اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56586
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109826
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180333
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259968
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23495
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8144
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32128
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4158
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25482
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30242
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52879
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19524
      مشاركات
    4. 6677
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47547
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97000
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36822
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31797
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4882
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16433
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29717
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12927
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41312
      مشاركات
    2. 33892
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91724
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32192
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34856
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35766 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • السؤال
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
      حدثني أحد الأصدقاء الثقات أنه دخل على إحدى غرف الدردشة الصوتية ووجد فيها مسلمين ونصارى يتناقشون عن الديانتين ولاحظ أن أكثر موضوع كان يحرج المسلمين هو زواج الرسول –صلى الله عليه وسلم- من تسع نساء، وسؤالي هو: هل يمكن أن أجد لديكم شرحاً مفصلاً لهذه الزيجات وظروفها والحكمة منها؟ وجزاكم الله خيراً.

        الجواب
      الحمد لله، وبعد:
      أخي السائل: إن تعدد الزوجات معروف في الرسالات السابقة كما هو معروف في رسالة الإسلام وحياة الرسول –عليه الصلاة والسلام-.
      وإذا كنت تناقش نصرانياً أو تريد أن تناقشه فإليك الآتي:
      (1) إن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وغيرهم قد عددوا الزوجات ووصل الأمر بهم إلى الزواج من مئة مثل داود الذي لم يكتف بتسع وتسعين حتى تزوج تمام المئة بعد موت زوجها، وسليمان كانت له ثلاثمائة زوجة وأربعمائة جارية كما في العهد القديم مصدر التشريع الأول عند النصارى (ما جئت لأنقص بل لأكمل).
      (2) كافة نصوص العهد القديم تأذن بالتعدد وتبيحه للأفراد رسلاً أو بشراً.
      (3) لم يرد نص واحد يحرم التعدد في النصرانية وقد تأثر النصارى بالبلاد التي نشروا فيها النصرانية، ففي أفريقيا يأذنون بالتعدد ويبيحون الزواج للقساوسة، وفي أوروبا يحرمون التعدد ويحرمون الزواج على القساوسة ويبيحون الصداقة.
      (4) النص الذي يستشهد به النصارى على تحريم التعدد هو (أما علمتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكراً وأنثى وقال لهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فما جمعه الله لا يفرقه إنسان). فجعلوا من ضمير الإفراد في قوله:"امرأته" أن الرجل لا يتزوج إلا بامرأة واحدة. والنص قد فهم على غير وجهه، فالمسيح حين سئل "أيحل لأحدنا أن يطلق امرأته لأي علة كانت..." كانت إجابته كما سبق.
      (5) أن الإجابة لا صلة لها بالتعدد بل بالنهي عن الطلاق لا التزوج.
      (6) المسيحية تأذن بالتعدد بالتتابع ولكنها ترفضه بالجمع وينتهي التعدد عند الرابعة متتابعاً حتى لا يكون الإنسان غاوياً، وتسمح بالخلة والصديقة بدون حد ولا عد.
      (7) كان العرب يجمعون بين أربعين امرأة في وقت واحد كدليل على الرجولة وطلب للولد.
      (8) بالنسبة لتعدد زوجات الرسول –صلى الله عليه وسلم- فإنه يرجع إلى أسباب اجتماعية وتشريعية وسياسية يمكن بيانها –والله أعلم- على النحو التالي:

      أولاً: الأسباب الاجتماعية:
      (أ) زواجه من خديجة –رضي الله عنها- وهذا أمر اجتماعي أن يتزوج البالغ العاقل الرشيد وكان –عليه الصلاة والسلام- في سن الخامسة والعشرين وظلت معه وحدها حتى توفيت وهو في سن الخمسين.
      (ب) تزوج بعدها بالسيدة سودة بنت زمعة وكانت أرملة لحاجة بناته الأربع إلى أم بديلة ترعاهن وتبصرهن بما تبصر به كل أم بناتها.
      (ج) حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها بعد وفاة زوجها إكراماً لأبيها سـ3هـ.
      (هـ) زينب بنت خزيمة استشهد زوجها في أحد فتزوجها سـ 4هـ.
      (و) أم سلمة هند بنت أمية توفى زوجها ولها أولاد فتزوجها سـ4هـ.

      ثانيا : الأسباب التشريعية:
      - زواجه من عائشة –رضي الله عنها- فلقد كان بوحي، حيث رآها في المنام ورؤيا الأنبياء وحي.
      - زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الذي كان يدعى زيد بن محمد بالتبني فنزل قول الله تعالى:"وما جعل أدعياءكم أبناءكم" [الأحزاب: 4] "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" [الأحزاب: 5] وبعد خلاف مع زوجها طلقت منه وأمر الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن يتزوجها لإقامة الدليل العملي على بطلان التبني، وذلك سنة خمسة للهجرة.

      ثالثاً: الأسباب السياسية:
      كان لبعض زيجات الرسول –صلى الله عليه وسلم- بعداً سياسياً من حيث ائتلاف القلوب والحد من العداوة وإطلاق الأسرى...إلخ، ومن هن:
      (1) جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة وقعت في الأسر، تزوجها سنة 6 هـ.
      (2) أما حبيبة رملة بنت أبي سفيان، تنصر زوجها وبقيت على إسلامها، وكان للزواج منها كبير الأثر في كسر حدة أبي سفيان في العداء للإسلام، حتى هداه الله.
      (3) صفية بنت حيي بن أخطب كانت من سبي خيبر أعتقها الرسول وتزوجها سـ7هـ.
      (4) ميمونة بنت الحارث تزوجها سـ 7هـ.
      مات من هؤلاء اثنتان في حياة الرسول وهما خديجة وزينب بنت خزيمة وتوفى الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن تسع.
      وأما الجواري فهما مارية القبطية التي ولدت إبراهيم وتوفى صغيراً، وريحانة بنت زيد القرطية.

      إذن التعدد بدأ في سن الثالثة والخمسين من عمره فهل هذا دليل الشهوة، ومن يشته هل يتزوج الثيبات وأمهات الأولاد والأرامل، كيف وقد عرض عليه خيرة بنات قريش فأبى!

      إن التعدد كله لحكم منها –فضلا عما سبق- بيان كل ما يقع في بيت النبوة من أحكام عملاً بقوله تعالى:"واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة" [الأحزاب: 34] وإذا كان الحكم الشرعي لا يثبت بخبر الواحد غالباً فإن للتعدد أثره في إثبات الأحكام بالتواتر، كما أن زوجات الرسول –صلى الله عليه وسلم- اختلفت أحوالهن بين غنى وفقرٍ وحسب ونسب وبساطة لكل من يتزوج بأي صورة من هذه الصور قدوة في حياة الرسول –صلى الله عليه وسلم- مع زوجته التي تطابق حال زوجه وتعددهن فيه بيان لكل ما يمكن أن يقع من النساء داخل البيت كالغيرة والصبر والتآمر وطلب الدنيا؟ والتواضع ونشر العلم والرضى... إلخ.
        إن بسط الكلام في هذا الأمر متعذر في هذه العجالة واقرأ زوجات النبي –صلى الله عليه وسلم- لبنت الشاطئ. تعدد الزوجات لأحمد عبد الوهاب. الرحيق المختوم (الجزء الثاني) للمباركفوري.   أ.د. بكر بن زكي عوض   صيد الفوائد
    • د. أنس محمد الغنام
      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم،،، وبعد.
      دائما ما تثار قضية الترحم على غير المسلم عند موته، عندما يموت إنسان غير مسلم له نضال معروف ضد الظلم، أو جهاد مشهور ضد البغي، أو يكون له من أعمال الخير ما سارت به الركبان، وتحدث به الزمان، فعندما يموت مثل هذا الإنسان يبدأ هناك كثير من الشفقة عليه، والتعاطف معه، محبة أن ينجيه الله من عذاب جهنم لجهاده المشكور وبره الموفور، فيبدأ كثير من المسلمين بالدعاء له بالرحمة والمغفرة وفي ظنهم أن هذا نافعه، وأنه من الممكن أن يرحمه الله لما سلف له من أعمال خير وبر. وهم ما فعلوا ذلك إلا استعظاما ان يعذب الله – عز وجل - مثله، مع ما له من كل هذه الأعمال الجليلة، وفي غمرة هذا التعاطف ينسون أن الترحم على غير المسلم إذا مات لا يجوز؛ لأنه يناقض العقيدة، ويصادم القرآن، ولكنهم لا يأبهون لهذا فيؤولون آيات القران الكريم لتوافق ما ذهبوا إليه، ويلوون أعناق النصوص لتؤيد ما يتوهمون أنه الصواب. وما ساقهم إلى ذلك إلا الشفقة والعطف.

      ومن المسلمين من يذهب إلى الترحم على غير المسلم، بداعي إظهار أن الإسلام دين الرحمة، وأنه دين الإنسانية، وما فعلوا ذلك إلا لإرضاء أهل الأديان الأخرى، عندما رموا الإسلام بأنه دين الإرهاب والقسوة، ودين التطرف والعنف، فأرادوا أن يبينوا لهم خطأ مزاعمهم، وأن الإسلام يسع الجميع برحمته حتى الكافر به، المعاند لآيته تسعه الرحمة، أليس الله هو القائل (ورحمتى وسعت كل شيء)، والكافر شيء من الأشياء إذا تسعه رحمة الله- عز وجل- هكذا يقولون.

      لكن عند الحقيقة نجد أن هؤلاء وهؤلاء قد جانبهم الصواب فيما ذهبوا إليه، وأن الترحم على غير المسلم لا يجوز، وهذا ما ذهب إليه كافة العلماء والأدلة على ذلك كثيرة، والبراهين عليه موفورة، فمن هذه الأدلة:
      1- قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)( )، فهذه الآية دليل قاطع على عدم جواز الترحم على غير المسلم؛ لأن هذه الآية نزلت في نهي النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لعمه أبي طالب( )، ومن هو عمه أبو طالب؟ إنه الذي رباه صغيرا، وكفله يتيما واعتنى به شابا، فكان في مقام أبيه، واستمر هذا البر من أبي طالب إلى ما بعد بعثته، فقد كان يحميه من أذى المشركين، ويمنعه من عدوانهم، ومع كل هذه الأيادي البيضاء على النبي- صلى الله عليه وسلم- لما مات كافرا نهاه الله -عزو جل- أن يطلب له المغفرة والرحمة، فكيف بمن هو دون أبي طالب من عامة غير المسلمين ولم يقدموا للإسلام ورسول الإسلام ما قدمه ابو طالب؟ ولو كان طلب الرحمة والمغفرة لغير المسلم جائزة لكن أبو طالب أولى الناس بها0

      2- سيدنا إبراهيم- عليه السلام- لما مات أبوه كافرا تبرأ منه، بعد أن وعده أن يستغفر اللهَ – عز وجل- له. قال تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) ( ) لقد كان الوعد من إبراهيم بالاستغفار لأبيه حال حياته وهذا جائز عند كافة العلماء، بمعنى أن يهديه الله – عز وجل- للإيمان، فيغفر له الشرك بعد أن يتوب منه، لكن لما مات كافرا تبرأ منه، وانقطع عن الدعاء له، ولو كان الدعاء بالرحمة والمغفرة جائزا بعد الموت لدعا إبراهيم – عليه السلام- لأبيه، ولم يعلن البراءة منه ومن كفره.

      3- وهذا نوح- عليه السلام- لما مات ولده كافرا، عندما أبى أن يركب معه السفينة، فمات غرقا، أخذت نوحا الشفقة على ولده، والعطف عليه، فنادى ربه أن ينجيه من العقاب، وأن يرحمه منالعذاب. قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) ( ) هنا رد الله-عز وجل- عليه ردا حاسما ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ( ) يعنى لا تدعو له، ولا تأخذك شفقة به، فهو ليس من أهلك على الحقيقة، وإنما أهلك هم من آمنوا بك، وصدقوا برسالتك( )، وهل هناك أغلى عند الوالد من ولده، فلذة من كبده، وقطعة من نفسه؟ ومع ذلك نهى الله- عز وجل- نوحا أن يدعو له؛ لأنه مات كافرا غير مؤمن.

      4- إن الدعاء بالرحمة لغير المسلم بعد موته يصادم كثيرا من آيات القرآن الكريم، التى تجعل مصير الكافرين بالإسلام هو النار، فكيف يحكم الله – عز وجل- عليهم أنهم من أهل النار، وأنهم غير مرحومين، ثم يأتي أحدهم هكذا بكل هدوء؛ ليقول إن الترحم عليهم جائز، ولاشيء فيه. الله سبحانه وتعالى قال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ( ) وجعل من لم يؤمن بالله ورسوله كافرا معذبا في جهنم وبئس المصير، (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) ( ). إذا الكافر بنص القرآن الكريم هو من لم يؤمن بالله ورسوله، وعلى هذا فكل من ليس بمسلم فهو كافر، وحكم الله على الكفار بأن لهم نار جهنم خالدين فيها. قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) ( )، والآيات كثيرة جدا في توعد الكفار بنار جهنم والخلود فيها، ثم يأتي من يضرب بكل هذه الآيات عرض الحائط، ويزعم جاهلا أو متعمدا أنه يجوز الترحم على غير المسلم.

      ولكن هناك بعض المتشابهات التي تمسك بها من زعم جواز الترحم على غير المسلم، وظنوا أنها أدلة قوية على ما ذهبوا إليه، ولكن عند التحقيق نجد أنها لا ترقى إلى مستوى الأدلة، فمن ذلك:
      1- قوله تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) قالوا: إن رحمة الله – عز وجل- تسع كل شيء، والكافر شيء من الأشياء إذا ستسعه رحمة الله. فلماذا تحجرون واسعا، وتمنعون رحمة الله من الكافر في الآخرة؟ ولو كان عند هؤلاء بعضا من التعقل والإنصاف لأكملوا الآية؛ لأن تكملة الآية تقرر تماما نقيض ما ذهبوا إليه، بل تعد الآية دليلا قويا جدا على أن الكافر لا تناله رحمة الله يوم القيامة، والآية كاملة هي (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ) ( ) فالله-عز وجل- يقرر أن الرحمة لا تنال إلا من اتبع الرسول النبي الأمي، وآمن به.والنبي الأمي هو محمد صلى الله عليه وسلم، إذا الآية دليل عليهم لا لهم، ولكن عندما يغيب العقل، ويحضر الهوى تكون هذه هي النتيجة الاستدلال بما ينقض فكرتهم، ويهدم مذهبهم.

      2- ومن المشتبهات التي تمسكوا بها، وحسبوها دليللا لما ذهبوا إليه أن الرحمة غير المغفرة، والمنهي عنه عدم طلب المغفرة لغير المسلم، بمعنى مغفرة ذنب الكفر الذي اقترفه، أما الرحمة فتجوز؛ لأن الله- عز وجل- قد يرحمه بتخفيف العذاب عنه يوم القيامة، حتى ولولم يخرج من النار. هذه هي شبهتهم، ولكن هي شبهة واهية جدا، وتدل على خلل في نمط التفكير والاستدلال، والرد على هذه الشبهة من ثلاثة أوجه. الأول: أن من يطلب الرحمة لغير المسلم، إنما يقصد أن لا يعذب مطلقا في نار جهنم، وأن يكون مصيره إلى الجنة، وهذا هو أول ما يتبادر إلى ذهن الداعي عندما يدعو لأي ميت عموما، فالرحمة التي يقصدها دخول الجنة والنجاة من النار، ومن المستبعد جدا أن أي إنسان يدعو لميت بالرحمة يكون مقصوده تخفيف العذاب عنه فقط يوم القيامة، مع اعتقاده أنه من المعذبين في جهنم. الثاني: أن الله -سبحانه وتعالى- حكم بعدم تخفيف العذاب عن الكافرين، وغير المسلم كافر بنص القرآن الكريم، والدليل على عدم التخفيف قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ) ( ) ، الثالث: أن استعمال الرحمة والمغفرة في لغة القرآن الكريم غالبا ما يكون بمعنى واحد وهو النجاة من العذاب؛ لذلك يجعل الله أحيانا الرحمة في مقابل العذاب، مثل قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) ( ) وقوله: ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ) ( ) وأحيانا يجعل المغفرة مقابل العذاب مثل قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ( ) ، وقوله: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( )، إذا الرحمة والمغفرة في غالب استعمالات القرآن الكريم بمعنى واحد، وهو النجاة التى تقابل العذاب؛ لذلك لما أراد ابن منظور في لسان العرب أن يعرف الرحمة قال:" والرَّحْمَةُ: الْمَغْفِرَةُ "( ).

      3- قالوا: إن الآيات التي تنهى عن طلب المغفرة لغير المسلم خاصة بالمشركين، فأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو إبراهيم عليه السلام، وابن نوح عليه السلام كلهم كانوا مشركين بالله عابدين للأصنام، ولو سلمنا بعدم جواز الترحم عليهم، لم نسلم لك في عدم جوازه لأهل الكتاب؛ لذلك لا مانع من الترحم على أهل الكتاب، خاصة وأن الله- عز وجل- أباح التزوج منهم، فكيف يحرم على المسلم أن يترحم على زوجته الكتابية، وهي زوجته أم أولاده، ورفيقة حياته؟ والجواب عن هذا: أن كلا من المشركين وأهل الكتاب كفار بنص القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) ( )، فالمشركون مثلهم مثل أهل الكتاب في الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكل من لم يؤمن بمحمد فهو كافر، وله عذاب جهنم يوم القيامة قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) ( ). فها هو القرآن الكريم جعل المشركين وأهل الكتاب كفارا ومخلدين في نار جهنم يوم القيامة، ولم يفرق بينهم، فكيف تأتي وتفرق أنت بينهم، وتقول: المشرك لا يجوز الاستغفار له، بينما يجوز لأهل الكتاب ؟

      4- قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ( ) فلو كانت المغفرة والرحمة غير جائزة للكافر لما جعلها عيسى- عليه السلام- احتمالا يجوز وقوعه من الله- عز وجل- ولكن لما كانت محتملة ومن الجائز أن يرحمهم الله كما قال عيسى إذا يجوز الدعاء بالرحمة والمغفرة لغير المسلم. والرد على ذلك أن عيسى- عليه السلام- لم يكن في مقام طلب الرحمة لهم والاعتذار عن كفرهم، ولو كان الأمر كذلك لختم الآية بقوله: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، ولكن المقام مقام إظهار هيمنة الله عز وجل على خلقه، وملكيته التامة لهم يوم القيامة، وأنه القادر عليهم فلا يعجزه شيء من أمرهم، فعيسى عليه السلام يعلن تبرؤه من كفرهم، ثم بعد ذلك يعلن مدى قوة الله وقدرته التامة على كل شيء، وأنه نافذ التصرف في عباده، إما بتعذيبهم أو برحمتهم ومغفرة ذنوبهم؛ لذلك ختم الآية بقوله:( إنك أنت العزيز الحكيم) إذا الآية ليست لطلب الرحمة لهم، وإنما لإظهار قدرة الله التامة عليهم، وتصرفه الكامل فيهم، ومن كان هذا شأنه لا يجوز أن ينسب له الصاحبة والولد( ). على أن بعض العلماء قد ذهبوا إلى أن الحوار الذي دار بين الله عزو جل وعيسى عليه السلام كان في الدنيا وليس يوم القيامة، فعيسى في السماء بعدما رفعه الله إليه، ولا مانع من أن تكون هذه المحاورة قبل يوم القيامة، وعلى هذا تكون احتمالية مغفرة الله لهم الواردة في الآية، مقصود بها أن يتوبوا من كفرهم، فيتوب الله عز وجل عليهم، ويغفر لهم، وممن ذهب إلى هذا شيخ المفسرين الإمام الطبري( ). وعلى هذا فلا دليل لهم في هذه الآية على جواز الترحم على غير المسلم بعد موته، لتطرق الاحتمال أنها في الدنيا، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال كما هو معروف.

      5- قالوا: إن قوله تعالى على لسان إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ( )، يدل على جواز الترحم على غير المسلم، لأن إبراهيم عليه السلام طلب الرحمة لمن عبد الأصنام، والجواب عن هذا: أن هذه الآية مقصود بها طلب الرحمة للمشرك الذي على قيد الحياة، بأن يتوب من شركه، فيتوب الله عليه ويغفر له ذنب هذا الشرك( )، وهذا غير ممنوع كما ذهب إليه عامة العلماء، والدليل على أن المقصود بها من كان على قيد الحياة، أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من أبيه لما مات كافرا، وانقطع عن الدعاء له، كما سبق ذكره، فكيف يترك الدعاء لأبيه بالرحمة، ويطلبها لغيره؟ والوارد في هذه الآية مثل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لقومه بالمغفرة (اللهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ( ). وقال بدر الدين العيني – رحمه الله – في شرح هذا الحديث "معناه : اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة؛ لأن ذنب الكفر لا يُغفر، أو يكون المعنى : اغفر لهم إن أسلموا"( ) .

      مما سبق يتبين قوة الأدلة على عدم جواز الترحم على غير المسلم بعد موته؛ لذلك ذهب كافة العلماء إلى ذلك، قال النووي – رحمه الله - : "الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع ." ( ). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : "فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنَّة والإجماع ." ( )


      والحمد لله رب العالمين   صيد الفوائد
    • د. أحمد عبد المجيد مكي  
      بسم الله الرحمن الرحيم
       - عَبَس: اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة الثمانون في ترتيب المصحف، وهي مكِّيَّة بالاتفاق، عدد آياتها اثنتان وأربعون آية.
       - ومعنى عبَس: قطَّب ما بين عينيه وتجهَّم لإبداء الاستياء وعدم الرِّضا، وتولى: أي أعرض ولم يهتم بسؤال سائل وإقبال الزائر.
       - والمراد ب(الأعمى) هو ابن أم مكتوم. أسلم بمكة وهو ضرير البصر، وهاجر إلى المدينة، وكان يُؤَذِّنُ للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مع بلال ابن رباح. وكان رسول الله –إذا خرج في غزوة- يستخلفه على المدينة يصلي بالناس.
      - و سبب نزول صدر هذه السورة أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فَكَرِهَ رسول الله أن يقطع عليه ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كلامه، فعبس وأَعْرَضَ عنه فَنَزَلَتْ الآيات. فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟.
             - تجدر الإشارة إلى أنَّ ذِكْره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه، ولكن للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام، فكأنه قيل: إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة والتقريب والترحيب، فكيف يليق بك يا محمد أن تَخُصَّه بالعبوس والإعراض!!
       
      وفي هذه الآيات دروس ووقفات تربوية كثيرة، وفي السطور التالية اشارة إلى أبرز هذه الوقفات.

      الوقفة الأولى- مناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك:
           مناط العتاب- الذي تؤتيه لهجة الآية - إنما هو عتاب على العبوس والتولي، وليس على ما حَفَّ بذلك من المبادرة بدعوة، وتأخير إرشاد، لأن ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا، إذ ما سلك إلا سبيل الاجتهاد المأمور به فيما لم يوح إليه فيه. وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] ... فلا قِبَل له بعلم المغيبات إلَّا أن يطلعه الله على شيء منها، فلا يعلم أن هذا المشرك مُضْمر الكفر والعناد، وأن الله يعلم أنه لا يؤمن، ولا أن لذلك المؤمن في هذا الوقت- صفاء نفس وإشراق قلب -لا يتهيآن له في كل وقت... فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم([1]).
      وقد أشار الفخر الرازي (ت 606هـ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا- لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين- فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة ([2]).

      الوقفة الثانية- التنويه بسمو منزلة المؤمنين وعلو قدرهم:
         من المقاصد الأساسية لسورة عبس: التنويه بضعفاء المؤمنين، وعلو قدرهم، ووقوع الخير من نفوسهم والخشية، والحث على الترحيب بهم والإقبال عليهم وقضاء حوائجهم، وعدم إيثار الأغنياء عليهم([3]).
          ويُروى أنه صلّى الله عليه وسلّم ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدّى لغني. وقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا. فعن مسروق قال: دخلت على عائشة ، وعندها رجل مكفوف تَقْطَعُ له الفاكهة وتُطْعِمُهُ إِيَّاها ، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟ فقالت: ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم([4]).
          وفي السورة أيضا كما يقول البقاعي (ت: 885هـ)  إشارة إلى أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم القابلية والتهيؤ للكفر والفجور، وإلى أن المصائب (إشارة إلى عمى ابن أم مكتوم) أمارة للطهارة والإقبال واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف الأعمال، فكل من كان فيها أرسخ كان قلبه أرق وألطف فكان أخشى، فكان الإقبال عليه أحب وأولى ([5]). 

      الوقفة الثالثة- اجتهاد النبي جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين:
      في هذه الآيات" أعْلَمَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ذلك المشرك الذي مَحَّضَه نُصْحه لا يرجى منه صلاح، وأن ذلك المؤمن -الذي استبقى العناية به إلى وقت آخر- يزداد صلاحا تفيد المبادرة به، لأنه في حالة تلهفه على التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد استعدادا منه في حين آخر....
       وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوعه، وأنه جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين بحسب الظاهر، لأن السرائر موكولة إلى الله تعالى، وأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطىء بحسب ما نصبه الله من الأدلة، ولكنه قد يخالف ما في علم الله، وأن الله لا يقر رسوله صلى الله عليه وسلم على ما فيه مخالفة لما أراده الله في نفس الأمر([6]).
         فالنبي عليه الصلاة والسلام -كما يقول بن حزم (ت 456هـ) - اشتغل بما خاف فوته من عظيم الخير، عما لا يخاف فوته. وهذا غاية النظر في الدين والاجتهاد في نصرة القرآن- في ظاهر الأمر- ، ونهاية التقرب إلى الله، الذي لو فعله اليوم منا فاعل، لأُجِر. فعاتبه الله عزّ وجلّ على ذلك، إذ كان الأولى عند الله تعالى أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي([7]).
       
      الوقفة الرابعة - دلالة القصة على صدق الرسول في تبيلغ الوحي:
          بَلَّغَ النبي- صلى الله عليه وسلم- رسالة ربه أتم البلاغ وأكمله، فكان يقرأ على الناس ما أنزل إليه من ربه -كما هو- مهما بلغت شدة العتاب فيه.
       يقول القاسمي (ت 1332هـ): في هذه الآيات ونحوها، دليل على عدم ضَنِّه صلى الله عليه وسلم بالغيب. قال بعض السلف: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه([8]).
            ويقول محمد بن عبد الله دراز (ت 1377هـ) في بيان مصدر القرآن: وكأني بك ها هنا تحب أن أقدم لك من سيرته المطهرة مثلًا واضح الدلالة على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي الذي نحن بصدده، وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه، من ذلك:
      مخالفة القرآن لطبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعتابه الشديد له في المسائل المباحة: حيث كانت تنزل به نوازل ، وكان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. فيخطئه في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالعتاب، حتى في أقل الأشياء خطرًا ... أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره- حين بدا له خلاف ما يرى- أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟ ... ([9]).

      الوقفة الخامسة- العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب:
      لو نظرت أخي الكريم" في الأمور التي عوتب فيها النبي لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه عليه السلام كان إذا ترجح بين أمرين- ولم يجد فيهما نص- إنما اختار أقربهما إلى رحمة أهله، وهداية قومه، وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله، فلم يكن بين يديه نص فخالفه عن قصد، بل هو مجتهدٌ بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير، ... على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية. هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب هذا العتاب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟([10]).
            فقد كان صلى الله عليه وسلم في حِجْر (أي في كَنَف وحماية) تربية ربه، لكونه حبيبا. فكلما ظهرت نفسه بصفة حَجَبَتْ عنه نور الحق، عوتب وأُدِّب إلى أن تخلق بأخلاقه تعالى ([11]).

      الوقفة السادسة- صلاح الفرد وسيلة لصلاح الأمة:
      نحن أمام حالين : "حال مؤمن هو مظنة الازدياد من الخير، وحال كافر مصمم على الكفر، تؤذن سوابقه بعناده، وأنه لا يفيد فيه البرهان شيئا.
        وإن عميق التوسم في كلا الحالين قد يكشف للنبي صلى الله عليه وسلم -بإعانة الله- رجحان حال المؤمن المزداد من الرشد والهدي ، على حال الكافر الذي لا يغر ما أظهره من اللين -مصانعة أو حياء من المكابرة-، فإن كان في إيمان الكافر نفع عظيم عام للأمة بزيادة عددها ونفع خاص لذاته. وفي ازدياد المؤمن من وسائل الخير وتزكية النفس نفع خاص له، والرسول مخاطب بالحفاظ على مصالح المجموع ومصالح الآحاد، بيد أن الكافر صاحب هذه القضية تنبىء دخيلته بضعف الرجاء في إيمانه لو أطيل التوسم في حاله، وبذلك تعطل الانتفاع بها عموما وخصوصا، وتمخض أن لتزكية المؤمن صاحب القضية نفعا لخاصة نفسه، ولا يخلو من عود تزكية بفائدة على الأمة بازدياد الكاملين من أفرادها... فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة، للتنبيه إلى الاهتمام بتتبع تلك المراتب، وغرس الإرشاد فيها على ما يرجى من طيب تربتها، ليخرج منها نبات نافع للخاصة وللعامة([12]).

      الوقفة السابعة- غاية الدين تزكية النفس بمعرفة الله وعبادته:
      التزكية: معناها تطهير النفس. يقال : زكا الزَّرعُ: نما وزاد ، وزكا الشَّخصُ وتزكَّى: اهتدى وصلُح وتطهّر.
      وقد اهتمت الآيات الكريمة بموضوع التزكية، يشير إلى ذلك قوله تعالى : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس: 3-4].
      والمعنى: وما يدريك إذا أقْبَلْتَ على الأعمى بالإرشاد، فإنه قد يتزكى تزكية عظيمة كانت نفسه متهيئة لها ساعتئذ، إذ جاء مسترشدا حريصا. إذ الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان، لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة ...
      وجملة (أو يذكر) عطف على (يزكى)، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه، أو تذكر لما كان في غفلة عنه ([13]).
      كما أشارت الآيات إلى التزكية في قوله تعالى : وما عليك ألا يزكى [عبس: 7]. أي: لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان مثل هؤلاء من الكفار.
      فدل ذلك على أن من المقاصد الأساسية للدين : تزكية النفس بمعرفة الله وعبادته، وما شرعه من الأعمال والأخلاق والآداب. فهذا نبي الله موسى عليه السلام يقول لفرعون: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [النازعات: 19 - 18]. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها ([14]).
        نسأل الله أن يثبتنا على دينه، ويميتنا ويحيينا عليه، إنه جواد كريم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
       

      ----------------------------------------
      ([1]) التحرير والتنوير (30/ 114).
      ([2]) تفسير الرازي (31/ 53).
      ([3]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 325).
      ([4]) بوب الإمام النووي في كتابه النافع (رياض الصالحين) بابين متتابعين، الأول: باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين. والثاني : باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين..... وذكر تحتهما كثير من الآيات والأحاديث.
      ([5]) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (21/ 249).
      ([6]) التحرير والتنوير (30/ 112).
      ([7]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 18).
      ([8]) تفسير القاسمي ( محاسن التأويل) (9/ 406).
      ([9]) النبأ العظيم (ص: 54).
      ([10]) النبأ العظيم (ص: 54).
      ([11]) تفسير القاسمي ( محاسن التأويل) (9/ 406).
      ([12]) بتصرف من التحرير والتنوير (30/ 110).
      ([13]) التحرير والتنوير (30/ 107). ([14]) رواه مسلم رقم (2722).   صيد الفوائد
    • يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ( 7 ) . تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة ، والصدع بالإنذار، فقال: ( قُمِ ) [ أي ] بجد ونشاط ( فَأَنْذِرْ ) الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ) أي: عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته.
      ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، [ ونفاق ] ، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته.
      ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة.
      ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن [ جميع ] النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن.
      ( وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو عمل. ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه.
      ( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ) أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك [ الفضل ] عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [ عندهم ] إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء.
      وقد قيل: إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
        ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس - بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة ، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.   فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ( 8 ) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ( 9 ) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ( 10 ) . أي: فإذا نفخ في الصور للقيام من القبور، وجمع الخلق للبعث والنشور.
      ( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ) لكثرة أهواله وشدائده.
      ( عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) لأنهم قد أيسوا من كل خير، وأيقنوا بالهلاك والبوار. ومفهوم ذلك أنه على المؤمنين يسير، كما قال تعالى: يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ .   ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُودًا ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ( 17 ) . هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه ، ( وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ) أي: كثيرا ( و ) جعلت له ( بنين ) أي: ذكورا ( شُهُودًا ) أي: دائما حاضرين عنده، [ على الدوام ] يتمتع بهم، ويقضي بهم حوائجه، ويستنصر بهم.
        ( وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ) أي: مكنته من الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، ( ثُمَّ ) مع هذه النعم والإمدادات ( يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ) أي: يطمع أن ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا.
      ( كَلا ) أي: ليس الأمر كما طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه ( كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ) أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه:   إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ( 27 ) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ( 28 ) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ( 31 ) . ( إِنَّهُ فَكَّرَ ) [ أي: ] في نفسه ( وَقَدَّرَ ) ما فكر فيه، ليقول قولا يبطل به القرآن.
      ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و [ لا ] أمثاله، ( ثُمَّ نَظَرَ ) ما يقول، ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) في وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، ( ثُمَّ أَدْبَرَ ) أي: تولى ( وَاسْتَكْبَرَ ) نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي أن قال:
      ( إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ) أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار.
      فتبا له، ما أبعده من الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!!
      كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟!
      أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، على وصفه كلام المبدئ المعيد .
      فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا قال تعالى:
        ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ) أي: لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا وبلغته.
      ( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) أي: تلوحهم [ وتصليهم ] في عذابها، وتقلقهم بشدة حرها وقرها.
      ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) من الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
        ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً ) وذلك لشدتهم وقوتهم. ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، [ كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا ما ذكر بعده في قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ) فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، ( وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ) أي: ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال: ( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي: شك وشبهة ونفاق. ( وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا ) وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل ولهذا قال:
      ( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم ( إلا هُوَ ) فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، ( وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكر [ به ] البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه.   كَلا وَالْقَمَرِ ( 32 ) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ( 34 ) إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ ( 35 ) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ( 36 ) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ( 44 ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ( 45 ) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 46 ) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ( 47 ) . ( كَلا ) هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى ( ألا ) الاستفتاحية، فأقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه، والمقسم عليه قوله: ( إِنَّهَا ) أي النار ( لإحْدَى الْكُبَرِ ) أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [ عما خلق له و ] عما يحبه الله [ ويرضاه ] ، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار جهنم، كما قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الآية.
        ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) من أعمال السوء وأفعال الشر ( رَهِينَةٌ ) بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب، ( إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ) فإنهم لم يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا ( فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ )
      أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم الراحة والطمأنينة، حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال بعضهم لبعض: « هل أنتم مطلعون عليهم » فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم يعذبون، فقالوا لهم: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) أي: أي شيء أدخلكم فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ فـ ( قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ) فلا إخلاص للمعبود، [ ولا إحسان ] ولا نفع للخلق المحتاجين.
      ( وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ) أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، ( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) هذا آثار الخوض بالباطل، [ وهو ] التكذيب بالحق، ومن أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله وحكمه العدل لسائر الخلق.
      فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد ( حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ) أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل.   فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( 48 ) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ( 52 ) كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ ( 53 ) كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) . ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله أعمالهم . فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على الموجودين بالعتاب واللوم، فقال: ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) أي: صادين غافلين عنها. ( كَأَنَّهُمْ ) في نفرتهم الشديدة منها ( حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ) أي: كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها بعضا، فزاد عدوها، ( فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) أي: من صائد ورام يريدها، أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار.
      فـ ( يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ) نازلة عليه من السماء، يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال: ( كَلا ) أن نعطيهم ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، ( بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ ) فلو كانوا يخافونها لما جرى منهم ما جرى.
        ( كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ) الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو على ما اشتملت عليه [ من ] هذه الموعظة، ( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ) لأنه قد بين له السبيل، ووضح له الدليل.
      ( وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا وجعل ذلك تابعا لمشيئته، ( هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) أي: هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه.   تم تفسير سورة المدثر ولله الحمد .
    • إن الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.

      ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

      ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

      ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

      أما بعد:

      فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ، أما بعدُ:
      حَدِيثُنَا معَ حضراتِكم في هذه الدقائقِ المعدوداتِ عن «الإيمان بالقضاءِ، والقدرِ».

      واللهَ أسألُ أن يجعلنا مِمَّنْ يستمعونَ القولَ، فَيتبعونَ أَحسنَهُ، أُولئك الذينَ هداهمُ اللهُ، وأولئك هم أُولو الألبابِ.

      اعلموا أيها الإخوة المؤمنونَ أنَّ القضاءَ والقدرَ ركنٌ من أركانِ الإيمانِ، وأصلٌ من أصولِهِ يجبُ الإيمانُ بهِ.

      قال اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49].
      وقال اللهُ تَعَالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38].
      وقال اللهُ تَعَالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2].

      ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[1].

      ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»[2].

      والقضاء: هو ما قَضى بهِ اللهُ سبحانه وتعالى في خلقِه من إيجادٍ، أو إعدامٍ، أو تغييرٍ.

      والقدرُ: هو مَا قدَّره اللهُ تَعالى في الأزل أن يكونَ في خلقِه بِناءً على علمِهِ السابقِ بذلكَ.

      ولا يتحققُ إيمانُ عبدٍ بالقدرِ حتَّى يؤمنَ بمراتبِ القدرِ الأربعةِ، وهي:

      المرتبة الأولى: العلمُ، ومعناها أن نؤمن، ونصدِّق أنَّ الله علِمَ كلَّ شيءٍ من الموجودَاتِ، والمعدوماتِ، والممكناتِ، والمستحيلاتِ، وأحاطَ بذلك علمًا فعَلِم ما كانَ، وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كانَ كيفَ يكونُ.

      قَالَ تَعَالَى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

      وَرَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[3].

      المرتبةُ الثانيةُ: الكتابةُ، ومعناها أن نؤمن، ونصدَّق أنَّ اللهَ تَعالى كتبَ كلَّ شيءٍ في اللوحِ المحفوظِ مما هو كائنٌ إلى قيامِ الساعةِ.

      قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70].

      وقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12].

      ورَوَى أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ.

      قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟.

      قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»[4].

      المرتبةُ الثالثةُ: المشيئةُ، ومعناها أن نؤمن، ونصدق بأن ما شاءَ اللهُ كان وما لم يَشأْ لم يكُنْ.

      قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].

      وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29].

      وَرَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ»[5].

      المرتبةُ الرابعةُ: الخلْقُ، ومعناها أن نؤمن، ونصدِّق أنَّ اللهَ تعالى خلقَ الأشياءَ كلَّها، وأوجدَها بقدرتِه الكاملةِ على ذلك فهو سبحانه وتعالى خالقٌ لكلِّ عاملٍ وعملِهِ، وكلِّ متحرِّكٍ وحركتِهِ، وكلِّ ساكنٍ وسكونِهِ.



      قَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الزمر: 62].

      وقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ﴾ [الصافات: 69].

      ورَوَى البُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ[6] كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ[7].

      ولا يتحقق إيمانُ عبدٍ بمرتبتي الكتابةِ، والعِلمِ حتى يؤمن بالتقادير الخمسةِ، وهذِه التقاديرُ كالتَّفصيلِ منَ التقديرِ الأزليِّ الَّذِي أمرَ اللهُ تعالى القلمَ عندمَا خلقَه أنْ يكتبَه في اللوحِ المحفوظِ.

      وهذه التقادير الخمسة هي:

      الأول: التَّقدِيرُ الأَزليُّ، ومعناه كتابةُ مقاديرِ الخلْقِ قبلَ خلْقِ السماواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ عندما خلقَ اللهُ القلمَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد: 22].

      ورَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»[8].

      ورَوَى أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ رضي الله عنه يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» [9].

      الثاني: تقدِيرُ الميثاقِ، ومعناه التقديرُ عِندَ الميثاقِ الَّذِي أخذَه اللهُ على عبادِه وهم في ظهرِ أبيهم آدمَ عليه السلام.

      رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ [10] هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا [11] مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟

      قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ.



      فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟

      فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ.

      فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟

      قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً.

      فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟

      قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟

      فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ، فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ، فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ»[12].

      وَرَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟


      فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي»[13].

      أقولُ قولي هذا، وأَستغفرُ اللهَ لي، ولكُم.


        الخطبة الثانية الحمدُ لله وكفى، وصلاةً وَسَلامًا على عبدِه الذي اصطفى، وآلهِ المستكملين الشُّرفا، أما بعد:
      فالثالثُ من التقاديرِ المُتعلقةِ بمَرتبتي الكِتابةِ والعلمِ: التَّقدِيرُ العُمريُّ، ومعناه ما قدره اللهُ على الإنسان عند كونه نطفةً في رحم أمه.

      قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ نْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23].

      وَرَوَى البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ.


      وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ.

      ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ»[14].

      الرابع: التَّقدِيرُ الحوليُّ، ومعناه ما قدرَّه اللهُ على الخلائقِ في ليلةِ القدْرِ.

      قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ [الدخان: 4، 5].

      وروى الطبري بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «يُقْضَى، وَيُفْصَلُ كُلُّ أَمْرٍ أَحْكَمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ السَّنَةِ الْأُخْرَى»[15].

      وقال سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ: «يُؤذَنُ للحُجَّاجِ في لَيلةِ القَدْرِ، فَيُكْتبونَ بأَسْمائِهِمْ، وأَسماءِ آبائِهِمْ، فلا يُغَادَرُ مِنهُم أحدٌ، ولا يزادُ فِيهمْ، وَلا يُنقَصُ مِنهُمْ»[16].

      الخامس: التَّقدِيرُ اليَوميُّ، ومعناه تنفيذُ كلِّ تقديرٍ من التقاديرِ السابقةِ إلى موضعِهِ.

      قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرحمن: 29].

      قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ في تفسير هذه الآيةِ: «يَغْفِرُ ذَنْبًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيَرْفَعُ قَوْمًا، وَيَضَعُ آخَرِينَ»[17].

      وروى الطبري بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَولِهِ تَعَالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، «إِنَّ اللهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ»[18].

      الدعـاء...
      اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ونعوذ بك من علم لا ينفع.

      اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، نعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته.

      اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدَّين وأغننا من الفقر.

      اللهم ثبِّت قلوبنا على دينك.
      أقول قولي هذا، وأقم الصلاة.

        [1] صحيح: رواه مسلم (8).

      [2] صحيح: رواه مسلم (2653).

      [3] متفق عليه: رواه البخاري (1383)، ومسلم (2659).

      [4] صحيح: رواه أبو داود (4700)، والترمذي (2155)، وابن ماجه (77)، وأحمد (22705)، وصححه الألباني.

      [5] متفق عليه: رواه البخاري (6339)، ومسلم (2679).

      [6] الذِّكر: أي اللوح المحفوظ.

      [7] صحيح: رواه البخاري (3191).

      [8] صحيح: رواه مسلم (2653).

      [9] صحيح: رواه أبو داود (4700)، والترمذي (2155)، وابن ماجه (77)، وأحمد (22705)، وصححه الألباني.

      [10] نسمة: أي نفس، أو روح. [انظر: «النهاية في غريب الحديث» (5/49)].

      [11] وبيصا: أي بريقا. [انظر: «النهاية في غريب الحديث» (5/146)].

      [12] حسن: رواه الترمذي (3076)، وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني في «المشكاة» (118).

      [13] متفق عليه: رواه البخاري (6557)، ومسلم (2805).

      [14] متفق عليه: رواه البخاري (3208)، ومسلم (2643).

      [15] صحيح: رواه الطبري في «تفسيره» (22/11)، والطبراني في «الكبير» (10595)، والحاكم في «المستدرك» (3678)، وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في «الشعب» (3388)، والضياء المقدسي في «المختارة» (248).

      [16] انظر: «تفسير الطبري» (24/532).

      [17] صحيح: رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (6/144).

      [18] حسن: رواه الطبري في «تفسيره» (23/40)، والطبراني في «الكبير» (10605)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «العظمة» (2/621)، وابن بطة في «الإبانة» (95)، والحاكم في «المستدرك» (3771)، وصححه، واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (1225)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (10)، والضياء المقدسي في «المختارة» (63)، والأصبهاني في «الحلية» (1/325).





        شبكة الالوكة  
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181339
    • إجمالي المشاركات
      2533997
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92806
    • أقصى تواجد
      1596

    أحدث العضوات
    اسعداسماء
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏فكرة انتهاء مهلة العمل والانتقال لدار الجزاء مهيبة جدًا ! لا توبة تُقْبَل ولا عمل يُصَحح . لو نطق أهل القبور لكانت موعظتهم : أنتم في دار العمل فأحسنوا العمل . نسأل الله حُسن الختام .

×