اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 56710
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109825
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180367
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56691
      مشاركات
    4. 259972
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23497
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8163
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32129
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4159
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25483
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30242
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52893
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19524
      مشاركات
    4. 6677
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47548
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21003
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97004
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36830
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31797
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4883
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16433
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15474
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29720
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31145
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12927
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41313
      مشاركات
    2. 33880
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91725
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32197
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34856
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65592
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6119
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. IslamWay Sisters

    1. English forums   (35814 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  14. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • نقف اليوم مع آفةٍ من آفات المجتمع، هذه الآفة ابتُلي بها الكثير من الناس اليوم، هذه الآفة لخطورتها تُسقِط صاحبَها من عين الله عز وجل، هذه الآفة تُؤدِّي إلى ضياع الحسنات والأجور التي تَعِبَ العبد في تحصيلها؛ بل تؤدِّي بصاحبها إلى سوء الخاتمة والفضيحة يوم القيامة، هذه الآفة قال عنها العلماء بأنها أصل الانتكاسات، فكم من إنسان كان ملتزمًا بطاعة الله، وفجأة تغيَّر حاله وترك طاعة الله، والسبب هي هذه الآفة، فيا ترى ما هي هذه الآفة الخطيرة؟!   هذه الآفة هي (ذنوب الخلوات)، ذنوب الخلوات هي المعاصي التي يرتكبها المرء في حال غيبته عن عيون النَّاس واختلائه بنفسه.   يقول الرجل العابد الزاهد بِلَالُ بْنُ سعد رحمه الله وهو يُحدِّثنا عن هذه الآفة: "لَا تَكُنْ وَلِيًّا للَّه فِي العلانية وعدوَّه في السِّرِّ، ولا تكن عدوَّ إبليس والنفس والشهوات في العلانية وصديقهم فِي السِّرِّ "[1].   والله إنها لنصيحة عظيمة، هذا الرجل الصالح أراد من خلال نصيحته هذه أن يقول: هناك من الناس من يُظهِر لك الخشوع والتقوى والتديُّن، يُصلِّي في المسجد، ويقرأ القرآن، ويذهب إلى العمرة، ويتصدَّق، تراه لا ينظر إلى الحرام، ولا يستمع إلى الحرام، ولا يتكلَّم بالحرام، ولا ينشر الحرام، فأمام الناس كأنَّه وليٌّ من أولياء الله تعالى؛ لكنَّه إذا جلس في بيته واختلى بنفسه قصَّر في صلاته، تجرَّأ على معصية الله، فتراه ينظر إلى الحرام، ويستمع إلى الحرام، وتكلَّم بالحرام، ويتعامل بالحرام.   أمام الناس أخلاقه عالية، يتعامل مع الناس بأخلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكنه عندما يدخل بيته، ويكون بعيدًا عن عيون الناس يتعامل مع زوجته وأولاده بأخلاق أبي جهل.   إذا وقف أمام الناس أظهر أنه عدوٌّ للشيطان؛ ولكنه إذا كان بعيدًا عن عيون الناس كان صديقًا للشيطان ومطيعًا له، إذا كان أمام الناس أظهر أنه ناصح وأمين، ولا يأكل الحرام، ولا يأكل حقَّ الناس؛ ولكنه إذا غابت عنه عيون الناس وسنحت له الفرصة أن يأخذ أموالًا مُحرَّمة أخذها وخان الأمانة؛ فهذا الرجل الصالح يُحذِّرنا من ذنوب الخلوات فيقول: ((لا تكُنْ وليًّا من أولياء الله أمام الناس، عدوًّا لله في خلواتك))، قال تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]، وقال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، هل تدري أخي المسلم ما معنى أن الله يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور؟!   اسمع إلى سيدنا ابن عباس رضي الله عنه وهو يُفسِّر لنا هذه الآية فيقول: معنى قوله: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ هُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ – سواء كان بيت جاره أو صديقه أو أحد أقاربه- وَفِيهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، أَوْ تَمُرُّ بِهِ وَبِهِمُ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ إِلَيْهَا، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ، فَإِذَا غَفَلُوا لَحَظَ، فَإِذَا فَطِنُوا غَضَّ [بَصَرَهُ عَنْهَا] وَقَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدَّ أَنْ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى فَرْجِهَا [2] يعني أن الرجل أمام الناس يُظهِر أنه غاضٌّ لبصره ألا ينظر إلى الحرام؛ ولكنه إذا كان بعيدًا عن عيون الناس نظر إلى الحرام.   إذا كان الواحد مِنَّا يوقِنُ فعليًّا أن الله تعالى يراه ومُطَّلِعٌ عليه، فكيف يتجرَّأ على معصيته؟! وكيف يجعله أهون الناظرين إليه؟! يهتم لنظر الناس، ولا يهتمُّ لنظر الله تعالى! أين نحن من قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14]رب العالمين جلَّ جلالُه يسمع ويرى ومُطَّلِع على الصغيرة والكبيرة، وستعرض عليك يوم القيامة بالصوت والصورة﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].   أين نحن من درجة الإحسان التي عرَّفها لنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) [3].   أين نحن من نصيحته صلى الله عليه وسلم لسيِّدنا أبي ذرٍّ رضي الله عنه عندما قال له: ((اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ))[4] ومعنى ((حيثما كنت)) في السِّرِّ والعلانية، مع الناس أو في خلوتك..فأين نحن من هذا كله؟!   ومن خطورة ذنوب الخلوات أنها أصل الانتكاسات، وسبب للضياع والخسران، فكم من الناس من كان ظاهره التديُّن والصلاح، كانت لا تفوته الصلاة في المسجد، كان من أهل القرآن، ومن أهل الصدقات؛ لكن فجأة تبدَّل حاله وانتكس، ترك الصلاة في المساجد، هجر القرآن، وراح يمشي مع أهل السوء، لماذا يا ترى؟! ما هو السبب؟!   لو تأملنا في أغلب من كان هذا حاله لرأينا أن السبب هي معصيةٌ اعتاد عليها في الخلوات؛ لذلك أجمع العارفون بالله "أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات"، ويؤيِّد ذلك ابن رجب رحمه الله، فقال: "وَأَنَّ خَاتِمَةَ السُّوءِ تَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلْعَبْدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النَّاسُ"[5] يعني: ذنوب الخلوات هي التي تجعل صاحبها يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله، فهل ينتبه الواحد منا إلى خطورة ذنوب الخلوات؟!   أيها المسلم الكريم، كُلُّنا يعلم أن من قواعد شريعتنا الإسلامية أن الحسنات يُذْهِبْن السيئات، قال الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]؛ ولكن ربما لا يخطر على بالِ الكثير من الناس أن هناك سيئات تذهب بالحسنات؛ ولكن كيف ذلك؟!   اسمع إلى الصحابي الجليل سيدنا ثوبان رضي الله عنه وهو يروي لنا حديثًا فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا)).   الصحابة رضي الله عنهم تعجَّبُوا من هؤلاء؟! ما هي أعمالهم؟! لماذا حسناتهم تكون يوم القيامة هَبَاءً مَنْثُورًا؟!   قَالَ ثَوْبَانُ رضي الله عنه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَلَّا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، فقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِن اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ – حتى قيام الليل يقومون- وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))[6].   يا الله، هل تتأمَّلون معي: النبي صلى الله عليه وسلم لا يُحدِّثنا عن العُصاة الذين لا يُصلُّون ولا يصومون ولا يتصدَّقُون، لا وإنما يقول للصحابة رضي الله عنهم: إنهم من المسلمين، ولهم من الأعمال الصالحة ما لهم، من قيام ليلٍ وصدقاتٍ وصيامٍ وتلاوةِ قرآنٍ؛ ولكنهم ((أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)).   هو يُصلِّي نعم؛ ولكنه يتجسَّس على بيوت الناس، هو يصوم؛ ولكنه ينظر على مقاطع مُحرَّمة، هو يقرأ القرآن؛ ولكنه يستمع إلى الأغاني المُحرَّمة، هو يفعل الخيرات؛ ولكنه يسهر على المُحرَّمات، فهؤلاء أعمالهم ستكون هباءً منثورًا.   مقياس إيمانك الحقيقي ومقدار حُبِّك لله وتعظيمك له ليس بصلاتك أمام الناس، ولا بتلاوتك للقرآن أمام الناس، ولا بصدقاتك أمام الناس؛ لكن مقياس إيمانك هو في خلواتك، عندما تكون وحدك بعيدًا عن عيون الناس، فإذا دعتك نفسك للمعصية فتركتها لأجل الله، فهذا دليلٌ على قوة إيمانك ومحبَّتِك لله، أمَّا إن أطعتها وعصيت ربَّك، فهذا دليلٌ على ضعف إيمانك.   قال ابن الأعرابي: "أخسر الخاسرين من أبدى لِلنَّاسِ صَالِح أعماله، وبارز بالقبيح مَنْ هُوَ أقربُ إِلَيْهِ من حبل الوريد"[7].   وقال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: "الحذرَ الحذرَ من الذُّنُوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تُسقِط العبد من عينه سبحانه"[8]، ومتى سقطت من عين الله فكيف تُفلِح؟!   فيا أخي، يا من تجلس على جوَّالك وتنظر الى الحرام، أما علمتَ أنَّ الله رقيب، يا من تُراسِل البنات والمتزوِّجات وتعبث بأعراض الناس، ألا تعلم أنَّ الله يسمع ويرى، هل ترضاه لأختك؟ هل ترضاه لبِنْتك؟ هل ترضاه لأُمِّك؟ هل ترضاه لزوجتِك؟ والله، إنَّ العبث بأعراض الناس دين، وكما تدين تُدان.   يا من تختلي بنفسك بعيدًا عن عيون الناس وأنت تنظر إلى الحرام، وتستمع للحرام، وتتكلَّم بالحرام، وتتعامل بالحرام، تذكَّر يا أخي أن ذنوب الخلوات تُسْقِطك من عين، وتجعل حسناتك هباءً منثورًا، وتجعلك تموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله، فهل من توبة صادقة من هذه الذنوب؟ هل من رجوع حقيقي إلى الله ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19].   أسأل الله العظيم أن يحفظنا وإيَّاكم من الذنوب والمعاصي، وأن يُعيننا على أنفسنا آمين، اللهم آمين.   كيف يتخلَّص الإنسان من ذنوب الخَلَوات؟ سؤال يدور في بال الكثير من الناس: كيف يتخلَّص الواحد من ذنوب الخَلَوات؟   والجواب على هذا السؤال كالآتي: أولًا: على المسلم أن يُكثِر من الدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى بأن يصرف عنه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].   ثانيًا: أن يُجاهد نفسه، ويدفع وسوستها، ويشغلها بكل خير؛ لأن النفس إن لم يشغلها بالخير شغلته بالشر، وعليه أن يُقلِّل من الجلوس خاليًا وحده حتى يسد مدخل الشيطان إليه في الخَلَوات.   ثالثًا: أن يستشعر عظمة الله ومراقبته، وأنه رقيب ومُطَّلِع عليه في كل حال، فقد قال رجل لأحد السلف: عِظْني، فقال: اتَّقِ اللهَ أن يكون أهون الناظرين إليك، وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ إِمَّا لَهُ وإما لِغَيْرِهِ: إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهْرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عليه يغيب[9]   رابعًا: أن يجعل الموت نَصْبَ عينيه، فلو أن الموت جاءه وهو في حال فِعْل المعصية، وارتكاب الذنب, فكيف سيقابل ربَّه وهو في تلك الحال؟!   خامسًا: أن يجعل نصب عينيه ما أعَدَّه الله تعالى لمن يخشاه في الغيب من المغفرة والثواب الكبير﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴾ [الملك: 18].   اللهُمَّ أن أمر أنفسنا بيدك، فسخِّرها لطاعتك، واعصمها عن معصيتك، وارزقها جنتك، إنك سميع الدعاء.   [1] البداية والنهاية لابن كثير: (9/ 348). [2] تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (7/ 137). [3] صحيح البخاري، كتاب الإيمان- بابٌ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ: عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ (1/ 20)، برقم (50)، صحيح مسلم، كِتَابُ الْإِيمَان - بَابُ معرفة الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، والقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ: (1/ 36)، برقم (8). [4] سنن الترمذي، أَبْوَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ- بَابُ مَا جَاءَ فِي مُعَاشَرَةِ النَّاسِ: (3/ 423)، برقم (1987)، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [5] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي: (1/ 172). [6] سنن ابن ماجه، أَبْوَابُ الزُّهْدِ - بَابُ ذِكْرِ الذنوب: (5/ 317)، برقم (4245) وإسناده حسن. [7] مختصر شعب الإيمان لأبي القاسم القَزْوِيني: (ص: 98). [8] صيد الخاطر لابن الجوزي: (ص: 207). [9] تفسير القرآن العظيم ابن كثير: (6/ 197).   د. محمد جمعة الحلبوسي   شبكة الالوكة
    • كان سيدنا علي بن الحسين رضي الله عنه وهو من كبار التابعين، كان يحمل أكياس الدقيق على ظهره بالليل فيذهب بها إلى بيوت الفقراء والأرامل والمساكين، فيضع أكياس الدقيق أمام بيوتهم، فإذا قام الناس لصلاة الفجر، وفتحوا أبوابهم نزلت هذه الأكياس عليهم.       كان سيدنا علي بن الحسين رضي الله عنه يطوف على مائة بيت من الفقراء والمساكين، وهم لا يعرفون من الذي يضع لهم الأكياس، من الذي يقدم لهم هذه المساعدات، من الذي يجلب هذا الطعام.       والسؤال الذي يطرح نفسه: يا ترى كيف عرفوا أن الذي كان يجلب لهم الطعام في كل ليلة هو سيدنا علي بن الحسين رضي الله عنه؟       لما مات رضي الله عنه وغسلوه وجدوا على ظهره آثارًا سوداء، فقالوا: هذا ظهر حمال، وما عرفناه قد اشتغل حمالًا، فلما انقطع الطعام بموته عن مائة بيت كان يأتيهم طعامهم بالليل من مجهول، علموا أن الذي كان يحمل لهم الطعام في كل ليلة هو سيدنا علي بن الحسين رضي الله عنه[1].       هؤلاء هم الأتقياء الأنقياء الأخفياء، هؤلاء هم الذين رفع الله شأنهم في الدنيا قبل الآخرة، هؤلاء هم الذين قال فيهم القائل:   لله قوم إذا حلوا بمنزلة حل السرور وسار الجود إن ساروا تحيا بهم كل أرض ينزلون بها كأنهم لبقاع الأرض أمطارُ ونورهم يهتدي الساري لرؤيته كأنهم في ظلام الليل أقمارُ وتشتهي العين منهم منظرًا حسنًا كأنهم في عيون الناس أزهارُ       إن موقف سيدنا علي بن الحسين رضي الله عنه يسمى عند العلماء بالخبيئة من العمل الصالح؛ وهي أن يكون للمسلم خبيئة؛ أي عمل مخبأ، لا يطلع عليه أحد إلا الله، يدخره الإنسان لنفسه، ويجعله من أعظم الزاد ليوم ميعاده.       لذلك كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح، لا تعلم به زوجته ولا غيرها، ولا يطلع عليها أحد إلا الله[2].       هذا محمد بن واسع رحمه الله، يحدثنا عن أحوال الصالحين في زمانه فيقول: "لقد أدركت رجالًا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحت خده من دموعه لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي إلى جانبه"، ويقول رحمه الله: "إن كان الرجل ليبكي عشرين سنةً وامرأته معه لا تعلم به"[3].       وهذا داود بن أبي هند رحمه الله كان يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به، فإذا جاء العشاء تعشى مع أهله، أربعين سنة، وهم لا يدرون بصيامه، وكان رحمه الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة ولم تعلم به زوجته[4].       سبحان الله! انظروا كيف ربوا أنفسهم على الإخلاص وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذه زوجته تضاجعه وينام معها، ومع ذلك يقوم عشرين سنة أو أكثر ولم تعلم به وبقيامه، أي إخفاء للعمل هذا؟ وأي إخلاص هذا؟ وأي أسرار كانت بينهم وبين الله تعالى؟   إذا لم يكن لله فعلك خالصًا   فينبغي للمسلم أن يحرص على أن تكون له خبيئة من عمل صالح، لا يطلع عليها أحد إلا الله عز وجل؛ لأن العمل الصالح كلما كان بعيدًا عن عيون الناس، كان أرجى في القبول عند الله تعالى؛ لذلك يقول ربنا جل جلاله:﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]؛أي: ليختبركم أيكم أحسن عملًا، ولم يقل أكثر عملًا، وإنما أحسن عملًا؛ لأن العبرة بحسن العمل لا بكثرته، وأعظم وصف في حسن العمل أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى.       سُئل الفضيل بن عياض عن العمل الحسن في قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2] فقال: العمل الحسن أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنة؛ ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110][5].       ولو نظرنا إلى سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، لرأينا كيف كان يحث الأمة على الخبيئة من العمل الصالح، ويشجعهم عليها ويبين لهم أجرها وثوابها، فعندما تحدث عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله[6]، ذكر منهم: ((ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه))، ذكــر الله بعيدًا عن عيـــون الناس فبكى من خشية الله، وذكر منهم ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))،هذا الرجل أخفى الصدقة عن بعض جسده، وهذا من شدة حرصه على إخفاء العمل حتى لا يطلع عليه أحد، فإذا كان قد أخفى الصدقة عن بعض جسده، فإخفاء العمل عن الناس من باب أولى.       ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على الخبيئة من العمل فيقول: ((صلاة الرجل تطوعًا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسًا وعشرين))[7]، لماذا؟ ما هو السبب؟       لأن الصلاة عندما تكون في السر وبعيدًا عن عيون الناس، تكون أخلص، وبعيدة عن الرياء والسمعة، وأرجى في القبول عند الله تعالى؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: ((فصلوا - أيها الناس - في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة))[8].       يعني: صلاة الضحى، صلاة الوتر، قيام الليل، سنن الرواتب، هذه إن صليتها في بيتك أو بعيدًا عن عيون الناس، فهذه أفضل لك من أن تصليها أمام الناس.       لذلك عندما وقف رجل يصلي في المسجد، فسجد، وجعل يبكي بكاءً شديدًا، فقام إليه أبو أمامة الباهلي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أنت، أنت، لو كان هذا في بيتك[9].       فعلى المسلم أن يعلم كما أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وسبب للهلاك وسوء الخاتمة، فكذلك حسنات الخلوات هي أصل المنجيات وسبب لحسن الخاتمة، والنجاة يوم القيامة.       فاحرص - يا أخي - على الخبيئة من العمل الصالح، اجعل لك صدقة تضعها في يد فقير دون تصوير أو توثيق، تخفيها حتى عن امرأتك، اجعل لك ركعات تصليها في جوف الليل وأهل بيتك نيام، لا يشعر بك أحد، اجعل لك وردًا من القرآن تلزمه دائمًا، ولا يدري عنه أحد، ووردًا من الأذكار والتسابيح والاستغفار بينك وبين الله وأنت تقود سيارتك، أو وأنت تتسوق، أو وأنت تمارس رياضة المشي اليومي.       فأنا أدعوك يا أخي إلى أن تجعل بينك وبين الله خبيئة من العمل الصالح، لا أحد يعرف بها؛ عسى أن تكون سببًا في نجاتك من مصائب الدنيا، وخلاصًا من أهوال الآخرة.   .   سيدنا الزبير رضي الله عنه هنا ينبهنا على أمر نغفل عنه؛ وهو المعادلة بين الأفعال رجاء المغفرة؛ فلكل إنسان عمل سيئ يفعله في السر، فأولى له أن يكون له عمل صالح يفعله في السر أيضًا لعله أن يغفر له الآخر.       ولذلك يقول سيدنا الحسن البصري رحمه الله: "استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة حديثة، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]"[10].       فاحرص - يا أخي - على أن تعمل حسنة في المكان الذي ارتكبت فيه سيئة؛ لتقوم هذه الحسنة بمسح تلك السيئة، فإن الحسنات يذهبن السيئات.       اللهم ارزقنا حسنات تذهب سيئاتنا، وتوبة تجلو أنوارها ظلمة الإساءة والعصيان، والحمد لله رب العالمين.     [1] البداية والنهاية لابن كثير: (9/ 123). [2] سير اعلام النبلاء للذهبي: (9/ 349). [3] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني: (2/ 347). [4] صفة الصفوة ابن الجوزي: (3/ 300). [5] مدارج السالكين لابن القيم (2/ 88). [6] صحيح البخاري، كتاب الزكاة - باب الصدقة باليمين: (2/ 138)، برقم (1423)، صحيح مسلم، كتاب الزكاة - بَابُ فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ: (2/ 715)، برقم (1031). [7] أخرجه أبو يعلى في " المسند " – كما عزاه إليه ابن حجر في " المطالب العالية " (4/ 534)، ورواه من طريقه ابن نقطة في " إكمال الإكمال " (3/ 337) – وأخرجه ابن شاهين (ت385هـ) في " الترغيب في فضائل الأعمال " (ص/ 28). [8] صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِيهِ: (9/ 117)، برقم (7290). [9] الزهد لابن المبارك (ص: 50). [10] تفسير ابن أبي حاتم (8/ 279).   د. محمد جمعة الحلبوسي   شبكة الالوكة    
    • {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)}

      كلمة (تمت) تدل على أن المسألة لها بداية ولها خاتمة، فما المراد بالكلمة التي تمت؟.
      أهي كلمة الله العليا بنصر الإسلام وانتهاء الأمر إليه؟
      أو هو تمام أمر الرسالة حيث قال الحق: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً..} [المائدة: 3].
      أو (كلمة ربك) المقصود بها قرآنه؟.

      ونرى أن معنى (تمت) استوعبت كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة، فليس لأحد أن يستدرك على ما جاء في كتاب الله حكماً من الأحكام؛ لأن الأحكام غطت كل الأقضية. ولفظ (كلمة) مفردة لكنها تعطي معنى الجمع. وأنت تسمع في الحياة اليومية من يقول: وألقى فلان كلمة طيبة قوبلت بالاستحسان والتصفيق. هو قال كلمات لكن التعبير عنها جاء ب (كلمة) إذن {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} المقصود بها المنهج الذي يشمل كل الحياة، واقرأ قوله الحق: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ..} [الكهف: 5].

      أهي كلمة أو كلمات؟
      أنها كلمة ولكن فيها كلمات. إذن لفظ (كلمة) تطلق ويراد بها اللفظ المفرد، وتطلق ويراد بها الكلام. والكلمة في الأصل لفظ مفرد، أي لا يكون معها لفظ آخر، ولكنها تدل على معنى، فإذا كان المعنى غير مستقل بالفهم؛ ويحتاج إلى ضميمة شيء إليه لنفهمه فهذا حرف، وأنت تقول: (في) وهو لفظ يدل على الظرفية، إلا أنه غير مستقل بالفهم؛ لأن الظرف يقتضي مظروفاً ومظروفاً فيه، فتقول: (الماء في الكوب) لتؤدي المعنى المستقل بالفهم. وكذلك ساعة تسمع كلمة (من) تفهم أن هناك ابتداء، وساعة تسمع كلمة (إلى) تعلم أن هناك انتهاء. وإن كان يدل على معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو الاسم. وإن كان الزمن جزءاً منه فهو (الفعل). أما (الكلام) فهو الألفاظ المفيدة.

      وحين تسمع (سماء) تفهم المعنى، وكذلك حين تسمع كلمة (أرض) وهو معنى مستقل بالفهم. وحين تسمع كلمة (كتب) فهي تدل على معنى مستقل بالفهم، والزمن جزء من الفعل، فكتب تدل على الزمن الماضي و(يكتب) تدل على الحاضر و(سيكتب) تدل على الكتابة في المستقبل. إذن ف (الكلمة) لفظ يدل على معنى فإن كان غير مستقل بالفهم فهو حرف. و(الكلمة) قد يقصد بها الكلام.

      وقوله الحق: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} تعني الكثير. فإن أردت بها القرآن فالمقصود هو كلمة الله. وكلام الله نسميه (كلمة) لأن مدلوله كلمة واحدة. انتهت وليس فيها تضارب، هذا إن أردنا بها القرآن، ولتفهم أن القرآن قد استوعب كل شيء، وكل قضية في الوجود وأيضاً لم ينس أو بدّل فيه حرف؛ بل بقى وسيبقى كما أنزل؛ لأن الآفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا بعضها ونسوا بعضها، وحرفوا بعضها، وكان حفظها موكولاً إلى المكلفين، ومن طبيعة الأمر التكليفي أنه يطاع مرة، ويعصى مرة أخرى.
      وإن أطاعوا حافظوا على الكتب، وإن عصوا حرفوها بدليل قوله تعالى الحق: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله..} [المائدة: 44].
      و(استحفظوا): أي طلب منهم أن يحافظوا عليه، وهذا أمر تكليفي عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، لكن الأمر اختلف بالنسبة للقرآن فقد قال الحق: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
      فسبحانه هو من يحافظ على القرآن، وليس ذلك للبشر لأن القرآن معجزة، والمعجزة لا يكون للمكلَّف عمل فيها أبداً.

      إذن فقوله الحق: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} المقصود بها أن تَطْمَئِن على أن القرآن الذي بين يديك إلى أن تقوم الساعة هو هو لن تتغير فيه كلمة، بدليل أنك تتعجب في بعض نصوص القرآن، فتجد نصًا مساويا لنص، ثم يختلف السياق، فيقول الحق: {كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [المدثر: 54-55].
      ومرة أخرى يقول سبحانه: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 11-12].
      ومرة أخرى يقول: {إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29].
      فهذا لون ونوع من المتشابه من الآيات ليقول لنا الحق: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ} [القيامة: 18].

      والحق يقول: {قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 1-9].
      وفي آية أخرى يقول: {وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34].
      وكل ذلك يدلك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت، وبذلك تكون كلمة ربك قد تمت.
      أو قول الله: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} ليدل على أن كلمة الله هي العليا، ولذلك تلاحظ أن (كلمة الله هي العليا) لم يجعلها الحق جعلاً، وإنما جاءت ثبوتاً، وسبحانه القائل: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى..} [التوبة: 40].
      هذا السياق الإعرابي حصل فيه كسر مقصود، والسياق في غير القرآن أن يقول: وجعل كلمة الله هي العليا، ولكنه سبحانه يقول: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا}
      وسبحانه أراد بذلك أن نفهم أن كلمة الله هي العليا دائماَ وليست جعلاً. وهذا دليل على أن كلمته قد تمت.

      ونلاحظ أن قول الحق: {وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} تأتي بعد {أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً}، واستقرئ موكب الرسالات من لدن آدم، وانظر إلى حكم الله بين المبطلين والمحقين، وبين المهتدين والضالين: إنه الحق القائل: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً} [العنكبوت: 40].
      والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة لقوم عاد. {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة} [العنكبوت: 40].
      وهم قوم ثمود، يسميها مرة الصيحة، وأخرى يسميها الطاغية: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية} [الحاقة: 5].
      ومرة يخسف بهم الأرض مثلما فعل مع قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض} وكذلك: {وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا}.
      وقد أغرق الله قوم فرعون وكذلك أغرق- من قبلهم- المكذبين لنوح. إذن كل قوم أخذوا حكم الله عليهم، لكنك يا محمد مختلف عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية، وعلى المنهج، ولذلك قال الحق: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] وبعد أن بعث الحق رسوله صلى الله عليه وسلم قال: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
      إذن {تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}، وهي الفصل النهائي: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون} [الصافات: 171-173].
      وأنتم المنصورون لأنكم منسوبون إلى منهج غالب، والنصر للمنهج الغالب يقتضي الإخلاص، فإن تنصروا المنهج باتباعه ينصركم من أنزل المنهج، فهو القائل: {لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي..} [المجادلة: 21].
      وما قاله كان هو الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقاً للكلام. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً..} [الأنعام: 115].
      أي وافق الواقع الكوني ما قال الله به وكيف كان الواقع صادقاً وعادلاً في آن واحد؟ لنفرض أنك أحضرت مدرساً خصوصيًّا لولدك، وصادف أنه هو الذي يدرس في المدرسة وهو الذي يدرس لابنك ثم قلت له: أريد أن ينجح الولد في الامتحان. ووعد المدرس بذلك ثم جاء الامتحان ونجح الولد، فتكون كلمة المدرس قد صدقت. لكن هل هذا عدل؟ قد يكون المدرس هو واضع الأسئلة ولّمح للولد بالأسئلة، ويكون النجاح حينئذٍ غير عادل، لكن كلمة الله تجيء مطابقة لما قال، موقعها مطابق لما قال، وهي كذلك عدل؛ لأنه سبحانه أوضح الثواب والعقاب: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}. لأنه لا مبدل لكلمات الله، ولا يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلاقة القدرة.
      أما بالنسبة للبشر فقد علَّم الله عباده احتياط الصدق في كلامهم؛ فأوصاهم: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله..} [الكهف: 23-24].
      لأن فعل ذلك غداً والإتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق بالمستقبل الذي لا نتحكم فيه، فاحم نفسك وقل: (إن شاء الله)، فإن لم يحدث يمكنك أن تقول: لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به، وبذلك يحمي الإنسان نفسه من أن يكون كاذباًَ ويجعل نفسه صادقاً فلا يتكلم إلاَّ على وفق ما عنده من قوانين الفعل وعدم الفعل؛ لأنه عندما تقول: (أفعل ذلك غداً). ماذا ستفعل غداً وأنت لا تضمن نفسك وحياتك وظروفك؟! لكن الله إذا قال: (سأفعل) فله طلاقة القدرة.

      {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السميع العليم} [الأنعام: 115].
      ومادامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه سبحانه سميع لما قالوه في عدواتهم، وعليهم بما دبروه من مكائدهم، وهو القائل من قبل: {وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ..} [الأنعام: 121].
      أي ليعلموهم بخفاء، فإن كان كلامهم ظاهراً فهو مسموع، وإن كان بخفاء فهو معلوم

      نداء الايمان

    • {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد : ٩]

          لا أحد من البشر أضل ممن كره الله تعالى، أو كره ما جاء من عنده سبحانه؛ لأنه جَهِل معرفة الله تعالى حق المعرفة؛ فأنكر نعمه، واستكبر عن عبادته.   والأصل أنه لا يقع ذلك إلا من الكفار والمنافقين؛ فكراهية الله تعالى لم تقع إلا من الملاحدة، وكراهية ما أنزل وقعت من المشركين وكفار أهل الكتاب.   والكارهون لما أنزل الله تعالى منهم من له قوة في قومه ومنعة تجرئه على إظهار ذلك، والتصريح به، وهو فعل الكفار قديما وحديثا سواء كانوا من المشركين أم من أهل الكتاب؛ لأنهم مباينون للمسلمين، قال الله تعالى فيهم ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد:8-9].   ومن الكارهين لما أنزل الله تعالى من هم بين المسلمين، وهم المنافقون فيخفونه ولا يظهرونه إلا في حال ضعف المسلمين، وأمن العقوبة، أو فلتت به ألسنتهم، وظهر في لحن قولهم.   ومن هذه الآية أخذ العلماء كفر من أبغض شيئا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو عمل به؛ لأن ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام هو مما أنزل الله تعالى، وقد حكم سبحانه بحبوط عمل من كره ما أنزل عز وجل.   والمنافقون في مجتمعات المسلمين قد يضطرون لعمل الطاعة ولو كرهوها إما خوفا على أنفسهم أو على دنياهم، وإما مجاملة لغيرهم، ولكنهم يفعلون الطاعة وهم يكرهونها فلا تنفعهم، وقد حكى الله تعالى ذلك عنهم في عصر الرسالة فقال سبحانه ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة:54] فهم يكرهون الصلاة ويكرهون الإنفاق لكنهم يصلون وينفقون إحرازا لدمائهم وأموالهم، ونشرا لنفاقهم في أوساط الناس.   والكارهون لما أنزل الله تعالى يكرهون خلوص الدين لله تعالى وحده، ويكرهون أن يكون الدين واحدا، بل يدعون لتعددية الأديان وتنوعها، حتى إنهم ليكرهون أن يذكر الله تعالى وحده، أو أن يكون الحديث عنه سبحانه أو عن شيء من شريعته، وفي وصف هذا الكره قال الله تعالى ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزُّمر:45] ولذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يخلصوا له الدين ولا يلتفتوا إلى كراهية الكارهين ﴿ فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ ﴾ [غافر:14]. إن هذه الآية العظيمة لتشعر المؤمن بالفخر وهو يخلص الدين لله تعالى، ويغيظ بذلك أهل الكفر والنفاق؛ لأنه مأمور بإغاظتهم في ذلك.   وكان المنافقون حيال ما أنزل الله تعالى من الأحكام يتخذون سياسة الحل الوسط، ومحاولة ترضية الطرفين: طرف المؤمنين المحبين لما أنزل الله تعالى، وطرف الكفار الكارهين لما أنزل الله تعالى، فيسرون للكفار بأنهم سيوافقونهم في بعض ما يريدون لا فيه كله؛ لأنهم لا يقدرون على ذلك؛ خوفا من غضب المؤمنين، وتأملوا عظمة القرآن وفيه خبرهم وفضيحتهم ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ [محمد:26].  
      قال العلامة المفسر الشنقيطي - رحمه الله تعالى -: اعلم أن كل مسلم، يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات، من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد; لأن كثيرا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي - صلى الله عليه وسلم - من السنن. فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية. وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في الأمر؛ كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم. فاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر.    
      ولابن القيم رحمه الله تعالى كلام بديع نفيس يشخص فيه أمراض الكارهين لما أنزل الله تعالى فيقول: ثَقُلَتْ عَلَيْهِمُ النُّصُوصُ فَكَرِهُوهَا، وَأَعْيَاهُمْ حَمْلُهَا فَأَلْقَوْهَا عَنْ أَكْتَافِهِمْ وَوَضَعُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمُ السُّنَنُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَأَهْمَلُوهَا، وَصَالَتْ عَلَيْهِمْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَوَضَعُوا لَهَا قَوَانِينَ رَدُّوهَا بِهَا وَدَفَعُوهَا، وَقَدْ هَتَكَ اللهُ أَسْتَارَهُمْ، وَكَشَفَ أَسْرَارَهُمْ، وَضَرَبَ لِعِبَادِهِ أَمْثَالَهُمْ، وَأَعْلَمَ أَنَّهُ كُلَّمَا انْقَرَضَ مِنْهُمْ طَوَائِفُ خَلَفَهُمْ أَمْثَالُهُمْ، فَذَكَرَ أَوْصَافَهُمْ، لِأَوْلِيَائِهِ لِيَكُونُوا مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ، وَبَيَّنَهَا لَهُمْ، فَقَالَ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد:9]. هَذَا شَأْنُ مَنْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، فَرَآهَا حَائِلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِدْعَتِهِ وَهَوَاهُ، فَهِيَ فِي وَجْهِهِ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، فَبَاعَهَا بِمُحَصَّلٍ مِنَ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَاسْتَبْدَلَ مِنْهَا بِالْفُصُوصِ فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ أَنْ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ إِعْلَانَهُمْ وَإِسْرَارَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد:26-28]. أَسَرُّوا سَرَائِرَ النِّفَاقِ، فَأَظْهَرَهَا الله عَلَى صَفَحَاتِ الْوُجُوهِ مِنْهُمْ، وَفَلَتَاتِ اللِّسَانِ، وَوَسَمَهُمْ لِأَجْلِهَا بِسِيمَاءَ لَا يَخْفَوْنَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَصَائِرِ وَالْإِيمَانِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذْ كَتَمُوا كُفْرَهُمْ وَأَظْهَرُوا إِيمَانَهُمْ رَاجُوا عَلَى الصَّيَارِفِ وَالنُّقَّادِ، كَيْفَ وَالنَّاقِدُ الْبَصِيرُ قَدْ كَشَفَهَا لَكُمْ؟ ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد:29-30] انتهى كلامه رحمه الله تعالى.     حذار حذار عباد الله أن يكون في قلب العبد حرج مما أنزل الله تعالى؛ فإن الله سبحانه نهى نبيه عن ذلك وهو معصوم منه ﴿ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف:2] هذا فيما أنزل الله تعالى من القرآن. وأما ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من السنة ففيه قول الله تعالى ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65] وكل أمر النبي عليه الصلاة والسلام ونهيه فهو من حكمه الذي يجب التسليم به والانقياد له دون حرج في الصدور، وإلا كان النفاق والضلال، عصمنا الله تعالى من النفاق، وأعاننا على التسليم والانقياد.
        الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
      شبكة الالوكة  

      {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد : ٩]
      حتى لايحبط الله عملك ، تفقد قلبك قبل أي عمل.. اجعل حظ نفسك بعيدا عن أي شيء تريد به وجه الله ، باختصار كن مخلصا.

      مامن معصية في الأرض إلا بسبب الخروج عن منهج الله جل جلاله ، ومن كره ما أنزل الله فقد كفر .. والكفر لايبقي من الخير شيء {فأحبط أعمالهم} فلا قيمة لأعمالنا إن لم يخالطها إيمان حقيقي وتوجه صادق لمن نوينا بأعمالنا مرضاته وحده سبحانه

      عندما نخاف من آيات الوعيد والانذار فخوفنا عمل صالح ، لكن لاتكره آيات الانذار فتتعرض للوعيد.. احذر أن تكره شيئا من أمر الله فالعقوبه شديدة (فأحبط أعمالهم) الخذلان والخساره لكل من خرج عن منهج الله وكفر به {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} استيقظ بهذه الآية ، وحطم بها همومك.. استشعر قرب الله منك وحبه لك كلما عثرت بك الآلام تشبث بها ولاتنسى أن الله مولاك .
      حصاد التدبر    
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
    • Hannan Ali تشعر الآن ب سعيدة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      181420
    • إجمالي المشاركات
      2534208
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92855
    • أقصى تواجد
      1716

    أحدث العضوات
    فتاة الرياح
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏فكرة انتهاء مهلة العمل والانتقال لدار الجزاء مهيبة جدًا ! لا توبة تُقْبَل ولا عمل يُصَحح . لو نطق أهل القبور لكانت موعظتهم : أنتم في دار العمل فأحسنوا العمل . نسأل الله حُسن الختام .

×