اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58229
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180704
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8355
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53118
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32220
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13118
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38555 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • كم مرة حصل خلاف أو تأخير في محطات الوقود بسبب نقص الفكة أو اختلاف الحساب؟ مشكلة يومية بتضيع وقت العميل وتضغط على عمال المحطة.   💡 الحل الذكي بقى في تطبيقات الموبايل من خلال محفظة إلكترونية داخل التطبيق:                 •             الدفع يتم في ثوانٍ                 •             المبلغ يتخصم مباشرة من رصيد العميل                 •             بدون فكة                 •             بدون أخطاء                 •             بدون أي تعقيد   🚀 تجربة أسهل للعميل 👨‍🔧 ضغط أقل على عمال المحطة 📊 إدارة أذكى وأدق لمحطات الوقود   حل بسيط في شكله… لكن تأثيره كبير على التشغيل، السرعة، ورضا العملاء.   🔶 Tech Soft روّاد تصميم وتطوير تطبيقات الخدمات البترولية وإدارة محطات الوقود بحلول ذكية وعملية.   📞 تواصل معنا الآن WhatsApp: 00201277773580 🌐 www.tec-soft.net
    • الله يقسم بمخلوقاته

      وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۝ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍسورة الفجر1-5.
      أقسم الله  بالصبح، وقيل: فجر يوم النحر خاصة، الفجر الذي خلقه الله ، وشرع فيه من العبادات العظيمة، وصلاة الصبح والقرآن المشهود، الذي تشهده الملائكة ذلك الزمن، الذي هو مستودع الأعمال الصالحة، والطاعات، فعباد الله يستغفرون قبله بالأسحار، وعنده يصلون الصبح، ويذكرون الله إلى طلوع الشمس ثم يصلون الضحى إذا ارتفعت،
      وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍسورة الفجر1-2. وهي العشر من ذي الحجة، تلك العشر العظيمة التي لا يوجد مثلها في أعمال صالحة في الأجر ترفع إلى الله، ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء.
      وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِسورة الفجر3. أقسم الله ، وهو يقسم بما شاء من خلقه بكل شفع زوج، ووتر فرد، من ذكر وأنثى وخلق، ونحو ذلك، أقسم الله  بالشفع والوتر، وقيل: هذه الصلاة المعروفة، وأقسم بالليل إذا سرى وذهب، هذا الليل الذي هو مستودع أعمال الصالحين أيضاً، ففيه قيامهم، وقربة إلى ربهم. هذه الأمور القسم بها عبرة لأصحاب العقول والحجا،
      هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍسورة الفجر5. هذا العقل الذي يحجر صاحبه عن تعاطي ما لا يليق من الأفعال والأقوال.



      هلاك الله للأمم السابقة الكافرة، رغم قوتهم وجبروتهم

      أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍسورة الفجر6.كانوا قوماً عتاة جبارين، خارجين عن طاعة الله، مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، قد عبدوا الأصنام وأشركوا بالله، فذكر الله  كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعبر، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِسورة الفجر6-7. هذه القبيلة قبيلة إرم، هذه القبيلة العجيبة، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِسورة الفجر8. هذه القبيلة، كانوا أشداء في القوة، كانت أجسادهم قوية جداً، فقد أنعم الله عليهم بزيادة في الخلق، كما ذكرهم نبيهم بقوله: وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَسورة الأعراف69. فماذا فعل القوم؟ لقد استكبروا في الأرض، كما قال : فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَسورة فصلت15.إذاً فقد كانت أسباب القوة التي أوتيها قوم عاد سبباً لتكبرهم، هذه القوة التي أوتيها قوم عاد لم تؤتها أمة من الأمم في عهدهم، فقد كانوا هم سادة العالم، جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍسورة الاعراف69. أقوى أمة في الأرض في ذلك الوقت هذه الأمة، قوية الأجساد، قد كان لهم أيضاً تفنن في الصناعة والبنيان، فقال الله  عن هؤلاء القوم أيضاً ونبيهم يقول لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ۝ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَسورة الشعراء128-129.أتبنون بكل مكان مرتفع بناءً عظيماً هائلاً كالقصور ونحوها، تعبثون ببنائها، مع أنه لا حاجة لكم فيها، تعبثون بالبنيان، فقد بطروا وأشروا، واستخدموا القوة التي وهبهم الله إياها في بناء الأبنية العظيمة، في بناء الآيات التي يندهش منها ويستغرب ويتعجب، أتبنون بكل ريع آية، بناءً ضخماً عجيباً يندهش منه الناظرون، فقد كان القوم في البنيان أصحاب صنعة وقوة، أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَسورة الشعراء128، فقد وصل التقدم العمراني إذاً في عهدهم وعندهم مبلغاً عظيماً، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَسورة الشعراء129. وهذه المصانع قيل: القصور، وقيل: مآخذ الماء، وقيل غير ذلك، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ، والمصنع معروف ما هو، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَسورة الشعراء129. رجاء أن تعمروا في هذه الدار أعماراً طويلاً.
      فاستخدموا إذاً القوة أيضاً في بناء المصانع رجاء الخلد؛ ولذلك كان التقدم الصناعي أيضاً عندهم كبيراً، تلك الأمة كانت أقوى أمة في الأرض، اتخذوا الأبنية الشاهقة، والمصانع العظيمة، يظنون أنهم سيخلدون، وأن التاريخ سيبقى لهم، وأنهم أمة لا تبقى ولا تبيد، فاغتروا بقوتهم، وماذا أيضاً؟ كانت القوة دافعة، إلى أي شيء دفعتهم؟ قال تعالى: وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَسورة الشعراء130.فاستعملتم قوتكم في البطش بالآخرين، التنكيل بهم، وتعذيبهم، وصب أنواع البلاء عليهم، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَسورة الشعراء130.فعندكم جبروت في البطش، وعندكم قوة تستعملونها ضد الناس الآخرين، فهم قد ظلموا وبغوا وطغوا، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَسورة الشعراء130.

      وهكذا أيها الأخوة: كانت القوة هي أعظم ما يميز قوم عاد، كانت القوة هي التي ميزت أولئك القوم، قوة في الأجساد، وقوة في البنيان، وقوة في الصناعة، فماذا وصل الحال بهم؟ إلى درجة الغرور، فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًسورة فصلت15.إن لله سنناً في عباده وأرضه، وله عادات في خلقه ، فلن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًاسورة فاطر43.

      وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، إنه المنطق نفسه الذي يتكرر عبر التاريخ، فقد طغى قوم فرعون في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، كما قال الله  فيهم، في هذه السورة العظيمة، فلما ذكر قوم عاد تلك القبيلة، التي لم يخلق مثلها في البلاد، أعاد الضمير على هذه القبيلة، لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِسورة الفجر8.
      هؤلاء ماذا كانت النتيجة؟ أن الله تعالى أحل بهم عذاباً أليماً، وسلط عليهم شيئاً أقوى منهم، إنها ريحاً وأعاصير، عصفت بهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فبالرغم من قوتهم كانت الريح ترفع الواحد منهم إلى السماء ثم تضرب بهامته الأرض، فينفلق رأسه فيتحول إلى مثل الشجرة، شجرة النخلة المقلوبة ليس لها رأس، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍسورة القمر20.وهكذا صار حال هؤلاء كأعجاز نخل منقعر، وصار زرعهم يابساً ونبتهم حصيداً كأن لم يغن بالأمس.

      وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِسورة الفجر10-11.فطغيانهم عم البلاد، ولم يقتصر على بلدهم، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَسورة الفجر12.قال ابن كثير رحمه الله: "تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس"، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍسورة الفجر13.وأنزل عليهم رجزاً من السماء، وأحل بهم عقوبة، لا يردها عن القوم المجرمين.

      وهكذا تنشأ الأمم صغيرة فتكبر، وضعيفة فتقوى، فإذا ملكوا أسباب القوة عبثوا في الأرض ببنيان لا يحتاجون إليه، وإنما أشياء ليفاخروا بها، وعندنا أكبر وأطول وأعرض وأفخم ونحو ذلك، بنيان يطغون فيه ويتفاخرون، وكذلك صناعة، لعلهم يخلدون ويمكثون ولا يهلكون، وكذلك بغي على الآخرين، هذا هو المسلسل الذي سارت فيه أمم الكفر والطغيان، مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً،الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَسورة الفجر11-12.

      ولكن أيها الإخوة: قال النبي ﷺ، مبيناً القاعدة التي يسير عليها البشر وتسير عليها الأمم، سنة الله في خلقه، فلن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًاسورة فاطر43. قال ﷺ: إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه . فلا يدوم الحال لهم، فدوام من المحال؛ ولذلك يرتفعون ثم يهبطون، فيبدؤون ويصعدون ثم ينزلون كنصف الدائرة، الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِسورة الفجر11-14.
      فهو يمهل ولا يهمل، يمهل لهم لماذا؟وَأُمْلِي لَهُمْسورة القلم45.أكيد لهم، لماذا؟ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًاسورة آل عمر178.أن حتى إذا أخذت أرضهم زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وأخذوا أسباب القوة في كل شيء، وتحكموا بكل شيء أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِسورة يونس24.



      ليس عطاء الله للعبد دليلا على الرضا

      على المستوى الجماعي، وعلى المستوى الفردي، فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِسورة الفجر15.يظن أنه يستحق ذلك، وأن الله راضٍ عنه ولذلك أعطاه، ولذلك أكرمه، وبهذا يقول فلاسفة الكفرة: إن الله أعطاهم، وأنعم عليهم، وجعلهم جنته في أرضه، وملكهم أسباب القوة، ونحو ذلك، لأنهم عرق يستحق ذلك، ولأنهم أمة تستحق ذلك، وأن الله اختارهم ليسودوا العالم؟ كلا، ليست هذه هي الحقيقة، كما أن الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه أي: ضيق عليه رزقه، فيقول: رَبِّي أَهَانَنِسورة الفجر16.كلا، ليس العطاء دليلاً على الرضا، وليس الحرمان دليلاً على السخط والإهانة، فقد يعطي الله استدراجاً، وقد يمنع ابتلاءً، فيعطي الله الظالم زيادة ليزداد في الإثم، أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَسورة المؤمنون55-56. وكذلك إذا منع، إذا منع ، إذا منع فقد يمنع للابتلاء، وقد يمنع المسلم الدنيا كما يحمي أحدنا مريضه من طعام وشراب لا يناسبه حتى يتعافى، ولكننا نحن البشر نحب المال حباً جماً، قال : كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّاسورة الفجر17-20.



      وجوب إطعام ورعاية اليتيم

      إن اليتيم يحتاج إلى رعاية لضعفه، وإلى مساندة لفقد عائله وسنده، فهو في حال ضعف وحاجة، فليست القضية إعطاء فقط بل إكرام كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَسورة الفجر17.فاليتيم يحتاج إلى إكرام، وخير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، إكرام، وليس فقط إعطاء، وإذا أراد أجر أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين.كهاتين في الجنة .فإن عليه أن يكفله كما يكفل أولاده أو يجعله معه أولاده، وإذا كفله فقط بالمال فإن له أجراً لكن دون أجر جعله مع أولاده، ويتم الأجر، ويتم الإكرام بجعلك اليتيم مع أولادك، يأكل مما يأكلون منه، ويشرب مما يشربون، ويلبس مما يلبسون، ويسكن فيما يسكنون، ثم المسألة المهمة الرعاية والتربية، وليس الإطعام واللباس والسكن، التربية والتعهد، وهذا حال لا يصبر عليه إلا الصابرون؛ لأنه سيسكن معه يتيماً في البيت، فيربيه على الدين والخلق،
      كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِسورة الفجر17-18.فيجب أن يحض بعضنا بعضاً على الإحسان إلى الفقراء والمساكين، والله  قد ذكر في السورة التي بعدها أن هناك عقبة عظيمة جداً جداً وهي أعظم عقبة في هذا الكون، لا يمكن تخطيها إلا بشيء مهم جداً ذكر أمثلة له.
      قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَسورة البلد11. وكلنا لا بد أن نرد على جهنم؛ لأن الله قال: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَاسورة مريم71.والعبور على الصراط لجميع المسلمين الموحدين، لا بد منه، أما الكفار فيؤخذ بهم إلى النار قبلاً، أما المسلمون فإنهم يجوزون على الصراط، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُسورة البلد11-12. تهويلاً لها، كيف يقتحم العقبة ويتخطاها، كيف ينجو منها؟ كيف؟ فَكُّ رَقَبَةٍسورة البلد13.عتق الرقاب،أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۝ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ۝ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍسورة البلد14-16. فهذه السورة كالتي قبلها تذكر المساكين والأيتام، فهو المسكين ذا المتربة الذي لصق بالتراب لشدة فقره، فهو فقير مدقع مطروح في الطريق، لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب، هكذا قال المفسرون، وقالوا: "الغريب عن وطنه، الفقير المديون المحتاج، الذي لا أحد له، ذو العيال، الذي لا بيت له، المطروح في الطريق، الذي لا شيء يقيه من التراب"، هذه أقوال المفسرين التي ساقها ابن كثير رحمه الله، وما أشبه هذه الحال بحال إخواننا اللاجئين اليوم في بلاد الأفغان، فتأمل إذاً وقارن بين الواقع لتجده منطبقاً تمام الانطباق.
      أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍسورة البلد16. فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب، وهو الغريب عن وطنه، وهو الفقير المدين المحتاج، وهو الذي لا أحد له، وهو ذو العيال، وكلها قريبة في المعنى، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍسورة البلد16. فإذاً لا يمكن اقتحام العقبة إلا بأعمال البر هذه، إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. ذي مجاعة، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍيحسن إليه فيجمع بين أجرين، كفالة اليتيم وصلة الرحم، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ۝ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِسورة البلد16-17.هذا هو حال عباد الله الصالحين، أما وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّاسورة الفجر19-20. فإنها صفة شنيعة، تحمل على البخل وتمنع من البر، وتأكلون الميراث أكلاً لماً من أي جهة حصل من حلال أو من حرام، من أي جهة بلا مبالاة، وتحبون المال حباً جماً فاحشاً. عباد الله: وصايا من الله للعباد، وآيات وعبر يذكر لها ربنا  في هذه السور، نسأل الله  أن يجعلنا من المنتفعين بكتابه، اللهم اجعل كتابك لنا هادياً، واجعلنا من الذين يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، اجعلنا من أهلك أهل القرآن يا رحيم يا رحمن.



      الأعمال الصالحة في الدنيا تقي أهوال يوم القيامة

      والواجب على المسلمين أن يقوم بعضهم ببعض، ويكفل بعضهم بعضاً، لماذا؟ لأجل يوم الدين،يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُسورة النــور37. ولذلك قال  بعدها: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۝ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّاسورة الفجر21-22. تدك الأرض وتمهد وتسوى، فتكون يوم القيامة كالمرآة الصقيلة، وكسبيكة الفضة، عفراء، بيضاء، ليس فيها معلم لأحد، يجتمع فيها الخلق، لا تخفى منهم خافية، ويجيء الله لفصل القضاء، يجيء الملك وجنوده، وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّاسورة الفجر22. يجيء ملك الملوك، وجنوده لفصل القضاء بين العباد، ويقع في الناس من الكرب والبلاء ما لا يعلمه إلا الله، حتى إن الكفار يتمنون الخلاص ولو إلى النار من شدة ما نزل بهم، الناس الضيق، وقوف على أقدامهم، ليس هناك قعود ولا اضطجاع يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَسورة المطففين6. تحت الشمس التي تصهرهم، والزحام الشديد، ليس للإنسان إلا موضع قدميه. زحام وشمس فوق الرؤوس، ويزداد الأمر شدة عندما تقرب جهنم، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَسورة الفجر23. لها حرارة وتوهج، وجيء يومئذ بجهنم لها سبعون ألف زمام، على كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَىسورة الفجر23. يتذكر الإنسان لكن ماذا ينفعه التذكر حينئذ، يرزق الواحد ذاكرة عجيبة، فيتذكر كل عمل عمله فيما سلف في قديم دهره وحديثه، يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ ، الآنأَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهٌُسورة المجادلة6. وغداًَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ، ولكن لا تنفعه الذكرى، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي سورة الفجر24. يا ليتني اغتنمت حياتي بطاعات قدمتها قبل موتي؛ لأجد ثوابها بعد حشري ونشري في تلك الدار المستمرة التي لا نهاية لها، ،يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِيسورة الفجر24.
      ولو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولود أنه يرد إلى الدنيا كي ما يزداد من الأجر والثواب.حديث صحيح، وإسناده جيد. بين لنا فيه ﷺ أننا لو أفنينا العمر كله، منذ الولادة إلى الوفاة في طاعة الله المتوالية لاحتقرنا ذلك يوم القيامة عندما نحاسب ويقارن هذا بالنعم التي أعطانا الله إياها، فما الحال إذاً كانت الطاعات موسمية، إذا كانت الطاعات مؤقتة، إذا كانت الطاعات محدودة أو قصيرة، ماذا يكون الحال إذاً؟
      ولكن لا مفر من المواجهة، فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌسورة الفجر25. فليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من عصاه، وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌسورة الفجر26. ليس أحد أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر بالرب ، فلا يوجد قيد ولا وثاق أقوى من تقييد الملائكة الزبانية لهؤلاء المجرمين، ولا يوجد عذاب أشد من عذاب الله للكفار، وفي المقابل: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةًسورة الفجر27-28. ارجعي إلى جواره وثوابه، وما أعد لك في جنته، راضية في نفسك، مرضياً عنك،فَادْخُلِي فِي عِبَادِيسورة الفجر29.في جملتهم، وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) سورة الفجر يقال عند الاحتضار لها، ويقال يوم القيامة لها أيضاً، فهناك البشارتان عند الموت وعند القيام من القبر.

      وكذلك فإن هذه الكرامة من الله فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِيسورة الفجر29-30. إذا ردوا إلى الله مولاهم الحق، وحصلت الملاقاة بين العبد والرب، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةًسورة الفجر27-28. كان لهذه الآية شؤون عند الصالحين، فقد قال سعيد بن جبير رحمه الله: "مات ابن عباس بالطائف، حبر الأمة، وترجمان القرآن، والعالم البحر الحبر، مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقه، فدخل نعشه ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر ما يدرى من تلاها: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِيسورة الفجر27-30". قال الهيثمي في المجمع عن إسناد هذه القصة: "ورجاله رجال الصحيح"، وقال الذهبي رحمه الله: هذه قضية متواترة"، وهذه من الكرامات لأولياء الله الصالحين، ونحن نعتقد بالكرمات ما صحت، ونؤمن بها، وهكذا تليت عند قبر ابن عباس هذه الآية: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِيسورة الفجر27-30.

      وقال الحافظ محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكَّر في كتابه بسنده إلى قباث بن رزين أبي هاشم قال: "أسرت في بلاد الروم، النصارى أسروا مسلمين، فجمعنا الملك ملك النصارى، وعرض علينا دينه على أن من امتنع ضربت عنقه، فارتد ثلاثة من المسلمين، وجاء الرابع فامتنع، أي عن الدخول في دين النصارى، وبقي على إسلامه وثبت وصبر، فضربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة، هذا الرأس المقطوع أقبل بالوجه على الثلاثة، فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان يناديهم بأسمائهم، قال الله تعالى في كتابه: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِيسورة الفجر27-30. ثم غاص في الماء. قال: "فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام"، قال: "وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصها".
      فهذه من كرامات أولياء الله، وقد جاء أيضاً في سيرة العلامة أحمد بن نصر الخزاعي الذي قتل ظلماً وعدوناً؛ لأنه ثبت على القول بأن القرآن كلام الله، ولم يرضخ، ولم يقل، ولم يذعن لقول المبتدعة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، وأصر على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فأخذ فضرب بالسيف حتى مات وحز رأسه فجعل رأسه في شرقي بغداد وكذلك جسده في غربيها، وسمع من الرأس القرآن يتلى، وسمعه الناس الذين يمرون عليه.

      وكذلك في قصة أبي بكر النابلسي رحمه الله، من الزهاد، الذي أخذه الفاطمي الباطني الخبيث المعز، وهو المذل لدين الله، ويلقب نفسه بالمعز لدين الله، خبيث كافر مرتد، أخذه قال: "أنت قلت: إذا كان لي عشرة أسهم رميت تسعة في الروم وواحدة فيكم، يعني في هؤلاء الفاطميين المرتدين"؟ قال: "لم أقل هذا"، قال: ماذا قلت؟ قال: "قلت: لو كان لي عشرة أسهم لرميت تسعةً فيكم وواحد في الروم؛ لأنكم أنتم المرتدون، الباطنيون الكفرة الخبثاء، أشد كفراً من أولئك، فأخذه فسجنه يوماً، ثم أهانه يوماً، ثم أمر يهودياً أن يسلخه في اليوم الثالث، فبدأ بسلخ جلده من أعلى الرأس، وهو ينزل، سلخ الجلد عن الجسد، وهو صاحبنا أبو بكر رحمه الله يذكر الله، ويقول: مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَاسورة الحديد22. حتى أدركت اليهودي الرحمة به فطعنه في قلبه فمات، فكان الدارقطني رحمه الله يبكي عليه، ويقول: كان القرآن يسمع منه بعد قتله، وهذه من كرامات أولياء الله، والمقصود أيها الإخوة من هذه القصص أن الثبات على الدين والعلم، الثبات على السنة حتى لو دفع الإنسان حياته ثمناً لها، هو من يكون صاحب ذلك ممن قال الله فيهم: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُبالإيمان والدين، ورجاء ثواب الله، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِيسورة الفجر27-30. فهذه البشارة يصبر لها الصابرون، ويرجوها العاملون، نسأل الله أن يجعلنا منا.

      .

      1 - رواه أبو داود2438

      2 - رواه البخاري6501

      3 - رواه الترمذي1918

      4 - روا مسلم بهذا اللفظ2983

      5 - رواه الحاكم في المستدرك8701

      6 - رواه مسلم2842


      7 - رواه أحمد17650


      طريق الاسلام
    • رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193].

      الاستماع لتلاوة رائعة

      https://www.facebook.com/share/v/1DbfHKTTh2/
      شرح حصن المسلم للشيخ خالد السبت قوله تعالى " رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ ‏‎ .. ‎‏"‏ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أما بعد: أُواصل الحديث -أيها الأحبة- عن قوله -تبارك وتعالى- بهذه الخواتم لسورة آل عمران، في قول أهل الإيمان، في قول أولي الألباب الذين أثنى اللهُ عليهم بهذه الأوصاف الكاملة، وذكر أنَّ من دُعائهم أنَّهم يقولون: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193].
      سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو النبي ﷺ: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، يقول: آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا فاستجبنا، وصدّقنا، وانقادت قلوبُنا، وأسلمت جوارحُنا، وأذعنَّا لله -تبارك وتعالى-.
        رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا [آل عمران:193]، فهذا من آداب الدُّعاء: أن يتوسل العبدُ بعمله الصَّالح، فإنَّ التوسل أنواعٌ: منه ما هو مشروعٌ، ومنه ما هو ممنوعٌ، فهذا هو التَّوسل المشروع: أن يتوسّل بأعماله الصَّالحة، هنا التَّوسل بالإيمان: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، يقولون: ربنا آمنا، فهنا: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، آمنا بك، واتَّبعنا رسولك: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
      كما توسّل الثلاثةُ الذين انطبقت عليهم الصَّخرةُ بصالحي أعمالهم، فكان ذلك من قبيل التَّوسل المشروع، فالإنسان يمكن أن يقول: اللهم بإيماني بك، واتِّباعي لرسولك ﷺ، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم تقبّل مني، اللهم أدخلني الجنَّة، ونجِّني من النار.
      وهكذا سائر الأعمال الصَّالحة التي أعظمها الإيمان، فهنا توسَّلوا بأعظم الأعمال وأحبِّها إلى الله -تبارك وتعالى-.
        رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، بإيماننا واتِّباعنا نبيّك ﷺ اغفر هذه الذّنوب، والغفر يدل على السَّتر، استرها، فلا نفتضح في الدنيا، ولا في الآخرة، ومنه المغفر الذي يُوضع فوق الرأس، يضعه المقاتلُ فوق رأسه، فهو يستره ويقيه أيضًا ضرب السِّلاح؛ يعني: قنا تبعات هذه الذّنوب، وشؤمها، وغوائلها، وما تتسبَّب عنه من الآثام والعقوبات، والجرائر في الدنيا والآخرة.
        وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا [آل عمران:193] كفِّر عنا هذه الذّنوب، أذهبها فلا تبقى لها باقيةٌ، ولا يكون لها أثرٌ.
        وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193] طلبوا غُفران الذنوب، وتكفير السَّيئات، وأن تكون الوفاةُ مع الأبرار.
        انظروا -أيها الأحبّة- هذه المطالب، مطالب هؤلاء الذين أثنى اللهُ -تبارك وتعالى- عليهم، وبهذا يعرف المؤمنُ المطالبَ العالية، يعرف القضايا التي تستحقُّ أن يُوليها اهتمامه، وأن يُصوِّب نظره إليها، وأن يتوجّه بقلبه نحوها، وأن يسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُحقِّقها له: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، توفنا مع الأبرار، ألحقنا بالصَّالحين -كما يقول ابنُ كثيرٍ رحمه الله[1]-، اقبضنا إليك في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم، ومعهم -كما يقول ابنُ جرير[2]-، وهو معنًى مُتَّحِدٌ، وألفاظٌ مُتقاربةٌ.
      إذًا توفَّنا معهم؛ أي: في عِدادهم، واحشرنا محشرهم، وألحقنا بهم، واجعلنا في جُملتهم وزُمرتهم: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ؛ لأنَّ الذين يتوفَّاهم الله -تبارك وتعالى- يلحقون بنُظرائهم: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات:22]، ليس المقصودُ الزَّوجات، وإنما احشروهم ونُظراءهم؛ يعني: مَن يُشاكلهم، فالمنافق مع المنافق، اليهودي مع اليهودي، النَّصراني مع النَّصراني، البوذي مع البوذي، اللّيبرالي مع اللّيبرالي، العلماني مع العلماني، وهكذا كل فئةٍ تُحشر مع مَن تُشاكله، فهذا الذي يُحارب أهلَ الإيمان ويُعاديهم ويسخر منهم لا يُحشر معهم، وإنما يُحشر مع أشكاله ونُظرائه.
        وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ۝ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران:193- 194]، انظر هذه المعاني، إذا كان الإنسانُ يستشعرها أول ما يستيقظ، قبل أن يُصلي من الليل يقول هذا الكلام: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، وهو يُحادّ الله  ويُحاربه، ويُبارزه بالفجور، ويقول هذا الكلام: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}، هذا يحتاج أن يعمل عملَهم، كيف يتوفَّاه الله  مع الأبرار إذا كان على سيرةٍ غير مرضيَّةٍ، وعلى حالةٍ سيئةٍ.
      فهنا: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، بعضهم يقول: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على ألسنة رُسلك من الثَّواب والجزاء؛ يعني: الجنَّة والنَّعيم المقيم: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على ألسنتهم، وهذا الذي اختاره ابنُ كثير[3]، يعني: ما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من النَّعيم المقيم، وهذا هو اختيار كبير المفسّرين ابن جرير -رحمه الله[4]-، والحافظ ابن القيم: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ على ألسن الرسل[5]، ما أخبروا به من الجزاء والثَّواب والنَّعيم المقيم لمن آمن وعمل صالحًا.
      وبعض أهل العلم يقولون: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على الإيمان برسلك.
      والأول أظهر وأرجح -والله تعالى أعلم.
        وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:194] يعني: لا تهتك سترنا على رؤوس الخلائق، لا تفضحنا، هذا الخزي، الفضيحة، والإهانة، ومَن عاقبه اللهُ -عزَّ وجلَّ- فقد فضحه.
      وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ بعضُهم يقول: إنَّ ما وعدتَ به من قيام السَّاعة والحشر والحساب والجزاء أمرٌ واقعٌ لا محالةَ، فلا تُخزنا في ذلك اليوم -كما يقول الحافظُ ابن كثير رحمه الله[6].
      والأقرب من هذا والأوضح -والله تعالى أعلم- أنَّهم قصدوا بذلك: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ يعني: أنَّك وعدتَ أهلَ الإيمان بالجزاء والثَّواب، فآتنا ما وعدتنا على رسلك: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
      على هذا التَّفسير يرد سؤالٌ، وهو: معلومٌ أنَّ الله -تبارك وتعالى- لا يُخلف الميعاد، وأنَّه سيُثيب المطيعين والمؤمنين، فما الفائدة من هذا السؤال: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ؟ أهل الإيمان يُؤتيهم الله  ويُوفي لهم بهذا.
      والجواب: أنَّ ذلك إنما يكون تحقّقه وحصوله إذا توفّرت الشُّروط، وانتفت الموانع.
      ومَن الذي يضمن أنَّه قد حقق الشُّروط، وانتفت عنه الموانع حتى يكون ضامنًا يوم القيامة أنَّ الله سيُعطيه، ويُوليه، ويجزيه، ويرفعه؟
      هذا المؤمن لا يزال يخاف ويُشفق، ولا يحصل له الأمن التَّام والطُّمأنينة التَّامة إلا إذا دخل الجنة، وإلا فهو في وجلٍ، ويكون الناسُ في المحشر في حالٍ من الوجل والخوف بحسب أعمالهم، وبحسب إيمانهم، لكن الأمن التَّام، الأمن المطلق، والراحة الكاملة، هذا يكون إذا دخل الجنَّة، وقبل ذلك؟ قبل ذلك يكون في حالٍ بحسب إيمانه، الملائكة تتنزَّل على المؤمنين: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت:30]، ولكن الناس في إيمانهم يتفاوتون.
      المقصود -أيها الأحبّة- أنَّهم يُدركون أنَّ هذا يتوقف على تحقق الشُّروط وانتفاء الموانع، ومن ثَمَّ فإنَّهم يقولون: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، ومن الأسباب التي يتوصَّلون بها إلى هذا الثَّواب: الدّعاء، فالدُّعاء من المطالب الشَّرعية، وله عند الله منزلةٌ وشأنٌ، فمن هنا هذا يتضمّن أيضًا السّؤال أنَّ يُوفِّقهم الله -تبارك وتعالى- إلى الأسباب الموصلة إلى ذلك: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ.
      انظروا إلى الجواب، انظروا إلى النَّتيجة: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران:195] بالفاء التي تدل على التَّعقيب المباشر، دعوا بهذا الدُّعاء؛ فجاءت النَّتيجةُ مباشرةً بالفاء التي تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها مباشرةً فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أي: فأجابهم ربُّهم: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195]، وهذا كما في قوله -تبارك وتعالى-: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
      فهنا هؤلاء دعوا الله : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فهذا تفسيرٌ لهذه الاستجابة أو الإجابة، قال لهم مُجيبًا بأنَّه لا يُضيع عمل عاملٍ منهم، لا يضيع عنده عملٌ، بل يُوفي كلَّ عاملٍ بعمله، وأجره، وثوابه، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
      وهذه إحدى الآيات النَّازلة بسبب سؤال أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- لما قالت للنبيِّ ﷺ: لا نسمع الله ذكر النِّساء في الهجرة بشيءٍ؟ إلى غير ذلك من قولها وسُؤالها، فكان مما نزل في ذلك من الآيات: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[7].
      الأنصار  يقولون: كانت هي أول ظعينة قدمت المدينة[8]، يعني: مُهاجرة إلى المدينة، فهنا: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يعني: أنَّ جميعَكم في الثَّوابِ سواء، الرِّجال كالنِّساء، ولا فرقَ من جهة الجزاء والثَّواب، الرجل والمرأة، هل الإسلام جاء بالمساواة بين الرجل والمرأة؟
      الجواب: لا، ليسوا سواءً، والمساواة ليست بعدلٍ في كل الصور والحالات، فالإسلام لم يُسوِّ بين الرجل والمرأة، وإنما جاء بالأحكام العادلة، فالرجل والمرأة في الجزاء عند الله -تبارك وتعالى- في الثَّواب والعقاب سواء، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسَّيئة بمثلها، الرجل كالمرأة، أمَّا في التَّكاليف فالأصل أنَّ النِّساء شقائق الرِّجال، إلا ما استثناه الشَّارع: النِّساء لا يُطالبن بالخروج إلى المساجد لصلاة الجماعة، والرجل يجب عليه ذلك.
      المرأة يجب أن تحتجب، والرجل لا يحتجب.
      المرأة لا تخضع بالقول، ولا تُبدي زينتها، وما إلى ذلك من الأحكام المتعلّقة بها، وكذلك أيضًا المرأة لا تُخالط الرِّجال الأجانب، كما أنَّ المرأة أيضًا لا تُطالب بصلاة الجمعة، ولا يجب عليها جهادٌ، ولا تُطالب به أصلاً، وأحكامها معروفة، وهي في الميراثِ على نصف ميراثِ الرَّجل، وليس ذلك بظلمٍ لها بحالٍ من الأحوال، ولكن ليس من العدل أن يُسوي الشارعُ بينهما، بل جاء بالأحكام العادلة، لها نصف الميراث لماذا؟
      لأنها طالبةٌ للزيادة دائمًا، وأمَّا الرجل فهو مُنتظرٌ للنَّقص دائمًا، الرجل يجمع من أجل أن يدفع المهرَ، والمرأة لا تدفع مهرًا، ولا تُطالَب بأيِّ نفقاتٍ غير الزكاة الواجبة إن كان عندها مالٌ، فهي تأخذ المهرَ من الرجل، يجمع سنين مُتطاولة، وتركبه الدُّيون من أجل أن يُعطيها، والمهر ملكٌ لها، تخزنه عندها، والنَّفقة تجب على الزوج والولي من أبٍ وغيره، ولو كانت المرأةُ غنيةً لا تُطالب بنفقةٍ، ولا بالمشاركة في النَّفقة، هي تخزن المال، فإذا مات مَن ترثه أخذت من الميراث وخزنت.
      وأمَّا الرجل فمسكينٌ، يجب عليه الإنفاق، وهو الذي يدفع المهورَ، وإذا طلَّقها أعطاها مالاً جبرًا لخاطرها من قبيل المتعة، فلا يُسوَّى بين طالب الزيادة، مُنتظر الزِّيادة دائمًا، ومُنتظر النَّقص دائمًا، هذا ليس من العدل.
      البنت وأخوها، إذا أخذت مثل مال أخيها تمامًا، وهو المطالب بالصَّرف والنَّفقة؛ فلم نعدل بينهما بحالٍ من الأحوال.
        فالإسلام دين العدالة، وليس بدين المساواة، من الخطأ أن يُقال: نحن نُطالب بالمساواة، الإسلام جاء بالمساواة؟ نقول: لا، المساواة في الجزاء عند الله والثَّواب والعقاب، لا فرقَ، لا يضيع عملُ أحدٍ، أمَّا في الدنيا وأحكام الدُّنيا ففرقٌ بين المرأة والرجل.
      فهنا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، جميعكم في الثَّواب: الرِّجال والنِّساء في الطَّاعة والعكس على حدٍّ سواء، فهم في الملّة والدِّين حكمُ جميعهم فيما هو فاعلٌ بهم -تبارك وتعالى- على حدٍّ سواء من حيث إنَّه لا يُضيع عمل عاملٍ منهم من ذكرٍ ولا أنثى.
      هكذا قال المحققون: كابن جرير، وابن كثير، وغير هؤلاء: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، هذا معنى هذا القدر من هذه الآية.
      أتوقف عند هذا، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن ينفعنا وإيَّاكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هُداةً مُهتدين، والله أعلم.
      وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه   الكلم الطيب
    • قال الدكتور مصطفى السباعي –رحمه الله- في كتابه
      [هكذا علمتني الحياة ]

      موطنان ابكِ فيهما ولا حرج: طاعة فاتتك بعد أن واتتك، ومعصية ركبتك بعد أن تركتك.

      وموطنان افرح فيهما ولا حرج: معروف هديت إليه، وخير دللت عليه.

      وموطنان أكثر من الاعتبار فيهما: قوي ظالم قصمه الله، وعالم فاجر فضحه الله.

      وموطنان لا تطل من الوقوف عندهما: ذنب مع الله مضى، وإحسان إلى الناس سلف.

      وموطنان لا تندم فيهما: فضل لك جحده قرناؤك، وعفو منك أنكره عتقاؤك.

      وموطنان لا تشمت فيهما: موت الأعداء، وضلال المهتدين.

      وموطنان لا تترك الخشوع فيهما: تشييع الموتى، وشهود الكوارث.

      وموطنان لا تقصر في البذل فيهما: حماية صحتك، وصيانة مروءتك.

      وموطنان لا تخجل من البخل فيهما: الإنفاق في معصية الله، وبذل المال فيما لا حاجة إليه.

      وموطنان انسَ فيهما نفسك: وقوفك بين يدي الله، ونجدتك لمن يستغيث بك.

      وموطنان لا تتكبر فيهما: حين تؤدِّي الواجب، وحين تجالس المتواضع.

      وموطنان لا تتواضع فيهما: حين تلقى عدوَّك، وحين تجالس المتكبر.

      وموطنان أكثر منهما ما استطعت: طلب العلم، وفعل المكرمات.

      وموطنان أقلل منهما ما قدرت: تخمة الطعام، ولهو العاطلين.

      وموطنان ادخرهما لتغيُّر الأيام: صحتك، وشبابك.

      وموطنان ادخرهما ليوم الحساب: علمك، ومالك.
        هذا الكون العظيم كتاب مطوي، لم يقرأ العلماء إلا كلمات من صفحة غلافه.   أكثر ضلال الناس من أهوائهم، لا من عقولهم.   جمال الحياة، أن ترضى عما أنت فيه، ويرضى العقلاء عما أنت عليه.   شرُّ أنواع الفقر أربعة: الفقر في الدين، والفقر في العقل، والفقر في الصبر، والفقر في المروءة.   لا تأتمن على مالك طمَّاعاً، ولا على سرَّك كذاباً، ولا على دينك دجَّالاً، ولا على عقلك مخادعاً، ولا على سلامتك مغامراً، ولا على علمك غبيًّا، ولا على أهدافك ذكيًّا.   أروني على وجه الأرض إنساناً " سعيداً " لا يكدر صفو سعادته مكدَّر، إلا أن يكون " مجنوناً ".   أشد الآلام على النفس: آلام لا يكتشفها الطبيب، ولا يستطيع أن يتحدث عنها المريض.   مهما اشتدَّت آلامك، لفوات ما تحب من صحة أو مال أو خير؛ فإن ما بقي لك من نعم الله عليك، رأس مال كبير لمسرَّات لا تنتهي.   الشكوى إلى غير أخ صادق، أو مواسٍ كريم، مهانة يستغلُّها عدو لئيم أو حاسد زنيم، ولو استطعت ألاَّ تشكو إلا إلى الرحمن الرحيم، كان أعظم لثوابك، وأضمن لمودة أصحابك.   إذا اشتكيت إلى إنسان مرضك أو ضائقتك، ثم لم يفعل من أجلك شيئاً، إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا تشتكِ إليه مرة أخرى، فلو كان أخاً حميماً لأرَّقه ألمك، ولو كان رجلاً شهماً لبادر إلى معونتك، فوفِّر حظَّك من الشكوى لمن كان له حظ من المروءة.   مقاومة روح العصر حماقة تستحق الرثاء، ومقاومة حماقات العصر حكمة تستحق الثناء، وإن كانت كلتا المقاومتين محكوماً عليها بالفشل غالباً، غير أن البطل الذي يستشهد في ميدان معركة خاسرة، أكرم من الأحمق الذي يموت في مقاومة عاصفة ثائرة   أنت أحوج إلى أن تستفيد مما علمت، من أن تعلم ما جهلت.   لا خير في حاكم لا يحكمه دينه، ولا في عاقل لا يسيِّره عقله، ولا عالم لا يهديه علمه، ولا قوي لا يستبدُّ به عدله.   الاجتماع على الضلال أسوأ من الاختلاف على الهدى، والتعاون على الجريمة شرٌّ من التخاذل عن الحق، ومسايرة الظالمين شر من الجبن عن مقارعتهم، والإيمان المشوب بالكفر أخطر من الكفر الصراح، والحرب مع التخاذل أضرُّ من إلقاء السلاح.   توضيح معالم الحق يجب أن يسبق الدعوة إليه، وإلا كثر المختلفون الذين يدَّعون أنهم يمثلون الحق، أو يدافعون عنه، وأكثرهم مبطلون أو مستغلُّون.   خمسة يعتبر موتهم كارثة اجتماعية: الحاكم الصالح في قوم فاسدين، والعالم الناصح في قوم جاهلين، والمصلح المخلص في قوم غافلين، والقائد الشجاع في قوم متخاذلين، والحكيم الشيخ في أحداث طائشين.   لا تأمن من لم تملأ مراقبة الله قلبه، على وطن، ولا على فكرة، ولا على قضية، ولا على مال، فإنك لا تدري متى يميل به الهوى، فيخونك وهو يزعم أنه لك وفيٌّ أمين.   قد يستفيد الحق من المتمسِّحين به من ذوي المطامع، فلا ضير على الحق أن يستعين بهم إذا احتاج إليهم، ألا ترى إلى الصدقات، جعل منها سهم للمؤلفة قلوبهم؟   لكل إنسان دنياه الواسعة التي تجول فيها أحلامه ومطامعه تصول، والمؤمنون لهم دنيا واحدة محدودة بالحق الذي آمنوا به.
      وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متقدم عنه ولا متأخر   في اختلاف الأصدقاء شماتة الأعداء، وفي اختلاف الإخوة فرصة المتربصين، وفي اختلاف أصحاب الحق فرصة للمبطلين.   عمرك كله: هو اللحظة التي أنت فيها، فأتقن عملك ما استطعت، فقد لا تواتيك فرصة أخرى للعمل.   إذا حال دون نشاطك المعتاد حائل، من مرض أو سجن أو ظرف قاهر، فاستنقذ من نشاطك ما يمكن إنقاذه.   من تهدَّم عليه البيت، فركن إلى الأنين، مات تحت الركام، ومن أمسك جراحاته بيد، والمعول بيد، إن استطاع، فإن سلمت له حياته عاش كريماً، وإن مات بعد ذلك، مات حميداً.   العاجز من يلجأ عند النكبات إلى الشكوى، والحازم من يسرع إلى العمل.   إذا وقعت في أزمة مستحكمة، فاجعل فكرك في مفاتيحها لا في قضبانها.   الفرق بين العاقل والأحمق: أن العاقل ينظر دائماً إلى مدِّ بصره، والأحمق ينظر إلى ما بين قدميه.   تستطيع – إذا أردت – أن تبدِّل الأحسن بالأسوأ؛ إذا لم ترضَ بالأسوأ وعملت لتغييره بروح التفاؤل.   اتّخذ من الفشل سلَّماً للنجاح، ومن الهزيمة طريقاً إلى النصر، ومن المرض فرصة للعابدة، ومن الفقر وسيلة إلى الكفاح، ومن الآلام باباً إلى الخلود، ومن الظلم حافزاً للتحرُّر، ومن القيد باعثاً على الانطلاق.   احذر من مصاحبة الأحمق، فيفسد عليك عقلك، وإذا ابتليت بمصاحبته فلا تتعاقل عليه، ولكن امتحن عقلك ساعة بعد ساعة.   الحياة صخرة عاتية، وخير لك من محاولة زحزحتها، أن تستفيد من ظلِّها لاتِّقاء حرِّ الشمس، وثورة الأعاصير.   نشر رأيك بين الناس في مقال واحد، أنفع لك من مجادلة خصومك المعاندين شهراً كاملاً.   يتبع            
    • دولة التلاوة - تلاوة قرآنية أكثر من رائعة من المتسابق محمد محفوظ بجزء من سورة "النساء"       ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

      المال قوام الحياة، وأساس نهضة الأمم وتقدم الدول وبناء الحضارات؛ لذا حث الإسلام على طلبه وكسبه، لكنْ من طرقه الصحيحة وبالوسائل المشروعة، وأرشد إلى إنفاقه فيما يعود بالنفع على الإنسان والأكوان، ويكون محقِّقًا لرضا الرحمن.
      وقد جُبلت النفوس البشرية على حب الدنيا، والرغبة الشديدة في الاستزادة من متاعها الزائل، والحرص البالغ على ما فيها مشتهيات؛ يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]، وجُبلت النفوس أيضًا على حب المال، باعتباره من زينة الحياة الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]، والمال هو كل ما يملكه الإنسان من نقود أو تجارة أو عقار أو متاع.

      والإسلامُ يُقرُّ مبدأَ الملكيَّة الفرديَّة، وجعل هذا من أسس بناء اقتصاد قوي ومتكامل؛ ولذا شرع الإسلام مجموعة من التشريعات؛ من أجلِ حمايَة ممتلكات الأفراد وأموالهم، ومنْعِ التعدِّي عليهم وأخذها إلا برضاهم، ومن أهم النصوص التي وردت في هذا الشأن؛ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

      وفي هاتين الآيتين إشارتان لطيفتان:

      - الأولى: جاء التعبير القرآني عن أخذ الأموال بدون وجه حقٍّ بـ"الأكل"؛ وذلك؛ لأنَّ الأكلَ هو المنفعة الظاهرة من المال، وهو أكثر شيء يُطلب المال من أجله، وفي هذا التعبير أيضًا: تنفيرٌ شديدٌ من الأكل من المصادر المحرمة؛ لأنَّ مصير مَنْ سيأكل الحرام سيكون إلى النار، فكلُّ ما نبت من حرامٍ النارُ أولى به.

      - والثانية: التعبير بلفظ: ﴿أموالكم﴾ والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض؛ وذلك للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وأيضًا للتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي، وأخذ المال بغير حق يعرِّض كلَّ مالٍ للضياع، ومثل هذه التعابير متكررة في القرآن الكريم للإشارة إلى ضرورة التكافل بين أبناء الأمة الواحدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 27].

      وقد قررت أحاديث البشير النذير صلى لله عليه وآله وسلم هذه المعاني؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» رواه مسلم، وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حَجَّةِ الوداع: «إنَّ دِماءَكُم وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا» رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رواه البيهقي.

      وصور أكل أموال الناس بالباطل كثيرة متعددة، وقد جاء الإسلام بتحريمها؛ حمايةً للناس من عواقبها الوخيمة على الأفراد والمجتمعات، ولِما يترتب عليها من إثم وعقوبة في الدنيا والآخرة.
      وتدور هذه الصور حول أخذ الأموال بغير وجه حق؛ كالسرقة والغصب، وأيضًا الغش والتلاعب في الموازين، وكذلك عدم إعطاء الحقوق، وعدم ردِّ الأمانات إلى أصحابها.
      وهناك صورة خفيَّة، وهي من أبشع الصور الممنوعة في أكل أموال الناس بالباطل، نريد أن ننبه عليها، ألا وهي "الرشوة"، والمراد بها: ما يدفعه الإنسان في جهةٍ ما ليَتَوصَّل به إلى ما ليس بحقِّه، وكذلك ما يَأخُذَه العامل في جهة ما ليُعْطِي غيرَه ما ليس حقَّه، وقد استهان الناس بها، وتساهلوا في أخذها، وأوجدوا لأنفسهم المبررات؛ لأجل استحلالها، وقاموا بتسميتها بغير اسمها للتجرُّؤ على أخذها، وهذا كله من مداخل الشيطان؛ فهي محرمة تحريمًا شديدًا، وبسببها تنزع البركة من الحياة، بالإضافة إلى العقاب الشديد في الآخرة.
      -------
      المراجع:- "زهرة التفاسير" للشيخ/ محمد أبو زهرة، ط. دار الفكر العربي.- "صحيح الإمام البخاري" تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط. دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى 1422هـ.- "صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.- "السنن الكبرى" للإمام البيهقي تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط. دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الثالثة: 1424هـ - 2003م.

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182781
    • إجمالي المشاركات
      2536755
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×