اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56071
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109824
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180250
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259959
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23495
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8104
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32127
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4158
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25481
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30229
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52835
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19524
      مشاركات
    4. 6676
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47509
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      96996
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36818
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4882
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16433
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29717
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12927
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41314
      مشاركات
    2. 33851
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91683
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32175
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13122
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35608 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • * هذه السورة هي سورة التين، والمشهور وبعضهم يذكر أنه لا خلاف أنها مكية ، ثم موضوع السورة يؤيد أنها مكية .   * أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لما فيهما من الخواص الغذائية . وهذا قول للسلف ، أن قسم الله – عز وجل – بهاتين الفاكهتين : التين والزيتون . وهناك قول آخر ، هو للسلف – أيضاً – وهو أن التين والزيتون لا يُراد بهما ذات الفاكهة والنبات المعروف ، وإنما في ذلك إشارة إلى مكان نباتهما وخروجهما . وهما ينبتان في بلاد الشام ، وبعضهم يُحدد يقول: دمشق وفلسطين وكلها من بلاد الشام .
        والآية تشير إلى هذا المعنى :
      أنها تشير إلى بلاد الشام لكونها موطناً لبني إسرائيل أو لأنبياء آخرين ، لكن أنبياء بني إسرائيل بالدرجة الأولى .
      وهذا القول الثاني ، وأن الآية تشير إلى مكان الشام يُؤَيد بأن الله تعالى ذكر بعد  ذلك أماكن فقال : ) وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ  (، إذن هذا القول الثاني يترجح .   * يقسم الله تعالى بثلاثة أماكن هي من أطهر بقاع الأرض التي خصّها الله تعالى بإنزال رسله وأنبيائه دون سائر بقاع الأرض . فبيت المقدس : بعث الله‏ تعالى‏ فيه عبده ونبيه ورسوله عيسي بن مريم‏‏ عليهما السلام‏ . وطور سينين : كلم الله‏‏ عز وجل‏ عنده عبده ونبيه ورسوله موسى بن عمران‏ عليه السلام‏ . ومكة المكرمة : زارها معظم أنبياء الله ورسله‏ ومدفون بها عدد كبير منهم‏ ،‏ ثم بعث الله‏ فيها خاتم الأنبياء والمرسلين‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏ . وفيها إشارة إلى ترابط النبوات وأن الأنبياء إخوة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :
      ( الأنبياء إخوة من علّات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد ) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.   *القسم بالبلد الأمين ليس إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث في البلد الأمين
      فحسب ، وإنما إشارة إلى إبراهيم  أيضاً وأن محمداً هو مجدد ملة إبراهيم ومحيي دينه .
      فيمكن أن نطبق قاعدة أخرى مرت علينا وهي : أن الآية تُحمل على المعنيين ، ما دام ليس بينهما اختلاف ، فنقول: إن الله تعالى أقسم بالتين والزيتون ذلك النبات المعروف ، وهي أيضاً متضمنة القسم بالإشارة إلى أماكنها وأماكن خروجها . فلا مانع أن يكون القسم في الأصل بالنبات ، لكنه يُشير إلى المكان الذي يخرج فيه   *******************   * جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ منها القسم به مع التين في مطلع سورة التين‏,‏ وشجرة الزيتون شجرة مباركة وكذلك ثمرتها‏,‏ فهي شجرة معمرة قد تعيش لأكثر من ألف سنة‏,‏ وتعتبر من أهم نباتات الزيوت‏,‏ ويعتبر زيتها من أصح الزيوت    * ) سِينِينَ  (ليست كلمة عربية وهي طور سيناء في مصر ، وردت في القرآن باسمين سيناء  ) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ([ المؤمنين : 20]   ووردت طور سنين وهي فيها اسمان يذكر أهل اللغة المحدثون أن هذه فيها لغتان : 
      سيناء وسنين : وهو جبل المناجاة الذي أنزلت فيه التوراة على موسى‏ عليه السلام‏ ،‏ وقد ذكره ربنا تبارك
      وتعالي في اثنتي عشرة آية من آيات القرآن الكريم :   ‏(‏ البقرة‏:93,63,‏ النساء‏:154,‏ الأعراف‏:171,143,‏ مريم‏:52,‏ طه‏:80,‏ المؤمنون‏:20,‏ القصص‏:46,29,‏ الطور‏:1,‏ التين‏:2),‏ وسميت باسمه إحدي سوره‏ (‏ سورة الطور‏) .   *******************   * جواب القسم ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  (. الإنسان ، هنا يُراد به الجنس ، فإذا كان كذلك فإنه يشمل المسلم والكافر ، خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، يعني : في أتم خلق .   فالتقويم هنا يراد به الخلق ، يعني أن الله تعالى جعل خِلْقَته قيّمة , على أتم حال . كلام نفيس لابن القيم حول أحسن تقويم تجده في كتابه الماتع : مفتاح دار السعادة ، فإنه عقد مبحثاً لخلقة الإنسان وأنها في أحسن تقويم .   * ما المراد بقوله : ) أَسْفَلَ سَافِلِينَ (، وهل هذا في الدنيا أو في الآخرة ؟ المسألة فيها قولان مشهوران : 1- فقد قيل إن الآية تتكلم عن الإنسان في الدنيا ، خلقه في أحسن تقويم في الدنيا , ثم رده أسفل سافلين في الدنيا .   قالوا: إن المراد بأسفل سافلين في الدنيا أنه يُرَدُّ إلى أرذل العمر, فيفوته كثير من حسن تقويم الخلقة الأولى ، بحيث تفوته قوته الأولى ، فبدلاً من كونه – مثلاً – يمشي قائماً ، لا يستطيع ذلك ، وغيرها . 2- إن الآية الكريمة لا تتكلم عن حاله في الدنيا ، بل تتكلم على حاله في الآخرة ، وذلك أن الله
      تعالى يردُّه أسفل سافلين في النار فيما لو اختار الكفر.
        وقالوا: إن أسفل سافلين تعبير يُراد به : دركات جهنم أن الله تعالى يرده في هذه الدركات . الأقرب : والله أعلم هو القول الأول ، وأن الله تعالى رده إلى أسفل سافلين أي رده إلى أرذل العُمُر، بحيث فاته شيء كثير من قوته ومن نشاطه وذاكرته ، هذا هو الأقرب والله أعلم .
        وهذا الذي رجحه شيخ المفسرين بالأثر ابن جرير – رحمه الله – فقد رجح هذا واعتمده ، وهو مروي عن السلف كابن عباس وغيره . أما ابن القيم – رحمه الله – فإنه اختار القول الثاني وأن ردّه أسفل سافلين يعني بذلك في النار .   *******************   * ) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (. هذا استثناء من الكلام السابق ، يبين لك ارتباط ) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (. 
      على القولين : 1- على قول من فسر ) أَسْفَلَ سَافِلِينَ ( بالكفر يكون المعنى : استثناء ، وأن الذي آمن وعمل الصالحات لا يُرَدُّ أسفل السافلين . 2- على القول الثاني : أن الذي يُرد إلى أسفل السافلين هو الرد إلى أرذل العمر، أن عمله لم
      ينقطع بل نقول إن أجره لم ينقطع, لأن الله تعالى قال : ) فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  (   * أقوال ثلاثة عبّر بها السلف معنى ممنون :  يعني : 1- منقوص 2- محسوب 3- منقطع ، هذه المعاني الثلاثة لنا أن نطبق عليها القاعدة : إن الأقوال غير المتعارضة تُحمل على الجميع . فنقول : أجرٌ غير منقوص, وغير محسوب أيضاً, ومن باب أولى غير مقطوع .   * ) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (.   هؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين، هؤلاء في أعلى عليين في الدنيا والآخرة لذلك قال بعض
      العلماء : 
      المؤمن لا يشيخ أبداً، يضعف جسمه ، وينحني ظهره ، ويضعف بصره ويشيب شعره،
      ولكنه لا يشيخ، لأن هدفه كبير، وعزمه متين .   * نستفيد من تنكير الأجر في قوله تعالى : )فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (.    الكثرة والعموم والسعة فإن أجر الله غير منقطع .   *******************   * في قوله تعالى : ) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( .      ما بمعنى الذي الموصولة ، استفهام الغرض منه التهديد والإنكار . يعني ما الذي يحملك على التكذيب ما دُمت عرفت أن الإنسان خُلِق في أحسن تقويم ، وأن
      أجره مستمر .   ومما يُستفاد من قوله : ) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ  (انقطاع حجة المكذبين بيوم القيامة .   *  الحكمة من الحديث عن اليوم الآخر بعد الأجر لأنه يدفع للعمل الصالح ففي ذكر اليوم الآخر وأن الإنسان سيبعث بعد موته ويحاسب على كل كبيرة وصغيرة ، ففيه ترغيب للعمل الصالح وترهيب من عمل السيئات .     * ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( هذه الآية ، ما أعظمها من آية، وما أبردها على قلب المؤمن حينما يتأمل معناها ، ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( ،الذي يضع الأمور في مواضعها الصحيحة ، وقوله تعالى :  )بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( .   1- لنا أن نقول إنها مأخوذة من الإحكام ، يعني أن الله سبحانه وتعالى أحكم كُل شيء أنه أتقنه . 2- ولنا أن نقول إنها مأخوذة من الحكمة وهي وضع الأشياء في مواضعها .
      فالله تعالى أحكم الحاكمين: 
      الذي أتقن الأشياء اتقاناً تاماً, لا مدخل لمعترضٍ عليه ، وكذلك : هو أحكم الحاكمين من جهة الحكمة ، حيث وضع الأمور في مواضعها ، أعطى في موضع العطاء, ومنع في موضع المنع ، وهكذا .
        *******************
        * يقول الإمام ابن باز رحمه الله : جاء فيه حديث ضعيف أنه -صلى الله عليه وسلم-  كان إذا قرأ ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( ، قال : بلى. وأنا على ذلك من الشاهدين ، وإذا قرأ : ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( .   ) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ  (، آخر المرسلات ، قال : آمنت بالله وبرسله ، آمنت بالله وما أنزل  ، وإذا قرأ آخر القيامة : ) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى  ([ القيامة : 40]  قال: سبحانك بلى. ولكنه ضعيف إلا ما ورد في القيامة ، فهو ثابت عند قوله تعالى:  ) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( ، يقال: بلى ، سبحانك بلى. هذا مشروع، أمَّا عند آخر
       سورة التين، والمرسلات، فهو ليس بمحفوظ .   جعلنا الله من المتدبرين لكتابه العاملين به   ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,     دلالات تربوية على سورة التين   ترمز ثمرة التين إلى نوع من الفاكهة طيب وشهي ومفيد لكنه سرعان ما يفسد، وفي إشارة قرآنية لطيفة إلى الفطرة السليمة التي خلق الله تعالى الناس عليها فلا تتبدل ولا تتغير، يقول المولى سبحانه ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (كل مولود يولد على الفطرة) [1] ألا وهي الإسلام، بيد أن هذه الفطرة قد تظل ثابتة كما هي لا تتبدل أو تتغير، وقد يعتريها ما يعتري ثمرة التين من الفساد والعطن فتفسد، وهنا ترمز السورة للفطر السليمة والفطر التي تفسد بمرور الزمان، فتصورهما بنبتين ومكانين، فأما النبتين فهما التين والزيتون، و أما المكانين فهما طور سيناء ومكة المكرمة.   وتذكر الإنسان بأصل نشأته التي خلقه الله تعالى، حيث قومه فأحسن تقويمه، لكنه لم يلبث على هذا الحال كثيرا، فسرعان ما عصى آدم ربه فغوى، فظهرت سوأته وهبط إلى الأرض، إلى أسفل سافلين، حيث شارك الحيوانات شهواتها ونزعاتها، ولكن الله تعالى استثناءه من الاسترسال في الغواية بالمغفرة والتوبة، فصعد بذلك إلى أعلى عليين، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ والتين والزيتون في العشاء وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه أو قراءة [2]، وكل ذلك لا يخرج عن قضاء الله وحكمه سواء أكان ذلك كونا أو شرعا، وعلى المرء أن يسلم لحكم الله تعالى بلا تعقيب.   قوله تعالى ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 1-3]   الآية (1) قوله تعالى ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾: التين من الفواكه التي لا تلبث حتى تفسد، ويصعب حفظها، ويمكن أن نرمز لمن يبدل دينه أو أن ينتكث عن فطرته السليمة بتلك الفاكهة الطيبة، التي تتغيير وتتبدل هيئتها من الطازجة إلى الفاسدة في وقت قصير، ومن ثم ذكر بعض العلماء أن القرآن الكريم يرمز إلى تغير الفطرة بالتين، يقول الإمام البقاعي: (ولما كان التين أحسن الفواكه تقويماً فيما ذكروا من فضيلته...فكان جامعاً لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي...، مع أنه ينتفع به رطباً ويابساً، فهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسناً وقبولاً لكل من الإصلاح والتغير، بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر )، قال تعالى ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ... ﴾ [الأعراف: 175-176]، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء [3]هل تحسون فيها من جدعاء [4]) [5]، يقول أبو هريرة تعليقا على هذا الحديث اقرؤا إن شئتم ﴿ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30] [6].   ونحن نعلم أن بني إسرائيل نجاهم الله تعالى من عذاب فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم حتى جاءهم موسى لينقذهم من عذابه ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129]، لكن لما نجاهم الله تعالى سرعان ما تبدلت فطرتهم، فبعد أن كانوا يلتفون حول موسى كزعيم لهم لينقذهم من عبادة فرعون فإذا بهم يشتغلون عنه، ويثورون عليه ليتمنون لأنفسهم عبادة الأصنام بدلا من عبادة الله وحده (﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 137-139]، بل إن الأعجب من ذلك أن يعبدوا عجلا له خوار بدلا من يتوجهوا بقلوبهم لرب العالمين بإخلاص ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 148].   وفي المقابل نجد صورة الثبات على الحق في ثمرة الزيتون حيث يرمز الزيتون إلى ثبات الهيئة وعدم تغير الحال، فهو خير إدام ينتفع به الناس كمؤنة لفترات طويلة من الزمان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة) [7]، يقول الإمام البقاعي: (ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع بكل حال.. وغير ذلك من المنافع... كالمؤمن)، ولذلك مدح المولى سبحانه شجرة الزيتون وضرب بها المثل على الهدى والنور، فقال سبحانه ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 35]، انظر كيف يستمد النور من الزيتون، بل ويعكس الزيتون نوره على وجه المؤمن، حيث يزيده نضرة على نضاره، قال الدكتور النابلسي: أن البحوث العلمية الصحيحة التي ظهرت قبل سنوات أكدت أن زيت هذه الشجرة وقودٌ للإنسان بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنىً، ففي كلِّ غرام من زيت الزيتون ثمان وحدات حرارية، تعدُّ طاقةً مثلى للإنسان، قال علماء التغذية: الحوامض الدهنية نوعان؛ مشبعة وغير مشبعة، فالمادةٌ الدسمة المشبعة تبقى عالقةً في الدم، وربما تراكمت على جدران الشرايين، فسببت تضيُّقها، وسببت تصلُّبها، وسببت ضعف القلب، فالمواد الدهنية المشبعة ضارةٌ بالإنسان، أما المواد الدهنية غير المشبعة فهي تتوازن حينما تلتهم بقية الأنواع الدُهنية، وقد وصف العلماء زيت الزيتون بأنه حوامض دهنيةٌ غير مشبعةٍ تفيد الجسم، وتمنع الترسبات الدهنية في جدران الشرايين الدموية، لذلك ينصح الأطباء أن يتناول الإنسان ملعقةً من زيت الزيتون كلَّ يوم، يقي بها تصلُّب الشرايين، ويعالج يها تصلُّب الشرايين، وهذا الزيت يطلق البطن، ويسكِّن أوجاعه، ويخرج الدود، وأغلب الأدهان الحيوانية غير زيت الزيتون يزعج المعدة إلا زيت الزيتون، وهو مقوٍ للثة والأسنان، ملينٌ للجلد، وذلك بعكس الحوامض الدهنية المشبعة الموجودة في أكثر الزيوت الحيوانية [8].   الآية (2) قوله تعالى ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾: كما آشارت الآيات إلى أنه رغم أن الأصل أن الفطر سليمة لكن يتبدل الدين كما حدث بطور سنين، فهذه البقعة المباركة التي تجلى الله فيها لجبل الطور فخر دكا، وفيها أنزلت التوراة على موسى عليه السلام، وعليها كلمه الله تعالى تكليما، قال سبحانه ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [القصص: 30]، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنذرتكم المسيح وهو ممسوح العين قال أحسبه قال اليسرى يسير معه جبال الخبز وـنهار الماء علامته يمكث في الأرض أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور) [9]، يقول الإمام البقاعي ( ولما كان مع ذلك مشاراً بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم عليه الصلاة والسلام.. ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم بالتوحيد، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام )، فهناك علاقة وثيقة بين طور سيناء وشجرة الزيتون، وقد أكدها القرآن في قوله سبحانه ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 20]، وهو ما يلفت النظر إلى استعانة أهل الشام بهذه الشجرة حتى يتقووا بها على عبادة الله تعالى.   وبالرغم مما تقدم، ورغم قدسية المكان، فإن أهل المعصية لم يراعوا ذلك، ففي هذا المكان أيضا عبد بنو إسرائيل العجل، فالناظر في هذه الأرض المباركة ورغم أنها كانت مهبط الوحي وأرض الرسالات السماوية ومبعث الأنبياء، وكما كلم الله عليها موسى تكليما إلا أن الناس بعد ذلك قد تناسوا هذه الحقيقة فبدلوا الدين وسمحوا لأهل المعاصي أن يدنسوا تلك الأرض المباركة، لذا فإن الله سبحانه يشبه فساد صنيعهم بفساد ذلك التين بعد نضوجه لا ينفع بشيء، كما أن أرض طور سيناء أضحت ذكرى لأولئك الصالحين، ثم هي تتداول بين أهل الفسق والفجور أو الكفر والعصيان، فأين الإيمان الذي بدأ بها ؟ تبدل فنزل هذا الحال بالإنسان إلى أسفل سافلين، حيث ينزل الإنسان بعبادة العجل إلى مرتبة أقل من البهائم التي لا تزال تسبح لله تعالى، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44]، فدنسوا الأرض المقدسة بتلك المعصية، يقول الله سبحانه (﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [البقرة: 51]، فلما فعل أهل المعاصي ما فعلوا وبدلوا الدين الذي جاءهم حل عليهم العذاب فكانت تلك الأرض رغم أنها كانت من قبل أرض بركة ومهبط الوحي والرسالات أضحت بعد هذه المعصية أرض لعنة وعذاب لأولئك العصاه، يقول المولى سبحانه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: 152]، وقد كتب الله تعالى على بني إسرائيل التيه في هذه الأرض أربعين سنة عقابا لهم، إذ قال سبحانه ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 26]، فالعبرة ليست بالبلد بقدر الاعتبار بصلاح أهلها أو فسادهم.   الآية (3) قوله تعالى ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾: كما أشارت الآيات إلى مركز وأصل الفطرة السليمة ورسوخها إلى يوم الدين (مكة المكرمة)، فحكمة الله تعالى ومشيئته ارتضت أن تجعل في الأرض مركزا دائما للإيمان لا يتغير ولا يتبدل، هذا المركز خصه بالأمن والإيمان وذلك حتى يكون بقعة مباركة يأوي إليها الناس في أوقات ينتشر فيها الظلم والاضطهاد، حيث يود العبد أن يستشعر بعضا من السكينة والإيمان خروجا من هذا الظلم والطغيان، فهذا البلد هو أمين على الدعوة الإسلامية الصحيحة، ففيه من الهدى والآيات البينات ما يحق معه وصفه بالبيت الأمين، يقول المولى سبحانه ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96- 97] هذا المركز الإيماني خصه الله تعالى بهذه الفضيلة في الوقت الذي انتشر الظلم من حوله، يقول سبحانه ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67].   إذ لا شك أن أكثر مكان يُعبد فيه الله على وجه هذه الأرض تلك البقعة المباركة، وهذا البلد الطيب الذي استجاب الله تعالى فيه دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام، قال سبحانه ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.. ﴾ [البقرة: 126]، فكان الخير والرزق والأمن والإيمان في هذا البلد إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى، وقد شملت دعوته أن تهوي قلوب المسلمين إلى هذا البلد كي تجدد العهد مع الله تعالى، فتحجه وتقصده عاما بعد عام وتعمره في كل وقت، يقول سبحانه ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37]، فمن الضروري أن يكون للمسلمين مركزا إيمانيا لا يتغير أبدا ولا يتبدل يسترشدون به ويهتدون إليه في وقت تتغير فيه كثير من الأمور وتتبدل فيه كثير من الأحوال إلا دين الله تعالى الذي لا يتبدل ولا يتغير وخير شاهد على ذلك تلك البقعة المباركة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) [10]، قال النووي (أى مسجدى مكة والمدينة) [11]، فمهما كثر الظلم فإن الإيمان له مركز يشع نوره، ويملأ الأرض بالإيمان من حوله، تماما مثلما وصف القرآن شجرة الزيتون إذ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، فهي تضئ النور لمن حولها دون أن يصيبها عطب أو فساد.   قوله تعالى ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 4-8]     الآية (4) قوله تعالى ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾: الله عز وجل يصرح بأصل الفطرة بعد أن كنى بها، ويؤكد بأنه سبحانه أحسن في خلق الإنسان، وأحسن تقويمه، فهداه إلي الفطرة السليمة، التي فطر الناس عليها جميعا بلا استثناء، قال سبحانه ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، حيث تتمثل هذه الفطرة في دين الإسلام، ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ [آل عمران: 19]، الذي هو صبغة الله التي صبغنا بها يقول سبحانه ﴿ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ﴾ [البقرة: 138]، والصبغات لا تتبدل ولا تتغير إلا بمشقة، والعجيب أن تتبدل هذه الصبغة بيسر، فإذا تبدلت، فإن ذلك يعد أشد انتكاسة للفطرة حينما تصطبغ بغير صبغة الإسلام، قال سبحانه (﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].   كما أن في ذلك دلالة على أن الإنسان لا ينقصه شيء من المكنات والإمكانيات ليتحمل ابتلاء الله تعالى له، وهو ما يعبر عنه الشيخ الشعراوي بقوله (مجموع كل الإنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن نقص فيك) واستطرد قائلا: (فساعة ما الإنسان يرى أعمى ومتعثراً، نقول: .. أنت نظرت لهذه العاهة ولم تعرف ماذا عوضه عنها.. ولو نظرت إلى ما عوِّض تقول: هو أعطاه أحسن مما أخذ منه،..وتيمور لنك الذي دوخ الدنيا كان أعرج.... شاخت واضع الاقتصاد الألماني عندما ذهب للجيش الألماني ليجنّد لأنَّ رجله معطوبة - معاق - لم يقبل، لكنّه قعد يدرس.. قال: إن الحرب سوف تتعب ألمانيا اقتصادياً فوضع النظام الاقتصادي لما بعد الحرب - نظام شاخت - وعندما انتهوا من الحرب وحدث لهم ما حدث فيها.. ابتدأ النظام الاقتصادي، انظر بعدما انهزموا في سنة ألف وتسعمئة وسبع عشرة عبّدوا الدنيا في سنة ألف وتسعمئة وتسع وثلاثين بسبب النظام الاقتصادي، إذاً كلّ مسلوب نعمة من النعم التي هي عامّة لهؤلاء الناس - معوّض شيئاً - ولكننا لا نفتش على العِوض وننظر فقط لهذه العاهة، .. ولذلك يقول لك: مركّب النقص وسيلة الكمال الاجتماعي أي مركّب النقص في شيء يحاول إبرازه في شيءٍ آخر، يقول سبحانه ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [سورة الزخرف: 32].   وقال عامة المفسرين، قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله خلق آدم على صورته » [12] يعني: على صفاته التي تقدم ذكرها [13]، وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله عز وجل خلق آدم - صلى الله عليه وسلم - على صورته) [14]، فهذا التعبير "على صورته" لا يقتضي مماثلة الصورة للصورة، ولا الصفة للصفة، قال تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوء كوكب في السماء "[15]، ومعلوم أن هذه الزمرة ليست مماثلة للقمر" [16]، والمعنى المطلوب للفهم هو أن الله تعالى خلق آدم على صفة الرحمن، فخصه من بين المخلوقات بأن جعله جامع للكثير من صفات الله تعالى لا على وجه المطابقة أو المماثلة ولكن من حيث جنس الصفة، فجعله سميعا بصيرا موصوفا بالحكمة والقوة والقدرة على الغضب والرضا إلى غير ذلك من الصفات، وهو الأمر الذي له معنى دلالي هام، ألا وهو حب الله تعالى لعباده، ولذلك قسم لهم من الصفات الربانية ما يجعلهم أهلا لحمده سبحانه وتوحيده بإخلاص رغم ما ابتلاهم به من نزعات حيوانية وأخرى عدوانية، حيث يُعبِّد المسلمُ مشاعرَه وشهواته وأهواءه لله تعالى، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم،وإن الله يؤتي المال من يحب ومن لا يحب،ولا يؤتى الإيمان إلا من أحب،فإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان فمن ضن بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده والليل أن يكابده فليكثر من قول لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله [17].   الآية (5) قوله تعالى ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾: و هنا يبدأ المولى سبحانه بتذكير الإنسان بأول خسران له، وذلك عندما عصى أدم ربه، وكلنا يعلم أن آدم أسكنه الله تعالى الجنة، وجعله بها حتى وقت وقوعه في غواية الشيطان، فلما عصى آدم ربه بأكله من الشجرة رده الله إلى الأرض التي خلق منها، فنزل من الجنة إليها، قال سبحانه ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36]، ولم ينعم بالاستقرار الحقيقي، حيث ظلت العداوة بين الآدميين إلى يوم القيامة، ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾، وإنما كانت مستقرا ومتاعا من حيث ما يطلبه بنو آدم لأنفسهم من السعي لطلب الرزق، فمهما سعي الإنسان وعانى من المشقة ما عانى كان تحصيله للرزق والمتاع لا يتجاوز ما قضاه الله تعالى وقدَّره ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36].   فالآية التي نحن بصددها تشير إلى أن النفس البشرية لما تدنست بفعل المعصية كان جزاؤها الهبوط إلى مكان تتشبع فيه الأجساد من المادة بيد أنها لا تشبع، ﴿ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾، قال تعالى ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 22]، فالذي حمله على الأكل من الشجرة المحرمة هو استشعار الحاجة إليها، وعدم تذكر أن الله تعالى أغناه عنها بإحسان خلقه له، وأنه لم يكن بحاجة إليها لو نفذ أمر الله تعالى بالامتناع عن أكلها، لكنه لما ذاقها لم يشبع منها، وإنما ازداد جوعا وفقرا وحاجة حتى إنه لم يقدر أن يستر عورته إلا بورق الشجر ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26]، فكلما استجابت النفس لمتطلبات هذا الجسد دون حد أو قيد كلما سفلت ولم تزك، والعكس كذلك صحيح، وهنا يبدأ الابتلاء الذي ابتلاه الله تعالى للإنسان، حيث يقاس مدى استجابة ابن آدم لمتطبات جسده وشهواته التي أخرجته من الجنة، أم أنه سوف يأخذ على نفسه ليحملها على طاعة الله تعالى، فلا يلبي من مطلبات جسده إلا بحسب القدر الذي أمر الله به دون إسراف أو تقتير.   و في ذلك - أيضا - إشارة إلى الطبيعة المادية التي خلق منها الإنسان، فهو كائن مكون من جسد وروح، فالجسد يستمد أصل نشأته من الأرض، وله متطلبات مادية لبقائه، أما الروح فهي أمر لا يعلم كنهه وسره إلا الله سبحانه، بيد أن المعلوم عنها أنها إما أن تُزكى وتُدس، فهي إما أن تستجيب لمتطلبات الجسد دون ضابط من الشرع وهنا بلا شك سوف تهبط إلى أسفل سافلين، كما قال سبحانه ﴿ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179] أو تستجيب لنداء ربها فتزكو إلى مصاف الملائكة المقربين في أعلى عليين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)[18]، فلا يستقيم أن ينشغل قلب المؤمن إلا بأحدهما دون الآخر، ولم يجعل المولى سبحانه في صدر الإنسان إلا قلبا واحدا، ولذلك قال العلماء: (على المسلم أن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإن المجذوب الى أسفل سافلين لا ينجذب الى أعلى عليين وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها )[19]، وقالوا (نظرك إلى الأكوان يحطك إلى أسفل سافلين ونظرك إلى المكون يرفعك إلى أعلى عليين) [20].   الآية (6) قوله تعالى ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾: والمقصد من الاستثناء أنهم وإن كانوا بأجسادهم في دار الدنيا التي هي مهبط آدم، فإنهم بأرواحهم في ملأ عند الله تعالى مع الملائكة المقربين، كما في الحديث السابق الإشارة إليه (وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) [21]، فالمؤمن وإن كان يعيش بجسده في حيز الدنيا والحياة الأرضية، فإنه يرقى بروحه إلى أعلى عليين في ملأ مع ربه سبحانه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر)، وذلك قوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا)، قال (الذين قرؤوا القرآن) [22].   والمقام هنا ليس مقام جزاء أخروي، وإنما هو مقام امتحان وبلاء، ولذلك ينصرف الاستثناء إلى الرسوب فيه، فهو مقام امتحان في دار أقل من دار، ومستوى أقل من مستوى، فإذا كان امتحانه الأول في الجنة بتنفيذ نهي واحد - وهي أرض لا يجوز فيها مجرد المعصية ولذلك سميت بالجنة مجازا - فبمجرد المعصية يتبدل الحال، والمآل، قال سبحانه (﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ [طه: 121]، فإنه بنزول آدم إلى أرض الدنيا شرع في الامتحان الثاني حيث يتنوع الابتلاء، وليتلقى آدم من ربه كلمات ليتوب عليه، وقد تلقاها وسأل الله تعالى التوبة فتاب عليه، فكان هذا الهبوط لأجل أن يدخل الإنسان في امتحان التوبة والاستغفار، قال سبحانه ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه: 122].   وهذا من قبيل تلقين آدم معنى التوبة والاستغفار، حيث تتوافر فيه المقومات والقدرات والمؤهلات لدخول هذا الاختبار، والذي فيه تشد الجواذب الأرضية الإنسان لمعصية الله عز وجل، حيث تتغير طبيعة الجسد فتزداد استعارا بالشهوات الحيوانية والقوى الغضبية والشرور النفسية، ولا فكاك للإنسان من ذلك كله إلا أن يتذكر فطرته السليمة فيقاوم شهواته ورغباته ويظل ثابتا على العهد مع الله تعالى دون أن يبدل دينه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) [23]، فإذا ما وقع الإنسان في المعصية، فهنا لن يطرد من الدنيا كما كان الجزاء من قبل وإنما يسمح له في تلك الدار أن يعيد تجديد العهد ليستغفر ربه فيتوب عليه، يقول العلماء ( الله يحب أن يعفو فالقصد من زلل المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه ومن اعوجاجه تقويمه ومن تأخيره تقديمه والخبر مسوق لبيان أن الله خلق ابن أدم وفيه شموخ وعلو وترفع، وهو ينظر إلى نفسه أبدا وخلق العبد المؤمن لنفسه، وأحب منه نظره له دون غيره) [24]، وقالوا (ولاستلزام هذه الصفة الإلهية - المغفرة - وجود المعصية في الأفراد البشرية، والمعنى لو كنتم معصومين كالملائكة لذهب بكم، وجاء بممن يأتي منهم الذنوب لئلا يتعطل صفات الغفران والعفو) [25].   وعندما تزكو نفس الإنسان فلا شك أنه عندئذ يعد من المفلحين الفائزين، حيث ينال أجرا غير مقطوعا من قبول التوبة والاستغفار، ورضى الله تعالى عنه، وليس ثمة أجر أعظم من ذلك، فعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه عز وجل قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك[26]، قال العلماء ( فيه أن التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها نقص بالذنب،.. وقوله تعالى: (فليفعل ما شاء) أي ما دام يفعل هكذا، أي مدة دوامه يفعل ذلك، وفيه إجمال بينه بقوله (يذنب ويتوب) أي فلا يتوهم منه إباحة المخالفة واكتساب الآثام [27].   الآية (7) قوله تعالى ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾: فيه استنكار من المولى تكذيب العصاه لقاءه، يقول ابن كثير ( فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا ؟ أي عرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى)، إن الذي حمل بني آدم على تكذيب الرسل وما أنزله الله تعالى في الكتاب الرضا بالدنيا، والخلود إلى الأرض، واستحبابها تفضيلا لها على الآخرة، يقول المولى سبحانه ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7-8].   الآية (8) قوله تعالى ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، قال العلماء (فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مكذب للقرآن) [28]، فإن كان الله أحسن الحاكمين وخيرهم وأحكمهم، فكيف يعرض المسلم عنه إلى غيره ؟ لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر الله تعالى عنه: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [الأنعام: 114]، فالناس إزاء أحكام الله تعالى الشرعية قسمين: مؤمن، وكافر؛ فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن، ومن لم يرض به ولم يحكم به؛ فهو كافر[29]، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10].   قال تعالى: ﴿ ... وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41] فلا يجوز لأحد أن يعقب على أحكام الله، وذلك أن الانتقاد والتعقيب إنما يكون بسبب أمور؛ إما أن المعقب والمنتقِد أعلم من المنتقَد، سواء كان أعلم على العموم أو بهذه المسألة بالذات التي أنتقد فيها، أو لا يكون أعلم ولكن المنتقَد غفل عن نقطة معينة في حكمه جانب فيها الصواب، فينبهه المنتقِد عليها، وكل هذا منتفٍ بحق الله سبحانه، فلا أحد أعلم منه في كل الأمور جملة وتفصيلا، والله سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نسيان ولا غفلة [30]، فكل ما قضاه كوناً أو تعبد به خلقه شرعاً فإنه لحكمة وعلى وفق الحكمة، سواء علمنا منها ما نعلم أو تقاصرت عقولنا عن ذلك [31].   قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن السعادة والهدى في متابعة الرسول، وإن الضلال والشقاء في مخالفته، .. والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور،.. والعبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة وهو من الأموات..، وسمى الله تعالى رسالته روحاً، والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ..... ﴾ [الشورى: 52]، فذكر هنا الأصلين وهما الروح والنور، فالروح الحياة، والنور الرسالة، والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة؛ فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده وحصنه الذي من دخله كان آمنا) [32].   [1] رواه البخاري ج 1 ص 465 رقم 1319. [2] رواه البخاري ج3 ص 224 رقم 727. [3] تامة الأعضاء مستوية الخلق. [4] مقطوعة الأذن أو الأنف أو غير ذلك أي إن الناس يفعلون بها ذلك فكذلك يفعلون بالولود الذي يولد على الفطرة السليمة. [5] رواه البخاري ج 1 ص 456 رقم 1292. [6] رواه مسلم ج 4 ص 2047 رقم 2658. [7] رواه الترمذي ج7 ص 44 رقم 1774 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج1 ص863 رقم 8627. [8] لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي - موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 242: زيت الزيتون والعلم الحديث. بتاريخ: 1993-05-28 http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=5001&id=182&sid=183&ssid=184&sssid=185 [9] رواه أحمد ج5 ص 364 رقم 23139 - قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح. [10] رواه مسلم ج1 ص 351 رقم 209. [11] شرح النووي على مسلم ج2 ص 177. [12] رواه البخاري ج19ص236 رقم 5759، وصححه الألباني:السلسلة الصحيحة ج3 ص 64 رقم 1077. [13] فتح القدير للشوكاني ج8 ص 25. [14] الأدب المفرد للبخاري ج1 ص 71 رقم 173 وحسنه الألباني. [15] متفق عليه. [16] رواه البخاري ج11 ص 24 رقم 2007. [17] رواه الطبراني في المعجم الكبير ج9 ص203رقم 9009 وصححه الألباني: صحيح الترغيب والترهيب ج2ص113رقم1571. [18] رواه البخاري ج 6 ص 2694رقم 6970. [19] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين ج4 ص 77. [20] شرح الحكم العطائية ج1 ص 163. [21] رواه البخاري ج 6 ص 2694رقم 6970. [22] رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ج2ص576 رقم 3952 وصححه الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني: صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 81. [23] رواه مسلم في صحيحه ج13 ص 301 رقم 4936. [24] المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير ج5 ص 421. [25] الشيخ ولي الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخطيب العمري التبريزي- مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 53. [26] رواه مسلم ج13 ص 231 رقم 4953. [27] محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 172. [28] الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - مفتي الديار السعودية - القول المفيد على كتاب التوحيد ج2 ص 160 - دار ابن الجوزي. [29] القول المفيد على كتاب التوحيد ج2 ص 262 - مرجع سبق ذكره. [30] علي بن نايف الشحود- المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام ج7 ص 383. [31] الشيخ محمد بن صالح العثيمين - عقيدة أهل السنة والجماعة ج1 ص 6. [32] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية ج19 ص 93..
      شبكة الالوكة 
    • {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}
        والبلاء في المال بماذا؟ بأن تأتي آفة تأكله، وإن وجد يكون فيه بلاء من لون آخر، وهي اختبارك هل تنفق هذا المال في مصارف الخير أو لا تعطيه لمحتاج، فمرة يكون الابتلاء في المال بالإفناء، ومرة في وجود المال ومراقبة كيفية تصرفك فيه، والحق في هذه الآية قدم المال على النفس؛ لأن البلاء في النفس يكون بالقتل، أو بالجرح أو بالمرض. فإن كان القتل فليس كل واحد سيقتل، إنما كل واحد سيأتيه بلاء في ماله.
          {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً} هما إذن معسكران للكفر: معسكر اهل الكتاب، ومعسكر المشركين. هذان المعسكران هما اللذان كانا يعاندان الإسلام، والأذى الكثير تمثل في محاولة إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأذى الاستهزاء بالمؤمنين، وأهل الكفر والشرك يقولون للمؤمنين ما يكرهون، فوطّنوا العزم أيها المسلمون أن تستقبلوا ذلك منهم ومن ابتلاءات السماء بالقبول والرضا.
        ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء في ذاته شرّ، لا. إن الإبتلاء مجرد اختبار، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب، فإذا قال الله: (لتبلون)، أي سأختبركم- ولله المثل الأعلى- كما يقول المدرس للتلميذ: سأمتحنك (فنبتليك) يعني نختبرك في الامتحان، فهل معنى ذلك أن الابتلاء شرّ أو خير؟. إنه شرّ على من لم يتقن التصرف. فالذي ينجح في البلاء في المال يقول: كله فائت، وقلل الله مسئوليتي، لأنه قد يكون عندي مال ولا أُحسن أداءه في مواقعه الشرعية، فيكون المال عليّ فتنة. فالله قد أخذ مني المال كي لا يدخلني النار، ولذلك قال في سورة (الفجر): {فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ} [الفجر: 15-16].
      فهنا قضيتان اثنتان: الإنسان يأتيه المال فيقول: ربي أكرمني، وهذا أفضل ممن جاء فيه قول الحق: {قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78].
        إذن فالذي نظر إلى المال وظن أنّ الغني إكرام، ونظر إلى الفقر والتضييق وظن انه إهانه، هذا الإنسان لا يفطن إلى الحقيقة، والحقيقة يقولها الحق: (كلا) أي أن هذا الظن غير صادق؛ فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة، ولكن متى يكون المال دليل الكرامة؟ يكون المال دليل كرامة إن جاءك وكنت موفقاً في أن تؤدي مطلوب المال عندك للمحتاج إليه، وإن لم تؤد حق الله فالمال مذلة لك وإهانة، فقد اكون غنياً لا أعطى الحق، فالفقر في هذه الحالة أفضل، ولذلك قال الله للاثنين: (كلا)، وذلك يعني: لا إعطاء المال دليل الكرامة ولا الفقر دليل الإهانة.
        وأراد سبحانه أن يدلل على ذلك فقال: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً} [الفجر: 17-19].
      {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم} وما دمتم لا تكرمون اليتيم فكيف يكون المال دليل الكرامة؟ إن المال هنا وزر، وكيف إن سلبه منك يا من لا تكرم اليتيم يكون إهانة؟.. إنه سبحانه قد نزهك أن تكون مهانا، فلا تتحمل مسؤلية المال. إذن فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة.
        {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين} وحتى إن كنت لا تمتلك ولا تعطي أفلا تحث من عنده أن يُعطي؟ أنت ضنين حتى بالكلمة، فمعنى تحض على طعام المسكين أي تحث غيرك.. فإذا كنت تضن حتى بالنصح فكيف تقول إن المال كرامة والفقر إهانة؟.. {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً} أي تأكلون الميراث وتجمعون في أكلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم دون ان يتحرّى الواحد منكم هل هذا المال حلال أو حرام.. فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يكون إيتاء المال تكريماً وكيف يكون الفقر إهانة؟.. لا هذا ولا ذاك.
        {لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً} والذي يقول هذا الكلام: هو الله، إذن لابد أن يتحقق- فيارب أنت قلت لنا: إن هذا سيحصل وقولك سيتحقق، فماذا اعطيتنا لنواجه ذلك؟- اسمعوا العلاج: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور}.. تصبر على الإبتلاء في المال، وتصبر على الابتلاء في النفس، وتصبر على أذى المعسكر المخالف من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا، إن صبرت فإن ذلك من عزم الأمور، والعزم هو: القوة المجتمعة على الفعل. فأنت تنوي أن تفعل، وبعد ذلك تعزم يعني تجمع القوة، فقوله: {فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور} أي من معزوماتها التي تقتضي الثبات منك، وقوة التجميع والحشد لكل مواهبك لتفعل.
        إذن فالمسألة امتحان فيه ابتلاء في المال، وابتلاء في النفس وأذى كثير من الذين أشركوا ومن الذين أوتوا الكتاب، وذلك كله يحتاج إلى صبر، و(الصبر)- كما قلنا- نوعان: (صبر على) و(صبر عن)، ويختلف الصبر باختلاف حرف الجر، صبر عن شهوات نفسه التي تزين للإنسان أن يفعل هذه وهذه، فيصبر عنها والطاعة تكون شاقة على العبد فيصبر عليها، إذن ففي الطاعة يصبر المؤمن على المتاعب، وفي المعصية يصبر عن المغريات.
        و{لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} توضح أنه لا يوجد لك غريم واضح في الأمر، فالآفة تأتي للمال أو الآفة تأتي للجسد فيمرض، فليس هنا غريم لك قد تحدد، ولكن قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أشركوا أَذًى كَثِيراً} فهذا تحديد لغريم لك. فساعة ترى هذا الغريم فهو يهيج فيك كوامن الانتقام. فأوضح الحق: إياك أن تمكنهم من أن يجعلوك تنفعل، وأَجِّلْ عملية الغضب، ولا تجعل كل أمر يَسْتَخِفّك. بل كن هادئا، وإياك أن تُسْتَخَفَّ إلا وقت أن تتيقن أنك ستنتصر، ولذلك قال: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور}.
        واتقوا مثل (اتقوا الله) أي اتقوا صفات الجلال وذلك بأن تضع بينك وبين ما يغضب الله وقاية. عن أسامة بن زيد«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم ابن أُبَيّ، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تُؤْذنا في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد، ألم تسمع إلى ما قاله أبو حباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول الله اعفُ عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي نزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
        ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ...}.
      نداء الايمان  
    • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ما هو قول المالكية في من ينزل منه قطرات بول احيانا في الصلاة او قبله، وليس بصاحب سلس، هل ينتقض وضوءه ويبطل صلاته أم لا؟ وكذلك اذا خرج ريح بغير اختياره
      واذا كان الامر يتكرر كثيرا فهل اعتبر صاحبة سلس ام لا فعندما أقرأ فتاوى اشعر اني لست صاحبة سلس واريد قول المالكية لأنه ايسر علي في باب الطهارة، بحثت كثيرا ولم اعرف جزاكن الله خيرا اذكروني بدعوة صالحة
    • [اقتداء المسافر بالمقيم]   من شروط القصر أن لا يقتدي المسافر الذي يقصر الصلاة بمقيم أو مسافر يتم الصلاة فإن فعل ذلك وجب عليه الإتمام، سواء اقتدى به في الوقت أو بعد خروج الوقت، باتفاق ثلاثة من الأئمة، وخالف الحنفية، فانظر مذهبهم تحت الخط (1) .ولا فرق في ذلك بين أن يدرك مع الإمام كل الصلاة أو بعضها حتى ولو أدرك التشهد الأخير، فإنه يتم، باتفاق، وخالف المالكية، فانظر مذهبهم تحت الخط (2) ، ولا يكره اقتداء المسافر بالمقيم إلا عند المالكية، فإنهم يقولون: يكره، إلا إذا كان الإمام أفضل أو به ميزة.[نية القصر]ومنها أن ينوي القصر عند كل صلاة تقصر على التفصيل المتقدم في مبحث "النية" باتفاق الشافعية، والحنابلة؛ وخالف المالكية، والحنفية فانظر مذهبيهما تحت الخط (3) .     1) الحنفية قالوا: لا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم إلا في الوقت، وعليه الإتمام حينئذ، لأن فرضه يتغير عند ذلك من اثنين لأربع، أما إذا خرج الوقت فلا يجوز له الاقتداء بالمقيم لأنه فرضه بعد خروج الوقت لا يتغير إلى أربع، لأنه استقر في ذمته ركعتين فقط، فلو اقتدى به بطلت صلاته، لأن القعدة الأولى حينئذ في حَق المسافر المقتدي فرض، وهي في حَق إمامه المقيم بالمسافر فيصح مطلقاً في الوقت وبعده، ويصلي معه ركعتين، فإذا سلم قام المأموم وكمل صلاته كالمسبوق بركعتين
        (2) المالكية قالوا: إذا لم يدرك المسافر مع الإمام المقيم ركعة كاملة، فلا يجب عليه الإتمام، بل يقصر لأن المأمومية لا تتحقق إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام

      (3) المالكية قالوا: تكفي نية القصر في أول صلاة يقصرها في السفر، ولا يلزم تجديدها فيما بعدها من الصلوات، فهي كنية الصوم أول ليلة من رمضان، فإنها تكفي لباقي الشهر.
      الحنفية قالوا: إنه يلزمه نية السفر قبل الصلاة، ومتى نوى السفر كان فرضه ركعتين، وقد علمت أنه لا يلزمه في النية تعيين عدد الركعات، كما تقدم   /////////////////////////////////   [ما يمنع القصر: نية الإقامة]   يمتنع القصر بأمور: منها أن ينوي الإقامة مدة مفصلة في المذاهب  .   ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,    الحنفية قالوا: يمتنع القصر إذا نوى الإقامة خمسة عشر يوماً متوالية كاملة، فلو نوى الإقامة أقل من ذلك، ولو بساعة لا يكون مقيماً، ولا يصح له قصر الصلاة بشروط أربعة: الأول: أن يترك السير بالفعل، فلو نوى الإقامة، وهو يسير لا يكون مقيماً، ويجب عليه القصر؛ الثاني: أن يكون الموضع الذي الإقامة فيه صالحاً لها، فلو نوى الإقامة في صحراء ليس فيها سكان أو في جزيرة خربة أو في بحر فإنه يجب عليه القصر؛ الثالث: أن يكون الموضع الذي نوى الإقامة فيه واحداً، فلو نوى الإقامة ببلدتين لم يعين إحداهما لم تصح نيته أيضاً؛ الرابع: أن يكون مستقلاً بالرأي، فلو نوى التابع الإقامة لا تصح نيته، ولا يتم إلا علم نية متبوعة، كما تقدم، ومن نوى السفر مسافة ثلاثة أيام ثم رجع قبل إتمامها وجب عليه إتمام الصلاة بمجرد عزمه على الرجوع، وكذا إذا نوى الإقامة قبل إتمامها، فإنه يجب عليه الإتمام في الموضع الذي وصل إليه، وإن لم يكن صالحاً للإقامة فيه، كما يأتي، ومن نوى الإقامة أقل من خمسة عشر يوماً أو أقام بمحل منتظراً قافلة مثلاً وعلم أنها لا تحضر إلا بعد خمسة عشر يوماً، فإنه يعتبر ناوياً الإقامة، ويجب عليه إتمام الصلاة في هذه الحالة.
        الحنابلة قالوا: يمتنع القصر لو نوى المسافر إقامة مطلقة، ولو في مكان غير صالح للإقامة فيه أو نوى الإقامة مدة يجب عليه فيها أكثر من عشرين صلاة، وكذا إذا نوى الإقامة لحاجة يظن أنها لا تنقضي إلا في اربعة أيام، ويوم الدخول، ويوم الخروج يحسبان من المدة، ومن أقام في أثناء سفره لحاجة بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي فله القصر، ولو أقام سنين، سواء غلب على ظنه كثرة مدة الإقامة أو قلتها بعد أن يحتمل انقضاؤها في مدة لا ينقطع حكم السفر بها، وإذا رجع إلى المحل الذي سافر منه قبل قطع المسافة، فلا يقصر في عودته.
      المالكية قالوا: يقطع حكم السفر ويمنع القصر نية إقامة أربعة أيام بشرطين: أحدهما: أن تكون تامة لا يحتسب منها يوم الدخول إن دخل بعد طلوع الفجر ولا يوم الخروج إن خرج في أثنائه، وثانيهما: وجوب عشرين صلاة على الشخص في هذه الإقامة، فلو أقام أربعة أيام تامة، وخرج بعد غروب الشمس من اليوم الرابع، وكان ناوياً ذلك قبل الإقامة، فإنه يقصر حال إقامته لعدم وجوب عشرين صلاة، وكذا إذا دخل عند الزوال، وكان ينوي الارتحال بعد ثلاثة أيام، وبعض الرابع غير يوم الدخول، فإنه يقصر لعدم تمام الأيام الأربعة، ثم إن نية الإقامة إما أن تكون في ابتداء السير، وإما أن تكون في أثنائه، فإن كانت في ابتداء السير، فلا يخلو إما أن تكون المسافة بين محل النية، ومحل الإقامة مسافة قصر أو لا، فإن كانت مسافة قصر قصر الصلاة حتى يدخل محل الإقامة بالفعل، وإلا أتم من المسافة بينهما دون مسافة القصر على المعتمد؛ ولا يشترط في محل الإقامة المنوية أن يكون صالحاً للإقامة فيه، فلو نوى الإقامة المذكورة بمحل لا عمران به، فلا يقصر بمجرد دخوله على ما تقدم، ومثل نية الإقامة أن يعلم بالعادة أن مثله يقيم في جهة أربعة أيام فأكثر فإنه يتم، وإن لم ينو الإقامة، أما إن أراد أن يخالف العادة، ونوى أن لا يقيم فيها الأربعة أيام المعتادة، فإنه لا ينقطع حكم سفره، ويستثنى من نية الإقامة نية العسكر بمحل خوف، فإنها لا تقطع حكم السفر، أما إذا أقام بمحل في أثناء سفره بدون أن ينوي الإقامة به فإن إقامته به لا تمنع القصر ولو أقام مدة طويلة، بخلاف ما إذا أقام بدون نية في محل ينتهي إليه سفره، فإن هذه الإقامة تمنع من القصر، إذا علم أو ظن أنه يخرج منه قبل المدة القاطعة للسفر، ومن رجع بعد الشروع في السفر إلى المحل الذي سافر منه، سواء كان وطناً أو محل إقامة اعتبر الرجوع في حقه سفراً مستقلاً، فإن كان مسافة قصر قصر وإلا فلا، ولو لم يكن ناوياً الإقامة في ذلك المحل، وسواء كان رجوعه لحاجة نسيها أو لا.
        الشافعية قالوا: يمتنع القصر إذا نوى الإقامة أربعة أيام تامة غير يومي الدخول والخروج؛ فإذا نوى أقل من أربعة أيام أو لم ينو شيئاً، فله أن يقصر حتى يقيم أربعة أيام بالفعل.
      هذا إذا لم تكن له حاجة في البقاء، أما إذا كانت له حاجة، وجزم بأنها لا تقضي في أربعة أيام، فإن سفره ينتهي بمجرد المكث والاستقرار، سواء نوى الإقامة بعد الوصول له أولا، فإن توقع قضاءها من وقت لآخر بحيث لا يجزم بأنه يقيم أربعة أيام، فله القصر إلى ثمانية عشر يوماً   ///////////   [ما يبطل به القصر، وبيان الوطن الأصلي وغيره]   يبطل القصر بالعودة إلى المكان الذي يباح له القصر عنده حين ابتدأ سفره، سواء كان ذلك المكان وطناً له أو لا؛ ومثل العودة بالفعل نية العودة، وفي ذلك كله تفصيل في المذاهب فانظره تحت الخط  .  
       الحنفية قالوا: إذا عاد المسافر إلى المكان الذي خرج منه، فإن كان ذلك قبل أن يقطع مقدار مسافة القصر بطل سفره، وكذلك يبطل بمجرد نية العودة، وإن لم يعد، ويجب عليه في الحالتين إتمام الصلاة، أما إذا عاد بعد قطع مسافة القصر، فإنه لا يتم إلا إذا عاد بالفعل، فلا يبطل القصر بمجرد نية العودة، ولا بالشروع فيها، ثم إن الوطن عندهم ينقسم إلى قسمين: وطن أصلي، وهو الذي ولد فيه الإنسان، أو له فيه زوج في عصمته، أو قصد أن يرتزق فيه، وإن لم يولد به، ولم يكن له به زوج؛ ووطن إقامة، وهو المكان الصالح للإقامة فيه مدة خمسة عشر يوماً، فأكثر إذا نوى الإقامة، ثم إن الوطن الأصلي لا يبطل إلا بمثله، فإذا ولد شخص بأسيوط مثلاً كانت له وطناً أصلياً، فإن خرج منها إلى القاهرة، وتزوج بها أو مكث فيها بقصد الاستقرار والتعيش كانت له وطناً أصلياً كذلك، فإذا سافر من القاهرة إلى أسيوط التي ولد بها وجب عليه قصر الصلاة فيها ما لم ينو المدة التي تقطع القصر، لأن أسيوط، وإن كانت وطناً أصلياً له، إلا أنه بطل بمثله وهو القاهرة ولا يشترط في بطلان أحدهما بالآخر أن يكون بينهما مسافة القصر، فلو ولد في الواسطي مثلاً ثم انتقل إلى القاهرة قاصداً الاستقرار فيها، أو تزوج فيها ثم سافر إلى أسيوط، ومر في طريقه على الواسطي، أو دخل فيها، فإنه يقصر، لأنها - وإن كانت وطناً أصلياً - إلا أنه بطل بمثله، وهو القاهرة، وإن لم يكن بينهما مسافة القصر: فلا يبطل الوطن الأصلي بوطن الإقامة، فلو سافر من محل ولادته أو بلدة زوجه أو محل ارتزاقه إلى جهة ليست كذلك، وأقام بها خمسة عشر يوماً، ثم عاد إلى المحل الذي خرج منه، فإنه يجب عليه الإتمام وإن لم ينو الإقامة لأن وطن الإقامة لا يبطل الوطن الأصلي؛ أما وطن الإقامة فإنه يبطل بثلاثة  أمور: أحدها: الوطن الأصلي، فإذا أقام شخص بمكة مثلاً خمسة عشر يوماً، ثم سافر منها إلى منى، فتزوج بها، ثم رجع إلى مكة، فإنه يتم الصلاة لبطلان وطن الإقامة، وهو مكة، بالوطن الأصلي، وهو منى، ثانيها: يبطل بمثله، فلو سافر مسافة قصر إلى مكان صالح للإقامة، وأقام به خمسة عشر يوماً ناوياً، ثم ارتحل عنه إلى مكان آخر وأقام به كذلك، ثم عاد إلى المكان الأول وجب عليه قصر الصلاة إن لم ينو الإقامة به خمسة عشر يوماً، لأن وطن الإقامة الأول بطل بوطن الإقامة الثاني، ولا يشترط في بطلان وطن الإقامة به خمسة عشر يوماً، لأن وطن الإقامة الأول بطل بوطن الإقامة الأصلي، ولا يشترط في بطلان وطن الإقامة بمثله أن يكون بينهما مسافة قصر، كما تقدم في الوطن الأصلي، ثالثها: إنشاء السفر من وطن الإقامة فلو أقام المسافر سفر قصر بمكان صالح خمسة عشر يوماً فأكثر، ثم نوى السفر بعد ذلك إلى مكان آخر بطل وطن الإقامة بإنشاء السفر منه، فلو عاد إليه ولو لحاجة لا يتم لبطلان كونه وطن إقامة له بإنشاء السفر منه، أما إنشاء السفر من غ يره، فإنه لا يبطله إلا بشرطين: أحدهما: أن لا يمر المسافر في طريقه على وطن إقامته، فإذا مر عليه لم يبطل كونه وطن إقامة، ثانيهما: أن يكون بين المكان الذي أنشأ منه السفر بين وطن الإقامة مسافة القصر، فلو كان أقل من ذلك لا يبطل كونه وطن إقامة، مثلاً إذا خرج تاجران، أحدهما من أسيوط، والآخر من جرحا، وأقام الأول بالقاهرة خمسة عشر يوماً ناوياً، وأقام الثاني بكفر الزيات كذلك، فصارت القاهرة وطن الإقامة للأول، وكفر الزيات وطن الإقامة للثاني، وبين القاهرة وكفر الزيات مسافة القصر، فإذا قام كل منهما إلى بنها، ففي هذه الحالة يتمان، لأن بين القاهرة وبنها دون مسافة القصر، وكذلك من كفر الزيات إلى بنها، فإذا أقاما ببنها خمسة عشر يوماً بطلوطن إقامة لهما، فإذا قاما من بنها إلى كفر الزيات بقصد إنشاء السفر من كفر الزيات إلى القاهرة؛ فأقاما بكفر الزيات يوماً، ثم قاما إلى القاهرة، فإنهما يتمان في كفر الزيات، لأن المسافة دون مسافة القصر، وكذلك يتمان في طريقهما إلى القاهرة إذا مرا على بنها، لأنه - وإن كان بين كفر الزيات وبين القاهرة مسافة قصر - إلا أنهما لمرورهما في سفرهما على بنها لم يبطل كونها وطن إقامة لهما، لأن وطن الإقامة لا يبطل بإنشاء السفر من غيره، وهو كفر الزيات ما دام المسافر يمر عليه، وما دامت المسافة بينه وبين المكان الذي أنشأ السفر منه دون مسافة القصر.
        المالكية قالوا: إذا سافر من بلدة قاصداً قطع مسافة القصر، ثم رجع إلى تلك البلدة، فتلك البلدة، إما أن تكون بلدته الأصلية، وهي التي نشأ فيها وإليها ينتسب، وإما أن تكون بلدة أخرى ويريد أن يقيم بها دائماً، وإما أن تكون محلاً أقام فيه المدة القاطعة لحكم السفر بنية، فإذا رجع إلى بلدته الأصلية، أو البلدة التي نوى الإقامة فيها على التأبيد، فإنه يتم بمجرد دخولها، ولو لم ينو بها الإقامة القاطعة، إلا إذا خرج منها أولاً رافضاً لسكناها، فإن دخوله فيها لا يمنع القصر إلا إذا نوى إقامة بها قاطعة، أو كان بها زوجة بنى بها، وإذا رجع إلى محل الإقامة فدخوله فيه لا يمنع القصر، إلا إذا نوى إقامة المدة المذكورة.
      هذا هو الحكم في حال وجوده بالبلدة التي خرج منها، وأما حال رجوعه وسيره إلى هذه البلدة فينظر للمسافة، فإن كانت مسافة الرجوع مسافة قصرٍ قصر، وإلا فلا، ومتى كانت مسافة الرجوع أقل من مسافة القصر فقد بطل السفر، وأتم الصلاة في حال رجوعه وحال وجوده بالبلدة مطلقاً، ولو كانت غير بلدته الأصلية، وغير محل الإقامة على التأبيد، وأما إذا كانت بلدته الأصلية أو البلدة التي نوى الإقامة فيها على الدوام في أثناء طريقه، ثم دخلها، فإن مجرد دخوله يقطع حكم السفر ومثل ذلك بلدة الزوجة التي بنى بها وكان غير ناشز، فمجرد دخولها يقطع حكم السفر أيضاً، فإن نوى في أثناء سيره دخول ما ذكر نظر إلى المسافة بين محل النية والبلدة المذكورة وهي بلدته الأصلية، أو بلدة الإقامة على الدوام، أو بلدة الزوجة، فإن كانت مسافة قصر قصر في حال سيره إليها، وإلا فلا، واعتمد بعضهم القصر مطلقاً، ومجرد المرور لا يمنع حكم القصر، كما أن دخول بلدة الزوجة التي لم يدخل لها أو كانت ناشزاً لا يمنعه.
        الشافعية قالوا: الوطن هو المحل الذي يقيم فيه المرء على الدوام صيفاً وشتاءً، وغيره ما ليس كذلك، فإذا رجع إلى وطنه بعد أن سافر منه انتهى سفره بمجرد وصوله إليه، سواء رجع إليه لحاجة أو لا، وسواء نوى إقامة أربعة أيام به أو لا، ويقصر في حال رجوعه حتى يصل، وإن رجع إلى غير وطنه فإما أن يكون رجوعه لغير حاجة، أو لا، فإن كان رجوعه لغير حاجة فلا ينتهي سفره إلا بنية إقامة المدة القاطعة قبل وصوله، أو نية الإقامة مطلقاً، بشرط أن ينوي وهو ماكث لا سائر، مستقل لا تابع، وحينئذ ينتهي سفره بمجرد الوصول؛ فإن لم ينو الإقامة المذكورة، فلا ينقطع حكم السفر إلا بأحد أمرين: إقامة المدة المذكورة بالفعل أو نيتها بعد الوصول، وإن كان رجوعه لحاجة، فإن جزم بأنها تقضى في أربعة أيام انقطع سفره بمجرد الاستقرار في البلدة والمكث فيها، وإن لم ينو الإقامة، أما إذا علم أنها تقضى فيها، فلا ينقطع سفره وله القصر ما دام في هذه البلدة.
      هذا إذا لم يتوقع قضاء الحاجة كل وقت، فإن توقع قضاءها كذلك فله القصر مدة ثمانية عشر يوماً كاملة، ومثل الرجوع إلى الوطن نيته، فينتهي السفر بمجرد النية، بشرط أن ينوي وهو ماكث غير سائر، وأما نية الرجوع إلى غير وطنه، فينتهي سفره بها إذا كان الرجوع لغير حاجة فإن كان الرجوع المنوي لحاجة فلا ينقطع سفره بذلك، ومثل نية الرجوع التردد فيه.
        الحنابلة قالوا: إذا رجع لوطنه الذي ابتدأ منه أولاً أو نوى الرجوع إليه، فإن كانت المسافة دون مسافة القصر وجب عليه الإتمام بمجرد ذلك حتى يفارق وطنه ثانياً أو يعدل عن نية الرجوع؛ ولا يلزمه إعادة ما قصره من الصلوات قبل أن يرجع أو ينوي الرجوع، ولا فرق في كل ذلك بين أن يكون رجوعه لحاجة أو للعدول عن السفر بالمرة، وإن كانت المسافة بين وطنه وبين المحل الذي نوى الرجوع فيه قدر مسافة القصر قصر في حال رجوعه؛ لأنه سفر طويل فيقصر فيه، وإذا مر المسافر بوطنه أتم، ولو لم يكن له به حاجة سوى المرور عليه لكونه طريقه، وكذا إذا مر ببلدة تزوج فيها، وإن لم تكن وطناً له، فإنه يتم حتى يفارق تلك البلدة   رابط الموضوع    https://al-maktaba.org/book/9849/431  
    • بسم الله الرحمن الرحيم  قال الله- تبارك وتعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ * وَوَضَعنَا عَنكَ وِزرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهرَكَ * وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ * فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا * إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا * فَإِذَا فَرَغتَ فَانصَب * وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب} (الشرح: 1-8). أولاً - نزلت هذه السورة الكريمة بعد سورة الضحىº وكأنها تكملة لها، فيها ظل العطف الندي، وفيها روح المناجاة للحبيب، وفيها استحضار مظاهر العناية، واستعراض مواقع الرعاية، وفيها البشرى باليسر والفرج، وفيها التوجيه إلى سرِّ اليُسر وحبل الاتصال الوثيق. وهي توحي بأن هناك ضائقة كانت في روح الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمر من أمور هذه الدعوة التي كلفها، ومن العقبات الوعرة في طريقها، ومن الكيد والمكر المضروب حولها .. توحي بأن صدره - صلى الله عليه وسلم - كان مثقلا بهموم هذه الدعوة الثقيلة، وأنه كان يحس العبء فادحًا على كاهله، وأنه كان في حاجة إلى عون ومدد وزاد ورصيد..ثم كانت هذه المناجاة الحلوة، وهذا الحديث الودود من المحِبِّ لحبيبه!   ثانيًا- قوله - تعالى -: {أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } (1) خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وقراءة العامة:  {أَلَم نَشرَح}، بالسكون. وقرأ أبو جعفر المنصور: {أَلَم نَشرَحَ}، بفتح الحاء، وخرَّجه ابن عطيَّة وجماعة على أن الأصل: ألم نشرحَن، بنون التوكيد الخفيفة، فأبدل من النون ألفا، ثم حذفها تخفيفًا. وقال غير واحد: لعل أبا جعفر بيَّن الحاء، وأشبعها في مخرجها، فظن السامع أنه فتحها. وفي(البحر المحيط) لأبي حيان: ” أن لهذه القراءة تخريجًا أحسن مما ذكر، وهو أن الفتح على لغة بعض العرب من النصب بـ(لم)، فقد حكى اللحياني في نوادره: أن منهم من ينصب بها، ويجزم بـ(لن) عكس المعروف عند الناس. وعلى ذلك قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار بن أبي عبيد: في كل ما هَمَّ أمضَى رأيَه قدما *** ولم يشاورَ في الأمر الذي فعلا وخرَّجها بعضهم على أن الفتح لمجاورة ما بعدهاº كالكسر في قراءة: {الحَمدِ للّهِ} (الفاتحة: 2)، بالجر، وهو لا يتأتى في بيت عائشة السابق “. ثالثًا- وفي المراد بهذا الشرح- على ما ذكر- قولان: أحدهما: أن المراد به شقٌّ صدره الشريف - عليه الصلاة والسلام -. روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه، وشق صدره، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علمًا وإيمانًا، ووضعه في صدره. وروي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه فسره به، وهو ظاهر صنيع الترمذيº إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة. وحمله على ذلك الشق ضعيف عند المحققين. وثانيهما- أن المراد به شرح صدره - صلى الله عليه وسلم - للإسلام، وهو المرويٌّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. وقيل هو كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله عنه، وبشارته بما سيحصل للدّين، الذّي جاء به من النصر. وقيل: المراد به تنوير صدره - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة، وتوسيعه بالمعرفة، لتلقي ما يوحى إليه. قال الله - تعالى -: { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدرَهُ لِلإِسلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ, مِّن رَّبِّهِ }(الزمر: 22). وروي أنهم قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: التجافي عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله. وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت. ومنهم من فسر الشرح بانفتاح صدره - عليه الصلاة والسلام -º حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات، لا يقلق، ولا يضجر، ولا يتغيرº بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر، مشتغل بأداء ما كلف به. والشرح التوسعة، ومعناه: الإراحة من الهموم. والعرب تسمِّي الغمَّ والهمَّ: ضيقَ صدرٍ,º كقوله - تعالى -: { وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }(الحجر: 97). والأصل في الشرح: فصل أجزاء اللحم بعضِها عن بعض، ومنه: الشريحة من اللحم، ثم شاع استعماله في الكشف والبسط، وإيضاح الغامض والخافي من المعاني. ومنه قولهم: شرَح المشكلَ، أو الغامض من الأمر: فسَّره، وبسطه، وأظهر ما خفي من معانيه. وشرح الكتاب: أوضحه. وكذلك شاع في رضى النفس وسرورها بعد ضيق ألمَّ بها، فقيل: شرح الله صدره بكذا. أي: سرَّه به. ومنه: شرح الله صدره للإسلام، فانشرح. أي: انبسط في رضًا وارتياح للنور الإلهي، والسكينة الروحية. قال - تعالى -: { فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَح صَدرَهُ لِلإِسلاَمِ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء }(الأنعام: 125). رابعًا- والجمهور على القول بأن قوله - تعالى -: { أَلَم نَشرَح } استفهامٌ مرادٌ به التقريرº كالاستفهام في قوله - تعالى -: { أَلَستُ بِرَبِّكُم } (الأعراف: 172). وقوله: { أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ, عَبدَهُ }(الزمر: 36).   وسترى أن هذا الاستفهام لا يفيد تقريرًا، وإنما يفيد إثباتًا وتذكيرًا، خلافًا للاستفهام في قوله - تعالى -: { أَلَستُ بِرَبِّكُم } (الأعراف: 172)، وقوله: { أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ, عَبدَهُ }(الزمر: 36)، ونحوهما. وبيان ذلك: 1- أن الأصل في الكلام الإثبات، ويقابله النفي، تقول: شرح الله صدر فلان، فإذا نفيت ذلك قلت: ما شرح الله صدر فلان، ولم يشرح الله صدره. ويسمَّى كلُّ منهما خبرًا: الأول: مثبت، والثاني: منفي. وتختصٌّ همزة الاستفهام من بين أدوات الاستفهام بدخولها على الخبر المثبتº كقولك: أشرحَ الله صدر فلان؟ وعلى الخبر المنفيº كقولك: أَمَا شرح الله صدر فلان؟ وألم يشرحِ الله صدر فلان؟ ويسمَّى كلٌ منهما استخبارًا، أو استفهامًا، والغرض منهما: طلب خبر ما ليس عند المستخبر، أو السائل. وهذا ما يعبَّر عنه بطلب الفهم. ومنهم من فرق بين الاستخبار، والاستفهام بأن ما سبق أولاً، ولم يفهم حق الفهم، كان استخبارًا. فإذا سألت عنه ثانيًا، كان استفهامًا. حكاه ابن فارس في فقه العربية. 2- إذا قلت: ألم يشرح الله صدر فلان؟ أو قلت: أليس زيد قائمًا؟ فإن ذلك يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون الاستفهام على أصله من طلب الفهم. والثاني: أن يكون مرادًا به الإثبات، أو الإيجابº لأن الهمزة للإنكار. والإنكار نفي. ونفي النفي إثبات، أو إيجاب. وحينئذ يكون الغرض منه إما التذكير، أو التوبيخ، أو العتاب، أو التحذير، أو التنبيه، أو التعجب، أو السخرية والتهكم، أو التوقٌّع والانتظار، أو نحو ذلك من المعاني، التي يخرج إليها الاستفهام.. ولا يكون تقريرًا إلا بوجود قرينة تدل عليه. وعلى معنى الإثبات والتذكير يحمل قوله - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } قال مكي في(مشكل إعراب القرآن) عند إعراب الآية: ” الألف نقلت الكلام من النفي، فردته إيجابًا “. والغرض منه: التذكير، والمعنى: قد شرحنا لك صدرك. وإلى هذا القول ذهب الزمخشري، فقال: ” استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابهº فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، فنبَّه على ذلك، وذكَّر به “. ولو كان المستفهِم- هنا- غير الله - جل وعلا -، لجاز حمل الاستفهام على أصله من طلب الفهم. وهذا أحد الأدلة، التي تحول بينه، وبين أن يكون استفهامًا تقريريًّا. ومما يحمل على الإثبات مع التنبيه والتعجب قوله - تعالى -: { أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ } (البقرة: 243)، { أَلَم تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ } (الفرقان: 45)، { أَلَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبٌّكَ بِأَصحَابِ الفِيلِ } (الفيل: 1). فهذا إثبات مصحوب بالتنبيه والتعجب، والمعنى في ذلك كله: انظر بفكرك في هذه الأمور، وتنبَّه واعجب. وقوله - تعالى -: { أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ } (الحديد: 16). إثبات مصحوب بالعتاب. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ” ما كان بين إسلامنا، وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية، إلا أربع سنين“. وقوله - تعالى -: { أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتبِعُهُمُ الآَخِرِينَ } (المرسلات: 16-18) إثبات مصحوب بالتحذير للآخرين، وتخويفهم بإهلاك الأولين منهم بسبب كفرهم. ومما يحمل على طلب الفهم، والإثبات مع الافتخارº قوله - تعالى -حكاية عن فرعون لعنه الله: { أَلَيسَ لِي مُلكُ مِصرَ وَهَذِهِ الأَنهَارُ تَجرِي مِن تَحتِي أَفَلَا تُبصِرُونَ }(الزخرف: 51). فإنه يحتمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا بأن يكون لا يعلم، ويحتمل أن يكون عالمًاº ولكنه أورد سؤاله على سبيل الإثبات للافتخار. ومما يحمل على طلب الفهم، والإثبات مع الإنكار قوله - تعالى - حكاية عن لوط - عليه السلام -: { أَلَيسَ مِنكُم رَجُلٌ رَّشِيدٌ } (هود: 78). أي: رجل واحد يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم منهº فإنه يحتمل أن يكون استفهامًا حقيقيًّا، ويحتمل أن يكون إثباتًا، الغرض منه الإنكار. 3- إذا قلت: أليس زيد بقائم، كان قولك هذا إثباتًا، الغرض منه التقرير، ولا يجوز أن يصرف إلى معنى آخر من المعاني السابقة. ومنه قوله - تعالى -: { أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى } (الأعراف: 172)، وقوله - تعالى -: { أَلَيسَ هَذَا بِالحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا } (الأحقاف: 34)، وقوله - تعالى -: {أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ, عَلَى أَن يُحيِيَ المَوتَى } (القيامة: 40)، وقوله - تعالى -: { أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحكَمِ الحَاكِمِينَ} (التين: 8). وفي الحديث: ” من قرأ {والتين} إلى آخرها، فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين “. فمعنى الاستفهام في هذه الآيات ونحوها على الإثبات، والغرض منه التقرير. أما الإثبات فمستفاد من دخول الهمزة على النفي. وأما التقرير فمستفاد من دخول الباء على خبر المنفي، لا من دخول الهمزة على أداة النفي، خلافًا للمشهور. فالباء- هنا- هي القرينة الدالة على أن المراد من هذا الكلام: التقريرº ولهذا لا يجوز أن يحمل الكلام مع هذه الباء على طلب الفهمº كما جاز ذلك في الأمثلة المذكورة في الفقرة الثانية، كما لا يجوز في الأمثلة السابقة إلا على إسقاط الباء. وهذا هو سر دخول هذه الباء على خبر المنفي، وهو من الأسرار الدقيقة، التي لا يكاد يفطَن إليها في البيان القرآني المعجز. 4- إذا كان العلماء لا يفرقون بين قوله - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } (الشرح: 1)، ونحوه، وقوله - تعالى -: { أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى } (الأعراف: 172)، ونحوه، فلأن معنى التقرير- عندهم- هو الإثبات. ولا دليل لهم على ذلك سوى أن كلاًّ منهما يجاب بـ(بلى) في الإيجابº كما في آيتي الشرح والأعراف السابقتين. وقد استدل الزركشي على ذلك بقوله: ” والذي يقرر عندك أن معنى التقرير: الإثبات قول ابن السراج: فإذا أدخلت على(ليس) ألف الاستفهام، كانت تقريرًا، ودخلها معنى الإيجاب، فلم يحسن معها{أحد}º لأن {أحدًا} إنما يجوز مع حقيقة النفي. لا تقول: أليس أحد في الدارº لأن المعنى يؤول إلى قولك: أحد في الدار. وأحد لا تستعمل في الواجب“. والإيجاب هو الإثبات، وبينه، وبين التقرير فرق لا بدَّ من مراعاته، والوقوف عنده، ويتلخص في أن الإثبات يكون جوابًا للإنكار، والتقرير يكون جوابًا للجحد. والجحد- كما جاء في معجم الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري- أخصٌّ من الإنكارº وذلك أن الجحد إنكار الشئ الظاهر. والشاهد قوله - تعالى -: { الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُم لَهواً وَلَعِباً وَغَرَّتهُمُ الحَيَاةُ الدٌّنيَا فَاليَومَ نَنسَاهُم كَمَا نَسُوا لِقَاء يَومِهِم هَـذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجحَدُونَ } (الأعراف: 51)، فجعل الجحد مما تدل عليه الآيات. ولا يكون ذلك إلا ظاهرًا. وقال - تعالى -: { يَعرِفُونَ نِعمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكثَرُهُمُ الكَافِرُونَ } (النحل: 83)، فجعل الإنكار للنعمةº لأن النعمة قد تكون خافية. ويجوز أن يقال: الجحد هو إنكار الشئ مع العلم به. والشاهد قوله: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيقَنَتهَا أَنفُسُهُم ظُلماً وَعُلُوّاً {(النمل: 14)، فجعل الجحد مع اليقين. والإنكار يكون مع العلم، وغير العلم. فإذا ثبت ذلك، فإنه لا يجوز حمل الاستفهام في قوله - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ }، ونحوه على استفهام التقريرº لأن التقرير هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده، فجحَده بعد أن علم به. وحاشا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون جاحدًا.   5- وقد كان عدم تفريقهم بين الإثبات، والتقرير سببًا في اختلافهم في معنى الاستفهام الداخل على النفي في كثير من آي القرآن الكريم. ومن الآيات التي اختلفوا فيها قوله - تعالى -: { أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوًى لِّلكَافِرِينَ} (العنكبوت: 68، والزمر: 32). قال الزمخشري: ” أليس: تقرير لثوائهم في جهنم، وحقيقته: أن الهمزة همزة إنكار، دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير“. وقال أبو السعود، وتبعه الألوسي: ” تقرير لثوائهم فيهاº كقول من قال: ألستم خير من ركب المطايا. أي: ألا يستوجبون الثواء فيها، وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء على الله - تعالى -، والتكذيب بالحق الصريح.. أو إنكار، واستبعاد لاجترائهم على ما ذكر من الافتراء والتكذيب، مع علمهم بحال الكفرة. أي: ألم يعلموا أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترءوا هذه الجراءة “. وكون الاستفهام- هنا- للتقرير يتناقض مع كونه للإنكار. والجمهور على أنه للتقرير. والتقرير- كما تقدم- هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده. فهل كان الكافرون مقرين ومعترفين بأن مستقرَّهم النار؟ فإذا كان الأمر كذلك، فالمراد من هذا الاستفهام التقريرº وإلا فهو متضمِّن لمعنى الوعيد والتحقير. وسمَّاه السيوطي في (الإتقان) بالاكتفاء، ومثل له بقوله - تعالى -: { أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوًى لِّلمُتَكَبِّرِينَ {(الزمر: 60). أي أليست جهنم كافية لهم سجنًا وموئلا لهم، فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق؟ ومن ذلك قوله - تعالى -: { أَلَم تَعلَم أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيءٍ, قَدِيرٌ } (البقرة: 106). فقد ذهب الزمخشري إلى أن الاستفهام فيه للتقرير. وقال الزركشي: ” الكلام مع التقرير موجب، وجعل الزمخشري منه: { أَلَم تَعلَم أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيءٍ, قَدِيرٌ } (البقرة: 106). وقيل: أراد التقرير بما بعد النفي، لا التقرير بالنفي. والأولى أن يجعل على الإنكار. أي: ألم تعلم أيها المنكر للنسخ “. وذهب الفخر الرازي إلى أن المراد بهذا الاستفهام: التنبيه. وذهب ابن عطية إلى أن ظاهره الاستفهام المحض. ورده أبو حيان قائلاً: ” بل هذا استفهام معناه: التقرير“. وأقرب الأقوال إلى الصواب هو قول الفخر الرازي، ونصَّه الآتي: ” أما قوله: { أَلَم تَعلَم أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيءٍ, قَدِيرٌ } فتنبيه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره على قدرته - تعالى -على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته، وأنه لا دافع لما أراد، ولا مانع لما اختار“. ومما يبعد أن يكون الاستفهام في هذه الآيات، ونحوها للتقرير أنه يجوز حمله في كل منها على حقيقته من طلب الفهم، وذلك لا يجوز في استفهام التقرير. خامسًا- وقال - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } ، بصيغة الجمع، ولم يقل: {ألم أشرح لك صدرك}، بصيغة المفرد.. والجواب- كما قال الفخر الرازي-: ” إما أن يحمل على نون التعظيم، فيكون المعنى: أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة، لا تصل العقول إلى كنه جلالتها. وإما أن يحمل على نون الجميع، فيكون المعنىº كأنه - تعالى -يقول: لم أشرحه وحديº بل أعملت فيه ملائكتي، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوى قلبك، فأديت الرسالة، وأنت قوي القلب، ولحقتهم هيبة، فلم يجيبوا لك جواباً. فلو كنت ضيق القلب، لضحكوا منك، فسبحان من جعل قوة قلبك جبناً فيهم، وانشراح صدرك ضيقاً فيهم“.   وقال - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } ، وكان يمكن أن يقال: {ألم نشرح صدرك}، بدون{ لَكَ } º ولكن جيء به زيادة بين فعل الشرح، ومفعوله لفائدتين: الفائدة الأولى: هي سلوك طريقة الإبهام، ثم الإيضاح، للتشويق. فإنه - سبحانه -، لما ذكر فعل: { نَشرَح }، عَلم السامع أن ثَمَّ مشروحاً. فلما قال: { لَكَ }، قويَ الإِبهام، فازداد التشويق. فلما قال: { صَدرَكَ }، أوضح ما كان قد عُلِم في ذهن السامع مبهمًا، فتمكن في ذهنه كمال تمكن. وكذلك قوله - تعالى -: { وَوَضَعنَا عَنكَ وِزرَكَ }، { وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ }. وهذا من الإطناب البليغ. قال علماء البيان: إذا أردت أن تبهم، ثم توضح، فإنك تطنب. وفائدته: إما رؤية المعنى في صورتين مختلفتين: الإبهام والإيضاح. أو لتمكن المعنى في النفس تمكنا زائدًا، لوقوعه بعد الطلبº فإنه أعز من المنساق بلا تعب. أو لتكمل لذة العلم بهº فإن الشيء إذا علم من وجهٍ, مَّا، تشوَّقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتألمت، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه، كانت لذته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة. ومن الأمثلة على ذلك: { رَبِّ اشرَح لِي صَدرِي } (طه: 25)º فإن{ اشرَح } يفيد طلب شرح شيء مَّا، و{ صَدرِي } يفيد تفسيره وبيانه. وكذلك: { وَيَسِّر لِي أَمرِي } (طه: 26)، والمقام يقتضي التأكيد، للإرسال المؤذن بتلقى الشدائد. وكذلك: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ }º فإن المقام يقتضي التأكيدº لأنه مقام امتنان وتفخيم. والفائدة الثانية: أن في زيادة { لَكَ } تنبيه على أن منافع الرسالة عائدة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -º كأنه قيل: إنما شرحنا صدرك لأجلك، لا لأجلنا. وفي ذلك تكريمٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الله - تعالى -قد فعل ذلك لأجله. ومثله في ذلك قول موسى- عليه السلام -: { رَبِّ اشرَح لِي صَدرِي } (طه: 25)º فكأن في ذلك اعتراف من موسى- عليه السلام - بأن منفعة الشرح عائدة إليهº لأن الله - تعالى -لا ينتفع بإرسال الرسل، ولا يستعين بشرح صدورهم، على خلاف ملوك الدنيا. وقال - تعالى -: { أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَكَ } ، ولم يقل: {ألم نشرح لك قلبك}، مع أنه المراد هنا. ومثل ذلك قوله - تعالى -: { يُوَسوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ {(الناس: 5)، وكان الظاهر يقتضي أن يقال: في قلوب الناسº ولكن عدل عنه إلى الصدرº لأن الصدر- كما قال ابن قيِّم الجوزية- هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه، فتجتمع في الصدر، ثم تلج في القلب، فهو بمنزلة الدهليز له، ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود. ومن فهم هذا، فهم قوله - تعالى -: { وَلِيَبتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُم وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصٌّدُورِ } (آل عمران: 154). فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته، فيلقي ما يريد إلقاءه في القلب، فهو موسوس في الصدر. ومذهب الجمهور أن الصدر هو محل القرآن والعلم. ودليلهم على ذلك قوله - تعالى -: { بَل هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ وَمَا يَجحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ } (العنكبوت: 49). وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان. فالشيطان يجيء إلى الصدر، الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكًا نزل فيه هو وجنده، وبث فيه الهموم والغموم، فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة.   سادسًا- وقوله - تعالى -: { وَوَضَعنَا عَنكَ وِزرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهرَكَ } (2- 3) قراءة العامة، وقرأ أنس: {حططنا} و{حللنا} بدلاً من قوله: { وَضَعنَا {. وقرأ ابن مسعود: {عنك وقرك}، بدلاً من قوله: { وِزرَكَ } . والوضع- في اللغة- هو إلقاء الحمل على الأرض، وهو أعمٌّ من الحطِّ. والوزر يقال للحمل، ويقال لثقل الذنب. وفي وضعه عنه - عليه الصلاة والسلام - كناية عن عصمته من الذنوب، وتطهيره من الأدناس. وعبَّر عن ذلك بالوضع على سبيل المبالغة في انتفاء ذلك. وقيل: وضع الله - تعالى -عنه عبئه، الذي أثقل ظهره، حتى كاد يحطمه من ثقله. وضعَه عنه بشرح صدره له، فخف وهان. ووضعه بتوفيقه وتيسيره للدعوة ومداخل القلوب، وبالوحي الذي يكشف له عن الحقيقة، ويعينه على التسلل بها إلى النفوس في يسر وهوادة ولين. وقوله - تعالى -: { وَضَعنَا } معطوف بالواو على قوله: { أَلَم نَشرَح } ، وجاز ذلكº لأن الأول في معنى الإثبات، فحمل الثاني على معنى الأول. ولو كان محمولاً على لفظه، لوجب أن يقال: ونضع عنك وزرك. ومثله في ذلك قوله - تعالى -: { وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ } . وقوله - تعالى -: { الَّذِي أَنقَضَ ظَهرَكَ } صفة للوزر. قال علماء اللغة: الأصل فيه: أن الظهر إذا أثقله الحمل، سُمِع له نقيض. أي: صوت خفيُّ. والمراد بهذا النقض: صوت الأضلاع. وهو مثل لما كان يثقل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أوزاره. قال النحاس: ” فإن قال قائل: كيف وصف هذا الوزر بالثقل، وهو مغفور له، غير مطالب به؟ فالجواب: أن سبيل الأنبياء- صلوات الله عليهم- والصالحين، إذا ما ذكروا ذنوبهم، أن يشتدَّ غمٌّهم وبكاؤهمº فلهذا وصف ذنوبهم بالثقل “.   سابعًا- قوله - تعالى -: { وَرَفَعنَا لَكَ ذِكرَكَ } (4) معناه: أن الله - جل وعلا - رفع له ذكره في الملأ الأعلى، قبل أن يرفعه له في الأرض، حين جعل اسمه - عليه الصلاة والسلام - مقرونًا باسمه - جل وعلا -. ورفع له ذكره في اللوح المحفوظ، حين قدر الله - سبحانه - أن تمر القرون، وتكر الأجيال، وملايين الشفاه في كل مكان، تهتف بهذا الاسم الكريم، مع الصلاة والتسليم. ورفع له ذكره، حين ربطه بهذا المنهج الإلهي الرفيع. وكان مجردُ الاختيار لهذا الأمر رفعةَ ذكر، لم ينلها أحد من قبل، ولا من بعد في هذا الوجود. وليس بعد هذا الرفع رفعٌ، وليس وراء هذه المنزلة منزلة.. إنه المقام، الذي تفرد به - صلى الله عليه وسلم - دون سائر العالمين. وروي عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب والضحاك والحسن وغيرهم أنهم قالوا في ذلك: ” لا أُذكَرُ إلا ذُكِرتَ معي “. وفيه حديث مرفوع، أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: ” أتاني جبريل - عليه السلام -، فقال: إن ربك يقول: أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله - تعالى -أعلم! قال: إذا ذكرتُ، ذكرتً معي “. ولا يخفى ما في هذا الرفع لذكره - عليه الصلاة والسلام - من لطف، بعد ذلك الوضع لأعبائه عنه. هذا الرفع، الذي تهون معه كل مشقة وتعب وعناء. وليس بعد هذا التكريم تكريم، وليس بعد هذا العطاء عطاء. ثامنًا- ومع هذا كله فإن الله - تعالى -يتلطف مع حبيبه المختار، ويسرِّي عنه، ويؤنسه، ويطمئنه، ويطلعه على اليسر، الذي لا يفارقه، فيقول: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا * إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا {(5-6). والعسر: المشقة في تحصيل المرغوب، والعمل المقصود. وتعريفه للعهد. واليسر ضد العسرº وهو: سهولة تحصيل المرغوب، وعدم التعب فيه، وتنكيره في الموضعين للتفخيم والتعظيمº كأنه قيل: إن مع العسر يسرًا عظيمًا! والكلام وَعدٌ له صلى الله - تعالى -عليه وسلم، مَسوقٌ للتسلية، والتنفيس.   وقوله - تعالى -في الحملة الثانية: { إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا } يحتمل وجهين من التأويل: الوجه الأول: أنه تكرير للجملة السابقة، لتأكيد معناها، وتقريره في النفوس، وتمكينه في القلوب. وهو نظير قولك: إن مع الفارس رمحًا، إن مع الفارس رمحًا، وهو ظاهر في وحدة الفارس والرمحº وذلك للإطناب والمبالغة. فعليه يكون اليسر فيها عين اليسر في الأولى، والمراد به ما تيسر من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله - تعالى -عليه وسلم، أو يسر الدنيا مطلقًا. والوجه الثاني: أنه ليس بتكرير للأولº وإنما هو تأسيس، ويكون الحاصل من الجملتين: أن مع كل عسر يسرين عظيمين. والظاهر أن المراد بذينك اليسرين: يسر دنيوي، ويسر أخروي. وفي حديث ابن مسعود أنه لما قرأ: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا * إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا }، قال: ” لن يغلب عسر يسرين “. قيل: معناه: أن العسر بين يسرينº إما فرج عاجل في الدنيا، وإما ثواب آجل في الآخرة. وقال الكرماني في(أسرار التكرار في القرآن): ” قوله - تعالى -: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا * إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا } ليس بتكرارº لأن المعنى: إن مع العسر، الذي أنت فيه من مقاساة الكفار يسرًا في العاجل، وإن مع العسر، الذي أنت فيه من الكفار يسرًا في الآجل. فالعسر واحد واليسر اثنان “. وعلى هذا يكون قوله - تعالى -: { إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا } وعدًا آخر مستأنفًا، غير الوعد الأول. قال الألوسي: ” واحتمال الاستئناف هو الراجح، لما علم من فضل التأسيس على التأكيد. كيف، وكلام الله - تعالى -محمول على أبلغ الاحتمالين، وأوفاهما! والمقام- كما تقدم- مقام التسلية والتنفيس. وكان الظاهر على ما سمعت من المراد باليسر تعريفهº إلا أنه أوثر التنكير للتفخيم. وقد يقال: إن فائدته أظهر في التأسيسº لأن النكرة المعادة، ظاهرها التغاير، والإشعار بالفرق بين العسر واليسر“. والفرق بين التأسيس، والتكرير: أن التكرير يكون بإيراد المعنى مرددًا بلفظ واحدº ومنه ما يأتي لفائدة، ومنه ما يأتي لغير فائدة. فأما الذي يأتي لفائدة فإنه جزء من الإطناب، والغرض منه التأكيد والتأكيد هو تقرير إرادة معنى الأول، وعدم التجوٌّز.. أما التأسيس فيفيد معنى آخر، لم يكن حاصلاً قبل، وهو خير من التأكيدº لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله الإعادة. ولهذا قال الزمخشري في قوله تعالى{ كَلَّا سَوفَ تَعلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوفَ تَعلَمُونَ {(التكاثر: 3-4): إن الثانية تأسيس، لا تأكيدº لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء، فقال: وفي{ ثُمَّ { تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول. وهذا القول هو اختيار الحسين بن يحيى الجرجاني، ونصٌّ قوله في ذلك: ” والصحيح أن يقال: إن الله بعث نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - مقلاًّ مخفًّا، فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً. فاغتمَّ، وظن أنهم كذبوه لفقره، فعزَّاه الله، وعدَّد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا }. أي: لا يحزنك ما عيَّروك به من الفقرº فإن مع ذلك العسر يسرًا عاجلاً. أي: في الدنيا. فأنجز له ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسَّع ذاتَ يده حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعدٌّ لأهله قوت سنة. فهذا الفضل كله من أمر الدنيا، وإن كان خاصًّا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد يدخل فيه بعض أمته، إن شاء الله - تعالى -. ثم ابتدأ فضلاً آخر من الآخرة، وفيه تأسية وتعزية له - صلى الله عليه وسلم -، فقال مبتدئًا: { إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا } º فهو شيء آخر. والدليل على ابتدائه تعرِّيه من فاء، أو واو، أو غيرها من حروف النسق، التي تدل على العطف. فهذا وعد عام لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه. أي: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، لا محالة. وربما اجتمع يسر الدنيا، ويسر الآخرة. والذي في الخبر: ” لن يغلب عسر يسرين“. يعني: العسر الواحد لن يغلبهماº وإنما يغلب أحدهما، إن غلب، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء. أو يقال: إن مع العسر، وهو إخراج أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة يسرًا، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل مع عز وشرف “. وظاهر المعية في قوله - تعالى -: { مَعَ العُسرِ يُسرًا } يقتضي أن يكون اليسر مصاحبًا للعسر ومقارنًا لهº لأن{ مَعَ } ظرف يدل على المصاحبة. ولما كان اليسر لا يجتمع مع العسرº لأنهما ضدان، أجيب عن ذلك بأن { مَعَ }- هنا- مستعملة في غير معناها الحقيقي، وأنها مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر، أو ظهور بوادره. وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى -: { سَيَجعَلُ اللَّهُ بَعدَ عُسرٍ, يُسراً }(الطلاق: 7). ثم إنه يبعد إرادة المعية الحقيقية ما أخرجه البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله - تعالى -عليه وسلم جالسًا، وحياله حجر، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ” لو جاء العسر فدخل هذا الحجر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، فيخرجه“، فأنزل الله - تعالى -: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا.. إلخ }. ولفظ الطبراني: وتلا رسول الله صلى الله - تعالى -عليه وسلم: { فَإِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا.. {. تاسعًا- ثم يجيء التوجيه الكريم من الله - جل وعلا - لمواقع التيسير، وأسباب الانشراح، ومستودع الري والزاد في الطريق الشاق الطويل، فيقول - سبحانه وتعالى -: { فَإِذَا فَرَغتَ فَانصَب * وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب } (الشرح: 7-8). أي: إذا فرغت من عبادة- كتبليغ الوحي- فاتعب في عبادة أخرى، شكرًا لما عددنا عليك من النعم السالفة، ووعدناك من الآلاء الآنفةº وكأنه - عز وجل -، لمَّا عدَّد على نبيه وحبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - ما عدَّد، ووعده بما وعد، وحقق له ما وعد، بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة، وأن لا يخلي وقتًا من أوقاته منهاº ولهذا كان - عليه الصلاة والسلام -، إذا ما فرغ من عبادة أتبعها بأخرى. والفراغ- في اللغة- خلاف الشٌّغل. يقال: فرغ من عمله فراغًا، فهو فارغ. قال - تعالى -: { سَنَفرُغُ لَكُم أَيٌّهَا الثَّقَلَانِ } (الرحمن: 31)، وفسِّر بقولهم: سنقصد لكم أيها الثقلان. وقوله - تعالى -: {وَأَصبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً } (القصص: 10). قيل في تفسيره: خاليًاº وكأنما فرغ من لبِّها، لِمَا تداخلها من الخوف. وقيل: فارغًا من ذكره. أي: أنسيناها ذكره، حتى سكنت، واحتملت أن تلقيه في اليم. وقيل: خاليًا إلا من ذكرهº لأنه قال: { إِن كَادَت لَتُبدِي بِهِ لَولَا أَن رَّبَطنَا عَلَى قَلبِهَا } (القصص: 10) وظاهر قوله - تعالى -: { فَإِذَا فَرَغتَ فَانصَب } يفيد أنه - عليه الصلاة والسلام - كان في أعمال، لم ينته منهاº ولكن السياق لم يذكر لنا شيئًا عن تلك الأعمال، يكون متعلَّقًا للفعل{ فَرَغتَ } . وعدم ذكره يقتضي أنه لازم أعمال، يعلمها الرسول - صلى الله عليه وسلم -º كما أن مساق السورة في تيسير مصاعب الدعوة، وتذليل ما يحف بها من مكاره. وعليه يكون المعنى: إذا أتممت عملاً من مهام الأعمال، فأقبل على عمل آخرº بحيث يعمر أوقاته كلها بالأعمال العظيمة. ومن هنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وجوعه من إحدى غزواته: ” رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر “. وبهذا يتبين أن المقصود بالأمر هو قوله - تعالى -: { فَانصَب }. أما قوله - تعالى -: { فَإِذَا فَرَغتَ فتمهيد وإفادة لإِيلاءِ العمل بعمل آخر في تقرير الدين ونفع الأمة.. وهذا من صيغ الدلالة على تعاقب الأعمال. ومثله قول القائل: ما تأتيني من فلان صلة إلا أعقبَتها أخرى. ولهذا قدِّم قوله - تعالى -: { فَرَغتَ } على قوله: { فَانصَب }. وجيء بالفاء الرابطةº لتدل على أن ما بعدها واجب الوقوع عقب وقوع الشرط مباشرة. وعليه يكون قوله - تعالى -: { فَانصَب } أمرًا بإحداث الفعل فورًا بعد حدوث الشرط من دون أي تأخير. ثم أمره - سبحانه وتعالى - بأن يرغب إلى ربه وحده. أي: بأن يحرص بسؤاله وحده، ولا يسأل غيره تعالىº فإنه القادر على الإسعاف، لا غيره - عز وجل - { وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب } . وقوله - تعالى -: { فَارغَب } هو من الرَّغبَة. والرَّغبة هي السَّعة في الإرادة. قال - تعالى - عن إبراهيم - عليه السلام -: { وَيَدعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } (الأنبياء: 90). أي: رغبًا في رحمتنا، ورهبًا من عذابنا. فإذا قيل: رغب فيه، وإليه، اقتضي الحرص عليه. قال - تعالى -: { إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ } (التوبة: 59). وعلى هذا يحمل قوله - تعالى -هنا: { وَإِلَى رَبِّكَ فَارغَب } ، تشبيهًا بسير السائر إلى من عنده حاجتهº كما قال - تعالى -عن إبراهيم - عليه السلام -: { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهدِينِ } (الصافات: 99). وإذا قيل: رغب عنه، اقتضى صرف الرّغبة عنه، والزهد فيهº نحو قوله - تعالى -: { أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن آلِهَتِي يَا إِبراهِيمُ }(مريم: 46). وقوله - تعالى -: { وَتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } (النساء: 127). فالت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: وترغبون عن أن تنكحوهن. وقدم قوله - تعالى -: { إِلَى رَبِّكَ } على قوله: { فَارغَب } ، لإفادة معنى الاختصاص. أي: إليه، لا إلى غيره تكون رغبتكº فإن صفة الرسالة أعظم صفات الخلق، فلا يليق بصاحبها أن يرغب إلى غير الله - تعالى -. وتقديمه هو ممَّا قُدِّم فيه المتعلَّق على المتعلَّق به، أو المعمول على العامل على حدِّ تعبير النحاة. ولم تمنع الفاء من هذا التقديم، خلافًا للمشهور من أقوالهم. ولهذا نجدهم يقدرون عاملاّ محذوفًا لـ{ ارغَب }، ويجعلون حذفه للتعميم. وعلى قولهم يكون التقدير: وارغب إلى ربك، فارغب إليه. أو فارغبه. والذي ألجأهم إلى هذا التكلف في التأويل ما اصطلحوا عليه من أن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، والذي عليه أهل التحقيق خلاف ذلك. والله - تعالى -أعلم بأسرار بيانه!!   رفاه محمد علي زيتوني موقع مداد
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      180946
    • إجمالي المشاركات
      2533140
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92508
    • أقصى تواجد
      1252

    أحدث العضوات
    منى احمد22
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×