اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56724
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109825
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180374
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259972
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23497
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8167
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32129
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4159
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25483
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30242
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52894
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19526
      مشاركات
    4. 6677
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47548
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97004
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36830
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31798
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4883
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16436
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29720
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12927
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41313
      مشاركات
    2. 33880
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91725
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32197
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34856
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65592
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35816 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ).   فهذه الآيةُ الكريمة تتحدثُ عن يومِ القيامة وعما سيحدثُ فيه للكافرين إذ تتلقاهم ملائكةُ العذاب، وذلك امتثالاً منهم لأمرِ اللهِ تعالى القاضي بالاقتصاصِ من الكافرين. و”التوفِّي” في هذه الآيةِ الكريمة لا ينبغي أن يُفهَمَ وفقاً لما تواضعنا عليه واصطلحنا بشأنِ هذه الكلمة من أنَّه ذو صلةٍ بالموت.   فالتوفي في هذه الآيةِ الكريمة لا علاقةَ له، على الإطلاق، بالحياةِ الدنيا، وذلك لأنه من مفرداتِ الآخرة. وهذا الذي يتجلَّى لنا بتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة هو عينُ ما نحنُ واجدوه بتدبُّرنا الآياتِ الكريمة التالية: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (من 93 الأنعام)، (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (50- 51 الأنفال).   ويتعيَّنُ على كلِّ مجادلٍ في الحقيقةِ التي مفادُها أنَّ “التوفِّي” في القرآنِ العظيم لا يخصُّ هذه الحياةَ الدنيا فحسب أن يُفسِّرَ لنا هذا الذي تنطوي عليه الآيةُ الكريمة 37 من سورة الأعراف (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ). فـ “الكتابُ” في هذه الآيةِ الكريمة هو “كتابُ الله” الذي وردَ في سياقِ حديثِ أهلِ العلمِ والإيمان، وهم يُجيبونَ الذين كفروا بما فصَّلته وبيَّنته الآيةُ الكريمة 56 من سورة الروم (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55- 56 الروم).     لتوضيح كلمة {يَتَوَفَّى} من تفسير الشيخ الشعراوى {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(50)} والذي يُوجه إليه هذا الخطاب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعناه لو كشفنا لك الغيب لترى، وتلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ترك الجواب، فلم يقل ماذا يحدث لهذا الكافر الملائكة يضربونه، وإذا ما حذف الجواب فإنك تترك لخيال كل إنسان أن يتصور ما حدث في أبشع صورة، ولو أن الحق سبحانه وتعالى جاء بجوابه لحدد لنا ما يحدث، ولكن ترك الجواب جعل كلا منا يتخيل أمراً عجيباً لا يخطر على البال، ويكون هذا تفظيعاً لما سوف يحدث. والصورة هنا تنتقل بنا من عذاب الدنيا للكفار إلى ساعة الموت. و{يَتَوَفَّى} أي لحظة أن تقبض الملائكة أرواح الكافرين، والتوفي وهو قبض الأرواح يجيء مرة منسوباً لله سبحانه وتعالى مصداقاً لقوله: {وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم} ومرة يأتي منسوباً لرسل من الله: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} ومرة يأتي منسوباً إلى ملك الموت وهو عزرائيل: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت}. وبذلك يكون التوفي في أسند مرة إلى الله عز وجل ومرة إلى عزرائيل ومرة إلى رسل الموت، ونقول: لا تعارض في هذه الأقوال؛ لأن الأمر في كل الأحوال يصدر من الله سبحانه وتعالى، إما أن يقوم عزرائيل بتنفيذه وإما جنوده وهم كثيرون.    
      {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد :٢٧] هناك نهاية ستشاهدها بنفسك ولوحدك ، سترى وجوه قد تكون مفزعة أو مؤنسة وهذا كله سيتوقف على عملك في الدنيا   ضرب الملائكة وجوه هؤلاء مناسب لإقبالهم على ما أسخط الله ، وإن ضربهم أدبارهم مناسب لكراهتهم رضوانه لأن الكراهه تستلزم الإعراض والإدبار..   عندما تطلق بصرك ، أو تطلق لسانك فأنت اتبعت سخط الله واشتريت غضبه بيدك!!! من يدعي محبة الله ثم يخالف أمره ويغوص فيما يغضبه.. لابد أن الله يتولى فضيحته.   نحن بحاجة إلى الله ، مهما عصيته فلن تضره بشىء بل تضر نفسك وتهلكها بيدك.. احذر لا أحد يشتري حتفه بيده ، كن مع الله      
    • الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:   فالسنة النبوية، من المواضيع التي بحثَها العلَّامة ابن القيم رحمه الله في أكثر من كتاب من مصنفاته، ولا غَرْوَ في ذلك، فالناسُ بحاجةٍ إلى تحكيم السُّنَّة، والتحاكُم إليها، ودعوة الناس إليها، في جميع أمورهم الدينية والدنيوية.       هذا وقد يسَّر الله الكريم فجمعتُ بعضًا مما ذكره العلَّامة ابنُ القيم رحمه الله عن السُّنَّة في بعض كتبه، أسأل الله أن ينفع بها الجميع.       أشرح الناس صدرًا، وأرفعهم ذكرًا أتبعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم:   أتبع الناس لرسوله صلى الله عليه وسلم أشرحُهم صدرًا، وأوضعُهم وزرًا، وأرفعهم ذكرًا، وكلما قويت متابعتُه علمًا وعملًا وحالًا واجتهادًا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبُها أشرح الناس صدرًا، وأرفعهم في العالمين ذكرًا، وأما وَضْعُ وِزْرِه فكيف لا يُوضَع عنه وِزْرُه ومَن في السماوات والأرض ودوابُّ البرِّ والبحر يستغفرون له؟       وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، كما أضدادها متلازمة، فالأوزار والخطايا تقبضُ الصدر وتُضيقه، وتُخمِل الذكر وتضعُه، وكذلك ضيق الصدر يضع الذكر ويجلب الوِزْر، فما وقع أحد في الذنوب والأوزار إلا من ضيق صدره وعدم انشراحه، وكلما ازداد الصدر ضيقًا كان أدعى إلى الذنوب والأوزار؛ لأن مرتكبها إنما يقصد بها شرح صدره، ودفع ما هو فيه من الضيق والحرج، وإلا فلو اتسع بالتوحيد والإيمان ومحبة الله ومعرفته وانشرح بذلك لا ستغنى عن شرحه بالأوزار؛ [الكلام على مسألة السماع].       ما يدعو إليه الرسول حياة القلوب وما يدعو إليه مخالفوه هو موت القلوب:   ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو حياة القلوب، ونجاة النفوس، ونور البصائر، وما يدعو إليه مخالفوه فهو موت القلوب، وهلاك النفوس، وعَمَى البصائر، قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24].       وتأمَّل كيف أخبر عن حيلولته بين المرء وقلبه بعد أمره بالاستجابة له ولرسوله، كيف تجد في ضمن هذا الأمر والخبر أن من ترك الاستجابة له ولرسوله حالَ بينه وبين قلبه، عقوبةً له على ترك الاستجابة، فإنه سبحانه يُعاقب القلوب بإزاغتها عن هداها ثانيًا، كما زاغت هي عنه أولًا، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]، وقال: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [الأنعام: 110]، وقال: ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [التوبة: 127]، فصرف قلوبهم عن الهدى ثانيًا، لما انصرفوا عنه بعد إذ جاءهم أولًا.       وقد حذَّر سبحانه من خالف أمر رسوله بإصابة الفتنة في قلبه وعقله ودينه، وإصابة العذاب الأليم له، إما في الآخرة أو في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، قال سفيان وغيره من السلف: وأي فتنة؟ إنما هي الكفر.       وأخبر سبحانه وتعالى أن من تولى عن طاعة رسوله، فإنه لا بدَّ أن يُصيبه بمصيبةٍ وقارعةٍ بقدر توليه عن طاعته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 49]؛ [الكلام على مسألة السماع].       وجوب الرجوع إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله عند التنازع:   قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، وقد أجمع الناس على أن الردَّ إلى الله هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول هو الردُّ إليه في حياته، وإلى سُنَّته بعد مماته، فأمر سبحانه عباده المؤمنين أن يردوا ما تنازعوا فيه إليه وإلى رسوله وخاطبهم أولًا بلفظ الإيمان، ثم جعل- آخرًا- الإيمان شرطًا في هذا الرد، فالإيمان يوجب عليهم هذا الردَّ وينتفي عند انتفائه، فمن لم يردَّ ما تنازع فيه هو وغيره إلى الله ورسوله لم يكن مؤمنًا.       وتأمَّل قوله: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ كيف أعاد الفعل وهو طاعة الرسول، ليدل أنه يُطاع استقلالًا، وإنْ أمرَ بما ليس في القرآن الأمرُ به، ونهى عما ليس في القرآن النهيُ عنه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يُعد الفعل في طاعة أولي الأمر؛ بل جعلها ضمنًا وتبعًا لطاعة الرسول، فإنهم إنما يُطاعون تبعًا لطاعة الرسول إذا أمروا بما أمر به، ونهوا عما نهى عنه، لا تجب طاعتُهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه.       ثم قال: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ ولم يقل: "وإلى الرسول" إعلامًا بأن ما رُدَّ إلى الله فقد رُدَّ إلى رسوله، وما رُدَّ إلى رسوله فقد رُدَّ إليه سبحانه، وأن ما حكم به فقد حكم به رسولُه، وما حكم به رسولُه فهو حكمه سبحانه.       وقال: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ وهذا يعمُّ دقيق ما تنازع فيه المسلمون وجليله، فمَن ظنَّ أن هذا في شرائع الإسلام دون حقائق الإيمان، وفي أعمال الجوارح دون أعمال القلوب...أو في فروع الدين دون أصوله وباب الأسماء والصفات والتوحيد؛ فقد خرج عن موجب الآية علمًا وعملًا وإيمانًا؛ [الكلام على مسألة السماع].       الذين يعارضون الرسل بعقولهم بسبب جهلهم وضلالهم المركَّب والبسيط:   إذا علم الإنسان بعقله أن الرسول أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينافي خبره، كان الواجب عليه أن يسلم لما أخبر به الصادق الذي هو أعلم منه، وينقاد له، ويتهم عقله، ويعلم أن عقله بالنسبة إليه أقل من عقل أجهل الخلق بالنسبة إليه هو... فيا لله العجب! إذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب... فيما يخبر به من قوى الأدوية والأغذية والأشربة... وصفاتها وكمياتها ودرجاتها... لظنه أنه... أعلم بهذا الشأن منه، وأنه إذا صدقه كان في تصديقه حصول الشفاء والعافية، مع علمه بأنه يخطئ كثيرًا، وأن كثيرًا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب؛ بل يكون استعماله لما يصفه سببًا من أسباب هلاكه... وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟!... والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركَّب والبسيط ما لا يُحصيه إلا مَن هو بكل شيء محيط؛ [الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة].       كل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه، فهو من أتباع الشيطان:   اللعين...الحكمة كانت توجب عليه خضوعه لآدم فعارض حكمة الله وأمره برأيه الباطل ونظره الفاسد، فقياسُه باطلٌ نصًّا وعقلًا، وكل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه، فهو من خلفائه وأتباعه، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة من هذا البلاء الذي ما رُمي العبد بشرٍّ منه، ولأن يلقى الله بذنوب الخلائق كلها ما خلا الإشراك به أسلمُ له مِن أن يلقى الله وقد عارض نصوص أنبيائه برأيه ورأي بني جنسه؛ [بدائع الفوائد].       أصحُّ الناس عقلًا مَن كان عقله موافقًا للسُّنَّة:   أعلم الناس وأصحهم عقلًا ورأيًا واستحسانًا: من كان عقلُه ورأيُه واستحسانه وقياسه موافقًا للسُّنَّة لأن الرأي المخالف للسُّنَّة جهل...فصاحبه ممَّن اتَّبَع هواه بغير هُدًى من الله وغايته الضلال في الدنيا والشقاء في الآخرة؛[إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان].       الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك كل ما خالفه:   الذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان، لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضُره وقت الفُتْيا، أو لا يتفطَّن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأوَّل فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنِّه ما يُعارِضُه، ولا يكون معرضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه.       ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله - ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك؛ [أعلام الموقعينعن ربِّ العالمين].       من اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام بقلبه وعمله فإن الله عز وجل معه:   قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ ﴾ [التوبة: 40]، فمن أصح الإشارات إشارة هذه الآية، وهي أن من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به بقلبه وعمله، وإن لم يصحبه ببدنه فإن الله معه؛ [الكلام على مسألة السماع].       وجوب الانقياد والتسليم لحكم الرسول في جميع مسائل النزاع:   قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، فأقسم سبحانه بأجلِّ مُقسم به - وهو نفسه عز وجل- على أنهم لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله، حتى يُحكِّموا رسوله في جميع موارد النزاع، وهو كل ما شجر بينهم من مسائل النزاع في جميع أبواب الدين، فإن لفظة (ما) من صيغ العموم، فإنها موصلة تقتضي نفي الإيمان إذا لم يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم.       ولم يقتصر على هذا حتى ضمَّ إليه انشراح الصدر بحكمه؛ حيث لا يجدوا في أنفسهم حرجًا - وهو الضِّيقُ والحصر - من حُكمه، بل يتلقوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالقبول، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذًى، فإن هذا منافٍ للإيمان؛ بل لا بدَّ أن يكون أخذه بقبول ورضًا وانشراح صدر.       ومتى أراد العبدُ أن يعلَمَ منزلته من هذا، فلينظر في حاله وليُطالع قلبه عند ورود حُكمه على خلاف هواه وغرضه، أو خلاف ما قلَّد أسلافه من المسائل الكبار وما دونها، ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [القيامة: 14، 15] ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضمَّ إليه قوله: ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، فذكر الفعل مُؤكدًا له بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو الخضوع له والانقياد لما حكم به طوعًا ورضًا وتسليمًا لا قهرًا ومصابرةً كما يسلم المقهور لمن قهره كرهًا؛ بل تسليم عبد محب مطيع لمولاه وسيِّده الذي هو أحبُّ شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم أنه أولى به من نفسه، وأبرُّ به منها، وأرحمُ به منها، وأنصحُ له منها، وأعلم بمصالحه منها، وأقدرُ على تحصيلها؛ [الرسالة التبوكية].       أقسام الخلائق بالنسبة لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام:   ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما بعثه الله به من الهدى في قوله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهُدْى والعِلْم كمثل غَيْثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكَلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادِبَ أمسكَت الأرضَ، فسقى الماء وزَرَعُوا، وأصاب طائفةً أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تُمسِك ماءً ولا تُنبِت كلأً، فذلك مثل مَن فَقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به)) فشبَّه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلًّا منهما سبب الحياة، فالغيث سببُ حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.       وشبَّه القلوب القابلة للعلم بالأرض القابلة للغيث، كما شبَّه سبحانه القلوب بالأودية في قوله تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الرعد: 17].       وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:   إحداها: أرض زكية قابلة للشرب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت ثم أنبتت من كل زوج بهيج، فهذا مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، ويثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.       والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت الماء فيها وحفظه، فهذه ينتفع الناس بورودها والسقي منها والازدراع، وهذا مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، ولا تصرف له فيه ولا استنباط؛ بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((فرُبَّ حاملِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ منه، ورُبَّ حاملِ فِقْهٍ غير فقيهٍ)).       والأرض الثالثة: أرض قاع، وهو المستوى الذي لا يقبل النبات ولا يمسك الماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع بشيء منها.   فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا الفقه والدراية فيه؛ وإنما هو بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت ولا تحفظ الماء، وهو مثل الفقير الذي لا مال له، ولا يحسن يمسك مالًا.   فالأول: عالم معلم، داعٍ إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.   والثاني: حافظ مؤدٍّ لما سمعه، فهذا يحمل إلى غيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.   والثالث: لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدًى الله، ولا رفع به رأسًا.       فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم؛ منها قسمان سعيدان، وقسم شقي، فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر من أي الأقسام هو، ولا يغتر بالعادة ويخلد إلى البطالة، فإن كان من قسم سعيد انتقل منه إلى ما هو فوقه وبذل جهده، والله ولي التوفيق والنجاح.       وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان، قبل أن يقول: ﴿ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27]؛ [الرسالة التبوكية].       الردُّ في كل تنازعٍ في مسائل الدين إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله:   قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ [النساء: 59] نكرة في سياق الشرط تعُم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقِّه وجِلِّه، جليِّه وخفيِّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا، لم يأمر بالرَّد عليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ عند النزاع إلى مَن لا يوجد عنده فصل النزاع؛ [أعلامالموقعين عن رب العالمين].       الشرور العامة والشر والألم والغَمُّ الذي يصيب العبد بسبب مخالفة الرسول:   ومَن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم فسببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنما هو بسبب طاعة الرسول، وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول حقَّ طاعته لم يكن في الأرض شرٌّ قط.       وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشرِّ والألم والغَمِّ الذي يُصيب العبد في نفسه، فإنما هو بسبب مخالفة الرسول؛ وإلا فطاعتُه هي الحصن الذي مَن دخله فهو من الآمنين، والكهف الذي مَن لجأ إليه فهو من الناجين.       فلا نجاة للعبد ولا سعادة إلا باجتهاده في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا، والقيام به عملًا، وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين:   أحدهما: دعوة الخلق إليه.   والثاني: صبره وجهاده على تلك الدعوة؛ [الرسالة التبوكية].       من ائتمَّ بأهل السُّنَّة قبله ائتمَّ به مَن بعده ومَن معه:   أثنى الله سبحانه على عباده المؤمنين الذين يسألونه أن يجعلهم أئمة يُهتدى بهم، فقال تعالى في صفات عباده: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]، قال مجاهد: اجعلنا مؤتمين بالمتقين، مقتدين بهم، وهذا من تمام فهم مجاهد رحمه الله، فإنه لا يكون الرجل إمامًا للمتقين حتى يأتم بالمتقين، فمن ائتمَّ بأهل السُّنَّة قبله، ائتمَّ به من بعده ومن معه؛ [رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه].       إبطال السُّنَّة بدعوى النسخ والإجماع:   اتخذ كثير من الناس دعوى النسخ والإجماع سُلَّمًا إلى إبطال كثير من السُّنَن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بالهيِّن، ولا تتركُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سُنَّةً صحيحة أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخ، إلا أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخِّر، نقلته الأُمةُ وحفِظته؛ إذ محال على الأُمَّة أن تُضيِّع الناسخ الذي يلزمها حفظه، وتحفظ المنسوخ الذي قد بطَل العمل به، ولم يبق من الدين، وكثير من المُقلِّدة المتعصبين إذا رأوا حديثًا يخالف مذهبهم يتلقونه بالتأويل، وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلًا، فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم، فزِعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإن رأوا من الخلاف ما لا يُمكنهم معه دعوى الإجماع، فزِعُوا إلى القول بأنه منسوخ، وليست هذه طريق أئمة الإسلام؛ بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذه الطريق، وأنهم إذا وجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم سُنَّةً صحيحةً صريحةً لم يبطلوها بتأويل، ولا دعوى إجماع، ولا نسخٍ؛ [الصلاة].       منزلة السُّنَّة مع كتاب الله تعالى:   الذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سُنَن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سُنَّةٌ واحدةٌ تخالف كتاب الله؛ بل السُّنَن مع كتاب الله تعالى على ثلاث منازل:   المنزلة الأولى: سنة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.   المنزلة الثانية: سنة تُفسِّر الكتاب، وتبيِّن مراد الله منه، وتقيِّد مطلقه.   المنزلة الثالثة: سنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتُبيِّنه بيانًا مبتدأً.       ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسُّنَّة مع كتاب الله منزلة رابعة؛ [الطرُق الحكمية في السياسة الشرعية].       تلقِّي السُّنَّة بالسمع والطاعة، وعدم ردها بدعوى عدم ظهور الحكمة:   تُتلقى السُّنَّة بالسمع والطاعة والإذعان، سواء ظهر لنا وجه حُكْمه أو لم يظهر.       ولو رُدَّت السُّنَن بعدم ظهور الحكمة والمناسبة، لكان ذلك ردًّا على الرسول صلى الله عليه وسلم، وخروجًا عن المتابعة، وخلعًا لربقة العبودية من العنق، ولو ساغ للعبد ألَّا يقبل من السُّنَّة إلا ما رأى فيه الحكمة والمناسبة، لبطل الدين وتلاعب به المبطلون، وصار عُرضةً لردِّ الرادِّين، وعياذًا بالله من هذا الرأي الباطل؛ [رفع اليدين في الصلاة].       الحذر من تقديم الآراء والعقول على سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام:   قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2]، فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحِبُوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أو ليس هذا أولى أن يكون مُحبطًا لأعمالهم؟؛ [أعلام الموقعين عن رب العالمين].     فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ   شبكة الالوكة
    • الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:   فالقلوب لا تُسَرُّ ولا تسعد ولا تطمئنُّ إلا بمعرفة الله سبحانه وتعالى، ومحبَّته، وحُسْن الظن به، والخوف منه، والتوكُّل عليه، والإنابة إليه، والأُنْس به، ومن أعجب الأشياء أن تجد قلبَ مسلمٍ يعرض عن هذه الأعمال القلبية، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله، في كتابه "الفوائد": من أعجب الأشياء: أن تعرفه ثم لا تُحِبُّه، وأن تسمع داعِيه ثم تتأخَّر عن الإجابة، وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيرَه، وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرَّض له، وأن تذوق ألمَ الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنْس بطاعته، وأن تذوق عُصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومُناجاته، وأن تذوق العذاب عند تعلُّق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه! وأعجبُ من هذا علمُك أنك لا بُدَّ لك منه، وأنك أحوجُ شيءٍ إليه وأنت عنه مُعْرِض، وفيما يُبعِد عنه راغب.       ومن هذه حاله فَقَدْ نسي ربَّه، فأنساه الله جل جلاله ذاتَه ونفسَه، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة": من نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه؛ بل نسي ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومعاده، فصار معطلًا مهملًا بمنزلة الأنعام السائمة؛ بل ربما كانت الأنعام أخبرَ بمصالحها منه؛ لبقائها على هداها التام الذي أعطاها إياه خالقها، وأما هذا فخرج عن فطرته التي خُلِقَ عليها، فنسي ربَّه، فأنساه نفسه وصفاتها، وما تكمل به وتزكو به وتسعدُ به في معاشها ومعادها.       أما مَن وفَّقه الله عز وجل، فكان قلبُه مطمئنًا بالله، وقرَّت عينُه به، فقد سعد وفاز في نفسه، وفرح وأنس به كلُّ قريب وحبيب، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه "طريق الهجرتين وباب السعادتين": مَن قرَّتْ عينُه بالله قرَّتْ به كلُّ عينٍ، وأنس به كلُّ مستوحشٍ، وطاب به كُلُّ خبيثٍ، وفرح به كلُّ حزينٍ، وأمِنَ به كُلُّ خائف، وشهد به كلُّ غائب، وذكَّرت رؤيتُه بالله، فإذا رُئي ذُكِرَ الله.       قد اطمأنَّ قلبُه بالله، وسكنت نفسُه إلى الله، وخلصت محبَّتُه لله، وقَصَرَ خوفه على الله، وجعل رجاءه كلَّه لله، فإن سَمِعَ سَمِعَ بالله، وإن أبْصَر أبْصَر بالله، وإن بطش بطش بالله، وإن مشى مشى بالله، فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، فإذا أحبَّ أحبَّ لله، وإذا أبغض أبغض لله، وإذا أعطى فلله، وإذا منع فلله.       قد اتخذ الله وحده معبوده ومرجوَّه ومخوفه، وغاية قصده ومنتهى طلبه، واتَّخذ رسولَه وحدَه دليلَه وإمامَه وقائدَه وسائقَه، فوحَّد الله بعبادته ومحبَّته وخوفه ورجائه، وأفرد رسوله بمتابعته والاقتداء به والتخلُّق بأخلاقه والتأدُّب بآدابه.   للعلامة ابن القيم دُرَر عن الأعمال القلبية جمعتُ بعضًا منها، اللهَ أسألُ أن ينفع بها.       عبودية الله جل جلاله:   إذا أصبح العبد وأمسى وليس همُّه إلَّا الله وحده تحمَّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحَمَلَ عنه كلَّ ما أهمَّه، وفرَّغ قلبه لمحبَّتِه، ولسانه لذكرِه، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدُّنْيا همُّهُ حمَّلهُ اللهُ همومَها وغُمومَها وأنكادَها، ووكَّله إلى نفسه، فشغل قلبَه عن محبَّتِه بمحبةِ الخَلْق، ولسانه عن ذكره بذكرِهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم...فكُلُّ مَن أعرض عن عبودية الله...ومحبته بُلي بعبودية المخلوق وخدمته؛ [كتاب: الفوائد].       هجرة القلب إلى الله ورسوله:   الهجرة إلى الله ورسوله فرضُ عَيْنٍ على كُلِّ أحَدٍ في كُلِّ وقتٍ، ولا انفكاك لأحد من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد؛ إذ الهجرة هجرتان:   هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المراد الكلام فيها.       والهجرة الثانية: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا، وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمَّن (مِن) و(إلى)، فيُهاجِر بقلبه من محبَّة غير الله إلى محبَّتِه، ومن عبودية غيره إلى عبوديَّتِه، ومن خوف غيره ورجائه والتوكُّل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكُّل عليه، ومِن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذُّلِّ له والاستكانة له إلى دعاء ربِّه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.       وهذا هو بعينه معنى الفِرار إليه؛ قال تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50]، فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفِرار من الله إليه.       وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي المحبة في قلب العبد أقوى، كانت هذه الهجرة أقوى وأتم وأكمل، وإذا ضعف الداعي ضعفت الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علمًا، ولا يتحرك بها إرادة.       وعن هاتين الهجرتين يُسأل كلُّ عبد يوم القيامة وفي البرزخ، ويُطالب بهما في الدنيا، فهو مطالب بهما في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ [كتاب: الرسالة التبوكية].       أهمية الأعمال القلبية وشدة حاجة المسلم إليها:   الله سبحانه وتعالى هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه، ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوبُ بُعْدُه، وهو المعينُ على دفعه.       الله سبحانه خلق الخَلْقَ لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقرُّ عيونهم، ولا شيء يعطيهم في الآخرة أحبَّ إليهم من النظر إليه، ولا شيء يعطيهم في الدنيا أحبَّ إليهم من الإيمان به، ومحبتهم له، ومعرفتهم به.       العبد لا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربِّه، وأنْسِه به، وطاعته له، وإقباله عليه، وطمأنينته بذكره، وعمارة قلبه بمعرفته، والشوق إلى لقائه، فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به، ويتنعَّم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه، ومن عبد غيره وأحبَّه- وإن حصل له نوع من اللذَّة والمودَّة والسكون إليه والفرح والسرور بوجوده- ففساده به ومضرته وعطبه أعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهي الذي هو عذب في مبدئه، وعذاب في نهايته.       فحاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرُّب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظيرٌ تُقاس به؛ [كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين].       • اللذة التامة والفرح والسرور، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو في معرفة الله، وتوحيده والأُنْس به، والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمِّ عليه، فإن أنكد العيش عيش من قلبه مُشتَّت، وهَمُّه مفرَّق؛ فاحرص أن يكون همُّك واحدًا، وأن يكون هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في جنة معجَّلة قبل جنة الآخرة وفي نعيم عاجل؛ [كتاب: رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه].       • ليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزُّلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف، وله أطلب، وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل، وإليه أكره، ومنه أبعد، والله تعالى ينزل العبد من نفسه حيث يُنزله العبد من نفسه.       فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا نافرًا ومُنفرًا، فالله له أشد بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبر مقتًا؛ [كتاب: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية].       من علامات معرفة العبد بربِّه:   من علامات المعرفة: الهيبة، فكلما ازدادت معرفة العبد بربِّه، ازدادت هيبته له، وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]؛ أي: العلماء به، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا أعرفُكم باللهِ، وأشدُّكم له خشيةً))؛ [كتاب: روضة المُحبِّين ونزهة المشتاقين].       معرفة الله سبحانه وتعالى:   معرفة الله سبحانه نوعان:   الأول: معرفة إقرار، وهي التي يشترك فيها الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي.       والثاني: معرفة تُوجِب الحياء منه، والمحبة له، وتعلُّق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته والإنابة إليه، والأنس به، والفِرار من الخَلْق إليه.       ولهذه المعرفة بابان واسعان:   الباب الأول: باب التفكُّر والتأمُّل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.       والباب الثاني: التفكُّر في آياته المشهودة، وتأمُّل حِكْمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعَدْله وقيامه بالقسط على خلقه.       وجماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها، وتفرُّده بذلك وتعلُّقها بالخَلْق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي والحكم الكوني القدري؛ [كتاب الفوائد].       من ثمار المعرفة بالله عز وجل:   • من عرف الله، صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلُّ شيءٍ، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنِسَ بالله، واستوحش من الناس، وأورثته المعرفة الحياء من الله، والتعظيم له، والإجلال، والمراقبة، والمحبَّة، والتوكُّل عليه، والإنابة إليه، والرِّضا به، والتسليم لأمره؛ [كتاب: روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين].       • المعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء.       • المعرفة تثمر حسن الخلق؛ [كتاب: مدارج السالكين في منازل السائرين].       معرفة الله جل جلاله من أعظم أسباب النظر إلى وجهه سبحانه:   أعظم نعيم الآخرة ولذاتها: النظر إلى وجه الربِّ جل جلاله، وسماع كلامه منه، والقرب منه، كما ثبت في الحديث الصحيح في حديث الرؤية: ((فواللهِ ما أعطاهم شيئًا أحَبَّ إليهم مِن النَّظَرِ إليه))، وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: ((وأسألُكَ لذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، والشوق إلى لقائكَ)).       وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تُحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهو لذة معرفته سبحانه ولذة محبته، فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي، ونسبة لذاتها الفانية كتفلةٍ في بحرٍ، فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك، فأطيبُ ما في الدنيا معرفته ومحبَّته، وألذُّ ما في الجنة رؤيتُه ومشاهدتُه، فمحبَّتُه ومعرفتُه قُرَّةُ العيون، ولذة الأرواح، وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها؛ بل لذَّات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلامًا وعذابًا، ويبقى صاحبها في المعيشة الضَّنْك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله.   والمقصود أن أعظم لذَّات الدنيا هو السبب الموصِّل إلى أعظم لذة في الآخرة؛ [كتاب: الداء والدواء].       الأنس بالله:   • متى رأيت نفسك تهربُ من الأُنْس به إلى الأُنْس بالخلق، ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار، فاعلم أنك لا تصلُح له؛ [كتاب: بدائع الفوائد].       • من منازل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]: منزلة الأُنْس بالله، والأنس ثمرة الطاعة والمحبة، فكُلُّ مطيعٍ مستأنس، وكُلُّ عاصٍ مستوحشٌ، كما قيل:   فإنْ كُنْتَ قَدْ أَوْحَشَتْكَ الذُّنُوبُ فَدَعْها إِذَا شِئْتَ وَاسْتَأْنِسِ   • الله جعل للقلوب نوعينِ من الغذاء: نوعًا من الطعام والشراب الحسِّي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، والثاني غذاء روحاني معنوي، خارج عن الطعام والشراب من السرور والفرح والابتهاج واللذة، والعلوم والمعارف؛ [كتاب: مدارج السالكين في منازل السائرين].       تعظيم الله عز وجل وتوقيره:   • مَن عظُم وقارُ الله في قلبه أن يعصيهُ، وقَّره في قلوب الخلق أن يُذلوه.       • من أعظم الظلم والجهل أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خالٍ من تعظيم الله وتوقيره، فإنك تُوقر المخلوق وتُجِلُّه أن يراك في حال لا تُوقِّر الله أن يراك عليها! ومن كان كذلك، فإن الله لا يُلقي له في قلوب الناس وقارًا ولا هيبةً؛ بل يسقط وقاره وهيبته من قلوبهم، وإنْ وقَّروه مخافة شرِّه فذاك وقار بغض لا وقار حب؛ [كتاب: الفوائد].       • الذنوب...تُضعِف في القلب تعظيم الربِّ جل جلاله، وتُضعِف وقاره في قلب العبد،...ولو تمكَّن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرَّأ على معاصيه،...فإن عظمة الله وجلاله في قلب العبد وتعظيم حرماته تحول بينه وبين الذنوب،...وكيف ينتهك عبدٌ حرمات الله، ولا يطمع ألَّا ينتهك الناس حرماته؟! أم كيف يهون عليه حقُّ الله، ولا يُهوِّنه الله على الناس؟! أم كيف يستخفُّ بمعاصي الله، ولا يستخفُّ به الخَلْق؟! [كتاب: الداء والدواء].       الإنابة إلى الله:   • الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل كاعتكاف البدن في المسجد لا يُفارِقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبَّتِه، وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله؛ [كتاب: الفوائد].       • الإنابة: الرجوع إلى الله، وانصراف دواعي القلب وجواذبه إليه، وهي تتضمَّن المحبَّة والخشية، فإن المنيب مُحِبٌّ لمن أناب إليه، خاضِعٌ له، خاشعٌ ذليلٌ، والناسُ في إنابتهم على درجات متفاوتة؛ فمنهم المنيب بالرجوع إليه من المخالفات والمعاصي، وهذه الإنابة مصدرها مطالعة الوعيد، والحامِل عليها العلم والخشية والحذر، ومنهم المنيب إليه بالدخول في أنواع العبادات والقُرُبات، فهو ساعٍ فيها بجهده، وقد حُبِّب إليه فعل الطاعات وأنواع القُرُبات، وهذه الإنابة مصدرُها الرجاء، ومطالعة الوعد والثواب، ومحبَّة الكرامة من الله، وهؤلاء أبسط نفوسًا من أهل القسم الأول، وأشرح صدورًا، وجانبُ الرجاء ومطالعة الرحمة والمِنَّة أغلبُ عليهم، وإلَّا فكُلُّ واحدٍ من الفريقين منيبٌ بالأمرين جميعًا؛ ولكن خوف هؤلاء اندرج في رجائهم، فأنابوا بالعبادات، ورجاء الأوَّلين اندرج تحت خوفهم، فكانت إنابتهم بترك المخالفات.       ومنهم المنيب إلى الله بالتضرُّع، والدعاء، والافتقار إليه، والرغبة، وسؤال الحاجات كلها منه، ومصدر هذه الإنابة: شهود الفضل، والمِنَّة، والغِنى، والكَرَم، والقدرة، فأنزلوا به حوائجهم، وعَلَّقوا به آمالَهم، ومنهم المنيب عند الشدائد والضرَّاء فقط إنابة اضطرار، لا إنابة اختبار؛ كحال الذين قال الله فيهم: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ ﴾ [الإسراء: 67]، وقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [العنكبوت: 65]؛ [كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين].       الافتقار إلى الله:   قال الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15] بيَّن سبحانه في هذه الآية أنَّ فقر العباد إليه أمرٌ ذاتيٌّ لهم، لا ينفكُّ عنهم، كما أنَّ كونه غنيًّا حميدًا أمرٌ ذاتيٌّ له، فغِناه وحمده ثابتٌ له لذاته لا لأمر أوجبه...كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:   والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازم أبدًا كما الغِنى أبدًا وصف له ذاتي     الفَقْرُ فقرانِ فقرُ اضطرارٍ، وهو فقر عام لا خروج لبرٍّ ولا فاجرٍ عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا ولا ثوابًا ولا عقابًا؛ بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.       والفقر الثاني: فقر اختياري هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما معرفة العبد بربِّه، والثاني معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتانِ المعرفتانِ أنتجا له فقرًا هو عين غِناه، وعنوان فلاحِه وسعادتِه.       وتفاوُت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوُتهم في هاتين المعرفتين، فمَنْ عرَف ربَّه بالغِنى المطلق عرَف نفسَه بالفقر المطلق، ومَن عرَف ربَّه بالقدرة التامَّة عرَف نفسَه بالعجز التام، ومَن عرَف ربَّه بالعِزِّ التام عرَف نفسَه بالمسكنة التامَّة، ومَن عرَف ربَّه بالعلم التام والحكمة عرَف نفسَه بالجهل.       ومِن ههنا خُذِلَ مَنْ خُذِلَ ووُفِّقَ مَنْ وُفِّقَ، فحُجب المخذول عن حقيقته، وأُنْسِي نفسه، فنسى فقره وحاجته وضرورته إلى ربِّه، فطغى وبغى وعتا، فحقت عليه الشقوة، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]، وقال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل:5-10].       فأكْمَلُ الخَلْق أكملُهم عبوديةً، وأعظمُهم شهودًا لفقره وحاجته وضرورته إلى ربِّه وعدم استغنائه عنه طرفة عين؛ ولهذا كان مِن دُعائه صلى الله عليه وسلم: ((أصلِحْ لي شأنِي كلَّه، ولا تكِلْني إلى نَفْسِي طرفةَ عينٍ، ولا إلى أحَدٍ مِن خلقِك)).       وكان يدعو ((يا مُقلِّب القلوبِ ثبِّتْ قَلْبي على دِينِك)) يعلم صلى الله عليه وسلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل، لا يملك هو منه شيئًا، وأن الله عز وجل يصرفه كما يشاء، كيف وهو يتلو قول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74]؛ ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلةً، وأعظمهم عنده جاهًا، وأرفعهم عنده منزلةً، لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربِّه عزَّ وجل.       • جملة نعت الفقير حقًّا أنه المتخلي من الدنيا تظرُّفًا، والمتجافي عنها تعفُّفًا، لا يستغني بها تكثُّرًا، ولا يستكثر منها تملُّكًا، وإن كان مالكًا بهذا الشرط لم تضرَّه؛ بل هو فقيرٌ غِناه في فقره، وغنيٌّ فقرُه في غِناه.       ومن نعته أنه يعمل على موافقة الله في الصبر والرِّضا والتوكُّل والإنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه، خاضِعٌ متواضِعٌ، سليم القلب، سَلِس القيادة للحقِّ، سريع القلب إلى ذكر الله، بريءٌ من الدعاوى، لا يدَّعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله، زاهِدٌ في كلِّ ما سوى الله، راغبٌ في كلِّ ما يُقرِّب إلى الله، قريبٌ من الناس، أبعدُ شيءٍ منهم، يأنَسُ بما يستوحشون منه، ويستوحش ممَّا يأنسون به، مُتفرِّدٌ في طريق طلبه، لا تُقيِّده الرسوم، ولا تملكه العوائد، ولا يفرح بموجود، ولا يأسَف على مفقود.       مَن جالسَه قرَّتْ عينُه به، ومَن رآه ذكَّرته رؤيتُه بالله، قد حمل كلَّه ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم، وكفَّ أذاه عنهم، وبذل لهم نصيحته، وسبَّل لهم عرضه ونفسه لا معاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا ينقصه، وصفه الصدق والعِفَّة والإيثار والتواضُع والحِلْم والوقار والاحتمال، لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عِوَضًا، ولا مدحة، لا يعاتب، ولا يخاصم، ولا يطالب، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا، مقبل على شأنه، مكرم لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافر في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه؛ [كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين].       الغِنى بالله عز وجل:   ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس الغِنى عن كثرة العَرَضِ؛ ولكن الغِنى غِنَى النفسِ))، ومتى استغنت النفس استغنى القلب...وفي القلب فاقة عظيمة، وضرورة تامَّة، وحاجة شديدة، لا يسدُّها إلا فوزه بحصول الغِنى الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كُلُّ شيءٍ، وإن فاتَه فاتَه كُلُّ شيء، فكما أنه سبحانه الغنيُّ على الحقيقة ولا غنيَّ سواه، فالغِنى به هو الغِنى في الحقيقة ولا غِنى بغيره البتة، فمن لم يستغنِ به عمَّا سواه تقطَّعَتْ نفسُه على السوى حسرات، ومَن استغنى به زالَتْ عنه كلُّ حسرة، وحضره كُلُّ سرورٍ وفرحٍ، والله المستعان.       والغِنى بالحق تبارك وتعالى عن كلِّ ما سواه، وهي أعلى درجات الغِنى، فأول هذه الدرجة: أن تشهد ذِكْرَ الله عز وجل إيَّاك قبل ذِكْرِك له، وأنه تعالى ذَكَرَك فيمن ذكَرَه من مخلوقاته ابتداءً قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدَّر خلقك ورزقك وعملك وإحسانه إليك ونِعَمه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة، وذكرك سبحانه بالإسلام فوفَّقك له واختارك له دون مَن خذله، قال تعالى: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج: 78]، فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قط؛ وإنما هو الذي أهَّلَك بسابق ذكره، فلولا ذكره لك بكُلِّ جميلٍ أولاكه لم يكن لك إليه سبيل.       ومَن الذي ذكَّرك باليقظة، حتى استيقظتَ، وغيرُك في رقدةِ الغفلةِ معَ النوَّام؟! ومَن الذي ذكَّرك سواه بالتوبة حتى وفَّقك لها، وأوقعها في قلبك، وبعث دواعيك عليها، وأحيا عزماتك الصادقة عليها، حتى تُبتَ إليه، وأقبلت عليه، فذقت حلاوة التوبة وبردها ولذَّتها؟! ومَن الذي ذكَّرك سواه بمحبَّتِه حتى هاجَتْ من قلبك لواعجها، وتوجَّهت نحوه سبحانه ركائبُها، وعمر قلبك بمحبَّتِه بعد طول الخراب، وآنسك بقُرْبه بعد طول الوحشة والاغتراب؟! ومَن تقرَّب إليك حتى تقرَّبْتَ إليه، ثم أثابَكَ على هذا التقرُّب تقرُّبًا آخر، فصار التقرُّب منك محفوفًا بتقرُّبَينِ منه تعالى: تقرُّب قبله، وتقرُّبٍ بعده، والحبُّ منك محفوفًا بحبَّين منه: حبٍّ قبله، وحُبٍّ بعده، والذكر منك محفوفًا بذِكْرين: ذِكْرٍ قبله، وذِكْرٍ بعده.       فلولا سابق ذِكْره إياك لم يكن من ذلك كله شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرة ممَّا وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبته وخوفه ورجائه والتوكُّل عليه والإنابة إليه والتقرُّب إليه، فهذه كلها آثاره ذكره لك.       ثم إنه سبحانه ذكَّرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك في كل طرفة عين ونَفَس نِعَمٌ عديدة ذكَّرك بها قبل وجودِك، وتعرَّف بها إليك، وتحبَّب بها إليك، مع غِناه التامِّ عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مُجرَّد إحسانه وفضله وجُوده، وإذا هو الجواد المحسن لذاته، لا معاوضة، ولا لطلب جزاء منك، ولا حاجةٍ دَعَتْه إلى ذلك، كيف وهو الغَني الحميد؟! فإذا وصل إليك أدنى نِعَمه منه، فاعلم أنه ذكَّرَك بها، فلتعظم عندك لذكره لك بها، فإنه ما حقرك مَن ذكَّرك بإحسانه، وابتدأك بمعروفه، وتحبَّب إليك بنِعْمَتِه، هذا كُلُّه مع غِناه عنك.       الدرجة الثانية من درجات الغِنى بالله: دوام شهود أوَّليته تعالى...فالعبد إذا فتح الله لقلبه شهود أوليته سبحانه حيث كان ولا شيء غيره، وهو الإله الحق الكامل في أسمائه وصفاته، الغني بذاته عما سواه، الحميد المجيد بذاته قبل أن يخلق من يحمده ويعبده ويمجده، فهو معبودٌ محمودٌ حيٌّ قيُّومٌ، له المُلْك، وله الحمدُ في الأزل والأبَدِ، لم يَزَلْ ولا يزال موصوفًا بصفات الجلال، منعوتًا بنعوت الكمال، وكل شيء سواه فإنما كان به، وهو تعالى بنفسِه ليس بغيره، فهو القيُّوم الذي قيام كل شيءٍ به، ولا حاجة به في قيُّومته إلى غيره بوجه من الوجوه، فإذا شهد العبدُ سبقَه تعالى بالأولية ودوام وجوده الحق، وغاب بهذا عمَّا سواه من المحدثات.       وليس هذا مختصًّا بشهودِ أوَّليته تعالى فقط؛ بل جميع ما يبدو للقلوب من صفات الربِّ جَلَّ جلالُه يُستغنى بها بقَدْرِ حظِّه وقسمه من معرفتها وقيامه بعبوديتها.       الدرجة الثالثة من درجات الغِنى بالربِّ جَلَّ جلالُه: الفوز بوجوده: هذا الغنى أعلى درجات الغِنى....فمَنْ طلب الله بصِدْق وَجَدَه، ومَن وَجَدَه أغناه وجودُه عن كلِّ شيءٍ...ومَن وَصَل إلى هذا الغِنى قرَّت به كلُّ عين؛ لأنه قرَّت عينُه بالله والفوز بوجوده، ومَن لم يصل إليه تقطَّعَت نفسُه على الدنيا حسرات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبحَ والدنيا أكبرُ همِّه جعل اللهُ فقرَهُ بين عينيه، وشتَّت عليه شملهُ، ولم يأتِهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له، ومن أصبحَ والآخرة أكبرُ همِّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَه، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغمة...)).       فهذا هو الفقر الحقيقي والغِنى الحقيقي، وإذا كان هذا غِنى مَنْ كانت الآخرةُ أكبرَ همِّه، فكيف من كان الله عز وجل أكبر همِّه، فهذا من باب التنبيه والأولى؛ [كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين].       مراقبة الله جل جلاله:   السكينة فعيلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في القلب، ويظهر أثرُها على الجوارح.       وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخير تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهةً تعارض الخير، ولا إرادةً تعارض الأمر؛ بل لا تمر معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة مرور الوساوس الشيطانية التي يُبْتلى بها العبد؛ ليقوى إيمانُه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون إليها، فلا يظُن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله.       وأسبابها الجالبة لها: استيلاء مراقبة العبد لربِّه عز وجل حتى كأنه يراه، وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء، والسكينة، والمحبة، والخضوع، والخشوع، والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها، فالمراقبةُ أساسُ الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به؛ [كتاب: أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين].       عدم الأمن مِن مَكْر الله جل وعلا:   الذي يخافه العارفون بالله من مكره: أن يؤخِّر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترارٍ، فيأنسوا بالذُّنوب، فيجيئهم العذاب على غِرَّةٍ وفترة.       وأمر آخر: وهو أن يغفلوا عنه وينسوا ذكره، فيتخلَّى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته فيُسرِع إليهم البلاءُ والفتنةُ، فيكون مكرُه بهم تخلِّيه عنهم، وأمرٌ آخرُ: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون، وأمر آخرُ: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه، فيُفتنون به، وذلك مكر؛ [كتاب: الفوائد].       حُسْن الظنِّ بالله عز وجل:   حُسْن الظَّنِّ يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربِّه أنه يُجازيه على إحسانه، ولا يخلف وعده، ويقبل توبته، وأما المُسيء المُصِرُّ على الكبائر والظلم فإن وحشة المعاصي والظلم والإجرام تمنعه من حسن الظَّنِّ بربِّه.       وحسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة الحسنة، واستقبل بقيَّة عمره بالخير والطاعة... فحسن الظَّنِّ إن حمل على العمل، وحثَّ عليه، وساق إليه، فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور.       كثير من الجُهَّال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمرَه ونهيَه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.       وربَّما اتَّكَل بعضُ المغترين على ما يرى مِن نِعَم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغيَّر به، ويظن أن ذلك من محبَّة الله له...وهذا من الغرور، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رأيتَ اللهَ عز وجل يُعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ، فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44].       • أحسن الناس ظنًّا بربِّه أطوعهم له... وكلما حَسُن ظنُّه حَسُن عملُه؛ [كتاب: الداء والدواء].   فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ   شبكة الالوكة
    • بحثك عن الفخامة يدل على ذوق فريد، لذلك إذا قررتي اقتناء لانجري فخم فوجهتك الأولى والأخيرة هو متجر هدوم بنات، هناك العديد من الأنواع والأشكال أما عن الأنواع فهناك لانجيرهات بخامة الزبدة وخامة الدانتيل المنقوش. كذلك ستجدي لانجيري قطيفه ليكرا ومعروف عن القطيفة أنها رائعة جدًا للارتداء في المناسبات الشتوية فهي تعطي لامعة جميلة عند الحركة خاصة إذا كانت باللون الأحمر أو الأسود. لكن إذا كنتي تبحثي عن لانجيري حريمي على الموضة فهذه السنة اللانجيري المطلوب هو القطيفة باللون الأزرق، ستجدي منه الموديلات القصيرة والطويلة والمفتوحة كل ما ترغبين متاح. أما عن المقاسات فمنها لانجري للمقاسات الصغيرة وفي الغالب سيبدأ تلبيسها من 50 كيلو وحتى 80 كيلو ومنها لانجرى بيج سايز وستجدي تلبيسه يبدأ من 80 كيلو وحتى 120 كيلو.    
    • كتاب: روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين   النفوسُ الشريفة الزكَّيةُ العلوية تعشقُ صفات الكمال: النفوسُ الشريفة الزكَّيةُ العلوية تعشقُ صفات الكمال بالذَّات، فأحبُّ شيء إليها العلمُ والشَّجاعةُ والعفَّةُ والجودُ والإحسانُ، والصبر، والثبات؛ لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها، بخلاف النفوس اللئيمة الدنيَّة فإنها بمعزل عن محبة هذه الصفات، وكثير من الناس يحمله على الجود والإحسان فرطُ عشقه ومحبَّته له، واللَّذة التي يجدها في بذله، كما قال المأمون: لقد حُبِّب إليَّ العفو حتى خشيت ألَّا أُؤجَرَ عليه، وقيل للإمام أحمد رحمه الله: تعلمت هذا العلم لله؟ فقال: أمَّا لله فعزيز، ولكن شيء حُبِّبَّ إليَّ، ففعلتُه. وقال آخر: إني لأفرحُ بالعطاء وألتذُّ به أعظم مما يفرحُ الآخذ بما يأخذه مني.   وكثيرٌ من الأجواد يعشق الجود أعظم عِشْق، فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به، ولا يقبلُ فيه عَذْلَ عاذلٍ، ولا تأخذه لومةُ لائمٍ، وأمَّا عُشَّاق العلم فأعظمُ شغفًا به وعشقًا له من كل عاشقٍ بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يشغلُهُ عنه أجمل صورة من البشر.   قيل لامرأة الزبير بن بكار أو غيره: هنيئًا لك؛ إذ ليست لك ضرَّة، فقالت: واللهِ لهذه الكتبُ أضرُّ عليَّ مِن عدَّة ضرائر، فعِشْقُ صفاتِ الكمال من أنفع العشق وأعلاه، وإنما يكون بالمناسبة التي بين الروح وتلك الصفات.   أقسام النفوس ومَحابِّها: النفوس ثلاثة: نفس سماوية عُلوية، فمحبتها منصرفة إلى المعارف، واكتساب الفضائل، والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يُقرِّبها من الرفيق الأعلى، وذلك قُوتُها، وغِذاؤُها، ودواؤها، واشتغالها بغيره هو داؤها.   ونفس سبعية غضبية، فمحبَّتُها منصرفةٌ إلى القهر، والغي، والعلو في الأرض، والتكبُّر، والرئاسة على الناس بالباطل، فلذَّتُها في ذلك، وشغفُها به.   ونفس حيوانية شهوانية، فمحبَّتُها منصرفةٌ إلى المأكل، والمشرب، والمنكح، وربما جمعت بين الأمرين، فانصرفت محبَّتُها إلى العلو في الأرض، والفساد.   الملائكة أولياء لأصحاب النفس السماوية العلوية: الملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: 30 - 32] فالملك يتولَّى من يناسبه بالنصح له والإرشاد....وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوِّه عنه، والاستغفار له إذا زلَّ، وتذكيره إذا نسي، وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها، وإيعاد صاحبه بالخير، وحضِّه على التصديق بالوعد، وتحذيره من الركون إلى الدنيا، وتقصير أمله، وترغيبه فيما عند الله، فهو أنيسه في الوحدة، ووليُّه، ومعلِّمه، ومثبتُه، ومسكِّن جأْشِه، ومرغِّبه في الخير ومحُذِّرة من الشرِّ، يستغفر له إن أساء، ويدعو له بالثبات إن أحسن، وإن بات طاهرًا يذكر الله بات معه في شعاره، فإن قصَدَه عدوٌّ له بسوءٍ وهو نائم، دفعه عنه.   الشياطين أولياء لأصحاب النفوس السبعية الغضبية: الشياطين أولياء النوع الثاني، قال تعالى: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ﴾ [النحل: 63]، وقال تعالى:﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف: 50].   فهذا النوع بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبة طبيعية، بها مالت أوصافُهم، وأخلاقُهم، وأعمالُهم، فالشياطين تتولَّاهم بضدِّ ما تتولَّى به الملائكة من ناسبهم، فتؤزُّهم إلى المعاصي أزًّا، وتزعجهم إليها إزعاجًا، ويزينون لهم القبائح، ويُخفِّفونها على قلوبهم، ويحلونهم في نفوسهم، ويثقلون عليهم الطاعات ويُثبطونهم عنها، ويقبحُونها في أعينهم، ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام، وما لا يفيد، ويُزيِّنونه في أسماع من يسمعه منهم، يبيتون معهم حيث باتوا، ويقيلون معهم حيث قالوا، ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم، يأكلون معهم ويشربون معهم وينامون معهم، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ [النساء: 38].   كتاب: بدائع الفوائد النفس كالعدوِّ: النفس كالعدوِّ إن عرفت صولة الجدِّ منك استأسرت لك، وإن أنست عنك المهانة أسرتك، امنعها ملذوذ مُباحاتها ليقع الصلح على ترك الحرام، فإذا ضجَّت لطلبِ المباح: ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ﴾ [محمد: 4].   كتاب: الروح النفس اللوَّامة: اللوَّامة، هي التي أقسم بها سبحانه في قوله: ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة: 2]، فاختلف فيها، فقالت طائفة: هي التي لا تثبتُ على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوُّم، وهو التردُّد، فهي كثيرة التقلُّب والتلوُّن، وهي من أعظم آيات الله، فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلَّب وتتلوَّن في الساعة الواحدة – فضلًا عن اليوم والشهر والعام والعمر – ألوانًا متلونةً، فتذكُر وتغفل، وتقبل وتُعرض، وتلطف وتكثف، وتنيب وتجفو، وتحب وتبغض، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتطيع وتعصي، وتتقي وتفجر، إلى أضعاف ذلك من حالاتها وتلوُّنها، فهذا قول.       وقالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللوم...فإن كل أحد يلوم نفسه، برًّا كان أو فاجرًا، فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية الله وترك طاعته، والشقي لا يلومها إلا على فوات حظِّها وهواها...وقالت فرقة أخرى: هذا اللومُ يوم القيامة، فإن كل أحد يلوم نفسه: إن كان مسيئًا على إساءته، وإن كان محسنًا على تقصيره.       وهذه الأقوال كلها حقٌّ ولا تنافي بينها؛ فإن النفس موصوفة بهذا كلِّه، وباعتباره سميت لوَّامة؛ ولكن اللوَّامة نوعان: لوَّامة ملُومة: وهي النفس الجاهلة الظالمة، التي يلومها الله وملائكته، ولوَّامة غيرُ ملومة: وهي التي لا تزال تلومُ صاحبها على تقصيره في طاعة الله مع بذله جهده، فهذه غير ملومة.       وأشرف النفوس مَن لامت نفسها في طاعة الله، واحتملت ملائم اللائمين في مرضاته فلا تأخذها فيه لومة لائم فهذه قد تخلَّصت من لوم الله لها، وأما من رضيت بأعمالها...ولم تحتمل في الله ملام اللُّوام، فهي التي يلومها الله عز وجل.       النفس الأمَّارة: النفس الأمَّارة فهي المذمومة، فإنها تأمر بكل سوء، وهذا من طبيعتها إلا من وفَّقها الله، وثبَّتها، وأعانها، فما تخلَّص أحد من شرِّ نفسه إلا بتوفيق الله له، كما قال تعالى حاكيًا عن امرأة العزيز: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [يوسف: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ [النور: 21]، وقال تعالى لأكرم خلقه عليه وأحبِّهم إليه: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74].       وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلِّمهم خطبة الحاجة: ((إنَّ الحمدَ لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له))، فالشرُّ كامنٌ في النفس، وهو موجب سيئات الأعمال، فإن خلى الله بين العبد وبين نفسه هلك بين شرِّها وما تقتضيه من سيئات الأعمال، وإن وفَّقه وأعانه نجَّاه من ذلك كله، فنسأل الله العظيم أن يعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.       النفس المطمئنة: النفس المطمئنة هي أقلُّ النفوس البشرية عددًا، وأعظمها عند الله قدرًا، وهي التي يُقال لها: ﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 28 - 30]، والله سبحانه المسؤول المرجو الإجابة، أن يجعلنا نفوسنا مطمئنةً إليه، عاكفةً بهمتها عليه، راهبةً منه، راغبةً فيما لديه، وأن يُعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وألَّا يجعلنا ممن أغفل قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه، وكان أمره فرطًا.       تأثير النفس في غيرها: تأثيرات النفوس بعضها في بعض أمر لا ينكره ذو حسٍّ سليم ولا عقل مستقيم، ولا سيَّما عند تجرُّدها نوع تجرد عن العلائق والعوائق البدنية، فإن قواها تتضاعف وتتزايد بحسب ذلك، ولا سيَّما عند مخالفة هواها وحملها على الأخلاق العالية...وتجنبها سفساف الأخلاق ورذائلها وسافلها، فإن تأثيرها في العالم يقوي جدًّا تأثيرًا يعجز عنه البدن، وأعراضه: أن تنظر إلى حجر عظيم فتشُقُّه، أو حيوان كبير فتُتلفه، أو نعمة فتزيلها، وهذا أمر قد شاهده الأمم على اختلاف أجنساها وأديانها، وهو الذي يُسمَّى إصابة العين، فيضيفون الأثر إلى العين، وليس لها في الحقيقة؛ وإنما هو للنفس المتكيفة بكيفية رديَّة سُمِّيَّة، وقد يكون بواسطة العين، وقد لا يكون؛ بل يوصف له الشيء من بعيد، فتتكيَّف عليه نفسه بتلك الكيفية فتفسده.   كتاب: الفوائد شهود عيوب النفس: شهود العبد ذنوبه وخطاياه توجب له ألَّا يرى لنفسه على أحدٍ فضلًا، ولا له على أحدٍ حقًّا، وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرَ لها على الناس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمُّهم على ترك القيام بها...فيرى أنَّ من سلَّم عليه أو لقيه بوجهٍ منبسط فقد أحسن إليه، وبذل له ما لا يستحقُّه، فاستراح هذا في نفسه، وأراح الناس من شِكايته وغضبه على الوجود وأهله، فما أطيبَ عيشَه! وما أنعم بالَه! وما أقرَّ عينَه!.   التضييق على النفس، والتوسيع عليها: النفس كلما وسَّعت عليها ضيَّقت على القلب حتى تصير معيشتُه ضنكًا، وكلما ضيَّقت عليها وسَّعت على القلب حتى ينشرح وينفسح.   الاشتغال بعيوب النفس: • طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، وويل لمن نَسِي عيبه وتفرَّغ لعيوب الناس، هذا من علامة الشقاوة، كما أن الأول من أمارات السعادة.   • من شغل بنفسه شُغل عن غيره، ومن شُغل بربِّه شُغل عن نفسه.   • من عرف نفسه اشتغل بإصلاحها عن عيوب الناس.   من عرف نفسه عرف ربَّه: من عرف نفسه عرف ربَّه، فإنه من عرَف نفسَه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذُّل والمسكنة والعدم، عرف ربَّه بضدِّ ذلك، فوقف بنفسه على قدرها، ولم يتعدَّ بها طورها، وأثنى على ربِّه ببعض ما هو أهله، وانصرفت قوة حُبِّه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكُّله إليه وحده، وكان أحبَّ شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له، وهذا هو حقيقة العبودية، والله المستعان.   مجاهدة النفس تُذهِبُ أخلاقها المذمومة: سبحان الله في النفس: كبرُ إبليس، وحسد قابيل، وعُتُوُّ عاد، وطغيانُ ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغيُ قارون، وقحة هامان، وحِيَل أصحاب السبت، وتمرُّدُ الوليد، وجهل أبي جهل.   وفيها من أخلاق البهائم: حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجُعل، وعقوق الضَّبِّ، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسقُ الفارة، وخُبْثُ الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفَّةُ الفراش، ونوم الضبع، غير أنَّ الرياضة والمجاهدة تُذهِبُ ذلك.   جهل الإنسان بمصالح نفسه: والعبدُ- لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربِّه وحكمته ولطفه- لا يعرف التفاوت بين ما مُنِعَ منه وبين ما ذُخِرَ له؛ بل هو مُولِع بحبِّ العاجل وإن كان دنيًّا، وبقلَّةِ الرغبة في الآجل وإن كان عليًّا.   ولو أنصف العبد ربَّه – وأنَّى له بذلك – لعَلِمَ أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذَّاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليُعطيه، ولا ابتلاه إلا ليُعاقبه، ولا امتحنه إلا ليُصافيه، ولا أماته إلا ليُحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتاهَّب منها للقدوم عليه، وليسلك الطريق الموصلة إليه.   كتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين غِنى النفس: غنى النفس...استقامتها على الأمر الديني الذي يحبُّه الله ويرضاه، وتجنُّبها لمناهيه التي يسخطها ويُبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا لله وأمره، وإيمانًا به، واحتسابًا لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلبًا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم، وهربًا من ذمِّهم وازدرائهم، وطلبًا للجاه والمنزلة عندهم، فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله، والبعد منه، وأنه أفقر شيء إلى المخلوق.       فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضدِّه دليل غناها؛ لأنها إذا أذعنت منقادةً لأمر الله طوعًا واختيارًا ومحبةً وإيمانًا واحتسابًا، بحيث تصير لذَّتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا بلالُ، أرِحْنا بالصَّلاةِ))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّب إليَّ من دُنْياكم النساءُ والطيِّبُ، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة)).   كتاب: التبيان في أيمان القرآن النفس اللوَّامة: كل نفس لوَّامة؛ فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتُبادِر إلى التوبة، والنفس الشقيَّة بالضد من ذلك.       ونبَّه سبحانه بكونها لوَّامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى مَن يُعرِّفها الخير والشر، ويرشدها إليه ويلهمها إياه، فيجعلها مريدةً للخير مؤثرة له، كارهةً للشر مجانبةً له.       النفس المعطية: النفس المعطية: هي النفَّاعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي، فتعطي خيرَها لنفسها ولغيرها، فهي بمنزلة "العين" التي ينتفع الناس بشربهم منها، وسقي دوابهم وأنعامهم وزروعهم، فهم ينتفعون بها كيف شاؤوا فهي مُيسَّرة لذلك، وهكذا الرجل المبارك مُيسَّر للنفع حيث حلَّ، فجزاء هذا أن يُيسِّره الله لليُسْرى كما كانت نفسُه مُيسَّرةً للعطاء.   كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد مراتب جهاد النفس: جهاد النفس أربع مراتب: إحداها: أن يُجاهِدها على تعلُّم الهدى ودين الحق.   الثانية: أن يُجاهِدها على العمل به بعد علمه.   الثالثة: أن يُجاهِدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه. الرابعة: أن يُجاهِدها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق.       رياضة النفوس: • رياضة النفوس بالتعلُّم والتأدُّب، والفرح والسرور، والصبر والثبات، والإقدام والسماحة، وفعل الخير، ونحو ذلك ممَّا ترتاض به النفوس.   • النفوس...من أعظم رياضتها: الصبر والحب، والشجاعة والإحسان، فلا تزال ترتاض بذلك شيئًا فشيئًا حتى تصير لها هذه الصفات هيئات راسخة، وملكات ثابتة.   • من لم يجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرت به، وتترك ما نهيت عنه، ويُحاربها في الله، لم يُمكنه جهاد عدوِّه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوه الذي بين يديه قاهر له، مُتسلِّط عليه، لم يجاهده، ولم يُحارِبْه في الله.   كتاب: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ظهور ما في النفس من طيب وخبث على الجسد: النفس النجسة الخبيثة يقوى خبثها ونجاستها حتى يبدو على الجسد، والنفس الطيبة بضدِّها، فإذا تجردت وخرجت من البدن وُجِدَ لهذه كأطيب نفحة مسكٍ وُجِدت على وجه الأرض، ولتلك كأنتن ريح جيفةٍ وُجِدت على وجه الأرض.   لجهل النفس تضع الداء موضع الدواء: النفس...لجهلها تظن شفاءها في اتِّباع هواها؛ وإنما فيه تلفُها وعطبُها ولظلمها...تضع الداء موضع الدواء فتعتمده وتضع الدواء موضع الداء فتجتنبه فيتولَّد من بين إيثارها للداء واجتنابها للدواء أنواع من العِلَل التي تُعيي الأطباء ويتعذَّر معها الشفاء.   فوائد محاسبة النفس: في محاسبة النفس عدة مصالح: منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطَّلِع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتَها في ذات الله.   • من فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حقَّ الله عليه، ومن لم يعرف حقَّ الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدًّا.   • من فوائد محاسبة النفس النظر في حقِّ الله على العبد، فإن ذلك يُورِثه مَقْتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجْب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذُّل والانكسار بين يدي ربِّه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفوِ الله.   كتاب: مدارج السالكين في منازل السائرين السخط على النفس: قد قيل: علامة رضا الله عنك سخطك على نفسك، وعلامة قبول العمل احتقاره واستقلاله وصغره في قلبك، حتى إن العارف ليستغفر الله عقيب طاعاته.       سوء الظن بالنفس، إنما احتاج إليه؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويُلبس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالًا،... ولا يسيءُ الظن بنفسه إلا مَن عرَفها، ومن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل الناس بنفسه!   رياضة النفس: من منازل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] الرياضة، وهي تمرين النفس على الصدق والإخلاص...تمرينها على قبول الصِّدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته، فإذا عرض عليها الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له، وقبول الحق ممن عرضه عليه.       • تهذيب الأخلاق بالعلم المراد به إصلاحها وتصفيتها بموجب العلم فلا يتحرَّك بحركةٍ ظاهرةٍ أو باطنةٍ إلا بمقتضى العلم، فتكون حركاتُ ظاهره وباطنه موزونةً بميزان الشرع.   فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ   شبكة الالوكة
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181437
    • إجمالي المشاركات
      2534221
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92858
    • أقصى تواجد
      1716

    أحدث العضوات
    فتاة الرياح
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏فكرة انتهاء مهلة العمل والانتقال لدار الجزاء مهيبة جدًا ! لا توبة تُقْبَل ولا عمل يُصَحح . لو نطق أهل القبور لكانت موعظتهم : أنتم في دار العمل فأحسنوا العمل . نسأل الله حُسن الختام .

×