اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 57186
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180496
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 259979
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23500
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8233
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32130
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4160
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25483
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30256
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52985
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21004
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97004
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36836
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31792
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4883
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15477
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29721
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12926
      مشاركات
  9. إن من البيان لسحرًا

    1. قلمٌ نابضٌ

      ساحة لصاحبات الأقلام المبدعة المتذوقة للشعر العربي وأدبه

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      50492
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41313
      مشاركات
    2. 33895
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91746
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32199
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34854
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65605
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (36670 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 29 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 14، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • مرض والدي بضعف في عضلة القلب، ورغم المتابعة الطبية المستمرة فإن العضلة استمرت في التدني إلى أن وصلت إلى الحد الأدنى الذي يستطيع الإنسان أن يحيا به لدرجة أننا كنا حين نضع جهاز قياس النبض والأكسجين في إصبعه (مقياس التأكسج النبضي) كان الجهاز لا يلقط أي إشارة؛ لضعف النبض بشكل كبير.       أصبح الوالد عاجزًا عن المشي والحركة والبلع أيضًا، ولم يكن أمام الأطباء أي حل سوى إبقائه حيًّا بالمغذيات الوريدية، ثم ساءت أوردته فلم يعد هناك أي وريد قابل لإدخال إبرة فيه، ثم أصبح الوالد شبه فاقد للوعي وعاجزًا حتى عن الكلام أغلب النهار؛ لقلة الغذاء الواصل إليه من جهة، ولضعف القلب من جهة أخرى، فقرر الأطباء أنه لا بد من إدخال أنبوب عبر الأنف إلى المعدة لإدخال الطعام، وهنا انقسم أهل البيت إلى مؤيد ومعارض، رأي مؤيد لإدخال الأنبوب وحجتهم أنه يجب أن نفعل ما بوسعنا لنحافظ على حياته؛ لأن عدم إيصال الغذاء إليه هو نوع من القتل، ورأي آخر يرفض ذلك؛ لأن إدخال الأنبوب هو عملية مؤلمة. ويقترح أن نتركه بدون غذاء لنخفف عنه زمن المعاناة مع الألم والمرض خصوصًا أن الأطباء أقروا بأنه لا يوجد طريقة للشفاء.       توفي والدي بعد ذلك ببضعة أيام رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه مع الصدِّيقين والأخيار.       وكثيرًا ما نسمع عن حالات مشابهة سواء لكبار السن الذين يبلغون شيخوخة متأخرة أو لغيرهم ممن يصاب بمرض عضال؛ كالسرطان في مراحله الأخيرة أو الفشل الكُلوي الذي لا تجدي معه أي علاجات أو مع المعاقين إعاقات جسيمة بالغة أو حتى مع من يصاب بحادث مميت، فحين يقرر الأطباء أنه لا أمل في شفائهم من الناحية الطبية ويبلغون مراحل عميقة من المرض والألم يختلف من حولهم هل يريحون المريض من العذاب ويجعلونه يرقد في سلام بإعطائه حقنة مميتة مثلًا أو بإعطائه حقنة ليس فيها سم إنما فيها فقط جرعة زائدة من مسكن الألم تخفف ألمه لكنها أيضًا تؤدي إلى الموت وتوقف القلب، أو أن يتوقفوا عن إعطائه الدواء أو الغذاء أو أن يفصلوه عن آلة هي سبب في بقائه حيًّا، وهدفهم من ذلك كله أن يرحموا مريضهم من الألم عن طريق قتله فيخلصونه من معاناته، ويسمى هذا الإجراء عالميًّا بالقتل الرحيم، أم هل يواصلون إنقاذ حياة مريضهم بكل الطرق الممكنة ليعيش أيامًا أو أشهرًا أو سنواتٍ -حسب مراد الله- رغم معاناته من الألم والعذاب.       والقتل الرحيم هو أي إجراء يتخذه الطبيب بطلب من المريض أو أقرباء المريض بهدف تعجيل موت المريض الميؤوس من شفائه سواء بإعطائه دواء أو حقنة قاتلة أو بمنع الدواء أو الغذاء أو الأكسجين عنه أو بفصله عن جهاز يجعله قادرًا على الحياة؛ لأنه يقوم بدور بدلًا عن جهاز لا يعمل في جسم المريض كالجهاز التنفسي مثلًا[1]، فالمريض الذي في غيبوبة ولا تعمل رئتاه يحتاج إلى جهاز يساعده على التنفس ويحتاج إلى جهاز يتناول من خلاله الغذاء كالمغذيات الوريدية؛ لأن جهازه الهضمي لا يعمل؛ لأنه في غيبوبة وهكذا.       لكن هناك حالات أخرى لا تعتبر قتلًا رحيمًا، وهي أن يكون المريض في حكم الطب والشرع ميتًا فعليًّا رغم وجود بعض مظاهر الحياة فيه. فهو ميت لأن الدماغ بكامل أجزائه (المخ والمخيخ وجذع الدماغ) كلها توقفت عن العمل بشكل تام ونهائي، ولا يمكن إعادتها إلى الحياة. وتظل مظاهر الحياة موجودة في الإنسان فهو يتنفس وقلبه ينبض لكن ذلك بسبب الأجهزة الموصولة في جسمه مما يعطينا إيحاء كاذبًا بأنه حي لكنه عمليًّا وطبيًّا يعتبر ميتًا، فعند فصل الجهاز عنه سيتوقف النبض والتنفُّس؛ لأن الدماغ قد مات أساسًا، ففي هذه الحالة اتخاذ أي إجراء طبي مما سبق الإشارة إليه لا يعتبر قتلًا رحيمًا؛ لأن المريض طبيًّا يعتبر ميتًا، فرفع أجهزة الإنعاش عنه أو إيقاف الدواء والغذاء عنه لا يعتبر قتلًا رحيمًا[2].       ولقد انقسم العالم إلى مؤيد ومعارض لهذه الفكرة، فهناك دول تقر القتل الرحيم وتسمح به وفقًا للقانون ودول أخرى تجرمه وتحرمه، والسبب في اختلافهم هو أن القانون الذي يبيح أو يحرم هو من صُنْع البشرِ والبشرُ لا يتفقون فيما بينهم، فيرى مؤيدو هذه الفكرة أن القتل الرحيم في مصلحة المريض ليتخلص من آلامه الجسدية والنفسية؛ لأنه من حقه أن يتصرف بجسده ويقرر مصيره وما دامت نهايتنا الموت فمن حقنا أن نختار أن نحيا بصورة كريمة ونموت بصورة كريمة. كما أن التخلص من المرضى الميؤوس من شفائهم يوفر خسائر مادية على أهل المريض وعلى الدولة.       ويرى الفريق المعارض أن القانون هو من صنع البشر ومن ثمَّ فهو قابل للخطأ؛ لأن أفكار الناس قد يكون مصدرها النفس والشيطان، وعلينا أن نشك دومًا في أفكار الإنسان ولا نقبلها إلا بعد أن نعرضها على كلام الخالق، فإن اتفقت مع كلام الخالق فهي خير، وإن لم تتفق فهي شر تحت قناع الخير، ويكفي البشرية معاناة من قوانين شرعنت الشرور؛ كالحق في الزنا والإجهاض، والحق في المثلية والتحوُّل الجنسي، والحق في شرب الخمر وتعاطي الحشيش، والحق في سب الإله والأنبياء والمقدسات، والحق في إبادة أمم بأكملها؛ كوقوف العالم كله ضد فلسطين مع المغتصب المجرم إسرائيل رغم أن كل ذلك هو شرٌّ واضح لكل ذي عقل؛ ومن ثمَّ فالقانون لا ينبغي أن يكون هو الحاكم أو المرجعية في صنع القرار وإنما كلام الخالق فقط؛ لأنه هو العدل التام. والشرائع السماوية الصادرة من الإله المنزَّه عن المصالح جميعها تحرم وتجرم كل فعل ينتقص من كرامة الإنسان وحقوقه؛ ومن ثمَّ تحرم القتل الرحيم بل إنه لا يوجد في الإسلام قتل رحيم وقتل قاسٍ إنما يوجد قتل مشروع؛ وهو أن يقتل المعتدي الذي قام بجريمة يستحق أن يقتل بسببها بأمر من القاضي، أو قتل غير مشروع؛ وهو أن يقتل إنسان بريء لم يرتكب جريمة يستحق عليها القتل، وقتل مريض لمجرد أنه مريض ميؤوس من شفائه هو قتل غير مشروع حتى لو طلب هو بنفسه ذلك.       كما أنه لا تجوز تسمية القتل بالرحيم؛ فالقتل فيه قسوة ووحشية، ولا يمكن أن يتناسب مع الرحمة بأي حال من الأحوال. فكيف نحرم إنسانًا من الحياة برقة وحنان وعطف؟! والقتل ليس أسلوبًا رحيمًا ولا فيه إنقاذ للإنسان من المعاناة؛ بل ربما تكون المعاناة والصبر هي الرحمة بعينها؛ لما فيها من تكفير ذنوب المريض ورفع درجاته.       كما أنه لا يوجد في الإسلام مبدأ الغاية تبرِّر الوسيلة، فإن كانت الغاية نبيلة وهي التخفيف من ألم ومعاناة المريض فإنه يجب أيضًا أن تكون الوسيلة نبيلة بإعطائه الأدوية والدعم النفسي اللازم، أما استخدام وسيلة شريرة؛ وهي القتل لتحقيق غاية نبيلة؛ وهي رحمة المريض من المعاناة، فإن هذا لا يجوز. ومثلها أنه لا يجوز أن تسرق لتنفق ما سرقته في كفالة يتيم. فالسرقة هي وسيلة قذرة، ولا يجوز استخدامها لتحقيق هدف نبيل أبدًا، كما لا يجوز أن تستعمل مال الربا لتعالج مريضًا، فالله طيِّب ولا يقبل إلا طيبًا، ويجب أن تكون الغاية والوسيلة كلتاهما معًا نبيلتين؛ ليقبل الله تعالى العمل. فالإسلام يحرم قتل الرحمة بكل أشكاله سواء كان بطلب المريض أو أقربائه كما لا يجوز قتل أي إنسان؛ لأنه مصدر لنشر العدوى مثلًا، ولا يجوز قتل إنسان؛ لأن علاجه يكلف أموالًا، الحالة الوحيدة التي يجوز فيها قتل إنسان هو أن يقوم بجريمة يستحق عليها عقوبة القتل.       ونعود إلى رأي الشرع في القتل الرحيم ونلخصه في النقاط الآتية:   لا يجوز بأي حال من الأحوال قتل المريض الميؤوس من شفائه أو اتخاذ أي إجراء مباشر متعمد بهدف إنهاء حياته، فهذا القرار لا يجوز أن يتخذه الطبيب ولا أسرة المريض ولا المريض نفسه[3].       يجوز في حال المريض الميؤوس من شفائه -مع قناعة الطبيب بعدم جدوى العلاج- يجوزعدم اتخاذ أي إجراء بل يترك ليأخذ المرض أدواره الطبيعية دون تدخل طبي فمثلًا إن وجد الطبيب مريض سرطان لا يُرجى شفاؤه وهو في مرحلة متأخرة جدًّا وأصيب بفشل كُلوي والطبيب يعلم أن الغسيل الكُلوي لن ينفعه بل سيزيد من آلامه فهنا لا يعمل له غسيل كُلوي -إجراء فعَّال- بشرط أن يؤيد ذلك أطباء متخصصون ثقات. كما يجوز عدم كتابة أي دواء لمريض في مرحلة متأخرة من المرض إن اعتقد الطبيب أن الدواء لن ينفعه.       إذا توفي المريض دماغيًّا (بمعنى أنه ميت ولا يمكن عودته للحياة بإقرار الطبيب الأمين المتخصص) فيجوز أن يقرر الطبيب فصل المريض عن الأجهزة الطبية التي تجعل قلبه يتحرك؛ لأن الأجهزة لا تجعل المريض حيًّا، فهو ميت بشكل واقعي لكن الأجهزة تعطيه مجرد مظاهر للحياة وليست حقيقة الحياة، وهذا الإجراء ليس قتلًا أساسًا[4].         كما أنه وفقًا للشريعة الإسلامية يحق للمريض سواء كان ميؤوسًا من شفائه أو غير ميؤوس من شفائه- التوقف عن استخدام الأدوية إذا اقتنع أنه لن ينتفع، فالتداوي في الإسلام من المباحات يصبح واجبًا إن غلب الظن أن العلاج والدواء ينفع ويفيد، ولا يصبح واجبًا إن اعتقد المريض أو الطبيب أنه لا ينفع[5]. وما دام من حق المريض الامتناع عن تناول الدواء والعلاج، فلماذا أصلًا سيطلب من الطبيب أن يساعده على الموت ولديه خيار بأن يمكث في منزله ولا يتناول الدواء؟       لكن إن كان المريض يبحث عن علاج عند الطبيب فليس من حقه كمريض ولا من حق الطبيب مساعدته على إنهاء حياته.       إن فكرة القتل الرحيم هي فكرة مشوهة ومريضة؛ ولذلك وُجِّهت لها العديد من الانتقادات، ومنها:   1- الحياة مقدسة ولا يجوز المساس بها، ولقد جاءت الشريعة الإسلامية ولها مقاصد أو أهداف كبرى رئيسية خمسة؛ وهي (حفظ النفس والمال والعرض والعقل والدين) فحفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة؛ لأن الروح أو الحياة هي نفحة من الرحمن؛ ولذلك فهي مقدسة؛ لأن منح الله للإنسان هذه الروح هو نوع من التشريف الإلهي.       2- حياة الإنسان ليست ملكه لا يجوز لأي إنسان أن يبيع أو يحرق سيارة جاره؛ لأنها ليست ملكه، وكذلك حياة الإنسان ليست ملكًا له ليقرر الحفاظ عليها أو إنهاءها إلا في حالة الدفاع عن النفس أو الدفاع عن الآخرين فقط. فلقد منحه الله الحياة والروح دون إذنه، فهي ملك لله وحده، وهو وحده يقرر متى إنهاؤها، وما الإنسان إلا مجرد مستخدم لهذه الروح. وأمره الله أن يحافظ عليها ولا يضرها بأي وسيلة، فعن أبي سعيد سعد بن سنان الخُدْري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار))[6]، فالروح أمانة، وستعود إلى خالقها حين يأذن. وليس من حق الإنسان أن يحكم على روحه بالإعدام بسبب الألم أو المرض أو الإعاقة أو أي سبب آخر.       3- ليس من حق الإنسان اختيار متى ينهي اختباره، فنحن في دار اختبار وابتلاء وهي الدنيا، وكل المصائب التي فيها أصابتنا بأمر الله ولم تخطئنا. فالله قرر أن يختبر بعض الناس بالفقر وبعضهم الآخر بالمرض وآخرين بالحروب وغيرهم بالحرمان من نعمة معينة، وهو وحده يقرر مادة الاختبار وكيفيتها ونوعيتها ومدتها لكل إنسان. ولا يحق لنا أن ننهي اختبارنا متى ما شئنا بالتخلُّص من حياتنا وإنما هذا الحق هو فقط لمن أوجد جسدنا وروحنا من العدم ليختبرنا من خلالهما أنصبر أم نكفر؛ وعليه لا يجوز للمريض الميؤوس من شفائه أن ينهي حياته؛ لأنه يعاني من الألم بل عليه أن يصبر ويحتسب الأجر من الخالق، وفي الصحيحين عن جندب بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينًا فحز يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله تعالى: "بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة"[7]بمعنى أن الرجل المجروح انتحر بقطع وريد في يده فحرم الله عليه الجنة؛ لأنه لم يصبر، بل إن مجرد تمنِّي الموت هو إثم يحاسب عليه الإنسان فكيف بمن يطلبه بمساعدة الآخرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنين أحدُكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي))[8].       4- الموت ليس حلًّا للتخلص من المعاناة، فمن يعتقد أن الموت هو الحل المناسب لتخليص المريض من معاناته فهو إنسان جاهل لا يعلم أن المعاناة الحقيقية أو النعيم الحقيقي سيبدأ بعد الموت، فمَنْ لقي الله وهو راضٍ عنه فهو منعم بعد الموت وإلى الأبد، ومن لقي ربَّه وهو منتحر طالب للقتل الرحيم فهو في العذاب والألم والمعاناة إلى الأبد، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سُمًّا فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))[9].  
      5- الله أرحم بعباده من جميع المخلوقات؛ لأنه هو خالقهم من العدم، فالمريض لن يرحم نفسه أكثر من الله، وكذلك الطبيب وأقارب المريض لن يرحموه ويحبوه أكثر من الله. فالله أحنُّ علينا من ألف كتف ومن ألف سند، وأحنُّ علينا من آبائنا وأمهاتنا؛ بل إن كل الرحمة التي يتراحم بها الناس في كوكب الأرض بما فيها الرحمة الموجودة في قلوب أنصار الموت الرحيم كلهم هي أقل من 1% من الرحمة الموجودة في الكون. فعن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، أمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة))[10].       6- فإن سلمنا وآمنا بذلك فلا بد أن تكون معاناة المريض فيها رحمة من الله ولو لم نفهمها وندركها بعقولنا القاصرة. ويكفينا لنفهم مدى رحمة الله ما ترويه لنا قصص السيرة. فبعد غزوة الطائف كانت هناك امرأة فقدت ولدها وكانت تبحث عنه، فلما وجدته فرحت فرحًا شديدًا وأخذته وضمته بقوة ثم أرضعته وكان الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وصحابته ينظرون إلى هذا الموقف فسألهم رسول الله: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟))، فقالوا: لا وَاللَّهِ وَهِي تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))[11]، فإن كان الله أرحم بنا من أمهاتنا فعلينا أن نستسلم ونرضى بقضائه ولا نعترض عليه ولا نبحث عن حلول نعتقد أنها رحيمة بنا، وهي حلول تجلب سخط الله وغضبه علينا، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29].       7- القتل الرحيم يقتل الوازع الأخلاقي في البشرية. فتخيَّل معي أن الروح ستصبح يومًا تقاس بكمية الوقت والمال والجهد المبذول من أجلها. وستصبح هذه الثلاثية المادية أهم من الروح ذاتها. ففكرة القتل الرحيم من ضمن معانيها المبطنة (من الأفضل أن تكون ميتًا إن كنت مريضًا مرضًا لا شفاء منه لكن من الأفضل أن تكون حيًّا إن كنت معافًى)، فمفهوم وقيمة الحياة هنا غير متساوٍ، فهناك أرواح تستحق العيش؛ ولذلك القانون لا يشرع لها أحقية الموت بينما هناك أرواح لا تستحق أو على الأقل استحقاقهم للعيش فيه نظر فقط بسبب مرضهم؛ ولذلك القانون يتيح لهم الحق في الموت. وهذه الفكرة تغرس في نفس المريض الشعور بالألم، فالمجتمع يتيح له حرية الموت وكأنه يقول له: أنت عبء ثقيل علينا ولا نريدك إلا وأنت صحيح البدن متناسيًا الجهد والعطاء والجميل الذي حصل عليه من هذا العضو في أثناء صحته.       وهل من الأخلاق أن نطلب من الناس أن يعيشوا بدون معاناة أو ألم؟! أليس الصمود والتحدي والتجلد والصبر وعدم اليأس أمام المصاعب أليست كل هذه معاني أخلاقية تجعلنا أكثر إيمانًا وقوة، فلماذا نريد سلبها من المريض؟! إن المعاناة جزء أساسي في الحياة بل إن الإنسان يستحيل أن يعيش بدون معاناة؛ لأنه في دار المعاناة والاختبار والابتلاء؛ بل إن شرعنة القتل الرحيم ستولد أجيالًا ضعفاء عاجزين عن الصبر ومستسلمين، ومجتمع بهذه الصفات هو مجتمع سقيم آيل للسقوط.       8- إن تشريع القتل الرحيم يشجع المجتمع على الكسل والإهمال وتراجع خدمات الرعاية الطبية، فهذا التشريع سيجعل الأبحاث العلمية أكثر كسلًا لقلة أو انعدام الدافع للحفاظ على حياة المرضى الميؤوس من شفائهم. فما دام هناك حل مريح ورخيص وهو إعطاء الإنسان الحق في إبرة الموت، فما هو الدافع لاستمرار الأبحاث العلمية لإطالة عمر هؤلاء؟! وما الداعي لبذل جهود الرعاية الصحية في رعاية المحتضرين وتخفيف معاناتهم والبحث عن علاج لحالاتهم؟! وما الداعي لرعاية كبار السن والمجانين ومرضى الزهايمر والسرطان وغيرهم ما دام يوجد حل أسهل؟! وأيضًا هل سيثق المجتمع بالأطباء والمراكز الصحية بعد أن يتحولوا إلى قتلة أم سيفضل الناس إبقاء أحبائهم في البيوت خوفًا من أن يقنعهم الآخرون بالموت؟!       9- القتل الرحيم سيجعل عدد مَن يموت بهذه الطريقة أكبر وأكثر مع مرور الزمن، ومما لا شكَّ فيه أن تشريع القتل الرحيم للمرضى الميؤوس من شفائهم سيشجع شريحة كبيرة في المجتمع على المطالبة بحقهم في الموت ليس فقط المرضى. وسيواجه المجتمع مشكلة في إقناع الضعفاء بأن ما يواجهونه لا يستحق أن ينهوا حياتهم من أجله، فالمراهق الذي يواجه مشكلة عاطفية والطالب الذي رسب في الامتحان والموظف الذي تم طرده من عمله وغيرهم ملايين ذوو مشاكل أسهل أو أكثر تعقيدًا، كلهم سيطالبون بالتخلص من معاناتهم، فالمعاناة لا تنحصر في الألم الجسدي؛ بل إن الألم النفسي أشد وأنكى؛ بل إني لا أستبعد أن يطالب الطفل بإنهاء حياته؛ لأنه خسر في لعبة من ألعاب الفيديو. وهذه الثمار المرة ستحصدها البشرية؛ لأنها نشرت ثقافة أن قيمة الروح والحياة من حق المخلوق، وهل سنحقق الرحمة حين يكون عدد المنتحرين في المجتمع أكثر من عدد المولودين أم أننا سننقرض من كوكب الأرض بسبب أفكارنا الشيطانية التي سمحنا لها بالنمو؟! والغريب في الموضوع أن دعوات القتل الرحيم للإنسان تتزايد مع تزايد دعوات إلغاء عقوبة الإعدام على المجرمين مع أن الأول بريء والثاني مذنب. كما تتزايد دعوات قتل الإنسان برحمة مع تزايد دعوات حماية الحيوانات من الذبح مع أن الأول كائن مفكر قادر على تغيير العالم إلى الأفضل؛ بل وقادر على توفير حياة أفضل للحيوانات في حين أن الثاني كائن لا عقل له، فأيهما أكثر قيمة وأهمية للدفاع عنه؟!   لميس صالح الحبشي شبكة الالوكة
    • (وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ )  [سبأ: 5] تفسير الشعراوي   السعي هو المشي الحثيث وقطع المسافة، فما معنى { سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا .. } [سبأ: 5] ألم تسمع قولهم: سعى فلان بفلان عند السلطان مثلاً؟ والمراد: أنه نَقَل إلى السلطان ما يُغضبه وما يُحزنه من هذا الشخص، وهذه التي نسميها في العامية وبين الموظفين (ضربه زُنْبَة) هي هنا بنفس هذا المعنى.
        { سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا .. } [سبأ: 5] يعني: ضربوا فيها (زُنَب) وألَّبوا الناس عليها ليزهد فيها مَنْ كان مُقْبلاً عليها، ويخرج منها مَنْ كان فيها ويتملَّص منها، سعَوْا في آيات الله وهي القرآن ليبطلوه وليصرفوا الناس عنه، لماذا؟ لأنهم واثقون من أثر القرآن في القلوب، فلو أعطاه الناسُ آذانهم لابد وأنْ يؤثر فيهم ويجذبهم إلى ساحة الإيمان، فتنفعل به قلوبهم. وتلهج به ألسنتهم.
      وهؤلاء هم الذين قالوا: { { لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26] ولو كان القرآن كلاماً عادياً غير ذي أثر لَمَا نَهوْا عن سماعه، ولما شوَّشوا عليه، وخافوا من سماعه.
        ومعنى { مُعَاجِزِينَ .. } [سبأ: 5] مفردها مُعَاجز: اسم فاعل من عَاجَزَ مثل: قَاتَل ومقاتل، وعاجز مثل نافس، والمنافسة الأصل فيها التسابق في التنفس، وقد رُوى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مَرَّا ببحيرة، فقال عمر: هيا بنا نتنافس يعني: نغطس تحت الماء، لنرى أيّنا أطول نَفَساً من الآخر، ومعروف أن طول فترة الغطس تدل على قوة التنفس وسلامة الرئة، وأنها تحتوى مخزوناً أكبر من الهواء، ثم أُطلِقت المنافسة على كل مسابقة.
      ومثل نافس: عَاجَزَ يعنى: حاول كُلٌّ من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني يعني: جعلني أفعل فعلاً أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أنْ يُثبِتوا عجزها، وأن يُعجِزوا الدعوة أنْ تبلغ مداها، ويُعجِزوا رسولَ الله أنْ يتمم رسالته، ويُعْجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله.
      لكن يُعاجزون مَنْ؟ يُعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفَّل بنصرتهم وعدم التخلِّي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل والمكذبين إلا سبباً يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه: { { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } [التوبة: 14].
      وقال سبحانه: { { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ } [الصافات: 171-172].
        إذن: مَنْ سيُعاجزون؟ ربما يُقبل أنْ يُعاجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يُعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أنْ يُعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، فيجعله عاجزاً، وهو سبحانه القادر الغالب؟
          فمعنى { سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا .. } [سبأ: 5] أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا أمر الدعوة، وحتى يردُّوها على رسول الله في فمه الذي قالها { مُعَاجِزِينَ .. } [سبأ: 5] حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار واحد، الله يريد أن يُعجزهم، وهم يريدون أنْ يُعجزوا الله، وأنْ يكونوا في مكان القدرة الإلهية العليا؛ ليثبتوا أن الدعوة باطلة.
        ثم يُبيِّن سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } [سبأ: 5] الرِّجز والرُّجز هو الحِمْل الثقيل، وأصله الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة؛ لذلك يقول تعالى: { { وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } [المدثر: 5] أي: الذنب الكبير، أو العقوبة المترتبة عليه، والمعنى: لا تفعل الذنب، ولا ما يؤدي للعقوبة، وإذا هجرتَ الذنب لا تأتي العقوبة.
        وقد وُصف العذاب هنا بأنه { عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ } [سبأ: 5] والعذاب يُوصَف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، وهي أوصاف تدل على مَعَانٍ مختلفة لحال واحدة فهو أليم أي: يؤلم صاحبه، فإنْ كان جَلْداً يدعى التحمُّل فله عذاب مهين يُهينه، ويحطُّ من كرامته، وهو الذي يتعالى أو يظنُّ نفسه عظيماً.
      والعذاب المهين ليس بالضرورة أن يكون مؤلماً، فمن الناس مَنْ يؤلمه التوبيخ والتقريع، فإن أردتَ ضخامة العذاب من حيث القدر، فهو عذاب عظيم.
      إذن: إن أردتَ الإيلام فهو عذاب أليم، وإنْ كان قليلاً في قدره، وإنْ أردتَ التحقير والإهانة فهو عذاب مهين، وإنْ أردتَ ضخامة العذاب فهو عذاب عظيم.   المصدر التفاسير العظيمة  
    • من كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة - د. عمر المقبل القاعدة الخامسة عشرة: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)   الحمد لله الذي حمد نفسه في السماوات والأرض، وحمد نفسه في الآخرة والأولى، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
      فليس مثل ملتقانا بهاءا، ونضرة، لأن حديثنا لا يزال يتردد ويتجدد في آي من القرآن، ورسمه واسمه: (قواعد قرآنية)، لنتأمل جميعاً في قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان، وتملأ قلوبهم ثقةً ويقيناً، وراحة وطمأنينة، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].   وهذه الآية الكريمة جاءت مرةً على لسان موسى ج وهو يبشر قومه الذين آمنوا به، بحسن العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.   وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب، في خطاب الله تعالى لنبيه محمد ج في خواتيم سورة طه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].   وجاءت هذه القاعدة ـ أيضاً ـ بعد انتهاء قصة قارون، في خواتيم سورة القصص، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].   ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين، كما في قوله ـ: {والآخرة عند ربك للمتقين}، بل هي عامة في الدنيا والآخرة، ولكن قبل أن نسأل: أين صدق هذه القاعدة، فلنسأل: أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا فوعد الله لا يتخلف!   أيها القارئ المسدد: إن أدنى تأمل لمجيء هذه الآيات ـ مع تنوع سياقاتها ـ ليوضح بجلاء اطراد هذه القاعدة، فقد أخبر بها ربنا جل وعلا في قوله: {والعاقبة للتقوى}، وبعد قصة قارون قوله:{والعاقبة للمتقين}، وبشر بها موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.   "وحقيقة العاقبة: أنها كل ما يعقب أمراً، ويقع في آخره من خير وشر، إلا أنها غلب استعمالها في أمور الخير، فالمعنى: أن التقوى تجيء في نهايتها عواقب خير.
      واللام ـ في قوله "للتقوى" و "للمتقين" للملك، تحقيقاً لإرادة الخير من العاقبة؛ لأن شأن لام الملك أن تدل على نوال الأمر المرغوب، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة، وقد تكون العاقبة في خير الدنيا ـ أيضاً ـ للتقوى.
      وجاءت هذه الجملة بهذا الأسلوب لتؤكد معنى العموم، أي: لا تكون العاقبة إلا للتقوى، فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل"(1).   فما أحوجنا ونحن نشاهد ما نشاهد: إن على المستوى الفردي أو الجماعي أن نتأمل هذه القاعدة، ولنبدأ بالإشارة إلى المستوى الجماعي:
      فإن أمة الإسلام تمر منذ قرون بحالة من الضعف والتفرق وتسلط الأعداء على كثير من أهله، وهذه حالٌ تجعل بعض الناس من المنتسبين للإسلام ـ وللأسف ـ يبحث عن موطئ قدم خارج دائرة بلاد الإسلام، فيذهب غرباً أو شرقاً، بحثاً عن مبادئ أخرى، ومذاهب مختلفة، لا تمت إلى الإسلام بصلة، بسبب شعوره البائس بهزيمة داخلية وما تعانيه الأمة الإسلامية من تفرق وتشرذم، وفي الوقت ذاته: انبهاره بالتقدم المادي، وما يوجد في تلك البلاد من محاسن تتعلق بحقوق الإنسان، وغيرها من المجالات.   والمؤلم في أمثال هؤلاء أنهم لم يروا من حضارة الشرق أو الغرب إلا الجانب الإيجابي والحسن، وعميت أبصارهم، أو تعاموا عن الجوانب المظلمة ـ وما أكثرها ـ! هذه الحضارة التي اعتنت بالجسد، وأهملت الروح، وعمرت الدنيا وخربت الآخرة، وسخّرت ما تملكه من أسباب مادية في التسلط على الشعوب المستضعفة، وفرض ثقافتها، وأجندتها على من تشاء!   وعلى سبيل المثال: فإن نظام الثورة الفرنسية الذي قرر مبادئ حقوق الإنسان والمساواة بين البشر ـ كما يزعم واضعوه ـ لم يمنعه من إبادة ثلث سكان جزيرة هاييتي؛ لأنهم تمردوا على العبودية! كما أن القائد الفرنسي المشهور نابليون ـ الذي أنجبته الثورة الفرنسية ـ جاء إلى بلاد مصر، ليحتلها ويقيم نظاماً استعمارياً فيها.   والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لسردها، فضلاً عن التفصيل فيها، ولكن لعل من المناسب أن نُذكّر بقضية الساعة هذه الأيام، وهي قضية انهيار النظام الاقتصادي الرأسمالي! الذي قام على مصادمة منهج الله العادل في شأن المال، فرأى أربابه صدق ما توعد الله به أكلة الربا من المحق، وفي كل يوم نسمع عن مليارات ضائعة، وشركات عالمية أفلست، حينها قال من قال: لا بد من العودة إلى المنهج الإسلامي في الاقتصاد! وصدق الله: {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}، وصدق الله: {والعاقبة للتقوى}.   ألا ما أحوج الدول الإسلامية، والجماعات الإسلامية في بقاع الأرض إلى أن يتدبروا هذه القاعدة جيداً، وأن يتأملوا جيداً في العواقب التي جناها مخالفوا التقوى في الأنظمة والحكم والسلوك، ومن تدبر مجيء قوله تعالى ـ على لسان موسى وهو يخاطب قومة المضطهدين عدة قرون ـ: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} [الأعراف: 128] من تدبرها عرف حاجة الدول والمجتمعات لتدبر هذه الآية جيداً، وأن وعد الله لا يتخلف لمن اتقاه دولاً كانوا أو شعوباً، تأمل معي قول مَنْ عواقب الأمور كلها إليه ـ: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: 41]}.   ومن أراد أن يعرف الآثار السيئة التي لقيها العالم من بعد المسلمين عن دينهم، وخسارة العالم لعظيم مبادئ الإسلام فليقرأ كتاب الشيخ أبي الحسن الندوي:: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!.   أما على المستوى الفردي، فإن الحديث فيها يحتاج إلى بسط أكثر، ولكن حسبنا في مقامنا هذا أن نشير إشارة مُذِكّرة بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية:
      فإن آية القصص: {والعاقبة للمتقين} جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال!   وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ لتدبر هذه القاعدة جيداً، خصوصاً وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عن دين الله ـ يتدبرها ويتأملها؛ لتهوّن عليه الصبرَ عن الشهوات والملذات المحرمة... فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليذكرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة..   وكذلك الداعية إلى الله، من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل، والمليء بالابتلاء بالخير أو بالشر، وخصوصاً إذا كان لا يجد معيناً ولا ناصراً، بل قد يجد مناهضاً ومعادياً!   يقول شيخنا العلامة ابن باز: ـ بعد أن ذكر شيئاً مما تعرض له إمام الدعاة محمد ج من أذى وابتلاء، قال:
      "فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم؟ أو يقول متى كنت متقياً أو مؤمناً فلا يصيبني شيء؟ ليس الأمر كذلك بل لابد من الامتحان , ومن صبر حَمِدَ العاقبة , كما قال الله جل وعلا: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}،{وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} فالعاقبة الحميدة لأهل التقوى, متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النفوس , فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة , كما قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} فأنت ـ يا عبد الله ـ في أشد الحاجة إلى تقوى ربك، ولزومها، والاستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الامتحان, ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله, أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ , واذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - , واذكر أتباعهم بإحسان , فقد أوذوا، واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر"(2).   ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقياً في أحواله، أو أفعاله، فلا عاقبة له حسنة، وإن أمهل زماناً، أو تُركَ دهراً، وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية: يستدل بهذه القاعدة القرآنية: (والعاقبة للمقتين) وبأمثالها ـ إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام ـ وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا، بل سيخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: "واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته، وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين" (3). وصلى الله وسلم على نبينا محمد،،،،   ______________ (1)    التحرير والتنوير - (9 / 193) بتصرف يسير.
      (2)    مجموع فتاوى ابن باز (2 / 289).
      (3)    ينظر: مجموع الفتاوى (3 / 125)، و (28 / 419).  
    • سورة يوسف :   ===========   1/ قال تعالى في بيان رؤيا يوسف في سورة يوسف 4 : (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) ..   ذكر جماعة من المفسرين أن القمر تأويله الأب والشمس تأويلها الأم، فاستقرأ بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب.   ابن الفرس - أحكام القرآن       2/ قال تعالى في سورة يوسف 5 : (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) .. يعقوب عليه السلام عرف تأويل الرؤيا ولم يبال بذلك فإن الرجل يود أن يكون ولده خـيراً منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه.   ابن العربي – أحكام القرآن       3/ قال تعالى في سورة يوسف : (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)) سورة يوسف   يستفاد من هذه الآية أنه لا ينبغي للعاقل أن يستحقر أحدا فقد يكون زاهدا فيه وهو لا يعلم .   محمد بن عبدالوهاب - الدرر السنية       4/ قال تعالى في قصة يوسف  : (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) سورة يوسف 21   ولا يزال لطف الله بعبده ، فبعد أن حجب الشيطان في قلوب إخوته معاني الأخوة ، قذف الله في قلب عزيز مصر معاني الأبوة .   ناصر العمر ـ آيات للسائلين .       5/ قال تعالى عن يوسف عليه السلام في سورة يوسف 22: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ..   في هذه الآية دليل على أن الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى العباد سبب ينال به العلم، وتنال به خيرات الدنيا والآخرة.   السعدي - فوائد مستنبطة من قصة يوسف       6/ قال تعالى عن يوسف عليه السلام في سورة يوسف 24 : (كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) ..   محبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك وأبعد من الإخلاص كانت محبته بعشق الصور أشد، وكلما كان أكثر إخلاصاً وأشد توحيداً كان أبعد من عشق الصور. ولهذا أصاب امرأة العزيز ما أصابها من العشق لشركها ونجا منه يوسف الصديق عليه السلام بإخلاصه.   ابن القيم - إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان       7/ قال تعالى في شأن يوسف وامرأة العزيز في سورة يوسف 25: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) ..   تأمل :   المتبادر للذهن أن يكون الخطاب وألفيا سيدهما؛ لأن يوسف مملوك لدى العزيز..  فلماذا نسبت السيادة للمرأة فقط ؟..   لأن يوسف مسلم والعزيز كافر ولا تكون أبداً السيادة للكافر على المسلم.   البقاعي - نظم الدرر   وجه آخر: وإنما لم يقل سيدهما؛ لأن ملكه ليوسف لم يكن صحيحاً فلم يكن سيداً له لأن استرقاق يوسف غير شرعي وهذا كلام ربه العليم بـأمره لا كلام من استرقه.   الهرري - حدائق الروح والريحان       8/ قال تعالى في سورة يوسف 30 : (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ..   لماذا قلن امرأة العزيز ولم يصرحوا باسمها ؟..   أضفنها إلى زوجها؛ إرادة لإشاعة الخبر فإن النفس إلى سماع أخبار أولي الأخطار والمكانة أميل.   البقاعي - نظم الدرر       9/ إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم (اخرُجْ عَليهِن) سورة يوسف 31 ..   استغرقت إحساس الناظرات (وقطّعنَ أيدِيَهُن) وما شعرن ..   فكيف بالحال يوم المزيد؟ ! لو أحببت المعبود لحضر قلبك في عبادته.   ابن القيم – الفوائد       10/ قال تعالى عن يوسف ودعوته لصاحبي السجن :   (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)) سورة يوسف   يستفاد من هذه الآية أنك لا تحقر عن التعليم من تظنه أبعد الناس عنه ولا تستبعد فضل الله فإن الرجلين من خدام الملوك الكفرة ومع ذلك وجه يوسف عليه السلام  لهما النصح طمعا في هدايتهما . بخلاف من يقول لبعض المدعوين : ليس هذا بأهل للعلم ، تعليمه إضاعة للعلم .   محمد بن عبدالوهاب - الدرر السنية .       11/ من قال أني لا أحب الدنيا فهو كذاب، فإن يعقوب عليه السلام لما طلب منه أبناءه أخاهم بنيامين قال في سورة يوسف 64 (هَلْ آمَنكُمْ عَليهِ إِلّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبل) فقالوا: (وَنزدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ) يوسف : 65 .. فقال: خذوه.   أبو الوفاء بن عقيل - صيد الخاطر       12/ قال تعالى ذاكراً وصية يعقوب  لأبنائه : (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) سورة يوسف 87   رغم كثرة المصائب وشدة النكبات و المتغيرات التي تعاقبت على نبي الله يعقوب  ، إلا أن الذي لم يتغير أبداً هو حسن ظنه بربه تعالى .   صالح المغامسي ـ دمعة وتأملات في آيات قرآنية ( مطبوع ) .       13/ طلب العفو من الشباب أسهل منه عند الشيوخ ألم تر إلى يوسف لما طلب منه إخوته أن يعفو عنهم قال في سورة يوسف 92: (لَا تَثرِيبَ عَليكُم اليَومَ) ..   ولما طلبوا من يعقوب قال: (سَوفَ أسْتَغفِرُ لَكُم رَبّي) يوسف : 98 .   عطاء الخراساني - تفسير ابن أبي حاتم       14/ قال تعالى ذاكراً مخاطبة إخوة يوسف لأبيهم يعقوب  : (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) سورة يوسف   قال المهايمي : صرحوا بالذنوب دون الله ، لمزيد اهتمامهم بها ، وكأنهم غلب عليهم النظر إلى قهره . وصرح يعقوب بذكر الرب دون الذنوب ، إذ لا مقدار لها بالنظر إلى رحمته التي ربى بها الكل . اهـ . وهذا من لطائف التنزيل ومحاسنها .   القاسمي ـ محاسن التأويل .       15/ قال يوسف عليه السلام بعد أن اجتمع إليه أهله في سورة يوسف 100:   (وَقدْ أحسَنَ بِي إِذْ أخْرَجَني مِنَ السّجنِ وَجَاءَ بِكُم مّنَ البَدّو) ..   إن قلت : لمذكر يوسف نعمة الله عليه في إخراجه من السجن دون إخراجه من الجب مع أنه أعظم نعمه؛ لأن وقوعه في الجب كان أعظم خطراً ؟..   هذا من عظيم خلق يوسف؛ لأن في ذكر الجب توبيخاً وتقريعاً لإخوته بعد قوله: (لا تَثرِيبَ عَليكُم اليَومَ) يوسف 92 .. فعدل عن ذلك وذكر السجن.   زكريا الأنصاري - فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن                          سورة الرعد :   ==========   1/ قال تعالى لأهل جنته في سورة الرعد : (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)) ..  ما السر في كونه سلَّم عليهم بلفظ النكرة ؟..   لأن سلاماً منه سبحانه كافٍ من كل سلام ، ومغنٍ عن كل تحية ، ومقرب من كل أمنية ، فأدنى سلام منه - ولا أدنى هناك - يستغرق الوصف ، ويتم النعمة ، ويدفع البؤس ، ويطيب الحياة ، ويقطع مواد العطب والهلاك ، فلم يكن لذكر الألف واللام هناك معنى.    ابن القيم  - بدائع  الفوائد المجلد الثاني ص٣٨٦                       سورة إبراهيم :   ============   1/ قال سهل التستري في قوله تعالى إبراهيم 11 : (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) قال : بتلاوة القرآن .   ما أحسنَ ما قال ، فإن القرآن حوى جميع العلوم ، فمن قرأه قراءة تدبر وتفهم ، وعمل بمقتضاه فقد حصَّل الغاية القصوى التي ليس لأحد وراءها مرمى .   الإمام القرطبي - التذكار في أفضل الأذكار ص٦٢       2/ قال تعالى في سورة إبراهيم في وصف ما ينتظر أصحاب النار من العذاب :   (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) سورة إبراهيم   الصديد : ما يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم .   فهل لكم بهذا طاقة ؟!..   أم لكم عليه صبر ؟!..   طاعة الله أهون عليكم يا قوم فأطيعوا الله ورسوله .   قتادة بن دعامة السدوسي .       3/ قال تعالى في سورة إبراهيم 34: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ..   ولو ذهبنا نستعرض لطفه سبحانه في نعمه الظاهرة لفنيت الأعمار ولم ندرك لها عداً ويكفي أن نذكر لطفه سبحانه في تيسير لقمة واحدة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها وقد تعاون على إصلاحها خلق كثير .   من مصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها، وتيسير مضغها مما وضع الله في الفم من أسنان طاحنة وقاطعة ولسان يدير اللقمة ويسهلها للبلع ولعاب يسهل مرورها في المريء إلى آخر هذه الألطاف الربانية.   عبد العزيز الجليل - ولله الأسماء الحسنى                              سورة الحجر :   ===========   1/ قال تعالى في سورة الحجر : (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) ..   فكأنه قال: ولقد آتيناك عظيماً خطيراً فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا.   ابن عطية - المحرر الوجيز       2/ قال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) سورة الحجر   فالقرآن هو النعمة العظمى التي كل نعمة وإن عظمت فهي إليها ، حقيرة ضئيلة ، فعليك أن تستغني به ، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا .   الزمخشري ـ الكشاف .                         سورة النحل :   ===========   1/ قال تعالى النحل 7: (وّإنَّ اللهَ بِكُم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) أقرب الخلق إلى الله تعالى أعظمهم رأفة ورحمة، كما أن أبعدهم منه من اتصف بضد صفاته.   ابن القيم - الروح       2/ قال تعالى :   (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) سورة النحل 38   لما سمع عمر بن ذر هذه الآية قال :   ونحن نقسم بالله جهد أيماننا لتبعثن من يموت .   أفتراك تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة ؟!.       3/ قال تعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى) سورة النحل 61   ذكر  أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض ، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة ، لأن العجلة شأن من يخاف فوات الفرصة ، ورب السماوات والأرض لا يفوته شيء أراده .   الشنقيطي ـ أضواء البيان .       4/ قال تعالى في سورة النحل 68: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) ..   فتأمل كمال طاعتها وحسن ائتمارها لأمر ربها تعالى، كيف اتخذت بيوتها في الجبال وفي الشجر وفي بيوت الناس حيث يعرشون أي: يبنون العروش وهي البيوت، فلا يرى للنحل بيت غير هذه الثلاثة البتة .   وتأمل كيف أن أكثر بيوتها في الجبال، وهو البيت المقدم في الآية ثم الأشجار وهومن أكثر بيوتها، وأقل بيوتها بينهم حيث يعرشون .   ابن القيم - مفتاح دار السعادة       5/ قال تعالى في سورة النحل 89 : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) ..   قال الإمام الشافعي : ( فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها ).    الرسالة ص ١٩       6/ قال تعالى في سورة النحل 97: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ..   فهذا خبر أصدق الصادقين ومخبره عند أهله عين اليقين بل حق اليقين، فلا بد لكل من عمل صالحاً وهو مؤمن أن يحييه الله حياة طيبة بحسب إيمانه وعمله، ولكن يغلط الجفاة الأجلاف في مسمى الحياة الطيبة حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح أو لذة الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنن في أنواع الشهوات، ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم، بل يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان.   ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر، إذا خالط بشاشته القلوب سلا عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضي بتركها كلها والخروج منها رأسها وعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به. والمقصود أن الهدى مستلزم لسعادة الدنيا وطيب الحياة والنعيم العاجل.   ابن القيم - مفتاح دار السعادة       7/ من لطيف ما حضرني وأنا أستشهد في هذا المقام بقوله عز وجل : (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل 97   أن أهل القرآن يدخلون في معنى الآية دخولاً أولياً ، وكأنهم المقصودون بذلك ، وكأن سعادتهم وحياتهم الطيبة كانت بإيمانهم وعلمهم بالقرآن وعملهم به وتلاوتهم ، من ثمَّ ناسب أن يأتي بعده مباشرة قوله سبحانه :   ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) النحل 98 .   د عبدالعزيز الحربي - تحزيب القرآن ص٣٢                   فهد بن عبد الله الجريوي صيد الفوائد
    • الحمد لله العفو الكريم، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، جعل الحياة الدنيا دارًا للابتلاء والاختبار، ومحلًّا للعمل والاعتبار، وجعل الآخرة دارين، دارًا لأهل كرامته وقربه من المتقين الأبرار، ودارًا لأهل غضبه وسخطه من الكفار والفجار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، ومن تبِعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار؛ أما بعد:   يا أيها الناس، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33].       العنصر الأول: حتمية الرجوع إلى الله:   أمة الإسلام، أخرجنا الله تعالى إلى هذه الدار وجعلها دار ابتلاء وامتحان، وأخبرنا أننا إليه راجعون، وأن الدنيا ممرٌّ لا مقر، فقال الله تعالى وهو يحدثنا عن حتمية الرجوع إليه - عَزَّ وَجَلَّ – ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].       "ترقَّبوا وخافوا يومًا يَردُّكم الله سبحانه وتعالى إليه، فلا تملكون من أموركم شيئًا فيه، فإذا ملكتم المال في الدنيا، ففي هذا اليوم لَا تملكون شيئًا، وإذا ملكتم المنح والمنع اليوم ففي اليوم الآخر لَا تملكون شيئًا، وفي هذا اليوم ﴿ تُوَفَّى كلُّ نَفْسٍ ما كسَبَتْ ﴾؛أي: جزاء ما كسبت إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وكأن ما توفاه عين ما كسبت للمماثلة بين الجزاء والعمل، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾؛أي لَا ينقصون شيئًا من ثواب ما عملوا، ولا يعاقبون على ما لم يعملوا[1].       وقال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [يونس: 4]، ستأتي ربك وستجرع إليه، ولكن على أية حال ترى أنت من السعداء أم أنك من الأشقياء؟ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: 74 - 76].       العنصر الثاني: التعريف بيوم القيامة:   الشمس كورت، لُفَّت وذهب ضوؤها، النجوم انكدرت وتناثرت، الجبال نُسفت وسيِّرت، فأصبحت كالقطن المنفوش، العشار عطِّلت، الأموال تُركت، التجارات والعقارات والأسهم نُسيت، السماء كُشطت ومُسحت وأُزيلت، البحار سُجِّرت، وإلى كُتَلٍ من الجحيم تحوَّلت، الجحيم سُعِّرت وأُوقدت، والجنة أُزلفت وقُرِّبت.       ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [الحج: 1، 2].       إنه يوم القيامة، يومُ الصاخةِ والقارعةِ والطامةِ، ويومُ الزلزلةِ والآزفةِ والحاقة، يومَ يقومُ الناس لرب العالمين، يومٌ عظيم وخَطْبٌ جَسِيم، يوم مقداره خمسون ألف سنة، يجمع الله فيه الخلائق أجمعين، من لدُن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة؛ ليفصل بينهم ويحاسبَهم.       وتدنو الشمس من الخلائق مقدارَ مِيل، ويفيضُ العرقُ منهم بحسب أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حِقْوَيه، ومنهم يبلغ إلى مَنْكِبَيه، ومنهم من يُلْجِمه العرق إلجامًا، وتبقى طائفة في ظل الله جل جلاله، يوم لا ظل إلا ظله.       لقد صور الله تعالى لنا يوم القيامة في كتابه بأبدع تصوير وأبلغ تعبيرٍ، حتى إن الذي يقرأ تلك الآيات ليرى القيامة كأنها رأي العين، وتأمل الحديث الذي أخرجه الترمذي عن ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "‌مَنْ ‌سَرَّهُ ‌أَنْ ‌يَنْظُرَ ‌إِلَى ‌يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَحْسَبُ أَنَّهُ قَالَ: سُورَةَ هُودٍ"[2].       العنصر الثالث: الوقاية من أهوال يوم القيامة:   الأول: كن من المتقين تكن من الفائزين:   اعلموا عباد الله أن من أعظم أسباب السلامة من أهوال يوم القيامة - أن ترجع إلى الله وأنت في قافلة المتقين، تأملوا أيها الأحباب إلى تلك القافلة وهي تزف في عرصات يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ [مريم: 85، 86].       يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتَّبعوا رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة، وفدًا إليه، والوفد هم القادمون ركبانًا ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه، وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار ﴿ وِرْدًا ﴾عطاشًا، وقال ابن أبي حاتم عن ابن مرزوق ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾، قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول لا، إلاّ أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني فيركبه، فذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾، قال ابن عباس: ركبانًا، وقال أبو هريرة ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾، قال: على الإبل، وقال الثوري: على الإبل النوق، وقال قتادة: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾ قال: إلى الجنة، عن ابن النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسًا عند علي رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدًا ﴾، قال: لا والله ما على أرجلهم يُحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ترَ الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.       ثانيًا: كن من أهل العدل تكن على منابر من نور:   عباد الله، أما العادلون ففي مقام رفيع، يجلسون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين عن زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «‌إِنَّ ‌الْمُقْسِطِينَ ‌عِنْدَ ‌اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»[3].       ثالثًا: كن من المتحابين في ذات الله: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ: ‌‌«‌أَيْنَ ‌الْمُتَحَابُّونَ ‌بِجَلَالِي؟ ‌الْيَوْمُ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي»[4].       عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ [المائدة: 101]، قَالُوا: فَنَحْنُ نَسْأَلُهُ إِذًا، قَالَ: «‌إِنَّ ‌لِلَّهِ ‌عِبَادًا ‌لَيْسُوا ‌بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ بِقُرْبِهِمْ وَمَقْعدِهِمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: وَفِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ أَعْرَابِيُّ، فَقَامَ فَحَثَى عَلَى وَجْهِهِ وَرَمَى بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: حَدِّثْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْهُمْ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبْشَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى، وَقَبَائِلَ شَتَّى مِنْ شُعُوبِ الْقَبَائِلِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ يَتَوَاصَلُونَ بِهَا، وَلَا دُنْيَا يَتَبَاذَلُونَ بِهَا، يَتَحَابُّونَ بِرُوحِ اللَّهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ نُورًا، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ قُدَّامَ الرَّحْمَنِ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَيَخَافُ النَّاسُ وَلَا يَخَافُونَ»[5].       رابعًا: جاهد نفسك لتكون من أولياء الرحمن:   فهم أهل الأمن والسلامة من أهوال يوم القيامة فمعهم حصانة ربانية، فهم لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ولا يعطشون إذا عطش الناس، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ‌سَبَقَتْ ‌لَهُمْ ‌مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 101-103].       يقول أبو السعود رحمه الله ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر ﴾، بيان لنجاتهم من الأفزاع بالكلية بعد بيان نجاتِهم من النار؛ لأنهم إذا لم يُحزُنْهم أكبرُ الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة؛ عن الحسن رضيَ الله عنه أنَّه الانصرافُ إلى النار، وعن الضحاك حتى يطبَقَ على النار، وقيل: حين يُذبح الموتُ في صُورةِ كبشٍ أملحَ، وقيل: النفخةُ الأخيرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [النمل: 87]، وليس بذاك فإن الآمنَ من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى بقوله: ﴿ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [النمل: 87]، لا جميعُ المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة، على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة؛ كما سيأتي في سورة النمل: ﴿ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ [الأنبياء: 103]؛ أي: تستقبلهم مهنِّئين لهم، ﴿ هذا يَوْمُكُمُ ﴾ على إرادةِ القولِ؛ أيْ: قائلين هذا اليومُ يومُكم، ﴿ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [الأنبياء: 103] في الدنيا، وتبشرون بما فيه من فنون المَثوبات على الإيمان والطاعات، وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بالذين[6].       خامسًا: احذر ذنوب الخلوات فإنها أصل الانتكاسات:   وإذا أردت أخي المسلم أن تقي نفسك من أهوال يوم القيامة، فاحذر ذنوب الخلوات، فإنها أصل الانتكاسات، توهَّم نفسك الآن واقف في عرصات يوم القيامة، وبينما أنت كذلك إذا رأيت رجلًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم معه أعمال كأمثال الجبال من الحسنات، فهذا قيام ليل وهذا صيام رمضان، وهذه صدقات وتلك قراءة للقرآن، وفجأة يجعلها الله تعالى هباءً منثورًا، ترى ما الذي ضيعها، اسمع إلى كلام نبيك صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «‌لَأُلْفِيَّنَ ‌أَقْوَامًا ‌مِنْ ‌أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ هَبَاءً مَنْثُورًا», فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا لِكَيْ لَا نَكُونُ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»[7].       إذا أغلقت دونك الباب، واسْدِلت على نافذتك الستائر، وغابت عنك أعينُ البشر، فتذكر مَنْ لا تخفى عليه خافية، تذكر من يرى ويسمع دبيبَ النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، جل شأنه وتقدس سلطانه، أخشى بارك الله فيك أن تَزِلَّ بك القدم بعد ثوبتها، وأن تنحرف عن الطريق بعد أن ذقتَ حلاوته، واشرأبَّ قلبك بلذته؛ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "أجمع العارفون بالله بأن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وأن عبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات".       فهل يفرط موفَّقٌ بصيد اقتنصه، وكنز نادر حَصَّله؟ احذر سلمك الله، فقد تكون تلك الهفوات المخفية سببًا لتعلُّق القلب بها؛ حتى لا يقوى على مفارقتها، فيُختمَ له بها، فيندمَ ولات ساعة مندمٍ؛ يقول ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله: "خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس".       خامسًا: احذر الغدر فإنه فضيحة يوم القيامة:   أخي في الله، إذا أردت أن تقي نفسك نارًا حرُّها شديد وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد، يوم أن ترجع إلى الله تعالى، فاحذر الغدر فإنه فضيحة على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ‌يُرْفَعُ ‌لِكُلِّ ‌غَادِرٍ ‌لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ"[8].       والغادر: الذي يواعد على أمر ولا يفي به، واللواء: الراية العظيمة لا يمسكها إلا صاحبُ جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعًا له، فالغادر تُرفع له راية تسجل عليها غدرته، فيُفضَح بذلك يوم القيامة، وتجعل هذه الراية عند مؤخرته؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ ‌عِنْدَ ‌اسْتِهِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ»[9].       وكلما كانت الغدرة كبيرة عظيمة، ارتفعت الراية التي يُفضَح بها في يوم الموقف العظيم؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا ‌غَادِرَ ‌أَعْظَمُ ‌غَدْرًا ‌مِنْ ‌أَمِيرِ عَامَّةٍ»[10].   سابعًا: لا تظلم أحد لأنك إلى الله تعالى راجع:   أحبتي في الله، إذا علمنا أننا إلى الله تعالى راجعون، وأننا عن أعمالنا مسؤولون، وجب علينا أن نتحلل من المظالم قبل أن نرجع إلى الله تعالى، فالظلم ظلمات يوم القيامة.       فتوهَّم نفسك عبد الله وأنت واقف بين يدي الله، انظر إلى هؤلاء الذين شخصت أبصارُهم، وصارت أفئدتهم هواءً، يسألون الرجعة فلا يجابون، ترهَق وجوههم الذلة.       أيها الموحِّدون، تدبَّروا معي هذا المشهد الذي يخلع القلب، تدبَّروا الحديث، عيشوا مع هذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب إن تدبرناه ووعيناه، تصوَّر معي هذا المشهد في أرض المحشر، ها هو الظالم في أرض المحشر يقف بين يدي الله في ذلٍّ وخشوع وانكسارٍ، لا يرتد إليه طرفه، شخص ببصره، لا يلتفت أعلى ولا أسفل ولا يَمنة ولا يَسرة، لا يرتد إليه طرفه، وقفز قلبه من جوفه! الشمس فوق الرؤوس، تكاد حرارتها تصهَر العظام، والزحام يكاد يخنق الأنفاس، والعرق يكاد يغرق الناس، وجيء بجهنم ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها! تزفر وتُزمجر غضبًا لغضب الجبار جل وعلا، فإن الله قد غضب في هذا اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، في هذه اللحظات ومع هذا الهول يرى الظالم نفسه وقد أحيط بمجموعة من الناس، من أنتم؟! من هؤلاء؟! هؤلاء هم الذين ظلمهم في الدنيا! ظلم من ظلم ونسِي! فيتعلق المظلومون بالظالم، يتعلق كلُّ مَن ظلمته بك يوم القيامة، يجرونه جرًّا ليوقفوه بين يدي الله جل وعلا، هذا يتعلق به من يده، وهذا يجره من ظهره، وهذا يَجُرُّه من لحيته، يتعلقون به ليوقفوه بين يدي الملك جل جلاله، فإذا ما وقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وأذن الله لدواوين المظالم أن تُنْصَبَ، وللقصاص أن يبدأ، يقول هذا: يا رب، هذا شتمني، والآخر يقول: يا رب، ظلمني، والآخر يقول: يا رب، اغتابني، والآخر يقول: يا رب، غشَّني في البيع والشراء، والآخر يقول: يا رب، وجدني مظلومًا وكان قادرًا على دفع الظلم، فجامل ونافق الظالم وتركني، والآخر يقول: يا رب، جاورني فأساء جواري، سترى كل من عاملته في الدنيا - نسيته أو تذكَّرته - قد تعلق بك بين يدي الله جل وعلا، كلٌّ يطالب بحقه، وأنت واقف يا مسكين! ما أشد حسرتك في هذه اللحظات، وأنت واقف على بِساط العدل بين يدي رب الأرض والسماوات، إذا شوفِهت بخطاب السيئات، وأنت مفلس عاجز فقير مهين، لا تملك درهمًا ولا دينارًا، لا تستطيع أن ترد حقًّا، ولا تملك أن تبدي عذرًا، فيقال: خذوا من حسناته إلى من ظلمهم في الدنيا، تنظر إلى صحيفتك التي بين يديك، فتراها قد خلت من حسنات تعِبتَ في تحصيلها طول عمرك، فتصرخ وتقول: أين حسناتي؟! أين صلاتي؟! أين زكاتي؟! أين دعوتي؟! أين علمي؟! أين قرآني؟! أين بري؟! أين عملي الصالح؟! أين طاعاتي؟! فيقال: نقلت إلى صحائف خصومك الذين ظلمتهم في الدنيا! وقد تفنى حسناتك ويبقى أهل الحقوق ينادون الله جل وعلا أن يعطيهم حقَّهم من الظالم، فيأمر الحق سبحانه أن يؤخذ من سيئات من ظلمتهم في دنياك لتُطرح عليك، فتصرخ وتقول: يا رب، هذه سيئات والله ما قاربتها، والله ما عملتها، فيقال لك: نعم، إنها سيئات من ظلمتهم في الدنيا، فتمد عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعلك تنجو في هذه اللحظات ولست بناجٍ؛ لأن الله قد حرم الظلم على نفسه، وحرَّم الظلم على العباد، فيقرع النداء سمعك ويخلع قلبك؛ قال الله جل وعلا: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [إبراهيم:42-52].       ثامنًا: احذر أن تُطرَد من حوض صاحب الشفاعة صلى الله عليه وسلم:   يا من يعلم أنه إلى الله راجع، احذر كل الحذر أن تُطرد من حوض صاحب الشفاعة - صلى الله عليه وسلم - توهَّم نفسك الآن وأنت واقف على حوض صاحب الحوض، والناس قد لهثت ألسنتهم من شدة العطش، والحبيب - صلى الله عليه وسلم - يسقي أصحابه، وبينما هو كذلك إذا رأيت الملائكة تَطرُد أقوامًا من على الحوض؛ ينظر النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة إليهم وهم يطردون، تُرى ما الخطأ أو الذنب الذي وقع فيه هؤلاء؟ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ‌سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ‌ثُمَّ ‌يُحَالُ ‌بَيْنِي ‌وَبَيْنَهُمْ»)[11].       تاسعًا: الخوف من الله:   معاشر الموحدين، إن الخوف من الله تعالى ومن سخطه، يحمل الإنسان منا على طاعة الله تعالى، والمسارعة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، فالخوف سوطٌ تُساق به النفوس الشاردة عن بابه - سبحانه وتعالى - وهو شرط الإيمان؛ كما أخبر بذلك الملك الديان: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175].       فهيَّا إخوة الإسلام لنرى كيف سيكون الخوف من الله تعالى سبيلًا من سبل النجاة، فالخوف من الله يرفع الخوف عن الخائف يوم القيامة؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا قَالَ: "‌وَعِزَّتِي ‌لَا ‌أَجْمَعُ ‌عَلَى ‌عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَأَمْنَيْنِ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أخفته يوم القيامة"[12].       عاشرًا: كن من أهل سورتي البقرة وآل عمران:   في ذلك اليوم العظيم العصيب الشديد، والقرآن ظل لأصحابه، بل سورة البقرة وآل عمران تظلان صاحبهما يوم القيامة؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌اقْرَؤُوا ‌الزَّهْرَاوَيْنِ: ‌الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ؛ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "اقْرَؤُوا الْبَقَرَةَ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ"[13]؛ أي: تظلان من قرأهما وحفِظهما، وعقَل معناهما وعمل بهما، فلك من أجر الظل في البقرة وآل عمران بقدر ما معك من مصاحبتهما.       [1] زهرة التفاسير (2/ 1062). [2] أخرجه أحمد (2/ 27) (4806) و(2/ 36) (4934) و(2/ 100) (5755) قال: حدثنا عبد الرزاق. وفي (2/ 37) (4941). والترمذي (3333) انظر: الصحيحة (1081) [3] رواه مسلم (1827)، وابن منده في «الرد على الجهمية» رقم (73). [4] أخرجه الدارمي (2757)، ومسلم (2566)، وابن حبان (574)، والبيهقي في "الشعب" (8990)، والبغوي (3462). [5] أخرجه أحمد (5/ 343، رقم 22957) والطبراني (3/ 290، رقم 3433) قال الهيثمي (10/ 276): رجاله وُثِّقوا. [6] إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (6/ 87). [7] أخرجه ابن ماجه (2/ 1418، رقم 4245)، قال البوصيري (4/ 246): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، والروياني (1/ 425، رقم 651)، وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (5/ 46، رقم 4632). [8] أخرجه البخاري (5/ 2285، رقم 5823)، ومسلم (3/ 1359، رقم 1735). [9] أخرجه مسلم (3/ 1361، رقم 1738)، وأبو يعلى (2/ 441، رقم 1245). [10] أخرجه مسلم (3/ 1361، رقم 1738)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (2/ 419، رقم 1213).   [11] أخرجه البخاري (7050) و(7051) وأخرجه مسلم (2290) و(2291).   [12] أخرجه أيضًا: ابن حبان (2/406، رقم 640)، والدارقطني في العلل (8/38، رقم 1396).   [13] صحيح مسلم (1/ 553 رقم 804).   السيد مراد سلامة صيد الفوائد  
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181873
    • إجمالي المشاركات
      2535050
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93116
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    شرين حاتم
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏ أخبروهم بالسلاح الخفي القوي الذي لا يُهزم صاحبه ولا يضام خاطره، عدته ومكانه القلب، وجنوده اليقين وحسن الظن بالله، وشهوده وعده حق وقوله حق وهذا أكبر النصر، من صاحب الدعاء ولزم باب العظيم رب العالمين، جبر خاطره في الحين، وأراه الله التمكين، ربنا اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات وارحم المستضعفات في فلسطين وفي كل مكان ..

×