اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58751
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180855
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260002
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8462
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53223
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29727
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32391
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38747 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 237 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • لفظ (التقوى) في القرآن
        يروى عن بعض طلبة العلم أنه قال لشيخه: أوصني، قال: أوصيك بما أوصى الله تعالى الأولين والآخرين، وهو قوله: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} (النساء:131). فالتقوى كنز عزيز، إذا ظفر به المرء، وجد فيه خيراً كثيراً، ورزقاً كريماً. فهي الخصلة التي تجمع خيري الدنيا والآخرة. والمتأمل مواقعها في القرآن الكريم يجد كم رتب عليها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضيف إليها من سعادة.

      ولفظ (التقوى) من حيث اللغة يدل على دفع شيء عن شيء بغيره. تقول: وقيته أقيه وقياً. والوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره. واتق الله: توقه، أي: اجعل بينك وبينه كالوقاية.


      ولفظ (التقوى) توارد في القرآن الكريم في ثمانية وخمسين ومائتي موضع
      جاء في اثنين وثمانين ومائة موضع بصيغة الفعل، من ذلك قوله تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} (البقرة:24)، وجاء بصيغة الاسم في ستة وسبعين موضعاً، من ذلك قوله سبحانه: { فإن خير الزاد التقوى} (البقرة:197).


      ولفظ (التقوى) ورد في القرآن الكريم علن خمسة معان، هي:

      بمعنى التوحيد والإيمان، من ذلك قوله سبحانه: {وألزمهم كلمة التقوى} (الفتح:26)، قال الطبري: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال مجاهد: {كلمة التقوى} الإخلاص. ونحو هذا، قوله سبحانه: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} (الحجرات:3)، أي: أخلص قلوبهم لتوحيده.

      بمعنى الإخلاص، من ذلك قوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} (الحج:32)، أي: من يقدر شعائر الله التي شرعها حق قدرها، ويؤديها حق الأداء، فإن ذلك دليل على الإخلاص، وسلامة القصد.

      بمعنى العبادة والطاعة، من ذلك قوله عز وجل: {إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون} (الشعراء:106)، قال الشوكاني: ألا يخافون عقاب الله سبحانه، فيصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن هذا القبيل، قوله سبحانه: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} (النحل:2).

      بمعنى الخشية، من ذلك قوله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله } (النساء:131)، قال الطبري: احذروا الله أن تعصوه وتخالفوا أمره ونهيه. ونحو ذلك، قوله سبحانه: {وإياي فاتقون} (البقرة:41)، أي: فاخشوني.

      بمعنى ترك المعصية، من ذلك قوله عز من قائل: {وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله} (البقرة:189)، أي: البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها. ونحو هذا، قوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب} (البقرة:197)، قال الطبري: خافوا عقابي باجتناب محارمي التي حرمتها عليكم، تنجوا بذلك مما تخافون من غضبي عليكم وعقابي، وتدركوا ما تطلبون من الفوز بجناتي. وأكثر ما ورد لفظ (التقوى) في القرآن الكريم على هذا المعنى.

      قال بعض أهل العلم: حقيقة (التقوى) تنزيه القلب والجوارح عن الذنوب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} (النور:52)، ذكر (الطاعة) و(الخشية) ثم ذكر (التقوى)، فعُلم بهذا أن حقيقة (التقوى) بمعنى غير (الطاعة) و(الخشية)، وهي الابتعاد عن المعاصي.

      وقد ذكر الرازي أن لفظ (التقوى) يأتي أيضاً بمعنى (التوبة)، ومثَّل له بقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم} (الأعراف:96)، أي: تابوا. ولم نجد غير الرازي من المفسرين من ذكر هذا المعنى للفظ (التقوى).

      بقي أن نقول: إن ما ذكرناه من معاني لفظ (التقوى) في القرآن، وما سقناه من آيات تدل على هذا المعنى أو ذاك، لا يمنع أن يكون للفظ (التقوى) معنى آخر، فتعيين المفسر لمعنى ما أمر عائد لما يرجحه من دليل، وقد يرجح غيره معنى آخر لدليل يراه، ولا حرج في ذلك، ما دام اللفظ يحتمل هذه المعاني. ويبقى في المحصلة أن معاني لفظ (التقوى) في القرآن تندرج في تلك المعاني الخمسة التي ذكرناها.
       
    • مكارم الأخلاق (8) التودد

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      مقدمة:
      الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

      من مكارم الأخلاق المنشودة "التودد":
      عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا. وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) (رواه مسلم).

      المقصود بالتودد:

      التَّودُّد لغةً: من الوُدِّ، والوُدُّ مصدر الموَدَّة. والوُدُّ هو الحُبُّ ويكون في جميع مداخل الخير، والتواد التحاب.

      واصطلاحًا: قال ابن حجر -رحمه الله-: "هو تقرُّب شخصٍ من آخر بما يحب"، وقال ابن أبي جمرة: "التَّوَادُد هو التَّواصل الجالب" (فتح الباري).

      حاجتنا إلى التودد في زمان كثرت فيه الخلافات والخصومات والاعتداد بالنفس:
      قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم).

      أنواع التودد:

      التودد نوعان:
      تودد محمود: وهو ما كان ناشئًا من محبة معتدلة لأهل الخير والصلاح(1).
      قال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة: 71).

      تودد مذموم: وهو التودد إلى الكفار والظالمين وفسقة الناس.
      قال -تعالى-: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة: 22).

      التودد منه فطري وكسبي:
      الفطري: من الناس من عنده ذلك طبيعة وفطرة ووراثة أحيانًا.
      الكسبي: يكون بالتعلم والتدرب.
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ) (رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وحسنه الألباني).

      من صور التودد:
      التزاور:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

      التهادي:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (رواه البخاري في الأدب المفرد ومالك، وصححه الألباني).

      الإعانة والمعاونة:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم).

      التبسط والانبساط عند اللقاء:
      عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

      التواصل بالوسائل العصرية الحديثة: مثل الهاتف، الإنترنت بفروعه، البرقيات والبوستات (أحبك في الله - بارك الله لك في أهلك ومالك - ...).

      شواهد التودد في القرآن والسنة:

      التودد بين الزوجين:
      قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).

      المرأة الودود الولود:
      قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

      محبة الصالحين:
      قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم:96).

      تحمل الأذى:
      عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه مسلم).

      ومن كلام السلف في التودد:
      قال عمر -رضي الله عنه-: "ثلاثٌ يُصفّينَ لك وُدَّ أخيك: أن تُسَلِّمَ عليه إذا لقيته أولًا، وتوسِّعَ له في المجلس، وتدعوه بأحبِّ أسمائه إليه".
      وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "التَّقدير نصف الكسب، والتَّودُّد نصف العقل" (إحياء علوم الدين).

      النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة في التودد:

      تودُّد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وهو صاحب المقام العالي: عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: "ما حَجَبَني النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّمَ في وجهي" (متفق عليه). "وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمرُّ بالصِّبيان فيُسلِّم عليهم" (متفق عليه).
      وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ سِنِينَ، وَشَمِمْتُ الْعِطْرَ كُلَّهُ، فَلَمْ أَشُمَّ نَكْهَةً أَطْيَبَ مِنْ نَكْهَتِهِ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَامَ مَعَهُ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ‌فَتَنَاوَلَ ‌أُذُنَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْهَا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا مِنْهُ" (أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، وحسنه الألباني).
      وعن سهل بن حنيف -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ‌يَأتِي ‌ضُعَفَاءَ ‌الْمُسْلِمِينَ، ‌وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ" (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

      عوامل اكتساب خلق التوادد في عناوين:
      1- التواضع: (المتكبِّر لا يتودَّد، وله تأويلات كثيرة: يقلل من شخصيَّتي ومكانتي - أنا أعلى منه قدرًا - ...).
      2- لين القول وحسنه: (فالغلظة والفظاظة حاجز في طريق التودد).
      3- إغلاق باب الجدال والمراء: (فالخلاف الكثير يغير القلوب ويفسد الوُد).
      4- السخاء والجود والإيثار: (فالبخيل والشحيح يحسب كل شيء بالمقابل المادي).
      5- بسط الوجه، وبذل العون عند المعاملة: (فهي مفاتيح للقلوب لتأليفها).
      نسأل الله الغفور الودود، أن يمنَّ علينا بودِّه، وأن يجعل بيننا وإخواننا الود.
      والحمد لله رب العالمين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
      (1) والذين نتودد إليهم أنواع، وحكم التودد إليهم أنواع؛ فمنهم: الآباء والأمهات، ومنهم الأبناء والقرابات والأرحام، ومنهم الأزواج والأصهار، ومنهم الأصحاب والمشايخ والعلماء، ومنهم الجيران والزملاء.
      فمنهم مَن يكون التودد إليه واجبًا، ومنهم من يكون مستحبًا.
      وبالجملة: يتفاوت الحكم بين الواجب والمستحب في حق مَن يشرع لنا التودد إليهم.

       
    • مكارم الأخلاق (7) الاستقامة


      مقدمة:
      - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).
      - فمن مكارم الأخلاق المنشودة "الاستقامة": قال -تعالى- عن أهل الاستقامة: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30).
      - والاستقامة واجبة على كل مسلم إلى آخر لحظات عمره(1): قال -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112). وعن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه-، قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ) (رواه مسلم).


      المقصود بالاستقامة:
      - لقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك ببيان ومثال توضيحي: فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خطَّ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- خطًّا بيدِه ثم قال: (هذا سبيلُ اللهِ مستقيمًا)، وخطَّ خطوطًا عن يمينِه وشمالِه، ثم قال: هذه السبلُ ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ) (رواه أحمد بسند صحيح).
      - لذا تنوعت أقوال السلف في وصف الاستقامة من خلال فهمهم لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب". وقال ابن رجب -رحمه الله-: "والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهي الدين القيم من غير تعريج عنه يمنةً ولا يسرةً، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك" (جامع العلوم والحكم).


      نماذج من الاستقامة:
      - عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على الاستقامة حتى الأنفاس الأخيرة: روى البخاري عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: "لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ -رضي الله عنه- جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ -رضي الله عنه- فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ. قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ -تعالى- مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلاَعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لاَفْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ -عز وجل- قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ!".
      وفي روايةٍ أخرى: "قَالَ عمر لابن عباس: أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْدَ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ. فَوَضَعْتُهُ مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي. فَقَالَ: أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ. فَتَرَكَ لِحْيَتَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى وَقَعَ بِالْأَرْضِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ وَوَيْلَ أُمِّكَ يَا عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللهُ لَكَ. ثُمَّ قُبِضَ رَحِمَهُ اللهُ".
      - أحمد بن حنبل على الاستقامة ولو تحت سياط التعذيب: ذكر أصحاب التاريخ والسير في محنة خلق القرآن: "أن الخليفة المعتصم أمر بحبس الإمام أحمد في سجن ضيق مظلم والقيود في يديه، وفي السجن أجريت له عديد من المناظرات مع أئمة المعتزلة في محاولة لإثنائه عن رأيه، لكنهم فشلوا في ذلك، ثم أجريت معه مناظرة علنية في شهر رمضان وبحضور الخليفة المعتصم وكبار رجال الدولة الذين حاولوا استمالته عن رأيه، لكنهم فشلوا في ذلك، مما دفع بأحد مناظريه وهو المعتزلي المبتدع -أحمد بن داؤد- لأن يفتي المعتصم بأن ابن حنبل ضال وكافر ومبتدع ويجب قتله، وبعد استمرار المناظرة لثلاثة أيام متوالية والفشل المتوالي بإقناع الإمام أحمد بالعدول عن رأيه، أحضرت السياط وشد الإمام على العقابين -وهما خشبتان يشد الرجل بينهما للجلد-، وجلد الإمام أحمد جلدًا شديدًا وعُذِّب وأهين، وهو ثابت على رأيه لا يغيره قيد أنملة، وقام إليه الخليفة المعتصم طالبًا منه تغيير رأيه ويقول له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، وأغمى على الإمام من شدة التعذيب والضرب بالسياط، حتى أطلق المعتصم سراحه خوفًا من موته تحت التعذيب، وخرج الإمام لبيته لتلقى العلاج، ومات الخليفة المعتصم وولى مكانه "الواثق"، وكان من أشد الناس في القول بخلق القرآن، لدرجة أنه أمر بالتفريق بين الرجل الذي لا يقول بخلق القرآن وبين زوجته، وأرسل الواثق لابن حنبل يأمره بالخروج من بغداد، وقال: "لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها"، فأختبأ ابن حنبل في بيت أحد تلاميذه، ثم انتقل لمكان آخر وظل هكذا عدة أشهر لا يخرج لصلاة في المسجد ولا يلقى دروسه حتى مات الخليفة الواثق عام (231هـ)، وجاء بعده الخليفة "المتوكل" الذي أبطل الله به هذه المحنة، ورفع الاختبار فيها، كل ذلك والإمام أحمد ثابت مستقيم لا يحيد عن الجادة والمنهج الصحيح".
      - مؤذن معاصر على الاستقامة حتى الأنفاس الأخيرة برغم العجز عن التأذين: قال الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مقاله "تباريح" بالمجلة العربية: "وكان خال أبي وابن عم جدي عمر بن محمد العقيل -رحمه الله- مؤذنًا بمسجدنا خمسة وثلاثين عامًا، أدركتُ منها ربع قرن، لم يتخلف عن فرضٍ واحد لحَرٍّ أو قر، ومات في الرياض وعمره تسعون عامًا، وكان مُقْعدًا، فلما حضرته الوفاة بعد صحوة الموت وجده ابنه محمد واقفًا بعد أن كان مقعدًا يصدح بجمل الأذان: الله أكبر، الله أكبر" ثم مات!" (نقلًا عن سكب العبرات، د. سيد عفاني).
      - ولذلك كانت الاستقامة أعظم ما يرزق العبد في هذه الحياة الدنيا: قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لُزوم الاستقامة" .


      من ثمرات الاستقامة:
      لقد جعل الله -عز وجل- لمن آمنوا بدينه حقًّا، واستقاموا عليه صدقًا فضائل عظيمة ومنازل رفيعة، جاء ذكر بعضها في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: 30)، وذلك عند خروج الإنسان من الدنيا مقبلًا على الآخرة.


      1- تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى من عند الله -سبحانه- بالسرور والحبور في المواطن العصيبة: قال وكيع: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (فتح القدير للشوكاني).
      2- الطمأنينة والسكينة (أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا): قال العلماء: "لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال"، وقال عطاء: "لا تخافوا ردَّ ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم".
      3- البشرى بالجنة (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ): (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر:74).
      4- الولاية في الدارين (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ): قال الشوكاني -رحمه الله-: "أي: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب ونجا من كل مخافة. وقيل: إن هذا من قول الملائكة. قال مجاهد: إذا كان يوم القيامة قالوا: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة" (تفسير فتح القدير).
      5- مغفرة الذنوب قبل القدوم (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: 32): قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "(مِنْ غَفُورٍ) لذنوبكم، (رَحِيمٍ) بكم، حيث غفر وستر ورحم ولطف" .


      عوامل تحصيل الاستقامة:
      1- فعل الواجبات ومجاهدة النفس عليها، مع الاستزادة والإكثار من النوافل: ففي الحديث القدسي: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ ‌أَحَبَّ ‌إِلَيَّ ‌مِمَّا ‌افْتَرَضْتُ ‌عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ؛ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) (رواه البخاري).
      2- الإخلاص في العلم والعمل: قال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (الروم:30).
      3- الدعاء بالاستقامة والثبات عليها: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربَّه الثبات على الدين"، وقد أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة وفيها: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: 6، 7).
      4- الإكثار من قراءة القرآن وتدبره، ومحاولة حفظه؛ فقد جعله الله -تعالى- سبيلًا لمن أراد الاستقامة: قال -تعالى-: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (التكوير: 28)، وقال -تعالى-: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء:9).
      5- الصحبة الصالحة؛ لأن الميل لأهل المعاصي يضعف الاستقامة(2): قال -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود:112، 113).
      - الاشتغال بالعلم الشرعي والدعوة إلى الله، فذلك حصن حصين: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) (فصلت:33).
      فاللهم ارزقنا الاستقامة على دينك حتى الموت، واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
      (1) إن بعض الناس يستقيم فترات ويعوج فترات أخرى، وبعضهم يستقيم في أول التدين والالتزام، ثم يعوج في أواخر التزامه، كمن قال الله فيهم: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16).
      (2) تأمل كيف أن الله -تعالى- بعد أن أمر بالاستقامة حذَّر من الركون إلى أهل المعاصي؛ لأن هذا يؤثر على الاستقامة.
       
    • {إن الله بالغ أمره,قد جعل الله لكل شيء قدرا}
       قد جعل وقتا مقدرا لشفائك وقتا مقدرا لجبر كسرك
      ووقتا لقضاء دينك وقتا لحل مشكلتك وقتا لإجابة دعائك
      فلا تستعجل ولا تقنط وأحسن الظن
       واحذر موانع الإجابة
       واعلم أن الله بالغ أمره لا يمنعه مانع
       ولكن كل شيء عنده بقَدر ويدور بين حكمته وعدله وفضله


      (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز)
      أربعة أسماء في آية قصيرة تطمئن قلبك على الرزق الله: بجلاله وعظمته لطيف:
      يسوق لك الرزق بلطفه وحكمته قوي: لايعجزه إيصاله لك أينما كنت بقدرته وقوته عزيز: يعطي ويمنع من يشاء من صنوف رزقه ونعمته  فاسأل الله بها يامن ضاق رزقه بذلة واعتراف بمنته

         
    • الوسائِلُ المُعينةُ على التَّخَلُّصِ مِنَ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ
      1- الإيمانُ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه:
      إنَّ العِلمَ والإيمانَ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه، وخاصَّةً التي تَدُلُّ على الرَّحمةِ والمَغفِرةِ والكرَمِ والجودِ، تَجعَلُ المُسلمَ لا ييأَسُ مِن رَحمةِ اللهِ وفَضلِه، ف(إذا عَلمَ العَبدُ، وآمَنَ بصِفاتِ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ والرَّأفةِ، والتَّوبِ واللُّطفِ، والعَفوِ والمَغفِرةِ والسَّترِ، وإجابةِ الدُّعاءِ؛ فإنَّه كُلَّما وقَعَ في ذَنبٍ دَعا اللهَ أن يرحَمَه ويغفِرَ له ويتوبَ عليه، وطَمِع فيما عِندَ اللهِ مِن سَترٍ ولُطفٍ بعِبادِه المُؤمِنينَ، فأكسَبَه هذا رَجعةً وأوبةً إلى اللهِ كُلَّما أذنَبَ، ولا يجِدُ اليأسُ إلى قَلبِه سَبيلًا، كيف ييأسُ مَن يُؤمِنُ بصِفاتِ الصَّبرِ والحِلمِ؟! كيف ييأسُ مِن رَحمةِ اللهِ مَن عَلِمَ أنَّ اللهَ يتَّصِفُ بصِفةِ الكرَمِ والجودِ والعَطاءِ؟!)
      .
      2- حُسنُ الظَّنِّ باللهِ ورَجاءُ رَحمَتِه:
      قال السَّفَّارينيُّ: (حالُ السَّلفِ رَجاءٌ بلا إهمالٍ، وخَوفٌ بلا قُنوطٍ. ولابُدَّ مِن حُسنِ الظَّنِّ باللهِ تعالى) .
      فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا مَعَه حَيثُ يذكُرُني، واللهِ، للهُ أفرَحُ بتَوبةِ عَبدِه مِن أحَدِكم يجِدُ ضالَّتَه بالفلاةِ، ومَن تَقرَّب إليَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، ومن تَقَرَّب إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإذا أقبَل إليَّ يمشي أقبَلتُ إليه أُهَروِلُ)) .
      وعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّك ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفرتُ لك على ما كان مِنك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو بَلغَت ذُنوبُك عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ استغفَرتَني غَفرتُ لك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو أتَيتَني بقُرابِ الأرضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشرِكُ بي شَيئًا لأتَيتُك بقُرابِها مَغفِرةً)) .
      قال الشَّافِعيُّ:
      ولمَّا قَسا قَلبي وضاقَت مَذاهبي
      جَعَلتُ رَجائي دونَ عَفوِك سُلَّمَا
      تعاظَمَني ذَنبي فلمَّا قَرَنتُه
      بعَفوِك رَبِّي كان عَفوُك أعظَما
      فما زِلتَ ذا عَفوٍ عنِ الذَّنبِ لم تَزَلْ
      تجودُ وتَعفو مِنَّةً وتكَرُّمَا
      فإن تَنتَقِمْ مِنِّي فلستُ بآيِسٍ
      ولو دَخَلَت نَفسي بجُرمي جَهنَّما
      ولولاك لم يَغوَ بإبليسَ عابدٌ
      فكيف وقد أغوى صَفيَّك آدَما
      وإنِّي لآتي الذَّنبَ أعرِفُ قَدْرَه
      وأعلمُ أنَّ اللهَ يعفو تَرَحُّمَا
      - وأنشَد بَعضُهم:
      صَبرًا جَميلًا ما أقرَبَ الفَرَجَا
      مَن راقَبَ اللهَ في الأُمورِ نَجا
      مَن صَدَقَ اللهَ لم ينَلْه أذًى
      ومَن رَجاه يكونُ حَيثُ رَجا

      3- تعَلُّقُ القَلبِ باللهِ والثِّقةُ به:
      لا بُدَّ للمَرءِ مِن أن يُعَلِّقَ قَلبَه باللهِ، ويجعَلَ الثِّقةَ به سُبحانَه وتعالى في كُلِّ أحوالِه، مَعَ الاستِعانةِ باللهِ وحدَه، والإقرارِ له بالرَّجاءِ، وتَحقيقِ التَّوكُّلِعليه، والتَّفويضِ إليه، واعتِرافِ العَبدِ له بأنَّ ناصيتَه في يدِه، يُصَرِّفُه كيف يشاءُ، وأنَّه ماضٍ فيه حُكمُه، عَدلٌ فيه قَضاؤُه، و(لا يليقُ بالمُسلمِ أن ييأسَ مِن رَوحِ اللهِ ولا يقنَطَ مَن رَحمتِه، ولا يكونُ نَظَرُه مَقصورًا على الأُمورِ المادِّيَّةِ والأسبابِ الظَّاهرةِ، بل يكونُ مُتَلفِّتًا في قَلبِه في كُلِّ وقتٍ إلى مُسَبِّبِ الأسبابِ، إلى الكريمِ الوهَّاب، مُتَحَرِّيًا للفرَجِ، واثِقًا بأنَّ اللهَ سَيجعَلُ بَعدَ العُسرِ يُسرًا، ومِن هنا ينبَعِثُ للقيامِ بما يقدِرُ عليه مِنَ النُّصحِ والإرشادِ والدَّعوةِ، ويقنَعُ باليسيرِ إذا لم يُمكِنِ الكثيرُ، وبزَوالِ بَعضِ الشَّرِّ وتَخفيفِه إذا تَعَذَّرَ غَيرُ ذلك) .
      وأنشَد بعضُهم:
      هَوِّنْعليك وكُنْ برَبِّك واثِقًا
      فأخو التَّوكُّلِ شَأنُه التَّهوينُ .
      وقال مُصطَفى صادِق الرَّافِعيُّ: (أنت عَجَزتَ أيُّها الإنسانُ فأيقَنتَ أنَّك لا تَستَطيعُ أن تُغَيِّرَ أطوارَ الدُّنيا، ولكِن كيف نَسيتَ الذي يستَطيعُ أن يُغَيِّرَها، وهو يُغَيِّرُها كُلَّ طَرفةِ عَينٍ؟!) .

      4- الأخذُ بالأسبابِ، وتَركُ الاستِسلامِ لليأسِ،
      وقد قال نَبيُّ اللهِ يعقوبُ عليه السَّلامُ لأولادِه لمَّا أبلغوه فَقْدَ ابنِه الثَّاني: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87] .

      5- أن يكونَ العَبدُ بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ:
      قال تعالى في مَدحِ عِبادِه المُؤمِنينَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90] .
      وقال ابنُ هانِئٍ: قال لي أبو عبدِ اللهِ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: (ينبغي للمُؤمِنِ أن يكونَ رَجاؤُه وخَوفُه واحِدًا). وقال غَيرُه عنه: (فأيُّهما رَجَحَ صاحِبُه هَلَك) .
      وهذا هو العَدلُ؛ ولهذا مَن غَلبَ عليه حالُ الخَوفِ أوقعَه في نَوعٍ مِنَ اليأسِ والقُنوطِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا في أُمورِ النَّاسِ، ومَن غَلبَ عليه حالُ الرَّجاءِبلا خَوفٍ أوقَعَه في نَوعٍ مِنَ الأمنِ لمَكرِ اللهِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا في أُمورِ النَّاسِ .

      6- الإيمانُ بالقَضاءِ والقَدَرِ:
      إذا عَلمَ المَرءُ وأيقَنَ أنَّ كُلَّ ما حَصَل له هو بقَضاءِ اللهِ وقدَرِه استَراحَ قَلبُه، ولم يشعُرْ بيأسٍ ولا حُزنٍ لفواتِ شَيءٍ كان يرجوه، أو لوُقوعِ أمرٍ كان يحذَرُ منه؛ قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] .
      وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: 11] .
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إذا جَرى على العَبدِ مَقدورٌ يَكرَهُه، فله فيه سِتَّةُ مَشاهدَ؛ أحَدُها: مَشهَدُ التَّوحيدِ، وأنَّ اللهَ هو الذي قدَّرَه وشاءَه وخَلقَه، وما شاءَ اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، الثَّاني: مَشهَدُ العَدلِ، وأنَّه ماضٍ فيه حُكمُه عَدلٌ فيه قَضاؤُه، الثَّالثُ: مَشهَدُ الرَّحمةِ، وأنَّ رَحمَتَه في هذا المَقدورِ غالِبةٌ لغَضَبِه وانتِقامِه، ورَحمتُه حَشْوُه، الرَّابعُ: مَشهَدُ الحِكمةِ، وأنَّ حِكمَتَه سُبحانَه اقتَضَت ذلك لم يُقدِّره سُدًى ولا قَضاه عَبَثًا، الخامِسُ: مَشهَدُ الحَمدِ، وأنَّ له سُبحانَه الحَمدَ التَّامَّ على ذلك مِن جَميعِ وُجوهِه، السَّادِسُ: مَشهَدُ العُبوديَّةِ، وأنَّه عَبدٌ مَحضٌ مِن كُلِّ وجهٍ تَجري عليه أحكامُ سَيِّدِه وأقضيتُه بحُكمِ كونِه مِلكَه وعَبدَه، فيُصرِّفُه تَحتَ أحكامِه القدَريَّةِ كما يُصَرِّفُه تَحتَ أحكامِه الدِّينيَّةِ؛ فهو مَحَلٌّ لجَرَيانِ هذه الأحكامِ عليه) .
      وقال مُصطَفى صادِق الرَّافِعيُّ: (سِرُّ سَعادةِ المُؤمِنِ على ما يجِدُ مِنَ الفقرِ والشَّقاءِ في هذه الحَياةِ: أنَّ في ضَميرِه مِن فِكرةِ الآخِرةِ وُجودًا إلهيًّا عَظيمًا، فيه الرِّضا الدَّائِمُ عنِ اللهِ، والصَّبرُ الدَّائِمُ على قَضاءِ اللهِ، والأمَلُ الدَّائِمُ في رَحمةِ اللهِ. فكُلُّ حِرمانِ الدُّنيا يذهَبُ في الرِّضا فلا حِرمانَ، وكُلُّ مَصائِبِها تَقَعُ في الصَّبرِ فتَتَحَوَّلُ مَعانيها، والأمَلُ الدَّائِمُ في رَحمةِ اللهِ قوَّةٌللقوَّتَينِ) .
      وقال أيضًا: (لا يُمكِنُ أن تُرضيَك الدُّنيا كُلَّما أحبَبتَ، ولا بكُلِّ ما تُحِبُّ؛ فلستَ أنتَ العاصِمةَ في مَملكةِ اللهِ، ولكِنَّ المُمكِنَ أن تَرضى أنتَ بما يُمكِنُ) .
      فينبَغي التَّفاؤُلُ والتَّسليمُ للقَضاءِ؛ قال أبو عَبدِ اللهِ القُرطُبيُّ: (ومَن سَلَّم للقَضاءِ أسفرَت عاقِبَتُه عنِ اليدِ البَيضاءِ) .

      7- الدُّعاءُ مَعَ الإيقانِ بالإجابةِ:
      (اليأسُ داءٌ قَتَّالٌ، ولمَّا كانت هَواجِسُ الإنسانِ في أكثَرِ حالاتِه تَدعوه إلى اليأسِ حينَ يُدرِكُ واقِعَه الظَّاهريَّ دونَ أن يمتَدَّ باستِشفافِه إلى ما يطويه اللهُ مِن خَيرٍ سيُؤتي ثِمارَه عن قَريبٍ؛ فقد رَسَمَت سورةُ الشَّرحِ سُبُلًا لدَرءِ هذا اليأسِ القاتِلِ، وهو التَّوجُّهُ إلى اللهِ بالدُّعاءِ والارتِكانِ كُلَّالارتِكانِ إلى عَونِ السَّماءِ، يقولُ اللهُجَلَّ ذِكرُه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7 - 8] ؛ ليدعوَ الإنسانَ إلى أن يترُكَ واقِعَه المُظلمَ ويتَّجِهَ إلى السَّماءِ راغِبًا داعيًا حَيثُ يجِدُ في عَونِها الفَرَجَ الواسِعَ مِنَ الفرجِ الضَّيِّقِ، والالتِجاءِ إلى قُدرةِ اللهِ؛ مِمَّا يبعَثُ الطُّمَأنينةَ ويرُدُّ التَّشاؤُمَ إلى التَّفاؤُلِ؛ لأنَّ صاحِبَ القُدرةِ القادِرة يستَجيبُ للمُضطَرِّ إذا دَعاه، فيكشِفُ السُّوءَ، فهو إذَن مَلاذُ اللَّائِذينَ، وغَوثُ المُستَغيثينَ) .
      وهذا نَبيُّ اللهِ يعقوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمَّا عوتِبَ في تَذَكُّرِ يوسُفَعليه السَّلامُ بَعدَ طولِ الزَّمانِ، وانقِطاعِ الأمَلِ، وحُصولِ اليأسِ في رُجوعِه، قال بلِسانِ المُؤمِنِ الواثِقِ في وعدِ اللهِ برَفعِ البَلاءِ عنِ الصَّابرينَ وإجابةِ دَعوةِ المُضطَرِّينَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: 86] .
      وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يزالُ يُستَجابُ للعَبدِ، ما لم يدْعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يستَعجِلْ)) .
      قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: ينبَغي (استِدامةُ الدُّعاءِ وتَركُ اليأسِ مِنَ الإجابةِ، ودوامُ رَجائِهما، واستِدامةُ الإلحاحِ في الدُّعاءِ؛فإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلحِّينَ في الدُّعاءِ) .
      فليلجَأِ العَبدُ إلى مَنِ القُلوبُ بَينَ إصبَعَيه، وأزمَّةُ الأُمورِ بيدَيه، وانتِهاءُ كُلِّ شَيءٍ إليه على الدَّوامِ؛ فلعَلَّه أن يُصادِفَ ساعةً مِنَ السَّاعاتِ التي لا يُسألُ اللهُ فيها شَيئًا إلَّا أعطاه، فمَن أُعطيَ مَنشورَ الدُّعاءِ أُعطيَ الإجابةَ، فإنَّه لو لم يُرِدْ إجابَتَه لما ألهَمَه الدُّعاءَ .
      والمَرءُ مَعَ إلحاحِه في الدُّعاءِ عليه أن يوقِنَ بأنَّ (النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مَعَ الكربِ، وأنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا) .
      - كثرةُ ذِكرِ اللهِ تعالى؛ قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّه قوتُ القَلِب والرُّوحِ، فإذا فقدَه العَبدُ صارَ بمَنزِلةِ الجِسمِ إذا حيل بَينَه وبَينَ قوَّتِه، وحَضَرتُ شَيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ مَرَّةً صَلَّى الفجرَ ثُمَّ جَلسَ يذكُرُ اللهَ تعالى إلى قَريبٍ مِن انتِصافِ النَّهارِ، ثُمَّ التَفتَ إليَّ وقال: هذه غَدوتَي، ولو لم أتَغَدَّ الغَداءَ سَقَطَت قوَّتي!) .
      - أن يرتَعَ قَلبُه في رياضِ القُرآنِ، وأن يستَضيءَ به في ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وأن يتَسَلَّى به عن كُلِّ فائِتٍ، ويتَعَزَّى به عن كُلِّ مُصيبةٍ، ويستَشفيَ به مِن أدواءِ صَدرِه، فيكونُ جَلاءَ حُزنِه، وشِفاءَ هَمِّه وغَمِّه .

      8- الصَّبرُ عِندَ حُدوثِ البَلاءِ:
      وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه ذَمَّ اليائِسينَ مِن رَحمَتِه عِندَ حُصولِ البَلاءِ، واستثنى مِنَ الذَّمِّ الصَّابرينَ على البَلاءِ، وجَعَل لهمُ الثَّوابَ العَظيمَ.
      فقال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود: 10-11] .
      ونَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن تَمَنِّي المَوتِ بسَبَبِ البَلاءِ؛فعن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يتَمَنَّينَّ أحَدُكمُ المَوتَ لضُرٍّ نَزَل به، فإن كان لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا للمَوتِ فليقُلِ: اللَّهمَّ أحيِني ما كانتِ الحَياةُ خَيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خَيرًا لي)) .
      ومِمَّا يُعينُ على الصَّبرِ على أقدارِ اللهِ المُؤلِمةِ: مُلاحَظةُ حُسنِ الجَزاءِ، وانتِظارُ رَوحِ الفرَجِ، وتَهوينُ البَليَّةِ بعَدِّ أيادي المِنَنِ، وبذِكرِ سَوالِفِ النِّعَمِ .

      9- عَدَمُ التَّحَسُّرِ على ما فاتَ، وتَركُ القَلقِ على المُستَقبَلِ.
      قال السَّعديُّ: (إيَّاك والتَّحَسُّرَ على الأُمورِ الماضيةِ التي لم تُقدَّرْ لك؛ مِن فقدِ صِحَّةٍ أو مالٍ أو عَمَلٍ دُنيويٍّ ونَحوِها، وليكُنْ هَمُّك في إصلاحِ عَمَلِ يومِك؛ فإنَّ الإنسانَ ابنُ يومِه، لا يحزَنُ لِما مَضى، ولا يتَطَلَّعُ للمُستَقبَلِ حَيثُ لا ينفعُه التَّطَلُّعُ) .
      وقال أيضًا: (مِنَ الأسباب الموجِبةِ للسُّرورِ وزَوالِ الهَمِّ والغَمِّ: السَّعيُ في إزالةِ الأسبابِ الجالبةِ للهُمومِ، وفي تَحصيلِ الأسبابِ الجالبةِ للسُّرورِ، وذلك بنِسيانِ ما مضى عليه مِنَ المَكارِه التي لا يُمكِنُه رَدُّها، ومَعرِفتِه أنَّ اشتِغالَ فِكرِه فيها مِن بابِ العَبَثِ والمُحالِ، وأنَّ ذلك حُمقٌ وجُنونٌ، فيُجاهِدُ قَلبَه عنِ التَّفكُّرِ فيها، وكذلك يُجاهدُ قَلبَه عن قَلقِه لِما يستَقبلُه، مِمَّا يتَوهَّمُه مِن فقرٍ أو خَوفٍ أو غَيرِهما مِنَ المَكارِه التي يتَخَيَّلُها في مُستَقبَلِ حَياتِه، فيَعلمُ أنَّ الأُمورَ المُستَقبَلةَ مَجهولٌ ما يقَعُ فيها مِن خَيرٍ وشَرٍّ وآمالٍ وآلامٍ، وأنَّها بيَدِ العَزيزِ الحَكيمِ، ليسَ بيَدِ العِبادِ منها شَيءٌ إلَّا السَّعيُ في تَحصيلِ خَيراتِها، ودَفعِ مَضَرَّاتِها، ويَعلمُ العَبدُ أنَّه إذا صَرَف فِكرَه عن قَلقِه مِن أجلِ مُستَقبَلِ أمرِه، واتَّكل على رَبِّه في إصلاحِه، واطمَأنَّ إليه في ذلك، إذا فعَل ذلك اطمَأنَّ قَلبُه وصَلَحَت أحوالُه، وزال عنه هَمُّه وقَلَقُه) .

      10- تَلمُّحُ سِيَرِ المُصطَفَينَ مِن عِبادِ اللهِ لمَعرِفةِ أنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا، وأنَّ مِنَ المِحَنِ تَأتي المِنَحُ:
      فقد لاقى الأنبياءُ والمُرسَلونَ وأتباعُهم مِن ضُروبِ البَلاءِ وألوانِ المِحَنِ ما يُضرَبُ المَثَلُ للنَّاسِ؛ فهؤلاء هم رُسُلُ اللهِ يُؤَدُّونَ رِسالتَه ويُبَلِّغونَ كلمَتَه، وما أيسَرَ أن يُسَهِّلَ اللهُ عليهم طَريقَ الرِّسالةِ، فيجذِبَ إليهمُ الأشياعَ دونَ عِنادٍ، ولكِنَّه جَلَّ ذِكرُه قد واجَهَهم بالصُّعوباتِ ليكونوا قُدوةً للنَّاسِ في الجِهادِ والجِلادِ، وقد تَحمَّل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن ضُروبِ الشَّدائِدِ ما تَحَمَّل، ولاقى أصحابُه مَعَه بَعضَ ما لاقى مِنَ العُسرِ، ومنهم مَن آثَرَ الصَّبرَ ومال إلى التَّفاؤُلِ ارتِقابًا لتَحقيقِ وعدِ اللهِ، ومنهم مَن حَزَبه الضِّيقُ، فشَكا إلى رَسولِ اللهِ بَعضَ ما يلقاه، فنَزَل القُرآنُ داعيًا للثَّباتِ، ومُناديًا بالصَّبرِ، وضارِبًا المَثَلَ الواقِعيَّ بما عانى أولو العَزمِ مِنَ المُرسَلينَ؛ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ:أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] .
      وقد يشتَدُّ العُسرُ بالرَّسولِ وأصحابه فيُنزِلُ اللهُ كِتابَه مُبَشِّرًا باليُسرِ، ومُعَدِّدًا نِعَمَه السَّابقةَ على رَسولِ اللهِ حينَ شَرَحَ صَدرَه بالنُّبوَّةِ، ورَفعَ ذِكرَه في العالَمينَ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 1- 8] .
      وإذا كان القُرآنُ الكريمُ في تَرتيبِه المُتَناسِقِ يُكمِلُ حَلَقاتِ المَعاني المُتَواشِجةِ إكمالًا يُدرِكُه البُصَراءُ بأساليبِ البَيانِ، فإنَّ التَّجاوُرَ بَينَ سورةِ الضُّحى وسورةِ الشَّرحِ يُؤَكِّدُ حَقيقةَ التَّفاؤُلِ، ويُعلنُ تَعاقُبَ اليُسرِ والعُسرِ؛ فقد دَلَّتِ الآياتُ الكريمةُ في سورةِ الضُّحى على هذه الحَقيقةِ الماثِلةِ؛ إذِ انقَطَعَ الوحيُ عن رَسولِ اللهِ حينًا مِنَ الدَّهرِ، فلقِيَ مِن ذلك الانقِطاعِ عناءً نَفسيًّا مُبَرِّحًا، وقد شَمَتَ به مِن أعدائِه مَن يتَشَفَّونَ بما يلقى مِن صُعوباتٍ في طَريقِ دَعوتِه الكريمةِ، فكانت شَماتةُ الأعداءِ شِدَّةً أُخرى تُضافُ إلى الشِّدَّةِ الحادِثةِ مِن انقِطاعِ الوَحيِ؛ فنَزَل قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ:وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 1 - 5] . نَزَل هذا القَولُ الكريمُ ليُبَشِّرَ باليُسرِ بَعدَ العُسرِ، وبالفرَجِ بَعدَ الشِّدَّةِ، وبالرَّجاءِ بَعدَ اليأسِ، وقد ضَرَبَ الأمثِلةَ بما تقدَّمَ مِن حَياةِ الرَّسولِ؛ حَيثُ قال:أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: 6 - 8] ، وفي خِتامِ السُّورةِ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَل: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] ؛ ليكونَ الحَديثُ عن نِعمةِ اللهِ طارِدًا لليأسِ، مُؤَكِّدًا للأمَلِ؛ فإنَّ الذي يتَذَكَّرُ ما أسلَف اللهُ له في أمسِه مِن خالِصِ النِّعَمِ لا ييأسُ مِن غَدِه، بل يقيسُ الآتيَ على الغابرِ، فيرتاحُ .

      11- الزُّهدُ في الدُّنيا:
      فمِن أسبابِ اليأسِ والقُنوطِ الأساسيَّةِ تعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا والفرَحُ بأخذِها، والحُزنُ والتَّأسُّفُ على فواتِها بكُلِّ ما فيها، مِن جاهٍ وسُلطانٍ وزَوجةٍ وأولادٍ، ومالٍ وعافيةٍ...إلخ، فاعلَمْ أنَّ اللهَ سُبحانَه يُعطي الدُّنيا لمَن لا يُحِبُّ ومَن يُحِبُّ، ولا يُعطي الآخِرةَ إلَّا لمَن أحَبَّ، وقد مَنَعَ أحَبَّ الخَلقِ إليه وأكرَمَهم عليه نَبيَّنا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدُّنيا وما فيها، فخَرَجَ وما مَلأ بَطنَه مِن خُبز البُرِّ ثَلاثَ أيَّامٍ مُتَوالياتٍ! وعلى المَرءِ أن يعلمَ أنَّه لن يأخُذَ أكثَرَ مِمَّا قُدِّرَ له، فلا ييأسْ ولا يقنَطْ لفواتِ شَيءٍ.

      12- بَثُّ الهَمِّ قَبلَ استِحكامِه والوُصولِ إلى مَرحَلةِ الإحباطِ:
      وقد قيل:
      ولابُدَّ مِن سِرٍّ إليك أبُثُّه
      ففي نَفثةِ المَصدورِ بَعضُ شِفائِه
      ويُستَحَبُّ تَسليةُ المُصابِ والمَهمومِ، وقد قال تعالى: وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى: 8] ، وإنَّما قيل هذا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَسليةً له عَمَّا كان ينالُه مِنَ الهَمِّ بتَوليةِ قَومِه عنه، وأمرًا له بتَركِ إدخالِ المَكروهِ على نَفسِه مِن أجلِ إدبارِ مَن أدبَرَ عنه منهم . وقال تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [يوسف: 19] ، وهذا وإن كان خَبَرًا مِنَ اللهِ عن يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فإنَّه تَذكيرٌ مِنَ اللهِ لنَبيِّه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَسليةٌ منه له عَمَّا كان يلقى مِن أقرِبائِه وأنسابِه المُشرِكينَ مِنَ الأذى، يقولُ تعالى ذِكرُه له: فاصبِرْ يا مُحَمَّدُ على ما نالك في اللهِ؛ فإنِّي قادِرٌ على تَغييرِ ما ينالك به هؤلاء المُشرِكونَ، كما كُنتُ قادِرًا على تَغييرِ ما لقي يوسُفُ مِن إخوتِه، فمَصيرُ أمرِك وأمرِهم إلى عُلوِّك عليهم وإذعانِهم لك .
      ويُستَحَبُّ مُحادَثةُ المَهمومِ بما يُخَفِّفُ عنه ويُؤنِسُ وحشَتَه، وقد دَخَل عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوجَدَه واجِمًا ساكِتًا، فقال: (لأقولَنَّ شَيئًا أُضحِكُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم...) ، قال النَّوويُّ: (فيه استِحبابُ مِثلِ هذا، وأنَّ الإنسانَ إذا رَأى صاحِبَه مَهمومًا حَزينًا يُستَحَبُّ له أن يُحَدِّثَه بما يُضحِكُه أو يشغَلُه ويُطَيِّبُ نَفسَه) .

      13- أن يُفسِحَ في الأمَلِ، كما قال الطُّغرائيُّ:
      أُعَلِّلُ النَّفسَ بالآمالِ أرقُبُها
      ما أضيقَ العَيشَ لولا فُسحةُ الأمَلِ
      والمَعنى: أُمَنِّي النَّفسَ وأُعَلِّلُها برِقبةِ الآمالِ، وانتِظارِ بُلوغِها وإدراكِها؛ فيتَّسِعُ لها ما ضاقَ عليها مِنَ الدَّهرِ والعَيشِ، ثُمَّ قال: ما أضيقَ الدَّهرَ لولا أنَّ فُسحةَ الأمَلِ تَوسِعُه! وفي الآمالِ راحةٌ للنُّفوسِ... وقال بَعضُهم: نِعمَ الرَّفيقُ الأمَلُ، وإن لم يَبلُغْك فقد آنَسَك، واستَمتَعتَ به...
      وقد أخَذَ قَولَ الطُّغرائيِّ العِمادُ الكاتِبُ، وقال:
      وما هذه الأيَّامُ إلَّا صَحائِفٌ
      يُؤَرَّخُ فيها ثُمَّ يُمحى ويُمحَقُ
      ولم أرَ شَيئًا مِثلَ دائِرةِ المُنى
      تُوسِعُها الآمالُ والعُمرُ ضَيِّقُ

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182982
    • إجمالي المشاركات
      2537814
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×