع به من رجس الفوضى الأخلاقية إلى نظافة الخلق الإيماني . ومن دنس الربا والسحت إلى طهارة الكسب الحلال . . إنها تزكية شاملة للفرد والجماعة ولحياة السريرة وحياة الواقع . تزكية ترتفع بالإنسان وتصوراته عن الحياة كلها وعن نفسه ونشأته إلى آفاق النور التي يتصل فيها بربه , ويتعامل مع الملأ الأعلى ; ويحسب في شعوره وعمله حساب ذلك الملأ العلوي الكريم . (ويعلمهم الكتاب والحكمة). . يعلمهم الكتاب فيصبحون أهل كتاب . ويعلمهم الحكمة فيدركون حقائق الأمور , ويحسنون التقدير , وتلهم أرواحهم صواب الحكم وصواب العمل وهو خير كثير . (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). . ضلال الجاهلية التي وصفها جعفر بن أبي طالب لنجاشي الحبشة حين بعثت قريش إليه عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة ليكرهاه في المهاجرين من المسلمين , ويشوها موقفهم عنده , فيخرجهم من ضيافته وجيرته . . فقال جعفر: "أيها الملك . كنا قوما أهل جاهلية . نعبد الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام , ونسيء الجوار , ويأكل القوي منا الضعيف . . فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا , نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعانا إلى الله لنوحده ولنعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ; وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , وحسن الجوار , والكف عن المحارم والدماء . ونهانا عن الفواحش وقول الزور , وأكل مال اليتيم , وقذف المحصنات . وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا , وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام" . . سيد قطب . من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد. 2- تقرير النبوة المحمدية. 3- بيان فضل الصحابة على غيرهم. 4- شرف الإِيمان والمتابعة للرسول وأصحابه رضي الله عنهم. الجزائرى المراجع تفسيرابن جرير الطبرى «جامع البيان في تأويل آي القرآن» تفسير ابن كثير تفسير القرآن العظيم. التفسير الميسر لمجموعة من العلماء. في ظلال القرآن الكريم سيد قطب تفسيرالطنطاوى الوسيط في تفسير القرآن الكريم الجزائرى أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
  12. الدنيا فان

    تفسير سورة القارعه

    تفسير سورة القارعه بسم الله الرحمن الريحيم ((القارعه ماالقارعه0وما أدراك مالقارعه0يوم يكون الناس كالفراش المبثوث0وتكون الجبال كالعهن المنفوش0 فأما من ثقلت موازينه0فهو في عيشة راضيه0وأما من خفت موازينه 0فأمه هاويه0 وما أدراك ما هيه0نار حاميه)) القارعه هو اسم القيامه وسمي لانها تقرع قلوب الناس بالفزع وتقرع اعداء الله بالعذاب الفراش المبثوث اي المنتشر يسيرون على غير هدى في كل اتجاه لشدة الهول حتى يحشروا الى الموقف وتكون الجبال كالعهن))اي الصوف الملون بالالوان المختلفه نفش بالندف ولانها تتفتت وتطير فاما من ثقلت موازينه كالاعمال الصالحه فهو في عيشه راضيه كلمه تجمع النعم بالجنه فامه هاويه((اي فمسكنه جهنم وسماها امه لانها ياوى اليها كما ياوى الطفل لامه وسميت هاويه لانه يهوى فيها مع بعد قعرها وما ادراك ماهيه ((للتهويل والتفظيع بيان انها خارجه عن المعهود ونار حاميه بلفت الشده في حرها للغايه
  13. سورة ص - {وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ..} الآيات ..فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام: فمنها: أن الله تعالى يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار من قبله، ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم، ما يشوقه إلى منافستهم، والتقرب إلى الله الذي تقربوا له، والصبر على أذى قومه، ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به. - ومنها: أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته، قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها، ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس. - ومنها: أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور، من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك، فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} - ومنها: ما أكرم الله به نبيه داود عليه السلام، من حسن الصوت العظيم، الذي جعل الله بسببه الجبال الصم، والطيور البهم، يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويسبحن معه بالعشي والإشراق. - ومنها: أن من أكبر نعم الله على عبده، أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام. - ومنها: اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. - ومنها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى، لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه. - ومنها: أن داود عليه السلام، كان في أغلب أحواله ملازما محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب، لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتا يخلو فيه بربه، وتقر عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره. - ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. - ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي. - ومنها: كمال حلم داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملك، ولا انتهرهما، ولا وبخهما. - ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحو ذلك أو باغ علي لقولهما: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} - ومنها: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف. - ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى الله، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس. - ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصا الصلاة، من مكفرات الذنوب، فإن الله، رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده. - ومنها: إكرام الله لعبده داود وسليمان، بالقرب منه، وحسن الثواب، وأن لا يظن أن ما جرى لهما منقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. - ومنها: أن الحكم بين الناس مرتبة دينية، تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه. - ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين. - ومنها: أن سليمان عليه السلام من فضائل داود، ومن منن الله عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده، أن يهب له ولدا صالحا، فإن كان عالما، كان نورا على نور. - ومنها: ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} - ومنها: كثرة خير الله وبره بعبيده، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. - ومنها: تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء. - ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن الله، فإنه مشئوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له. - ومنها: القاعدة المشهورة "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه" فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة الله، فعوضه الله خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون. - ومنها: أن تسخير الشياطين لا يكون لأحد بعد سليمان عليه السلام. - ومنها: أن سليمان عليه السلام، كان ملكا نبيا، يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبي العبد، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يفعل ولا يترك إلا بالأمر، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الحال أكمل. - {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} هذه السورة العظيمة مشتملة على الذكر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامة الحجج والبراهين، على من كذب بالقرآن وعارضه، وكذب من جاء به، والإخبار عن عباد الله المخلصين، وجزاء المتقين والطاغين؛ فلهذا أقسم في أولها بأنه: ذو الذكر، ووصفه في آخرها بأنه: ذكر للعالمين. سورة الزمر: - {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} وهذا جنس يشمل كل قول فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره مما ينبغي اجتنابه، فلهذا من حزمهم وعقلهم أنهم يتبعون أحسنه، وأحسنه على الإطلاق كلام الله وكلام رسوله، كما قال في هذه السورة: {اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الآية، وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟ قيل: نعم، أحسنه ما نص الله عليه {اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} الآية. - {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ..} أي: تثنى فيه القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته، وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه، ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم، اقتداء بما هو تفسير له، فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع، بل كل موضع تجد تفسيره كامل المعنى، غير مراع لما مضى مما يشبهه، وإن كان بعض المواضع يكون أبسط من بعض وأكثر فائدة، وهكذا ينبغي للقارئ للقرآن، المتدبر لمعانيه، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه، فإنه يحصل له بسبب ذلك خير كثير، ونفع غزير. - {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ} {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} في الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب تفتح وتغلق، وأن لكل منهما خزنة، وهما الداران الخالصتان، اللتان لا يدخل فيهما إلا من استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور. انتقاء: إبراهيم بن فريهد العنزي صيد الفوائد
  14. تركية أمة الرحمان

    تفسير سورة الفاتحة

    بسم الله الرحمن الرحيم " بِسْمِ اللَّهِ " أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ " اسم " مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء الحسنى. " اللَّهِ " هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين, لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم, فله نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات. فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء.يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم به كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء. " الحمد لله رب العالمين " " الْحَمْدُ لِلَّهِ " هو الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه. " رَبِّ الْعَالَمِينَ " الرب, هو المربي جميع العالمين. وهم من سوى الله, بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه. نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, رزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكملهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه. وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة من كل شر. ولعل هذا المعنى, هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله " رَبِّ الْعَالَمِينَ " على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه. وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار. " مالك يوم الدين " " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أن يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأصناف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق. حتى إنه يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار. كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين وغيرة من الأيام. إياك نعبد وإياك نستعين " وقوله " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " أي: نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة. لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور, ونفيه عما عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين بغيرك. وتقديم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده. و " العبادة " اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة. و " الاستعانة " هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به في تحصيل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة بهما هو الوسيلة للسعادة الأبدية, والنجاة من جميع الشرور. فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون العبادة عبادة, إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله. فبهذين الأمرين تكون عبادة. وذكر " الاستعانة " بعد " العبادة " مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب النواهي. اهدنا الصراط المستقيم " ثم قال تعالى: " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " أي: دلنا وأرشدنا, ووفقنا إلى الصراط المستقيم, وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله, وإلى جنته, وهو معرفة الحق والعمل به, فاهدنا إلى الصراط واهدنا في الصراط. فالهداية إلى الصراط, لزوم دين الإسلام, وترك ما سواه من الأديان. والهداية في الصراط, تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء, من أجمع الأدعية, وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته, لضرورته إلى ذلك. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " وهذا الصراط المستقيم هو " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. " غَيْرِ " صراط " الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. و " لَا " صراط " الضَّالِّينَ " الذين تركوا الحق على جهل وضلال, كالنصارى ونحوهم. فهذه السورة, على إيجازها, قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن. فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله " رَبِّ الْعَالَمِينَ " . وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة, يؤخذ من لفظ " اللَّهِ " ومن قوله " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " . وتوحيد الأسماء والصفات, وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى, التي أثبتها لنفسه, وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه, وقد دل على ذلك لفظ " الْحَمْدُ " كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة. وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " وأن الجزاء يكون بالعدل, لأن الدين معناة الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر, وأن العبد فاعل حقيقة, خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع والضلال في قوله " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع وضال فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى, عبادة, واستعانة في قوله: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " . فالحمد لله رب العالمين.
  15. غداً ألقى الأحبة

    فذكر إن نفعت الذكرى

    جاء القرآن الكريم تذكيراً للناس بخالقهم ورازقهم، وبدايتهم ونهايتهم، وما لهم وما عليهم. وكانت مهمة الأنبياء عموماً التذكير والبلاغ، والتبشير والإنذار. وحمل الدعاة الراية من بعدهم، فساروا على دربهم، ودعوا إلى سنتهم وهديهم. وقد تضمن القرآن الكريم العديد من الآيات الداعية إلى الالتزام بهذا الدين، والحاثة على اقتفاء صراطه المستقيم. ومن الآيات المفتاحية في هذا الصدد، قوله تعالى: { فذكر إن نفعت الذكرى } (الأعلى:9)، فهذه الآية أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم والدعاة من بعده بتذكير جميع الناس، ودعوتهم إلى دين الحق. ولنا مع هذه الآية وقفتان اثنتان: الوقفة الأولى: أن قوله تعالى: { إن نفعت الذكرى } يُثير تساؤلاً، حاصله: أن الآية علقت التذكير على وجود النفع بالذكرى، ما يعني أن المذكر إذا علم أن الذكرى غير نافعة، فلا يجب عليه التذكير، مع أن هذا الفهم مخالف لنصوص مطلقة، توجب التذكير والبلاغ، بغض النظر عن النتيجة، كقوله تعالى: { فذكر إنما أنت مذكر } (الغاشية:21). هذا السؤال استرعى انتباه المفسرين، وحاول كل توجيهه وقراءته بما بدا له من دليل وفهم، وجملة توجيهاتهم نسوقها وفق التالي: التوجيه الأول: أن الآية اكتفت بذكر أحد الأمرين لدلالته على الثاني، والتقدير: (فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع)، كقوله تعالى: { سرابيل تقيكم الحر } (النحل:81)، والمعنى: وتقيكم البرد، فحُذف (البرد) لعلم السامع به. وهذا التوجيه قال به الجرجاني والواحدي ورجحه الشوكاني . وقد قال الجرجاني في هذا الصدد: التذكير واجب، وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر، إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع. التوجيه الثاني: أن الشرط في الآية على حقيقته، وأن الآية سيقت مساق التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كاد يهلك نفسه في دعوة البعض، ولم ير منهم إلا صداً وعناداً، كما قال تعالى: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } (الكهف:6)، فأمره سبحانه بأن يخص بالتذكير من كان يرجى منه استجابة وقبولاً، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفوراً وفساداً وغروراً، كما قال تعالى: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } (ق:45). وقد مال إلى هذا التوجيه الآلوسي، من جهة إبقاء الشرط على حقيقته، وكونه أنسب لمساق الآية بعدُ. فالأمر بالتذكير - بحسب هذا التوجيه - إنما يكون لمن يرجى منه القبول والاستجابة. التوجيه الثالث: أن جملة: { إن نفعت الذكرى }، اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش، أي: فذكِّر إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، وهذا كقول الشاعر: لقد أسمعت - لو ناديت حيًّا - ولكن لا حياة لمن تنادي فالجملة الاعتراضية (لو ناديت حيًّا) تفيد معنى التوبيخ، وتفيد أن الإرشاد والنصح ينفعان من يستحق أن يوصف بالحياة، أما من لا يستفيد من النصيحة فكأنه ميت، وإن كان في صورة الأحياء. وهذا كله كما تقول لرجل: قل لفلان، وأعد له، إن سمعك. إنما هو توبيخ للمشار إليه. وعلى هذا يكون المراد من الآية: داوم على تذكير الناس كلهم، إن نفعت الذكرى جميعهم، أي: وهي لا تنفع إلا البعض، وهو الذي يؤخذ من قوله سبحانه: { سيذكر من يخشى }، فالشرط في قوله تعالى: { إن نفعت الذكرى } جملة معترضة، وليس متعلقاً بالجملة ولا تقييداً لمضمونها؛ إذ ليس المعنى: فذكر إذا كان للذكرى نفع، حتى يُفهم منه بطريق مفهوم المخالفة، أن لا تُذَكِّر إذا لم تنفع الذكرى؛ إذ لا وجه لتقييد التذكير بما إذا كانت الذكرى نافعة؛ لأنه لا سبيل إلى تعرف مواقع نفع الذكرى. فالآية - بحسب هذا التوجيه - سيقت مساق التعريض بمن لا يستجيب لنداء الحق، وبيان أن في الناس من لا تنفعه الذكرى؛ وذلك يُفهم من حرف الشرط (إن) المقتضي عدم احتمال وقوع الشرط، أو ندرة وقوعه؛ ولذلك جاء بعده بقوله: { سيذكر من يخشى }، فهو استئناف بياني ناشئ عن قوله: { فذكر } وما لحقه من الاعتراض بقوله: { إن نفعت الذكرى }، المشعر بأن التذكير لا ينتفع به جميع المذكَّرين. وهذا التوجيه للآية ذكره ابن عطية ومال إليه، وتبناه ابن عاشور، ولم يلتفت إلى غيره، وقد قال في هذا الصدد: "وفي هذا ما يريك معنى الآية واضحاً لا غبار عليه، ويدفع حيرة كثير من المفسرين في تأويل معنى (إن)، ولا حاجة إلى تقدير: إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، وأنه اقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثاني...". الوقفة الثانية: أن هذه الآية الكريمة قد يفهمها بعض من يخوض غمار الدعوة إلى الله فهماً خاطئاً، فيقول: إن دعوتي لفلان لم تأت بخير، أو يقول: إني دعوتُ فلانا وفلانا مراراً وتكراراً، فلم أجد منهم إلا صداً وامتناعاً، أو يقول: إن من دعوتهم غيرُ مؤهلين لقبول دعوة الإسلام، فلا جدوى لدعوتهم ثانية وثالثة، أو يقول نحو هذا مما يقال من الكلام الذي لا يليق بصاحب الدعوة. والحقيقة - كما قال بعض أهل العلم - أن هذه الآية تقوم بتعليم أصحاب الدعوة وظيفتهم في الإرشاد، وتوصيهم وتقول لهم: إن كان تذكيرك مفيداً فداوم عليه، علماً بأن الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من خطاب الله له بقوله: { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } (البقرة:6)، فإنه دوام على تذكير قساة القلوب من قريش، أمثال أبي جهل وغيره. إن أساس وظيفة التبليغ والإرشاد هو تنفيذ أمر الله بدوام هذا التبليغ والاستمرار عليه. ولو أخذنا استجابة الناس أو عدم استجابتهم بالحسبان لأدى هذا إلى شيء معاكس ومناف لمفهوم الدعوة في الإسلام، ألم يقل سبحانه: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } (المائدة:67). وقال سبحانه: { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } (القصص:56)، وبهذا نعلم أن المهمة الملقاة على عاتق الدعاة إنما هي التبيلغ، والتبليغ فحسب. وعلى الجملة، فإن قوله تعالى: { إن نفعت الذكرى } لا تفيد التقييد، بل التأكيد على مهمة البلاغ والتذكير؛ لأن هذا الكلام البليغ الموحى به، لا بد أن يكون له نفع، ولو على مستوى الاستعداد الداخلي الفطري، أما استفادة المدعوين فعلياً أو عدم استفادتهم فهو شأن آخر، والآية ساكتة عنه. الاسلام ويب
  16. بعد إذن المشرفات طبعا أريد تنفيذ هذا المشروع وهو مدارسة تفسير الخمس أجزاء لأننى أبدأ كثيرا التفسير ثم أتوقف لأى سبب فى المنتصف وأنا فى حاجة شديدة ومتعجلة جدا لمدارسة هذه الأجزاء خصوصا لأنى أحتاجهم فى التفسير للأطفال ولم أجد صحبة صالحة خير من هذا المنتدى الطيب طريقة المدارسة 1- نبدأ من سورة الأحقاف إلى سورة الناس. 2- النقل من كتاب التفسير للشيخ ناصر السعدى. 3- سأقوم بنقل الطرح أيام الأحد والثلاثاء والخميس وستكون أجزاء بسيطة بإذن الله . 4- أى إقتراح أومناقشة ستكون فى هذه الصفحة هنا مناقشة الخمس أجزاء الأخيرة 4- سنجعل يومى الجمعة والسبت لتلخيص ما تم دراسته خلال الأسبوع هنا فى هذه الصفحة فأى أخت تقوم بالتلخيص تضعه هنا . ومن لديها إقتراحات فلتتفضل من ستشاركنى يا حبيبات ؟؟ وطبعا أنتظر رأى المشرفات وأنا أعلم أن تفسير ناصر السعدى يتدارس فى المنتدى ولكننى كما قلت متعجلة ومحتاجة للأجزاء الأخيرة ضرورى
  17. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ...." !! تعهد الشيطان أمام الله أن يغوي ذرية آدم ..إلا عباد الله الصالحين منهم وأخبرنا الله عن ذلك في عدة آيات من القرآن .. منها قوله تعالى : (قَالَ أَرَأَيْتَكَ ;ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى; يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا..)..( الإسراء : 62 ).. واللافت للنظر في هذه الآية التعبير عن سيطرة الشيطان على أتباعه وتمكنه منهم بالفعل المضارع : " لأحتنكن " ... وهذا الفعل مأخوذ من الحنك !! والحنك ما كان أسفل الذقن ..ما بين الذقن والفكين والرقبة.. وفي هذا الحنك تكمن السيطرة ..ومن أراد السيطرة على آخر فإنه يسيطر على حنكه.. وتقاد الدواب عن طريق الحنك ..حيث يضع صاحب الدابة مقودها _ الرسن _ الذي تقاد منه في حنكها ...ثم يقودها منه .. فتسير خلفه مستسلمه !!.. ويدل هذا الفعل العجيب : " لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ .." على طريقة الشيطان الخبيثة في التحكم في أتباعه .. إن الشيطان يقود كل واحد منهم من " حنكه" !!! كما يقود الشخص دابته من حنكها !! وترسم هذه الجملة صورة شاخصة كريهة منفرة للشخص الذي يقوده الشيطان !! وكأن الشيطان يفصل لكل شخص منهم مقودا _ رسنا _ على مقاسه .. ويدخله في عنقه .. ويلفه حول حنكه.. ثم يقوده .. فيسير هذا الشخص بذلة واستسلام خلف الشيطان. كما يسير الحمار خلف صاحبه الذي وضع الرسن في حنكه منقول من شبكة المشكاة
  18. سورة الصف: - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. - {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} هذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلما منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعد ما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلا منه بهم كما قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} سورة الجن: - في هذه السورة فوائد كثيرة: منها: وجود الجن، وأنهم مكلفون مأمورون مكلفون منهيون، مجازون بأعمالهم، كما هو صريح في هذه السورة، وغيرها. - ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الجن، كما هو مبعوث إلى الإنس، فإن الله صرف نفر الجن ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلغوا قومهم. - ومنها: ذكاء الجن ومعرفتهم بالحق، وأن الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحققوه من هداية القرآن، وحسن أدبهم في خطابهم. - ومنها: اعتناء الله برسوله، وحفظه لما جاء به، فحين ابتدأت بشائر نبوته، والسماء محروسة بالنجوم، والشياطين قد هربت من أماكنها، وأزعجت عن مراصدها، وأن الله رحم به أهل الأرض رحمة ما يقدر لها قدر، وأراد بهم ربهم رشدا، فأراد أن يظهر من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض، ما تبتهج به القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائر الإسلام، وينقمع به أهل الأوثان والأصنام. - ومنها: شدة حرص الجن لاستماع للرسول صلى الله عليه وسلم، وتراكمهم عليه. - ومنها: أن هذه السورة قد اشتملت على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وبينت حالة الخلق، وأن كل أحد منهم لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا، بل ولا يملك لنفسه، علم أن الخلق كلهم كذلك، فمن الخطأ والظلم اتخاذ من هذا وصفه إلها آخر. - ومنها: أن علوم الغيوب قد انفرد الله بعلمها، فلا يعلمها أحد من الخلق، إلا من ارتضاه الله واختصه بعلم شيء منها. سورة المطففين: - {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} دلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل يدخل في عموم هذا الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت العادة أن كل واحد منهما يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضًا أن يبين ما لخصمه من الحجة التي لا يعلمها، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير. - {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون} دل مفهوم الآية، على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول الله. - وفي هذه الآيات، التحذير من الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقًا، والحق باطلا وهذا من أعظم عقوبات الذنوب. فوائد من كتاب: (تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للعلامة: عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- انتقاء: إبراهيم بن فريهد العنزي
  19. سورة هود - {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} إنما أنزل الله كتابه لـ {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ} أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} في هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين، خصوصا إذا كان القدح لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين للأدلة التي يختارونها، بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على جميع المسائل والمطالب. - وفيها أن هذا القرآن، معجز بنفسه، لا يقدر أحد من البشر أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، بل ولا بسورة من مثله، لأن الأعداء البلغاء الفصحاء، تحداهم الله بذلك، فلم يعارضوه، لعلمهم أنهم لا قدرة فيهم على ذلك. {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا..} الآيات.. شعيب عليه السلام كان يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر، شيء كثير: منها: أن الكفار كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد، مرتبا على مجموع ذلك. ومنها: أن نقص المكاييل والموازين، من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة، على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى. ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم. ومنها:أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة. - ومنها: أن ذلك، من لوازم الإيمان وآثاره، فإنه رتب العمل به، على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل، فالإيمان ناقص أو معدوم. - ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه. - ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} ولقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} - ومنها: أن العبد ينبغي له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا عليه سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق فلينسبه لموليه ومسديه ولا يعجب بنفسه لقوله {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} - {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}في هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون، الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم، وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟! نسأل الله العافية من الظلم. - {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ}وفي هذا، حث لهذه الأمة، أن يكون فيهم بقايا مصلحون، لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من العمى. سورة الرعد - {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} {ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة. - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ)} إنما أمر الله باستشهاد أهل الكتاب لأنهم أهل هذا الشأن، وكل أمر إنما يستشهد فيه أهله ومن هم أعلم به من غيرهم، بخلاف من هو أجنبي عنه، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم، فلا فائدة في استشهادهم لعدم خبرتهم ومعرفتهم. سورة الحجر: - {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ} العبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها. - {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وهو الصفح الذي لا أذية فيه بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا، وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة، وهذا هو المعنى. - {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} وهن -على الصحيح- السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " الأنفال " مع " التوبة " أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات. فوائد من كتاب: (تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للعلامة: عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- انتقاء: إبراهيم بن فريهد العنزي صيد الفوائد
  20. سورة الأنفال {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها،.وفيها دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها. - {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ..} في هذه القصة من آيات الله العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا: منها: أن الله وعدهم وعدا، فأنجزهموه. - ومنها: ما قال الله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} الآية. - ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب. - وفيها: الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية. - ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتب الله على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئا كثيرا، فذكر هنا أن من اتقى الله حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها - الأول: الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة. - الثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق وعند الاجتماع يفسر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر. - الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه. {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. سورة التوبة - {إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} في هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، كافرا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها. - وفيها: فضيلة السكينة، وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته. - وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة. - {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} في هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة خصوصا السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزئ به وبآياته ورسوله فإن الله تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ويعاقبه أشد العقوبة، وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله الثابتة عنه أو سخر بذلك أو تنقصه أو استهزأ بالرسول أو تنقصه فإنه كافر بالله العظيم وأن التوبة مقبولة من كل ذنب وإن كان عظيما. - {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} في هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يفعل ذلك في المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في المؤمنين. - {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ..} الآيات..في هذه الآيات فوائد عدة: منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه. - ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى. - ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن الله علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله. - ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها. - ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد " قباء" حتى قال الله فيه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} .. - ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات. - ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى. - ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين. - {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} في هذه الآيات دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها. - ومنها: لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة. - ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر. - ومنها: أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة. - ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين. - ومنها: أن من لطف الله بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال: {خُلِّفُوا} إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: "تخلفوا". - ومنها: أن الله تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} . - {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} في هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له. - وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور. سورة يونس - {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} في هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة. {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة، ويدخل في هذا، أن العبد إذا غضب على أولاده أو أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم. - { بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } في هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده، قبل أن يحيط به علمًا. - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ } دل قوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} الآية، أن النظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة. {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم، من فرعون، كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ينتفعون بها، لعدم إقبالهم عليها، وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما أخبرت به الرسل. فوائد من كتاب: (تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للعلامة: عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- انتقاء: إبراهيم بن فريهد العنزي
  21. من كتاب: (تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) لعبد الرحمن السعدي سورة البقرة {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} كثيرا ًما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن؛ لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد: إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد: عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان. {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} نهاهم عن شيئين: عن خلط الحق بالباطل، وكتمان الحق؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم: تمييز الحق، وإظهار الحق.. فمن عمل بهذا من أهل العلم، فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم، ومن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا، مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه، وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم؛ لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم، فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين. {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } ..قالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} فقال نبي الله: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}؛ فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل، استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة لعباده، فلما قال لهم موسى ذلك، علموا أن ذلك صدق. {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} دلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ..} يستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها العمل، كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة، من الصيام، والحج، والعمرة، وإخراج الزكاة، والإتيان بسنن العبادات وآدابها، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية. - {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ..} بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا} في هذه الآية، دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا، وأن المحرم نوعان: إما محرم لذاته، وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب، وإما محرم لما عرض له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، وهو ضد الحلال. - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان، من الربح والخسران..- { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} في هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك. {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} المراد بالقرض الحسن: هو ما جمع أوصاف الحسن، من النية الصالحة، وسماحة النفس بالنفقة، ووقوعها في محلها، وأن لا يتبعها المنفق منا ولا أذى؛ ولا مبطلا ومنقصا. في قوله: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فائدة لطيفة: وهو أن إخفاءها خير من إظهارها إذا أعطيت للفقير، فأما إذا صرفت في مشروع خيري، لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيرا لحصول الأسوة والاقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير.- وقوله: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} في هذا: أن الصدقات يجتمع فيها الأمران: حصول الخير، وهو: كثرة الحسنات والثواب والأجر، ودفع الشر والبلاء الدنيوي والأخروي، بتكفير السيئات. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} احتوت هذه الآيات، على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها، فإن فيها فوائد كثيرة: منها: جواز المعاملات في الديون..؛ لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين، فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان. أن الإضرار بالشهود والكتاب، فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص، ويتبعض، ولهذا لم يقل: "فأنتم فساق" أو فاسقون"، بل قال:{فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه، فإنه يحصل به من الفسوق، بحسب ذلك..(فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله، وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه، ولهذا أمر الله في هذه الحال، من عليه الحق، أن يتقي الله ويؤدي أمانته.- : أن من ائتمنه معامله، فقد عمل معه معروفا عظيما، ورضي بدينه وأمانته، فيتأكد على من عليه الحق، أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله، وامتثالا لأمره، ووفاء بحق صاحبه، الذي رضي بأمانته، ووثق بهلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.- : تحريم كتم الشهادة، وأن كاتمها قد أثم قلبه، وذلك لأن كتمها- كالشهادة بالباطل والزور- فيها ضياع الحقوق، وفساد المعاملات، والإثم المتكرر في حقه، وحق من عليه الحق... {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} أي: علما تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل. صيد الفوائد
  22. - {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي}.. هذا الرجل، أبو المرأتين، صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا، قول لم يدل عليه دليل، وغاية ما يكون، أن شعيبا عليه السلام، قد كانت بلده مدين، وهذه القضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين؟ وأيضا، فإنه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيب، فكيف بشخصه؟ " ولو كان ذلك الرجل شعيبا، لذكره الله تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضا فإن شعيبا عليه الصلاة والسلام، قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم، بمنعهما عن الماء، وصد ماشيتهما، حتى يأتيهما رجل غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب، ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادما له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. - ذكر بعض الفوائد والعبر في هذه القصة العجيبة: فمنها: أن آيات الله تعالى وعبره، وأيامه في الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد تكون عبرته، وإن الله تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، فلا يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نور وهدى. - ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة. - ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. - ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ولا يكون لها إمامة فيه. - ومنها: لطف الله بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن الله سيرد إليها ابنها، ويجعله من المرسلين. - ومنها: أن الله يقدر على عبده بعض المشاق، لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا. - ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. - ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص. وأن من أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت من الله، عند المقلقات، كما قال تعالى. {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: ليزداد إيمانها بذلك ويطمئن قلبها. - ومنها: أن من أعظم نعم الله على عبده، وأعظم معونة للعبد على أموره، تثبيت الله إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، بخلاف من استمر قلقه وروعه، وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ينتفع بنفسه في تلك الحال. - ومنها: أن العبد -ولو عرف أن القضاء والقدر ووعد الله نافذ لا بد منه- فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا يكون ذلك منافيا لإيمانه بخبر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه. - ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين. - ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك. - ومنها: أن الله من رحمته بعبده الضعيف الذي يريد إكرامه، أن يريه من آياته، ويشهده من بيناته، ما يزيد به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه، لتعلم أن وعد الله حق. - ومنها: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام عدَّ قتله القبطي الكافر ذنبا، واستغفر الله منه. - ومنها: أن الذي يقتل النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض. - ومنها: أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي {إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} على وجه التقرير له، لا الإنكار. - ومنها: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجبا- كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحا له ومحذرا. - ومنها: أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى. - ومنها: أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما أنه يرتكب الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة، التي لا يعرف الطريق إليها، وليس معه دليل يدله غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، فتبعها موسى. - ومنها: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب مَنْ هذه حاله. كما خرج موسى تلقاء مدين فقال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} . - ومنها: أن الرحمة بالخلق، والإحسان على من يعرف ومن لا يعرف، من أخلاق: الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية الماء، وإعانة العاجز. - ومنها استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو كان الله عالما لها، لأنه تعالى، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} . - ومنها أن الحياء -خصوصا من الكرام- من الأخلاق الممدوحة. - ومنها: المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين. - ومنها: أن العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض. - ومنها: مشروعية الإجارة، وأنها تجوز على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يقدر العمل، وإنما مرده، العرف. - ومنها: أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعا. - ومنها: أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه. - ومنها: أن خير أجير وعامل يعمل للإنسان، أن يكون قويا أمينا. - ومنها: أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} . - ومنها: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون إشهاد لقوله: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} . - ومنها: ما أجرى الله على يد موسى من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرة، من الحية، وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة الله لموسى وهارون، من فرعون، ومن الغرق. - ومنها: أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر، وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا. - ومنها: ما فيها من الدلالة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بذلك تفصيلا مطابقا، وتأصيلا موافقا، قصه قصا، صدق به المرسلين، وأيد به الحق المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك المواضع، ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل العلم، إن هو إلا رسالة الرحمن الرحيم، ووحي أنزله عليه الكريم المنان، لينذر به قوما جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين. صيد الفوائد
  23. - في هذه القصة (قصة أصحاب الكهف)، دليل على أن من فر بدينه من الفتن، سلمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله هداية لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب {وما عند الله خير للأبرار}. - {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ..} الآيات.. في هذه القصة العظيمة، اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلا فإنه يحرمها طويلا. - وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها، وأن يقول: {ما شاء الله، لا قوة إلا بالله} ليكون شاكرا لله متسببا لبقاء نعمته عليه، لقوله: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ} - وفيها: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها، بما عند الله من الخير لقوله: {إِنْ تَرَن أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ - وفيها: أن المال والولد لا ينفعان، إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا - وفيه: الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين، وفخر عليهم، وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء، ووجد العاملون أجرهم فـ {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} أي: عاقبة ومآلا. - {فوجدا عبدا من عبادنا} وهو الخضر، وكان عبدا صالحا، لا نبيا على الصحيح. - وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله. فمنها: فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. - ومنها: البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل. - ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} - ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع، أو عطش، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} - ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: {آتِنَا غَدَاءَنَا} إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعا. - ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} والإشارة إلى السفر المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب، مع طوله، لأنه هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم، لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه {آتِنَا غَدَاءَنَا} فحينئذ تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده. - ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، لذكر ذلك كما ذكره غيره. - ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله لعباده نوعان: علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدني، يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} - ومنها: التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم. - ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر. - ومنها: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة؛ فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر، ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه، فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصرا في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها. - ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: {تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ} أي: مما علمك الله تعالى. - ومنها: أن العلم النافع، هو العلم المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: {أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} - ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم فمن لا صبر له لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه. - ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة، بذلك الأمر، الذي أمر بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} فجعل الموجب لعدم صبره، وعدم إحاطته خبرا بالأمر. - ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود. - ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} - ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل. - ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله، ولا في حقوق العباد لقوله: {لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. - ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل عليه السلام، وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار. - ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين، بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما، أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته، وإن كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه، وإيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد، ما لا يدخل تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها، داخل في هذا. - ومنها: القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير" كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن. - ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} كما قال إبراهيم عليه السلام {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} وقالت الجن: {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} مع أن الكل بقضاء الله وقدره. - ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره الكريهة. صيد الفوائد فوائد من كتاب: (تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) للعلامة: عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- انتقاء: إبراهيم بن فريهد العنزي
  24. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} آل عمران102 هذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، فمن كان في حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ربه وطاعته، منيبا إليه على الدوام، ثبته الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة، وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، يجمعها فعل ما أمر الله به وترك كل ما نهى الله عنه. ... الكتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص141) للشيخ عبدالرحمن السعدي
  25. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته { 1 - 4 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } . أي { قُلْ } قولا جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه، { هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له ولا مثيل. { اللَّهُ الصَّمَدُ } أي: المقصود في جميع الحوائج. فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم، لأنه الكامل في أوصافه، العليم الذي قد كمل في علمه، الحليم الذي قد كمل في حلمه، الرحيم الذي [كمل في رحمته الذي] وسعت رحمته كل شيء، وهكذا سائر أوصافه، ومن كماله أنه { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } لكمال غناه { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } لا في أسمائه ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، تبارك وتعالى. فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات. { 1 - 5 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } . أي: { قل } متعوذًا { أَعُوذُ } أي: ألجأ وألوذ، وأعتصم { بِرَبِّ الْفَلَقِ } أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح. { مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } وهذا يشمل جميع ما خلق الله، من إنس، وجن، وحيوانات، فيستعاذ بخالقها، من الشر الذي فيها، ثم خص بعد ما عم، فقال: { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } أي: من شر ما يكون في الليل، حين يغشى الناس، وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة، والحيوانات المؤذية. { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } أي: ومن شر السواحر، اللاتي يستعن على سحرهن بالنفث في العقد، التي يعقدنها على السحر. { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } والحاسد، هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود فيسعى في زوالها بما يقدر عليه من الأسباب، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره، وإبطال كيده، ويدخل في الحاسد العاين، لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد شرير الطبع، خبيث النفس، فهذه السورة، تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع الشرور، عمومًا وخصوصًا. ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ويستعاذ بالله منه [ومن أهله]. تفسير سورة الناس وهي مدنية 1 - 6 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } . وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه [ ص 938 ] يوسوس في صدور الناس، فيحسن [لهم] الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو دائمًا بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على دفعه. فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم. وأن الخلق كلهم، داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها. وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } . والحمد لله رب العالمين أولا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا. ونسأله تعالى أن يتم نعمته، وأن يعفو عنا ذنوبًا لنا حالت (1) بيننا وبين كثير من بركاته، وخطايا وشهوات ذهبت بقلوبنا عن تدبر آياته. ونرجوه ونأمل منه أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمته إلا القوم الضالون. تابعونا في باقي السلسة لنعرف أكثر عن كلام الرحمن تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان المؤلف : الامام السعدي

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

تمامُ الخذلان انشغال العبد بالنعمة عن المنعم وبالبلية عن المبتلي؛ فليس دومًا يبتلي ليعذّب وإنما قد يبتلي ليُهذّب. [ابن القيم]

×