اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 55372
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109821
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9064
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180105
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56689
      مشاركات
    4. 259956
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23493
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8023
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32122
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4158
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25481
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30212
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52746
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19522
      مشاركات
    4. 6676
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40672
      مشاركات
    2. 47497
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21002
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      96986
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36812
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31794
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4882
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16432
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15471
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29715
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31144
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12925
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41302
      مشاركات
    2. 33843
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91660
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32158
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13122
      مشاركات
    3. 34855
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6117
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. le forum francais

    1. le forum francais

      Que vous soyez musulmane ou non, cet espace vous est dédié

      المشرفات: سلماء
      7175
      مشاركات
  14. IslamWay Sisters

    1. English forums   (34015 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  15. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • الْحَمدُ للهِ.. أيُّها المؤمنونَ.   أمَّا بعدُ: فإنَّ للطَّاعةِ مِنَ البركةِ ما يَبْقَى حتى بعدَ موتِ صاحِبِها. قَالَ سبحانَهُ: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ [النساء: 9].   وفي قصةِ موسى معَ الخَضِرِ: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ [الكهف: 82].   وإنَّ للمعصيةِ ضررًا وشؤمًا يلحقُ صاحبَها ولو بَعدَ الموتِ، كما قَالَ سبحانَهُ عنْ آلِ فرعونَ: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46].   وقَالَ تعالى عنْ بني إسرائيلَ: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف: 166، 167].   قَالَ ابنُ القيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَلْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ شَرٌّ وَدَاءٌ إِلاَّ سَبَبُهُ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي؟   ما الذي أخرجَ الأبوينِ مِنَ الجنّةِ دارِ النَّعيمِ والبهجَةِ والسرورِ، إلى دارِ الآلامِ والأحزانِ والمصائبِ؟.   وما الذي أخرجَ إبليسَ مِنْ ملكوتِ السماءِ وطردَه ولَعَنَه، ومسخَ ظاهرَه وباطنَه فَجَعَلَ صورتَهُ أقبحَ صورةٍ وأشنَعَها، وباطِنَه أقبحَ مِنْ صورتِه وأشْنَعَ، وبُدِّلَ بالقربِ بُعدًا وبالرحمةِ لَعْنَةً، وبالجمالِ قُبْحًا، وبالجَنَّةِ نارًا تلظى، وبالإيمانِ كُفرا، وبِموالاةِ الوليِّ الحميدِ أعظمَ عداوةٍ ومُشاقّةٍ، وبِزَجَلِ التسبيحِ والتقديسِ والتهليلِ زَجَلَ الكفرِ والشِّركِ والكَذِبِ والزورِ والفُحْشِ، وبلباسِ الإيمانِ لباسَ الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، فهانَ على اللهِ غايةَ الهوانِ، وسَقَطَ مِنْ عينِهِ غايةَ السقوطِ، وحَلَّ عليه غضبُ الربِّ تعالى فأهْواهُ، ومَقَتَهُ أكبرَ المقتِ فأرْدَاهُ، فَصَارَ قَوّادًا لكُلِّ فاسقٍ ومُجرمٍ. رَضِيَ لنَفْسِهِ بِالقيادةِ بَعْدَ تِلْكَ العِبادةِ والسِّيادةِ! فَعِيَاذًا بِكَ اللهمَّ مِنْ مخالفةِ أمرِك، وارتكابِ نهيِك.   وما الذي أغرقَ أهلَ الأرضِ كلَّهُم حتى علا الماءُ فوقَ رؤوسِ الجبالِ؟ وما الذي سَلَّطَ الريحَ على قومِ عادٍ حتى ألقتْهُم مَوتى على وجهِ الأرضِ كأنَّهُم أعجازُ نخلٍ خاويةٍ. ودَمَّرَتْ ما مَرَّ عليه مِنْ ديارِهم وحرثِهم وزروعِهم ودوابِّهم، حتى صاروا عبرةً للأممِ إلى يومِ القيامةِ؟   وما الذي أرْسَلَ على قومِ ثمودَ الصيحةَ حتى قَطّعَتْ قلوبَهم في أجوافِهم، وماتوا عَنْ آخِرِهِم؟   وَمَا الذي رَفعَ قُرى اللوطيةِ حتى سَمِعَتْ الملائكةُ نبيحَ كلابِهم، ثُمَّ قَلَبَهَا عَليهِم فَجَعَلَ عاليَها سافِلَها فَأهَلَكَم جميعا، ثم أتْبَعَهُم حجارةً مِنَ السماءِ أمطرَها عليهم، فَجَمَعَ عليهم مِنَ العُقوبةِ ما لم يَجْمَعْهُ على أُمّةٍ غيرِهم؟ ولإخوانِهِم أمثالُها، وما هيَ مِنَ الظالمينَ ببعيد.   وما الذي أرسلَ على قومِ شُعيبٍ سحابَ العذابِ كالظُّلَلِ فلما صَارَ فوقَ رؤوسِهِم أمْطرَ عَليهِم نارًا تلظى؟   وما الذي أغْرقَ فِرعونَ وقومَه في البحْرِ، ثم نَقَلَ أرواحَهم إلى جهنمَ؛ فالأجسادُ للغرقِ، والأرواحُ للحَرَقِ؟   ومَا الذي خَسَفَ بِقارونَ ودارهِ ومالِهِ وأهلِه؟   وما الذي أهلكَ القرونَ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ بأنواعِ العقوباتِ ودمَّرها تدميرا؟   وما الذي بعثَ على بني إسرائيلَ قومًا أُولِي بأسٍ شديدٍ فجاسُوا خلالَ الديارِ، وقَتَّلُوا الرِّجَالَ، وسَبَوا الذراريَ والنِّساءَ، وأحرَقُوا الديارَ ونَهَبُوا الأمَوالَ، ثم بَعَثَهُم عَليهِم مرةً ثانيةً فأهْلَكُوا ما قَدَرُوا عليه، وتَبَّرُوا ما عَلَو تتبيرا؟   إنَّها الذنوبُ المهلكاتُ. قَالَ سبحانَهُ: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الأنعام: 6]. وقَالَ عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر: 21].   وَصَدَقَ اللهُ: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].   رَوَى الإمامُ أحمدُ في الزُّهدِ وغيرُه عَنْ جُبيرِ بنِ نُفيْرٍ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قبرصُ فُـرِّقَ بين أهلِها فبكى بَعضُهم إلى بعضٍ، ورأيتُ أبا الدرداءِ جالسًا وَحْدَه يَبْكي، فَقُلتُ: يا أبا الدرداءِ! ما يُبْكِيكَ في يومٍ أعزَّ اللهُ فيه الإسلامَ وأهلَه؟ قَالَ: ويحَك يا جبيرُ؛ ما أهْونَ الخلقَ على اللهِ إذا أضاعوا أمرَه. بينا هِيَ أمةٌ قاهرةٌ ظاهرةٌ لَهُمُ الملكُ، تركوا أمرَ اللهِ فَصَارُوا إلى ما ترى.   إنَّه لَيسَ هُناكَ أحدٌ بَيْنَه وَبَيْنَ اللهِ نَسَبٌ، ولِذا قَالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ: " وَمَنْ بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يَسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ". رَوَاهُ مسلمٌ.   فَعَمَلُ المسلمِ هُوَ حَسَبُه وَنَسَبُه وَهُوَ فَخْرُهُ وَشَرَفُه في الدُّنيا والآخِرَةِ.   أيّها المؤمنون: إنَّه لو لَمْ يكُنْ مِنْ شُؤمِ المعصيةِ إلا أنَّ صَاحِبَها وإنْ مَضَى في الغابرينَ، وذهَبَ في الذّاهبينَ لا يَزالُ يُكتبُ عليه إثْمُها، ويَجري عليه عَذابُها، إذا كانتْ متعديةً.   قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا تُقتلُ نفسٌ ظُلما إلا كانَ على ابنِ آدمَ الأولِ كِفلٌ مِنْ دمِهَا لأنَّه أولُ مَنْ سَنَّ القتلَ" رَوَاهُ البخاريُّ ومسلمٌ.   وَمِثْلُهُ آثامُ المُغنّينَ والمُغنّياتِ، ومَنْ يَنشُرُ السُّوءَ والكَذِبَ، وسائرُ أهلِ المعاصي الذين لا تزالُ معاصيهُم بينَ الناسِ عَبْرَ الوسائل المرئيةِ والمسموعةِ، فإنَّه كُلما استمعها مُستَمِعٌ أو شاهَدَها مُشاهِدٌ كُتِبَ عَليهِم مِثْلُ آثامِ مَنْ استمعَ أو شاهَدَ، ويتوبُ اللهُ على مَنْ تَابَ.   يدلُّ على ذلِكَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. " رَوَاهُ مسلمٌ   عبادَ الله: إن للمعصيةِ أثرًا يُريهُ الله عِبادَه لعلهم ينتهون: قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ آثارِ الذنوبِ والمعاصي أنها تُحدِثُ في الأرضِ أنواعا مِنَ الفسادِ في المياهِ والهواءِ والزرعِ والثمارِ والمساكنِ قَالَ تَعالَى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41] فالمرادُ بالفسادِ والنقصِ والشرِّ والآلامِ التي يُحدِثُها اللهُ في الأرضِ بِمعاصي العبادِ، فكلَّما أحدثوا ذنْبا أحْدَثَ لهمْ عقوبةً، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلفِ: كُلَّما أحدثتُم ذنبا أحْدَثَ اللهُ لكُم مِنْ سُلطانِهِ عقوبةً، والظَّاهِرُ واللهُ أعْلَمُ أنَّ الفسادَ المرادُ بِهِ الذنوبُ وموجباتِها، ويدُلُّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿ النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ [الروم: 41] فهَذَا حالُنَا، وإنَّما إذاقَنَا الشيءَ اليسيرَ منْ أعمالِنَا، فَلَو أذاقَنَا كلَّ أعمالِنَا لَمَا ترَكَ على ظهرِهَا منْ دابةٍ...   وكثيرٌ مِنْ هذه الآفاتِ أحدَثَها اللهُ سَبحَانَه وتعالى بِما أحدثَ العبادُ مِنَ الذُّنوبِ.اهـ.   وإنَّ مِنْ شؤمِ المعصيةِ على صاحِبِها ما يلي: 1- أنَّ المعصيةَ تُورِثُ صاحِبَها وحشةً في القلبِ، وتَكونُ سببًا في حِرْمانِ العِلْمِ والتوفيقِ: وذلِكَ أنَّ القَلبَ بيْتُ الربِّ – تعظيما وإجلالًا – فإذا عُمِّرَ بَغيرِ ذِكْرِ مولاه أظلَمَ، وبِقَدْرِ إعراضِ العبدِ عنْ ذِكْرِ اللهِ يكونُ لَديهِ مِنَ الضّنْكِ وضيقِ الصّدرِ وانقباضِ النَّفْسِ، وإنْ انطَلَقَ صاحبُها في الحياةِ فَهُوَ غيرُ سعيدٍ، لأنَّ التّقيَّ هُوَ السعيدُ.   قال ابنُ عباسٍ وأنسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: إنَّ للحسنةِ نورا في القلبِ، وزينا في الوَجْهِ، وقوةً في البَدَنِ، وَسِعَةً في الرِّزْقِ، وَمحبةً في قلوبِ الخلْقِ، وإنَّ للسيئةِ ظُلمةً في القلْبِ، وشينا في الوَجْهِ، وَوَهنا في البَدَنِ، ونقصا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قلوبِ الخلقِ.   2- أنَّ صاحِبَ المعصيةِ تَلعنُه حتى البهائمَ، بِخَلافِ صاحِبِ الطاعَةِ: قَالَ مجاهدٌ في تفسيرِ قَولِه تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]. قَالَ: إنَّ البهائمَ تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أشتدّتِ السنةُ وأمسكَ المطرُ، وتقولُ: هَذَا بشؤمِ معصيةِ ابنِ آدمَ.   أمَّا صاحبُ الطاعةِ فقَالَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرَضينَ حتى النَّملةَ في جُحرِهَا وحتى الحوتَ لَيُصَلُّون على مُعلِّمِ الناسِ الخيرَ" رَوَاهُ التـرمذيُّ وابنُ ماجه، وهُو حديثٌ صحيحٌ.   وقَالَ صلى الله عليه وسلم لَمّا مُرَّ عليه بجنازةٍ: "مستريحٌ ومُستراحٌ منه" قَالُوا: يا رسولَ اللهِ مَا المستـريحُ والمستـراحُ مِنهُ؟ فقَالَ: "العبدُ المؤمنُ يستـريحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنيا، والعبْدُ الفَاجِرُ يَستـريحُ مِنهُ العِبادُ والبلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُ" رواه البخاري ومسلم.   3- حِرْمانُ الطاعةِ، وذلك أنَّ الطاعةَ قُربةٌ إلى الملكِ الديَّانِ، فَلا يَجِدُ عبدٌ لذةَ الطاعةِ إلا بابتعادِهِ عنِ المعصيةِ، ولِذَا قَالَ سُبْحانَه في المنافقينَ: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46].   قَالَ الفضيلُ: إذا لمْ تقْدِرْ على قيامِ الليلِ، وصيامِ النهارِ، فاعلمْ أنَّكَ مَحرومٌ مُكبَّلٌ كبَّلتْكَ خطيئتُكَ. وقَالَ شابٌ للحسنِ البصريِّ: أعياني قيامُ الليلِ، فقَالَ: قيَّدتْكَ خطاياك. وقَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: إنَّ في الدنيا جَنّةٌ مَنْ لم يَدخلْها لا يَدخلُ جنةَ الآخِرَةِ.   4- أنَّ المعاصيَ سببٌ لِهوانِ العبدِ على ربِّه وهوانِه على الناس، فلا عِزّةَ إلا في طاعةِ العزيزِ سبحانَه: وكتبتْ عائشةُ أمُّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا إلى معاويةَ: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ العامِلَ إذا عَمِلَ بمعصيةِ اللهِ عَادَ حامِدُه مِنَ النَّاسِ ذامًّا.   قَالَ الحسنُ البصريُّ عَنِ العُصاةِ: هانُوا عليهِ فَعَصَوه، ولو عـَزُّوا عَليْهِ لَعَصَمَهُم.   وقَالَ مُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ: إنَّ الرَّجُلَ ليَذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَجِدَ لَهُ في قَلْبِهِ وَهْـنا.   وقَالَ الفضيلُ بنُ عِياضٍ: ما يؤمِّنُكَ أنْ تَكونَ بارزتَ اللهَ تعالى بِعَمَلٍ مَقَتَكَ عليه فَأغْلَقَ عَنْكَ أبوابَ المغفرةِ وأنْتَ تَضْحَكَ.   وقَالَ الحسنُ: ما عصى اللهَ عبدٌ إلا أذلَّهُ اللهُ.   وقال المعتَمِرُ بنُ سليمانَ: إنَّ الرّجُلَ ليُصيب الذَّنْبَ في السِّرِّ فيُصبِح وَعَليْهَ مَذلَّتُهُ   وقَالَ عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ: رأيتُ الذنوبَ تميتُ القلوبَ  وقد يورِثُ الذُّلَّ إدمانُها  وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ  وخيرٌ لنفسِكُ عِصيانُها    5- أنَّ المعصيةَ إذا أحاطتْ بصاحبِها أدخَلَتْهُ النارَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81] وإنَّ الذنوبَ إذا اجتَمَعتْ أهلكتْ صاحِبَها، كَمَا قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إياكُمْ وَمُحقِّراتِ الذنوبِ، فإنَّهنُّ يَجتمعْنَ على الرَّجُلِ حتى يَهلِكْنَهُ". رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ.   قال ابنُ القيِّمِ: واعلمْ أنَّ العقوباتِ تَختلِفُ فتارّةً تُعَجَّلُ وتَارّةً تؤخَّرُ وتارَّةً يَجمعُ اللهُ على العاصي بينَهما وأشدُّ العقوباتِ العقوبةُ بسلْبِ الإيمانِ ودونَها العقوبةُ بموتِ القلْبِ وَمَحْوِ لَذَّةِ الذِّكْرِ والقِراءةِ والدُّعَاءِ والمناجَاةِ مِنْه وربّما دبتْ عقوبةُ القلبِ فيه دبيبَ الظلمةِ إلى أنْ يمتلئَ القلبُ بِهما فتَعْمَى البصيرةُ وأهونُ العقوبةِ ما كَانَ واقعا بالبَدَنِ في الدنيا وأهونُ منها ما وَقَعَ بالمالِ ورَبما كانتْ عقوبةُ النَّظَرِ في البَصِيرَةِ أو في البَصَرِ أو فيهما. اهـ.   6- أنَّ الذنوبَ تخونُ صاحبَها في أحْلَكِ الظروفِ، وأصْعبِ المواطِنِ، خَاصَةً عِنْدَ الموتِ: قَالَ ابنُ القيِّمِ: وَمِنْ عقوباتِها - أيِ المعاصي - أنَّها تخونُ العبدَ أحوجَ ما يكونُ إلى نفْسِهِ وثُمَّ أمرٌ أخْوفُ مِنْ ذلِكَ وأدْهَى وأمرُّ وهُوَ أنْ يَخونَهُ قلبُهُ ولِسَانُهَ عِنْدَ الاحتضارِ والانتقَالِ إلى اللهِ تعالى، فَربما تعذَّرَ عليه النُّطقُ بالشَّهادَةِ، كَمَا شَاهَدَ الناسُ كثيرا مِنَ المحتضَرينَ أصابَهُم ذلِكَ، حتى قيلَ لِبَعضِهِم: قُلْ لا إلِهَ إلا اللهُ، فقَالَ: آه آه. لا أستطيعُ أنْ أقولَها، وقيلَ لآخَر: قُلْ لا إلَهَ إلا اللهُ، فَجعَلَ يهذي بالغِنَاءِ، وقَالَ: وما يَنْفَعُني ما تَقُولُ، ولَمْ أدَعْ معصيةً إلا رَكِبتُها ثم قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقِيلَ لآخَر ذلِكَ، فقَالَ: وما يُغني عَنِّي، وما أعْلَمُ أنَّي صليتُ للهِ تَعَالى صلاةً، ثُمَّ قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقيلَ لآخَر ذلِكَ فقَالَ: هُوَ كافِرٌ بِما تقولُ، وَقَضَى، وَقِيلَ لآخَـر ذلِكَ، فقَالَ: كلما أردتُ أنْ أقولَها فلِسَاني يُمسِكُ عَنْها. اهـ.   وَهَلْ تُهزمُ الجيوشُ، وتَذِلُّ الأممُ إلا بالذنوبِ والمعاصِي.   وَهَلْ أصَابَ الصحابةُ مَا أصَابَهم يومَ أُحُدٍ وحُنينٍ إلا بشؤمِ المعْصِيةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155] ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25] فهؤلاءِ الأخيارُ الأبرارُ أصَابَهم ما أصَابَهم بذنبٍ واحِدٍ، فَمَا بالُ مَنْ جَمَع المئينَ.   يا نَاظِرًا يرنو بِعينيّ راقدِ  ومُشاهِدًا للأمْرِ غيرُ مشاهِدِ  تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وتَرتَجِي  دَرْجَ الجنانِ ونَيْلَ فوزِ العابِدِ  أنسيتَ ربَّكَ حِينَ أَخْرَجَ آدما  مِنْها إلى الدُّنيا بِذنبٍ واحِدِ    قال عبدُ اللهِ بنُ المدينيِّ: خَرَجْنَا مع إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حسنٍ فَعَسْكَرْنا بِبَاخَمْرا، فطُفْنا ليلةً، فَسَمِعَ إبراهيمُ أصواتَ طنابيرَ وغِنَاءٍ، فَقَالَ: ما أطْمَعُ في نَصْرِ عَسْكَرٍ فيه هذا!   وقَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رَحِمَهُ اللهُ: فَلمَّا ظَهَرَ النِّفاقُ والبِدَعُ والفجورُ المخالِفُ لدينِ الرسولِ صَلَّى اللهُ عَليْهِ وسَلَّمَ سُلِّطتْ عليهمُ الأعداءُ فَخَرَجَتِ الرومُ النصارى إلى الشامِ والجزيرةِ مرةً بَعْدَ مرةٍ، وأخذوا الثغورَ الشاميَّةَ شيئا بَعْدَ شيءٍ إلى أنْ أخذوا بيتَ المقْدِسِ في أواخِرِ المائةِ الرابعةِ، وَبَعْدَ هذا بمدةٍ حاصروا دِمَشْقَ، وَكَانَ أهلُ الشامِ بأسوأِ حالٍ بينَ الكُفَّارِ النَّصارى والمنافقينَ الملاحدةِ إلى أنْ تَولّى نورُ الدِّينِ الشهيدِ وَقَامَ بما قَامَ بِهِ مِنْ أمْرِ الإسلامِ وإظهارِهِ والجهادِ لأعدائِهِ. اهـ.   7- أنَّ الذنوبَ مِنْ أعظمِ أسبابِ ذهابِ البَرَكةِ مِنَ الأموالِ، بَلْ ومِن حياةِ النَّاسِ عموما: ففي صحيحِ مسلمٍ مِنْ حَديثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ وما يَكونُ بَعْدَهُ مِن خُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، ثمَّ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ.   وقد أثَّرتْ المعاصي حتى في الحجَرِ الأسودِ.   وفي الحديثِ: "نَزَل الحجرُ الأسودُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أشدُّ بياضا مِنَ اللبَنِ، فَسَوّدتْهُ خطايا بني آدمَ ". رَوَاهُ الترمذيُّ، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ.   قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ تأثيرِ معاصِي اللهِ في الأرضِ مَا يَحِلُّ بها مِنَ الخَسْفِ والزلازلِ ويَمحَقُ بركَتَهَا، وقَدْ مَرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ديارِ ثَمودَ فمَنَعَهُم مِنْ دخولِ ديارِهِم إلا وَهُمْ بَاكُونَ، ومَنْ شُرْبِ مياهِهِم وَمِنَ الاستسقاءِ مِنْ أبيارِهِم، لتأثيرِ شؤمِ المعصيةِ في الماءِ. وكذلِكَ شؤمُ تأثيرِ الذنوبِ في نَقْصِ الثمارِ وما تَرَى بِهِ مِنَ الآفاتِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِهِ في ضِمْنِ حديثٍ قَالَ: وُجِدتْ في خزائنِ بعضِ بَني أميةَ حُنطةٌ الحبةُ بِقَدْرِ نواةِ التمرةِ، وهي في صُرةٍ مكتوبٌ عليها: كَانَ هذا ينبتُ في زَمَنٍ مِنَ العدلِ.   8- أنَّ الذنوبَ تُغطِّي القلبَ، حتى تَنقِلَبَ عليه الحقائقُ، فلا يَعْرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا: قَالَ صلى الله عليه وسلم: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.   وَضِدُّها التقوى؛ فَبِها تُكشفُ وجوهُ الحقائقِ، ويُميّز المسلِمُ بين الحقِّ والباطِلِ، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29].   والذنوبُ تَكونُ بِمثابةِ الغِطاءِ على القلبِ، فلا يَذكُرُ اللهَ عز وجل، ولا يَتَذَكّرُ الدَّارَ الآخِرَةَ، فيُحْجَبُ قَلبُه في الدُّنيا عَنْ رَبِّه، ثُمَّ يَحجِبُه ربُّهُ جل جلاله عنْ رؤيةِ وجهِهِ الكريمِ: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴾ [المطففين: 14 - 16].   9- أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ سَبَبٌ في زوالِ النِّعَمِ: قَالَ سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ: ﴿ ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].   قَالَ الإمامُ الشافعيُّ: إذا كَنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها  فإنَّ المعاصيَ تُزيلُ النِّعم  وحُطْها بِطاعةِ ربِّ العبادِ  فَرَبُّ العبادِ سريعُ النِّقَم    10- وَمِنْ شُؤمِ المعصيَةِ أنَّها تَكونُ سببًا في عذابِ القبرِ، فَقَدْ مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قبـريْنِ فقَالَ: "أمَا إنّـهُما ليُعذَّبَانِ وَمَا يَعذَّبَانِ في كبيرٍ، ثمَّ قَالَ: بَلَى؛ أمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ يَمشي بالنميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَولِهِ " رَوَاهُ البُخاريُّ وَمُسلِمٌ.   الثانية: مِنْ عقوباتِ المعاصي في الآخِرَةِ: ما يَكونُ مِن عذابِ المتكبّرينَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:‍ "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولِسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ" رَوَاهُ أحمدُ والترمذيُّ، وهُوَ صَحَيحٌ.   وَثَمَّةَ سؤالٌ يَرِدُ أحيانًا: لماذا يتنعَّمُ الكفّارُ في هذه الحياةِ الدنيا، ولا تُصيبُهم هذه العقوباتُ؟   وجوابًا عنه أقولُ: أولا: لا يَخفى على كلِّ ذي لُبٍّ ما يُصيبُهم مِنْ كوارِثَ وزلازِلَ وأعاصِيرَ وفيضاناتٍ وغيرِها مِما هُوَ مُشاهَدٌ وواضِحٌ.   ثانيًا: أنَّ الكُفَّارَ عُجِّلتْ لهم طيّباتُهم في هذه الحياةِ، قَالَ الحقُّ تَبَارَكَ وتَعَالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [الأحقاف: 20].   وصحَّ عنِ المعصومِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: "الدُّنيا سِجْنُ المؤمنِ، وَجَنَّةُ الكافِرِ". رَوَاهُ مسلِمٌ.   وإذا كَانَ الأمرُ كذلِكَ فإنَّ الكُفَّارَ يَعيشونَ جَنّتَهُم في هذه الحياةِ الدُّنيا، وما يُصيبُهم مِنْ أمراضٍ وكوارِثَ وغيرِها إنّما هِيَ بَعْضُ عقوباتِهِم، بخلافِ المسلمِ فإنَّ ما يُصيبُهُ في هذه الحياةِ الدُّنيا إنما هو كَفّارةٌ لذنوبِهِ وتمحيصٌ ةرِفْعةٌ لِدرجاتِه.   وقَالَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا". رَوَاهُ مسلمٌ.   واللهُ سُبْحانَهُ وتعالى لا يَظْلِمُ مِثقَالَ حَبةٍ مِنْ خَرْدَلٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44].   وما يُصيبُ الناسُ مِنْ مَصائبَ وكوارِثَ وأمْرَاضٍ إنما هُوَ بِمَا كَسبتْ أيديهِم، وَهُوَ مُؤاخذةٌ لَهم بِبَعْضِ مَا كَسَبوا، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

      الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله السحيم شبكة الالوكة
    • كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

      الأسلوب الأخير : الجُمل الموسيقية

      الدكتور عثمان قدري مكانسي


      الموسيقا في القرآن حركة متناغمة ، تتولّد عن التناسق في الجمل ، والفواصل القرآنية ، فتتحرك لها القلوب ، وتطرب لها الجوارح ، فتؤلف مع المعنى تساوقاً تهتز له النفوس الواعية فهماً وتآلفاً ، والنفوس العاديّة تآلفاً فقط . .
      فالسورة القصيرة تتجلّى فيها الجمل الصغيرة التي تمتاز بما يلي :
      1 ـ الوزن الواحد أو المتقارب .
      2 ـ القافية الواحدة أو المنسجمة (كالميم والنون ) .
      3 ـ الحروف المتقاربة همساً ، وجهراً وقلقلة ، وصفيراً . . وتكراراً ، وليناً .

      ـ فالمثال على الميزة الأولى سورة الأعلى في قوله :
      { سَــبِّــحِ اسْــمَ رَبِّــكَ الْأَعْـــلَــى (1) الَّــــذِي خَــــلَـــقَ فَـسَــوَّى (2)
      وَالَّـــذِي قَـــدَّرَ فَــهَــدَى (3) وَالَّـذِي أَخْـــرَجَ الْــمَـــرْعَــى (4)} ،
      { وَنُــيَــسِّــرُكَ لِلْــيُــسْــرَى ( 8 ) فَـذَكِّـرْ إِنْ نَـفَعَتِ الذِّكْرَى (9) }
      { سَـيَـذَّكَّـرُ مَـنْ يَـخْـشَـى (10) وَيَـتَــجَـنَّـبُــهَـا الْأَشْـقَـى (11)}
      وكذلك سورة الغاشية :
      { وُجُــوهٌ يَــوْمَــئِــذٍ نَــاعِــمَــةٌ ( 8 ) لِــــــسَــعْــيِــــــهَــا رَاضـــــــِيَــــةٌ (9)
      فِــي جَــنَّــةٍ عَــالــِيَــةٍ (10) لَا تَــسْـــمَــعُ فِـــيــهَــا لَاغِـــيَـــةً (11)
      فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)
      { فِــيــهَــا سُــرُرٌ مَــرْفُــوعَــةٌ (13) وَأَكْــــــــوَابٌ مَــــوْضُــــوعَـةٌ (14)
      وَنَــمَــارِقُ مَــصْــفُــوفَـــةٌ (15) وَزَرَابِـــــيُّ مَـــــبْـــثُـــوثَـــةٌ (16)}
      { أَفَلَا يَنْظُرُونَ
      إِلَـى الْإِبِـلِ كَــيْــفَ خُـلِـقَـتْ (17) وَإِلَى السَّـمَـاءِ كَـيْـفَ رُفِـعَتْ (18)
      وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) }
      { فَــذَكِّــرْ إِنَّــمَا أَنْــتَ مُــذَكِّــرٌ (21) لَـسْـتَ عَــلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)
      إِلَّا مَــنْ تَـوَلَّى وَكَـفَـرَ (23) فَـيُــعَـذِّبُــهُ اللَّهُ الْــعَـذَابَ الْأَكْــبَــرَ (24)
      إِنَّ إِلَـيْــنَــا إِيَـابَــهُــمْ (25) ثُــمَّ إِنَّ عَــلَــيْــنَــا حِــسَابَهُمْ (26)}

      ـ والمثال على الميزة الثانية ، سورة الإخلاص التي تنتهي فاصلاتها بحرف واحد هو الدال ، وهو حرف متفجر شديد ، فيه قلقلة كبرى .
      وسورة الناس ، التي تنتهي بحرف السين في كل آياتها وهو حرف همس ، فيه صفير متقطع يوحى بالاستمرار لتعدده ، ويساعد على التنفيس .
      وسورة الفلق التي تراوحت فاصلاتها بين القاف والباء والدال ، وهي من حروف القلقلة ، وفيها انفجار بعد احتباس ، جاءت أولاً بحرف القاف ، وهو حرف استعلاء يخرج من أعلى الحلق وآخره ، ثم حرف الباء من الشفة مع ملء الفم بالهواء ثم تفجيره ، ثم الدال يخرج من بين القواطع الأمامية ومقدمة اللسان ، وقد جاءت القاف وهي الأقوى أولاً ثم الباء وهي الأوسط في الانفجار والقوة ، ثم الدال . . ترتيب بديع . . .

      ـ والمثال على الميزة الثالثة سورة التكاثر فيها الراء المتصفة بالتكرار وكأنها عجلة تدور ، وسورة العصر مثلها .
      وسورة الفيل المنتهية كل آياتها بحرف اللام وهو حرف لَيِّنٌ يسبق حرف لين (مدّ) مما يوحي بكثرة الفيلة ، وشدة التضليل ، وكثافة الأبابيل من الطيور ، والحجارة المقذوفة ، والأثر الشديد الذي خلّفه الرمي في { مأكول } .
      وسورة الهُمَزَة تتقارب فيها مخارج حروف الفاصلة . فالزاي والدال والميم مخارجها إما من الشفة أو قريباً من مقدّمة الفم ، وتتراوح بين صفير الزاي ، ودمدمة الميم ، وقلقلة الدال .
      وسورة الماعون فيها حرف الشين المعروف بالتشفي في كلمتي قريش ، الشتاء ، كما أن فاصلتها تتراوح بين التاء والفاء ، وهما حرفا رخاوة وهمس .
      فإذا جئنا إلى السور المتوسطة فإنها لا تقل موسيقية عن السورة الصغيرة ففيها يشيع القسم ، والتناسق في الوزن وحجم السورة ، وأحياناً وحدة الفاصلة كقوله تعالى في سورة الذاريات :
      { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)} .
      وقوله تعالى في سورة الطور: { وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10)} .
      ففي هذه الآيات فواصل متشابهة وأوزان متقاربة أو واحدة ، مما يولد الموسيقا الداخلية في وجدان السامع ، فينفعل مع الكلمات وزناً ومعنى وهذا أسلوب من أساليب التعليم التي بدأ العلماء يتحدثون فيها ، وقد سبق القرآن إلى ذلك بأكثر من قرون وآباد .
      وسورة الشعراء مثال صارخ على توافق أوزان الجمل وعلى تقارب الفاصلة ، فالسورة على ضخامة عدد آياتها (227) آية تجد الفاصلة فيها تتراوح بين النون والميم ، وهما حرفا إذلاق وتوسط في الرخاوة .
      أما السور الكبيرة الطوال : فمثالها سورة الأعراف التي تجد فاصلتها تترواح بين النون وهو الأكثر والميم .
      ولا نغوص كثيراً فيها إلا أننا نقف بك على أواخر سورة البقرة من الآية 282 إلى آخر السورة ، فإنك تستطيع أن تقف عند كل معنى من آية الدين مثال ذلك :
      { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا
      وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ
      ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
      وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ
      وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا . . . } وهكذا دون أن تشعر بانقطاع المعنى وتلمس موسيقا واضحة تنبع من الداخل .

      واقرأ الآية الأخيرة من سورة البقرة لتلمح بوضوح الموسيقا الداخلية :
      { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
      لَهَا مَا كَسَبَتْ ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
      رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ، إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }.
      { .... وَاعْفُ عَنَّا ، وَاغْفِرْ لَنَا ، وَارْحَمْنَا أَنْتَ ... } .
      فأنت تلاحظ تقطيعاً عروضياً والعروض موسيقا صدحت ـ من خلاله ـ شعراء العرب ، فكان الشعر بحق ـ كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه ـ ديوان العرب ، ووصل إلينا من شعرهم أضعافُ أضعافِ ما وصل من نثرهم فالشعر موسيقا ، والنثر ليس كذلك .
      وأنت تقرأ القرآن تجد بعض أوزان الشعر ، وليس القرآن بالشعر ولكنّه نسيج وحده إنما فيه هذه الأوزان التي تجعلنا نتنغّم بها كما نتنغّم ببيت من الشعر .

      ـ لاحظ معي هذه الآية 15 من سورة العلق :
      { كَلَّا ــ لَئِنْ ــ لَمْ ــ يَنْتَهِ ــ لَنَسْفَعَنْ ــ بِالنَّاصِيَةِ }
      /5/5 ــ //5 ــ /5 ــ /5//5 ــ //5//5 ــ /5/5//5
      مــســتَــفْــعِــلُـــن مــســتـــفـــعـــلـــن مُـتَـفْـعِـلُـن مـسـتـفـعـلـن
      فهذا من مجزوء الرجز ، ولكنّه جاء في جزء من آيه .


      ـ ولاحظ كذلك هذه الآيات من سورة المسد :
      { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)
      مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} فالوزن فيها واضح تماماً .

      ـ واقرأ متمماً معي هذه الآية من سورة العلق :
      { نَاصِيَةٍ ــ كَاذِبَةٍ ــ خَاطِئَةٍ (16)}
      /5///5 ــ /5///5 ــ /5///5
      فاعِلَتُن ــ فاعِلَتُن ــ فاعِلَتُن

      ومن الموسيقا في القرآن الكريم ظاهرة التكرار :
      أ ـ { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } في سورة الرحمن .
      ب ـ { الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)}(الحاقة) ،
      { الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)}(القارعة) وأمثالهما كثير .
      جـ ـ تكرار بعض الآيات كقوله تعالى : { سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} (سورة الصافات ، الآيات : 79 ـ 81 ، وفي مدح إبراهيم 109 ـ 11 ، وفي مدح موسى وهارون 120 ـ 122 ، وفي مدح آل ياسين 130 ـ 132 ويمكن العودة إلى ظاهرة التكرار في هذا البحث لتعيش موسيقاه المعبرة .

      ولو كنتَ ذا أذن موسيقية لرأيت في القرآن الكريم من هذا المنوال كمّاً هائلاً وموسيقا رائعة، فكن من الذين يتدبرون القرآن بكل أحواله تجد العجب العجاب .

      ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .   الخاتمة


      أسأل الله تعالى بفضله وكرمه أن ينفعني وإخواني بهذا الكتاب ، وأن يجعله في صحائف أعمالي ، فأنا كثير الذنوب ، متسربل بالعيوب ،،، ولا يستر عوراتي ولا يغفر زلاتي إلا ربي سبحانه وتعالى ، فهو العفو الكريم الذي أرجوه أن يرحمني برحمته ويبعدني عن النار بلطفه ويدخلني الجنة بجوده وكرمه .

      الفقير إليه تعالى عبده الراغب فضلَه
      عثمان قدري مكانسي   موقع الكتاب الاكترونى الاسلامى  
    • تعدَّدتْ أسماء الفاتحة، وقد أَوصَلَها بعضُهم إلى نحو من عشرين اسمًا[1]، منها ما يلي: 1 - السَّبع المثاني والقرآن العظيم: لقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87].   وقد فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، كما في حديث أبي سعيد بن المعلَّى، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي هريرة، رضي الله عنهم[2].   وسمِّيت المثاني - والله أعلم - لأنها حمدٌ لله، وثناء عليه، وتمجيد له، ولأنها تُثنى في كل صلاة، بل في كل ركعة، ولأنها اشتملت على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم - كما سيأتي بيانه - وهو مثاني تُثنَّى فيه المواعظ والقصص والأخبار والحِكَم والأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر: 23].   وقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمَّة فخصَّها بها من بين الأمم[3]، كما في حديث أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، ما نزل في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مِثلُها))[4].   2 - فاتحة الكتاب: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يَقرأْ بفاتحة الكتاب))[5].   وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليينِ من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين"، وفي رواية: "ويقرأ في الركعتين الأُخريينِ بفاتحة الكتاب"[6].   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي "أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"[7].   وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تَيسَّرَ"[8].   وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أَبْشِرْ بنورينِ أوتيتَهما لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلَك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة))[9].   وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب"[10].   وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب"[11].   وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداجٌ))[12].   وسُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنها تُفتتَح بها المصاحف خطًّا وتلاوة، وتُفتتح بها القراءة في الصلاة[13].   3 - الرُّقْية: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا في مسيرٍ لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَلِيمٌ، وإن نفرنا غُيَّب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه[14] برُقية، فرَقَاه، فبَرَأ، فأمر لنا بثلاثين شاةً، وسقانا لبنًا، فلما رجع، قلنا له: أكنت تُحسِن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمِّ الكتاب، فقلنا: لا تُحْدِثوا شيئًا، حتى نأتي، أو نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة، ذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((وما يُدريه أنها رقية؟ اقسِموا، واضربوا لي بسهم))[15].   وعن خارجة بن الصلت عن عمِّه أنه مرَّ بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئتَ من عند هذا الرجل بخير، فَارْقِ لنا هذا الرجلَ، فأتَوْهُ برجل معتوهٍ في القيود، فرقاه بأمِّ القرآن، ثلاثة أيام غُدْوةً وعَشِيَّةً، كلما ختمها جمع بُزاقَه، ثم تَفَلَ، فكأنما أُنْشِطَ مِن عِقَالٍ، فأعطَوْه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كُلْ؛ فلَعَمْري لمن أكَلَ بِرُقْيَة باطلٍ، لقد أكَلتَ بِرُقْيَة حَقٍّ[16]"[17].   4 - أم القرآن: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج - ثلاثًا - غير تمام...)) [18].   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "في كل صلاة يُقرَأُ، فما أَسْمَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَسْمَعْناكم، وما أَخْفى عنا أَخْفَيْنا عنكم، وإن لم تَزِدْ على أمِّ القرآن أجزأَتْ، وإن زدتَ فهو خير"[19].   وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأُم القرآن))[20].   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن))[21].   وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم))[22].   وفي رواية: ((هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني))[23].   وفي رواية: ((﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني))[24].   وسمِّيت أم القرآن؛ لأنه ابتُدئ بها، فهي أصله وابتداؤه، ولأنها أيضًا اشتمَلتْ على معاني القرآن كلِّها[25]، كما سمِّيت مكة أُمَّ القرى؛ لتقدُّمِها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها[26].   قال الطبري[27]: "سميت أم القرآن؛ لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة، وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها بكونها كذلك: أم القرآن؛ لتسمية العرب كلَّ جامعٍ أمرًا، أو مقدِّمٍ لأمر - إذا كانت له توابعُ تتبعه، هو لها إمامٌ جامع -: "أُمًّا"؛ فتقول للجِلْدة التي تَجمَعُ الدماع: "أُمُّ الرأس"، وتُسمِّي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش: "أُمًّا"، ومن ذلك قول ذي الرمة[28] يصف رايةً معقودة على قناة، يجتمع تحتها هو وصحبُه: على رأسِه أُمٌّ لنا نَقتدي بها = جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لها أَمْرَا". 5 - الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، قال الله: حَمِدَني عبدي...)) الحديث[29].   فالمراد بالصلاة في الحديث الفاتحة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110]؛ أي لا تجهر بقراءتك، ولا تخافت بها.   قال ابن كثير[30]: "فدل على عظَمةِ القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها... كما أطلق لفظ القراءة والمرادُ به الصلاة في قوله تعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]، والمراد صلاة الفجر...".   6 - أم الكتاب: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم))[31]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كلُّ صلاة لا يُقرَأُ فيها بأمِّ الكتاب، فهي خِداجٌ))[32].   وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة اللديغ[33] أن الرجل رقَاهُ بأمِّ الكتاب.   قال البخاري[34]: "سميت أم الكتاب؛ لأنه يُبتدَأُ بكتابتها في المصاحف، ويُبدَأُ بقراءتها في الصلاة".   وقد أخرج ابن الضُّرَيْسِ في "فضائل القرآن" عن محمد بن سيرين أنه كان يَكرَهُ أن يقول: أم الكتاب؛ يقول: قال الله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 39]، ولكن يقول: "فاتحة الكتاب"، ورُوي نحوه عن أنس بن مالك رضي الله عنه[35].   ورُويَ عن الحسن قال: "أم الكتاب الحلال والحرام، قال الله تعالى: ﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [آل عمران: 7]"[36].   وإنما كرهه هؤلاء؛ لأن الله سمَّى اللوحَ المحفوظ أمَّ الكتاب، في قوله: ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 39]، وفي قوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الزخرف: 4].   كما سمَّى الآياتِ المحكمات المشتملة على الحلال والحرام وغيره "أمَّ الكتاب" في قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [آل عمران: 7].   وهذه العلة لا تكفي حجة؛ إذ لا يلزم من تسمية الفاتحة "أمَّ الكتاب" ألا يُسمَّى غيرُها بذلك.   قال القرطبي[37] بعدما ذكر ما رُويَ عن أنس والحسن وابن سيرين من كراهتهم تسميتها أمَّ الكتاب، وما رُويَ عن أنس وابن سيرين - أيضًا - من كراهيتهما تسميتَها أمَّ القرآن، قال: "والأحاديث الثابتة ترُدُّ هذين القولين".   7 - القرآن العظيم: لقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [الحجر: 87].   ولما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلى، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي هريرة رضي الله عنهم، من قوله صلى الله عليه وسلم: ((﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: هي السبع المثاني والقرآن العظيم))[38]، على اعتبار أن الواو في الحديث لعطف الصفات، والتي بمعنى التفصيل؛ كقوله تعالى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرحمن: 68]، وقوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ [البقرة: 98]؛ وذلك لأن سورة الفاتحة تضمَّنتْ معانيَ القرآن كلَّها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك[39].   ويحتمل أن تكون الواو لعطف التغاير، كما هو الأصل في العطف، فيكون المراد بالقرآن العظيم: أي الذي أوتيتُه زيادةً على الفاتحة[40].   8 - الحمد لله رب العالمين: لما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه[41]، قال صلى الله عليه وسلم: ((﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: هي السبع المثاني...)) الحديث.   هذه الأسماء الثمانية هي التي دلَّ عليها الدليلُ من الكتاب والسُّنة.   وهناك أسماء عدة ذكرها بعض أهل العلم، منها ما يلي: 1 - الأساس، قيل: لأنها أساس القرآن؛ رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا اعتللت أو اشتكيت، فعليك بالأساس"[42].   2 - الشافية[43]، أو الشفاء[44].   3 - الواقية: بالقاف المثناة[45].   4 - الوافية: بالفاء الموحدة، قالوا: لأنها لا تُنَصَّف، ولا تحتمل التنصيف، ولا يجوز تنصيفها[46].   5 - الكافية: قالوا لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي غيرُها عنها[47].   6 - الكَنْزُ: رُويَ أنها نزلت من كنزٍ تحت العرش[48].   7 - سورة السؤال[49].   8 - الواجبة؛ لأنها تجب قراءتها في الصلوات، ولا تصح الصلاة إلا بها[50].   9 - سورة النور.   10 - سورة التفويض [51].   11 - سورة الحمد [52].   12 - سورة المناجاة [53].   13 - سورة تعليم المسألة [54].   إلى غير ذلك[55]. ♦♦ ♦♦ ♦♦
      [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 107)، "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 23 -24)، "معالم التنزيل" (1/ 37)، "الكشاف" (1/ 4)، "زاد المسير" (1/ 10)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21)، "صحيح البخاري مع الفتح" (8/ 156)، "الإتقان" (1/ 187 -191). [2] سبق ذكر هذه الأحاديث وتخريجها. [3] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 37)، "المحرر الوجيز" (1/ 62)، "فتح الباري" (8/ 158). [4] أخرجه الترمذي في "فضائل القرآن" (2875) - وقال: "حديث حسن صحيح". [5] أخرجه البخاري في الأذان - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (756)، ومسلم في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394). [6] أخرجه البخاري في الأذان - باب القراءة في الظهر (859)، ومسلم في الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر (451). [7] أخرجه أبو داود في الاستفتاح - من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (820)، والترمذي في الصلاة (312)، وصححه الألباني. [8] أخرجه أبو داود (818)، وأحمد (3/ 2)، والبخاري في جزء القراءة (12)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (33، 34). وصححه الحافظ ابن حجر كما في "نيل الأوطار" (2/ 239) كما صححه الألباني. [9] سيأتي تخريجه بتمامه قريبًا. [10] أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة - القراءة خلف الإمام (843)، وصححه الألباني. [11] أخرجه الطبري في "جامع البيان" (134). [12] أخرجه ابن ماجه (841)، وقال الألباني: "حسن صحيح". [13] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 20)، "جامع البيان" (1/ 107). [14] نأبنه: أي نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك. "النهاية" مادة: "أبن". [15] أخرجها البخاري - في الإجارة - ما يعطى في الرقية (2276)، ومسلم - في السلام - جواز أخذ الأجرة على الرقية في القرآن والأذكار (2201)، وأبو داود - في البيوع - في كسب الأطباء (3418، 3419)، والترمذي - في الطب - ما جاء في أخذ الأجر في التعويذ (2063، 2064)، وابن ماجه في الإجارات - أجر الراقي (2156)، وقد أخرجه البخاري - أيضًا - من حديث ابن عباس - في الطب - الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب (5737). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن القصة واحدة، وقعت لهم مع الذي لدغ "فتح الباري" (4/ 455، 10/ 199). [16] هكذا ذكر كثير من المفسرين أن الرقية من أسماء الفاتحة، ويحتمل - والله أعلم - أن المراد برقية حق هي فعل الرقية، سواء بالفاتحة أو غيرها من القرآن، وكذا المراد بقوله في حديث سعيد: ((وما يدريه أنها رقية؟))؛ أي هذه الفعلة. قال ابن الأثير في النهاية: مادة "رقى": "الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة؛ كالحمى والصَّرَع، وغير ذلك من الآفات". [17] أخرجه أبو داود - في الإجارات - باب في كسب الأطباء (3420)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (2918)، وفي "الأحاديث الصحيحة" (2027). [18] أخرجه مسلم - في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة (395)، وأبو داود في الصلاة - باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (821)، والنسائي في الافتتاح - باب ترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في فاتحة الكتاب (782)، والترمذي - في التفسير (2954). [19] أخرجه البخاري - في الأذان - القراءة في الفجر (772)، ومسلم - في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة (396)، وأبو داود - في الصلاة - باب ما جاء في القراءة في الظهر (797)، وأحمد (2/ 258، 273، 285). [20] أخرجه مسلم في الصلاة - وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394)، وأحمد (5/ 322)، والدارقطني (1/ 322). [21] أخرجه ابن خزيمة في الصلاة (490)، وابن حبان في "زوائده" (458) من "موارد الظمآن". وقال مقبل الوادعي في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (1/ 28): "هذا على شرط مسلم". [22] لفظ البخاري (4704)، وأحمد (2/ 448). [23] لفظ الطبري (134). [24] لفظ أبي داود (1457)، والترمذي (3124). [25] انظر: "الكشاف" (1/ 4). [26] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 22). [27] في "جامع البيان" (1/ 107 -108). [28] انظر: "ديوانه" ص(1164). [29] أخرجه مسلم في الصلاة - وجوب قراءة الفاتحة (395). وأخرج الطبري نحوه مختصرًا من حديث جابر بن عبدالله (224). قال أحمد شاكر: "إسناده جيد صحيح"، وقد سبق ذكره بتمامه وتخريجه في الكلام على البسملة. [30] في "تفسيره" (1/ 27). [31] سبق تخريجه. [32] أخرجه ابن ماجه - في إقامة الصلاة - باب القراءة خلف الإمام (840)، وأحمد (6/ 142)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (90 -91)، وقال الألباني: "حسن صحيح". [33] سبق تخريجه. [34] في صحيحه. انظر: "فتح الباري" (8/ 155). [35] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [36] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 66)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [37] في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112). [38] سبق تخريج هذه الأحاديث. [39] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112). [40] انظر: "فتح الباري" (8/ 159). [41] سبق ذكره وتخريجه، وانظر: "فتح الباري" (8/ 159). [42] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [43] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "مجموع الفتاوى" (14/ 5). [44] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [45] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [46] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "لباب التأويل في معاني التنزيل" (1/ 11). [47] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "مجموع الفتاوى" (14/ 5)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). واستُدل له بحديث أخرجه الدارقطني (1/ 322)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 238)، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضًا))، قال الدارقطني: "تفرد به محمد بن خلاد عن أشهب عن ابن عيينة". [48] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21)، "فتح الباري" (8/ 156). [49] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [50] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 5). [51] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [52] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [53] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [54] انظر: "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (1/ 81)، "أنوار التنزيل" (1/ 5)، "البحر المحيط" (1/ 32). [55] أوصلها السيوطي في "الإتقان" (1/ 52 -53) إلى خمسة وعشرين اسمًا. الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
      شبكة الالوكة  
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      180347
    • إجمالي المشاركات
      2531977
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      92034
    • أقصى تواجد
      1078

    أحدث العضوات
    صفاء صلاح
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×