اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56602
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109826
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180337
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259969
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23495
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8146
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32128
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4158
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25482
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30242
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52880
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19524
      مشاركات
    4. 6677
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47547
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97000
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36822
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31797
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4882
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16433
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29717
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12927
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41312
      مشاركات
    2. 33893
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91724
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32192
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34856
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35770 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • الهدف من الخطبة:     تذكير الناس وتعليق قلوبهم بالدار الآخرة، واستحضار هذه الصحائف، وبيان أقسام هذه الدواوين، والتحذير من الشرك، ومن المظالم بين العباد، وفرصة التحلُّل منها قبل الممات.         مقدمة ومدخل للموضوع:     أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾ [الإسراء: 13]، مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهو تطايُر الصُّحُف، ونَشْر الدواوين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ [التكوير: 10]، مشهد يتخلَّى فيه القريب عن قريبه، والحبيب عن حبيبه؛ فعن أُمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت النار فبكَتْ، وقالت: يا رسول الله، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما في ثلاثة مواضع فلا يذكر أحدٌ أحدًا...)) وذكر تطايُر الصُّحُف ((حتى يعلم أيأخذ كتابه بيمينه أم بشماله.....))؛ الحديث.       فما من عبد إلَّا وله صحائف قد دُوِّنت فيها جميعُ أعماله؛ كما قال الله تعالى: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ﴾ [الجاثية: 29]،كتاب ليس من تدوين البشر حتى يعتريه الخطأ والجهل والنسيان، أو الظلم والمحاباة؛ كما قال الله تعالى: ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 11، 12]، وقال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، كتاب يحوي جميع أعمال العبد من التكليف إلى الوفاة؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30]، وقال تعالى: ﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [القيامة: 13]، وقال تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]، كتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا أحصاها، فقد سجَّلَتْ فيه الملائكةُ جميعَ أعمال العباد صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [الكهف: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ [القمر: 53]، الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: 160]؛ بل مجرد الهَمِّ بالحسنة فتكتب حسنة كاملة؛ كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ الحسنات والسيئات ثمَّ بيَّن ذلك....)).       وينقسم الناس عند تطايُر الصُّحُف إلى فريقين لا ثالث لهما: آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، فيأتي يوم القيامة يحمل هذه الصحائف والأعمال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ [الأنعام: 31] ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً ﴾ [النحل: 25].         وأقسام الدواوين ثلاثة:     1- قسم لا يغفره الله أبدًا لمن مات عليه.   2- قسم لا يُبالي الله به، فإن شاء غفر، وإن شاء عذَّب.   3- قسم لا يترك الله منه شيئًا، وهو المتعلِّق بحقوق الآخرين.       أولًا: القسم الذي لا يغفره الله أبدًا لمن مات عليه، وهو الشرك بالله: فهو الذنب الذي لا يُغفَر، والكسر الذي لا يُجبَر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 48]؛ بل إنه يحبط ما في الصحائف من أعمال إذا خالطها؛ فقد توجَّه الخطاب إلى أفضل البشر وإلى سيِّد الموحِّدين صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: 65]، حتى ولو كان يسيرًا فإن صاحبه على خطر عظيم، واسمع لهذا الخبر الذي يرويه سلمان الفارسي رضي الله عنه، والذي صحَّحَه الألباني موقوفًا كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة: ((دَخَلَ رَجُلٌ الْجَنَّةَ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ! قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، فَقَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا! فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّارَ، وَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا! قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ الْجَنَّةَ)).       فإذا أفسد العمل وأحبطه صار صاحبه من الخالدين فى النار؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72].       ثانيًا: القسم الذي لا يُبالي الله به، فإن شاء غفر، وإن شاء عذَّب: وهو كل ذنب دون الشرك، فإن تاب منه قبل موته، فإن الله يتوب عليه ويغفره له؛ بل ويُبدِّله حسنات إذا أخلص فى توبته؛ كما قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ [الفرقان: 70].       ومن رحمة الله تعالى أنه هيَّأ لعباده المذنبين أسبابًا وأبوابًا للمغفرة؛ مثل: التوبة، والاستغفار، والحسنات المكفِّرة، والصلاة، وغيرها من الأسباب.       نسأل الله العظيم أن يجعلنا من أصحاب اليمين.       الخطبة الثانية     مع القسم الثالث: وهو الذي لا يترك الله منه شيئًا، وهو المتعلِّق بحقوق الآخرين، وهذا من تمام كمال عدله سبحانه وتعالى، وهذه الحقوق نوعان: عينية، ومعنوية:       فأمَّا الحقوق العينية فمن صورها:     1- أخذ أموال الناس بالباطل بمنع ما يجب، أو فعل ما يضُرُّ بمال الغير؛ كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي أُمامة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ)).       2- المماطلة في الديون؛ كما في الحديث الصحيح: ((مَن ماتَ وعليه درهمٌ أو دِينارٌ قُضِيَ مِن حَسَناتِهِ))، والأحاديثُ كثيرةٌ في التحذير من المماطلة.       3- التعدي على الغير بالضرب والتعذيب بدون وجه حق؛ وقد جاء في الحديث: ((لتؤدون الحقوق إلى أهلها..))، وفي الحديث: ((مَن ضَرَبَ بِسَوْطٍ ظُلْمًا اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة)).         وأمَّا الحقوق المعنويَّة، فمن صورها:     1- ظلم العباد في دينهم، وإفسادهم وإضلالهم، ونَشْر الفاحشة فيهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [النحل: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ [سبأ: 31].       2- الغيبة والقذف والشتم والسب؛ وهذه من أشدِّ ما يكون خطرًا، وتأمَّل هذا الحديث الذي يُبيِّن لنا خطورة انتهاك الأعراض: ((أتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِس..))؛ ولذلك جاء الإرشاد النبوي بالتحلُّل من المظالم قبل الممات: ((مَنْ كانَتْ له مَظْلمةٌ لأحَدٍ مِن عرضه أو شيء فليتحلَّله منه اليوم......)).         كيف يُتحَلَّل من هذه الحقوق؟     أمَّا الحقوقُ العينيةُ فإنها تُرَدُّ بعينها، وأمَّا الحقوقُ المعنويةُ من الغيبة والشتم، فإن كان يعلمها فإنه يستسمحه ويتحلَّل منه، وإلَّا فإنه يدعو، ويستغفر له، ويذكر محاسِنَه.       نسأل الله أن يشرح صدورنا بصحائفنا، وأن يغفر لنا تقصيرنا.         ملحوظة:     الكلام عن الحقوق المتعلِّقة بالآخرين مُهِمٌّ جدًّا لا سيَّما في زمان الماديات والتنافُس على الدنيا، وتهاوُن الكثير في حقوق الآخرين التي قد تختلف من مكان إلى آخر، وأيضًا صور هذه المظالم.   رمضان صالح العجرمي   شبكة الاوكة
    • {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)}

      إنهم افتروا على الله الكذب عندما فعلوا ذلك: نسوا حظاً مما ذكروا به، وكتموا بعضاً من الكتب المنزلة إليهم، وحرفوا الآيات المنزلة إليهم، وجاءوا بأقوال من عندهم ونسبوها إلى الله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عنهم: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

      إن الحق يتوعدهم بالعذاب لأنهم باعوا الدين لقاء ثمن قليل في الدنيا، وادعوا على الله الكذب فنسبوا إليه ما لم ينزله، ولذلك فالويل كل الويل لهم؛ لإنهم انحطوا إلى أخس دركات الظلم وكذبوا الكذب المتعمد في كلية ملزمة وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة والرسل.

      والافتراء هو الكذب المتعمد بغرض نسبة شيء إلى الله لم يقله، وهم قد فعلوا ذلك، ولهذا لا يفلح الظالمون سواء ظلموا الناس بأخذ أموالهم أو الإساءة إليهم، أو ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وهو أعظم الظلم {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
       



      {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)}

      الحق سبحانه يذكرنا بيوم الحشر، يوم يسأل الله الذين أشركوا وكذبوا وافتروا الكذب على الله: أين الذين عبدتموهم وأشركتموهم معي؟ إن الله لن يترك الناس سدى، بل كل عمل يفعله الإنسان في الدنيا محصى عليه وسيسأل عنه يوم القيامة. سيسأل الله المشركين عن الذين عبدوهم من دون الله كذباً: أين هؤلاء الآلهة التي أشركها الكافرون في العبادة مع الله؟ ولماذا لا يتقدمون لإنقاذ عبيدهم من العذاب الذي يصليه الله لهم؟! ويقرع سبحانه المشركين، ويحشرهم مع ما عبدوهم من دون الله من الأصنام والأوثان وفي ذلك قمة الإهانة لهم ولتلك الآلهة.



      {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}

      ونعرف أن الفتنة هي الاختبار. وللفتنة وسائل متعددة؛ فأنت تختبر الشيء لتعرف الرديء من الجيد، والحقيقي من المزيف. ونحن نختبر الذهب ونفتنه على النار وكذلك الفضة. وهكذا نرى أن الفتنة في ذاتها غير مذمومة، لكن المذموم والممدوح هو النتيجة التي نحصل عليها من الفتنة؛ فالامتحانات التي نضعها لأبنائنا هي فتنة، ومن ينجح في هذا الامتحان يفرح ومن يرسب يحزن. إذن فالنتيجة هي التي يفرح بها الإنسان أو التي يحزن من أجلها الإنسان، وبذلك تكون الفتنة أمراً مطلوباً فيمن له اختيار. وأحياناً تطلق الفتنة على الشيء الذي يستولي على الإنسان بباطل.

      إن الحق يحشر المشركين مع آلهتهم التي أشركوا بها ويسألهم عن هذه الآلهة فيقولون: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وهم في ظاهر الأمر يدافعون عن أنفسهم، وفي باطن الأمر يعرفون الحقيقة الكاملة وهي أن المُلْك كله الله، ففي اليوم الآخر لا شركاء لله؛ ذلك أنه لا اختيار للإنسان في اليوم الآخر. ولكن عندما كان للإنسان اختيار في الدنيا فقد كان أمامه أن يؤمن أو يكفر. وإيمان الدنيا الناتج عن الاختيار هو الذي يقام عليه حساب اليوم الآخر، أما إيمان الاضطرار في اليوم الآخر فلا جزاء عليه إلا جهنم لمن كفر أو أشرك بالله في الدنيا. ولو أراد الله لنا جميعاً إيمان الاضطرار في الدنيا لأرغمنا على طاعته مثلما فعل مع الملائكة ومع سائر خلقه.

      لقد قهر الحق سبحانه كل أجناس الوجود ما عدا الإنسان، وكان القهر للأجناس لإثبات القدرة، ولكن التكريم للإنسان جاء بالاختيار ليذهب إلى الله بالمحبة.
      والمشركون بالله يفاجئهم الحق يوم القيامة بأنه لا إله إلا هو، ويحاولون الكذب لمحاولة الإفلات من العقوبة فيقولون: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. وهم قد كذبوا بالله في الحياة فعلاً ويريدون الكذب على الله في اليوم الآخر قولاً، ولكن الله عليهم بخفايا الصدور وما كان من السلوك في الحياة الدنيا، ويوضح لهم في الآخرة أعمالهم ويعاقبهم العقاب الأليم.

      وحين يسألهم الحق: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ}؟ ففي هذا القول استفهام من الله، والاستفهام من العليم لا يقصد منه العلم، وإنما يقصد به الإقرار مِن المسئول. وفي حياتنا اليومية يمكننا أن نرى السؤال من التلميذ لأستاذه؛ ليعلم التلميذ ما يجهل. ونرى السؤال يرد مرة بعد أخرى من الاستاذ لتلميذه لا ليعلم ما لم يعلم، ولكن ليقرر التلميذ بما يعلمه وبما تعلمه من أستاذه. فإذا سأل الحق خلقه سؤالاً، أيسألهم سبحانه ليعلم؟ حاشا لله أن يكون الأمر كذلك. وإنما يسأل الحق عباده ليكون سؤال إقرار. والإقرار هنا فيه تبكيت أيضاً؛ لأنه سؤال لا جواب له، فمعاذ الله أن يوجد له شركاء. وعندما يقول الحق لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ}؟ فمعنى ذلك هو الاستبعاد أن يوجد له سبحانه شركاء.
      وبذلك يوبخهم ويبكتهم الحق على أنهم أشركوا بالله ما لا وجود له.
      لقد أشركوا بالله في الدنيا لمجرد التخلص من موجبات الإيمان. وها هم أولاء في المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا معبود سواه، فينطقون بما يشهدون: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}.

      ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن الله يقول في حق مثل هؤلاء: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 34-36].
      إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا أعذاراً أو اعتذاراً. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون: إنهم بالفعل لا ينطقون قولاً يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة البالغة والحيرة، بل إن بعضاً من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون قد صنع شيئاً استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا من اختراعات، ولذلك يقول الحق: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39].

      وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما أن يقترب منه حتى يجده غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئاً يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا الإنكار لون من الكذب.
      إن المشركين يكذبون، ويقول الحق سبحانه عنهم: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون} [المجادلة: 18].

      وحين يبعثهم الحق يوم القيامة يقسمون له أنهم كانوا مؤمنين كما كانوا يقسمون في الدنيا، لكن الله يصفهم بالكذب، لقد كان بإمكانهم أن يدلسوا على البشر بالحلف الكاذب في الدنيا، ولكن ماذا عن الله الذي لا يمكن أن يدلس عليه أحد.
      وهكذا نرى أن فتنة هؤلاء هي فتنة كبرى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23].
       





      {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)}


      ويلفت الحق نظر رسوله صلى الله عليه وسلم بدقة إلى عملية سوف تحدث يوم القيامة، وساعة يخبر الله بأمر فلنصدق أنه صار واقعاً وكأننا نراه أمامنا حقيقة لا جدال فيها. وسبحانه يقرر أنهم كذبوا على أنفسهم. ونعرف أن كل الأفعال تتجرد من زمانيتها حين تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، فليس عند الله فعل ماضٍ أو حاضر أو مستقبل.

      والمثال على ذلك قوله الحق: {أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1].
      وليس لقائل أن يقول: كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ماضٍ، ثم ينهى العباد عن استعجاله، والإنسان لا يتعجلُ إلا شيئاً لم يحدث، ليس لقائل أن يقول ذلك؛ لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شيء يعوق الحق أن يفعل ما يريد. أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف نفعله غداً إننا فعلناه، ذلك أن غداً قد لا يأتي أبداً، أو قد يأتي الغد ولا نستطيع أن نفعل شيئاً مما وعدنا به، أو قد تتغير بنا الأسباب. وعلى فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئاً دون أن يشاء الله؟. ونحن- المؤمنون- نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما عملنا الله: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 23-24].

      وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب. وحينما يقول الله لرسول: (انظر) ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر فيه؛ فرسول الله يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر. إن الحق يصف هؤلاء الناس بأنهم: {كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ} أي أن كذبهم الذي سوف يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل. وقد يكذب الإنسان لصالحه في الدنيا. لكن الكذب أمام الله يكون على حساب الإنسان لا له.
      ويتابع الحق: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ومعنى هذا أنهم يبحثون في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنّهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء لأنهم قالوا أمام الله: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وغياب الشركاء عنهم أمام الله هو ما يوضحه ويبينّه قول الله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} ف (ضل) هنا معناها (غاب).
      ألم يقولوا من قبل: {وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة: 10].
      أنهم كمنكرين للبعث يتساءل باندهاش: أإذا غابوا في الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد؟. فهم لا يصدقون أن الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى. ونعرف أن كلمة (ضل) لها معانٍ متعددة.
      لكن معناها هنا (غاب)، وحين يسألهم الله: أين شركاؤكم؟، ينكرون كذباً أنهم أشركوا، لقد ضل عنهم- أي غاب عنهم- هؤلاء الشركاء. والإنسان يعبد الإله الذي ينفعه يوم الحشر، وعندما يغيب الآلهة عن يوم الحشر فهذا ما يبرز ضلال تلك الآلهة وغيابها وقت الحاجة إليها، ولا يبقى إلا وجه الله الذي يحاسب من أشركوا به.

      و(ضل) يقابلها (اهتدى)، و(ضل) أي لم يذهب إلى السبيل الموصلة للغاية، و(اهتدى) أي ذهب إلى السبيل الموصلة إلى الغاية. ومن لا يعرف السبيل الموصلة إلى الغاية، يكون قد ضل أيضا، ولكن هناك من يضل وهو يعلم السبيل الموصلة إلى الغاية وهذا هو الكفر. وعندما يتكلم الحق عن الذين كفروا يصفهم بأنهم ضلوا ضلالاً بعيداً؛ لأن الطريق إلى الهداية كان أمامهم ولم يسلكوه، وهذا هو ضلال القمة. وقد يكون الإنسان مؤمناً لكن مقومات الإيمان ضعيفة في نفسه فيعصي ربه.

      ويقول الحق عن مثل هذا الإنسان: {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36].
      إنه ضلال دون ضلال وكفر دون كفر القمة. لكن ماذا عن الذي يضل لأنه لا يعرف طريق الهدى؟ إن ذلك هو ما يظهر لنا من قصة سيدنا موسى عليه السلام، فحين قال الحق لموسى وهارون عليهما السلام: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16-17].
      أصدر الحق الأمر إلى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ليرسل معهما بني إسرائيل، فماذا عن موقف فرعون؟. ماذا قال فرعون؟: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الكافرين} [الشعراء: 18-19].
      هنا يريد فرعون أن يمتن على موسى عليه السلام، ويذكره بأنه رباه في قصره إلى أن كبر ومع ذلك لم يرع موسى وقتل رجلاً من قوم فرعون، وكان ذلك في نظر فرعون لوناً من الجحود بنعمته، وها هوذا يعتدي مرة أخرى على ألوهية فرعون بدعوته للإيمان بالإله الحق الذي لا يتخيله الفرعون، ويلتقط موسى الخطأ الجوهري في سلوكه في ذلك الوقت. إن الخطأ لم يكن الكفر بفرعون، ولكن الخطأ كان هو القتل فيقول: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين} [الشعراء: 20].

      وهكذا نعرف أن موسى لحظة قَتْلِه رجلا من عدوه لم يكن عنده طريق الهدى، بل كان ضلاله حاصلا من عدم معرفته أن هناك طريقاً آخر إلى الهدى. وهاهوذا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى} [الضحى: 7].
      أي لم يكن عندك يا رسول الله طريق واضح إلى الهدى قبل الرسالة، فليس معنى الضلال هنا الانحراف، ولكن معناه أنه قبل نزول الوحي لم يكن يعرف أي طريق يسلك.
      وقد يكون الضلال نسياناً، وما دام الإنسان قد نسي الحقيقة فهو ضال، والمثال قول الحق: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة: 282].
      هنا يقرر الحق أن شهادة المرأة تحتاج إلى ضمان وذلك بتأكيدها بشهادة امرأة أخرى؛ لأن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضع أنفها في كل تفاصيل ما تراه، بل هي تسمع سمعاً سطحياً، ولذلك لا تكتمل الصورة عندها، وعندما تجتمع مع شهادة المرأة شهادة امرأة أخرى، فكل منهما تذكر الأخرى بتفاصيل قد تكون في منطقة النسيان؛ لأن نفسية المرأة وطبيعة تكوينها مبنية على الصيانة والتحرز من أن توجد في مجتمع فيه شقاق.

      وعندما يصف الحق هؤلاء المشركين في يوم القيامة فهو يقول: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون ويدعون أنهم شركاء لله، والمشركون هم المؤاخذون والمحاسبون على اتخاذ الشركاء، فقد يكون بعضهم قد اتخذ شريكاً لله لا ذنب له في تلك المسألة، كاتخاذ بعضهم عيسى عليه السلام شريكاً لله. وعيسى عليه السلام منزه عن أن يشرك بالله أو يشرك نفسه في الألوهية. والحق قد قال: {وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب} [المائدة: 116].
      بل إن الأصنام نفسها التي اتخذها المشركون أرباباً تقول: عبدونا ونحن أعبد الله من القائمين بالأسحار.

      إذن فالخطأ يكون ممن أشركوا بالله لا من الأحجار العابدة لله المسبحة له لأنها مسخرة وميسرة لما خلقت له. لقد تخيل أحد الشعراء حواراً دار بين غار ثور وغار حراء، يقول غار ثَوْر:
      كم حسدنا حراء حين ثوى الرو ** ح أميناً يغزوك بالأنوار

      وعندما أذن الحق بالهجرة اختبأ النبي بغار ثَوْر، فقالت بقية الأحجار:
      فحراءٌ وثورُ صَارا سواءً ** بهما أشفع لدولة الأحجار

      عبدونا ونحن أَعْبَدُ لِلّهِ ** من القائمين بالأسحار

      تخذوا صمتنا علينا دليلا ** فغدونا لهم وقود النار

      قد تَجَنّوْا جهلاً كما قد تجنَّـ ** ـوْهُ على ابْنِ مريم والحواري

      للمُغالِي جزاؤُه والمغالي ** فيه تُنْجيه رحمةً الغفارِ

      إذن، فها هي ذي الحجارة تقول: إنها بريئة من الشرك بالله وهي أعبد لله من القائمين بالأسحار، وصمت الحجارة الظاهر اتخذه البعض دليلاً على أن الحجارة رضيت بأن يعبدوها، لكن الحجارة تصير هي أحجار جهنم المعدة لمن كفر بالله، وكان التجني من العباد على الأحجار مثل التجني على عيسى ابن مريم. والذين غالوا في عبادة الأحجار أو البشر لهم عقاب، أما الأحجار والبشر الذين لا ذنب لهم في ذلك فهم طامعون في مغفرة الله ورحمته.
      إذن فالضلال هنا يكون ضلال الذين اتخذوا شريكاً لله. ولكن الشريك المُتَّخَذ لا يقال له: ضل إلا على معنى أنه غاب عنهم في يوم كان أملهم أن يكون معهم ليحميهم من عذاب الله.


      نداء الايمان    
    • عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ( 2 ) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشَى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) . وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي صلى الله عليه ويتعلم منه.
      وجاءه رجل من الأغنياء، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم [ وأصغى ] إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: ( عَبَسَ ) [ أي: ] في وجهه ( وَتَوَلَّى ) في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال عليه، فقال: ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ ) أي: الأعمى ( يَزَّكَّى ) أي: يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة؟
      ( أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ) أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك الذكرى.
      وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك ، هو الأليق الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر.
      فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه: « لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة » وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه أزيد من غيره.   كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرَامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ( 27 ) وَعِنَبًا وَقَضْبًا ( 28 ) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ( 29 ) وَحَدَائِقَ غُلْبًا ( 30 ) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ( 32 ) . يقول تعالى: ( كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) أي: حقا إن هذه الموعظة تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك ( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ) أي: عمل به، كقوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
      ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال: ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ ) القدر والرتبة ( مُطَهَّرَةٍ ) [ من الآفاق و ] عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) وهم الملائكة [ الذين هم ] السفراء بين الله وبين عباده، ( كِرَامٍ ) أي: كثيري الخير والبركة، ( بَرَرَةٍ ) قلوبهم وأعمالهم.
      وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا وهذا مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا كفورا، ولهذا قال تعالى: ( قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) لنعمة الله وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه الظاهرة والباطنة.
      ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) أي: يسر له الأسباب الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، [ وبينه ] وامتحنه بالأمر والنهي، ( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، ( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) أي: بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو - مع هذا- لا يقوم بما أمره الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب.
      ثم أرشده تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات عديدة، ويسره له فقال: ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ) أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة.
      ( ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ ) للنبات ( شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا ) أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية ( حبًّا ) وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، ( وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) وهو القت، ( وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ) وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
      ( وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، ( وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
      والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال: ( مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ ) التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.   فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) . أي: إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال.
      ( يَفِرُّ الْمَرْءُ ) من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، ( مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ ) أي: زوجته ( وَبَنِيهِ ) وذلك لأنه ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) أي: قد شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء، فـوجوههم [ يومئذ ] ( مُسْفِرَةٌ ) أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، مما عرفوا من نجاتهم، وفوزهم بالنعيم، ( ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ ) الأشقياء ( يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا ) أي: تغشاها ( قَتَرَةٌ ) فهي سوداء مظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها.
      ( أُولَئِكَ ) الذين بهذا الوصف ( هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) أي: الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه.   نسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم [ والحمد لله رب العالمين ] .
    • الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فللعلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، رحمه الله، مصنفات كثيرة، منها: "السبك الفريد على كتاب التوحيد" وهو شرح لكتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، وفي شرح الشيخ ابن جبرين رحمه الله الكثير من الفوائد، وقد اخترت بعضًا منها، أسأل الله أن ينفع الجميع بها.   أسباب تأثير الرقية الشرعية: ليعلم أن تأثير الرقية الشرعية يكون بحسب إيمان الراقي وصلاح نيته، واستقامته، وسلامة معتقده، وبعده عن المحرمات، فمتى كان الراقي حافظًا لكتاب الله وما تيسر من السنة النبوية، ومشتغلًا بتلاوة القرآن وتدبره، وكان محافظًا على العبادات، مبتعدًا عن المعاصي والمكروهات، يتقرب إلى الله تعالى بعد الفرائض بالنوافل، ويتزود من الحسنات، ويحفظ نفسه وأهله ومنزله من الملاهي والأغاني وأسباب الفساد، وكان سليم الاعتقاد، بعيدًا عن البدع والمحدثات، فإنه بإذن الله يكون لرقيته الأثر الظاهر في شفاء المريض.   ومن أسباب تأثير الرقية أن يجزم المريض بأنها السبب الوحيد لشفاء ما به من ألم، ويعتقد أن القرآن والأدعية النبوية مؤثرة ومفيدة بإذن الله لأهل الإيمان لقول الله تعالى ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، فأما الذي يستعمل الرقية كتجربة قائلًا إن لم تنفع فإنها لا تضر فقلّ أن يستفيد منها وهو الغالب من كثير من الناس حيث يتتبعون القراء ويدفعون الأموال ثم لا يجدون لذلك أثرًا بسبب الشك في تأثيرها أو بسبب ضعف الإيمان[1/181].   أسباب عدم تأثير الرقية: الكثير من أهل الرقية في هذه الأزمنة...جهلاء بحقوق الله تعالى، وبكتابه وشرعه، يتصدى أحدهم للعلاج بالرقية بمجرد ما يسمع آية أو دعاء، ويظن أنه بلغ الذروة، ولهذا يقل تأثير الرقية معهم.   وقد يكون السبب في عدم التأثير كون المريض من أهل المعاصي والفساد، إما بامتلاء منزله من الملاهي وآلات الغناء وإما بما يقترفه من الذنوب ويتركه من الواجبات [182].   من آوى مُحدِثًا: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحدِثًا، لعن الله من غير منار الأرض)؛ [رواه مسلم]   جاء في هذا الحديث اللعن على أربعة أشياء...الثالث: قوله: لعن الله من آوى مُحدِثًا   ورواها بعضهم: (من آوى مُحدَثًا) بفتح الدال، والمحدِث: بكسر الدال، هو العاصي، والمحدَث: بفتح الدال، هو المعصية، ومعنى آواه: نصره، أي: حال بينه وبين أن يقام عليه الحد، أو يؤخذ منه الحق.....   فيجب على المسلم أن يكون مساعدًا لأهل الحق على العصاة، ولا يساعد العصاة على أهل الحق، (فمن آوى محدِثًا) يعني: صار حربًا لله.   ويدخل في قوله: ( من آوى مُحدَثًا ) بالفتح، من دعا إلى المعاصي ومكنها، فإنه قد آوى المحدَث، كمن فتح أبواب العهور والفحش، وسعى في الأسباب التي يتمكن الناس فيها من المحدثات والمنكرات، وسعى في أسباب التبرج، ودعوة النساء إلى أن يتبرجن، ويخلعن جلباب الحياء، أو سعى في تمكين الأغاني والملاهي حتى ينشغل بها الناس، فأتاح الفرصة للمنكرات حتى تنتشر، فهذا قد آوى المحدث، وكذلك من سعى في فتح أماكن الرقص وأماكن الغناء أو أماكن الزنا، أو سعى في حلول الفوضى حتى يختلط الناس، ويخطف بعضهم بعضًا، ويسرق بعضهم بعضًا، ولا يكون هناك قوة تردع، فهذا قد آوى المحدث.   فمن أوى المحدَث بتمكينه من المعاصي بفتح أبوابها فهو مستحق للعن، ومن آوى المحدِث بأن نصر العصاة بالحيلولة دونهم ودون أخذ الحق منهك فقد آوى محدٍثًا [222].   الاستعاذة بالله فيها الخير الكثير: أفادنا هذا الحديث أيضًا أن الاستعاذة لها أهميتها، وأن الإنسان متى كان خائفًا من وحوش، أو هوام، أو من اللصوص، أو نحو ذلك، فاستعاذ بهذه الاستعاذة، فإن الله تعالى يحميه، ويحفظه، إذا قال: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.) فهي جملة قصيرة فيها خير كثير.   الحاصل أن الاستعاذة بالله تعالى فيها الخير، وفيها الفائدة العظيمة، وذلك لأن الله تعالى إذا علم من عبده صدق اللجوء إليه، وعلم أنه ما استعاذ به إلا وقد عظم قدر ربه في قلبه، فعند ذلك يعيذه، ويحميه، وينصره من المخاوف.   وهذه فائدة كبيرة يحصلها العبد من آثار هذه الاستعاذة، فإذا أكثر من الاستعاذة من كل الشرور، سواء: أخلاق، أو أعمال، أو شرور المخلوقات المستقلة، فإن الله تعالى ينجينا منها. [1/ 255_256].   الفرق بين الدعاء والاستغاثة: أن الدعاء: يكون من المكروب، وغير المكروب. والاستغاثة: لا تكون إلا من المكروب. والمكروب: هو الذي وقع في شدة وضيق، وحرج ومشقة، فإذا دعا والحال هذه فإن دعاءه يسمى: استغاثة.[1/261]   الروافض يعظمون قبورًا لا حقيقة لها: الروافض... عظموا قبر علي الموجود في ما يسمى بــــ " النجف " مع أنه هذا كذب، فليس هناك قبر لعلي. وأيضًا عظموا قبر الحسين الموجود في ما يسمى بـ " كربلاء " وهذا أيضًا من الكذب.[1/ 387].   قصيدة البردة: وقع...الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم بمدحه، والزيادة في إطرائه، كما في قصيدة البردة المشهورة، وقوله فيها: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تحلى باسم منتقم إن لم تكن في معادي آخذ بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم   ولا يخفى ما في هذه الأبيات من الغلو في مجاوزة الحد، والشرك الصريح، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأن الدنيا والآخرة كلها من جوده، وأنه يعلم ما كتب القلم في اللوح المحفوظ، وأنه ليس له من يلوذ به ويستجير به سوى النبي صلى الله عليه وسلم، فنسي الله تعالى ولاذ بمخلوق. [1/ 363_364]   فوائد أداء النوافل في البيوت: النوافل: الأفضل أن تكون في البيت، وذلك فيه فوائد: أولًا:أن يعمر البيت بذكر الله، ولا يخلو البيت من ذكر الله.   ثانيًا: أنه متى عمّر البيت بالذكر فإنه يكون مطردة للشياطين ومأوى للملائكة والخير.   ثالثًا: أنه يكون قدوة حسنة للزوجة، والصغار، ولأهله إذا رأوه يكثر من النوافل، اقتدوا به في هذه النوافل فأكثروا منها.   رابعًا: تعليم الأهل...كيفية الصلاة فقد يكون بعض الأولاد أو بعض النساء لا يحسن الصلاة...فإذا صلى ولي أمرهم أمامهم في البيت اقتدوا به وتعلموا صفة الصلاة.   خامسًا: أن يكون أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. [1/ 401_402]     الثقة بالله والاعتماد عليه في هزيمة الأعداء: الاعتماد على نصر الله، لا على قوة، ولا سلاح، ولا كثرة، ولا عتاد، ولا شجاعة، ولا مرونة، ولا فراسة، إنما هو الثقة بالله وحده.   ونحن لا نقول: إن هذه الأشياء لا ينبغي استعمالها بل الله أمرنا بأن نستعمل من القوة ما نقدر عليه ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60] وثبت في الحديث تفسير القوة بالرمي، فقال صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) لكن لا تتخذ هي السبب، ولا يعتقد العبد أنها هي الوسيلة للنصر، فالذين مثلًا يقولون: إن أعداء المسلمين يملكون قنابل، ويملكون الطائرات القاذفة، ويملكون من القوة ما لا يملكه المسلمون، وعندهم وعندهم، ويخافون أولئك الأعداء ويعظمونهم في نفوسهم، إنما هذا من الشيطان. ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ [آل عمران: 175] لكن لو كانوا صادقين في إيمانهم ومضوا مقبلين على ربهم، واثقين بنصره، فإنهم لن يخذلوا، ولن ينهزم لهم جيش إذا كانوا صادقين مستعملين ما معهم من القوة، ومع ذلك واثقين بأن النصر بالله تعالى لا بالقوة، بل بالله ثم بقوة الإيمان، ثم الأسلحة، والعتاد، والقوة فهذه مكملة لا أنها أساس في القوة، أو في الصبر[2/195]   الابتلاء في البدن يكون بالأمراض والآلام، وبالهموم والأحزان: العقوبة الدنيوية: تارة تكون في البدن، وتارة تكون في الولد، وتارة تكون في الأهل، وتارة تكون في المال.   فالتي تكون في البدن: تارة تكون بالهموم والأحزان، فيسلط الله على الإنسان الهم والحزن الذي يقلق راحته، وذلك لإرادة الخير له، ليكون ذلك أقوى لإيمانه إذا صبر واحتسب، فيكون ذلك مكفرًا لخطاياه وسيئاته التي اقترفها إذا صبر واحتسب.   وتارة يكون الابتلاء في البدن بالألم والمرض، بأن يمرض، أو تعتاده الأمراض في رأسه، أو في عينيه أو في جوارحه أو في بطنه، أو ظهره، أو أعضائه، أو جلده، أو غير ذلك فتكون هذه الأمراض التي يبتلى بها...من إرادة الله به خيرًا، حيث عجل له العقوبة في الدنيا. [2/224_225]   أقسام الناس في الابتلاء: الناس في الابتلاء أربعة أقسام: القسم الأول: مؤمنون ممتعون في الدنيا بالخير وبالرزق، ولا ينقص ذلك من مرتبتهم بالآخرة.   القسم الثاني: مؤمنون مبتلون في الدنيا بالمصائب والفقر والفاقة، ونحو ذلك، وذلك من ابتلائهم، ومن إرادة الله تعالى بهم خيرًا.   القسم الثالث: كافرون ممتعون في الدنيا، قد قدر لهم العيش الهنيء، والسعة، والأمن، وكثره المال، فهؤلاء مما عجلت لهم طيّباتهم، ولا يدل ذلك على كرامتهم.   القسم الرابع: كفار جمع الله لهم بين الأمريين، بين ضيق الدنيا، وعذاب الآخرة، والكل فيها تحت أمر الله تعالى، والله تعالى أعلم. [2/228_229]   مفاسد الإقامة في بلاد الكفار: ذكر لي كثير من المشايخ، وغيرهم، أن فئامًا وطوائف انتقلوا من بلاد كانت تحكمها الدول الإسلامية، وسكنوا بين بلاد مشركة وكافرة، تمسك الآباء بالإسلام، ولكن ظهر...أولادهم بين الكفار، فلم يعرفوا إسلامًا، فأصبحوا مع من هم بين أظهرهم مشركين، وكفارًا، وملاحدة، ولا دينيين، أو نصارى، أو ما أشبه ذلك، وهذه مفاسد الإقامة بين المشركين، فإنه لو تمسك الأب الذي يعيش مع الكفار بدينه، وحافظ على إسلامه، لم يتمسك ولده، وولد ولده، وهلم جرًا.[1/ 435]   علاج المسحور: المسحور...لو تحصن من الشياطين بالأدعية والعبادات ما ضرته أعمال السحرة، ولا قدروا عليه، وذلك لأن الأدعية والعبادات حصن حصين تمنع من وصول الضرر، ولكن لما وجد الشيطان منه فرجة دخل منها، فأوصل إليه ذلك العمل الشيطاني.   فلا يبطل هذا السحر إلا بالأذكار وبالأدعية، فعليهم أن يذهبوا للرقية إلى إنسان عابد، قارئ، مخلص، موحد، تقي، نقي، بعيد عن الشبهات، بعيد عن أكل الحرام، ونحوه، فإذا عالجه بالقرآن، وبالأدعية المأثورة، فإن عمل الشيطان يبطل _ بإذن الله.....وهذا مشاهد ومجرب، يقرأ الرجل التقي النقي آية من كتاب الله، فيبطل بها عمل الشيطان، ويبطل كل ما يتصل بالشيطان....وهناك أدعية وآيات كثيرة مجربة لإبطال هذا العمل الشيطاني، ومنها مثلًا آيات السحر الثلاث إذا قرأها الإنسان على المسحور بقلب صادق مخلص نفعت بإذن الله وآيات السحر الثلاث، هي: الآية الأولى: قول الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴾ [الأعراف: 117، 122].   الآية الثانية: في سورة يونس، وهي قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُو ﴾ [يونس: 81، 82].   الآية الثالثة: قوله تعالى في سورة طه: [طه:68_69] ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 68، 69]   ومثلها الآيات التي فيها إحقاق الحق وإبطال الباطل، كقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81] وكقوله تعالى: ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 18] وكقوله تعالى: ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [سبأ: 49] وما أشبهها.   وكذلك قراتي سورتي المعوذتين، فإن فيهما تعوذ من الشيطان، فإنه الوسواس الخناس، وكذلك فيهما تعوذ من السحرة، فإنهم النفاثات: ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ [الفلق: 4] وكذلك سورتي الإخلاص فإن فيهما تحقيق العبادة، والتوحيد لله، فـــ ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ [الكافرون: 1] فيها تحقيق العبادة، و: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] فيها تحقيق العقيدة.   كذلك آية الكرسي، فإنها جامعة شاملة لأنواع من التوحيد.   فإذا قرأ هذه الآيات مع إخلاصه، ومع عبادته، ومع ورعه وتقواه، ومع زهده وتقشفه، ومع تقلله من الشهوات، ومع بعده عن المحرمات، فإنه بإذن الله يقبل الله منه، ويحل ذلك السحر، ويبطل عمل الشيطان، لأن الشيطان لا يبقى له عمل مع الحق، والله تعالى أعلم.[2/ 63_64_65]   حلاوة الإيمان: اختلف في هذه الحلاوة: هل هي حلاوة محسوسة، أو حلاوة معنوية؟ فالقول الأول: وعليه الأكثرون أنها حلاوة معنوية.   والقول الثاني: أنها حلاوة حسية، ولعل هذا أقوى القولين: أن للإيمان حلاوة حسية.   وقد يقال: ما كيفية تلك الحلاوة الحسية؟ فنقول: وجدان نشوة في الجسم، ووجدان أريحية وفرح واستبشار وسرور بمثل هذه الأعمال، حيث يجد الإنسان في بدنه كله ارتياحًا والتذاذًا...ويبتهج بالأعمال الصالحة أعظم من الملذات الدنيوية[2/ 143]   فوائد مختصرة: • اعلم أن الأماكن التي يُعصي الله فيها، إذا قصدها المطيع فإنه يفتح للعصاة الأبواب فيقتدون به، ولو كانت نيته الطاعة.[1/ 231]   • الجاهلية: هي الوقت الذي قبل الإسلام، وسموا جاهلية لكثرة جهلهم، أو لأن عباداتهم كلها صادرة عن جهل. [1/234]   • علامة المرائي هي: أنه إذا عمل العمل أمام الناس زاد فيه، وحسنه، وإذا عمله خاليًا لم يحسنه، بل أساء فيه، والعياذ بالله...ويجب على الإنسان أن يتفقد نفسه، هل هو مراءٍ؟ وهل هو طالب لمصالح دنيوية أم لا؟[2/ 238]   • الإيمان بالصفات وإقرارها كما هي، وإمرارها من غير تحريف لها، مما يزيد العبد إيمانًا، ومما يحمله على الأعمال الصالحة، والله تعالى أعلم.[2/ 289]   • من نسب نعمة الله إلى الحول، أو القوة، أو الذكاء، أو الفطنة، ونحو ذلك من الأسباب، ونسي نسبتها إلى مسببها وهو الله تعالى مسبب الأسباب، فإن ذلك يكون سببًا في سلبها، وتكون هذه عقوبة عاجلة له في الدنيا. [2/ 376]       فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ     شبكة الالوكة
    • {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)}

      رسول الله معلوم مقدماً من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم، ولكنّ بعضاً منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول الله فخسروا أنفسهم؛ لأن الخسارة- كما نعرف- هي ضياع لرأس المال أو نقصانه. وهم خسروا أنفسهم لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحها. إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل سلطان الدنيا الزائل على الإيمان بالله، وفي ذلك خيبة كبرى.

      الله يعلمنا أن الإيمان إنما هو كسب للنفس، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك: (لا إله إلا الله) هو سند لعرش الله. لا، إنها سند لك أنت؛ لأنه لا إله إلا هو خَلَق الكون والخَلْقَ بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة، واعتراف الخلق بألوهية الله وحده لا تزيد من كمال الله ولكنها تفيد العباد الذين آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون، لتسير حركة الحياة في ضوء منهج الله فينسجموا مع الكون كله المسبح لله.

      وحين يقول الحق: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20].
      فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في آذانهم لم تكن صيحة مفاجئة للكون، ولكنها صيحة بُشِّر بها على لسان كل رسول، وإذا كان أهل مكة قد بعدت صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل، فهم بجوارهم لأهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه الله عليهم؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قُدْرَةً، ومن غناه سبحانه غِنىً، ومن علمه الكامل علماً، ومن حكمته المطلقة حكمةً، ومن رحمته الكاملة رحمةً، ومن قاهرية الله قهراً؛ لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وُجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة؛ لأن لكل صفة مجالها الذي تعمل فيه.

      وأضرب هذا المثل- ولله المثل الأعلى- نجد الإنسان منا حين يرحم ولده دائماً يفسد الولد وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة، إذن، فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيماً فقط، وإنما يجب أن يكون قاهراً أيضاً؛ لأن الموقف قد يتطلب القهر. ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يطبع خلقه على خلق واحد، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للمواقف المختلفة؛ فالموقف الذي يتطلب رحمة، يكونون فيه رحماء، والموقف الذي يتطلب قسوةوشدة يكونون فيه قساة، ولذلك يقول الحق في المؤمنين: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً} [الفتح: 29].
      إن الحق يحدثنا عن خلق المؤمنين. إنه سبحانه لم يطبعهم على الشدة؛ لأن المواقف قد تتطلب رحمة، ولكن الشدة مطلوبة لمواجهة أهل الباطل. ولم يطبعهم الحق على اللين، لكن اللين مطلوب فيما بينهم؛ لأن كلاً منهم يرجو رحمة الله وفضله؛ ففي الموقف الذي يتطلب رحمة؛ هم رحماء. وفي المواقف الذي يتطلب شدة هم أشداء، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضاً عن المؤمنين: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين} [المائدة: 54].

      ولم يجعل الحق المؤمن ذليلاً على إطلاقه، ولا عزيزاً على إطلاقه، ولكنه جعله ذليلاً على أخيه المؤمن، لين الجانب رحب الأخلاق. وجعله عزيزاً على الكافرين المتأبين على الله.
      إذن، فسبحانه يريد من خَلْقه أن يكونوا على خُلُقِ الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه: (حُسْن الخلق خُلُق الله الأعظم) ورُوِي: (تخلقوا بأخلاق الله).

      إن لله سبحانه وتعالى قدرة حكيمة، فخذوا أيها المؤمنون قدرته واستعملوها بحكمة، ولله علم فحاولوا أن تكونوا عالمين، ولله رحمة فحاولوا أن تكونوا رحماء، والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم أن تكونوا جبارين فافعلوا، لأن سياسة الأرض وسياسة المجتمع قد لا تصلح إلا بهذا.
      وما دام الحق قد أراد من الخلق أن يعمروا هذا الكون فلابد أن يضمن لهم منهجاً سليماً يرتكز على (افعل) ولا (تفعل)، فإن نحن أخذنا منهج الله فنحن نأخذ ما يمكن أن نسميه بالعرف الحاضر: (قانون الصيانة) فلنفعل ما قال الله افعلوا، ولنترك ما قال الله في شأنه لا تفعلوا حتى تؤدي الآلة الإنسانية مهمتها كما يريد الله لها أن تكون.

      إن الفساد إنما ينشأ من أنك أيها الإنسان تنقل الأعمال من نطاق (افعل) إلى نطاق (لا تفعل)، والأعمال التي يجعلها الله في نطاق (لا تفعل) تجعلها أنت في نطاق (افعل). فإن طلب الله أن نقيم الصلاة ب (افعل) فكيف نجعلها في نطاق (لا تفعل) بعدم الصلاة؟، وإن طلب الله منا ألا نشرب الخمر فكيف نشربها إذن؟.
      إن الخلل الإيماني الذي يحدث في الكون إنما ينشأ من نقل متعلقات (افعل) إلى (لا تفعل)، ومن نقل متعلقات (لا تفعل) إلى (فعل)، أما ما لم يَرِد فيه (افعل) و(لا تفعل) فقد ترك الله لاختيارك إباحة أن تفعله أو لا تفعله، لأن الكون لا يفسد بشيء منها.

      وإذا نظرت إلى منهج الله في (افعل) و(لا تفعل) فأنت تجد أن الحق سبحانه لم يقض على حريتك ولم يقض على اختيارك، وإنما ضبطك ضبطاً محكماً فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه.
      وزود الحق كل البشر بهذا المنهج من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة.

      وأخذ سبحانه على نفسه الوعد بعدم تعذيب أمة لم يبعث لها رسولاً، ولذلك توالى الموكب الرسالي. لماذا؟ لأن الغفلة تتمكن من الإنسان؛ فقد يتناسى الإنسان مرة الشيء الذي يحد حركته ويتكرر التناسي إلى أن يصير نسياناً، فيشاء الحق أن يرسل رسولاً لكل فترة لينبه إلى قانون صيانة الإنسان، إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمن الله أمةَ محمد أن تكون هي المبلغة بمنهج الله إلى أن تقوم الساعة. ولذلك أخذ سبحانه من النبيين ميثاقاً للبلاغ عن رسالة النبي الخاتم: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين} [آل عمران: 81].
      إذن فقد أخذ الله العهد على كل نبي أن يبلغ قومه أن يؤمنوا برسالة الرسول الذي توافق دعوته دعوتهم، وأخذ الحق الإقرار من كل نبي على ذلك، وشهد الأنبياء على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوا ذلك إلى أقوامهم. إذن فنصرة النبي الخاتم موجودة في كل رسالة سابقة على الإسلام، وكان على كل رسول أن يعطي إيضاحاً بذلك العهد لقومه، وأن يأخذ عليهم العهد بنصرة الرسول القادم إليهم، ويبلغهم أن من تمام الإيمان أن يؤيِّدوا ذلك الرسول إن هم عاصروه.
      ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت إليهم التوارة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظيمتين اللتين سبقتا الإسلام: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي أنهم يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم بالبشارة به، وبالإخبار عنه، وبالنعت لشكله وصورته، فإذا كان كفار قريش على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب. وقد سمع الأوس والخزرج من أهل الكتاب أن هناك نبياً قادماً سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلون به العرب قتل عاد وإرم. إذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة للكون، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب، هؤلاء الذين جاء فيهم قول الحق سبحانه: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين} [البقرة: 89].
      لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن الله بعضاً من أهل الكتاب، فقد أخذوا، وهم المبلغون عن الله، السلطة الزمنية ورأوا فيها الحظ والجاه والنعيم، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في الدماء، وكذلك يأخذون الصدقات.
      وألفوا حياة السيادة والنعيم. وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه السيادة، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل، إلا أن الدعوة عندما جاءت تزلزت بها سلطتهم الزمنية، ولذلك بدأوا العداء.

      إذن فالآفة هي أخذ سلطة زمنية من باطن سلطة الله ثم يدعي أنها سلطة الله. وعندما ننظر إلى التاريخ الدياني في العالم نجد أن السلطة الزمنية في الأديان التي سبقت الإسلام هي التي أرهقت الكون؛ لأن الحق سبحانه حينما خلق الكون طمر فيه أسراراً تعمل في خدمة الإنسان وإن لم يدر بها الإنسان. وطموحات الإنسان العلمية هي التي تجعله يهتدي إلى هذه الأسرار ويكتشف القوانين التي تعمل بها؛ مثال ذلك قانون الجاذبية وقانون السالب والموجب، كل هذه قوانين موجودة في الكون، تماماً كما خلق الله الأرض كروية وكما جعل الشمس هي مصدر الحرارة والدفء والنور والإشراق.
      ويأخذ العلماء من تلك المقدمات ليصلوا إلى اكتشاف قوانين هذه الأجرام وقوانين هذا الكون. وحين يصل الذكي إلى اكتشاف قانون ما فإنه يقول: لقد اكتشفت كذا، وهذا تعبير فطري دقيق، ولا يقول أبداً: لقد ابتكرت كذا؛ لأنه يعلم أن ما اكتشفه كان موجوداً في الكون ولكن لا يعرفه. وعدم معرفة الإنسان بقانون موجود في الكون لا يمنع الفائدة من الوصول إلى الإنسان، وإن كانت المعرفة بالقانون تزيد من إمكان الإفادة منه.

      فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها من طاقة، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن أن يستفيد بهذه الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها، ولذلك صارت هناك بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية، وصارت هناك بعض المباني تدفيء حجراتها بالطاقة الشمسية وتسخِّن المياه أيضاً بهذه الطاقة. ولم يمنع هذا الاكتشاف أن يستفيد الأمي أو البدوي في الصحراء من نور الشمس. وكذلك الكهرباء، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة منها، مثل استفادة الخبير بها، صحيح أن الأمي لا يعرف كيف تدور المصانع التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التليفزيون. والتليفزيون ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان.
      ولكل سر ميلاد تماماً كميلاد الإنسان. وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث عنه، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة، وكثيراً ما نسمع أن عالماً كان يبحث في مجال ولكنه اكتشف سراً غير الذي كان يبحث عنه. ولذلك يقول الحق في آية الكرسي: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} [البقرة: 255].
      فأنت أيها الإنسان لا تحيط علماً بأسرار الكون إلا إذا أذن الله، وهناك عشرات الآلاف من الأمثلة على ذلك بداية من قاعدة أرشميدس التي تسير عليها البواخر والغواصات، إلى قانون الجاذبية الأرضية الذي اكتشفه نيوتن عندما وقعت تفاحة أمامه بالمصادفة، إلى اكتشاف البنسلين، إلى غير ذلك من أسرار هذا الكون.

      وإذا كانت هناك علوم لها مقدمات، فهناك أيضاً علوم ليس لها مقدمات؛ إن الحق سبحانه وتعالى يقول: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} [الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى عالم الغيب فلا يظهر غيبه لأحد إلا لرسول يختاره الحق ليعلم بعضاً من الغيب، ويحميه الله ويعصمه ويحفظه بالملائكة لتحول بينه وبين وساوس الشياطين وتخليطهم حتى يُبَلِّغ ما أوحىَ به إليه وحين يريد الحق أمراً محكماً لا اختيار لأحد فيه فإنه ينزل به رسولاً إلى الخلق ليهديهم ب (افعل) و(لا تفعل). وهذه مسألة غير متروكة للبحث فيها، ولكنها تأتي بإذن من الله حتى تتعارض أهؤاونا؛ فسبحانه علم أن الأهواء بين البشر قد تتعارض ولا تتساند فيرسل الرسل من عنده سبحانه بالمنهج ليستقيم أمر البشر.

      إن النشاطات الذهنية التي يصل بها البشر إلى أسرار فيها رفاهية الحياة، هي أسرار بنت التجربة والمعمل، والمعمل لا يجامل، فلا توجد كيمياء روسية وأخرى أمريكية، إنما كل قوانين المادة تستنبط في المعمل.. ولذلك نرى الدول تتسابق كلٌّ يحاول أن يسرق ما عند الآخر بواسطة الجواسيس. أما في مجال الحركة الاجتماعية فالدول تقيم سدوداً بينها وبين المبادئ؛ فالغرب لا يسمح بدخول نظريات اجتماعية من الشرق، والشرق لا يسمح بذلك أيضاً. ويختلف هذا الأمر في البحث العلمي؛ فقوانين البحث العلمي عن أسرار الكون يحاول كل طرف امتلاكها. وإن لم يستطع حاول أن ينقلها عن غيره.
      ويعلمنا الحق أن نبحث في كل آيات الكون ولا نعرض عنها، فيقول لنا: {وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105].

      فسبحانه يلفتنا إلى أن كل آية وكل ظاهرة من الظواهر تتطلب منا أن ننظر فيها بحكمة وإمعان؛ لأننا قد نستنبط منها أشياء تريحنا. ومثال ذلك قوة البخار، اكتشفها رجل وطورها آخر حتى صارت تلك القوة البخارية في خدمة البشرية كلها وكذلك الذي اخترع العجلة أفاد البشرية في نقل عشرات الأوزان عليها واختصار زمن الرحلات، كل ذلك إنما جاء من تأمل آيات الله في الكون بإمعان وتدبر. لقد جعل الحق البحث في آيات الكون مشاعاً للمؤمنين والكفار، وهو حق لمن يبحث في أسراره. وهذه هي قضية العلم. أما قضية الدِّين فأمرها مختلف؛ لأن الخبر في قضية الدين يأتي من الله بواسطة رسول. أما البحث في الكون وأسراره العلمية فالحق يقول فيه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27-28].

      إن الحق يلفتك أيها الإنسان إلى أنه أنزل من السماء ماء فأنبت وأخرج به من الأرض النباتات التي تحمل ثماراً مختلفة الألوان ومختلفة الطعم. وجعل الجبال مختلفة الأشكال والألوان، وبعضها ضعيف وبعضها قوي. ويختلف لون الجبل عن الآخر بما فيه من مواد مطمورة. وهذه الجبال كلها من أصل واحد ولكن فروعها متباينة لخدمة الإنسان.
      لقد خلق الحق سبحانه الأنعام مختلفة الألوان والأشكال والأحجام، وكذلك الناس مختلفون في اللون والشكل. والعلماء هم الذين يتدبرون ذلك فيخشون الله الصانع العليم. إذن فأمر الدين محسوم من الحق. والرسل مبلغون عن الله، وكذلك أهل العلم بالدين، وأهل العلم بالدين مبلغون عن الله لا متكلمون بلسان الله؛ لأن بعض البشر قد يخلطون أهواءهم مع كلمات الله ويقولون: إن هذا هو كلام الله، وهذا خطأ فاحش وذنب كبير.

      إن ما حدث في القرون الوسطى- على سبيل المثال- كان خلطاً بين البحث العلمي وما ينزل الحق من منهج؛ فعندما جاء عالم مثل (جالليليو) ليبحث في طبيعة الكواكب أرادوا أن يحرقوه، وعندما أراد عالم آخر أن يتكلم في طبيعة الأرض حبسوا حريته. وعندما حكمت الكنيسة العالم الغربي بهذا الأسلوب تأخر العالم كله وعاش في عصور من الظلام، وعندما اتصل هؤلاء القوم بالمسلمين تحرروا من خزعبلات تلك القرون الوسطى وتعلموا حرية البحث العلمي من العرب وارتقت أوروبا بذلك الأسلوب العلمي الذي طرحه الإسلام وأثبته علماء المسلمين.

      إن السبب في تأخر أوروبا وجهلها هم أهل الكهنوت والدين، بل إن نفور الأوروبيين من الدين كان بسبب معرفتهم أن رجال الدين عندهم يمقتون الحياة والتقدم الحضاري- حماية لنفوذهم وسلطتهم الزمنية والروحية- وأراد بعض من أهل أوروبا أن يأخذوا كل الأديان بجريرة رجال الكهنوت عندهم. ونسي الذين حملوا على الدين- كل الدين- أن رجال الكهنوت افتأتوا وادعو ذلك على النصرانية، ونسبوه إليها؛ فالمسيح لم يقل لهم ذلك، ولكنهم كرجال كهنوت أفسدوا الحياة بالسلطة الزمنية التي كانت لهم وكانت النتيجة أن أخذ البعض من فساد سلطة الكنيسة حجة على فساد الدين.
      ولهؤلاء نقول: إن الدين لا يتدخل في أي أمر من أمور الحياة العلمية ولا يفسدها أبداً، بل نجد أن الحق قد أمرنا بالبحث في آياته وأن نزيد من البحث. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نبحث عن شئون الدنيا على ضوء التجربة. وأراد الله أن يفصل بين أمور العلم التجريبي وأمور الدين، وأراد أن يحمي دينه من تدخل أي فئة تدعي أنها تملك كلام الله فتخلط بين أهوائها والبلاغ عن الله سبحانه.
      مثال ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر تلقيح النخيل. ونعرف أن تلقيح النخيل يتم حين نأخذ طلع الذكورة ونلقح به الأنوثة من النخيل فيخرج التمر ناضجاً، وإن لم يحدث ذلك فالنخيل تنتج ثماراً غير ناضجة. والسر في إنتاج النخيل لثمار غير ناضجة أن التلقيح قد تم بواسطة الريح التي تنقل القليل من حبوب اللقاح، ولكن التلقيح اليدوي للنخيل هو الذي يزيد من جودة الثمار، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة للصحابة ما يمكن أن يفهم منه ألا يقوموا بتلقيح النخيل وحدث نتيجة ذلك أن النخيل لم يثمر الثمار المرجوة بل أثمر شيصاً أي ثماراً غير مكتملة النضج، واستند الرسول في ذلك إلى قول الحق: {وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ} [الحجر: 22].
      وهذا قول صحيح صادق حكيم نجد آثاره في السحاب الذي يتحول إلى مطر نتيجة اتصال الموجب بالسالب، ونجده في معظم النباتات من قمح وفاكهة وذرة وغير ذلك. فطلع الذكر ينتقل بواسطة الريح إلى عناصر الأنوثة في النباتات القريبة فتلقحها وتنقل الرياح كذلك اللقاح الخفيف. واللقاح عندما يكون ثقيل الوزن يحتاج في بعض الأحيان إلى جهد من الإنسان لينقل خلايا الذكورة إلى خلايا الأنوثة، ومثال ذلك النخيل. ولذلك عندما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة إنتاج النخيل في العام الذي لم يلقح فيه بعض الصحابة نخيلهم.. قال صلى الله عليه وسلم لهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم).
      وبهذا حسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر ولم يعد لرجال الدين أن يتدخلوا في أي أمر لا تستقيم به الحياة إلا بناء على التجربة المعملية. ولذلك يقال عن الإسلام: إنه دين العلم؛ لأنه أتاح لرجال العلم أن ينطلقوا في تأمل آيات الله في هذا الكون، بل دعاهم وأمرهم أن يستنبطوا أسرار هذا الكون. أما في أمور السلوك البشري وحركة المجتمع فقد أنزل الحق من المنهج ما يكفي لعدم استعلاء أحد على أحد، وأن نضبط السلوك الإنساني بتعاليم المنهج الإيماني.

      لقد جاء المنهج الإيماني في كل الرسالات، وكانت الرسالة الخاتمة هي رسالة محمد ابن عبدالله، وكانت البشارة به موجودة في التوراة والإنجيل. ويقول الحق: {الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فهل عمل أهل الكتاب بمقتضى هذه المعرفة؟ لا؛ ذلك أن بعضاً منهم خافوا أن تؤخذ منهم سلطتهم الزمنية، وأكبر مثال على ذلك هو عبدالله بن أُبي الذي كان رأس النفاق في الإسلام والذي كان يستعد لتولي مُلْك المدينة قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. وكان هناك من أهل الكتاب من عمل بهذه النبوءة، مثال ذلك: عبدالله بن سلام رضي الله عنه.
      ولم يظلم القرآن أحداً، بل قال عن بعض أهل الكتاب: {وَإِذَا سَمِعُواْ ما أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين} [المائدة: 83].
      إذن لم يظلم الحق الذين آمنوا من أهل الكتاب عندما وجدوا أن منهج الإسلام مطابق لما جاء إليهم. لكن بعض أهل الكتاب كفر وعادَى رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفاً على السلطة الزمنية التي كانت لهم.

      وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن السلطة الزمنية كانت في وقت من الأوقات لرجال الدين مثلما حدث في أوروبا، ولكن حدث استغلال من جانب رجال الدين للناس، وأفسد رجال الكهنوت في الأرض، فتمرد عليهم البشر وخرجوا عن طاعتهم ليقننوا لأنفسهم القوانين. ولأنهم كانوا يحكمون بالأهواء لا بالشرع فقد كان الحكم يتذبذب عند رجال الكهنوت في الأمر الواحد حسب شخصية من يرتكب هذا الأمر، فمن يدفع لهم ينال العفو، ومن لم يدفع ينال العقاب! لقد أخذوا متاع الدنيا القليل ولم ينفذوا ما أمرهم به الله فخرج الناس على سلطانهم.

      ومن هنا لم يعترف بعض من البشر برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاءت البشارة به وعرفوه بالإيضاح والنعت ولكنهم أنكروه لأنه يسلبهم ما حصلوا عليه من الانتفاع بالمال والسلطة فخسروا أنفسهم وظلوا على الكفر؛ لقد قال فيهم الحق: {الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. لقد خسروا أنفسهم؛ لأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. وخسارة النفس تفوق خسارة المال؛ لأن خسارة المال مردودة ويمكن أن تتدارك فيكسب الإنسان بعد خسارة، ولكن خسارة النفس أمرها كبير. ونعلم أن الصفقة الإيمانية لا تعزل عمل الدنيا عن حساب الآخرة. والمؤمن الحق هو من يربط الدنيا بالآخرة. لكنَّ بعضاً من أهل الكتاب أحبوا الدنيا على الآخرة وفصلوا بين الاثنتين فأخذوا حظاً قليلاً من الحياة الدنيا وخسروا الآخرة.


      نداء الايمان


       
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181341
    • إجمالي المشاركات
      2534023
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92811
    • أقصى تواجد
      1678

    أحدث العضوات
    اسعداسماء
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏فكرة انتهاء مهلة العمل والانتقال لدار الجزاء مهيبة جدًا ! لا توبة تُقْبَل ولا عمل يُصَحح . لو نطق أهل القبور لكانت موعظتهم : أنتم في دار العمل فأحسنوا العمل . نسأل الله حُسن الختام .

×