اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56491
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109826
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180319
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259967
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23495
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8131
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32128
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4158
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25482
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30242
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52872
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19524
      مشاركات
    4. 6677
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47543
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      96999
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36822
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31797
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4882
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16433
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29717
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12925
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41312
      مشاركات
    2. 33891
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91707
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32189
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34856
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35736 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • اختلاف الفقهاء :    أيها الأخوة الكرام، قد يسأل أحدكم هذا السُّؤال: لماذا الاخْتِلاف بين المجتهدين المسلمين في الأحكام الفِقْهِيَّة؟ وهل أراد الله تعالى هذا الاخْتِلاف؟! هذا موضوع دقيق جدًا، يُبْنى عليه تَصَرُّف سَوِيّ أو غير سَوِيّ، فالله تعالى أنْزلَ قرآنهُ الكريم على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم والقرآن الكريم كُلُّهُ قَطْعِيُّ الثُّبوت، وكُلُّه من عند الله، ولكنَّ مَدْلولات الآيات القرآنِيَّة بعضُها قَطْعِيُّ الدلالة وبعضها ظَنِيُّ الدَّلالة، ماذا تعني كلمة قَطْعِيُّ الدَّلالة وظَنِيُّ الدَّلالة؟ هناك مثل يُوَضِّحُ ذلك ؛ فلو قُلْتُ لكَ: أعْطِ زَيْدًا مِن الناس ألفًا وخمسمئة ليرة سورِيَّة، والمَبْلَغ مُحَدَّد وواضِح، وهذه العِبارة مُحْكَمَة، ودلالتُها قَطْعِيَّة ولا تحْتَمِلُ التَّفْسير ولا التَّرْجيح والاخْتِلاف، أما إذا قلتَ: أعْطِ زَيْدًا مِن الناس ألفَ دِرْهَمٍ ونِصْفَهُ، فالهاءُ هنا على مَن تعود؟! إذا أعَدْناها على الألف فعنى هذا ألف وخمسمئة، أما إذا أعَدْناها على الدِّرْهم فمعناه ألف ونصف دِرْهم، فنقول: العبارة هذه ظَنِيَّة الدلالة واحْتِمالِيَّة الدلالة، فهي تَحْتَمِل ألف وخمسمئة، وتَحْتَمِل ألف ونِصف دِرْهم، ولذلك القرآن الكريم بعض آياتِهِ قطعِيُّ الدَّلالة، وبعض آياتِهِ ظَنِيُّ الدلالة، والآن سؤال: لو أنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَلَ كُلَّ آيات القرآن الكريم قَطْعِيُّة الدلالة فإنَّ الاجْتِهاد يُلْغى، ويلتغي دَور العلماء، ولا يوجَد أيّ خِلاف، لماذا شاَءَتْ حِكْمة الله أن تكون بعض آيات القرآن الكريم ظَنِيَّة الدلالة ؟ عندَئذٍ اخْتلفَ العلماء في اسْتِنباطاتهِم.     اخْتِلاف العلماء ليس اخْتِلاف تضادٍّ وتناقض إنَّما هو اخْتِلاف غِنًى واتِّساع :    النُّقْطة الدقيقة التي أتمنَّى أن أُوَضِّحَها لكم أنَّ الإنسان حينما يتكلَّم كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فهذا لِضَعْفٍ في لُغَتِهِ، هو يَقْصِد معنًى واحِدًا ولكن عبَّر عنه بألفاظ تَحْتَمِل معاني عديدة، ولذلك كُلّ القوانين حينما تَصْدُر يَقَعُ الناس في لبْس في فَهْمِها، فلا بدّ من أن يصْدر مرسوم تشريعي يُوَضِّح المقصود من بعض العبارات، فالإنسان إذا تكلَّم كلامًا ظَنِيَّ الدلالة، أو احْتِماليّ الدلالة كان هذا لِضَعْف في لُغَتِهِ، والسؤال الآن دقيق: الإله العظيم وربُّ العالمين، والمُطْلق في عِلْمِهِ، إذا جاءَتْ في كِتابِهِ الكريم آيةٌ ظَنِيَّةُ الدلالة، فكيْفَ نُفَسِّرُ ذلك ؟! نحن قلنا: إنَّ الإنسان إذا تَكَلَّمَ كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فهذا لِضَعْفٍ في صِياغَتِهِ، أما الإله إذا تكلَّمَ كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فلأنّ الله سبحانه وتعالى لَحَظَ في عِبادِهِ جانِبَ الثبات وجانبَ التَّطَوُّر، فجانب الثبات؛ كُلُّ الآيات المُتَعَلِّقَة بالجانب الثابت في الإنسان قَطْعِيَّةُ الدلالة، فمثلاً قوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [سورة المائدة : 38]  وقوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سورة النور: 2]  هذا كلامٌ واضِح لا يحْتاج إلى اختِلاف إطْلاقًا،     ولكن هناك أحكام مثل الزكاة، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة التوبة: 103]  يا ترى ؛ هل عليَّ أن أدْفَعَ نقْدًا أم عَيْنًا ؟! فالقرآن ما حدَّدَ هذا ! القرآن جَعَلَ هذا مُبْهَمًا، فالعلماء اجْتَهَدوا، فذَهَب أبو حنيفة رحمه الله الذي عاش في البصْرة قال: يجوز أن تُدْفَعَ الزَّكاة نَقْدًا، والإمام الشافعي قال: يجب أن تُدْفَعَ عَيْنًا، وهذا الإمام عاشَ في ريف مِصْر، فالآن مثلاً لو أعْطَيْتَ إنسانًا فقيراً قمْحًا، لا يملك سيارة ولا شيء ويسْكن ببيت تحت الأرض ؛ هذا الكيس بلاء، ماذا يفْعَلُ به ؟ وأين يغْسِلُهُ ؟ وأين ينْشرهُ ؟ وأين يطْحَنُهُ ؟ أما لو أعْطَيْتَ هذا لإنسانٍ يعيش بالرِّيف، فالأمور مَيْسورة عليه ؛ الأرض واسِعَة ومعه الطاحونة ويُمْكن أن يعيش بِهذا القَمح سنة ! فالله تعالى لمَّا سكَتَ عن طريقَة دَفْعِ الزّكاة، واجْتَهَدَ العلماء فَبَعْضُهم قال: نقْدًا، والآخر قال: عَيْنًا، فهذا الحُكْم ظَنِيُّ الدلالة، والعلماء اجْتَهَدوا، فالله تعالى إذا قال كلامًا ظَنِيَّ الدلالة، أو احْتِمَاليَّ الدَّلالة فلأنَّهُ أراد كُلَّ الحالات التي يحْتَمِلُها، فالإنسان الذي يعيش في الرِّيف غير الذي يعيش في المدينة، والغنيّ غير الفقير، ومُجْتَمَع قديم وآخر حديث ؛ كُلّ شيء خاضِع للزَّمان والتَّطَوُّرات ؛ هذا تُغَطِّيهِ أحكامٌ ظَنِيَّةُ الدلالة،   فالإمام مالك يرى أنَّ العَوْرة هي السَّوأة المُغَلَّظَة، فلو أنَّ الإنسان سيقَ للخِدْمة الإلْزامِيَّة وأُلْزِمَ أن يلبِسَ ثِيابًا قصيرة، فهذا يُعْتَبَرُ مُغطًّى عند الإمام مالك ! أما عند الأئمَّة الثلاثة فغير مُغَطَّى،   وفى الحج ولو أنَّ الأربعة ملايين حاج انْطَلَقوا مِن مُزْدَلِفَة في وَقْتٍ واحدٍ، لأهْلَكوا أنفسَهم، فهناك من قال: تنطلق بعد العشاء، وآخر بعد منتصف الليل، وآخر بعد الفَجْر، فهذه الاجتهادات وَسِعَتْ كُلَّ الحالات، فالضَّعَفَة والنِّساء والأطفال ينطلقون بعد العِشاء، وبعضهم بعد منتصف الليل، والآخر بعد شروق الشَّمس،   لذلك قالوا: اخْتِلاف العلماء اخْتِلاف رحْمة واتِّفاقهم حُجَّةٌ قاطِعَة، كما أنّ اخْتِلافهم ليس اخْتِلاف تضادٍّ وتناقض إنَّما هو اخْتِلاف غِنًى واتِّساع، فلا أعْتَقِدُ أنَّ في العالم فِقْهٌ يتَّسِعُ لِكُلِّ الحالات امرأةٌ جاءَتْها الدَّورَة قبل طواف الإفاضة، فهي عند الإمام أبي حنيفة عليها أن تذْبَحَ بدَنَة، وعند الشافِعي تَغْدو أميرة الحجّ ؛ ينتظِرُها مَن معها، وعند بعض الأئِمَّة ومنهم الإمام مالك يقولون: تَطوف البيْت في أثْناء انْقِطاع الدَّم ولا شيءَ عليها، لذا نحن إن كانتْ امرأةً مُوسِرَة نقول لها: اِذْبَحي بدنَةً وأطْعِمي الفقراء، ولو أنَّها امرأة لها ابْنُ في جدَّة أو في أحد مناطق الحجاز نقول لها: انْتَظِري إلى أن تنقَطِعَ الدَّورة، أما امرأةٌ مُلْحَقَة بِزَوْجٍ ولا تملِكُ شيئًا، فهذه نُفْتي لها على مذْهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فلِذلك إذا جاء الحُكْم ظَنِيًّا معنى هذا أنّ هُناكَ مجالاً للاجتهاد والاجتهاد كُلّه مَقبول لأنَّه يسَعُ الحالات كُلَّها.     عدم الإنكار على أيّ إنسان في قضية خلافية :    الآن دَخَلْنا في موضوع ؛ وهو أنَّه لا يجوز أن تُنْكِرَ على أحَدٍ في قَضِيَّة خِلافِيَّة، فالله عز وجل أجاز للمريض الإفْطار، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 185]  فقد كان أصْحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم في سَفَر- وأن تَصوموا خيرٌ لكم ‍! فإذا كان بالإمكان أن تَجْمَعَ بين السَّفَرِ والصِّيام فالأولى أن تصوم، أو أن تجْمَعَ بين المرضِ والصَّوم فالأولى أن تصوم- بعض أصْحابه أفْطَرَ أخْذًا بِمُطْلق الرُّخْصَة وبعْضُهُم بَقِيَ صائِمًا، ويبْدُو أنَّ الحرَّ كان شديدًا جدًّا، فبعد الظُّهْر ضَعُفَت قِوى الصائِمين وقَعَدوا، أما المُفْطِرون فنَصَبوا الخِيام، وذَبَحوا الأنعام، وطبَخوا الطَّعام، وقدَّموه للصائِمين، فقال عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ )) [ البخاري عن أنس ]    فأحيانًا تكون لك أعْمال كثيرة جدًا، وهي كُلُّها لله تعالى، فلو أنَّكَ صُمْتَ يومًا نفْلاً ولم يكُن مِن عادَتِكَ صِيامُ النَّفْل لأقْعَدَكَ في البيْتِ هذا الصِّيام فالأولى أن تُفْطِر وأن تخْدُمَ الناس، أما المُتَقاعِد فلا عليه، لذا الأمور التي فيها رُخَص وخلافِيَّات ونَدْب لا يجوز لأحَدٍ أن يُنْكِرَ على أحَدٍ، فمثلاً موضوع تَحِيَّة المسْجِد في أوْقات الكراهة، وهذا مِن أوْسَع الموضوعات بالفِقْه فَمُلَخَّص المُلَخَّص ولا نُريد أن نَدْخل في تَفْصيلات تَحْتاج إلى دروس طَويلة، أنَّه روى الإمام مسلم عن عُقْبة بن عامِر الجُهَنِّي قال عليه الصلاة والسلام: (( عن عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ (( [ النسائي عن علي بن رباح]  ففي أثناء الشروق إلى أن ترتَفِع مِقْدار رُمْحٍ، وقدَّرهُ العلماء بِعِشْرين دقيقة بالضَّبْط، وحين يقوم قائِم الظَّهيرة حتى تزول، وحين تميل الشَّمس إلى الغروب حتَّى تغيب، فهذه الأوقات مَكروهة، وهناك وقْتان آخران وردا في البخاري ومسلم: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ )) [ البخاري عن أبي هريرة] والحِكْمة من نهْي النبي عن هذه الأوقات أنَّ عُبَّاد الشَّمس يعْبُدونها وقْت الشروق، ووقْتَ الغُروب، ووقْتَ الانْتِصاف، أما الوقْتان الآخران فهذان وقتا الفريضَة، ولأنّ صلاة الفجْر مِن أهَمِّ الصلوات قال: لا صلاة بعدها، وذلك من أجل تُتْقِنَ صلاتها وخُشوعَها، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم نهى عن صلاة بعد صلاة الفَجْر، وصلاة بعد صلاة العَصْر، فأصْبَح بالحاصِل عندنا خمْس صلوات مَكْروهة ؛ مِن بعد صلاة الفجْر وحتى تُشْرق، وأثناء طلوع الشمس وحتى ترتفع، وعند انتِصاف الشمس في كبِدِ السماء وحتى تزول، وبعد صلاة العصْر وحتى تغيب، وعند اصْفِرار الشمس وحتَّى تغيب.
      أما رأي العلماء الأجِلاء والسادة المُجْتَهِدون الأحناف والشافعيَّة، فعند الحنابلة مُحَرَّمُ أن تُصَلِّي أيَّ وقْتٍ في هذه الأوقات الخَمْسَة، وعند المالِكِيَّة مُحَرَّمة في الأوقات الثلاثة، ومكروه كراهة تنْزيهِيَّة في الوقتين الآخرين، أما عند السادة الأحناف فهُناك كراهة تَحْريمِيَّة؛ أن تُصَلِّيَ أيَّ صلاة في هذه الأوقات، أما عند الشافِعِيَّة فكراهةٌ تَحْريمِيَّة في الأوقات الثلاثة وتنْزيهِيَّة بالوَقْتَين ؛ إلا أنّ عند الشافِعِيَّة رُخْصَة لطيفة جدًا هِيَ أنَّ الصلاة إن كانت لِسَبَبٍ، كأن تفوتُكَ صلاة لم تُؤَدِّها، أو صلاة الكسوف، أو تَحِيَّة المَسْجِد، أو سُنَّة الوُضوء، أو سُجود الشُّكر، أو صلاة الجنازة، أو صلاة الاسْتِسْقاء ؛ فهذه صلوات لها أسْباب، فإذا كان السَّبب مُتَقَدِّماً فيجوز لك الصلاة، أما إن كان مُتَأخِّراً فلا يجوز، فلو أنَّك دَخَلْتَ المسْجِد، ودُخولك سبقَ الصلاة فحينها تُصَلِّي، وهذا عند الشافِعِيَّة، فهل بعد هذا التَّفصيل يمكن أن يُنْكِرَ أحدٌ على أحَدٍ، ونحن عندنا قاعِدَة عدم الإنكار إلا فيما اتَّفَق عليه العلماء، فكل المذاهب لها أدِلَّتُها، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا وراء كُلِّ برٍّ وفاجِر" ولم يقل عاص، فَمَن هو الفاجِر؟ الذي يرْتَكِب المعاصي جِهارًا في الطريق، فهذا إن أمَّ الناس لك أن تُصَلِّي وراءَهُ، مِن أجْل ماذا ؟! مِن أجل ألا تقَعَ الفِتْنة، كما أنَّهُ لا يجوز أن نخْتَلِفَ على صيام أوَّل يوم ؛ فالفِتنة أخْطر من الخِلاف، أنت بِبَلَدٍ مسلم وهناك وزير أوقاف ومُفْت وقاض شَرْعي، وصَوْمُكم يوم تصومون، واقْرؤوا القرآن ما ائْتَلَفَتْ عليه قُلوبكم فإذا اخْتَلَفْتُم فقوموا عنه.
         لذلك سبحان الله ! بعض المسلمين يفْتَعِلون خِلافات، وكأنَّه واجِبٌ علينا أن نخْتَلِفَ بالمساجِد ونصيحُ، مرَّةً كُنَّا في دَعْوَة رَسْمِيَّة وأذَّن مؤَذِّنٌ لِصَلاة المغرب، والأمر كُلُّه مُسَجَّل ومَنْقول نقلاً مباشَرًا، فأحدهم صاحَ صَيْحَةً أنَّه لم يدْخُل الوقت بعد، فالإنسان قد يدخل بِمَوضوعات يُسَبِّب فيها فتْنة كبيرة، فلما قال لك النبي: "صلِّ وراء كل برٍّ وفاجِر" هذا مِن أجل ألا تقَعَ في الخُصومة، فلو أنَّ مُوَظَّفًا له دَخْل حلال وآخر حرام، وقدَّم لك طعامًا، فلا تقل له: أنا لا أشْرب فإنَّ دخْلك حرام !! أما إن اغْتَصَب أمامك شيئًا وقال لك: كُلْ، فحينها لا تأكل، فإذا الحرام مَفصول فلا تأكل، أما إذا المال مَشْبوه فلك أن تأكل أو تدَع، فقد يكون أبوك وقد يكون أخوك، فإذا لم تأكل سبَّ وشَتَم وأثار فِتْنةً.
         لذا أيُّها الأخوة، إذا القَضِيَّة خِلافِيَّة لا يجوز أن تُنْكِر على أحدٍ له مذْهب، فما دام هناك جواز ومَنع الأصل وِحْدة المسلمين، والمسلمين ما ضَعُفوا إلا حينما تنازعوا، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال: 46]     تعقيد الأمور ليس لصالح المسلمين :    نتعاوَنُ فيما اتَّفَقْنا، ويعْذُر بعضُنا بعْضًا فيما اخْتَلَفْنا، ونحن بِأمَسِّ الحاجة إلى الاجْتِماع في هذه الأيام، وقد تسْتَغْرِبون لِبَعْض المسلمين أن يَصِل بهم الأمر إلى الضَّرْب، ولم يكن الرِّفق في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيء إلا شانَهُ، فأحد المسْتشرقين تاب وأراد أن يدرس فأقام عند شيْخٍ فلم يزل ذلك الشيْخ في الطهارة والمياه والنَّجاسة إلى أن ضاقَتْ نفس ذاك المُتَعَلِّم فَهَرَب من هذا الشيخ إلى أن الْتقى بالشيخ محمَّد عبْدو وقصَّ عليه، فقال هذا الشيخ: الماء الذي تَشْربُهُ توضَّأ به، نحن مُهِمَّتُنا التَّوضيح والتَّلْخيص لا أن نُشَعِّبَها، لذا تَعْقيدُ الأمور ليس لِصالِح المسلمين.
       فهذا أحد المشايِخ بالمملكة أسْلَمَ على يَدِهِ عشرة من تايْلاند فأوَّل ما فعَل بِهِم ذهَبَ بِهِم لِيُطَهِّرَهم ويُخَتِّنَهم، عمليَّة جِراحِيَّة وألم !! لذا هناك مَن يسْتخدِم الأساليب الذي تُنَفِّر الناس من الدِّين.   موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية
    • الرجوع إلى الحقّ :    أيُّها الأخوة الكرام، ننتقل إلى سورة الشورى، واسمها يدلّ على مضمونها.
       ربُّنا جلّ جلاله وصف المؤمنين بأنّ أمرهم شورى بينهم، بل إنّ الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام المعصوم في أقواله وأفعاله وإقراره، والذي أوحى إليه، وجعله نبيًّا رسولاً، هذا الإنسان الذي هو قِمَّة الخلق، وسيّد الخلق، وحبيب الحق، أمره أن يُشاوِرَ أصحابه، فمن نحن إذا كان النبي المعصوم صلى الله عليه وسلّم قد أُمِر أن يُشاوِرَ أصحابه؟؟   هناك حادثة وردَت في السيرة تُجَسِّد معنى هذه السورة، وهي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة بدر ارْتأى موقعًا لِجَيش المسلمين، وأمر أصحابه أن يجلسوا فيه، أحدُ كبار أصحابه و هو الحُباب بن المنذر جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يكادُ يقطر أدبًا، قال: يا رسول الله هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ فتجرَّأ هذا الصحابي الجليل وقال: هذا ليس بِمَوقع ! النبي من خلال هذه الحادثة التي أرادها الله كان قدوةً في قَبول النَّصيحة، هناك فضيلة قلَّما نلتفت إليها ونذكرها، فضيلة الرُّجوع إلى الحق ! فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن أمر أصحابه أن يجلسوا في الموقع الذي أشار إليه سيّدنا الحباب، وكان موقع فيه ماء، فالنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا من خِلال هذه القصَّة أن نرجِعَ إلى الحق !
       أذْكُر لكم قِصَّة مشابهة من أجل أن نتبيَّن حِكمتها، النبي عليه الصلاة والسلام صلَّى مرَّةً الظهر ركعتين، أحد أقلّ أصحابه شأنًا وهو ذو اليدين قال: يا رسول الله أقصُرت الصلاة أم نسيت ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: كلّ هذا لم يكن ! فقال بعضهم: بل قد كان ! فسأل عليه الصلاة والسلام أصحابه فقالوا: صليت ركعتين ! فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّما نُسِّيتُ كي أَسُنّ ! لو أنَّ الله عز وجل لم يُنسِ نبيَّهُ عدد ركعات الظُّهر، كيف يسُنّ لنا النبي صلى الله عليه وسلم سُجود السَّهْو ؟! لهذا قال الله عز وجل: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾ [ سورة الأعلى : 6]  أي إلا حينما يقتضي التَّشريع أن تنسى ! ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: " إنما أنا بشر أنسى كما ينسى البشر" فالذي لا ينسى هو الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ ’قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾ [ سورة طه : 52]  كيف أنَّ الله عز وجل أنسى نبيَّه الكريم صلاة الظهر لِيَسُنّ لنا سجود السَّهو كذلك لِحِكمة بالغة حجبَ الله عن النبي الموقع الجيِّد في موقعة بدْر، فكان من الممكن أن يأتِيَهُ جبريل ويصف له الموقع، وكان من الممكن ألا يلهمه الموقع الجيّد لِيَأتي صحابي جليل تظهر فيه شدّة غَيرتِهِ على الدِّين، ويسلهُ بأدَبٍ جمّ، والصحابة أيها الأخوة تعلَّموا أدبًا فوق الخَيال، فهذه القصّة تشير إلى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سنّ لنا فضيلة قد لا ننتبِهُ إليها وهي الرُّجوع إلى الحق.     الإصغاء إلى المعارضة من علامة بطولة الإنسان :    إن قال لك ابنك: هذه لا تجوز، لا تنكر عليه وتخجِّلهُ ! من علامة البطولة أن تُصغي إلى المعارضة، والذي يريد الله ورسوله دائمًا يرجع إلى الحق، وقد حدَّثني أخٌ كريم قال لي: حضرتُ مجلس علمٍ في الشام، فقال الشيخ: اسْتوقفتني امرأة وأفتيتها خطأً، وها أنا أُنبِّه على خطئي فإن كانت من الحاضرات في المسجد هنا فلْتَسمع الجواب الصحيح، وإلا فلْتُبلَّغ ! ليس العار أن تخطئ، ولكنّ العار أن تبقى مُخطئًا، وليس العار أن تجهل، ولكنَّ العار أن تبقى جاهلاً، ففضيلة الرُّجوع إلى الحق فضيلة كبيرة، فالجندي قد ينبِّه القائد وهو المستفاد من هذه القصَّة، وأنا أحبّ أن نُحِلّ الشورى محلّ التفرّد بالرأي، ومن استشار الرِّجال استعار عُقولهم، تسأل إنسانًا له خبرة عشرون سنة بِموضوع تجني منه خلال جوابه الشيء الكثير، لذا عوِّد نفسك أن تسأل وتستشير، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمر أن يستشير، وهو الذي يُوحَى إليه وهو سيّد الخلق وحبيب الحق، فمن نحن ؟! فكلّ واحد عليه أن يسأل قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء : 7]  أمر إلهي، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ [ سورة الفرقان : 59]     الاستخارة و الاستشارة :    لكل إنسان موضوعان ؛ موضوع الآخرة فاسْأل بها خبيرًا، وموضوع الدنيا فاسأل أهل الرأي والخِبرة، واسْتَشِر أهل الخِبرة من المؤمنين، لأنَّ غير المؤمن ولو كان ذا خِبرة فإنَّه يغشُّك ! والمؤمن غير الخبير لا فائدة من استشارته، ولا بدّ قبل كلّ هذا استِخارة الله، وما ندم من استشار، وما خاب من استخار، وطِّن نفسك ان تسأل أولادك أحيانًا ! والنبي عليه الصلاة والسلام كان يُشاور أزواجه، وهذه: شاوِرُهنّ ثمّ خالفهنّ ليس لها أصل ! فقد استشار أم سلمة في صلح الحديبيّة، والله عز وجل قال: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء : 19]  والفعل هنا للأمر، ويقتضي المشاركة، لذا وطِّن نفسك ألا تكون فردياً واسْتِبدادياً، كُن مؤمنًا مُطبِّقًا للشورى في بيتك وعملك.     الشورى :    لذا الشورى أحد أكبر صفات المؤمنين، والنبي عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يُشاوِر، فالإنسان بِزَواج أولاده وبناته وعمله عليه أن يُشاور، ويستخير، فنحن خطؤنا النَّفسي العام أنَّنا لا نتعاون ومن اسْتُشير فلْيُشِر ما هو صانِعٌ لِنَفسِهِ وإلا وقع في الخيانة وهو لا يدري ‍‍! ومن علامة المؤمن الصادق أنَّه يحبّ لأخيه ما يحبّ لِنَفسِهِ.
       أردْتُ من هذا الدرس، أن أُشير أنَّ أحد أكبر صفات المؤمنين المُشاورة، والتفرّد ليس من الإيمان، وقد تكبر نفسك أن تستشير، ولكن تذكّر أنَّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم أُمِر أن يستشير ! وهناك مواقف كثيرة استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه حقيقة، وليس كما يقول بعضهم: كي يرفع معنويَّاتهم، إذاً عندما ندخل في تفاصيل هذه الآيات يجب أن نجعل من الشورى سلوكًا ثابتًا في حياتنا، وألا تكبر نفسنا فيها، ودائمًا المتكبّر والمستحي لا يتعلَّمان ! على المستشار أن يكون متواضعاً و لا يفضح من استشاره :  النقطة الأخرى، عليك ألا تفضح من استشارك ! فهذه غلظة، فهذه أمراض نفسيّة، والمؤمن دائمًا حاله التواضع، وأحيانًا تُسأل سؤالاً سخيفًا فتعرض عنه ! ألا تعلم أنَّك أغلقْت باب السؤال بالكليّة؟؟ فالمؤمن الصادق يُصغي إلى أي سؤال مهما بدا سخيفًا، ويهتمّ بالسائل، ويُشَجِّعُهُ حتى يُشجِّع الآخرين، والعلم مفتاح السؤال، فأخلاق المُستشار يجب أن تكون متواضعاً، والمستشير يجب أن يتأدب، فالأسئلة التَّعجيزيَّة ليس من خلق المؤمن.   موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية  
    • ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) . يقسم تعالى بالقرآن المجيد أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الوجوه كثير البركات، جزيل المبرات. والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، وأحق كلام يوصف بهذا، هذا القرآن، الذي قد احتوى على علوم الأولين والآخرين، الذي حوى من الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، وهذا موجب لكمال اتباعه، و [ سرعة ] الانقياد له، وشكر الله على المنة به.
      ولكن أكثر الناس، لا يقدر نعم الله قدرها، ولهذا قال تعالى: ( بَلْ عَجِبُوا ) أي: المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، ( أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ منهم ) أي: ينذرهم ما يضرهم، ويأمرهم بما ينفعهم، وهو من جنسهم، يمكنهم التلقي عنه، ومعرفة أحواله وصدقه.
      فتعجبوا من أمر، لا ينبغي لهم التعجب منه، بل يتعجب من عقل من تعجب منه.
      ( فَقَالَ الْكَافِرُونَ ) الذين حملهم كفرهم وتكذيبهم، لا نقص بذكائهم وآرائهم .
      ( هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ) أي: مستغرب، وهم في هذا الاستغراب بين أمرين:
      إما صادقون في [ استغرابهم و ] تعجبهم، فهذا يدل على غاية جهلهم، وضعف عقولهم، بمنزلة المجنون، الذي يستغرب كلام العاقل، وبمنزلة الجبان الذي يتعجب من لقاء الفارس للفرسان، وبمنزلة البخيل، الذي يستغرب سخاء أهل السخاء، فأي ضرر يلحق من تعجب من هذه حاله ؟ وهل تعجبه، إلا دليل على زيادة ظلمه وجهله؟ وإما أن يكونوا متعجبين، على وجه يعلمون خطأهم فيه، فهذا من أعظم الظلم وأشنعه.
      ثم ذكر وجه تعجبهم فقال: ( أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) فقاسوا قدرة من هو على كل شيء قدير، الكامل من كل وجه، بقدرة العبد الفقير العاجز من جميع الوجوه، وقاسوا الجاهل، الذي لا علم له، بمن هو بكل شيء عليم، الذي يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم مدة مقامهم في برزخهم، وقد أحصى في كتابه الذي هو عنده محفوظ عن التغيير والتبديل، كل ما يجري عليهم في حياتهم، ومماتهم، وهذا الاستدلال، بكمال علمه، وسعته التي لا يحيط بها إلا هو، على قدرته على إحياء الموتى.   بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) . أي: ( بَلْ ) كلامهم الذي صدر منهم، إنما هو عناد وتكذيب للحق الذي هو أعلى أنواع الصدق ( لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ) أي: مختلط مشتبه، لا يثبتون على شيء، ولا يستقر لهم قرار، فتارة يقولون عنك: إنك ساحر، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وكذلك جعلوا القرآن عضين، كل قال فيه، ما اقتضاه رأيه الفاسد، وهكذا، كل من كذب بالحق، فإنه في أمر مختلط، لا يدرى له وجهة ولا قرار، [ فترى أموره متناقضة مؤتفكة ] كما أن من اتبع الحق وصدق به، قد استقام أمره، واعتدل سبيله، وصدق فعله قيله.   أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) . لما ذكر تعالى حالة المكذبين، وما ذمهم به، دعاهم إلى النظر في آياته الأفقية، كي يعتبروا، ويستدلوا بها، على ما جعلت أدلة عليه فقال: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ ) أي: لا يحتاج ذلك النظر إلى كلفة وشد رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون ( كَيْفَ بَنَيْنَاهَا ) قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ترى فيها عيبًا، ولا فروجًا، ولا خلالا ولا إخلالا.
      قد جعلها الله سقفًا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع.
      ( و ) إلى ( الأرض ) كيف ( مَدَدْنَاهَا ) ووسعناها، حتى أمكن كل حيوان السكون فيها والاستقرار والاستعداد لجميع مصالحه، وأرساها بالجبال، لتستقر من التزلزل، والتموج، ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أي: من كل صنف من أصناف النبات، التي تسر ناظرها، وتعجب مبصرها، وتقر عين رامقها، لأكل بني آدم، وأكل بهائمهم ومنافعهم، وخص من تلك المنافع بالذكر، الجنات المشتملة على الفواكه اللذيذة، من العنب والرمان والأترج والتفاح، وغير ذلك، من أصناف الفواكه، ومن النخيل الباسقات، أي: الطوال، التي يطول نفعها، وترتفع إلى السماء، حتى تبلغ مبلغًا، لا يبلغه كثير من الأشجار، فتخرج من الطلع النضيد، في قنوانها، ما هو رزق للعباد، قوتًا وأدمًا وفاكهة، يأكلون منه ويدخرون، هم ومواشيهم وكذلك ما يخرج الله بالمطر، وما هو أثره من الأنهار، التي على وجه الأرض، والتي تحتها من حب الحصيد، أي: من الزرع المحصود، من بر وشعير، وذرة، وأرز، ودخن وغيره.
      فإن في النظر في هذه الأشياء ( تَبْصِرَةً ) يتبصر بها، من عمى الجهل، ( وَذِكْرَى ) يتذكر بها، ما ينفع في الدين والدنيا، ويتذكر بها ما أخبر الله به، وأخبرت به رسله، وليس ذلك لكل أحد، بل ( لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) إلى الله أي: مقبل عليه بالحب والخوف والرجاء، وإجابة داعيه، وأما المكذب والمعرض، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.
      وحاصل هذا، أن ما فيها من الخلق الباهر، والشدة والقوة، دليل على كمال قدرة الله تعالى، وما فيها من الحسن والإتقان، وبديع الصنعة، وبديع الخلقة دليل على أن الله أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم، وما فيها من المنافع والمصالح للعباد، دليل على رحمة الله، التي وسعت كل شيء، وجوده، الذي عم كل حي، وما فيها من عظم الخلقة، وبديع النظام، دليل على أن الله تعالى، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد، وأنه الذي لا تنبغي العبادة، والذل [ والحب ] إلا له تعالى.
      وما فيها من إحياء الأرض بعد موتها، دليل على إحياء الله الموتى، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا قال: ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )
      ولما ذكرهم بهذه الآيات السماوية والأرضية، خوفهم أخذات الأمم، وألا يستمروا على ما هم عليه من التكذيب، فيصيبهم ما أصاب إخوانهم من المكذبين، فقال:   كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 ) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ( 13 ) وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ( 14 ) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) . أي: كذب الذين من قبلهم من الأمم، رسلهم الكرام، وأنبياءهم العظام، كـ « نوح » كذبه قومه، [ وثمود كذبوا صالحًا ] وعاد، كذبوا « هودًا » وإخوان لوط كذبوا « لوطًا » وأصحاب الأيكة كذبوا « شعيبًا » وقوم تبع، وتبع كل ملك ملك اليمن في الزمان السابق قبل الإسلام فقوم تبع كذبوا الرسول، الذي أرسله الله إليهم، ولم يخبرنا الله من هو ذلك الرسول، وأي تبع من التبابعة، لأنه - والله أعلم- كان مشهورًا عند العرب لكونهم من العرب العرباء، الذين لا تخفى ماجرياتهم على العرب خصوصًا مثل هذه الحادثة العظيمة.
      فهؤلاء كلهم كذبوا الرسل، الذين أرسلهم الله إليهم، فحق عليهم وعيد الله وعقوبته، ولستم أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم، خيرًا منهم، ولا رسلهم أكرم على الله من رسولكم، فاحذروا جرمهم، لئلا يصيبكم ما أصابهم.
      ثم استدل تعالى بالخلق الأول - وهو المنشأ الأول - على الخلق الآخر، وهو النشأة الآخرة.
      فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم، كذلك يعيدهم بعد موتهم وصيرورتهم إلى [ الرفات ] والرمم، فقال: ( أَفَعَيِينَا ) أي: أفعجزنا وضعفت قدرتنا ( بِالْخَلْقِ الأوَّلِ ) ؟ ليس الأمر كذلك، فلم نعجز ونعي عن ذلك، وليسوا في شك من ذلك، وإنما هم في لبس من خلق جديد هذا الذي شكوا فيه، والتبس عليهم أمره، مع أنه لا محل للبس فيه، لأن الإعادة، أهون من الابتداء كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ .   وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ( 17 ) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) . يخبر تعالى، أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه، حيث نهاه، أو يفقده، حيث أمره، وكذلك ينبغي له أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ) أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد ( عَنِ الْيَمِينِ ) يكتب الحسنات ( و ) الآخر ( عن الشِّمَالِ ) يكتب السيئات، وكل منهما ( قَعِيدٌ ) بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ملازم له .
      ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ ) خير أو شر ( إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ .   وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 19 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 ) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 ) . أي ( وَجَاءَتْ ) هذا الغافل المكذب بآيات الله ( سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ) الذي لا مرد له ولا مناص، ( ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) أي: تتأخر وتنكص عنه.
      ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) أي: اليوم الذي يلحق الظالمين ما أوعدهم الله به من العقاب، والمؤمنين ما وعدهم به من الثواب.
      ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ ) يسوقها إلى موقف القيامة، فلا يمكنها أن تتأخر عنه، ( وَشَهِيدٌ ) يشهد عليها بأعمالها، خيرها وشرها، وهذا يدل على اعتناء الله بالعباد، وحفظه لأعمالهم، ومجازاته لهم بالعدل، فهذا الأمر، مما يجب أن يجعله العبد منه على بال، ولكن أكثر الناس غافلون، ولهذا قال: ( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ) أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة هذا الكلام، توبيخًا، ولومًا وتعنيفًا أي: لقد كنت مكذبًا بهذا، تاركًا للعمل له فالآن ( كشفنا عَنْكَ غِطَاءَكَ ) الذي غطى قلبك، فكثر نومك، واستمر إعراضك، ( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ينظر ما يزعجه ويروعه، من أنواع العذاب والنكال.
      أو هذا خطاب من الله للعبد، فإنه في الدنيا، في غفلة عما خلق له، ولكنه يوم القيامة، ينتبه ويزول عنه وسنه، ولكنه في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله تخويف من الله للعباد، وترهيب، بذكر ما يكون على المكذبين، في ذلك اليوم العظيم.   وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ( 23 ) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ( 24 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ( 25 ) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ( 26 ) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 ) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 ) . يقول تعالى: ( وَقَالَ قَرِينُهُ ) أي: قرين هذا المكذب المعرض، من الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه، وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ويحضر أعماله ويقول: ( هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ) أي: قد أحضرت ما جعلت عليه، من حفظه، وحفظ عمله، فيجازى بعمله.
      ويقال لمن استحق النار: ( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) أي: كثير الكفر والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم.
      ( مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ) أي: يمنع الخير الذي عنده الذي أعظمه، الإيمان بالله [ وملائكته ] وكتبه، ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، ( مُعْتَدٍ ) على عباد الله، وعلى حدوده ( مُرِيبٍ ) أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب، والشح، واتخاذ الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: ( الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعًا، ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا، ( فَأَلْقِيَاهُ ) أيها الملكان القرينان ( فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ) الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها.
      ( قَالَ قَرِينُهُ ) الشيطان، متبرئًا منه، حاملا عليه إثمه: ( رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ) لأني لم يكن لي عليه سلطان، ولا حجة ولا برهان، ولكن كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في الآية الأخرى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ الآية .
      قال الله تعالى مجيبًا لاختصامهم: ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، ( و ) الحال أني ( قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها.
      ( مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) أي: لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا ولا أصدق حديثًا.
      ( وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر، فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم.   يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 ) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ( 34 ) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( 35 ) . يقول تعالى، مخوفًا لعباده: ( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ ) وذلك من كثرة ما ألقي فيها، ( وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) أي: لا تزال تطلب الزيادة، من المجرمين العاصين، غضبًا لربها، وغيظًا على الكافرين.
      وقد وعدها الله ملأها، كما قال تعالى لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه، فينزوي بعضها على بعض، وتقول: قط قط، قد اكتفيت وامتلأت.
      ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ ) أي: قربت بحيث تشاهد وينظر ما فيها، من النعيم المقيم، والحبرة والسرور، وإنما أزلفت وقربت، لأجل المتقين لربهم، التاركين للشرك، صغيره وكبيره ، الممتثلين لأوامر ربهم، المنقادين له، ويقال لهم على وجه التهنئة: ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ) أي: هذه الجنة وما فيها، مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، هي التي وعد الله كل أواب أي: رجاع إلى الله، في جميع الأوقات، بذكره وحبه، والاستعانة به، ودعائه، وخوفه، ورجائه.
      ( حَفِيظٍ ) أي: يحافظ على ما أمر الله به، بامتثاله على وجه الإخلاص والإكمال له، على أكمل الوجوه، حفيظ لحدوده.
      ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ ) أي: خافه على وجه المعرفة بربه، والرجاء لرحمته ولازم على خشية الله في حال غيبه أي: مغيبه عن أعين الناس، وهذه هي الخشية الحقيقية، وأما خشيته في حال نظر الناس وحضورهم، فقد تكون رياء وسمعة، فلا تدل على الخشية، وإنما الخشية النافعة، خشية الله في الغيب والشهادة ويحتمل أن المراد بخشية الله بالغيب كالمراد بالإيمان بالغيب وأن هذا مقابل للشهادة حيث يكون الإيمان والخشية ضروريًا لا اختياريًا حيث يعاين العذاب وتأتي آيات الله وهذا هو الظاهر .
      ( وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) أي: وصفه الإنابة إلى مولاه، وانجذاب دواعيه إلى مراضيه، ويقال لهؤلاء الأتقياء الأبرار: ( ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ) أي: دخولا مقرونًا بالسلامة من الآفات والشرور، مأمونًا فيه جميع مكاره الأمور، فلا انقطاع لنعيمهم، ولا كدر ولا تنغيص، ( ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ) الذي لا زوال له ولا موت، ولا شيء من المكدرات.
      ( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ) أي: كل ما تعلقت به مشيئتهم، فهو حاصل فيها ولهم فوق ذلك ( مَزِيدٌ ) أي: ثواب يمدهم به الرحمن الرحيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم ذلك، وأجله، وأفضله، النظر إلى وجه الله الكريم، والتمتع بسماع كلامه، والتنعم بقربه، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم.   وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 ) . يقول تعالى - مخوفًا للمشركين المكذبين للرسول:- ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) أي: أمما كثيرة هم أشد من هؤلاء بطشًا أي: قوة وآثارًا في الأرض.
      ولهذا قال: ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) أي: بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسوا الأشجار، وأجروا الأنهار، وزرعوا، وعمروا، ودمروا، فلما كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، أخذهم الله بالعقاب الأليم، والعذاب الشديد، فـ ( هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي: لا مفر لهم من عذاب الله، حين نزل بهم، ولا منقذ، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا أموالهم، ولا أولادهم.
      ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) أي: قلب عظيم حي، ذكي، زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من آيات الله، تذكر بها، وانتفع، فارتفع وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، واستمعها، استماعًا يسترشد به، وقلبه ( شَهِيدٌ ) أي: حاضر، فهذا له أيضا ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى.
      وأما المعرض، الذي لم يلق سمعه إلى الآيات، فهذا لا تفيده شيئًا، لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمة الله هداية من هذا وصفه ونعته.   وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 ) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( 39 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ( 40 ) . وهذا إخبار منه تعالى عن قدرته العظيمة، ومشيئته النافذة، التي أوجد بها أعظم المخلوقات ( السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، من غير تعب، ولا نصب، ولا لغوب، ولا إعياء، فالذي أوجدها - على كبرها وعظمتها- قادر على إحياء الموتى، من باب أولى وأحرى.
      ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) من الذم لك والتكذيب بما جئت به، واشتغل عنهم واله بطاعة ربك وتسبيحه، أول النهار وآخره، وفي أوقات الليل، وأدبار الصلوات. فإن ذكر الله تعالى، مسل للنفس، مؤنس لها، مهون للصبر.   وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ( 41 ) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 42 ) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( 43 ) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ( 44 ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ( 45 ) . أي: ( وَاسْتَمِعْ ) بقلبك نداء المنادي وهو إسرافيل عليه السلام، حين ينفخ في الصور ( مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) من الخلق .
      ( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ ) أي: كل الخلائق يسمعون تلك الصيحة المزعجة المهولة ( بالحق ) الذي لا شك فيه ولا امتراء.
      ( ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) من القبور، الذي انفرد به القادر على كل شيء، ولهذا قال: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ ) أي: عن الأموات .
      ( سِرَاعًا ) أي: يسرعون لإجابة الداعي لهم، إلى موقف القيامة، ( ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ) أي: هين على الله يسير لا تعب فيه ولا كلفة.
      ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) لك، مما يحزنك، من الأذى، وإذا كنا أعلم بذلك، فقد علمت كيف اعتناؤنا بك، وتيسيرنا لأمورك، ونصرنا لك على أعدائك، فليفرح قلبك، ولتطمئن نفسك، ولتعلم أننا أرحم بك وأرأف، من نفسك، فلم يبق لك إلا انتظار وعد الله، والتأسي بأولي العزم، من رسل الله، ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) أي: مسلط عليهم إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ولهذا قال: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) والتذكير، [ هو ] تذكير ما تقرر في العقول والفطر، من محبة الخير وإيثاره، وفعله، ومن بغض الشر ومجانبته، وإنما يتذكر بالتذكير، من يخاف وعيد الله، وأما من لم يخف الوعيد، ولم يؤمن به، فهذا فائدة تذكيره، إقامة الحجة عليه، لئلا يقول: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ
          آخر تفسير سورة ( ق ) والحمد لله أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا    
    • {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)}
        نجد الحق قال: إنه قد كتب على بني إسرائيل ما جاء بهذه الآية من قانون واضح؛ لأن معنى كلمة (من أجل) هو (بسبب)؛ و(أًجْل) مِن أَجَل شرا عليهم يَأْجُلُه، أي جنى جناية؛ أي من جريرة ذلك.
      أو من هذه الجناية شرعنا هذا التشريع: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً}. إذن فساعة تسمع (من أجل) فاعرف أنها تعني (بسبب ذلك) أو (بوقوع ذلك) أو (بجريرة ذلك) أو (بهذه الجناية كان ذلك).
        ولكن هل هذا الكَتْب خاص ببني إسرائيل؟. بعض العلماء قال: إن ابني آدم ليس ابني آدم مباشرة؛ ولكنهما من ذُرّية آدم وهما من بني إسرائيل. ونَردّ: من هو إسرائيل أولاً الذي نُسب إليه أبناء إسرائيل؟. إنه يعقوب بن إسحاق؛ بن إبراهيم، وإبراهيم يصل إلى نوح بأحد عشر أباً ويصل نوح إلى شيث، وبعد ذلك إلى آدم؛ فهل كانت كل هذه السلسلة لا تعرف كيف تدفن الميت إلى أن جاء بنو إسرائيل؟
      طبعاً لا؛ ومادام الحق أوضح أنه سبحانه قد بعث غُراباً يبحث في الأرض ليُرِيَه كيف يُواري سَوْءَة أخيه، فهذا دليل على أن هابيل هو أول إنسان تَمَّ دفنه، ومن غير المقبول- إذن- أن نقول: إن الإنسان لم يعرف كيف يواري جثمان الميّت إلى أن وصلت البشرِّية إلى زمن بني إسرائيل، وأنهم هم الذين علموا البشرية ذلك!
      ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟. سبب ذك أن بني إسرائيل اجترأوا لا على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية، وهي النفس التي تحمل رسالة النّبوة، ولذلك كان التخصيص، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا لهم المنهج التطبيقي؛ لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى يلفِتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله. الأنبياء- إذن- لا يأتون بشرع جديد، ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم. فلماذا قتل بنو إسرائيل بعضاً من الأنبياء؟ لقد تولّدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء.
      ونعلم أن الإنسان الخيّر حين يصنع الخير ويراه الشرّير الذي لا يقدر على صناعة الخير فتتولد في نفس الشرّير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير. ففاعل الخير كلما فعل خيراً إنما يلدغ الشرّير، ولذلك يحاول الشرّير أن يُزيح فاعل الخير من أمامه. وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية، وقد قال الحق عن بني إسرائيل: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ} [البقرة: 91].
        وجاء الحق هنا ب (من قبل) هذه لحكمة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عداءٍ مع اليهود، وقد تَهبّ عليهم الخواطر الشرّيرة فيحاولون قتل النّبي.
      وقد حاولوا ذلك. مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجراً، ودسُّوا له السّم، ولذلك قال الله: (من قبل) أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في الماضي؛ أما مع محمد المصطفى فلن تُمكَّنُوا منه.
        ويقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بني إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً}. وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو موسى الأشعري عنه: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
        وإياك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك، بالباطل، وتقف مكتوف اليدين؛ لأن الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعاً كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر والحُمى. فإن قَتل إنسان إنساناً آخر ووقف المجتمع الإيماني موقف العاجز. فهذا إفسادٌ في الأرض، ولذلك يجب أن يقابل المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة، بل كأنه قتلٌ للناس جميعاً ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض.
        ويكمل الحق سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}، وهذه هي الوحدة الإيمانية، فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة، كمن يعتدي على كل الناس، والذي يسعف إنساناً في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعاً.
      وفي التوقيع التكليفي يكون التطبيق العملي لتلك القاعدة، فالذي يقتل بريئاً عليه لعنة الله وغضبه ويعذبه الله، وكأنه قتل الناس أجمعين، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء فالجزاء واحد.
      {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئاً بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه، فلا يقف المعتدَى عليه بمفرده؛ لأن الذي يُجرِّئ أصحاب الشرّ هو أن يقول بعض الناس كلمة (وأنا مَالِي).
      و(الأنا مالية) هي التي تُجرِّئ أصحاب الشرور، ولذلك اقرأوا قصة الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض، فقد احتال أسد على الثورين الأحمر والأسود، فسمحا له بأكل الثور الأبيض. واحتال على الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر؛ وجاء الدور على الثور الأسود؛ فقال للأسد:
      - أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض. كأن الثور التفت إلى أن (أنا ماليته) جعلته ينال مصرعه. لكن لو كان الثيران الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه.
        وها هوذا الحديث النبوي الشريف الذي يمثل القائم على حدود الله والواقع فيها:
      عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجَوْا ونجوا جميعاً».
      كذلك مثل القائم على حدود الله ومثل الواقع فيها، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: لا تنظر إلى أن نفساً قتلت نفساً بغير حق، ولكن انظر إليها كأن القاتل قتل الناس جميعاً؛ لأن الناس جميعاً متساوون في حق الحياة. ومادام القاتل قد اجترأ على واحد فمن الممكن أن يَجترئ على الباقين.
      أو أن يكون فعله أُسْوَة لغيره، ومادام قد اسْتَن مثل هذه السُّنة، سنجد كل من يغضب من آخر يقتله، وتظل السلسلة من القتلة والقتلى تتوالى.
        والحديث النبوي يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).
      إنه الاحتياط والدقة والقيد: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض}. فكأن من قتل نفساً بنفس أو بفساد في الأرض، لا يقال عليه: إنه قتل الناس جميعاً، بل أحيا الناس جميعاً؛ لأن التجريم لأي فعل يعني مجيء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة. ولا يمكن أن تأتي لواحد ارتكب فعلاً وتقول له: أنا أؤاخذك به وأُعاقبك عليه بغير أن يوجَد نص بتجريم هذا الفعل.
        وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية تقول: (لا تجريم إلاّ بنص ولا عُقوبة إلاّ بتجريم). أي أننا نُرتّب العقوبة على الجريمة، أو ساعة يُجرّم فعل يُذكر بجانب التجريم العقوبة، فعل القصد هو عقاب مُرتكب الجُرم. لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة، والهدف هو منع الجريمة، ولذلك تجد الحكمة البشرية القائلة: (القتل أنفى للقتل)، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب} [البقرة: 179].
        لأننا يمكن أن نتساءل: أيّ قتل أنفى للقتل؟. وسنجد أن المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص. وهكذا نجد الأسلوب البشري قد فاتته اللمحة الفعَّالة في منع القتل الموجودة في قوله الحق: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}. وكلمة (أحياها) لها أكثر من معنى. وبالتحديد لها معنيان: المعنى الأول: أنه أبقى فيها الروح التي تحرك المادة، والمعنى الثاني: إحياء الروح الإيمانية، مصداقاً لقول الحق: {استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].
        ولنا أن نلتفت إلى أن الحق وضع الفساد في الأرض مُستحقاً لعقوبة القتل. والفساد هو إخراج الصالح عن صلاحيته، والمطلوب منا إيمانياً أن الأمر الصالح في ذاته علينا أن نُبقبه صالحاً، فإن استطعنا أن نزيده صلاحاً فلنفعل وإن لم نستطع فلنتركه على صلاحه.
        ولماذا جاء الحق بعقابٍ للفساد في الأرض؟. مدلول الأرض: أنها المنطقة التي استخلف الحق فيها البشر، وساعة يقول الحق: {أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض} فمعنى ذلك أن كل فساد عائد على كل مظروف في الأرض. وأول مظروف في الأرض أو السيد لها هو الإنسان. وعندما نفسد في الإنسان، فهذا معناه قتل الإنسان.
      إذن لابد أن يكون الفساد في أشياء أخرى: هي الأكوان أو الأجناس الأخرى؛ الحيوانات والنباتات والجمادات. والفساد في هذه الكائنات بكون بإخراجها عن مستحوزها ملكيةً، كأن تسطو جماعة على بضاعة إنسان آخر، أو أن يأخذ واحد ثمار زرع لأحد، أو أن يأخذ بعضاً من إنتاج منجم منجنيز أو حديد أو خلافه.
        إن الفساد نوعان: فساد في الأرض وهو متعلف بالمظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيد وهو الإنسان، والفساد فيه قتله أو أن تُسبب له اختلالاً في أمنه النفسي كالقلق والاضطراب والخوف. ونلحظ أن الحق سبحانه قد امْتَنّ على قريش بأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
        إذن فمن الفساد تفزيع الناس وترويعهم وهو قسمان: قسم تُفَزِّع فيه مَن لك عنده ثأر أو بينك وبينه ضغينة أو بُغض، أو أن تُفَزِّع قوماً لا علاقة بينك وبينهم ولم يصنعوا معك شيئاً. فمن يعتدي على إنسان بينه وبينه مشكله أو عداوة أو بغضاء، لا نُسمّيه خارجاً على الشريعة؛ بأخذ حقه، ولكنه لا يستوفي في حقه بيده بل لابد من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم، إنه يخرج على الشريعة فقط في حالة العُدوان.
        أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن بينه وبينهم عداء؛ فهذه هي الحرابة. كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ويخيف كل من يلقاه ويُسبِّب له القلق والرّعب والخوف على نفسه وماله، والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد. وذلك ما يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة.
      إذن. فالفساد في الأرض معناه إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيده الإنسان، والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرّعب فيه، وإما بشيء مملوك له من الأشياء التي دونه في الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات. فكأن الفساد في الأرض- أيضاً- يؤهل لقتل النفس: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً}.
      أي أن القتل بغير إفساد في الأرض؛ هو القتل الذي يستحق العقاب. أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر؛ لأن هناك فارقاً بين أن يُقتل قِصاصاً أو أن يقتل حدَّاً من المُشرِّع؛ وحتى عفو صاحب الدم عن القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ذلك؛ لأنها جريمة ضد المجتمع كله.
      ويتابع سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ} والمُسرف هو المُتجاوز للحَد، وهو من لا يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في الوجود.
        مثال ذلك: رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود؛ متخطياً منزلة الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط. مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة. والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق وحده، ولكن تتعداه إلى المجتمع. فيقال: إن فلاناً يجلس في منزله براحة وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس.
      إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان إنما يتعدّاه إلى غيره. ويحيا من يملك مالاً في رُعب، وعندما يُفجَع في زائد ماله، يفقد الرغبة في أن يتحرك في الحياة حركة زائدة تُنتج فائضاً لأنه لا يشعر بالأمن والأمان. وعندئذ يفقد العاجز عن الحركة في المجتمع السند والعون من الذي كان يتحرك حركةً أوسع. إذن من رحمة الله أنه فتح أمام البشر أبواب الآمال في التملُّك، مادام السعي إلى ذلك يتم بطرق مشروعة.
        ونضرب هذا المثل- ولله المثل الأعلى-: الرجل المُرابي الذي يُقرض مُحتاجاً مائة جنيه، كيف يطلب المرابي زيادة مِمّن لا يجد شيئا يقيم به حياته؟ إنه بذلك يكون قد أعطى مَن وجد أزيد مما أخذ منه مع فقره وعجْزه. إن ذلك هو الإسراف عينه.   نداء الايمان  
    • (قصة ابني آدم قابيل وهابيل)   {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)}
      ساعة يتلو الإنسان- أي يقرأ- فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صُور؛ ذلك أن الإنسان عندما يرى أمراً أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل صورة مكّونة للحدث منفصلة عن غيرها. وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتّب الكلمات، كلمة من بعد كلمة، وحرفاً من بعد حرف؛ إذن فالمتابعة والتلاوة أمر خاص بالكلام. {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق} والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر. ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر. مثال ذلك قوله الحق: {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم} [النبأ: 1-2].
      إذن فكلمة (نبأ) هي الخبر المهم الشديد الذي وقع وأثر عظيم.
      {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق} وساعة نسمع قوله الحق: (بالحق) فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ولا تبديل. ولذلك قال سبحانه: {وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ} [الإسراء: 105].
      أي أن ما أُنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشّر نزل. وعندما يقول سبحانه: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق} فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية. ومادام الله هو الذي يقصّ فهو سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة. ولذلك يسمّيه سبحانه (القصص الحق): {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} [آل عمران: 62].
      ويُسمّيه سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص} [يوسف: 3].
      وسبحانه يقول: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءَادَمَ بالحق إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر} ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون. وقد قرّب كل منهما قرباناً. والقُربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و(قربان) على وزن (فعلان). فيقال: (كَفَر كُفراناً) و(غَفَر غُفرانا). وهي صيغة مبالغة في الحدث. وهل قدّم الاثنان قرباناً واحداً؛ أم أن كلا منهما قدّم قرباناً خاصّاً به؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبّل من الآخر فمعنى ذلك أن كلاًّ منهما قدّم قرباناً منفصلاً عن الآخر؛ لأن الله قبل قربان واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر.
        والقربان: مصدر. والمصادر في التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها. فنحن نصف الرجل بقولنا: رجل عدل (وكذلك) امرأة عدل ورجلان عدل وامرأتان عدل ورجال عدل ونساء عدل. إذن فالمصدر يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث.
      ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي، وجاءت له حواء؛ وذلك من أجل اكتمال زوجية التكاثر؛ لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49].
      فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين. {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ} [يس: 36].
      ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل. وهناك بعض الكائنات لا نعرف لها ذكراً وأنثى؛ إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح: {وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً} [الحجر: 22].
      فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات، وإما أن الذكورة والأنوثة يوجدان معاً في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عُود الذّرة؛ حيث نجد ذكروته وأنوثته في شيء واحد؛ فقمّة العود فيها الذكورة ويخرج من كل (كوز) ذرة قدراً من الخيوط الرفيعة التي نسمّيها (الشّوشة). وهذه هي حبال الأنوثة. وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى (الشوشة)، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة. وعندما نمسك بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب اللقاح؛ لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح. وحبّة الذّرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج. إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة. {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا} [يس: 36].
      وكذلك قوله: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى}.
        وكل ما يقال له شيء لابد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لابد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى فيه ذرات موجبة وذرات سالبة. وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].
      وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36].
      وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمّة علم.
      وقد أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أحذوا بأسباب الله، لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن: {سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36].
        إذن فكل ما يجدُّ ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة وأنوثة؛ يدخل في نطاق: {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} [يس: 36].
      والإنسان سيد الوجود لابد له من زوجين ذكر وأنثى للتكاثر لا للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء مَِن لا شيء.
      وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في النمو. ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل إلى أن يصل إلى آدم وحواء. مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء قروناً أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن نصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله وهو آدم وخلق له حواء. فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل.
      إذن عندما نجري عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق الأول. وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيواناً أم نباتاً. وعندما نسير بالإحصاء إلى الأمام سنجد الأعداد تتزايد، وتكون القفزة كبيرة. وعندما يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثَّ منهُما رجالاً كثيراً ونساء، فإن عِلم الإحصاء إنما يؤكد ذلك. والتكاثر إنا يأتي بالتزاوج. والتزاوج جاء من آدم وحواء. وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف. أي يتزوج الذكر من الأنثى التي لم تولد معه في بطن واحدة.
      وجاء ربّنا لنا بهذه القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بياناً رمزياً. أوضح سبحانه: أن التباعد الزوجي كان موجوداً، ولكنه التباعد الإضافي، صحيح سيكون هذا الولد أخا للبنت هذه، وهذه البنت أخته؛ لكن حين تكون مولودة مع هذا، وتأتي بطن ثانٍ فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بُعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر في البطن الثاني. والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو البُعد الإضافي الذي كان مُتاحاً في ذلك الوقت؛ لأن العالم كان لا يزال في بداية طفولته الواهية.
      ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح آخر: (الذرة بتاعك خايب)، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت منها الذرة وأعطيها تقاوى منها، فأنا قد زرعت فداناً من ذرة، وأحجز كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها، فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك. فيكون ذرة جاري فيه شيء من البُعد. وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد أخرى. وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قوياً.
      كذلك التزاوج ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديماً لها، ومن العجيب أن هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علماً، يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداءً يجعلها قضية عامة فطرية.
      ويريد أن يمدح رجلاً بالفتوة، فيقول عنه:
      فتى لم تلده بنتُ عمٍ فيضوي ** وقد يضوي سليل الأقارب كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه؟! وبعد ذلك يقول:
      تجاوزت بنت العّمِ وهي حبيبة إليّ ** مخافة أن يضوي على سليلها أي هو يحبها، لكنه تجتوزها، حتى لا يضوي سليلها.
      ولذلك يقول الشاعر في هذه القضية:
      أنصح من كان بعيد الهم ** تزويج أولاد بنات العم فليس ينجو من ضوى وسقم   الشاعر العربي الذي ليس في أمة مثقفة ولا تعرف التهجين ولا تعرف هذه الأشياء، انتبه إلى هذه المسألة، كيف؟ إما أن يكون قد اهتدى إليها في واقع الكون فوجد أن زواج القريبات يُنشئ ملاً ضعيفاً، وإما أن يكون ذلك من رواسب الديانات السابقة القديمة والعظات الأولى التي ظل الإنسان محتفظاً بها، فإذا أراد الله أن يبدأ تكاثر فلابد أن يتزوج أخ بأخته، ولكن سبحانه يريد أن نتباعد، نعم أخ وأخت لكن نتباعد فنأخذ البطن المختلف، ولذلك حينما جاءوا لينسبوا قصة ابني آدم قابيل وهابيل، صحيح اختلفوا. مثلا (سِفْر التكوين) تكلم، ونحن نأخذ من (سفر التكوين) لأن التغيير فيه لا يهمهم. فقد كان التغيير في المسائل التي تهمهم، كمسألة نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما المسائل الأخرى لا تهم، ومع ذلك ففيها أيضا الكثير.
        إنهم يقولون: إن هابيل هو أول قتيل في الإنسانية وقتله (قابيل) وبعض القصص تقول: لم يكن يعرف كيف يُميته أو يقتله، فالشيطان مَثَّل له بأنه جاء بطير ووضع رأسه على حجر ثم أخذ حجرا آخر فضرب به رأسه حتى قتله، فعلّمه كيف يقتل، مثلما سيأتي الغراب ويعلّمه كيف يدفن، أما مسألة كيف يقتل هذه لم تأت عندنا، إنما كيف يدفن فقد جاءت عندنا. {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31].
      فهذا هو أول من توفّى وقتل، لكن كيف تقولون: إنه لم يكن يعرف القتل حتى جاءه الشيطان وعلّمه كيف يقتل أخاه؟ نقول: أنتم لم تنتبهوا. فالحق قال: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ...}.

       
      {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)}
        فقابيل-إذن- فاهم للقتل، فلا تقل إنه تعلم القتل، صحيح مسألة الدفن هذه جديدة، والقصة جاءت لتثبت لنا كيف بدأ التكاثر، ليجمع الله فيه بين الزوجين البُعد الإضافي؛ لأن البُعد غير الإضافي غير مُمكن في هذا الوقت فتكون هذه بالنسبة لهذا أجنبية، وهذا بالنسبة لهذه أجنبي إلى أن يتوسع الأمر، وبعد ذلك يُعاد التشريع بأن الأخت من أي بطن محرّمة على أخيها تحريماً أبديًّا، وبعد ذلك نتوسع في الأمر وننقله إلى المحرمات الأخريات من النسب والرضاع فلابد أن لهذه القصة أصلا. هم قالوا نقرب قرباناً.. لماذا؟ (إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر).
        لماذا يريدان أن يُقرِّبا قُرباناً؟ قالوا: إن أخت قابيل التي كانت في بطن معه كانت حلوة وجميلة، وأخت هابيل لم تكن جميلة، فطبقا لقواعد التباعُد في الزوجية كان على هابيل أن يأخذ أخت قابيل، وقابيل يأخذ أخت هابيل، فَحَسد قابيل أخاه وقال: كيف يأخذ الحلوة، أنا أولى بأختي هذه. وكان سيدنا آدم مازال قريب العهد بالوحي، فقال: قربوا قرباناً وانظروا. لأنه يعلم جيداً أن القربان سيكون في صف التباعد. {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر}. وبعض المفسرين يقول: والله نحن لم نعرف طريقة التقبّل هذه. نقول له: فلنبحث عن (قُربان) في القرأن. ننظر ما هو القُربان؟ قد وردت هذه الكلمة في القرآن في أكثر من موضع. قال: {الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} [آل عمران: 183].
      والحق يقول لهم ردًّا عليهم: {قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ} [آل عمران: 183].
      {وبالذي قُلْتُمْ} ما هو؟ إنه القُربان الذي تأكله النار. إذن كان القُربان معروفاً والاحتكام إلى قربان وتأكله النار علامة التقبّل من السماء ويكون صاحبه هو المُقرَّب، والقُربان في مسألة هابيل وقابيل لكي يعرف كل منهما من يتزوج الحلوة ومن يتزوج الأخرى، وتقبل الله قربان هابيل. لكن أرضِي المهزوم؟ لا، بل حَسَده، وهذا أول تأب على مُرادات الحق في تكليفه. {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر}. وقالت لنا القصص: إن هابيل كان صاحب ضرع أي ماشية وبذلك يكون عنده زبْد ولبن وجبن، وحيوانات للحم، والثاني صاحب زرع وقالوا: إن قابيل قدّم شِرار زرعه، وهابيل قدّم خيار ماشيته. {فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر}. {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} وسبحانه قال: {أَحَدِهِمَا} ولم يقل قابيل أو هابيل، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر}. فقوله: {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ} من الذي قال؟ الذي قال هو من لم يتقبل قربانه؛ لأنه لم يحقق مُراده وغرضه.
        {قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين}. وهل هذا الرّد مُناسب لقوله: (لأقتلنك)؟ نعم؛ لأن (لأقتلنك) بسبب أن قربانك قُبِل وقرباني لم يُقبَل. قال: فما دخلي أنا بهذه العملية؟ الدخل في العملية للقابل للقربان، فأنا ليس لي دخل فيها، وربّنا لم يتقبله لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين. وهو يعلم أنك لست بمتقٍ؛ فلن يتقبل منك لأنك تأبيت عن حكاية الزواج بابنة البطن المخالف، وهذا أول تمرُّد على منهج الله وعلى أمره لذلك قال هابيل: لا تلُمني فأنا لا دخل لي في القربان المتقبل؛ لأن هذا من عند الله. والله لم يظلمك؛ لأن ربنا يتقبل من المتقين. وأنت لست بمتقٍ؛ لأنك لم تَرْضَ بالحكم الأول في أن تبتعد البطون {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين}. {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين} [المائدة: 28].
      وكلمة (البسط) ضد (القبض)، وهناك: (بسط له)، و(بسط إليه).
      وتجد بسط له كأن البسط لصالح المبسوط له. {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ} [الشورى: 27].
      ولم يقل: إلى عباده. بل قال: لعباده، إذن فالبسط لصالح المبسوط له ولذلك لا يكون بإلى إلاّ في الشر، وشرحنا من قبل هذه المسألة وفي قوله الحق: {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} [المائدة: 11].
      إذن فالذي يبسط لك يعطيك نفعا والذي يبسط إليك يكون النفع له هو.
        {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}. وبيّنت {لتقتلني} مدلول {إليّ}. والعلة لا عجز عن مقابلة قوّتك بقوة، لا، وإنما لأنني أخاف الله، فليس في هذا تقصير في الدفاع عن نفسي لأنني أريد أن أُحَنّنِك تَحنيناً يرجعك إلى صَوابك. وساعة يأتي واحد يريد أن يقتل واحداً يقول له: والله لن أقاتلك لأنني أخاف ربنا.
      إذن فبيَّن له أن خَوفه من الله مسألة مُستقرة في الذهن حتى ولو كانت ضد استبقاء الحياة، وقد يعرفها في نفسه لأن أخاه كان يستطيع أن يقدّم دفاعاً قويا، لقد ردّ الأمر إلى الحقّ الأعلى. فلا تقل كان هابيل سَلبيّا لا. إنه صعّد الأمر إلى الأقوى.


            {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)}
      و(تبوء) أي ترجع من صفقة قتلى بأن تحمل إثم تلك الفعلة وتنال عقوبتها و(إثمك) وكذلك الإثم الذي كان من أجله أنك أردت أن تقتلني؛ لأنك تأبيت على المنهج، حين لم يتقبل ربنا قربانك. فقد أثمت في عدم قبولك التباعُد المطلوب في الزوجية. إذن فأنت عندك إثمان: الإثم الأول: وهو رفضك وعدم قبولك حكم الله ومنهجه وهو الذي من أجله لم يَقبل الله قربانك، والإثم الثاني: هو قتلي وأنا لا دخل لي في هذه المسألة؛ لأن الظالم لابد أن يأخذ جزاءه.
      إن هابيل يقول: {إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} لم يتمن أن يكون أخوه عاصياً. بل قال: إن كان يعصي بهذه يبوء بإثمي ويأخذ جزاءه؛ فيكون قد تمنى وأراد له أن يعود إلى العقاب ويناله إن فعل وهو لا يريده أن يفعل.
        {إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النار وَذَلِكَ جزاء الظالمين} وجزاء الظالمين تربية عاجلة للوقوف أمام سُعارات الظلم من الظالمين؛ لأن الحق لو تركها للآخرة لاستشرى الظُلم، والذي لا يؤمن بالآخرة يصبح مُحترفاً للظُلم، ولذلك قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى ضرب لنا ذلك المثل في سورة (الكهف) حينما ذكر لنا قصة ذي القرنين: الذي آتاه الله من كل شيء سببا فأتبع سببا، وبعد ذلك بين لنا مُهمة من أوتي الأسباب واتبع الأسباب، وجعل قضيته في الأرض لعمارة الكون وصلاحه، وتأمين المجتمع. ماذا قال: {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86].
      هذا في رأي العين، فحين تكون راكباً البحر. ترى الشمس تغرب في الماء، هي لا تغرب في الماء؛ لأن الماء هو نهاية امتداد أُفقك. {حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} [الكهف: 86].
      إذن فقد خيره: إمأ ان تعمل هذا وإما أن تعمل ذاك. {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} [الكهف: 87].
        ذلك هو القانون الذي يجب أن يسير في المجتمع. جتى لا أترك لمن لا يؤمن بإله ولا يؤمن بآخرة أن يستشري في الظلم. فَلْيأخذ عقابه في الدنيا. {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47].
      أي قبل الآخرة لهم عذاب. ولذلك حين يرى الناس مصرع الظالم، أو ترى الخيبة التي حدثت لهم فهم يأخذون من ذلك العظة، وجيلنا نحن عاصر ظالمين كثيرين نكل بعضهم ببعض؛ ولو مُكِّن المظلومون منهم ما فعلوا بهم ما فعله بعضهم ببعض، وأراد الحق أن يجري عذابهم أمامنا لتتضح المسألة. {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ} [الكهف: 87].
      ولا ينتهي أمره بذلك، وبعد ذلك يُردّ لمن؟ يُردّ لله: {ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} [الكهف: 87].
      يعني عذاب الدنيا؛ إن عذابها سيكون محتملا لأنه عذاب منوط بقدرة العاجزين، إنما العذاب في الآخرة فهو بقوة القادر الأعلى: {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} [الكهف: 88].
      تلك هي مهمة الله القوي المتين: إنّ الذي يظلم يضربه على يده، والذي يحسن عمله يعطيه الحوافز.

          {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)}
      ولا يقال: طوعت الشيء إلا إذا كان الشيء متأبيا على الفعل، فلا تقل: أنا طوّعت الماء، وإنما تقول: طوّعت الحديد، وقوله: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} فهل نفسه هي التي ستقتل وهي نفسه التي طوَّعَت؟
      ولننتبه هنا أن الإنسان فيه ملَكتان اثنتان؛ ملكة فطرية تُحبّ الحق وتُحبّ الهير، وَملَكَة أهوائية خاضعة للهوى، فالملكتان تتصارعان.
      {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} كأن النفس الشريرة الأهوائية تغلبت على الخيّرة، فكأن هناك تجاذبا وتصارعاً وتدافعاً؛ لأن الإنسان لا يحب الظلم إن وقع عليه. لكن ساعة يتصور أنه هو الذي يظلم غيره فقد يقبل على ذلك.
        {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} إنه لا يزال فيه بقيّة من آثار النُّبوة؛ لأنه قريب من آدم، ولاتزال المسألة تتأرجح معه، والشر من الأخيار ينحدر، والشر في الأشرار يصعد. فقد تأتي لرجل طيب وتثير أعصابه فيقول: إن رأيته لأضربنه رصاصة أو أصفعه صفعتين، أو أوبِّخه، والشرِّير يقول: والله إن قابلته أبصق في وجهه، أو أضربه صفعتين، أو أضربه رصاصة. إذن فالشر عند الشرِّير يتصاعد، ويجد العملية لا تكفي للغضب عنده فيصعدها. إنما نفس الخير تُنفِّس عن غضبها وبعد ذلك ينزل عنها بكلمة، ولذلك نلاحظ في سورة سيدنا (يوسف): {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8].
        والعجيب أنهم جاءوا بالتعليل الذي ضدّهم؛ كي يعرفك أن الهوى والغضب والحسد والحقد تقلب الموازين، {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} هذه تدل على أنهم أقوياء. وهي التي جعلت أباه يعقوب يعطف على الضمير. أنتم تقولون: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا} نعم؛ لأنه صغير، وسألوا العربي: مالك تُحب الولد الصغير، قال: لأن أيامه أقصر الأيام معي، البكر مكث معي طويلاً، فأنا أعوض للصغير الأيام التي فاتته ببعض الحب وأعطيه بعض الحنان، قولهم: {نَحْنُ عُصْبَةٌ} هذه ضدهم، مما يدل على أن الرجل ساعة تختلط عليه موازين القيم، يأتي بالحُجّة التي ضده ويظن أنها معه! وبعد ذلك يقولون: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8].
      واتفقوا. فبدأوا بقولهم: {اقتلوا يُوسُفَ} [يوسف: 9].
      وقالوا: {أَوِ اطرحوه أَرْضاً} [يوسف: 9].
      ولأنهم أسباط وأولاد يعقوب تنازلوا عن القتل والطرح في الأرض وقال قائل منهم: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة} [يوسف: 10].
      وهل يرتب أحد النجاة لمن يكرهه؟
      كأن النفس مازال فيها خير، فأولا قالوا: {اقتلوا يُوسُفَ} هذه شدة الغضب. أو {اطرحوه أَرْضاً} يطرحونه أرضاً فقد يأكله حيوان مفترس، فقال واحد: نلقيه في غيابة الجب ويلتقطه بعض السيارة، إذن فالأخيار تتنازل.
        {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين}. ونعرف الخسران قضية التجارة؛ أن هناك مكسباً وهناك خسارة، و(مكسب) أي جاء رأس المال بزيادة عليه، و(الخسارة) أي أن رأس المال قد قلَّ، فلماذا قتل أخاه وكان أخوه الوحيد وكان يأنس به في الدنيا؟ إن هذا حدث من حكاية البنت. فقد أراد أن يأخذ أخته الحلوة ويترك الأخرى، ولما قدّما القربان ولم يقبل منه تصاعد الخلاف وقتل أخاه، إذن فَفَقد رأس المال، بينما كان يريد أن يكسب {فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين}.

          {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)}
      ونعرف السوءة وهي ما تَتَكرّهه النفس. وهي من (ساء، يسوء، سوءا) أي يتكره، وسمينا (العَورة) سَوْءَة؛ لأنها تتكره.
        {فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض}. هل بعث الله حتى يُرِي قابيل كيف يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟ كلا الأمرين متساوٍ؛ لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغُراب، وإن كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله؛ فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين تنسب الأسباب تجدها كلها من الله.
        {قَالَ يَاوَيْلَتَا}. ساعة تسمع كلمة (يا ويلتي) يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علاّم وفلان عَلاَّمة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و(ويلة) تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني (يا ويلتي)؟
      إننا نعرف أن النداء يكون ب (يا) فكيف نُنادي الويل والهلاك؟ وهل يُنادي غير العاقل؟ نعم، يُنادي؛ لأنه مادام (الويل) و(الويلة): الهلاك. كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يُخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال فهذا وقتك! إذن فقوله: (يا ويلتي) يعني يا هلاك تعال، والمتنبي فطن لهذه المسألة وقال:
      كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ** وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا فأي داء هذا الذي تقول فيه: يا رب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ينادي الهلاك هو أكثر من الموت. المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر؛ ولذلك يقول الحق: {وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [الكهف: 49].
      إنهم يتمنّون الموت؛ وكذلك قال قابيل: (يا ويلتي).
      وهل تأتيه الويلة عندما يطلبها؟ لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلاً لأخيه.
      والمعنى الثاني: أن تأتي (يا ويلتنا) بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المُسبّب. فلو ظل عطاء الأسباب هو المُتحكّم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد زاول سلطانه في مُلْكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها تتحكم ونقول: لا. فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية القدرة وقيّوميّتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب.
        إذن فهناك أسباب وهناك مُسبّب. والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب. وحين لا يعطى السبب يتعجب الإنسان، ولذلك يَرُدّ الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه.
      وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهَم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم خِيفة. ويقول الحق عن هذا الموقف: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلَيمٍ فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 28-29].
      وقال الحق أيضاً في هذا الموقف: {وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71].
      وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم: {ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72].
      أي أن الأسباب لا تعطى، ورُدّت إلى المُسبّب. (أتعجبين من أمر الله)؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى الله، فلا عجب.
      وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها؛ فحين رأى السيدة مريم وهو الذي كَفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفُوجئ بأن عندها رزقا من طعامٍ وفاكهة. فسألها: {يامريم أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37].
      كيف يقول لها ذلك؟ لابد أنه رأى شيئا عندها لم يأتِ هُو به، وهنا ردَّت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
      وبشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن، وكأنها تقول ذلك كتمهيد؛ لأنها- كما قلنا سابقا- ستتعرض لمسألة لا يمكن أن يحلها إلا المُسبِّب، فسوف تلدِ بدون رُجولة، وهي مسألة عجيبة، لذلك كان لابد أن تفهم هي وأن تنطق: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
      وكأن الحق ينبئها ضمناً بأن عليها أن تتذكّر أنها هي التي قالت هذه الكلمة؛ لأن المستقبل سوف يأتي بك بأحداث تحتاج إلى تذكُر هذا القول. وهي التي تُذكِرّ سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية. ولنر دِقّة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38].
      كأن ساعة سمع هذه المسألة قرّر أن يدعو الله بأمنيته في المحراب نفسه. وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟ كان يعرفها، ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور، وبين حكم يكون في بؤرة الشعور.
      وقول مريم لزكريا: {هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} جعل القضية تنتقل من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} [آل عمران: 38].
      لماذا لم يدعُ ربَّه من البداية؟. كان سيدنا زكريا سائراً مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتُشغل عن المُسبِّب، وعندما سمع من مريم: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أراد أن يدخل من هذا الباب، فدعا ربه؛ وبشّره الحق بأنه سيأتي له بذريّة، وتعجّب زكريا مرّة أخرى من هذا الأمر شارحاً حالته: {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40].
      ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذّرّية وقفزت قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك. فقد جاء أمر الله: {كذلك قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 9].
        إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات. فهي إرادة الله. ويوضح الحق حيثيّات {إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ويأتيك بالولد؛ فيقول سبحانه: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9].
      وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها؛ ذلك أن سيدنا زكريا سوف يكون عنصراً شاهداً عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد، وهو كفيل لها، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر.
      ولماذا كل هذا التمهيد؟؛ لأن خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السُنن إنما حدث في أمور أخرى غير العِرْض، لكن عند مريم سيكون ذلك في العِرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة، لذلك لابد من كل هذه التمهيدات. إذن، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على الله.
      وها هوذا قابيل يقول: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب} كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف شيئاً يفعله الطائر الذي أمامه، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها أنت يا قابيل، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك، لكنك عاجز أن تفعل مثل هذا الغراب. فقابيل لا يقولها- إذن- إلا بعد أن مرّ بمعنى نفسيّ شديد قاسٍ على وجدانه.
      لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه، بينما عرف الغراب كيف يواري جثة غراب آخر. وهكذا أصبح قابيل من النادمين {فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين}.
      إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين (نَدِمٍ) و(نَدَمٍ). وعلى سبيل المثال: هناك إنسان قد جرؤ على حدود الله وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعام الأسرة. وعندما عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل كان ندم الرجل على أنه عصى الله، أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله؟. لقد ندم على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض، ليس من التوبة.
      وقد يكون هذا الشارب للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض، وهنا ندم لأن شُرب الخمر أوصله إلى هذا الحال؛ فهل ندم لأنه عصى ربه؟. أو ندم لأنه صار هُزْأة بين الناس؟. وكذلك كان ندم قابيل، لقد ندم على خيبته؛ لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب.


      نداء الايمان
       
         
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181242
    • إجمالي المشاركات
      2533824
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92768
    • أقصى تواجد
      1596

    أحدث العضوات
    الفراشة الجزائرية
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏فكرة انتهاء مهلة العمل والانتقال لدار الجزاء مهيبة جدًا ! لا توبة تُقْبَل ولا عمل يُصَحح . لو نطق أهل القبور لكانت موعظتهم : أنتم في دار العمل فأحسنوا العمل . نسأل الله حُسن الختام .

×