اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 57323
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9066
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180525
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 259983
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23500
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8242
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32133
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4160
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25483
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30256
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52999
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40679
      مشاركات
    2. 47551
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21004
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97009
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36838
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31794
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4883
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15479
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29721
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12926
      مشاركات
  10. إن من البيان لسحرًا

    1. قلمٌ نابضٌ

      ساحة لصاحبات الأقلام المبدعة المتذوقة للشعر العربي وأدبه

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      50492
      مشاركات
  11. مملكتكِ الجميلة

    1. 41313
      مشاركات
    2. 33890
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91746
      مشاركات
  12. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32199
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13116
      مشاركات
    3. 34854
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65605
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  13. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  14. IslamWay Sisters

    1. English forums   (37085 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  15. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: قوله -تبارك وتعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)الاسراء المدخل والمخرج مصدران، بمعنى الإدخال والإخراج، والإضافة هنا إلى الصدق مُدْخَلَ صِدْقٍ ومُخْرَجَ صِدْقٍ يمكن أن تكون للمبالغة، كالمبالغة في قولهم: حاتم الجود، مدخل صدق ومخرج صدق، وهذا المُدخل اختلفوا فيه كثيرًا، والقول الذي نقله عن بعض السلف كعبد الرحمن بن زيد وقتادة قال: المدخل: المدينة، والمخرج: مكة، هو الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله، واحتج له بما قبله، ورأى أن ذلك قرينة دالة على رجحانه وقوته؛ لأن الله قال قبله: وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ [سورة الإسراء:76] أي: من أرض مكة، لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا، فقال بعده: وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، أي: أخرجني من مكة، وأدخلني المدينة بهذه الصفة.   وبعضهم حمل ذلك على الإماتة والبعث، أي: أدخلني في الموت مدخل صدق، وأخرجني في البعث مخرج صدق، وبعضهم حمله على باب المأمورات والمنهيات، أي: أدخلني فيما أمرتني به من طاعتك مدخل صدق، وأخرجني مما نهيتني عنه من معصيتك مخرج صدق، وبعضهم يقول: أدخلني في الأمن مدخل صدق، وأخرجني من المخاوف مخرج صدق؛ لأنه قال قبله: وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ. وبعضهم يقول: أخرجني من بين المشركين مخرج صدق، وأدخلني مدخل صدق، وبعضهم يقول: إن المقصود أدخلني مدخل عز، وأخرجني مخرج نصر، وبعضهم يقول: هذا يتعلق بأمر النبوة، أدخلني فيها لمّا أكرمتني بها مدخل صدق، وأخرجني منها أي: من تبعاتها مخرج صدق، فلا يحصل تقصير في البلاغ، والقيام بأمر الله -تبارك وتعالى، أخرجني منه إذا توفيتني مخرج صدق، وبعضهم يقول: أدخلني في القبر مدخل صدق، وأخرجني منه بالبعث مخرج صدق. وهذه الأقوال لا يوجد دليل على واحد منها بعينه، غاية ما هنالك أن بعض هذه الأقوال ربما احتُج له بقرينة تشعر عند القائل به برجحان قوله.   ولعل الأحسن من هذا كله -والله تعالى أعلم- قول من حمل ذلك على العموم، وقال: الله لم يحدد، وهذا دعاء علّمه الله  لنبيه ﷺ، وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ في الأمور كلها، ومن ذلك المدينة، المهاجر الذي يهاجر إليه، وهكذا في كل شأن يدخل فيه من الأمور الحسية والمعنوية، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ في كل ما يخرج منه، سواء كان ذلك من الفراغ من الأمور المعنوية، أو الخروج حسًا مما يخرج منه، والعلم عند الله .   قال: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا السلطان) هنا -كما في المواضع الأخرى- بعضهم حمله على الحجة القاهرة، وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا [سورة القصص:35]، وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [سورة الإسراء:33]، فبعضهم يقول: أي الحجة القاهرة يغلب بها أعداءه، مَن خالفه وناوأه، ويظهر عليهم بالحجة والبرهان، وبعضهم يقول: المقصود بذلك العز القاهر والقوة الغالبة، ويكون ذلك بالتمكن والملك. وعلى كل حال وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا: يقول الحافظ ابن كثير: قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له، وقال قتادة: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانًا نصيرًا لكتاب الله ولحدود الله ولفرائض الله ولإقامة دين الله، فيكون هنا بمعنى الملك، وليس بمعنى الحجة، فهذا القول اختاره ابن جرير -رحمه الله، وهو الذي يظهر أنه رجحه ابن كثير، وقد صرح برجحانه -أن المقصود العز القاهر والقوة الغالبة وليس الحجة، وابن جرير ذكر هذا، ولكن من تأمل قوله من أوله إلى آخره يجد أنه جمع بين القولين؛ لأنه قال آخِرًا بعدما ذكر هذا المعنى: العز والغلبة والملك والقهر، قال: وذلك لا يكون إلا بحجة قاهرة، فهذه الجملة الأخيرة في كلام ابن جرير -رحمه الله- تدل على أنه قصد الجمع بين القولين، وهذا جيد، والنبي ﷺ حصل له هذا وهذا.   قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى ذكره: رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ: أمر رسوله ﷺ أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق، وأخبر عن خليله إبراهيم ﷺ أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين، فقال: وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [سورة الشعراء:84]، وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ [سورة يونس:2] وقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ۝ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [سورة القمر:54، 55]، فهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق، وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى الله، وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة.   فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقًا ثابتًا بالله، وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر، ومخرج الصدق كمخرجه ﷺ هو وأصحابه في تلك الغزوة، وكذلك مدخله ﷺ المدينة كان مدخل صدق بالله، ولله، وابتغاء مرضاة الله، فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب، فإنه لم يكن بالله، ولا لله، بل كان محادة لله ولرسوله، فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار، وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة، فإنه لما كان مدخل كذب أصابه معهم ما أصابهم، فكل مدخل ومخرج كان بالله ولله فصاحبه ضامن على الله، فهو مدخل صدق ومخرج صدق، وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك، يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق؛ ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه بخروجه ﷺ من مكة ودخوله المدينة، ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجلِّ مداخله ومخارجه ﷺ[1].   هذا الكلام لا تجدونه لأحد، غير ابن القيم، رجل ألين له الكلام كما ألين لداود  الحديد، والإنسان يدخل مداخل كثيرة ويخرج مخارج، أحيانًا يدخل مداخل الريب، أو يدخل مداخل كاذبة لا يريد بها وجه الله ، وإنما يريد دنيا، وعرضًا زائلًا، أو يريد ما عند الناس، كالمَحمدة في قلوب الخلق، وأحيانًا يريد أن يتوصل بهذا إلى أمور فاسدة، فالمنافق لا يدخل مدخل صدق، ولا يخرج مخرج صدق، وهكذا في الأمور التي يدخل فيها الإنسان من الأعمال والمشاريع، قد يدخل فيها بنية غير ثابتة، ولا يقوم بالعمل على الوجه المطلوب.   هذه الدقة عند ابن القيم -رحمه الله- مع أن الذين رجحوه ما قالوا بأنه على سبيل التمثيل، فابن جرير -رحمه الله- احتج لهذا القول -المدينة ومكة، بما قبله وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ، حتى في الحجة، وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا قال: الغلبة والقهر، قال: لأن هذا يُحتاج إليه؛ لأنه قال قبله: وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ فدفْعُهم يحتاج إلى قوة وتمكن وغلبة، فهم رجحوا هذا القول بعينه ولم يحملوه على التمثيل، لكن ابن القيم -رحمه الله- وجه ما ورد عن بعض السلف وحمله على هذا فقال: هذا يقصد به التمثيل، وإلا فالمعنى أعم من هذا بكثير. وإلا فمداخله ومخارجه كلها مداخل صدق، ومخارجه مخارج صدق، إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته. وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلًا آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب، والله المستعان.   وأما لسان الصدق فهو الثناء الحسن عليه ﷺ من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء الكذب، كما قال عن إبراهيم  وذريته من الأنبياء والرسل -عليهم صلوات الله وسلامه: وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [سورة مريم:50] والمراد باللسان ههنا الثناء الحسن، فلما كان الصدق باللسان -وهو محله- أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقًا، وعبر به عنه، فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا، واللغة، كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [سورة إبراهيم:4] وقوله: وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [سورة الروم:22] وقوله: لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ [سورة النحل:103] ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [سورة القيامة:16]، وأما قدم الصدق ففسر بالجنة، وفسر بمحمد ﷺ وفسر بالأعمال الصالحة، وحقيقة القدم: ما قدموه، وما يقدمون عليه يوم القيامة، وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ﷺ ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك. فمن فسره بها أراد: ما يقدمون عليه، ومن فسره بالأعمال وبالنبي ﷺ؛ فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم، فالثلاثة قدم صدق. هذا ربط بين المعاني الثلاثة، العمل الذي هو السبب، والجزاء، والواسطة التي يُتوصل بها، أو الوسيلة التي يُعرف بها محابُّ الله ، وهو النبي ﷺ.   وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب -تبارك وتعالى- ووصْفُ ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق، ودوامه ونفعه وكمال عائدته، فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله، فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل، ودائم غير زائل، ونافع غير ضار، وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل. انتهى. المقصود أن هذه الجملة تحمل على أعم المعاني، وذلك لا يختص بالنبي ﷺ وإنما يدعو به الإنسان في أحواله كلها، في كل ما يأتي ويذر، يعني حينما يدخل مكان العبادة -المسجد الحرام مثلًا، يدخل لماذا؟ من الناس من يدخل للفرجة، ومن الناس من يدخل للرياء، ومن الناس من يدخل للعبادة، ومنهم من يدخل لينظر إلى النساء، ويزاحمهن في الطواف، أو يتفرج على الناس وهم يطوفون، مثلًا. والآخر حين يدخل السوق، لماذا يدخل؟ بعضهم يدخل مدخل صدق، وبعضهم يدخل مدخل فجور، والذي يفتح متجرًا لماذا يدخل فيه؟ من الناس من يفتح متجرًا في سوق النساء ويصرح لأصحابه بأنه لم يفتح لحاجة، ولا من أجل التجارة، وإنما فخ يصطاد به النساء فقط، هذا مدخل فجور. وقل مثل ذلك في الدراسة التي يدرسها الإنسان، لماذا يدرس؟ أحد الأشخاص دخل تخصصًا ويصرح لبعض أصحابه أنه دخل هذا من أجل أن يكون له منعة لأمر ما، فجر بامرأة وحصل اتفاق مبدئي على أنه يتزوجها، فدخل في تخصص معين؛ ليكون له منعة فلا يستطيعون إلزامه بهذا.   والطب بعض الناس يدخل فيه من أجْلِ مواساة الناس والمسح على آلامهم وهذا من أجلِّ الأشياء، فأصحاب المعاناة لا يشعر أحد بمشاعرهم إلا من جرب وعانى، فالطبيب يمسح على هذه الآلام، وهو من أشرف الأعمال ومن أجلِّها وأعظمها، ومما يقرب إلى الله ، وبعض الناس قد يدخل؛ من أجل أن يرى العورات، ويلمس النساء بطريقة حريرية مقبولة عند الجميع، لا غبار عليها عند كثير من الناس، ولا إشكال، مهذبة، لا سيما إذا تخصص في عورات النساء، الولادة ونحو ذلك، فهذا ساقط المروءة، لا تقبل شهادته، وليس له عدالة، فرجل يدخل في هذا التخصص! ليس بمدخل صدق، وبعض الناس يدخل يقول: أنا أريد مكانة اجتماعية عند الناس، فهذا ليس بمدخل صدق. وهكذا العلوم الشرعية، فأجلُّ العلم هو العلم الشرعي ومع ذلك بعض الناس يدخل فيه ليقال: عالم، أو يقال: طالب علم، فهذا ليس بمدخل صدق، وهكذا الدخول في القنوات، وإلقاء الخطب والمحاضرات، ومصاحبة الأخيار، والعمل في المشاريع الدعوية وغير هذا، قد يكون مدخل صدق وقد لا يكون مدخل صدق، فبعض الناس قد يقيم أعمالا، أو يدخل في مشاريع، ويقصد جمع الأموال لنفسه، فتحصل له ثروة، والواسطة هي العمل الخيري، فليس بمدخل صدق، فهذا يدعو به الإنسان دائمًا.   موقع فضيلة الشيخ خالد السبت
    • قال تعالى مبشراً عباده المؤمنين: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم * ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم} (يونس:62-65). افتتحت الآية الأولى بحرف {ألا} لتنبيه السامع، وإحضار ذهنه، والاستعداد لتلقي الكلام بعدها، فيقع في نفسه أمكن وَقْع. و(الأولياء) جمع ولِيٍّ، و(الوليُّ) وَصْفٌ مأخوذ من الوَلْي، وهو القرب، وإطلاقه على المؤمن الصادق؛ لأنه قريب من الله ، وهو القرب الذي ينال بطهارة القلب، وخلوص النية، واستقامة الأعمال. وقوله عز وجل: {لا خوف عليهم} (الخوف) غمٌّ يلحق النفس لتوقع مكروه. والمراد من نفي الخوف: نفي ما يوجب الخوف؛ أي: إن {أولياء الله} يكونون في نجاة وسلامة من المكاره، ومن خاف على وليٍّ من الوقوع في مكروه، فخوفه آتٍ من غير طريق، وواقعٌ في غير موضع. وإذ حصل لبعض المتقين خوف من عقاب الله، فإنما هو الخوف من أن يقعوا فيما يسلبهم الولاية، وما عدا هذا، فهو خشوع القلب أمام جلال الله وعظمته. وقد يبدو للناظر أن الآية نفت الخوف على أولياء الله، ومن أولياء الله من تلحقه المكاره في الدنيا، فقد يصاب في بدنه أو ماله، وقد يناله بعض المجرمين بأذى؛ من نحو : السبِّ، أو السجن، أو الضرب، أو القتل. والجواب عن هذا: أن الآية نفت الخوف على {أولياء الله} من مكاره يوم القيامة، تلك المكاره التي تنتفض قلوب الموقنين عند توقعها فزعاً، وأما مكاره الدنيا، فإنهم يسألون الله تعالى أن يكفيهم شرها، وإذا مسهم شيء منها، تلقوه بصبر جميل، ومتى نظروا إلى ما يترتب على صبرهم عليها من رضا الخالق، خفَّ أمرها، وحمدوا عاقبتها. فـ {أولياء الله} لا تلحقهم مكاره الآخرة بإطلاق، وقد تلحقهم في الدنيا مكاره، يعقبها ما هو خير منها، ومن يناله مكروه ثم يعقب ذلك المكروه خير أكبر منه، صح أن ينظر إلى ذلك المكروه الذي يصيبه بعين الاستصغار. ويقال: إن أولياء الله هم تحت رعاية الله في كل حال، فلا يدركهم في الدنيا ما يوجب الخوف عليهم.   وقوله سبحانه: {ولا هم يحزنون} (الحزن) غمٌّ يلحق النفس من فوات نافع، أو ضار. والمراد من نفي (الحزن) نفي ما يوجب الحزن؛ أي: إن {أولياء الله} لا يمسهم ضرر، ولا يفوتهم خير، فلا يدركهم حزن في الحياة الآخرة البتة، وأما في الدنيا، فقد يلحقهم ما يثير شيئاً من الحزن؛ كحزن يثيره الإحساس بشدة وجع، أو تثيره عاطفة رحمة أو محبة؛ كأن يرى ولده يعالج سكرات الموت، أو يرى أخاً أو قريباً قد أزمع على سفر طويل، وحزنه في كل حال يصاحبه الرضا بقضاء الله، والحزن المصاحب للرضا بالقضاء في الدنيا، يُكسب صاحبه خيراً، ويعود عليه بأجر، فلا يراد نفيه عن {أولياء الله}.   فـ {أولياء الله} لا يغتمون لفوات نافع، أو حصول ضرر في الآخرة بإطلاق، وإذا ضاقت صدورهم في الدنيا للوقوع في أذى، أو عدم الظفر ببغية، فإنما هو حزن تثيره طبيعة من نحو: المحبة، والشفقة، ولا يلبث أن يزول.   وقوله تعالى: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} هذه جملة مستأنفة لبيان المزية التي رفعتهم إلى منزلة الولاية، وهي جمعهم بين الإيمان وحُسن الطاعة؛ فإن الاتقاء يصدق بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والجملة واقعة موقع جواب، يتشوف إليه السامع عندما يسمع أن {أولياء الله} في نجاة من كل مكروه، فكأنه قيل: من هم (الأولياء)؟ وبماذا أدركوا ذلك الفضل العظيم؟ فقيل: هم {الذين آمنوا وكانوا يتقون}. وذَكَرَ (الإيمان) بصيغة الماضي؛ لأنه يقع عقب الحجة دفعة، ثم يستقر في النفس، وذكر (الاتقاء) بصيغة المضارع؛ لأن فِعْلَ المأمور به، وتَرْكَ المنهي عنه يتجدد، ويقع مرة بعد أخرى.   وبعد أن أخبر سبحانه بسلامة أوليائه من المكاره التي توجب الخوف أو الحزن، أشار إلى ما ينالونه بعد هذه السلامة من خير وكرامة، فقال جل شأنه: {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة}: {البشرى} الخبر السار، والمعنى: أنهم يبشرون في الدنيا وفي الآخرة بما يسرهم، ولم يذكر المبَشَّر به؛ لتعم البشارة كل ما يوعدون به من فضل ونعيم، أما البشرى في الدنيا، فقد رويت أحاديث تنبئ بأنها (الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرِى له) رواه مسلم، و(الرؤيا الصالحة) من قبيل الإلهام الصادق، فهي داخلة في البشارة في الدنيا. والمفسرون -غير ما جاء في الحديث- ذهبوا في تفسير {البشرى} مذاهب، أظهرها أن البشرى في الدنيا: ما جاء في الكتاب أو السنة من وعد الله المتقين بالفضل، ورفعة المنزلة؛ مثل قوله سبحانه: {وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا} (الأحزاب:47) وقوله تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} (التوبة:21). وأما {البشرى} في الآخرة، فنحو تلقي الملائكة بالسلام، وإخبارهم إياهم بما أعد الله لهم في دار الكرامة، وإلى هذا يشير قوله عز وجل: {لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} (الأنبياء:103).   وتُطلق {البشرى} على ما يُبَشَّر به الإنسان من خير، ويصح حمل الآية على هذا الوجه، والمعنى: أن لأولياء الله خيرات في الدنيا والآخرة، يستبشرون بها، أما خيرات الآخرة، فكل ما تشتهيه الأنفس، وتلذُّه الأعين، ومن خيرات الدنيا التي تعدُّ من عواقب الإيمان والتقوى: النصر على الأعداء؛ ذلك أن من الواجبات التي لا تتحقق التقوى إلا بها: الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن الحق بما يستطاع من يد أو لسان، ومن قام بهذا الواجب، كف الله عنه أيدي أعدائه، وأظهره عليهم، ولو كانوا أكثر منه مالاً، أو أوسع جاهاً، أو أنفذ كلمة. هذا ما يُشاهد من سنة الله في الأفراد، وذلك ما يدعو المؤمن أن يمضي في سبيل دعوته إلى الحق، ولا يثبطه عنها أن يكون لخصم الحق سطوة؛ فإنهم إن استطاعوا أن يلحقوا به أذى، قد يجعل الله في ذلك الأذى خيراً كثيراً. وقول الحق سبحانه: {لا تبديل لكلمات الله} (كلمات الله) أقواله، ومن جملتها: مواعيده، فتتناول الآية ما وعد به المؤمنين الصادقين من خير في الدنيا أو الآخرة، ويدخل في هذا: الرؤيا الصالحة، فإنها من قبيل الوعد، وعدم تبديلها في تحقق ما تدل عليه من حصول خير لمن رؤيت له.   {ذلك هو الفوز العظيم} {الفوز} النجاة والظفر بالخير، والمشار إليه بـ {ذلك} ما ذُكِرَ قبلُ من أن {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وأي فوز أعظم من أن يظفر الإنسان بسعادة الدارين؟! وقوله تبارك وتعالى: {ولا يحزنك قولهم} هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان المشركون يؤذونه به من أقوال جافية. ولم يبين في هذه الآية ماذا قالوا، لعله مما قصه سبحانه عنهم قبل هذه الآيات بقوله: {أم يقولون افتراه} (يونس:38) أو أطلق القول ليتناول كل ما يتفوهون به في حقه صلى الله عليه وسلم من المقالات الخاطئة. وموضع العبرة من هذا: أن يقف الداعي إلى الحق موقف العزم والحزم والثبات، فلا يقيم لما يقوله الذامُّون أو المتهكمون به وزناً، ويلقي به وراء أذنه، ونرى ضعيف الإيمان بما يدعو إليه، هو الذي يحزن لأقوال المبطلين حزناً يثبطه عن الدعوة، أو يصرفه عنها، متكئاً على أن ما يلاقيه من الأذى عذر يُبيح له أن يسكت مع الساكتين، ويقعد مع القاعدين! وقوله عز من قائل: {إن العزة لله جميعا} هذا استئناف واقعٌ موقع التعليل؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الحزن، و{العزة} الغلبة والقهر، فكانه قيل: لا تحزن لما يقوله المشركون؛ فإن الغلبة والقهر في ملك الله وحده، ولا يملك سواه شيئاً منها، وإذا كانت {العزة لله} وحده، فإنه سيعصمك منهم، وينصرك عليهم. وموضع العبرة من هذا، أن سنة الله قد جرت بأن يجعل {العزة} في جانب {الذين آمنوا وكانوا يتقون} فإذا ابتلي المؤمنون المتقون بعدو ينالهم بأذى، وتلقوا ذلك الأذى بصبر، وجاهدوا في دفاعه عن أنفسهم بكل وسيلة ممكنة، فإن عاقبتهم الخلاص من تلك اليد الباغية، ولا يلبثون أن يدركوا عزتهم، وتكون يدهم فوق يد عدوهم. وقوله سبحانه في نهاية الآيات: {هو السميع العليم} المراد أنه سبحانه لا يعزب عن سمعه ما يقولونه في حق النبي صلى الله عليه وسلم من سوء، ولا يغيب عن علمه ما يتعرضون له من أذى، فهو الذي يجازيهم بما يقولون، وما يفعلون، {والله من ورائهم محيط} (البروج:20). وغير بعيد أن تكون الآية عامة في كل من آمن واتقى، يرشح هذا قول المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله سبحانه أعلم وأجل.   اسلام ويب  
    • فصل الخطاب
      في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب
      كما وردت في كتبه و رسائله و فتاواه   الدكتور أحمد بن عبدالكريم نجيب  
      تـوطئـة الحمد الله القائل (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، والصلاة والسلام على المبعوث بالحجج الناصعة والآيات البينات. فمن باب قوله تعالى: ( وإذا قلتم فاعدلوا) أكتب هذه الرسالة… وتذكيراً بقوله عزّ شأنه: ( ولا يجرمنكم شنآنُ قوم على أن لاتعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) أسطرُ هذه الكلمات نصحاً، وبياناً، وتوجيهاً … وخاصة لما رأيت كثرة من يتجنى على الشيخ محمد بن عبدالوهاب وعقيدته، ومنهجه.. ثم إني، تساءلتُ: أما آن لهذا المصلح أن ينصف؟!
      ومن آخر هذا التجني، أن وقفتُ أخيراً على كتابات تقطر سماً في دعوة الشيخ، فتعده مشبوهاً ومتستراً وعميلاً للاستعمار و..!! ويزعمون أن دعوة الشيخ وعقيدته، قائمة على أساس تكفير المذاهب والفرق الإسلامية، وزرع التفرقة بين المسلمين، وتشويه سمعة الإسلام وتعاليمه السمحة، وسحق آثارا لوحي والرسالة!!
      فهل دارت هذه الأسس في خلد الشيخ لحظة؟ أم أنها من نسج الخيال وصنائع الأفاكين؟ وهل كان الشيخ يأمر كل من ينخدع بدعوته - كما زعموا - أن يتقدم إليه بالبيعة ويوجب قتل من رفض البيعة ؟ أكان الشيخ يبيح دماء وأموال من يرفض دعوته ؟!
      زعموا أيضاً أنه يدعو إلى توحيد خاطئ من صنع نفسه! لا التوحيد الذين نادى به القرآن الكريم، فمن خضع له ولتوحيده، سلمت نفسه وأمواله، ومن أبى فهو كافر حربي، ودمه وماله هدر!! إلى غير ذلك مما يقوله الحاقدون على الشيخ ودعوته.
      وهذا كله عين الكذب، ومحض الافتراء، وكتاباته كلها، ومؤلفاته جميعها تشهد بأن هذا الشيخ - رحمه الله - إمام من أئمة الدعوة إلى الكتاب والسنة؛ وأنه كان يدعو إلى الإسلام ولا شيء سوى الإسلام، ويشحذ همم تلاميذه لطلب العلم الصحيح، فيقول: " إن أشكل عليك شيء، فسفرك إلى المغرب في طلبه غير كثير" ، ثم يواسي تلاميذه بما ينقله عن الفضيل بن عياض رحمه الله، حيث يقول: "لاتستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين" .
      والشيخ رحمه الله يقول: "عقيدتي وديني الذي أدين الله به، مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين" . فأي الفريقين أسلم، وأي السبيلين أحكم؟!.
      لقد واجه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حملة شعواء كهذه من قبل، ولكنه بين عقيدته في رسائل إلى أهل الآفاق تميط اللثام، وترفع اللبس والإشكال… فكتب "الحموية" لأهل حماة، و "التدمرية" لأهل تدمر، و "الواسطية" لأهل واسط، ورسائل أخر…
      وقد نحا شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله المنحى ذاته في كشف اللبس وإزالة الغموض عن عقيدته، فكتب رسائل وألقى خطباً، وبثّ فتاوى تناقلها أهل الحق حتى عمت الآفاق، ولما كان الوقوف على أقواله وآرائه العقدية أمراً ذا بال عند كل طالب علم مخلص، ليدرأ بها الشبه، ويميز الحق من الباطل، وينفي الزغل عن عقيدة (مصلح مظلوم ومفترى عليه) فقد عقدتُ العزم على استخلاص الزبد، وجمع مسائل العقيدة في سفر مفرد، فطفقت أجمع تصانيف الشيخ ومؤلفاته، حتى طالت يدي اثني عشر مجلداً ضخماً جمع فيها أهل العلم النقاد الأفذاذ مؤلفات الشيخ كاملة ، فغصت في أعماقها، والتقطتُ من جواهرها ولآلئها ماقرت به عيناي، وسكنت له نفسي …
      ثم جمعتها في هذا السفر على الإيجاز، ولم أورد شيئاً من أدلتها خوف الإطالة والتشعب، وعزوتها إلى مظانها في مؤلفات الشيخ المطبوعة، وصدرتها بعناوين فرعية تدنيها من النوال، واقتصرت على كلام الشيخ دون زيادة أو نقصان إلا فيما مست إليه الحاجة كاستعمال أدوات الربط بين الفقرات، وربما قدمتُ وأخرتُ أو رتبتُ وآلفتُ بينها.
      وإني إذ أدفع به إلى المكتبة الإسلامية لأرجو أن يجد فيه طالب العلم ضالته، فيذكرني والشيخ بدعوة صالحة بظهر الغيب.
      هذا، وقد سميته "فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب" آملاً أن يكون قطرة في بحر العلم الزاخر، وومضة ضياء تزيد الحق وضوحاً وجلاء، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك. وكتـب
      أحمد بن عبدالكريم نجيب
      حلب الشهباء في 23 رمضان 1414هـ
      5 آذار 1994 م مقتطفات من سيرة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ولد الشيخ محمد بن عبدالوهاب بن سليمان التميمي، في بلدة العيينَة عام (1115هـ)، في بيت علم وتقى، وتعلم القرآن وحفظه قبل البلوغ، وكان حاد الفهم، وقَّاد الذهن، ذكي القلب، وسريع الحفظ.
      وكان والده آنذاك، قاضي العيينة، فقرأ الشيخ على أبيه الفقه، وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وكلام العلماء في أصل الإسلام.
      لقد زوجه والده بعد البلوغ مباشرة، ثم طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام، فأذن له فحج، وقصد المدينة وأقام فيها شهرين، ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العُيينة، وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد، على والده.
      وكانت نجد - والشيخ في مقتبل عمره - تغص بالمنكرات، وكان الشرك آنذاك قد فشا فيها، وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور، وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر.
      وعزم الشيخ على مقاومة هذه المظاهر الجاهلية، من شرك وخرافة وبدع، وأخذ يعمل على نشر الكتاب والسنة، وسيرة السلف الصالحين، ولذلك قرر أن يرتحل من بلدة العيينة، يطلب العلم والنصرة، وإعداد العدة من النور والحكمة، ولعله يجد من يساعده على ماعرف من دين الإسلام.
      وخلاصة ماذكره المؤرخون، وأهل التحقيق، أن الشيخ رحل إلى خارج وطنه، لطلب العلم، ثم إلى الحجاز، ثم إلى البصرة، وإلى الأحساء، ثم البصرة أيضاً، والزبير، ثم إلى الحجاز، ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام، وعاد إلى نجد يدعوهم إلى التوحيد.
      وكانت عودته من المدينة إلى حريملاء، حيث كان والده قد انتقل إليها من العيينة، وتولى والده القضاء في حريملاء، وأقام الشيخ محمد بعد عودته من رحلته العلمية يدعو إلى التوحيد، ويبين بطلان دعاء غير الله، وما يترتب على غير ذلك من فساد في العقيدة، وخلل في الدين.
      ولما توفي والده عام (1153هـ)، أعلن الشيخ الدعوة إلى تصحيح العقائد السائدة بعقيدة السلف الصالح.
      ولم تكن حريملاء صالحة لأن تكون منطلقاً لدعوته، فانتقل منها عام (1155هـ)
      - تقريباً - إلى العيينة، فأظهر الله عقيدة السلف الصالح، وتولى الشيخ لنشرها، وتدريس العلوم النافعة، وتأليف الكتب الماتعة في أصول الإسلام وفروعه.
      كانت وفاة هذا العالم الفقيه المجدد محمد بن عبدالوهاب، عام (1206هـ)، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً، ولم يوزع بين ورثته مالاً ولم يقسم، لكنه خلف لنا - رحمه الله -ثروة عظيمة من التراث العلمي، والمؤلفات النافعة، من ذلك:
      1- كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد.
      2- كتاب كشف الشبهات.
      3- كتاب أصول الإيمان.
      4- كتاب فضائل الإسلام.
      5- كتاب فضائل القرآن.
      6- كتاب السيرة المختصرة.
      7- كتاب السيرة المطولة.
      8- كتاب الرد على الرافضة.

      وغير ذلك مما هو موجود ضمن"مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب"في اثني عشر مجلداً..
      رحم الله الشيخ وأجزل له المثوبة على تجديده لهذا الدين وتحرير المسلمين من ربقة الشرك وذل الإعراض عن رب العالمين آمين .

      الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، فصل وبين وقرر صراطاً مستقيماً ومنهجاً، ونصب ووضح من براهين معرفته وتوحيده سلطاناً مبيناً وحججاً، أحمده سبحانه حمد عبد جعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا.
      وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، شهادة ترفع الصادقين إلى منازل المقربين درجا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي وضع الله برسالته عن المكلفين آصاراً وأغلالاً وحرجاً .   1- بيان مجمل عقيدته رحمه الله
      أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وما عليه أئمة المسلمين من الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره وأنا والحمد لله متبع ولست بمبتدع . 2- قوله رحمه الله في الإيمان بالله
      وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان ومحله بإجماع السلف القلب والجوارح جميعاً كما ذكر الله تعالى في سورة الأنفال وغيرها . والإيمان الذي في القلب والذي في الجوارح يزيد وينقص يزيد بالأعمال الصالحة وينقص بضدها، وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لاإله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان، وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره .
      والإيمان بالله هو أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود (بحق) وحده دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. ولا يحصل الإيمان لأحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم   وللإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لايجدها، وهو يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله، ونفيه لايدل على الخروج من الإسلام. 3- قوله رحمه الله في كلمة التوحيد وحق الله على العبيد
      إنها - أي كلمة التوحيد - العروة الوثقى، وكلمة التقوى، لايقبل الله من أحد عملاً إلا بها، لاصلاة، ولا صوماً، ولا حجاً، ولا صدقة، ولا من جميع الأعمال الصالحة، إلا بمعرفتها والعمل بها فحقيقة لاإله غلا الله هي إفراده بجميع العبادات وتخصيصه بالقصد والإرادات، ونفيها عما سواه من جميع المعبودات، التي نفتها لاإله إلا الله، وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله الذي لايبقي في القلب شيئاً لغير الله، ولله إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما به أمر الله.
      فالمراد من هذه الكلمة هو إفراد الله بالتعلق والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، والمراد منها معناها لامجرد لفظها. ومعناها نفي وإثبات، إثبات، إثبات الألوهية كلها لله وحده، ونفيها عن الأنبياء والصالحين وغيرهم.
      و (لا) هذه النافية للجنس تنفي جميع الآلهة، و (إلا) حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله عز وجل، و (الإله) اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى، وهو الذي يخلق ويزرق ويدبر الأمور، و (التأله) التعبد، فمن أخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو الذي شهد أن لاإله إلا الله ومن جعل فيها مع الله غيره فهو المشرك الجاحد لقول لاإله إلا الله. وليس التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لايدعو إلا الله وحده لاشريك له، بل لايحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه. وإن قالها (أي لاإله إلا الله) وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة فإنه يخرج من النار. 4- قوله رحمه الله في العلاقة بين الإيمان والإسلام
      إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وكذلك الإيمان إذا أفراد فيدخل فيه الإسلام. وإذا ذكرا معاً، فالإسلام الأعمال الظاهرة والإيمان الأعمال الباطنة. والإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر. وحقيقة الأمر أن الإيمان يستلزم الإنسان قطعاً، وأما الإسلام فقد يستلزمه وقد لايستلزمه. 5- قوله رحمه الله في الإسلام
      الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وأصله وقاعدته أمران.
      الأول: الأمر بعبادة الله وحده لاشريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه.
      والثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه وتكفير من فعله.
      وهو مبني على خمسة أركان. تضمن كل ركن علماً وعملاً فرضاً على كل ذكروأنثى فأهمها وأولاها الشهادتان، وما تضمنتا من النفي والإثبات من حق الله على عبيده ومن حق الرسالة على الأمة ثم الأركان الأربعة إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. ونواقص الإسلام عشرة:
      الأول: الشرك في عبادة الله وحده لاشريك له، ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القبر أو القباب.
      الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائل يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعاً.
      الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر (إجماعاً).
      الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي  صلى الله عليه وسلم  أكمل من هديه. أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر.
      الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول  صلى الله عليه وسلم  ولو عمل به كفرإجماعاً.
      السادس: من استهزأ بشيء (من دين الرسول  صلى الله عليه وسلم  (أو ثواب الله) ، أو عقابه كفر.
      السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر.
      الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.
      التاسع: من اعتقد أن بعض الناس [ لايجب عليه اتباعه  صلى الله عليه وسلم  ] . وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.
      العاشر: الإعراض عن دين الله لايتعلمه ولا يعمل به.
      ولا فرق في جميع هذه النواقص بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم مايكون خطراً، ومن أكثر مايكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه.

      6- قوله رحمه الله في التوحيد
      التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، وهو أول واجب على كل ذكر وأنثى، وهو أعظم ماأمر الله به، ولا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وإن عمل بالتوحيد ظاهراً، وهو لايفهمه أو لايعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شرمن الكافر الخالص.
      والبحث عن مسائل التوحيد وتعلمها فرض لازم على العالم والجاهل والمحرم والمحل والذكر والأنثى.
      [ وهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات] . 7-قوله رحمه الله في توحيد الربوبية
      توحيد الربوبية هو أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، فلا يخلق ولا يرزق ولا يحيى ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا الله وحده. وهو: فعل الرب، مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور.
      وهذا - أي الإقرار بالربوبية - حق لابد منه، لكن لايدخل الرجل في الإسلام [ و ] أكثر الناس مقرون به، وأعظم الكفار كفراً الذين قاتلهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يشهدون به ولم يدخلهم في الإسلام قال تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمَّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون). سورة يونس: 31.
      أما الصبر والرضاء والتسليم والتوكل والإنابة والتفويض والمحبة والخوف والرجاء فمن نتائج توحيد الربوبية، وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته الربوبية. 8- قوله رحمه الله في توحيد الألوهية
      الذي يدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الألوهية، وهو معك أيها العبد مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة والنذر والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة، فلا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لاشريك له ولا يستغاث بغيره ولا يذبح لغيره ولا ينذر لغيره لالملك مقرب ولا لنبي مرسل، ومن أشرك مخلوقاً فيها - أي في العبادة - من ملك مقرب أو نبي مرسل، أو ولي، أو صحابي وغيره، أو صاحب قبر، أو جني أو غيره، أو استغاث به، أو استعان به فيما لايطلب إلا من الله، أو نذر له أو ذبح له، أو توكل عليه أو رجاه أو دعاه دعاء استغاثة أو استعانة، أو جعله واسطة بينه وبين الله لقضاء حاجته أو لجلب نفع، أو كشف ضرب، فقد كفر كفر عباد الأصنام، وهم مخلدون في النار، وإن صاموا وصلوا وعملوا بطاعة الله الليل والنهار، وكذلك من ترشح بشيء من ذلك أو أحب من ترشح له، أو ذب عنه، أو جادل عنه، فقد أشرك شركاً لايغفر، ولا يقبل ولا تصح معه الأعمال الصالحة، ومن فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله، وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرء عيسى من النصارى وموسى من اليهود. أما الاستغاثة بالمخلوق أي الحي فيما يقدر عليه فلا ننكرها، فمن أخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو الذي شهد أن لاإله إلا الله ومن جعل فيها مع الله غيره فهو المشرك الجاحد لقول لاإله إلا الله . ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه رباً وإلهاً وأشرك مع الله غيره. وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ماكان خالصاً. و (الإله) في كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل: الصالحين والملائكة وغيرهم، يقولون: إن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده.
      وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائماً في الشدة والرخاء فهي نتيجة توحيد الألوهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب والرسل، وغير ذلك. 9- قوله رحمه الله في توحيد الله بأسمائه وصفاته
      لايستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات، وقد قرأت في كتب أهل العلم من السلف وأتباعهم من الخلف الإجماع على وجوب الإيمان بصفات الله تعالى، وتلقيها بالقبول، وأن من جحد شيئاً منها أو تأول شيئاً من النصوص قد افترى على الله وخالف إجماع أهل العلم.
      ومذهب أهل السلف أنهم لايتكلمون في هذا النوع إلا بما يتكلم الله به ورسوله، فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله أثبتوه مثل: الفوقية والاستواء والكلام والمجيء وغير ذلك.
      وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه مثل المثل والند والسمي وغير ذلك، وأما مالا يوجد عن الله ورسوله إثباته ولا نفيه مثل الجوهر والجسم والعرض والجهة وغير ذلك فلا يثبتونه ولا ينفونه، فمن نفاه فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته فهو عندهم مبتدع، والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع اقتداءً بالنبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه.
      وأعتقد بما وصف الله به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله  صلى الله عليه وسلم  من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وهو الله العلي العظيم القادر، الأول والآخر والباطن والظاهر، عالم الغيب والشهادة المطلع على السرائر والضمائر، خلق فقدر، ودبر فيسر، فكل عبد إلى ماقدر عليه وقضاه صائر، أحاط بكل شيء علماً وهو على كل شيء شهيد، فلا أنفي عنه ماوصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لاسميّ له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين) ، الصافات: 180- 182 فنقول بإثبات الصفات خلافاً للمعطلة والأشعرية. ومعلوم أن التعطيل ضد التجسيم، وأهل هذا أعداء لأهل هذا والحق وسط بينهما.
      وقد جاء القرآن الكريم: بإثبات صفة الوجه وبالتصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى: وتسميتها الشمال وبإثبات صفة المكر لله، وهو أنه إذا عصاه أو أغضبه أنعم عليه بأشياء يظن بأنها من رضاه عليه، وبالتصريح بأن الله فوق العرش وبغيرها من الصفات.
      ومن جحد شيئاً من الأسماء والصفات فقد عدم الإيمان، وأما معنى قول السلف "أمروها كما جاءت": أي لاتتعرضوا لها بتفسير لاعلم لكم به. 10- قوله رحمه الله في وجوب إخلاص الدين لله
      راس الأمر عندنا وأساسه إخلاص الدين لله، نقول: مايدعى إلا الله ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح القربان إلا لله، ولا يخاف خوف الله إلا من الله فمن جعل من ذلك شيئاً لغير الله، فنقول: هذا الشرك بالله. وإن الله سبحانه بعث محمداً  صلى الله عليه وسلم  لإخلاص الدين لله، وألا يجعل معه أحدٌ في العبادة والتاله، لاملك، ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك، فأتى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بالإخلاص وأخبر انه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لايقبل من الأعمال إلا الخالص. 11- قوله رحمه الله في الإحسان
      الإحسان ركن واحد، وهو أن تعبدا، كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. 12- قوله رحمه الله في القرآن الكريم
      وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده محمد  صلى الله عليه وسلم  ، وهو كتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلاو في القرآن ماينقضها ويبين بطلانها، وهو الهدى، فمن زعم أن القرآن لايقدر على الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذب الله بخبره أنه هدى.
      وكلام الله وكلام رسوله، كله حق يصدق بعضه بعضاً والواجب على المؤمن أن يحسن الظن بكلام الله وكلام رسوله، ويقول كما أمر الله [ كل من عند ربنا ]، آل عمران : 7 فإذا تبين له الحق فليقل به وليعمل به، وإلا فليمسك وليقل: الله ورسوله أعلم(*)، فإن الله تعالى ابتلى الناس بالمتشابه كما ابتلاهم بالمحكم، ليعلم من يقف حيث وقفه الله، ومن يقول على الله بلا علم.
      والذي يسوغ لمثلنا هو طلبُ علم ماأنزله الله على رسوله، ورد ماتنازع فيه المسلمون إليه، فإن علمه الله شيئاً فليقل به وإلا فليمسك، ويقول: الله أعلم، ويجعله من العلم الذي لايعرفه.
      ومن اعتقد عدم صحة حفظ القرآن الكريم من الإسقاط واعتقد ماليس منه أنه منه فقد كفره.
      ومكذب القرآن كافر ليس له إلا السيف وضرب العنق، ومن هزل بشيء فيه ذكرا لله أو القرآن أو الرسول فهو كافر، واعتقاد مايخالف كتاب الله كفر، فمن اعتقد مايخالف كتاب الله فقد كفر. 13- قوله رحمه الله في الإرادة والمشيئة
      وأؤمن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره . 14- قوله رحمه الله في المحبة
      إن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه، والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية وهم الذين قال الله فيهم: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) البقرة: 165.
      والمحبة الثانية: حب الباطل وأهله وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين.
      والمحبة الثالثة: طبيعية وهي محبة المال والولد، إذا لم تشغل عن طاعة الله، ولم تعن على محارم الله فهي مباحة.
      والمحبة الرابعة: حب أهل التوحيد، وبغض أهل الشرك، وهي أوثق عرى الإيمان وأعظم مايعبد به العبد ربه. 15- قوله رحمه الله في العبادة ووجوب صرفها لله
      إن الحنيفية ملة إبراهيم:أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها. فمن أنواع العبادة التي لاتصلح إلا لله تعالى الدعاء والاستعانة والاستغاثة وذبح القربان والنذر والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والمحبة والخشية والرغبة والرهبة والتأله والرجوع والسجود والخشوع والتذلل والتعظيم الذي و من خصائص الإلهية فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه رباً وإلها، وهو مشرك كافر، والعبادة لاتسمى عبادة إلا مع التوحيد فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت. 16- قوله رحمه الله في القضاء والقدر
      وأعتقد فرض الإيمان بالقدر، وإحباط عمل من لم يؤمن به، وبراءته  صلى الله عليه وسلم  ممن لم يؤمن به، وأن لامحيد لأحد عن القدر المقدور، ولايتجاوز ماخط له في اللوح المسطور. وأن الله تعالى قد علم الأشياء قبل وجودها إجمالاً وتفصيلاً كلية وجزئية، وعلم مايتعلق بها، وقدر في الأزل لكل شيء قدراً ، فلا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدم ولا يتأخر، وأنه لايوجد شيء إلا بإرادة الله ومشيئته والله بكل شيء عليم، وما قدر الله يكون وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وثبت ذلك ببداهة العقل وتواتر النقل، وعلم يقيناً، فمن أنكر هذا البدهي والمتواتر فإن لم يصر كافراً ، فلا أقل من أن يصير فاسقاً . 17- قوله رحمه الله في القبور وأحكامها
      وأعتقد الإيمان بكل ماأخبر به النبي  صلى الله عليه وسلم  مما يكون بعد الموت، فأؤمن بفتنة القبر، ونعيمه، وسؤال الملكين، الذي علمناه عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنهما يسألان عن ثلاث: عن التوحيد، وعن الدين، وعن محمد  صلى الله عليه وسلم  .
      ونحن نعلم بالضرورة أن النبي  صلى الله عليه وسلم  لم يشرع لأمته أن يدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، بل نهى عن هذه الأمور كلها وذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله.
      أما بناء القباب على القبر فيجب هدمها، ولا علمت أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده، وقصده لأجل الدعاء فكذلك لاأعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك.
      وأما النذر له -أي للميت أو القبر- ودعاؤه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر. 18- قوله رحمه الله في البعث والنشور
      وأؤمن بإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا  فالناس إذا ماتوا يبعثون، ومن كذب بالبعث كفر . 19- قوله رحمه الله في نصب الموازين وتطاير الكتب
      والناس بعد الموت محاسبون، ومجزيون بأعمالهم فتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، وتنشر الدواوين فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذٌ كتابه بشماله فالميزان يطير بالحبة فلا يحيد، والكتاب يطير فيصير قلادة في الجيد . 20- قوله رحمه الله في الحوض والصراط
      وأؤمن بحوض نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم  بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً .
      وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم، وهو أحدُّ من الحديد . 21- قوله رحمه الله في الإيمان بالملائكة المكرمين
      من سادات الملائكة جبريل عليه السلام، وهو شديد القوى، وذو مرة (أي خلق حسن وبهاء وسناء)، وله قوة وبأس شديد، وله مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند ذي العرش المجيد، وهو مطاع في الملأ الأعلى، ذو أمانة عظيمة، ولهذا كان السفير بين الله وبين رسله وقد كان يأتي إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في صفات متعددة، وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين، وله ستمائة جناح، وهو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله .
      ومن ساداتهم ميكائيل عليه السلام، وهو موكل بالقطر والنبات، ومن ساداتهم إسرافيل، وهو أحد حملة العرش، وهو الذي ينفخ في الصور. ومن ساداتهم ملك الموت، ولم يجئ مصرحاً بإسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة، وقد جاء في بعض الآثار تسميته بعزرائيل والله أعلم.
      ومنهم حملة العرش، ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش، وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة وهم المقربون.
      ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة دائمة ليلاً ونهاراً، والظاهر أنهم الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور.
      ومنهم موكلون بالجنان مراقبون بيان عداد الكرامات لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومآكل ومشارب ومصاغ ومساكن وغير ذلك مما لاعين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ومنهم الموكلون بالنار (أعاذنا الله منها) وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك، وهو مقدم على الخزنة. ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم. ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد. 22- قوله رحمه الله في الجنة والنار
      وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لايفنيان، ففي الجنة لأهلها من الكرامات والملابس والمآكل والمشارب والمصاغ والمسكن وغير ذلك مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
      وأما النار فدار معدوم رجاؤها، محتوم بلاؤها، موحشة مسالكها، مظلمة مهالكها، مخلد أسيرها، مؤبد سعيرها، عال زفيرها، طعام أهلها الزقوم، وشرابهم الحميم، وعذابهم أبداً فيها مقيم، الزبانية تقمعهم، والهاوية تجمعهم، لهم فيها بالويل ضجيج، وللهبها أجيج، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم من أسرها فكاك، إلا من قال لاإله إلا الله وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة، فإنه يخرج منها. 23- قوله رحمه الله في رؤية المؤمنين ربهم
      وأؤمن أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة، كما يرون القمر ليلة البدر، لايضامون في رؤيته فمن قال: لايرى في الآخرة فهو جمي ضال، ومن قال: يُرى في الدنيا بالفؤاد لغيره  صلى الله عليه وسلم  فهو مبتدع ضال، أما رؤيته  صلى الله عليه وسلم  بعيني رأسه - في الدنيا - فلم يثبت عنه ولا عن أحد من الصحابة، ولا الأئمة المشهورين، فمن قال: إنه  صلى الله عليه وسلم  رآه بعينه فهو غالط. 24- قوله رحمه الله في أنبياء الله ورسله
      أرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، فاولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد  صلى الله عليه وسلم ، وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت. ونقص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر. فمن اعتقد في غيرهم كونه أفضل منهم أو مساوياً لهم فقد كفر . 25- قوله رحمه الله في خاتم رسل الله
      وأؤمن بأن نبينا محمداً  صلى الله عليه وسلم  خاتم النبيين والمرسلين، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس، وأكمل به الدين، فلا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه، فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، ولا يحصل الإيمان لأحد حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به  صلى الله عليه وسلم  .
      وكل ماقاله الرسول  صلى الله عليه وسلم  حق يجب الإتيان به ولو لم يعرف الإنسان معناه، بل يجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال.
      ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ماعنه نهى وزجر وأن لايعبد الله إلا بما شرع.
      ومن استحل الكذب على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، فقد كفر، ومن كذب عليه ولم يستحل ذلك فقد تفسق، ومن كذبه فيما ثبت عنه قطعاً فقد كفر، بلا شك، والجهل في مثل ذلك ليس بعذر، والله أعلم. 26- قوله رحمه الله في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم 
      وأتولى أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ، وأذكر محاسنهم، وأترضى عنهم وأستغفر لهم، وأكف عن مساويهم، واسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم.
      وقد جاءت الآيات والأحاديث الناصة على أفضلية الصحابة واستقامتهم على الدين.
      وقد تواتر عن النبي  صلى الله عليه وسلم  مايدل على كمال الصحابة رضي الله عنهم، خصوصاً الخلفاء الراشدين، فإن ماذكر في مدح كل واحد مشهور بل متواتر لأن نقلة ذلك أقوام يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويفيد مجموع أخبارهم العلم اليقيني بكمال الصحابة وفضل الخلفاء.
      ومن اعتقد فيهم - أي الصحابة - مايوجب إهانتهم فقد كذّب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فيما أخبر به من وجوب إكرامهم وتعظيمهم، ومن كذبه فيما ثبت عنه قطعاً فقد كفر.
      ومن سبهم فقد خالف ماأمر الله به من إكرامهم، ومن اعتقد السوء فيهم كلهم أو جمهورهم فقد كذب الله تعالى فيما أخبر من كمالهم وفضائلهم، ومكذبه كافر.
      ومن سب من رضي الله عنه فقد حارب الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم  ، فإن اعتقد أحقية سبه أو إباحته فقد كفر لتكذيبه ماثبت قطعاً عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق لأن سباب المسلم فسوق، وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله فالظاهر أن سبابه فاسق إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله  صلى الله عليه وسلم  فإن ذلك كفر، ومن اعتقد فسقهم أو فسق مجموعهم وارتداد معظمهم عن الدين فقد كذب الله تعالى ورسوله فيما أخبرا به من فضائلهم وكمالاتهم المستلزمة لبراءتهم مما يوجبا لفسق والارتداد، ومن كذبهما فيما ثبت قطعاً صدوره عنهما فقد كفر، فإذا فرض ارتداد من أخذ من النبي  صلى الله عليه وسلم  إلا النفر الذين لايبلغ خبرهم التواتر وقع الشك في القرآن والأحاديث، نعوذ بالله من اعتقاد يوجب هدم الدين، ومعتقدوا هذا أشد ضرراً على الدين من اليهود والنصارى. 27- قوله رحمه الله في التفضيل بين الصحابة
      وأعتقد أن أفضل أمته  صلى الله عليه وسلم  أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم. 28- قوله رحمه الله في أهل بيت النبوة
      وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  على الناس حقوقاً فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد، بل هو من الغلو، ونحن ماأنكرنا إلا إكرامهم لأجل إدعاء الألوهية فيهم، أو إكرام المدعي لذلك. 29- قوله رحمه الله في فضل الصديق وخلافته
      الأحاديث الواردة في صحة خلافة الصديق وبإجماع الصحابة وجمهور الأمة على الحق أكثر من أن تُحصر، وقد بايعه الصحابة رضي الله عنهم حتى أهل البيت كعلي رضي الله عنه، وقد اعتقدها حقاً جمهور الأمة، ومن نسب جمهور الصحابة  صلى الله عليه وسلم  إلى الفسق والظلم وجعل اجتماعهم على الباطل فقد ازدرى بالنبي  صلى الله عليه وسلم  وازدراؤهم كفر.
      وقد حكم بعض - أي من اهل العلم - فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقاً. والله أعلم. 30 -قوله رحمه الله في أمهات المؤمنين الطاهرات وذبه عن عرض الصديقة بنت الصديق
      وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. ومن قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة مع اعتقاد أنها زوجة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، وأنها بقيت في عصمته بعد هذه الفاحشة فقد جاء بكذب ظاهر واكتسب الإثم واستحق العذاب، وظن بالمؤمنين سوءاً وهو كاذب، وأتى بأمر ظنه هيناً وهو عند الله عظيم، واتهم أهل بيت النبوة بالسوء، ومن هذا الاتهام يلزم نقص النبي صلى الله عليه وسلم  ، ومن نقصه فكأنما نقص الله، ومن نقص الله ورسوله فقد كفر وهو بفعله هذا خارج عن أهل الإيمان، ومتبع لخطوات الشيطان، وملعون في الدنيا والآخرة، ومكذب الله في قوله تعالى (الطيبات للطيبين) الآية، ومن كذب الله ففد كفر.
      ومن قذفها مع زعمه أنها لم تكن زوجته، أو لم تبق في عصمته بعد هذه الفاحشة، فإن قلنا: إنه ثبت قطعاً أنها هي المرادة بهذه الآيات وهو الظاهر يلزم من قذفها ماتقدم من القبائح.
      والحاصل أن قذفها كيفما كان يوجب تكذيب الله تعالى في إخباره عن تبرئتها عما يقول القاذف فيها، ومن يقذف الطاهرة الطيبة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين في الدنيا والآخرة كما صح عنه فهو من ضرب عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. 31- قوله رحمه الله في أولياء الله وكراماتهم
      وأقر بكرامات الأولياء، وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لايستحقون من حق الله تعالى شيئاً ولا يطلب منهم مالا يقدر عليه إلا الله ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال. 32- قوله رحمه الله في الشفاعة
      وأؤمن بشفاعة النبي، وأنه أول شافع وأول مشفع، ولا ينكر شفاعة النبي  صلى الله عليه وسلم  إلا أهل البدع والضلال، وله الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود، والشفاعة كلها لله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي قوله وعمله بعد الإذن.
      والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية ماكانت تطلب من غير الله فيما لايقدر عليه إلا الله، والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، وتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، فلا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، وهو لايرضى إلا التوحيد، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين)  [ النجم: 26 ].
      وقد صح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، ومن جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم. 33- نفيه رحمه الله شبهة التكفير بالعموم
      وأما القول: إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء، الذي يصدون به عن هذا الدين ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم.
      على أن الذي نعتقد، وندين الله به، ونرجو أن يثبتنا عليه في مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط فيه من غلط .
      إننا نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها والله المستعان.
      ولا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنا والسرقة، بل هو عبادة للأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله  صلى الله عليه وسلم . ياعباد الله تفكروا وتذكروا، ونكفر من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله ثم أبغضه، ونفر الناس عنه وجاهد من صدق الرسول فيه، ومن عرف الشرك، وأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بعث بإنكاره ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لايخطئون لأنهم السواد الأعظم والداعي لغير الله لاتقبل منه الجزية كما تقبل من اليهود، ولا تنكح نساؤهم كما تنكح نساء اليهود لأنه أغلظ كفراً.
      ونكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان، بعد ماعرف أنها دين للمشركين وزينه للناس، فهذا الذي نكفره.
      ونكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى من فعله.
      وكذا الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد فهذا أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها، ولم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله على خوف أو مداراة، أو مشحة بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لايكره إلا على الكلام والفعل وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد. 34- قوله رحمه الله في الحكم على المعين
      وإني لا أعتقد كفر من كان عند الله مسلماً، ولا إسلام من كان عنده كافراًن بل أعتقد أن من كان عنده كافراً كافر.
      ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، ولكنني أرجو للمسلم وأخاف على المسيء. 35- قوله رحمه الله في العذر بالجهل حتى تقوم الحجة
      ولا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبدالقادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبههم ونكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، والذي يدعي الإسلام وهو يفعل من الشرك الأمور العظام، فإذا عليت عليه آيات الله استكبر عنها فليس هذا بالمسلم، وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ماحاله .
      علماً أن من لم تقم عليه الحجة هو حديث العهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف.
      وأما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة .
      وأكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامهم عليهم.. وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم، وإن لم يفهموها نوع آخر. 36- ذكره رحمه الله طائفة من الأعمال المكفرة
      من صدق الرسول  صلى الله عليه وسلم  في كل شيء، وجحد وجوب الصلاة فإنه كافر خلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله، لاتختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن.
      والذي ينكر البعث كافر، والساحر يكفر ويقتل ولا يستتاب، والذبح للجن ردة تخرج - أي من الإسلام - ، ومن استغاث بغير الله فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، ومن دعا  نبياً أو ملكاً أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام. 37- قوله رحمه الله في كفر دون كفر
      وما أطلق الشارع كفره بالذنوب فقول الجمهور: أنه لايخرج من الملة وقال الإمام أحمد: أمروها كما جاءت يعني لايقال يخرج ولا لايخرج، وما سوى هذين القولين غير صحيح، ومعنى (كفر دون كفر) أنه ليس يخرج من الملة مع كبره. 38- قوله رحمه الله في عدم التكفير بالذنب
      أركان الإسلام الخمسة أولها الشهادتان ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاوناً فنحن وإن قاتلناه على فعلها - فلا تكفره بتركها، ولا أكفر أحداً بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام.
      39- قوله رحمه الله في الحكم بالظاهر دون السرائر
      لو عرف منه النفاق فما أظهر - أي من أعمال أهل الإيمان - يحمي دمه، وماله والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه مايخالف ذلك، وأهل البدع أحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله . 40- قوله رحمه الله في الردة عن الإسلام
      المرتد هو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ولا يقتل إلا بعد الاستتابة. 41- قوله رحمه الله في التحذير من الشرك
      أعظم نهي نهى الله عنه الشرك بالله وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه رباً وإلهاً، وأشرك مع الله غيره.
      ومن لقي الله لايشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار، ولو كان أعبد الناس.
      وأول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون علياً وغيره، ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أما أول شرك حدث في الأرض فكان بشبهة محبة الصالحين، وأعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
      أحدهما: أن الأولين لايشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله العبادة، ومشركوا زماننا شركهم دائم في الرخاء والشدة.
      الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله، إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة أو يدعون أشجاراً وأحجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق النسا، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك.
      والذي يعتقد في الصالح أو الذي لايعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به. 43- تحذيره رحمه الله من عظائم هي من الشرك
      من اتخذ نداً تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر، ومن الشرك الاستعاذة بغير الله، ومن الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، وهذا هو الشرك الأكبر، والنذر لكونه عبادة فصرفه إلى غير الله شرك، والحلف بغير الله شرك، والطيَرَة شرك، ومن الشرك قول ماشاء الله وشئت ولكنه ليس من الشرك الأكبر، والرياء من الشرك الأصغر.
      ولا يجتمع في تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن، بل هو كفر. ومن تعلق شيئاً وُكل إليه، ومن تعلق تميمة فقد أشرك، - شركاً أصغر - وتعليق الخيط من الحمى، والودع عن العين من ذلك. والرقى والتمائم والتولة، هذه الثلاث كلها من الشرك إلا الرقية بالكلام الحق من العين والحمة فليس من ذلك، والتميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أو لا .
      أما الشرك الذي يصدر من المؤمن وهو لايدري، مع كونه مجتهداً في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجوا أن لايخرجه هذا من الوعد، وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب: كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ماشاء الله وما شاء محمدن وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط، ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات. 43- قوله رحمه الله في الجبت والطاغوت
      أول مافرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، فالإنسان لايصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت.
      والطاغوت عام فكل ماعبد من دون الله، ورضي العبادة، من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت، وهو - بحسب تعريف ابن القيم - كل ماتجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لايعلمون أنه طاعة الله، وقد يكون الطاغوت من الجن وقد يكون من الإنس، وصفة الكفر به هي أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
      والطواغيت كثيرة رؤوسهم خمسة:
      الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله.
      والثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله . والثالث: الذي يحكم بغير ماأنزل الله. والرابع الذي يدعي علم الغيب من دون الله. والخامس: الذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة .
      وجميع الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم - كما لو كانوا يندبونهم وينذرون لهم ويتوكلون عليهم، يريدون منهم أن يقربوهم إلى الله - وهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك، وأنهم يترشحون له ويأمرون به الناس كلهم كفار مرتدون عن الإسلام ومن زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر، فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لايقبل خطه ولا شهادته ولا يصلى خلفه، بل لايصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم.
      أما الجبت فهو السحر، ومنه - أي من الجبت - العيافة والطرقُ والطيرة . 44- قوله رحمه الله في لزوم الجماعة ونبذ الفرقة والشقاق
      نعتقد أن أمة محمد  صلى الله عليه وسلم  المتبعين لسنته لاتجتمع على ضلالة، وقد أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرقة فيه، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، فالرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب، ومن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً . 45- قوله رحمه الله في الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
      أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم  أن أمته ستفترق على أكثر من سبعين فرقة، أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التي على ماكان عليه الرسول  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه ، فلينظر إلى الفرق ومعتقداتهم وأعمالهم، فما وافقت النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه فهي الفرقة الناجية.
      وأهل السنة هم المتبعون لآثاره  صلى الله عليه وسلم ، وآثار أصحابه كما لايخفى، فهم أحق أن يكونوا الفرقة الناجية، وآثار النجاة ظاهرة فيهم لاستقامتهم على الدين من غير تحريف، وظهور مذهبهم وشوكتهم في غالب البلاد، ووجود العلماء المحققين والمحدثين والأولياء والصالحين فيهم.
      والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية (*) وهم في باب وعيد الله وسط بين المرجئة والوعيدية (**).
      وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئية والجهمية (***).

      وهم وسط في باب أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بين الروافض والخوارج (*)، وهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود  ونعتقد بأن الحق لايزول بالكلية كما زال فيما مضى، وأنه لاتزال طائفة من أمته  صلى الله عليه وسلم  على الحق منصورة لايضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأمر أمر الله وهم على ذلك. 46- قوله رحمه الله في الإمامة العظمى والسمع والطاعة
      وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم مالم يأمروا بمعصية الله، فمن تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً، وقد أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذك، وأبدى فيه وأعاد.
      ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه والأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا، مااستقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل إلى يومنا هذا مااجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أن أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لايصح إلا بالإمام الأعظم. 47- قوله رحمه الله في الهجرة
      والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى قيام الساعة. 48- قوله رحمه الله في الولاء والبراء
      من أطاع الرسول وود الله لايجوز له موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
      فالإنسان لايستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء.
      والمراد من قول " لاإله إلا الله" مع معرفتها بالقلب محبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته.
      فأحبوها وأحبوا أهلها واجعلوهم إخوانكم، ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت وعادوهم وأبغضوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم. 49- قوله رحمه الله في الجهاد والصلاة مع أئمة الجور
      وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً  صلى الله عليه وسلم  إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لايبطله جور جائر، ولا عدل عادل. 50 - قوله رحمه الله من البدع والحوادث
      وأرى هجر أهل البدع، ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة بدعة، وأوجب اتباع سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وترك البدع وإن اشتهرت بين أكثر العوام. ومتابعة الرسول في العبادة تخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع كجمع المصحف في كتاب واحد، وجمع عمر رضي الله الله عنه الصحابة على التراويح جماعة، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك فهذا حسن والله أعلم.
      أما ماصح عن العلماء من أنهم لايكفرون أهل القبلة فمحمول على من لم تكن بدعته مكفرة، لأن كلمتهم اتفقت على تكفير من كانت بدعته مكفرة . 51- قوله رحمه الله في بيان مذهبه
      نحن مقدلون الكتاب والسنة وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل رحمهم الله. أما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد إمام أهل السنة ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة وقول جمهورها، وأما المتأخرون رحمهم الله فكتبهم عندنا نعمل بما وافق النص منها، وما لم يوافق النص لانعمل به . 52- قوله رحمه الله في القتال بعد إقامة الحجة
      نقاتل عبَّاد الأوثان كما قاتلهم  صلى الله عليه وسلم  ، وقد قاتلهم ليكون الدين كله لله والذبح كله لله والنذر كله لله والاستغاثة كلها لله وجميع أنواع العبادة كلها لله .
      وإلى اليوم لم نقاتل أحداً إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتلهم على سبيل المقابلة ( وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها) وكذلك من جهر بسب دين الرسول بعدما عرفه ، ومن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان ونقاتلهم على ترك الصلاة ومنع الزكاة كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وإنما نقتلهم بعدما نُقم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأمة . 53- قوله رحمه الله في حجية المتواتر
      الجهل بالمتواتر القاطع - بعذر - أو تأويله وصرفه من غير دليل معتبر غير مفيد، كمن أنكر فرضية الصلوات الخمس جهلاً لفرضيتها، فإنه بهذا الجهل يصير كافراً، وكذا لو أولها على غير المعنى الذي نعرفه فقد كفر. 54- قوله رحمه الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
      وأرى وجوب الأمر والنهي عن المنكر على ماتوجبه الشريعة المحمدية الطاهرة. 55- قوله رحمه الله في المسح على الخفين
      صح عن النبي صلى الله عليه وسلم  برواية نحو خمسين من الصحابة أو ثمانين أو أزيد المسح على الخفين، فمنكره مبتدع . 56- قوله رحمه الله في نكاح المتعة
      إن المتعة كانت حلالاً ثم نسخت وحرِّمت تحريماً مؤبداً فمن فعلها فقد فتح على نفسه باب الزنا. 57- قوله رحمه الله في النياحة
      وأما النياحة فمن أعظم منكرات الجاهلية . 58- ختام قوله رحمه الله
      فهذه عقيدة وجيزة حررتها، والله على مانقول وكيل  أ هـ. * * * تم بفضل الله وعظيم منته تحرير هذا البحث اليسير المسمى
      ( فصل الخطاب في بيان عقيدة "الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب )
      في حلب الشهباء من الديار الشامية لثلاث وعشرين ليلة من شهر رمضان المبارك عام أربعة عشر وأربعمئة وألف للهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.
        صيد الفوائد
    • تفسير الشيخ الشعراوي الاسراء٧٨_٧٩   (أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً )٧٨-الإسراء فالصلاة هي الفريضة الثابتة المتكررة التي لا تسقط عن المسلم بأي حال، وفيها إعلانُ ولاء للإيمان بالله كل يوم خمس مرات وهي أيضاً تنتظم كل أركان الإسلام؛ لأنك في الصلاة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فبدل أنْ كنتَ تقولها مرة واحدة ها أنت تقولها عدة مرات في كل صلاة، وهذا هو الركن الأول.
      كما أنها تشتمل على الصوم؛ لأنك تصوم في أثناء الصلاة فتمتنع عن شهوتَيْ البطن والفرج، وكذلك عن أيِّ فعل غير أفعال الصلاة، وعن الكلام في غير ألفاظ الصلاة. إذن: في الصلاة صيام بالمعنى الأوسع للصوم.
      وفي الصلاة زكاة؛ لأن المال الذي تكتسبه وتُزكِّيه ناتج عن الحركة، والحركة فرع الوقت، وفي الصلاة تُضحّي بالوقت نفسه، فكأن الزكاة في الصلاة أبلغ.
      وكذلك في الصلاة حج؛ لأنك تتوجّه فيها إلى كعبة الله، وتستحضرها في ذِهْنك وأمام ناظريْكَ.
      لذلك استحقت الصلاة أن تكون عماد الدين، مَنْ أقامها فقد أقام الدين، ومَنْ هدمها فقد هدم الدين، ومن هنا جاءت الصلاة في أول هذه الأحكام، فقال تعالى: { أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ .. } [الإسراء: 78] أي: أدِّها أداءً كاملاً في أوقاتها.
        والصلاة لها مَيْزة عن كل أركان الإسلام؛ لأن كل تكليفات الإسلام جاءت بواسطة الوحي لرسول الله إلا الصلاة، فقد فُرِضَتْ بالمباشرة مما يدلُّ على أهميتها، وقد مثَّلنَا لذلك - ولله المثل الأعلى - بالرئيس الذي يتصل بمرؤوسه تليفونياً ليأمره بشيء، فإذا كان هذا الشيء من الأهمية بمكان استدعاه إليه وأفهمه ما يريد.
        وهكذا كانت الصلاة، فقد فُرِضَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بالمباشرة لما لها من أهمية بين فراض الدين، ثم تولى جبريل عليه السلام تعليم رسول الله الصلاة، وعَلَّمها رسول الله للناس، وقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" .
        وقوله تعالى: { لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ .. } [الإسراء: 78].
      الحق سبحانه يريد أن يُبيِّن لنا مواقيت الصلاة. و(الدلوك) معناه: الزوال من حركة إلى حركة، ومنها قولنا: فلان (المدلكاتي) أي: الذي يتولّى عملية التدليك، وتتحرك يده من مكان لمكان.
      والمراد بدلوك الشمس: مَيْلها عن وسط السماء إلى ناحية الغرب، والإنسان يرى الأفق الواسع إذا نظر إلى السماء، فيراها على شكل قوس ممتدّ وعلى حَسْب نظره وقوته يرى الأفق، فإنْ كان نظره قوياً رأى الأُفُقْ واسعاً، وإنْ كان نظره ضعيفاً رأى الأفق ضيّقاً؛ لذلك يقولون لقليل التفكير: ضيِّق الأفق.
      وأنت حين تقف في مكانك وتنظر إلى السماء تراها على شكل نصف دائرة، وأنت مركزها، وساعةَ أنْ ترى الشمس عمودية عليك، فهذا وقت الزوال، فإذا ما انحرفتْ الشمس ناحية المغرب يُقَال: دلكت الشمس. أي: مالت ناحية المغرب، وهذا هو وقت الظهر.
        والمتأمل في فَرْض الصلاة على رسول الله يجد أن الظُّهْر هو أول وقت صَلاَّه رسول الله؛ لأن الصلاة فُرِضَتْ عليه في السماء في رحلة المعراج، وكانت بليل، فلما عاد صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الظهر، فكانت هي الصلاة الأولى.
        ثم يقول تعالى: { إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ .. } [الإسراء: 78] أي: أقِم الصلاة عند دُلوك الشمس إلى متى؟ إلى غَسَق الليل أي: ظُلْمته وفي الفترة من دُلوك الشمس إلى ظُلمة الليل تقع صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولا يبقى إلى صلاة الصبح، فقال عنها سبحانه وتعالى: { وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } [الإسراء: 78]   ونتساءل هنا: لماذا ذكر قرآن الفجر ولم يَقُلْ صلاة؟
      قالوا: لأن القرآن في هذا الوقت حيث سكون الكون وصفاء النفوس، فتتلقى القرآن نديّاً طريّاً وتستقبله استقبالاً واعياً قبل أن تنشغل بأمور الحياة { إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } [الإسراء: 78].
      أي: تشهده الملائكة. إذن: المشهودية لها دَخْل في العبادة، فإذا كانت مشهودية مَنْ لا تكليف عليه في الصلاة جعلها الله حيثية، فكيف بمشهودية مَنْ كُلِّف بالصلاة؟
        والحق سبحانه وتعالى جعل في صلاة الجماعة استطراقاً للعبودية، ففي صلاة الجماعة يستوي كل الخَلْق حيث يخلعون وجاهتهم، ويخلعون أقدارهم على أبواب المسجد، كما يخلعون أحذيتهم، فالرئيس بجانب المرؤوس والوزير بجانب الخفير.
      لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوطِّن الإنسان لنفسه مكاناً في المسجد، يجلس فيه باستمرار؛ لأن الأصل أنْ يجلس المصلي حيث ينتهي به المجلس، فيجلس الناس بأولوية الحضور كل حَسْب مكانه ومبادرته للصلاة، فلا يتخطى الرقاب، ولا يُفرق بين اثنين.
        ونرى بعض المصلين يسارع إلى الصفِّ الأول مثلاً، ويضع سجادته ليحجزَ بها مكاناً، ثم ينصرف لحَاجته، فإذا ما تأخر عن الصلاة أتى ليتخطّى رقاب الناس ليصل إلى مكانه، فإذا بالناس يضيِقون من هذا التصرُّف، ويُنحُّون سجادته جانباً ويجلسون مكانها، إنه تصرُّف لا يليق ببيوت الله التي تُسوِّي بين خَلْق الله جميعاً، وتحقق استطراق العبودية لله، فأنت اليوم بجوار فلان، وغداً بجوار آخر، الجميع خاضع لله راكع وساجد، فليس لأحد أن يتعالى على أحد.
      ونرى كذلك استطراق العبودية واضحاً في مناسك الحج، حيث يأتي أحد العظماء والوجهاء فتراه عند الملتزم خاضعاً ذليلاً باكياً متضرعاً، وهو مَنْ هو في دُنْيا الناس.
        إذن: فوقت الفجر وقت مبارك مشهود، تشهده ملائكة الليل، وهم غير مُكلَّفين بالصلاة، فالأفضل من مَشْهدية الملائكة مَشْهدية المصلِّين الذين كلَّفهم الله بالصلاة، وجعلهم ينتفعون بها.
      ومن هنا كانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.
      ويجب أن نلتفت إلى أن الحق سبحانه ربط الصلوات الخمس بالوقت، وبآية كونية تدلُّ عليه هي الشمس، فكيف العمل إذا غابت، أو حُجِبَتْ عنَّا بغيْم أو نحوه؟
        إذن: على الإنسان المؤمن أن يجتهد ويُعمِلَ تفكيره في إيجاد شيء يضبط به وقته، وفعلاً تفتقتْ القرائح عن آلات ضبط الوقت الموجودة الآن، والتي تُيسِّر كثيراً على الناس؛ لذلك كانت الطموحات الإنسانية لأشياء تخدم الدين وتوضح معالمه أمراً واجباً على علماء المسلمين، على اعتبار أن مَا لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
        (وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً )٧٩-الإسراء الهجود: هو النوم، وتهجَّد: أي أزاح النوم والهجود عن نفسه، وهذه خصوصية لرسول الله وزيادة على ما فرض على أمته، أنْ يتهجَّد لله في الليل، كما قال له ربه تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } [المزمل: 1-4].
      فهذه الخصوصية لرسول الله وإنْ كانت فَرْضاً عليه، إلا أنها ليست في قالب من حديد، بل له صلى الله عليه وسلم مساحة من الحرية في هذه العبادة، المهم أن يقوم لله تعالى جزءاً من الليل، لكن ما عِلَّة هذه الزيادة في حَقِّ رسول الله؟ العلة في قوله تعالى: { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } [المزمل: 5].
      وكأن التهجُّد ليلاً، والوقوف بين يدي الله في هذا الوقت سيعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة والطاقة اللازمة للقيام بهذه المسئولية الملقاة على عاتقه، ألاَ وهي مسئولية حَمْل المنهج وتبليغه للناس.
        وفي الحديث الشريف "أن رسول الله كان كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة" ، ومعنى حَزَبه أَمْر: أي: ضاقت أسبابه عنه، ولم يَعُد له فيه منفذ، فإنْ ضاقت عليه الأسباب فليس أمامه إلا المسبِّب سبحانه يلجأ إليه ويُهْرع إلى نجدته { إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً } [المزمل: 6].
      لأنك في الوقت الذي ينام فيه الناس ويخلدون إلى الراحة وتتثاقل رؤوسهم عن العبادة، تقوم بين يدي ربك مناجياً مُتضرِّعاً، فتتنزل عليك منه الرحمات والفيوضات، فَمَنْ قام من الناس في هذا الوقت واقتدى بك فَلَهُ نصيب من هذه الرحمات، وحَظٌّ من هذه الفيوضات. ومَنْ تثاقلتْ رأسه عن القيام فلا حَظَّ له.
        إذن: في قيام الليل قوة إيمانية وطاقة روحية، ولما كانت مهمة الرسول فوق مهمة الخَلْق كان حظّه من قيام الليل أزيد من حظهم، فأعباء الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة، والعِبْءُ الثقيل يحتاج الاتصال بالحق الأحد القيوم، حتى يستعين بلقاء ربه على قضاء مصالحه.
      ومن العجيب أن ينصرف المسلمون عن هذه السُّنة، ويتغافلون عنها، فإذا حزبهم أمر لا يُهْرَعون إلى الصلاة، بل يتعللون، يقول أحدهم: أنا مشغول. وهل شغل الدنيا مبرر للتهاون في هذه الفريضة؟ ومَنْ يدريك لعلك بالصلاة تُفتح لك الأبواب، وتقضى في ساعة ما لا تقضيه في عدة أيام.
        ونقول لهؤلاء الذين يتهاونون في الصلاة وتشغلهم الدنيا عنها، فإنْ صَلُّوا صَلُّوا قضاءً، فإن سألتَهم قالوا: المشاغل كثيرة والوقت لا يكفي، فهل إذا أراد أحدهم الذهاب لقضاء حاجته، هل سيجد وقتاً لهذا؟ إنه لا شكَّ واجدٌ الوقت لمثل هذا الأمر، حتى وإنْ تكالبتْ عليه مشاغل الدنيا، فلماذا الصلاة هي التي لا تجد لها وقتاً؟!
      وقوله تعالى: { نَافِلَةً لَّكَ .. } [الإسراء: 79].
      النافلة هي الزيادة عما فرض على الجميع (لك) أي: خاصة بك دون غيرك، وهذا هو مقام الإحسان الذي قال الله عنه: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } [الذاريات: 15-16].
      والمحسن هو الذي دخل مقام الإحسان، بأن يزيد على ما فرضه الله عليه، ومن جنس ما فرض؛ لذلك جاءت حيثية الإحسان: { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الذاريات: 17-18].
      وهذا المقام ليس فرضاً عليك، فلك أن تصلي العشاء وتنام حتى صلاة الفجر، لكن إنْ أردت أن تتأسَّى برسول الله وتتشبّه به فادخُلْ في مقام الإحسان على قَدْر استطاعتك.
        ثم يقول تعالى: { عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً } [الإسراء: 79].
      تحدثتْ الآية في أولها عن التكليف، وهذا هو الجزاء، و{ عَسَىٰ } تدل على رجاء حدوث الفعل، وفَرْق بين التمني والرجاء، التمني: أن تعلن أنك تحب شيئاً لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل، ومن ذلك قول الشاعر: لَيْتَ الكَواكِبَ تَدْنُو ليِ فَأنْظِمُهَا فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه، وهذا أمر مستحيل الحدوث.
      وقوله: أَلاَ لَيْتَ الشَّباب يعُودُ يَوْماًفَأُخبرُه بِمَا فَعَلَ المشيِبُ أما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث.
      ويقع تحت الطلب أشياء متعددة؛ فإنْ طلب المتكلم من المخاطب شيئاً غير ممكن الحدوث فهو تمنٍّ، وإن طلب شيئاً ممكن الحدوث فهو ترجٍّ، وإنْ طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما تقول: أين زيد؟ وفَرْقٌ بين طلب الحقيقة وطلب الصورة.
      فإنْ طلبتَ حقيقة الشيء، فأمامك حالتان: إما أنْ تطلب الحقيقة على أنها تُفعل فهذا أمر، مثل: قُمْ: فإنْ طلبتها على أنها لا تفعل فهذا نهي: لا تَقُمْ.
        إذن: { عَسَىٰ } تدل على الرجاء، وهو يختلف باختلاف المرجو منه، فإنْ رجوت من فلان فقد يعطيك أو يخذلك، فإنْ قُلْتَ: عسى أنْ أعطيك فقد قربت الرجاء؛ لأنني أرجو من نفسي، لكن الإنسان بطبعه صاحب أغيار، ويمكن أن تطرأ عليه ظروف فلا يَفِي بما وعد.
      فإنْ قُلْت: عسى الله أن يعطيك، فهو أقوى الرجاء؛ لأنك رجوتَ مَنْ لا يُعجِزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولا تتناوله الأغيار إذن: فالرجاء فيه مُحقَّق لاَ شَكَّ فيه.
        والمقام المحمود، كلمة محمود: أي الذي يقع عليه الحمد، والحمد هنا مشاع فلم يَقُلْ: محمود مِمَّنْ؟ فهو محمود مِمَّنْ يمكن أن يتأتّى منه الحمد، محمود من الكل من لَدُنْ آدم، وحتى قيام الساعة.
        والمراد بالمقام المحمود: هو مقام الشفاعة، حينما يقف الخَلْق في ساحة الحساب وهَوْل الموقف وشِدّته، حتى ليتمنى الناس الانصراف ولو إلى النار، ساعتها تستشفع كُلُّ أمة بنبيها، فيردّها إلى أنْ يذهبوا إلى خاتم المرسلين وسيد الأنبياء، فيقول: أنا لها، أنا لها.
      لذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو بهذا الدعاء: "وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته" ولا شَكَّ أنه دعاء لصالحنا نحن.   نداء الايمان  
    • آية من كتاب الله الكريم تُعدُّ من جوامع كلم القرآن، قُصد منها الموعظة بالحوادث ماضيها وحاضرها، والتزام ما أمر الله به، والكف عما نهى عنه سبحانه، تقول الآية: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} (القصص:41) نقف مع هذه الآية لنستخلص منها ما ترمي إليه، وذلك من خلال الوقفات التالية:   الوقفة الأولى: قوله سبحانه {ظهر} أي: بان ووضح، و(الظهور) أن يبين شيء موجود بالفعل، لكنا لا نراه، وما دام الحق سبحانه يقول: {ظهر الفساد} فلا بد أن الفساد كان موجوداً، لكن أصحاب الفساد عمُّوه وأخفوه إلى أن فقَّس وفرَّخ في المجتمع. والفساد لا يظهر إنما يظهر أثره. فـ {الفساد} يأتي حين يطرح الإنسان قانون الله الذي ينص على (افعل) و(لا تفعل)، أما الصلاح فموجود وفيه مناعة يكافح بها الفساد، فإن علا تيار الفساد، وظهر على الصلاح وغلبه بان للناس ولاح.   الوقفة الثانية: و{الفساد} سوء الحال، وهو ضد الصلاح. واختلف العلماء في معنى {الفساد} في الآية، والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه نقصان البركة بأعمال العباد؛ كي يتوبوا. قال النحاس: وهو أحسن ما قيل في الآية. ودلَّ قوله سبحانه: {في البر والبحر} على أن (الفساد) سوء الأحوال في ما ينتفع به الناس من خيرات الأرض برها وبحرها. فـ (فساد البر) يكون بفقدان منافعه وحدوث مضاره، مثل حبس الأقوات من الزرع والثمار والكلأ، وفي موتان الحيوان المنتفع به، وفي انتقال الوحوش التي تصاد من جراء قحط الأرض إلى أرضين أخرى، وفي حدوث الجوائح من جراد وحشرات وأمراض. و(فساد البحر) يظهر في تعطيل منافعه من قلة الحيتان واللؤلؤ والمرجان، فقد كانا من أعظم موارد بلاد العرب، وكثرة الزوابع الحائلة عن الأسفار في البحر، ونضوب مياه الأنهار، وانحباس فيضانها الذي به يستقي الناس. وذِكْرُ {البر والبحر} لتعميم الجهات، بمعنى: ظهر الفساد في جميع الأقطار الواقعة في البر، والواقعة في البحر، و(الباء) في قوله: {بما كسبت أيدي الناس} للسببية، و(اللام) في قوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} لام العاقبة، والمعنى: فأذقناهم بعض الذي عملوا، فجعلت لام العاقبة في موضع (الفاء) كما في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} (القصص:8).   الوقفة الثالثة: قول الحق سبحانه: {ظهر الفساد} هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليبين لنا أن الرسل إنما جاءوا لإنقاذ البشرية من هذا الفساد، لكن ما دام الأمر عُلِّل فالأمر يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فكلما ظهر الفساد حلَّت العقوبة، وهذه آية كونية من آيات الله إلى قيام الساعة. ومَحْمَل صيغة فعل {ظهر} على حقيقتها من المضي يقتضي أن الفساد حصل، وأنه ليس بمستقبل، فيكون إشارة إلى فساد مشاهد، أو محقق الوقوع بالأخبار المتواترة. وقد تُحْمَلُ صيغة الماضي على معنى توقع حصول الفساد والإنذار به، فكأنه قد وقع، نحو قوله سبحانه: {أتى أمر الله} (النحل:1) وأيًّا ما كان، فالمقصود أن حلول {الفساد} بالناس بقدرة الله، كما دل عليه قوله سبحانه: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} وأن الله يقدر أسبابه تقديراً خاصًّا؛ ليجازي من يغضب عليهم على سوء أفعالهم، وهو المراد {بما كسبت أيديهم}.   الوقفة الرابعة: {بما كسبت أيدي الناس} أي من الآثام والموبقات، ففشا الفساد وانتشرت عدواه، وتوارثه جيل عن جيل، أينما حلوا، وحيثما وجدوا. وإسناد (الكسب) إلى الأيدي جرى مجرى المثل في فعل الشر والسوء من الأعمال كلها، دون خصوص ما يُعمل منها بالأيدي؛ لأن ما يكسبه الناس يكون بالجوارح الظاهرة كلها، وبالحواس الباطنة من العقائد الضالة والأمراض القلبية. وأعظم ما كسبته أيدي الناس من الأعمال السيئة الإشراك، وهو المقصود هنا، وإن كان الحكم عامًّا. ويُعْلَم أن مراتب ظهور الفساد حاصلة على مقادير ما كسبت أيدي الناس، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال: (أن تدعو لله ندًّا، وهو خلقك) و(الند) هو المساوي والمكافئ. وقال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (الشورى:30) وقال عز وجل: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا} (الجن:16).   الوقفة الخامسة: قوله عز وجل {ليذيقهم بعض الذي عملوا} المراد بعض الجزاء على جميع العمل، لا الجزاء على بعض العمل، أي: أن ما يذيقهم من العذاب هو بعض ما يستحقونه. وفي هذا تهديد إن لم يقلعوا عن مساوئ أعمالهم، كقوله تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} (فاطر:45) ثم وراء ذلك عذاب الآخرة، كما قال تعالى: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} (طه:127). قال ابن كثير: "قوله: {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختباراً منه، ومجازاة على صنيعهم".   الوقفة السادسة: قوله سبحانه: {لعلهم يرجعون} أي: يرجعون عن المعاصي، ويقلعون عما هم فيه من الذنوب والمحرمات، قال قتادة: لعل راجعاً أن يرجع، لعل تائباً أن يتوب، لعل مستعتِباً أن يَستَعْتِب، والمعنى: إنما يصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم وما اكتسبوه من الآثام؛ كي ينيبوا إلى الحق، ويرجعوا تائبين، كما قال تعالى: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون} (الأعراف:168). و(الرجاء) المستفاد من (لعل) يشير إلى أن ما ظهر من فساد كاف لإقلاعهم عما هم اكتسبوه، وأن حالهم حال من يُرجى رجوعه، فإن هم لم يرجعوا، فقد تبين تمردهم، وعدم إجداء الموعظة فيهم، وهذا كقوله تعالى: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} (التوبة:126).   الوقفة السابعة: من صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية وردت أحاديث نذكر منها ما أخرجه الحاكم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله). وأخرج ابن ماجه والبزار والبيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم). وروى ابن ماجه بسند صحيح عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يُعْزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير).   الوقفة الثامنة: قال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة؛ ولهذا جاء في الحديث: (حد يُعمل به في الأرض، خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) رواه ابن ماجه بإسناد حسن. والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس -أو أكثرهم، أو كثير منهم- عن تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كانت سبباً في محق البركات من السماء والأرض؛ ولهذا إذا نزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان، فحكم بشريعة الإسلام، من قتل الخنزير، وكسر الصليب، ووضع الجزية، وهو تركها -فلا يُقبل إلا الإسلام أو السيف- فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركاتك، فيأكل من الرمانة الكثير من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن الناقة الحلوب الجماعة من الناس، وما ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة الإسلام، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير؛ ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة، فقال: (مستريح ومستراح منه) قالوا: يا رسول الله! ما المستريح والمستراح منه؟ قال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) رواه البخاري.   وحاصل القول في الآية أن كل فساد يقع في الأرض سببه الانحراف عن أمر الله، وسببه الشرك والكفر، وأن الفساد عذاب جعله الله ليدرك الإنسان خطأه في السير على غير هدى من الله والشرك به، ومن عرف عالمنا ومآسيه أدرك حاجة الإنسان إلى الإسلام، وأن الشرك والمعاصي يترتب عنهما فساد عريض في الحياة البشرية، وأن في ذلك عذاباً للإنسان، وأن الشرك والمعاصي بهما يستحق الإنسان عذاب الله، وأن انتشار الفواحش والآثام في البلاد ينعكس على أهلها بفساد الأحوال، الأمر الذي يتطلب منهم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليرفع الله عنهم بذلك ما أصابهم.   إسلام ويب  
  • أكثر العضوات تفاعلاً

    لاتوجد مشارِكات لهذا الاسبوع

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • samra120 تشعر الآن ب غير مهتمة
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182011
    • إجمالي المشاركات
      2535278
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93156
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    نوررررر الصباح
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏ أخبروهم بالسلاح الخفي القوي الذي لا يُهزم صاحبه ولا يضام خاطره، عدته ومكانه القلب، وجنوده اليقين وحسن الظن بالله، وشهوده وعده حق وقوله حق وهذا أكبر النصر، من صاحب الدعاء ولزم باب العظيم رب العالمين، جبر خاطره في الحين، وأراه الله التمكين، ربنا اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات وارحم المستضعفات في فلسطين وفي كل مكان ..

×