اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 57273
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180520
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 259983
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23500
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8238
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32133
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4160
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25483
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30256
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52994
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47551
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21004
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97009
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36838
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31793
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4883
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15479
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29721
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12926
      مشاركات
  10. إن من البيان لسحرًا

    1. قلمٌ نابضٌ

      ساحة لصاحبات الأقلام المبدعة المتذوقة للشعر العربي وأدبه

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      50492
      مشاركات
  11. مملكتكِ الجميلة

    1. 41313
      مشاركات
    2. 33904
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91746
      مشاركات
  12. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32199
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34854
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65605
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  13. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  14. IslamWay Sisters

    1. English forums   (36986 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  15. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 9 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 14، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • “من كمال الإيمان أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك”
      ― عبد الرحمن ناصر السعدي, المواهب الربانية من الآيات القرآنية   “كلما قوي إيمان العبد، تولاه الله بلطفه، ويسره لليسرى، وجنّبه العسرى.”   كل من سلك طريقا وعمل عملا وأتاه من أبوابه وطرقه الموصلة إليه فلابد أن يفلح وينجح كما قال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, القواعد الحسان لتفسير القرآن     فاعلم أن اللطف الذي يطلبه العباد من الله بلسان المقال ولسان الحال هو من الرحمة، بل هو رحمة خاصة؛ فالرحمة التي تصل العبد من حيث لا يشعر بها أو لا يشعر بأسبابها هي اللطف”
      ― عبد الرحمن ناصر السعدي, المواهب الربانية من الآيات القرآنية   “الحرام محصور، والحلال ليس له حد ولا حصر. لطفاً من الله ورحمة، وتيسيراً للعباد.”
      ― عبدالرحمن بن ناصر السعدي   في قوله "فإن تخفوها وتؤتوها للفقراء فهو خير لكم" فائدة لطيفة، وهو إن إخفائها خير من إظهارها إذا أعطيت للفقير. فأما إذا صُرفت في مشروع خيري لم يكن في الآية مايدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيراً، لحصول الأسوة والإقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان   في قوله تعالى: ( وما كان الله لِيُضيع إيمانكم )
      في هذا بشارة عظيمة لمن منّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه، وحفظه نوعان:
      حفظ عن الضياع والبطلان بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيد له.
      وحفظه بتنميته لهم، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم، ويتم به إيقانهم.”
      ― عبدالرحمن بن ناصر السعدي   العبد مأمور أن ينظر إلى من دونه في المال والجاه والعافية ونحوها، لا إلى من فوقه؛ فإنه أجدرُ أن لا يزدريَ نعمة الله عليه، وكذلك إذا ابتلي ببلية فليحمد الله أن لم تكن أعظم من ذلك، وليشكر الله أن كانت في بدنه أو ماله لا في دينه، وصاحب هذه الحال مطمئن القلب، مستريح النفس، صبور شكور”
      ― عبد الرحمن ناصر السعدي, المواهب الربانية من الآيات القرآنية   الذي تناوله الذمُّ هو اتباعُ الهوى، وهو كونه متبوعاً بأن يتخذ العبدُ إلهه هواه، لا مجرد أن يكون للعبد هوى، فكلُّ أحدٍ له هوى”
      ― عبد الرحمن ناصر السعدي, المواهب الربانية من الآيات القرآنية     “إن العبد إذا رأى أعمال أهل الخير وعجزه عن القيام بها , أوجب له ذلك الإزراء بنفسه واحتقارها , وهذا هو عين صلاحه , كما أن رؤيته نفسَه بعين الإعجاب والتكبر هو عين فساده”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     ذكر الله أربع مراتب للإحسان:
      المرتبة العليا: النفقة الصادرة عن النية الصالحة، ولم يتبعها المنفق مناً ولا أذى.
      ثم يليها قول المعروف، وهو الإحسان القولي بجميع وجوهه، الذي فيه سرور المسلم، والإعتذار من السائل إذا لم يوافق عنده شيئاً، وغير ذلك من أقوال المعروف.
      والثالثة، الإحسان بالعفو والمغفرة، عمن أساء إليك بقول أو فعل.
      وهذان أفضل من الرابعة وخير منها، وهي التي يتبعها المتصدق الأذى للمُعطى، لأنه كدر إحسانه وفعل خيراً وشراً.”
          “ورد في الاثار..أن الله تعالى يقول:إن من عبادي من لايصلح إيمانه إلا الغنى,ولو أفقرته لأفسده ذلك,وإن من عبادي من لايصلح إيمانه إلا الفقر,ولو أغنيته لأفسده ذلك,وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة, ولو أمرضته لأفسده ذلك, وإن من عبادي من لايصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك,إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم,إني خبير بصير”   “البقرة ‌{١٥٥} {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *
      أخبر تعالى في هذه الآية أنه سيبتلي عباده {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} من الأعداء {وَالْجُوعِ} أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان   “سأل النبي بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) .
      لأنه تعالى الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فهو قريب ايضاً من داعيه بالإجابة، ولهذا قال: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) ـ   “ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها!؟”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان   “{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} وهو الصفح الذي لا أذية فيه بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت هنا.
      وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل أي: الحسن الذي قد سلم من الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة، وهذا هو المعنى.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     “{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أي: الموت أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات، فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فلم يزل دائبا في العبادة، حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     “{فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول وما أنعم الله عليه به، من النعم فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ثم لم يزل ينقله من طور، إلى طور حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال التي ليس في إمكانه القدرة على شيء منها.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     “اعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بالأصول، وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح، وهو -بهذا الإعتبار- يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان، وأثر من آثاره. فحيث أُطلق الإيمان، دخل فيه ما ذُكر.
      وكذلك الإسلام، إذا أُطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما كان الإيمان اسماً لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام اسماً للأعمال الظاهرة. وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة.”
      ―   “البقرة ‌{١٢٦} {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .
      أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت، أن يجعله الله بلدا آمنا، ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين، تأدبا مع الله، إذ كان دعاؤه الأول، فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم.
      فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر، والعاصي والطائع، قال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} أي: أرزقهم كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر، فيتمتع فيها قليلا {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} أي: ألجئه وأخرجه مكرها {إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     “الإسراء ‌{٥٣} {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} .
      وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة فقال:
      {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله من قراءة وذكر وعلم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما.
      والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره.
      وقوله: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزغُ بَيْنَهُمْ} أي: يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم.
      فدواء هذا أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه فإنه يدعوهم {ليكونوا من أصحاب السعير}
      وأما إخوانهم فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم وسعى في العداوة فإن الحزم كل الحزم السعي في ضد عدوهم وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي يدخل الشيطان من قبلها فبذلك يطيعون ربهم ويستقيم أمرهم ويهدون لرشدهم.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان     “وتوكل على العزيز الرحيم" والتوكل هو اعتماد القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار مع ثقته به وحسن ظنه بحصول مطلوبه فإنه عزيز رحيم بعزته يقدر على إيصال الخير و دفع الشر عن عبده وبرحمته به يفعل ذلك .”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان      آل عمران ‌{٣٨ - ٤١} {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ} .
      ... فقال زكريا من شدة فرحه {رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر} وكل واحد من الأمرين مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله تعالى أن هذا خارق للعادة، فقال: {كذلك الله يفعل ما يشاء} فكما أنه تعالى قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا أراد أن يوجدهم من غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه السلام استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة.
          {رب اجعل لي آية} أي: علامة على وجود الولد قال {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا} أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا} أي: أول النهار وآخره.”
      ― عبد الرحمن بن ناصر السعدي, تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان   يتبع          
    • الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:   فالإنسان بحاجة إلى معرفة نفسه، ومَن وفَّقه الله عز وجل عرَف عيوبها، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكثرَ ممَّا يعلم الناس منها.       ولن يعرف الإنسان عيوب نفسه ما دام أنه يحسن الظنَّ بها، قال الإمام الماوردي رحمه الله: ربما حَسُن ظنُّ الإنسان بنفسه فأغفل مراعاة أخلاقه، فدعاهُ حُسْنُ الظنِّ بها إلى الرِّضا عنها، فكان الرِّضا عنها داعيًا إلى الانقياد لها؛ ففسد منه ما كان صالحًا، ولم يصلُحْ منها ما كان فاسدًا؛ لأن الهوى أغلبُ من الآراء، والنفس أجورُ من الأعداء؛ لأنها بالسوء أمَّارة، وإلى الشهوات مائلة.       ومن أقوى أسباب حسن الظن بالنفس كما قال الإمام الماوردي رحمه الله: "الكِبْر والإعجاب، وهو بكل أحد قبيح؛ لأنه دالٌّ على صغر الهِمَّة، مخبرٌ بعلوِّ المنزلة، وكفى بالمرء ذمًّا أن تكون هِمَّتُه دون منزلته".       وإذا عرَف الإنسان عيوب نفسه وآفاتها دفعَه ذلك إلى محاسبتها، ومجاهدتها ليصل بها إلى تزكيتها من تلك العيوب، فإن تمَّ له ذلك فقد فاز وأفلح، قال الله عز وجل: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 7 - 9] قال العلامة السعدي رحمه الله: أي: طهَّر نفسه من الذنوب، ونقَّاها من العيوب، ورقَّاها بطاعة الله، وعلَّاها بالعلم النافع، والعمل الصالح.       للسلف أقوال في مجاهدة النفس ومحاسبتها، يسَّرَ اللهُ الكريمُ فجمعتُ بعضًا منها، الله أسأل أن ينفع بها الجميع.       فوائد محاسبة النفس:   • قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنُوا أنفسكم قبل أن تُوزنوا.       • عن ميمون بن مهران: لا يكون العبد من المتقين، حتى يحاسب نفسَه أشدَّ من محاسبة شريكه.       • قال الحسن: ابن آدم، إنك لن تجد حقيقة الإيمان ما كنت تعيبُ الناس بعيب هو فيك، حتى تبرأ بذلك العيب من نفسك فتُصلحه، فلا تصلح عيبًا إلا ترى عيبًا آخر، فيكون شغلك خاصة نفسك، وذلك أحبُّ ما يكون إلى الله إذا كنت كذلك.       • قال الإمام الغزالي: رأس مال العبد في دينه: الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، فيحاسب نفسه على الفرائض أولًا، فإن أدَّاها على وجهها شكر الله تعالى عليها، ورغبها في مثلها، وإن فوَّتها من أصلها طالبها القضاء، وإن أدَّاها ناقصة كمَّلها الجبران بالنوافل، وإن ارتكب معصية اشتغل بمعاتبتها، ليستوفي منها ما يتدارك به ما فرَّط، كما يصنع التاجر بشريكه.       ومهما حاسب نفسَه فلن تسلم عن مقارفة معصية، وارتكاب تقصير في حقِّ الله تعالى، فلا ينبغي أن يهملها، فإنه إن أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي، وأنست بها نفسُه، وعسر عليه فطامها، وكان ذلك سببَ هلاكِها.       ومن أنفع العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة فتقتدي به.       أو تعدل إلى سماع أحوالهم، ومطالعة أخبارهم، وما كانوا فيه من الجهد، قال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببتُ العيشَ يومًا واحدًا، الظمأ لله بالهواجر، والسجود لله في جوف الليل، ومجالس أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقَى أطايب الثمر.       اعلم أن أعْدَى عدوِّك نفسُك التي بين جنبيك، وقد خُلقت أمَّارة بالسوء، ميَّالة إلى الشرِّ، فرَّارة من الخير، وأُمِرت بتزكيتها، وتقويمها، وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربِّها وخالقها، ومنعها من شهواتها، وفطامها عن لذَّاتها، فإن أهملتها جمحت وشردت، ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة، كانت نفسك اللوَّامة التي أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة، المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعتها عن تذكيرها، فتقول لها: يا نفس، أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب؟ فمالك تشتغلين باللهو، وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم! وعساك اليوم تختطفين أو غدًا، فأراك ترين الموت بعيدًا! أما تعلمين أن كل ما هو آتٍ قريبٌ؟ أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة؟ وأن كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة؟ فمالك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب؟ أما تتدبرين قوله تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 1 - 3] ويحك يا نفس لو واجهك عبدٌ من عبيدك أو أخٌ من إخوانك بما تكرهينه، كيف كان غضبك عليه ومقتك له؟! فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه، وشديد عقابه، أفتظنين أنك تطيقين عذابه؟! هيهات، هيهات! فمالك تسوفين العمل، والموت لك بالمرصاد، ولعله يختطفك من غير مهلة، فما المانع من المبادرة؟! وما الباعث لك على التسويف؟! هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهواتك؟! وليت شعري، ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدة وأطول مدة، أو ألم النار في دركات جهنم؟       • قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك، ليسعى في إزالته.       • قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18]، هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه لا ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى زللًا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه، وإن رأى نفسه مقصرًا في أمر من أوامر الله، بذل جهده، واستعان بربِّه في تتميمه، وتكميله، وإتقانه، ويقايس بين مِنَن الله عليه وإحسانه، وبين تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياة لا محالة.       والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قومًا نسوا الله وغفلوا عن ذكره، والقيام بحقِّه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل؛ بل أنساهم الله مصالح أنفسهم وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطًا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنًا لا يمكن تداركه، ولا يجبر كسره؛ لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربِّهم، وأوضعوا في معاصيه.       فهل يستوي من حافظ على تقوى الله، ونظر لما قدم لغده، فاستحقَّ جنات النعيم، والعيش السليم، مع الذين أنعم الله عليهم، من النبيِّين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين، ومن غفل عن ذكره ونسي حقوقه فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون.       مجاهدة النفس وفوائد ذلك:   • قال مورق العجلي رحمه الله: أمرٌ أنا في طلبه منذ عشرين سنة، فلم أقدر عليه، ولست بتاركٍ طلبه، قالوا: وما هو يا أبا المعتمر؟ قال: الصمت عمَّا لا يعنيني.       • قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنةً حتى استقامت.       • قال الإمام الماوردي: اعلم أن الإنسان مطبوعٌ على أخلاق قلَّ ما حُمد جميعها، أو ذُمَّ سائرُها؛ وإنما الغالب أن بعضها محمودٌ، وبعضها مذمومٌ.       وليس يُمكن صلاح مذمومها بالتسليم إلى الطبيعة،... إلا أن يرتاض لها رياضة تأديب، وتدرُّج، فيستقيم له الجميع.       وإذا بدأ الإنسان بسياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر، وإذا أهمل مراعاة نفسه كان بإهمال غيره أجدرَ، قال بعض الحكماء: مَن بدأ بسياسة نفسه أدرك سياسة الناس.       وقد قيل في منثور الحكم: لا ينبغي للعاقل أن يطلب غيره، وطاعة نفسه ممتنعة.       • قال الإمام ابن عقيل: لو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله والانتهاء عن محارم الله، إلَّا أنَّه يعطف عليك، فيسخرها لك، ويطوِّعها لأمرك حتى تنقاد لك، ويُسقط عنك مؤونة النزاع لها، والمجاهدة حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها إذا كان عند الله خبيثًا، وتؤثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهًا، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلًا، حتى تصير رقًّا لك بعد أن كانت تسترقك.       • قال الإمام ابن حزم رحمه الله: كانت في عيوب، فلم أزل بالرياضة واطِّلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدِّمين في الأخلاق، وفي آداب النفس أُعاني مُداواتها، حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومَنِّه.       فمنها: حقد مفرط، قدرت بعون الله تعالى على طيِّه وستره، وغلَّبتُهُ على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه، وأعجزني معه أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبدًا.       ومنها: كلف في الرِّضا، وإفراط في الغضب، فلم أزل أُداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملةً بالكلام والفعل والتخبُّط، وامتنعت ممَّا يحلُّ من الانتصار، وتحمَّلت من ذلك ثقلًا شديدًا، وصبرت على مضض مؤلمٍ كان ربما أمرضني، وأعجزني ذلك في الرِّضا.       ومنها: دعابة غالبة، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح، وسامحتُ نفسي فيها، إذا رأيت تركها من الانغلاق ومضاهيًا للكِبْر.       ومنها: عُجب شديد، فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كلُّه، ولم يبق له- والحمد لله- أثر؛ بل كلفتُ نفسي احتقار قدرها جملةً، واستعمال التواضُع.       ومنها: حركات كانت تولِّدها غرارة الصبا، وضعفُ الأعضاء، فقسرت نفسي على تركها، فذهبت.       ومنها: محبة في بُعد الصيت والغلبة، فالذي وقفتُ عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحلُّ في الديانة، والله المستعان على الباقي.       • قال الإمام ابن الجوزي: تأملت جهاد النفس فرأيتُه أعظم الجهاد.       فإن رآها تتكبر، قال لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقَّة.       وإن رأى تقصيرها عرفها حق الموالي على العبيد، وإن ونت عن العمل حدَّثها بجزيل الأجر، وإن مالت إلى الهوى خوَّفها عظيم الوِزْر، ثم يُحذِّرها عظيم العقوبة الحسية؛ كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ﴾ [الأنعام: 46]، والمعنوية كقوله تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146]، والجهاد لها كجهاد المريض العاقل يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذوب في المرارة قليلًا من الحلاوة.       فإن قال قائل: فكيف يتخلَّص من هذا مَن قد نشب فيه؟ قيل له: بالعزم القوي في هجران ما يؤذي، والتدرُّج في ترك ما لا يؤمن أذاه، وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة.       فالنفس مجبولة على حبِّ الهوى، وقد سبق بيان أذاه، فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة، ومتى لم تُزجر عن الهوى هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به، فاستأنست بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة، والأماني العجيبة، خصوصًا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون، وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب.       صُنْ نفسَك عن الذُّل والضَّرَع للخلق:   قال الإمام ابن عقيل: يا مصنوعًا في أحسن تقويم، يا مخصوصًا بالاطلاع والتعليم....افتح عينك وانظر مَن أنت، وعبد مَن أنت. فصُنْ نفسَك عن الذلِّ والضَّرَع للخلق، واحملها على الإجمال في الطلب، فما زاد الحرصُ رزقًا، والثقةُ بالله حصنٌ منيعٌ من الضراعة، وذخر يوفي على الطاعة، والتوسُّل في الرزق شناعة، وملاك الأمر مع الله الاستجابة والطاعة.       فقر النفس:   قال الحافظ ابن حجر: المتصف بفقر النفس...لا يقنع بما أعطي؛ بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال.       غِنى النفس:   قال الحافظ ابن حجر: قال ابن بطال: ليس حقيقة الغِنى كثرةُ المال؛ لأن كثيرًا ممَّن وسَّع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يُبالي من أين يأتيه، فكأنَّه فقير لشدة حرصه، ومن استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد فكأنه غني.       تزكية النفس:   قال العلَّامة العثيمين رحمه الله: الزكاة نوعان:   زكاة النفوس، وهي الأهم، وزكاة المال، وهي من أركان الإسلام العظام.       وزكاة النفس هي زكاتها من الإشراك بالله، بأن يكون الإنسان في جميع عباداته مُخلصًا لله عز وجل، وما أحقنا بالإخلاص لله! لأن العباد لا ينفعوننا ولا يضرُّوننا إلا بما كتبه الله علينا، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما في وصيته المشهورة: ((واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ لكَ، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتَبَه اللهُ عليكَ)).       ومن زكاة النفس: اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن ما جاء به عليه الصلاة والسلام هو الزكاء، وهو الحق، وهو الخير، كلُّ الخير.       ومن زكاة النفس: حسن الأخلاق والمعاملة مع الناس، كما قال الله تعالى في وصف نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فخُلُقُه عليه الصلاة والسلام عظيم، أحسن أخلاق بني آدم، إن جئت في الحلم وجدت أنه أوسع الناس حلمًا، وإن جئت في الكرم وجدته أكرم الناس، كان عليه الصلاة والسلام يبيتُ الليالي ذوات العدد لا يوقد في بيته نار، ويُعطي عطاء من لا يخشي الفاقة- أي: الفقر- إن بحثت في الشجاعة، وجدته أشجع الناس.       ومن تزكية النفس: الإحسان إلى الخلق، أحسن إلى الناس يُحِبَّك الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195] أحْسِن يُحسِن الله إليك، وليس جزاء الإحسان جزاء أُخرويًّا فقط، بل جزاءٌ أُخرويٌّ ودُنيويٌّ.       متفرقات:   • قال أبو سليمان الداراني: من اشتغل بنفسه شُغِل عن الناس.   • قال بكر بن عبدالله المزني البصري: إذا رأيتم الرجل موكلًا بعيوب الناس ناسيًا لعيب نفسه، فاعلموا أنه قد مُكِر به.   • قال جيلان بن فروة: من أنصف الناس من نفسه، زاده الله بذلك عِزًّا.   • قال الإمام ابن الجوزي: أقوى القوة غلبتك نفسك.       • قال شيخ الإسلام ابن تيمية:   • التوفيق ألَّا يَكِلَك الله تعالى إلى نفسك.   • الخذلان أن يكلك الله تعالى إلى نفسك.   • نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.   • النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيءٍ.   • من أذلَّ نفسَه لله فقد أعزَّها.   • الإنسان إذا فسدت نفسُه أو مزاجه يشتهي ما يضرُّه، ويلتذُّ به؛ بل يعشق ذلك عشقًا يُفسِد عقله ودينه وخلقه وماله وبدنه.   • النفوس الخبيثة قد تلتذُّ بالإساءة والعدوان وإن لم يحصل لها بذلك منفعة ولا دفع مضرة.   • تألم النفس بما يحدث في الجسد من الآلام، ويتألم الجسد الذي هو القلب الصنوبري، بما يحدث في النفس من الآلام.       • قال محب الدين الخطيب رحمه الله:   • مَن عرَف نفسه لم يغترَّ بثناء الناس عليه.   • من كثر رضاه عن نفسه كثر الساخطون عليه.       • قال العلَّامة السعدي: الإنسان بطبعه ظالمٌ جاهلٌ، فلا تأمره نفسُه إلا بالشرِّ، فإذا لجأ إلى ربِّه واعتصم به، واجتهد في ذلك، لطف به ربُّه، ووفَّقَه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم. فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ شبكة الالوكة
    • لفظ (الابتلاء) في القرآن الكريم

      الشبكة الإسلامية


      ترجع مادة (البلاء) إلى الجذر (بلوي) قال ابن فارس: الباء، واللام، والواو، والياء، أصلان: أحدهما: إخلاق الشيء، والثاني: نوع من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضاً. فمن الأول قولهم: بَلِيَ يَبْلَى فهو بال. والبِلَى مصدره، يقال: بَلِيَ الثوب بِلَىً وبَلاء، أي: خَلُق. وبقال: ناقة بِلْوُ سَفَر، مثل نِضْو سفر، وبِلْيُ سَفَر، أي: قد أبلاها السفر. ومن الثاني قولهم: بُلِيَ الإنسان وابْتُلِيَ، وهذا من الامتحان، وهو الاختبار، وبلوته: اختبرته، كأني أخلقته من كثرة اختباري له. وبلوتُ فلاناً: إذا اختبرته، وسُمي الغم بلاء من حيث إنه يَبْلي الجسم. ويكون البلاء في الخير والشر، قال سبحانه: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}[الأنبياء:35] فالله تعالى يُبْلِي العبد بلاء حسناً، وبلاء سيئاً، وهو يرجع إلى هذا؛ لأن بذلك يُخْتَبَرُ في صبره وشكره، غير أن الأكثر في (الشر) أن يقال: بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير: أبليته أبليه إبلاء، وبلاء. وقولهم: أبليت فلاناً عذراً، أي: أعلمته وبينته فيما بيني وبينه، فلا لوم عليَّ بعد. وتقول العرب: أبلني كذا، أي: أخبرني، فيقول الآخر: لا أُبليك. ويقال: ابتليته، فأبلاني، أي: استخبرته فأخبرني.

      قال الراغب الأصفهاني: "وإذا قيل: ابتلى فلان كذا وأبلاه، فذلك يتضمن أمرين: أحدهما: تعرف حاله، والوقوف على ما يُجْهَلُ من أمره. والثاني: ظهور جودته ورداءته، وربما قُصِد به الأمران، وربما يُقْصَد به أحدهما، فإذا قيل في الله تعالى: بلاه بكذا، وأبلاه، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله، والوقوف على ما يُجْهَلُ من أمره؛ إذ كان الله علَّام الغيوب، وعلى هذا قوله عز وجل: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن}[البقرة:124].

      وسمي (التكليف) بلاء من أوجه:

      أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان، فصارت من هذا الوجه بلاء.

      الثاني: أنها اختبارات، ولهذا قال الله عز وجل: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم}[محمد:31].

      الثالث: أن اختبار الله تعالى للعباد تارة بالمسارِّ ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر، والمنحة مقتضية للشكر، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر رضي الله عنه: (بُلِينا بالضراء فصبرنا، وبُلينا بالسراء فلم نشكر).

      ولفظ (الابتلاء) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم في ثمانية وثلاثين موضعاً (38) جاء في ثلاثين موضعاً بصيغة الفعل، من ذلك قوله عز وجل: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}[الملك:2]، وورد في ثمانية مواضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله سبحانه في حق بني إسرائيل: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}[البقرة:49] ومثلها في الأعراف، وإبراهيم.

      ولفظ (الابتلاء) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم على معنيين اثنين:

      الأول: الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان، ومنه قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}[البقرة:124] أي: وإذا اختبر، وكان اختبار الله تعالى إبراهيم، اختباراً بفرائض فرضها عليه، وأمرٍ أمره به، وذلك هو (الكلمات) التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحاناً منه له، واختباراً. ونحو هذا قوله عز من قائل: {وابتلوا اليتامى}[النساء:6] يعني به: اختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. ومنه أيضاً قوله عز وجل: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}[الأعراف:168] يقول تعالى: اختبرناهم. وبحسب هذا المعنى كذلك قوله سبحانه: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات}[البقرة:155] أي: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم، وبسَنَةٍ تصيبكم، ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم، فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم وأولادكم، وجدوب تحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب. ومثله قوله عز وجل: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}[الأنبياء:35] أي: ونختبركم أيها الناس {بالشر} وهو الشدة، نبتليكم بها، وبـ (الخير) وهو الرخاء والسعة، فنفتنكم به. و(الابتلاء) بمعنى الاختبار والامتحان ورد كثيراً في القرآن.

      وقد قال الطبري عند قوله عز وجل: {وليبتلي الله ما في صدوركم} [آل عمران:154] قال: وإن كان (الابتلاء) في ظاهر الكلام مضافاً إلى الله الوصف به، فمراد به أولياؤه وأهل طاعته، وأن معنى ذلك: وليختبر أولياء الله، وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، فيميزوكم من أهل الإخلاص واليقين.

      الثاني: الابتلاء بمعنى النعمة، من ذلك قوله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}[الأنفال:18] البلاء ها هنا النعمة، كي يُنْعِمَ على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، ويُغْنِمَهم ما معهم، ويكتب لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الطبري: "ويعني بـ (البلاء الحسن) النعمة الحسنة الجميلة". ووفق هذا المعنى قوله عز من قائل مخاطباً بني إسرائيل: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}[البقرة:49] يعني بقوله: {بلاء} نعمة؛ والمعنى: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم، بلاء لكم من ربكم عظيم. روى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {بلاء من ربكم عظيم} قال: نعمة. ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}[الأعراف:141] أي: وفي سومهم إياكم سوء العذاب، اختبار من الله لكم، ونعمة عظيمة. وقوله عز وجل: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}[إبراهيم:6] قال الطبري: "قد يكون (البلاء) في هذا الموضع نعماء، ويكون: من البلاء الذي يصيب الناس من الشدائد".

      أما قوله سبحانه في قصة إبراهيم عندما أُمر بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام: {إن هذا لهو البلاء المبين}[الصافات:106] فقد ذهب الطبري وابن عاشور إلى أن (البلاء) هنا بمعنى الاختبار، والمعنى: إن هذا التكليف الذي كلفناك هو الاختبار البين، أي: الظاهر دلالة على مرتبة عظيمة من امتثال أمر الله. وذهب ابن زيد إلى أن (البلاء) هنا بمعنى الشر، قال: "و(البلاء) في هذا الموضع الشر، وليس باختبار". وذهب القرطبي إلى أن (البلاء) في الآية بمعنى النعمة، أي: إن ما ابتلى الله به إبراهيم من أمره بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام هو النعمة الظاهرة.

      وقوله عز شأنه في بني إسرائيل: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين}[الدخان:33] الابتلاء هنا قد يراد به (النعمة) وقد يراد به (الشدة) فهو محتمل للمعنيين، قال الطبري: "أخبر سبحانه أنه آتى بني إسرائيل من الآيات ما فيه ابتلاؤهم واختبارهم، وقد يكون الابتلاء والاختبار بالرخاء، ويكون بالشدة" فيكون المعنى على حدِّ قوله سبحانه: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}[الأنبياء:35].

      مما سبق يتبين أن لفظ (الابتلاء) أكثر ما ورد في القرآن الكريم بمعنى الاختبار والامتحان، وورد بدرجة أقل بمعنى النعمة والمنحة، وجاء في بعض المواضع ما يحتمل المعنيين.     لفظ (غفر) في القرآن الكريم

      الشبكة الإسلامية


      أصل مادة (غفر) التغطية والستر، فكل ساتر شيئاً فهو غافره. ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنَّة للرأس: مِغْفَر؛ لأنها تغطي الرأس وتجنَّه. ومثله (غِمْدُ السيف) وهو ما تغمَّده فواراه. ومنه قول أوس بن حجر:

      فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلاً وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا

      يعني بقوله: وأغفر عنه الجهل: أستر عليه جهله بحلمي عنه.

      وقال الراغب الأصفهاني في "المفردات": "الغَفْر: إلباس ما يصونه عن الدنس، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء، واصبغ ثوبك، فإنه أغفر للوسخ".

      و(الغفران) و(الغَفْر) بمعنى. يقال: غفر الله ذنبه غَفْراً، ومغفرة، وغُفْراناً. و(الغفران) و(المغفرة) من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب. و(الاستغفار) طلب ذلك بالمقال، والفعال. و(الغفران) تغطية الذنب بالعفو عنه. و(الغفيرة) الغفران.

      ولفظ (غفر) ومشتقاته ورد في القرآن الكريم في ثلاثة وثلاثين ومائتي موضع (233) جاء في تسعة وعشرين ومائة (129) موضع بصيغة الاسم، من ذلك قوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} [البقرة:173] و(الغفور) اسم من أسماء الله سبحانه، وقد ورد اسم (الغفور) في القرآن الكريم في واحد وسبعين موضعاً، وهو أكثر ما تكرر في القرآن من مشتقات مادة (غفر) بصيغة الاسم. وجاء لفظ (غفر) في أربعة ومائة (104) موضع بصيغة الفعل من ذلك قوله تعالى: {يغفر لمن يشاء} [آل عمران:129] والفعل {يغفر} الأكثر تكراراً من مشتقات الفعل (غفر) بصيغة الفعل، حيث تكرر في ثلاثة وثلاثين موضعاً.

      ولفظ (غفر) ومشتقاته ورد في القرآن الكريم على معان، منها:

      الاستغفار نفسه وهو طلب المغفرة، جاء وفق هذا المعنى قوله تعالى في قصة النبي يوسف عليه الصلاة والسلام والمرأة التي راودته عن نفسها: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} أي: {واستغفري} أنتِ زوجَك، وسليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبتِ، وأن يصفح عنه، فيستره عليكِ.
      ومثله قوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} [نوح:10] أي: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم، وعبادة ما سواه من الآلهة، ووحِّدوه، وأخلصوا له العبادة، يغفر لكم، إنه كان غفاراً لذنوب من أناب إليه، وتاب إليه من ذنوبه. ومن هذا البابة قوله عز من قائل: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة:80] معناه: إن تسأل لهم أن تستر عليهم ذنوبهم بالعفو منه لهم عنها، وترك فضيحتهم بها، فلن يستر الله عليهم، ولن يعفو لهم عنها، ولكنه يفضحهم بها على رءوس الأشهاد يوم القيامة. و(الاستغفار) وفق هذا المعنى كثير في القرآن.

      * الاستغفار بمعنى ترك الشرك، جاء على ذلك قوله عز وجل: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود:90] أي: استغفروا من ذنوبكم بينكم وبين ربكم، التي أنتم عليها مقيمون، من عبادة الآلهة والأصنام، وبَخْس الناس حقوقهم في المكاييل والموازين. ونحو هذا قول الباري سبحانه: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال:33] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: "لبيك، لبيك، لا شريك لك"، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «قد قد» !" فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقولون: "غفرانك، غفرانك!" فأنزل الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله، والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي الاستغفار.

      وقال ابن عاشور: هو وعد بأن التوبة من الشرك تدفع عنهم العذاب، وتكون لهم أمناً، وذلك هو المراد بالاستغفار؛ إذ من البيِّن أن ليس المراد بـ {يستغفرون} أنهم يقولون: غفرانك اللهم ونحوه؛ إذ لا عبرة بالاستغفار بالقول، والعمل يخالفه، فيكون قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تحريضاً؛ وذلك في الاستغفار، وتلقيناً للتوبة، زيادة في الإعذار لهم على معنى قوله سبحانه: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم} [النساء:147].

      هذا، وقد قال القرطبي: إن (الاستغفار) هنا يراد به الإسلام، أي: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} أي، يسلمون، قاله مجاهد، وعكرمة.

      - الاستغفار بمعنى الإيمان بالله، جاء بحسب هذا المعنى قوله سبحانه: {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود:25] يقول: آمنوا به حتى يغفر لكم ذنوبكم. قال الطبري: "والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع؛ لأن هوداً صلى الله عليه وسلم إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: {اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى} [نوح:3-4].

      - الاستغفار بمعنى الصلاة، جاء وَفْق هذا المعنى قوله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} (الذاريات:18) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قوله: {وبالأسحار هم يستغفرون} قال: يصلون. وقال الضحاك في قوله سبحانه: {وبالأسحار هم يستغفرون} قال: يقومون فيصلون. وعن مجاهد {وبالأسحار هم يستغفرون} قال: يصلون.

      - الاستغفار بمعنى الدعاء، جاء على ذلك قوله تعالى: {والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران:17] قال الطبري: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها. وعن قتادة: {والمستغفرين بالأسحار} قال: هم أهل الصلاة، يصلون بالأسحار.

      - الاستغفار بمعنى الصفح والعفو، جاء على ذلك قوله سبحانه: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} [الجاثية:14] قال ابن عاشور: "قد تكرر في القرآن مثل هذا من الأمر بالصفح عن المشركين، والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم، ولكن كان أكثر الآيات أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، وكانت هذه أمراً له بأن يُبَلِّغ للمؤمنين ذلك، وذلك يشعر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا فيه، وأحسوا بعزتهم، فأُمروا بالعفو، وأن يكلوا أمر نصرهم إلى الله تعالى". وقال الطبري: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُعْرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزئون به، ويكذبونه، فأمره الله عز وجل أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من المنسوخ".

      نَخْلُصُ على ضوء ما تقدم أن لفظ (غفر) بمشتقاته أكثر ما جاء في القرآن الكريم على معنى طلب المغفرة لأهل الذنوب والخطايا، وقد جاء على معان أُخَرَ؛ فجاء بمعنى ترك الشرك، وبمعنى الإيمان، وبمعنى الصلاة، وبمعنى الدعاء، وبمعنى الصفح والعفو. والله أجلُّ وأعلم.         لفظ (الناس) في القرآن الكريم

      الشبكة الإسلامية


      أصل مادة (الناس) (نوس) وهو أصل -كما في معجم مقاييس اللغة- يدل على اضطراب وتذبذب. وناس الشيء: تذبذب، ينوس. وقيل -كما ذكر الأصفهاني في مفردات القرآن- أن أصله (أُنَاس) فحذف فاؤه لما أُدخل عليه الألف واللام. وقيل غير ذلك. و(الناس) اسم للحيوان الآدمي. و(الناس) جمع لا واحد له من لفظه، ومفرده إنسان على المعنى. والجمع: ناس، وأناسي. والأناس لغة في الناس.
      قال ابن عباس رضى الله عنهما: نسي آدم عهد الله، فسُمِّيَ إنساناً، قال تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي}[طه:115].

      قال الأصفهاني: "الناس قد يُذكر ويراد به الفضلاء، دون من يتناوله اسم الناس تجوّزاً، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانيّة، وهو وجود العقل، والذِّكر، وسائر الأخلاق الحميدة، والمعاني المختصة به، فإن كل شيء عُدِمَ فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه كـ (اليد) فإنها إذا عُدمت فعلها الخاص بها فإطلاق (اليد) عليها كإطلاقها على يد السرير ورجله، فقوله: {آمنوا كما آمن الناس}[البقرة:13] أي: كما يفعل من وُجِد فيه معنى الإنسانية، ولم يقصد بالإنسان عيناً واحداً، بل قصد المعنى، وكذا قوله: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}[النساء:54] أي: من وُجِدَ فيه معنى الإنسانية، أيّ إنسان كان، وربما قُصد به النوع كما هو، وعلى هذا قوله: {أم يحسدون الناس}.

      ولفظ (الناس) ورد في القرآن في أربعين ومائتي موضع (240)، جاء في جميع مواضعه بهذا اللفظ فحسب، ولم يرد له في القرآن أي اشتقاق آخر.

      ولفظ (الناس) توارد في القرآن الكريم على عدة معان، نجملها وَفْق التالي:

      * (الناس) بمعنى جنس الإنسان وسائر الناس، ولفظ (الناس) أكثر ما جاء في القرآن وفق هذا المعنى، من ذلك قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم}[البقرة:21] وقوله سبحانه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}[النساء:1] وفول عز وجل: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض}[فاطر:3] ومثله كثير.

      * (الناس) بمعنى مشركي العرب، جاء على ذلك قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة}[البقرة:150] قال مجاهد: هم مشركو العرب. قال ابن عاشور: "وقد شاع في القرآن تغليب اسم (الناس) عليهم" يريد مشركي العرب.
      * (الناس) بمعنى المؤمنين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، جاء على ذلك قوله عز وجل: {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}[البقرة:13] قال ابن عباس رضي الله عنهما: وإذا قيل لهم: صدقوا كما صدق أصحاب محمد، قولوا: إنه نبي ورسول، وإن ما أنزل عليه حق، وصدقوا بالآخرة، وأنكم مبعوثون من بعد الموت، قالوا ما ذكرته الآية.

      * (الناس) بمعنى النبي صلى الله عليه وسلم، جاء على ذلك قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}[النساء:54] جاء في التفسير أن المراد النبي عليه الصلاة السلام.

      * (الناس) بمعنى قوم بعينهم، جاء على ذلك قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} فـ {الناس} الأُول هم قوم كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أُحد إلى حمراء الأسد. و{الناس} الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأُحد. فقوله: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} لفظ عام، والمعنى مخصوص؛ لأن الناس كلهم لم يخبروهم، ولم يجمعوا لهم أنصاراً.

      * (الناس) بمعنى بني إسرائيل خاصة، جاء على ذلك قوله عز وجل: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} [المائدة:116] يعني بني إسرائيل خاصة.

      * (الناس) بمعنى أهل مكة، جاء على ذلك قوله عز وجل: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس}[الإسراء:60] قال ابن عباس: (الناس) هنا أهل مكة، وإحاطته بهم إهلاكه إياهم، أي: إن الله سيهلكهم. ومثله قوله سبحانه في الآية نفسها: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} يعني أهل مكة.

      * (الناس) بمعنى أهل الكفر والشرك، جاء على ذلك قوله تعالى: {وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}[النمل:82] قال القرطبي: يعني الكفار.

      أما قوله تعالى فيما قصَّه علينا من قصة يوسف عليه السلام: {لعلي أرجع إلى الناس}[يوسف:46] أي: إلى الملك وأصحابه. ويحتمل أن يراد بـ {الناس} هنا الملك وحده؛ تعظيماً له.

      وحاصل ما تقدم أن لفظ (الناس) أكثر توارده في القرآن الكريم بمعنى عموم الناس وجنس الإنسان، وورد بدرجة تالية بمعنى مشركي العرب عموماً، وبمعنى المؤمنين الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إبَّان دعوته، وورد أيضاً بمعنى عموم الكفار، وبمعنى النبي صلى الله عليه وسلم، وبمعنى أهل مكة، وبمعنى بني إسرائيل خاصة، وليس ما يمنع أن يكون هذا اللفظ قد ورد على معانٍ أُخر لم نحط بها علماً.     لفظ (النفس) في القرآن الكريم

      الشبكة الإسلامية


      جاء في معجم "مقاييس اللغة" أن (النون، والفاء، والسين) أصل واحد، يدل على خروج النسيم كيف كان، من ريح أو غيرها، وإليه يرجع فروعه. منه التنفس: خروج النسيم من الجوف. ونَفَّس الله كربته، وذلك أن في خروج النسيم رَوْحاً وراحة. والنفس: كل شيء يفرج به عن مكروب. وفي الحديث: «لا تسبوا الريح، فإنها من نفس الرحمن» (رواه ابن ماجه وصححه الشيخ الألباني)، يعني أنها رَوْحٌ يُتَنَفْسُ به عن المكروبين.
      ويقال للعين: نَفْس، أصابته نَفْسٌ، أي: عين. والنفْس: الدم، وإنما سمي الدم نفساً؛ لأن النفس تخرج بخروجه. والحائض تسمى النفساء، لخروج دمها. وَالنَّفْسُ قِوَامُها بالنَّفَسِ. ونَفْسُ الشيء: عينه، يؤكَّد به، يقال: رأيت فلاناً نفسه، وجاءني فلان بنفسه. والتنافس: أن يبرز كل واحد من المتبارزين قوة نفسه. وتَنَفُّسُ النهار عبارةٌ عن توسُّعِه. قال تعالى: {والصبح إذا تنفس} [التكوير:18]. وجمع (النَّفْس) أنفس ونفوس.

      واختلفوا في النفس: هل هي الروح، أو هي غيرها؟ فقال كثير من الناس: إن الروح شيء غير النفس. وقال آخرون: بل هما شيء واحد. قال ابن اسحاق: النفس في كلام العرب يجري على ضربين: أحدهما: قولهم: خرجت نَفْسٌ فلان، أي: روحه، وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا، أي: في روحه·

      والضرب الآخر: فيه معنى جملة الشيء وحقيقته، تقول: قتل فلان نفسه، وأهلك نفسه: أوقع الهلاك بذاته. وقال ابن بري: النفس: الروح، والنفس ما يكون به التمييز؛ فالأولى هي التي تزول بزوال الحياة، والثانية هي التي تزول بزوال العقل. والعرب جعلوا النَّفْس التي يكون بها التمييز نفسين: نفس تأمر بالشيء، ونفس تنهى عنه، وذلك عند الإقدام على أمر مكروه، فجعلوا التي تأمر نفساً، والتي تنهى كأنها نفسٌ أخرى.

      ولفظ (النفس) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم في ثمانية وتسعين ومائتي (298) موضع، جاء في موضعين بصيغة الاسم؛ أولاهما: قوله سبحانه: {والصبح إذا تنفس} [التكوير:18]. ثانيهما: قوله عز وجل: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} [المطففين:26]. وجاء بصيغة الاسم في ستة وتسعين ومائتي (296) موضع بصيغة الاسم، منها قوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} [غافر:17].

      ولفظ (النفس) بمشتقاته ورد في القرآن الكريم على عدة معان، منها:

      - (النفس) يعني أهل الإيمان والشريعة وأخوَّة الدين، من ذلك قوله تعالى في حادثة الإفك: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور:12] قال ابن عرفة: "أي: بأهل الإيمان، وأهل شريعتهم"· ومن هذا القبيل قوله عز وجل: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} [آل عمران:164] قال ابن إسحاق: لقد منَّ الله عليكم، يا أهل الإيمان، إذ بعث فيكم رسولاً من أنفسكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم.
      وثمة من قال: إن المراد بالآية هنا العرب - كما قال الطبري - أي بعث في العرب نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم؛ فلا يفقهوا عنه ما يقول. ونحوه أيضاً قوله عز وجل: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [براءة:128]. ومن ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء:29] أي: ولا يقتل بعضكم بعضاً؛

      قال الطبري: "لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه...وكذلك تفعل العرب، تكني عن نفسها بأخواتها، وعن أخواتها بأنفسها". ومثل ذلك قوله عز وجل: {ولا تلمزوا أنفسكم} [الحجرات:11] فلامز أخيه كلامز نفسه؛ قال القرطبي: "وفي قوله: {أنفسكم} تنبيه على أن العاقل لا يعيب نفسه، فلا ينبغي أن يعيب غيره؛ لأنه كنفسه". ومن هذا القبيل قوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم} [النور:61] قال الطبري: "معناه: فإذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم على بعض". ومنه أيضاً قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور:12] قال القرطبي: "قال: {بأنفسهم} لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة؛ لأنهم أهل ملة واحدة".

      - (النفس) يعبر عنها عن الإنسان، من ذلك قوله سبحانه: {واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة} [البقرة:48] أي: لا يغني إنسان عن إنسان يوم القيامة، فكل إنسان منوط بعمله وبما قدمت يداه، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر. ونحوه أيضاً قوله عز وجل: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة:45] أي: الإنسان بالإنسان. وعلى هذا المعنى قوله عز من قائل: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة:32] أي: من قتل إنساناً بغير وجه حق، فكأنما قتل الناس جميعاً. ووَفْق هذا المعنى قوله تعالى: {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر:56].

      - (النفس) تطلق على آدم عليه السلام، ومنه قوله تعالى: {الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء:1] قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام. وقال سبحانه: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} [الأنعام:98].

      - (النفس) بمعنى الروح، من ذلك قوله تعالى: {والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} [الأنعام:93] قال البغوي: "أي: أرواحكم كَرهاً؛ لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها". ومنه أيضاً قوله سبحانه: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر:42]. روى الطبري عن سعيد بن جبير، قال: يُجمع بين أرواح الأحياء، وأرواح الأموات، فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها.

      - (النفس) تطلق على ذات الله تعالى، قال سبحانه: {ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [آل عمران:28] وقال عز وجل: {ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} [آل عمران:30] أي: يحذركم إياه، فالمراد بها ذاته المتصفة بصفاته جل وعلا.
      - (النفس) بمعنى البعض، منه قوله تعالى: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} [البقرة:85] أي: يقتل بعضكم بعضاً. ومنه أيضاً قوله عز وجل في قوم موسى عليه السلام: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة:54] قال القرطبي: "قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا".

      - (النفس) بمعنى نفس الإنسان ذاته، جاء على هذا المعنى قوله عز وجل: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم} [النساء:66] المعنى: ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك، ما فعلوا ما أمرناهم به.

      - (النفس) بمعنى القلب، من ذلك قوله عز وجل: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} [ق:16] قال البغوي: "نعلم ما يحدِّث به قلبه، ولا يخفى علينا سرائره وضمائره". ومنه قوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم:23].

      - وتأتي (النفس) بمعنى (العندية) قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة:116] قال القرطبي: معناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي، ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك.

      وقد تحصل مما تقدم، أن لفظ (النفس) بمشتقاته أكثر ما جاء في القرآن بمعنى أهل الإيمان وأُخوَّة الدين، وجاء بدرجة تالية بمعنى الإنسان عموماً، وجاء بدرجة أقل بمعنى آدم عليه السلام، وبمعنى الروح، وبمعنى ذات الله تعالى، وبمعنى الإنسان ذاته، وبمعنى القلب، وبمعنى العندية.        
    • (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) ٢٣ -الإسراء تفسير الشعراوي   بعد أنْ وجَّهنا الله تعالى إلى القضية العقدية الكبرى: (لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً} [الإسراء: 22].أراد سبحانه أنْ يُبيّن لنا أن العقيدة والإيمان لا يكتملان إلا بالعمل، فلا يكفي أن تعرف الله وتتوجّه إليه، بل لا بُدَّ أنْ تنظر فيما فرضه عليك، وفيما كلّفك به؛ لذلك كثيراً ما نجد في آيات الكتاب الكريم الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: { وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ } [العصر: 1-3]. لأن فائدة الإيمان وثمرته العمل الصالح، وما دُمْتَ ستسلك هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل الباطل والفساد والضلال، فإنهم لن يدعُوك ولن يُسالموك، ولا بُدَّ أن تُسلِّح نفسك بالحق والقوة والصبر، لتستطيع مواجهة هؤلاء.
      ودليل آخر على أن الدين ليس الإيمان القوليّ فقط، أن كفار مكة لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، فلو كانت المسألة مسألةَ الإيمان بإله واحد وتنتهي القضية لَكانوا قالوا وشهدوا بها، إنما هم يعرفون تماماً أن للإيمان مطلوباً، ووراءه مسئولية عملية، وأن من مقتضى الإيمان بالله أن تعمل بمراده وتأخذ بمنهجه.
      ومن هنا رفضوا الإيمان بإله واحد، ورفضوا الانقياد لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليُبلِغهم مراد الله تعالى، وينقل إليهم منهجه، فمنهج الله لا ينزل إلا على رسول يحمله ويُبلّغه للناس، كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } [الشورى: 51].
      وها هي أول الأحكام في منهج الله: { وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. } [الإسراء: 23].
      وقد آثر الحق سبحانه الخطاب بـ { رَبُّكَ } على لفظ (الله)؛ لأن الربَّ هو الذي خلقك وربَّاك، ووالى عليك بنعمه، فهذا اللفظ أَدْعَى للسمع والطاعة، حيث يجب أن يخجل الإنسان من عصيان المنعِم عليه وصاحب الفضل.
        { وَقَضَىٰ رَبُّكَ .. } [الإسراء: 23].
      الخطاب هنا مُوجّه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في التربية والأدب، وهي تربية حَقّة؛ لأن الله تعالى هو الذي ربَّاه، وأدَّبه أحسن تأديب.
      وفي الحديث الشريف: "أدّبني ربي فأحسن تأديبي" .
      قضى: معناها: حكم؛ لأن القاضي هو الذي يحكم، ومعناها أيضاً: أمر، وهي هنا جامعة للمعنييْن، فقد أمر الله ألاَّ تعبدوا إلا إيّاه أمراً مؤكداً، كأنه قضاء وحكم لازم.
      وقد تأتي قضى بمعنى: خلق. كما في قوله تعالى: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ .. } [فصلت: 12].
      وتأتي بمعنى: بلغ مراده من الشيء، كما في قوله تعالى: { فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا .. } [الأحزاب: 37].
      وقد تدل على انتهاء المدة كما في: { فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ .. } [القصص: 29].
      وتأتي بمعنى: أراد كما في: { فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ } [غافر: 68].
      إذن: قضى لها معانٍ مُتعدّدة، لكن تجتمع كلها لتدل على الشيء اللازم المؤكّد الذي لا نقصَ فيه.
      وقوله: { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. } [الإسراء: 23].
      العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ونهيه، فتنصاع له تنفيذاً للأمر، واجتناباً للنهي، فإنْ ترك لك شيئاً لا أمرَ فيه ولا نهيَ فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك: تفعل أو لا تفعل.
      لذلك، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارةً من الصحراء، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها، وتكسرت منهم فعالجوها، ووقعت فأقاموها، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكراً حماقة هؤلاء الذين يعبدونها: أَرَبٌّ يبــولُ الثَّعلَـبانُ برأْسِهِلَقدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَليْه الثَّعَالِبُ فإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا: إنها لا تضر ولا تنفع، وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زُلْفى، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب نهي. فبأيّ شيء أمرتكم الأصنام؟ وعن أيّ شيء نهتْكُمْ؟! إذن: كلامُكم كذب في كذب.
        وفي قوله تعالى: { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. } [الإسراء: 23].
      أسلوب يسمونه أسلوب قَصْر، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله وحده، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية: وقضى ربك أن تعبدوه .. فلقائل أن يقول: ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يُغْلَق، كما لو قُلْت: ضربتُ فلاناً وفلاناً وفلاناً .. هكذا باستخدام العطف. إنما لو قلت، ما ضربت إلا فلاناً فقد أغلقتَ باب العطف.
      إذن: جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول: اقصروا العبادة عليه سبحانه، وانفوها عن غيره.
        ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته: {بٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً . } [الإسراء: 23].
      وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، قال تعالى: { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً .. } [النساء: 36].
      وقال: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً .. } [الأنعام: 151].
      وقال: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً .. } [العنكبوت: 8].
      لكن، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية، أم نقرب الثانية بالأولى؟
      نقول: لا مانع أن يكون الأمران معاً؛ لأن الله تعالى غَيْب، والإيمان به يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسيّ، فهما سِرُّ وجوده المباشر، وهما رَبَّياه ووفَّرا له كل متطلبات حياته، وهما مصدر العطف والحنان.
      إذن: التربية والرعاية في الوالدين مُحسَّة، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمْر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مُربّيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما، أما بما أوجده الله سبحانه؟
      إذن: لا بد أن يلتحم حَقُّ الله بحقِّ الوالدين، وأن نأخذ أحدهما دليلاً على الآخر.
        ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ .. } [الإسراء: 23].
      يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً: لا تسيئوا للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا؟
      قالوا: لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقليّ، وقولك: لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مَظنَّة الإساءة، وهذا غير وارد في حَقَّهما، وغير مُتصوَّر منهما، وأنت إذا نفيتَ شيئاً عن مَنْ لا يصح أن ينفي عنه فقد ذَمَمتْه، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع، تنفي عنه شرب الخمر مثلاً فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟
      لأنك ما قلتَ: إن فلاناً لا يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظنّ فيه ذلك. ومن هنا قالوا: نَفْي العيب عَمَّنْ لا يستحق العيب عَيْب.
      إذن: لم يذكر الإساءة هنا؛ لأنها لا تَرِد على البال، ولا تُتصوّر من المولود لوالديه.
      وبعد ذلك، ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فلا تنسَ أن فضل الله عليك أعظم؛ لأن والديك قد يَلِدانِك ويُسْلِمانك إلى الغير، أما ربك فلن يُسلمك إلى أحد.
        وقوله تعالى: { إِحْسَاناً .. } [الإسراء: 23].
      كأنه قال: أحْسِنوا إليهم إحساناً، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد.
      وقوله تعالى: { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [الإسراء: 23].
      الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين، مرة تأتي الوصية على إطلاقها، كما قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً .. } [الأحقاف: 14].
      ومرّة يُعلِّل لهذه الوصية، فيقول: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ .. } [لقمان: 14].
        والذي يتأمل الآيتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر العِلّة في بِرِّ الوالدين، والحيثيات التي استوجبت هذا البِرّ، لكنها خاصة بالأم، ولم تتحدث أبداً عن فضل الأب، فقال: { { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً .. } [الأحقاف: 15].
      وقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ .. } [لقمان: 14].
      فأين دَوْر الأب؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية الأبناء؟
      المتتبع لآيات بر الوالدين يجد حيثية مُجْملة ذكرت دور الأب والأم معاً في قوله تعالى: { كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .. } [الإسراء: 24].
      لكن قبل أن يُربّي الأب، وقبل أن يبدأ دوره كان للأم الدور الأكبر؛ لذلك حينما تخاصم الأب والأم لدى القاضي على ولد لهما، قالت الأم: لقد حمله خِفّاً وحملتُه ثقلاً، ووضعه شهوة ووضعتُه كرهاً.
      لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم؛ لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج؛ ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها، فكأنه سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذكّرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نُحِسّ به.
      وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن، فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج إليه، وكلما طلب شيئاً قالوا: حينما يأتي أبوك، فدَوْر الأب - إذن - معلوم لا يحتاج إلى بيان.
        والآية هنا أوصتْ بالوالدين في حال الكِبَر، فلماذا خَصَّتْ هذه الحال دون غيرها؟
      قالوا: لأن الوالدين حال شبابهما وقُوتهما ليسا مظنّة الإهانة والإهمال، ولا مجال للتأفف والتضجُّر منهما، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة، بل العكس هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء، ويتمنون رضاهما، لينالوا من خيرهما.
      لكن حالة الكِبَر، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة والحاجة والضعف، فبعد أنْ كان مُعْطياً أصبح آخذاً، وبعد أنْ كان عائلاً أصبح عالة.
      لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم، وكان على المنبر، فسمعه الصحابة يقول: آمين. ثم سكت برهة. وقال: آمين وسكت. ثم قال: آمين. فلما نزل قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ثلاثاً. فقال:
      "جاءني جبريل فقال: رغم أنف مَنْ ذُكِرْتَ عنده ولم يُصَلّ عليك، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنفس مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قل: آمين. فقلت: آمين، ورغم أنف مَنْ أدرك والديه - أو أحدهما - فلم يدخل بهما الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين"
        فخصَّ الحق سبحانه حال الكِبَر، لأنه حال الحاجة وحال الضعف؛ لذلك قال أحد الفلاسفة: خَيْر الزواج مبكره، فلما سُئِل قال: لأنه الطريق الوحيد لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، وشبَّه الشيخوخة بالطفولة لأن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام.
      وصدق الحق سبحانه حين قال: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً .. } [الروم: 54].
      فَمنْ تزوّج مبكراً فسوف يكون له من أولاده مَنْ يُعينه ويساعده حال كِبَره.
        والمتأمل في قوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ .. } [الإسراء: 23].
      لم تَأتِ صِفَة الكِبَر على إطلاقها، بل قيّدها بقوله: { عِندَكَ } فالمعنى: ليس لهما أحد غَيرك يرعاهما، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة، وما دام لم يَعُدْ لهما غيرك فلتكُنْ على مستوى المسئولية، ولا تتنصَّل منها؛ لأنك أََوْلى الناس بها.
      ويمتد البِرُّ بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما، وإنجاز ما أحدثاه من عهد، ولم يتمكّنا من الوفاء به، وكذلك أن نصِلَ الرحم التي لا تُوصَل إلا بهما من قرابة الأب والأم، ونَصِلَ كذلك أصدقاءهما وأحبابهما ونُودَّهم.
      وقد كان صلى الله عليه وسلم يودّ صاحبات السيدة خديجة - رضي الله عنها - وكان يستقبلهن ويكرمهن.
      وانظر إلى سُمُوِّ هذا الخلق الإسلامي، حينما يُعدِّي هذه المعاملة حتى إلى الكفار، فقد جاءت السيدة أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله في أمها التي أتتْها. وأظهرت حاجة مع أنها كافرة، فقال لها: "صِلِيِ أمك" .
      بل وأكثر من ذلك، إنْ كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان الابن إلى الكفر، ويجاهدانه عليه، ومع هذا كله يقول الحق سبحانه: { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً .. } [لقمان: 15].
      فهذه ارتقاءات ببرّ الوالدين تُوضّح عظمة هذا الدين ورحمة الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال كفرهما ولَدَدهما في الكفر.
        ويُرْوَى أن خليل الله إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف بليل، وأراد أن ينزل في ضيافته، فسأله إبراهيم - عليه السلام - عن دينه فقال: مجوسي فأعرض عنه وتركه يذهب. فََسرْعان ما أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم مُعاتباً إياه في أمر هذا الضيف: يا إبراهيم لقد وَسعْتُه في مكي أعواماً عديدة، أطعمه وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي، وأنت تُعرض عنه وتريد أنْ تُغيّر دينه من أجل ليلة يبيتها عندك، فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به، وحكى له ما حدث، فقال الرجل. نِعْم الرب ربٌّ يعاتب أحبابه في أعدائه، وشهد أن لا إله إلا الله، وأنَ إبراهيم رسول الله.
      وقد رأى المستشرقون لِضيق أُفُقهم وقِلّة فقْههم لأسلوب القرآن الكريم، رَأَوْا تناقضاً بين قوله تعالى: { وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً .. } [لقمان: 15].
      وبين قوله تعالى: { لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ .. } [المجادلة: 22].
      فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف لهما، في حين ينهى عن مودّة مَنْ حَادّ الله ورسوله؟
      ولو فَهِم هؤلاء مُعْطيات الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الودّ؛ لأن المعروف يصنعه الإنسان مع مَنْ يحب، ومع مَنْ يكره، مع المؤمن ومع الكافر، تُطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، وتستره إنْ كان عرياناً، أما المودة فلا تكون إلا لمَنْ تحب؛ لأنها عمل قلبيّ.
        وقوله تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [الإسراء: 23]
      وهذا توجيه وأدب إلهيّ يُراعي الحالة النفسية للوالدين حال كِبَرهما، وينصح الأبناء أن يكونوا على قدر من الذكاء والفطْنة والأدب والرِّفْق في التعامل مع الوالدين في مثل هذه السن.
      الوالد بعد أَنْ كان يعطيك وينفق عليك أصبح الآن مُحتاجاً إليك، بعد أنْ كان قوياً قادراً على السعي والعمل أصبح الآن قعيدَ البيت أو طريحَ الفراش، إذن: هو في وَضْع يحتاج إلى يقظة ولباقة وسياسة عالية، حتى لا نجرح مشاعره وهي مُرْهفة في هذا الحال.
      وتأمل قول الله تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ .. } [الإسراء: 23].
      وهي لفظة بسيطة أقلّ ما يقال، وهذه لفظة قَسْرية تخرج من صاحبها قهراً دون أن تمر على العقل والتفكير، وكثيراً ما نقولها عند الضيق والتبرُّم من شيء، فالحق سبحانه يمنعك من هذا التعبير القَسْري، وليس الأمر الاختياري.
      و{ أُفٍّ } اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وهذه الكلمة تدل على انفعال طبيعي، ولكن الحق سبحانه يُحذِّرك منه، ويأمرك بأن تتمالكَ مشاعرك، وتتحكّم في عواطفك، ولا تنطق بهذه اللفظة.
      ومعلوم أنه سبحانه إذا نهاني عن هذه فقد نهاني عن غيرها من باب أَوْلى، وما دامتْ هي أقلّ لفظة يمكن أنْ تُقال. إذن: نهاني عن القول وعن الفعل أيضاً.
      ثم أكّد هذا التوجيه بقوله: { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا .. } [الإسراء: 23].
      والنهر هو الزَّجْر بقسوة، وهو انفعال تَالٍ للتضجُّر وأشدّ منه قسوة، وكثيراً ما نرى مثل هذه المواقف في الحياة، فلو تصوَّرنا الابن يعطي والده كوباً من الشاي مثلاً فارتعشت يده فأوقع الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة، وسريعاً ما يتأفّف الابن لما حدث لسجادته، ثم يقول للوالد من عبارات التأنيب ما يؤلمه ويجرح مشاعره.
        إذن: كُنْ على حذر من التأفف، ومن أن تنهر والديك، كُنْ على حذر من هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان دون فِكْر، ودون تعقّل.
      ثم بعد هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق: { وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [الإسراء: 23].
      وفي هذا المقام تُرْوَى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه، فأخذ الولد يلعق الطعام الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده: أطعمك الله كما أطعمتني، فحوّل الإساءة إلى جميل يُحمَد عليه.
      والآخر الذي ذهب يتمرّغ تحت أقدام أمه، فقال له: كفى يا بني، فقال: إنْ كنتِ تُحبِّينني حقاً فلا تمنعيني من عمل يُدخِلني الجنة.
      والقول الكريم هنا نوع من التصرُّف واللباقة في معاملة الوالدين، خاصة حال الشيخوخة التي قد تُقعِد صاحبها، أو المرض الذي يحتاج إلى مساعدة الغير، والأولاد هم أَوْلَى الناس بإعالة الوالدين في هذه الظروف، حيث سيبدو من الإنسان مَا لا يصح الاطلاع عليه إلا لأولاده وأقرب الناس إليه.
      وهَبْ أن الوالد المريض أو الذي بلغ من الكِبَر عتياً يريد أنْ يقضي حاجته، ويحتاج لمن يحمله ويُقعِده ويُريحه، وينبغي هنا أن يقول الابن لأبيه: هَوِّن عليك يا والدي، وأعطني فرصة أردّ لك بعض جميلك عليّ، فلكَمْ فعلتَ معي أكثر من هذا.
      وهو مع ذلك يكون مُحبّاً لوالده، رفيقاً به، حانياً عليه لا يتبرّم به، ولا يتضجر منه، هذا هو القول الكريم الذي ينتقيه الأبناء في المواقف المختلفة.
        فمثلاً: قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أنْ يكسر شيئاً من لوازم البيت، فتقول له في هذا الموقف: فِدَاك يا والدي، أو تقول: لا عليك لقد كنت أفكر في شراء واحدة أحدث منها. أو غيره من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما، ولا يجرح شعورهما.
      وكثيراً ما يأتي المرض مع كِبَر السن، فترى الوالد طريحَ الفراش أو مشلولاً - عافانا الله وإياكم - لذلك فهو في أمسِّ الحاجة لمن يُخفّف عنه ويُواسيه، ويفتح له باب الأمل في الشفاء ويُذكّره أن فلاناً كان مثله وشفاه الله، وفلاناً كان مثله وأخذ الله بيده، وهو الآن بخير، وهكذا.
      ومع هذا، كُنْ على ذِكْر لفضل الوالدين عليك، ولا تَنْسَ ما كان عندهما حال طفولتك من عاطفة الحب لك والحنان عليك، وأن الله تعالى جعل هذه العاطفة الأبوية تقوى مع ضعفك، وتزيد مع مرضك وحاجتك، فترى الابن الفقير محبوباً عن أخيه الغني، والمريض أو صاحب العاهة محبوباً عن الصحيح، والغائب محبوباً عن الحاضر، والصغير محبوباً عن الكبير، وهكذا على قَدْر حاجة المربَّي يكون حنان المربِّي.
      إذن: نستطيع أن نأخذَ من هذا إشارة دقيقة يجب ألاَّ نغفل عنها، وهي: إنْ كان بر الوالدين واجباً عليك في حال القوة والشباب والقدرة، فهو أوجب حالَ كبرهما وعجزهما، أو حال مرضهما.       (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً )٢٤-الإسراء { وَٱخْفِضْ }: الخفْض ضد الرّفْع.
      { جَنَاحَ ٱلذُّلِّ }: الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويُرفْرِف به، إنْ أراد أن يطير، ويخفضه إنْ أراد أن يحنوَ على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم.
      وهذه صورة مُحسَّة لنا، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم، ونخفض لهم الجناح، كنايةً عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما مُتعالياً على غيره.
        وكثيراً ما يُعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ويزقّهم الغذاء يرى عجباً، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أنْ يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان بهذه المهمة، ثم يناولانهم غذاءهم جاهزاً يسهل بَلْعه، وإنْ تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراقصون فرحة وسعادة.
        إذن: قوله تعالى: { جَنَاحَ ٱلذُّلِّ .. } [الإسراء: 24].
      كناية عن الخضوع والتواضع، والذُّل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، يقول تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ .. } [المائدة: 54].
      فلو كانت الذلّة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل { أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ .. } [المائدة: 54].
      أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم.
      وفي آية أخرى يقول تعالى: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ .. } [الفتح: 29].
      لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيماً على الإطلاق ولا شديداً على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكِّنه أن يتكيف تبعاً للمواقف التي يمر بها، فإنْ كان على الكافر كان عزيزاً، وإنْ كان على المؤمن كان ذليلاً متواضعاً.
        ونرى وضوحَ هذه القضية في سيرة الصِّديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عُرِف عن الصِّديق اللين ورِقَّة القلب والرحمة، وعُرِف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر كثيراً ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: "إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه".
      وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان مِنْ رأي عمر ألاّ يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى الصديق محاربتهم والأخْذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ويُذعنوا لأمر الله تعالى فقال: "والله، لو منعوني عقالاً كانوا يُؤدُّونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يَبْق إلا الزرع".
        وقد جاء هذا الموقف من الصِّديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئاً طبيعياً يُنْسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصِّديق - رضي الله عنه - ليعرف الجميع أن الأمر ليس للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه.
      وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر، وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على طابع اللين السائد في أخلاقه.
        فيقول تعالى: { وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ .. } [الإسراء: 24].
      إذن: الذلَّة هنا ذِلَّة تواضع ورحمة بالوالدين، ولكن رحمتك أنت لا تكفي، فعليك أن تطلب لهما الرحمة الكبرى من الله تعالى: { وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .. } [الإسراء: 24].
      لأن رحمتك بهما لا تَفِيِ بما قدّموه لك، ولا ترد لهما الجميل، وليس البادىء كالمكافىء، فهم أحسنوا إليك بداية وأنت أحسنتَ إليهما ردّاً؛ لذلك ادْعُ الله أنْ يرحمهما، وأنْ يتكفل سبحانه عنك برد الجميل، وأن يرحمهما رحمة تكافىء إحسانهما إليك.
      وقوله تعالى: { كَمَا رَبَّيَانِي .. } [الإسراء: 24].
      كما: قد تفيد التشبيه، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيراً. أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيراً، كما قال تعالى: { وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ .. } [البقرة: 198].
        و { رَبَّيَانِي } هذه الكلمة أدخلت كل مُربٍّ للإنسان في هذا الحكم، وإنْ لم يكُنْ من الوالدين، لأن الولد قد يُربّيه غير والديه لأيِّ ظرف من الظروف، والحكم يدور مع العلة وجوداً وعَدماً، فإنْ ربّاك غير والديك فلهما ما للوالدين من البرِّ والإحسان وحُسْن المعاملة والدعاء.
      وهذه بشرى لمن رَبَّى غير ولده، ولا سيما إنْ كان المربَّى يتيماً، أو في حكم اليتيم.
      وفي: { رَبَّيَانِي صَغِيراً } [الإسراء: 24] اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد.
      وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن لأبويه مع معاملته لربه عز وجل،   التفاسير العظيمة  
    • (ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً)٢١-الإسراء الحق تبارك وتعالى أعطانا قضايا إيمانية نظرية، ويريد مِنّا أنْ ننظر في الطبيعة والكون، وسوف نجد فيه صِدْق ما قال.
      يقول تعالى: { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ .. } [الإسراء: 21].
        والمتأمل يجد أن الله تعالى جعل التفضيل هنا عامّاً، فلم يُبيّن مَن المفضَّل ومَنِ المفضّل عليه، فلم يقُلْ: فضلت الأغنياء على الفقراء، أو: فضلت الأصحاء على المرضى.
      إذن: فما دام في القضية عموم في التفضيل، فكلُّ بعض مُفضَّل في جهة، ومُفضّل عليه في جهة أخرى، لكن الناس ينظرون إلى جهة واحدة في التفضيل، فيفضلون هذا لأنه غني، وهذا لأنه صاحب منصب .. الخ.
      وهذه نظرة خاطئة فيجب أن ننظر للإنسان من كُلِّ زوايا الحياة وجوانبها؛ لأن الحق سبحانه لا يريدنا نماذج مكررة، ونُسَخاً مُعَادة، بل يُريدنا أُنَاساً متكاملين في حركة الحياة، ولو أن الواحد مِنّا أصبح مَجْمعاً للمواهب ما احتاج فينا أحدٌ لأحد، ولتقطعت بيننا العَلاقات.
      فمن رحمة الله أن جعلك مُفضَّلاً في خَصْلة، وجعل غيرك مُفضَّلاً في خصال كثيرة، فأنت محتاج لغيرك فيما فُضِّل فيه، وهم محتاجون إليك فيما فُضِّلْتَ فيه، ومن هنا يحدث التكامل في المجتمع، وتسلَمْ للناس حركة الحياة.
        ونستطيع أن نخرج من هذه النظرة بقضية فلسفية تقول: إن مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فإنْ زِدْتَ عني في المال فربما أزيد عنك في الصحة، وهكذا تكون المحصّلة النهائية متساوية عند جميع الناس في مواهب الدنيا، ويكون التفاضل الحقيقي بينهم بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [الحجرات: 13].
      لذلك يجب على المسلم أن يلتزمَ أدب الإسلام في حِفْظ مكانة الآخرين، فمهما كنت مُفضَّلاً فلا تحتقر غيرك، واعلم أن لهم أيضاً ما يفضلون به، وسوف يأتي اليوم الذي تحتاج إليهم فيه.
        وقد ضربنا لذلك مثلاً بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتُحوِجه لسباك أو عامل بسيط ليؤدي له عملاً لا يستطيع هو القيام به، فالعامل البسيط في هذا الموقف مُفضّل على هذا العظيم الوجيه. ولك أنْ تتصورَ الحال مثلاً إذا أضرب الكناسون عدة أيام عن العمل. إذن: مهما كان الإنسان بسيطاً، ومهما كان مغموراً فإن له مهمة يفضّل بها عن غيره من الناس.
        خُذ الخياط مثلاً، وهو صاحب حرفة متواضعة بين الناس، ولا يكاد يُجيد عملاً إلا أن يخيطَ للناس ثيابهم، فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات، الجميع يقبلون عليه، ويتمنون أن يتكرم عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب أولادهم.
        وبهذا نستطيع أن نفهم قَوْل الحق تبارك وتعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } [الزخرف: 32].
      فكل منا مُسخَّر لخدمة الآخرين فيما فُضِّل فيه، وفيما نبغ فيه.
      وصدق الشاعر حين قال: النَّاسُ لِلناسِ مِـنْ بَدْوٍ ومِنْ حَضَــرٍبَعْضٌ لبعْضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ إذن: في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا الإنسان المختلفة؛ لأن الجميع أمام الله سواء، ليس مِنّا مَن هو ابن الله، وليس مِنّا مَنْ بينه وبين الله نسَبٌ أو قرابة، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عز وجل، فالجميع أمام عطائه سواء، لا يوجد أحد أَوْلَى من أحد.
        فالعاقل حين ينظر في الحياة لا ينظر إلى تميُّزه عن غيره كموهبة، بل يأخذ في اعتباره مواهب الآخرين، وأنه محتاج إليها، وبذلك يندكّ غروره، ويعرف مدى حاجته لغيره. وكما أنه نابغ في مجال من المجالات، فغيره نابغ في مجال آخر؛ لأن النبوغ يأتي إذا صادف العمل الموهبة، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة احتقارٍ، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة.
        وقوله تعالى: { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً .. } [الإسراء: 21].
      فإنْ كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائماً على الأسباب المخلوقة لله تعالى، فإن الأمر يختلف في الآخرة؛ لأنها لا تقوم بالأسباب، بل بالمسبب سبحانه، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها.
        ولو تأملتَ حالك في الدنيا، وقارنتَه بالآخرة لوجدتَ الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً، فعمرك في الدنيا موقوت، وسينتهي إلى الموت؛ لأن عمرك في الدنيا مدة بقائك فيها، فإنْ بقيْت من بعدك فهي لغيرك، وكذلك ما فُضِّلْتَ به من نعيم الدنيا عُرْضَة للزوال، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان.
      فالغنيّ قد يصير فقيراً، والصحيح سقيماً، كما أن نعيم الدنيا على قَدْر إمكانياتك وتفاعلك مع الأسباب، فالدنيا وما فيها من نعيم غير مُتيقّنة وغير موثوق بها.
      وهَبْ أنك تنعَّمْتَ في الدنيا بأعلى درجات النعيم، فإن نعيمك هذا يُنغِّصه أمران: إما أن تفوت هذا النعيم بالموت، وإما أنْ يفوتَك هو بما تتعرّض له من أغيار الحياة.
        أما الآخرة فعمرك فيها مُمتدّ لا ينتهي، والنعمة فيها دائمة لا تزول، وهي نعمة لا حدودَ لها؛ لأنها على قَدْر إمكانيات المنعِم عز وجل، في دار خلود لا يعتريها الفناء، وهي مُتيقنة موثوق بها.
      فأيهما أفضل إذن   ؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى التفكُّر والتعقُّل:
      { ٱنظُرْ } أيَّ الصفقتين الرابحة، فتاجر فيها ولا ترضى بها بديلاً.
      إذن: فالآخرة أعظم وأكبر، ولا وجهَ للمقارنة بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. وأذكر أننا سافرنا مرة إلى (سان فرانسيسكو) فأدخلونا أحد الفنادق، لا للإقامة فيه، ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة وجمال ومظاهر الرقي والرفاهية.
        وفعلاً كان هذا الفندق آية من آيات الإبداع والجمال، فرأيتُ رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين به، مأخوذين بروعته، فقلت لهم عبارة واحدة: هذا ما أعد البشر للبشر، فكيف بما أعدّه ربُّ البشر للبشر؟
      فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أنْ تثير فينا الشوق لنعيم دائم في الجنة؛ لا أنْ يثير فينا الحقد والحسد، يجب أن نأخذ من مظاهر الترف والنعيم عند الآخرين وسيلة للإيمان بالله، وأن نُصعِّد هذا الإيمان بالفكر المستقيم، فإنْ كان ما نراه من ترف وتقدم ورُقيّ وعمارة في الدنيا من صُنْع مهندس أو عامل، فكيف الحال إنْ كان الصانع هو الخالق سبحانه وتعالى؟
        ويجب ألاًّ نغفلَ الفرْق بين نعيم الدنيا الذي أعدّه البشر ونعيم الآخرة الذي أعدّه الله تعالى، فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلاً، وتضغط على زر آخر فيأتي لك منه القهوة.
      وهذه آلة تستجيب لك إنْ تفاعلتَ معها، لكن مهما ارتقى هؤلاء، ومهما تقدَّمت صناعتهم فلن يصلوا إلى أنْ يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على بالك؛ لأن هذا من نعيم الجنة الذي أعده الخالق سبحانه لعباده الصالحين.
      إذن: فما دام كذلك، وسلَّمنا بأن الآخرة أفضل وأعظم، فما عليك إلاَّ أنْ تبادر وتأخذ الطريق القويم، وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه، وهو الاستقامة على منهج الله الواحد والالتزام به.   التفاسير العظيمة    
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181972
    • إجمالي المشاركات
      2535203
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93143
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    أأم محمد
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏ أخبروهم بالسلاح الخفي القوي الذي لا يُهزم صاحبه ولا يضام خاطره، عدته ومكانه القلب، وجنوده اليقين وحسن الظن بالله، وشهوده وعده حق وقوله حق وهذا أكبر النصر، من صاحب الدعاء ولزم باب العظيم رب العالمين، جبر خاطره في الحين، وأراه الله التمكين، ربنا اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات وارحم المستضعفات في فلسطين وفي كل مكان ..

×