اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58649
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180813
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8445
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53198
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29727
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32384
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38725 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 106 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (2-4)


      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
      فتحدثنا عن قول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، وذكرنا الاحتمالين في معناه، إما أن يحمل على أن المراد بالإيمان: الصلاة، فتكون الطهارة هي شرطها، ومن ثمّ فإن المناصفة هنا يمكن أن تكون ظاهرة، أو يكون المراد بالإيمان المعنى المتبادر المعروف فتكون الطهارة تشمل الطهارة الحسية والمعنوية، وهذا لا إشكال فيه.
      يقول: والحمد لله تملأ الميزان، الحمد لله بمعنى: أنك تضيف المحامد لله ، والأوصاف الكاملة، وتثني عليه -تبارك وتعالى- وتذكره بما هو أهله، فهذا هو الحمد.
      تملأ الميزان، الميزان المعروف ذو الكفتين، والله  يزن الأعمال يوم القيامة، ويزن الناس -أيضاً- أصحاب هذه الأعمال، والله  يقول: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 8]، فيؤتى بالرجل -كما أخبر النبي ﷺ السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة[1].
      فالناس يوزنون، وكذلك الأعمال توزن، وتعرفون حديث البطاقة التي قد جيء لرجل بسجلات عظيمة في كفة السيئات فيها ذنوبه ومعاصيه وجرائمه، فوضع فيها تلك البطاقة المكتوب عليها كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، فطاشت بتلك السجلات جميعاً[2].
      وهكذا هذه الكلمة -الحمد لله، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن المراد لفظها، مع فهم معناها، وتحقيق مقتضاها، والتحقق من ذلك علماً وعملاً.
      وبعض أهل العلم يقول: كل ما يؤدي هذا المعنى من حمد الله وإن لم يكن بالتزام هذه اللفظة، لكن النبي ﷺ أخبرنا: أن الحمد لله تملأ الميزان، فالأظهر -والله تعالى أعلم- أن التعبد لله  بهذه اللفظة باللسان وبالقلب وبالجوارج، بفهم معناها يمتلئ الميزان، وهذه الأذكار إنما يكون أثرها وأجرها أبلغ وأعظم كلما كان الإنسان أكثر فهماً وإدراكاً لمعناها، وتحقيقاً لمقتضاها.
      فالذي يقول: الحمد لله بلسانه وقلبه غافل لا يكون كالذي يقول هذه الكلمة ويعرف مراميها ومعانيها، وحاله حال الحامد لله ، فالناس يتفاضلون تفاضلاً عظيماً في هذه الأذكار، ولذلك إذا أراد الإنسان أن ينتفع بهذه الأذكار حتى في الأمور الدنيوية كالرقية، أو التعاويذ التي يقولها في أول نهاره، أو آخره، أو عند نومه فإنه كلما كان أكثر تحققاً، وفهماً لمعانيها، وإحضاراً للقلب كلما كان التأثير، هذا الإنسان يمكن أن يرقي بطرف لسانه، أو يقول هذه الأذكار بطرف لسانه، ولكنه قد لا يحصل له من التأثير ما يحصل لمن كان مستحضراً لمعانيها، فاهماً لها، حاضر القلب عند ذكره إياها، ولذلك نحن بحاجة إلى أننا نفرغ القلوب قليلاً عند أداء هذه الأذكار، فيكون ذلك أثره منعكساً على قلب الإنسان، وعلى نفسه، وهذا من أعظم ما يدنيه، ويقربه ويرفعه عند الله .
      وقد ذكر بعض أهل العلم، وهو ابن شيخ الحزّامين أو الحزاميين في رسالة كتبها لتلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، وذكر فيها أشياء مهمة، كان يوصيهم في أول الرسالة أن يفرغوا ساعة من يومهم وليلتهم لذكر الله ، وتكون تلك الساعة بعيدة عن الشواغل والصوارف، يقول: وهذا قليل من كثير، يقول: لكن العبد إذا فرغ قلبه ونفسه من الأشغال والصوارف فإنه يجد أثر ذلك بعد حين، فيتفرغ قلبه لله ، ثم يستطيع أن يسيطر على أحواله الثلاث، وهي حاله في العلم، وحاله في التعبد، وحاله في الكسب وتطلُّب المعاش في الدنيا، فقد يكون فقيهاً معلماً للناس لكنه بعيد عن ذكر الله  وعن الخشوع، وعن التعبد، وعن حضور القلب فلا يؤثر فيه هذا العلم، وكالذي يحمل الدواء، والعلاج النافع لكنه لا ينتفع به، أو يحمل سلاحاً ضارباً ولكنه لا يستعمله، فما الفائدة من هذا ؟
      وكذلك في أمور الدنيا كثير من الناس تشغلهم أمور دنياهم عن آخرتهم، فإذا حصل للعبد هذا المقصود استطاع أن يعمل بدنياه وهو في حال تقربه إلى الله  حتى في كسبه وسعيه في الدنيا، وقل مثل ذلك في عمله في تعليم الناس الخير، أو في عمله للآخرة، العمل الآخر الذي هو التعبدي المحض، شعائر التعبد، الصلاة وما أشبه ذلك، فمثل هذه الأمور إذا حصلت يمتلئ الميزان من أثرها.
      قوله: وسبحان الله، والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض سبحان الله، التنزيه لله  من كل عيب، ونقص في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله عما يصفه الواصفون، وتنزيهه -تبارك وتعالى- عن كل عيب ونقص يمكن أن يُتصور، أو يلحق بالله ، أسأل الله  أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.   حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (3-4)



      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
      فكنا نتحدث عن قول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض، وكان الحديث في آخر مجلس عن هذه الجملة الأخيرة، وقد تحدثت عن طرف مما يتعلق بها وبمعناها، سبحان الله، والحمد لله تملأن، أو تملأ، يعني: جاء في رواية بالتثنية –تملآن، وفي الرواية الأخرى بالإفراد -تملأ ما بين السماء والأرض، وذلك أعظم وأوفر مما قبله؛ لأن الذي قبله هو قوله: الحمد لله، فإنها تملأ الميزان، فإذا قرن معها التسبيح: سبحان الله، وهو تنزيه الله  عن كل نقص -كما سبق- في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن ذلك يكون أعظم؛ لأن ذلك قد اشتمل على ذكرين اثنين، فذلك يملأ ما بين السماء والأرض، ورواية التثنية هذه تملآن ما بين السماء والأرض هي ظاهرة في أن التسبيح والحمد يملآن ما بين السماء والأرض.
      وعلى رواية الإفراد: تملأ ما بين السماء والأرض، أي: تلك المقولة وهي قوله: سبحان الله، والحمد لله، وقد فهم بعضهم منها أن المراد الأخيرة، تملأ ما بين السماء والأرض أي: والحمد لله، وهذا بعيد.

      وجاء في رواية بالياء، يملأ ما بين السماء والأرض، أي: الأجر والثواب، أو القول أو الذكر المشار إليه يملأ ما بين السماء والأرض، والمراد بكونه يملأ ما بين السماء والأرض يعني: السماوات والأرض، وذلك أنه ثواب لا يُقادَر قدره، هو ثواب عظيم، هذا هو الظاهر المتبارد.

      وبعض أهل العلم يقول: إن من قال: سبحان الله والحمد فقد أضاف جميع المحامد لله  ونزهه عن جميع النقائص، فهذا شهادة له بالتفرد بالكمال والوحدانية، وأنه الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
      وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنّه واحدُ فهذه الشهادة تملأ ما بين السماء والأرض، وبعضهم يذكر كلاماً قريباً من هذا، فيقولون: إن ذلك يعني تعميم ربوبيته وإلهيته لكل المخلوقات، والمخلوقات تملأ ما بين السماء والأرض، فكأنه قد شهد عليها وأشهدها بأن الله واحد مستحق للعبادة وحده لا شريك له، فكان له من الأجر بهذا المقدار.
      وهذا يدل على عظم أجر هذه الكلمات القليلة، ولهذا فإن الذكر له شأن آخر يختلف عن سائر العبادات، ولهذا يقول النبي ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم[1]إلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث.
      فالذكر لا يكلف شيئاً، فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ[النساء:103]، ويكون الذكر بطهارة، وبغير طهارة، ولا يحتاج إلى استقبال قبلة، وإنما يكون على الجنب والإنسان في فراشه، ويكون وهو يمشي في طريقه، فلو أن الإنسان تفطن لمثل هذه الأمور، ولكننا نغفل كثيراً.

      الإنسان الحريص على وقته لربما يرى أن من الغبن الفاحش أنه يقطع مسافة في سيارته، أو على قدمه وليس معه شيء يقرأ به أو يسمعه، محاضرة أو نحو ذلك، لكن لو فكر أن سبحان الله، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض فإن ذلك لا يعدله شيء مما يسمعه أو مما يقرؤه، فنفرط في هذا كثيراً، تجد الناس في صالة انتظار في مستشفى ويقتلهم الملل، وأحياناً ليس في أيديهم ما يقرءونه، وأوقات تهدر، ولا تجد من يحرك شفته بذكر الله ، يبقى الناس في استراحات، يطاولون الليل، ويجلسون أحياناً هكذا، لا في شغل دنيا، ولا في شغل آخرة، وإنما يقضون الزمان، ولا تكاد تجد من يحرك شفته بذكر الله ، فالموفق أيها الإخوان من كان شغله وديدنه في كل أحواله هو ذكر الله بلسانه وقلبه وجوارحه، فهذا لا يضر الإنسان شيئاً ولا يكلفه، فأنت تعمل صنعة، وأنت تكتب، وأنت ترتب أوراقك، وأنت تصنع شيئاً في بيتك أو نحو ذلك لا يزال اللسان رطباً بذكر الله ، تصل أعلى المراتب دون كلفة تذكر.


      ثم قال النبي ﷺ: والصلاة نور، والصدقة برهان، لا شك أنها نور في القلب، ولاشك أن الصلاة تورثه بصيرة، ولا شك أن الصلاة أيضاً يظهر أثرها على وجه المصلي من إشراق الوجه، بقدر إقامته لها، ولهذا قالوا: من طال قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار، فتجد في وجوه أهل الصلاة من الإشراق والإضاءة ما لا يوجد في وجوه غيرهم ممن لا يعرفون الصلاة، عفيف الجبهة الذي لا يسجد لله -تبارك وتعالى- سجدة، ففي وجهه من الظلمة والكلوح ما لا يخفى، فالصلاة نور بهذا الاعتبار، نور بالوجه، ونور بالقلب، وهي نور للعبد في سلوكه إلى الله -تبارك وتعالى- في الدنيا، كما قال الله : إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ[العنكبوت:45] فهذا نور، وهي نور معنوي في كل ذلك، وهي نور حسي للعبد في قبره، وهي نور أيضاً في عَرَصات القيامة والمحشر والظلمات التي يتخبط فيها الناس، وهي نور له على الصراط، فكل ذلك متحقق فيها، وقد يراد به بعضه دون بعض، والمقصود أن ذلك يرجع إلى الصلاة جميعاً، وهو من آثارها.

      قوله: والصدقة برهان الصدقة يدخل فيها الصدقة الواجبة –الزكاة، والصدقة المستحبة، وقد قيل: إنه قيل لها صدقة؛ لأنها تدل على صدق دعوى الإيمان من هذا الإنسان الذي قال: آمنت بالله، وهي برهان؛ لأنها تبرهن على صحة دعواه الإيمان، فالمال محبوب للنفوس، فإذا بذله فهذا برهان على صدق الدعوى، بخلاف المنافقين، لا يتصدقون، وإذا رأوا أحداً يتصدق بصدقة كبيرة قالوا: هذا مُراءٍ، وإذا رأوا صدقة قليلة قالوا: الله غني عن هذا وعن صدقته، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِين َ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79]، هذا حال أهل النفاق، فهم لا يتصدقون، ولا يدعون الناس يتصدقون، فالصدقة برهان.

      قوله: والصبر ضياء الصلاة قال عنها: إنها نور، وإذا فسر الصبر بالصوم، ولا شك أن الصوم من الصبر، ورمضان شهر الصبر، فإذا فسر به فبعض أهل العلم قالوا: الصبر ضياء: الضياء مثل النور السابق في الصلاة، قالوا: حتى لا نغمط شيئاً من هذه الأركان الدينية حقه، إذا قلنا: إن الضياء أعظم من النور، فكيف يكون الصوم أعظم من الصلاة؟ وليس ذلك بلازم؛ لأن النور عام يشمل النور القوي، والنور المتوسط، والنور الضعيف، وأما الضياء فهو ما قوي من النور، كما قال الله -: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس:5]، ونور الشمس أقوى من نور القمر، لكن النور قد يكون قوياً جداً وقد يضعف، والضياء لا يكون إلا قوياً، فهذا لا إشكال فيه.

      والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الصبر محمول على معناه المتبادر الظاهر، الصبر على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، على كل ما يصيب الإنسان من الأذى في نفسه وولده وأهله وماله وما أشبه ذلك، فهذا الصبر ضياء، والصلاة نور، فالصبر يدخل فيه الصبر على إقام الصلاة، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طـه:132]، والله  يقول عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 45-46] وهذا مشاهد، إذا خرجت من المسجد ورأيت حال كثير من الناس ظننت أنه لا يوجد في المساجد أحد من كثرة الذين لا يشاركون المصلين في صلاتهم؛ لأنها عظمت عليهم وشقت، فهي كبيرة إلا على الخاشعين، ولذلك أخبرنا الله  عن المنافقين بقوله: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: 142]، فلا شك أن من الصبر: الصبر على هذه الصلاة، والصبر على الصيام، والصبر على فطام النفس عن شهواتها، كل ذلك من الصبر، فالصبر أمره عظيم، وشأنه كبير، وما أحوجنا إلى التبصر في معاني الصبر، لنرتقي في مراتب الفلاح ومراقيه أعظم الدرجات، ولا يمكن لأحد أن يحصِّل لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالصبر.


      فإذا سألت التاجر، قلت له: من أين لك هذا المال؟ هل جاءك بالنوم والكسل والرقاد؟ قال: إنما ببكور كبكور الغراب، صبر وتعب.

      وإذا سألت العالم: من أين جاءك هذا العلم؟، هل هو بالنوم وتكبير الوسادة، وأكل ألوان المطعومات الشهية، والتنزه في البساتين والذهاب هنا وهناك؟ فإنه يقول: لا، إنما بالصبر، وفطام النفس وتسليتها بما عند الله ، حتى صار ذلك العلم لذته وأنسه، فهو يطرب في استنباط المسائل، والوقوف على مكنون العلم وخفيه أعظم مما يطرب له ذلك الإنسان المتنزه في نزهته، وهذا أمر مشاهد، والحديث فيه بقية، أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
    • باب الصبر
      رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت)

      مقدمة باب الصبرالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
      أما بعد:


      فهذا باب الصبر، والصبر: بمعنى حبس النفس عما ينبغي أن تُحبس عنه، فهذا التعريف يقرب معناه، وتفاسير أهل العلم في ذلك كثيرة: فمنهم من يفسره ببعض معناه، ومنهم من يفسره بشيء من لوازمه، ومنهم من يفسره ببعض آثاره، وقد مضى الكلام على ذلك مفصلًا في الأعمال القلبية، ولكن ما ذكرته يقرب المعنى، حبس النفس عما ينبغي أن تحبس عنه مما يقتضيه الشرع، وحينما نقول: مما يقتضيه الشرع فإنه يدخل في ذلك النقل والعقل الصحيح، وذلك أن العقل الصحيح من جملة أدلة الشرع، وبعضهم يقول: حبسها عما يقتضيه العقل أو الشرع، ولا حاجة لهذه المقابلة، الأفضل أن يقال: حبسها عما ينبغي أن تحبس عنه مما يقتضيه الشرع، وذلك بحبسها على طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبالصبر على أقداره المؤلمة، وفي كل حال من أحوال هذا الصبر يكون له معنى، فحبس النفس عن الجزع حال المصيبة يقال له: صبر، وحبسها عند الصدمة يقال له: رباطة جأش، وحبسها في ميدان المعركة عند مصاولة الأعداء يقال له: شجاعة، وحبسها عند تحرك دواعي الشهوة يقال له: ثبات، وما إلى ذلك من الألفاظ والأسماء التي يعبر بها عن معنًى يتصل بالصبر في مقام من المقامات.


      قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ ورابِطوا}قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ [آل عمران: 200]، فهذا أمر بالصبر وبالمصابرة، والأمر للوجوب، فالصبر عما حرم الله واجب، والصبر على طاعته واجب، والصبر على أقداره المؤلمة واجب، وهذه كلها من الواجبات، فالصبر بهذا الاعتبار يكون واجبًا، إلا أنه في بعض صوره ومفرداته وحالاته قد يكونُ مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا.
      فالصبر إذا كان على معصية الله  فإنه يكون محرمًا، فقد يصبر الإنسان على أمور لا ترضي الله -تبارك وتعالى، مع ما يلقى من أذى الناس، ومن إنكارهم، ولربما يوصلون إليه أنواعاً من الأذى، ومع ذلك هو ثابت لا يلوي على شيء، فالصبر على المنكر أو على المعصية صبر محرم.
      والصبر على الأمور المباحة: كأن يصبر الإنسان حتى يظفر ببغيته من ربح وتجارة، وبيع وشراء، أو تحصيل دين، أو نحو ذلك فهذا من الأمور المباحة، وقد يكون مستحبًا: إذا كان هذا الإنسان يصبر على أمور من محابّ الله  مما لا يجب عليه، أو يصبر عن أمور من الأفعال المكروهة التي لا تحرم، فإذا امتنع عن ذلك وحبس نفسه فإن هذا الصبر يكون مستحبًا، وهكذا.

      يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وهذا الأمر للوجوب، ولا شك أن ثمّة قدرًا واجباً من الصبر اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ المصابرة أعظم من الصبر وأبلغ، والأصل أن المفاعلة تكون بين طرفين، ولهذا فُسر اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ صابروا أي: في مجاهدة الأعداء، ومصاولتهم، ومدافعة الباطل وأهله وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة: 251]، فالأول أمر بالصبر أن يصبر الإنسان على طاعة ربه، يصبر عن معصيته، يصبر على أقداره المؤلمة، ثم هو مأمور بأن يصابر؛ فإنه قد يلقى الأذى، ولابدّ له من أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومدافعة لأهل الشر، فهذا يحتاج معه إلى مصابرة.


      اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200]، فهذه أمور أربعة تكون سببًا للفلاح، يعقبها الفلاح، يصبر الإنسان على مبادئه، ويصابر في مدافعته، ويرابط، وذلك بالثبات، فلا يتخلى، ولا يتراجع، ولا ينهزم، ولا ينكسر، مع تقوى الله -تبارك وتعالى، فإن ذلك حريٌّ أن يحقق الفلاح، وهو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
      قوله تعالى: {ولنبلونكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ}: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157].
      وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ هذا مضمن القسم أي والله لنبلونكم، فهذا كما قال الله  وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ من لطفه -تبارك وتعالى- أن ينزل البلاء بحسب أحوال العباد، وقد سئل النبي ﷺ: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يعني: إذا علت مرتبته، وقوي إيمانه، وثباته، ويقينه كان البلاء في حقه أشدّ، فإذا كان فيه ضعف خفف عنه رأفة من الله ورحمة؛ لأنه ما ساق إليه البلاء من أجل أن يكسره، وإنما من أجل أن يمحصه، وأن يرفعه.


      قوله: بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ قدم الخوف -والله أعلم- باعتبار أن الإنسان لا يهنأ بالطعام والشراب، ولا تحصل له الطمأنينة واللذة إلا إذا حصل له الأمن؛ فإن الإنسان إذا كان خائفًا لا يستسيغ الأكل ولا الشرب، ولا يهنأ بلذيذ طعام، ولا نوم.
      وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ الاختبار والامتحان بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ كما قال الله : وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ نقص الأموال: بكساد التجارات، وقلة ذات اليد، والأنفس: بالموت، بما يقع من الحروب، والآفات، والعلل التي يموت الناس بسببها، والثمرات: تقل هذه بما يصيب الأشجار من الآفات، أو أن الشجر لا يثمر، أو يكون ثمره قليلًا.
      قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فهذا هو الأدب الذي يقال عند المصائب أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَف الله -تبارك وتعالى- يذكرهم في الملأ الأعلى، ويسددهم ويهدي قلوبهم.
      قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}وقال سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].
      فيكمل لهم الأجر لكنه من غير حساب، أي: من غير عد، والعرب يعبرون بذلك ويريدون به الكثرة؛ لأن الشيء إذا كان قليلًا يكون معدودًا، أما الشيء الكثير جداً فإنه يقال: فلان يحثو المال، كما أخبر النبي ﷺ عما يكون في آخر الزمان، حيث قال: يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثواً، لا يعده عدا[2]فهذا يدل على الكثرة، فهنا يوفون أجرهم بغير حساب، يعني من غير أن يحسب ذلك لكثرة هذا الأجر.


      وقال تعالى: أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ يعني: أبا بكر  أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِي نَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النــور: 22]، هذا كله في مِسْطَح الذي قذف عرض النبي ﷺ.
      قوله تعالى: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} : اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153].


      فالصبر هو أحد الركنين، وأحد العمودين اللذيْن يستعان بهما على التحمل لكل الأعباء، والتكاليف، والمشاق، سواء كان ذلك في القيام بوظائف العبودية، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، أو الاستعانة على ما يحصل للإنسان ويلاقي ويكابد من الأقدار المؤلمة، أو كان ذلك بسبب المكابدة في هذه الحياة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4]، فهو يكابد دائمًا، ويعاني، يخرج إلى هذه الحياة من بطن أمه باكيًا، ثم بعد ذلك يلقى ما يلقى من حر الصيف، وبرد الشتاء، وما إلى ذلك من أمور كثيرة، سواء في طلب الرزق، أو فيما يلقاه من ألوان الأذى والآلام، هذا كله يحتاج إلى استعانة عليه بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة، ولهذا كان النبي ﷺ إذا حزَبَه أمر صلى[3]، وابن عباس لما نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في طريقه إلى مكة نزل وقرأ هذه الآية: وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وصلى ركعتين[4]، فالإنسان إذا أصابته شدة، أو بلاء، أو مشكلة، أو ضائقة، أو جاءته مصيبة، أو خبر مفزع، أو كارثة ما عليه إلا أن يتوضأ ويصلي ركعتين، سيجد أن نفسه تهدأ وتسكن، ويخف وقع المصيبة عليه، هذا في صلاة ركعتين أيها الأحبة، وهو شيء مشاهد معلوم، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فكيف بمن يحافظ على هذه الصلوات؟ إنه بلا شك يتحمل أكثر من غيره بكثير، يتحمل أعباء الحياة وتكاليفها، وما يحصل فيها من ألوان المتاعب، وأولائك الذين لا يعرفون الله، ولا يعرفون الصلاة سرعان ما ينكسر الواحد منهم، ولذلك تقرأ في التقارير المتنوعة التي تصدر حينًا بعد حين، هناك تقرير صدر في مصر قبل أربع سنوات تقريباً عن المخدرات، وتقرير آخر صدر عن الاكتئاب، فكانت كل هذه التقارير تؤكد أن هؤلاء الذين يبتلون بهذه البلايا لا يكون الواحد منهم من المحافظين على الصلاة، من جهة أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن جهة أخرى أن الصلاة تعين على التحمل والصبر، فالإنسان المحافظ على ذلك مباشرة يقول: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
      فأقول: المحافظة على الصلاة دومًا، وأيضًا في لحظة المصيبة يخفف عنه كثيرًا من ذلك، ويجد أن نفسه تستقر، ويتصرف بطريقة صحيحة في هذا الموقف الذي تضطرب فيه الأذهان، وتزل الأقدام، ويصدر عن كثير من الناس ما يستحي العاقل منه، مما يكشف العقول أحيانًا، والناس إنما تُعرف عقولهم غالبًا في مناسباتهم للأفراح والأتراح، كما قال النبي ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى[5] كما أنهم في الأفراح يحتاجون إلى الصبر؛ لأن من الناس من يبدو عند الأفراح -كالزوجة والبنات والأولاد- في حالة من الخفة والطيش والمباهاة، ويتصرفون تصرفات لربما كانوا يعيبونها على الناس، فتظهر الأحلام والعقول في هذه المناسبات.
      اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ يؤيدهم، ويسددهم، ويوفقهم، ويعينهم، ويثبتهم، كل ذلك يحصل منه -تبارك وتعالى- لهم.
      وقال تعالى: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: 22]، هذا الذي وعد اللهُ رسولَه ﷺ، والراجح فيه ما قال ابن كثير -رحمه الله: إن المقصود أن الله وعد بالابتلاء الذي يعقبه التمكين والنصر، كقوله: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ إذن هذا الابتلاء من أجل أن يتبين وينكشف الحال، ويظهر الصابر
      من غير الصابر.


      نسأل الله  لنا ولكم الثبات واليقين، وأن يرزقنا الصبر، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، والله أعلم.
      وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


      حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (1-4)

      قوله تعالى: {ولنبلونّكم حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} :


      فإن آخر آية ذكرها الإمام النووي -رحمه الله- في صدر باب الصبر هي قوله -تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، هذا إقسام من الله  وذلك أن هذا الوعد بالابتلاء مؤكد بأمرين اثنين، الأمر الأول: وهو القسم المقدر الذي دلت عليه اللام، قسم محذوف، والتقدير: والله لنبلونكم، أُقسِمُ لنبلونكم، فالله يقسم سيبتلي الناس.


      الأمر الثاني: النون المؤكدة الثقيلة وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ، ولم يقل: نبلوكم، أي: أن هذا أمر لابد أن يقع ويتحقق، وهذا البلاء قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، فالله  تارة يبتلي الناس بإغداق الأرزاق، وسعتها، وبكثرة المعاش، والولد وبسعة هذه العطايا الدنيوية وفسحتها، فيعيش الناس عيشة يكتنفها ويغمرها الرغد والافضال من الله ، فهذا لا شك أنه ابتلاء، وإذا كان الناس على طريقة غير مرضية في العمل فإن ما يغدق عليهم من العطايا والأرزاق يكون من قبيل الاستدراج لهم، فالله يعطيهم ليزدادوا إثماً، وليزدادوا كفراً على كفرهم، وهذه تكاد تكون قاعدة مطردة، إذا رأيت الله يغدق على العبد وهو يزيد إمعاناً في الانحراف والمعاصي فهذا استدراج له ليزداد جرماً على جرمه، فيبقى في سكرته، والإمام أحمد -رحمه الله- ابتُلي بهذا وهذا، وضرب وجلد، وأوذي أمام الخليفة، وسجن مرات ومدة طويلة، ثم بعد ذلك تغيرت الحال، وجاء من الخلفاء من يقرب الإمام أحمد ويدنيه، ويريد مقابلته، فلما كانت تصل الإمام أحمد بعض العطايا من السلطان فإنه كان يردها، ويقول: هذه أشد من تلك، يعني: فتنة إقبال الدنيا أشد من فتنة السياط والحبس، وهذا عند من يفقه ويفهم، ومن الناس من يظن أن هذا التحول عبارة عن كرامة لا ينالها إلا كبار الأولياء، وما علم أنها فتنة أخرى أشد، ومن الناس من يُصغي إلى الأولى، ومن الناس من يصمد في الأولى وينهار في الثانية، فالناس الله يقلبهم بين هذا وهذا.


      فالله  يعطيك ويوسع عليك، فينظر إلى عملك ويبتليك، يمرض الولد، تمرض البنت، تمرض الزوجة، تمرض أنت، تخسر التجارة، يحصل لك شيء من المكاره، فينظر كيف عملك.
      الإنسان لا يشعر بعافية الله ، فإذا مرض أو جرح بدأ ينظر إلى العالم بمنظار آخر، يتميز عنهم بأشياء يجدها في مشاعره، لا يستطيع التعبير عنها؛ لأنه يشعر بالألم والمرض.
      فأقول: هذا وعد من الله حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]، المجاهد الذي يثبت أمام هذا الابتلاء، ويعالج نفسه مرة بعد مرة، ليحملها على الطريق الصحيحة المستقيمة، ويدخل في ذلك ألوان الجهاد، جهاد النفس، وجهاد أصحاب المنكرات بأمرهم ونهيهم وتعليمهم، والاحتساب عليهم، وجهاد أعداء الله -تبارك وتعالى.
      قال: والآيات في الأمر بالصبر، وبيان فضله كثيرة معروفة.


      الطُّهور شطر الإيمانثم ذكر حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، رواه مسلم.
      وهذا حديث عظيم، وقد أفرده بعض أهل العلم، كالحافظ العلائي -رحمه الله- بشرح في كتاب مستقل، ذكر فيه فوائد هذا الحديث، وما دل عليه من المعاني العظيمة.
      ترجمة أبي مالك الأشعريفأبو مالك الحارث بن عاصم الأشعري، هو من أصحاب النبي ﷺ بلا تردد، بلا شك، لكنهم في مثل هؤلاء الصحابة الذين تشتهر كناهم لربما اختلفوا في أسمائهم اختلافاً كثيراً، كأبي هريرة، اختلفوا في اسمه اختلافاً كثيراً، حتى أوصل ذلك بعضهم إلى أربعين قولاً، ومن أشهر ذلك: عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
      وأبو مالك هو الحارث بن عاصم الأشعري، وهذا الذي اختاره النووي -رحمه الله- وإلا فقد اختلف في اسمه على عشرة أقوال، فبعضهم يقول: هو الحارث بن كعب، وبعضهم يقول: كعب بن كعب، والذي اختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أن أصحاب هذه الكنية ثلاثة:


      الأول: الحارث بن الحارث، والثاني: الحارث بن كعب، والثالث: هو المختلف فيه، يعني: أن الاثنين قبله يذكرون عادة بأسمائهم، يقال: الحارث بن الحارث الأشعري، الحارث بن كعب الأشعري، هذا الذي يذكر بالكنية هو شخص ثالث، وهو الذي اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً.
      وهذا أبو مالك الحارث الأشعري، والأشعريون من أهل اليمن، قدم وفد منهم إلى النبي ﷺ وقد أثنى عليهم النبي ﷺ ومدحهم، وكانت تعرف منازلهم إذا نزلوا بالليل في مكان في السفر من أصواتهم بالقرآن.
      فكانوا يُحيون ليلهم بالقراءة والصلاة، فهم أهل عبادة، وقد قال النبي ﷺ: الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية[1]، ودعا النبي ﷺ لليمن، وأخبر أن الرقة في أهل الغنم، وأن الشدة والغلظة والجفاء في الفَدّادين من ربيعة ومضر.


      وهكذا قسم الله  هذه الأمور بين خلقه، فهو -سبحانه- يخلق ما يشاء ويختار، فكان لأهل اليمن هذا النصيب الأوفر: الحكمة يمانية، والإيمان يمانٍ، ومن خيار أهل اليمن الأشعريون الذين قدموا على النبي ﷺ.
      ولم يكن أبو مالك الأشعري  مكثراً من الرواية، فقد روى سبعة وعشرين حديثاً، أخرج الإمام مسلم منها حديثين، هذا أحدهما، والبخاري أخرج حديثاً واحداً بالتردد، فقال عن أبي مالك، أو أبي عامر، لم يجزم به.


      وأبو مالك  مات بسبب طاعون عمواس المشهور في بلاد الشام، وأصابه الطاعون في يوم واحد مع معاذ بن جبل، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وشرحبيل بن عتبة، وهذه خسارة كبيرة جداً، فهؤلاء قادة كبار، وعلماء، أصابهم الطاعون في يوم واحد جميعاً.
      بحساباتنا خسارة كبيرة، ولكن عند الله  مقاييس أخرى، وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء [آل عمران:140]، فالموت من الطاعون شهادة، وإلى متى سيبقى الإنسان؟، الذين لم يموتوا بطاعون عمواس أين هم؟ كلهم ماتوا، الذي مات على فراشه، والذي مات على سفر، والذي مات في ساحة المعركة، والذي وقصته دابته فسقط ومات، والذي غرق في الماء، كل الناس ماتوا.
      يقول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، كثير من أهل العلم يفرقون بين الطَّهور بالفتح، والطُّهور بالضم، والسَّحور بالفتح، والسُّحور بالضم، والوَضوء بالفتح، والوُضوء بالضم، فكل ما كان بالفتح فهو الشيء المتناول المستعمل، فالوَضوء هو الماء الذي يتطهر به، والطَّهور هو ما يتطهر به، والطُّهور هو نفس العملية، والسُّحور هو نفس الأكل، وهذا الذي عليه كثير من أهل العلم من أهل اللغة، والفقهاء، وغيرهم.


      ولكن من أهل العلم -كالخليل بن أحمد الفراهيدي، والأزهري وهو من المتقدمين من الأئمة الكبار- من يقول: لا يقال إلا بالضم، الطُّهور للجميع.
      والطهارة يمكن أن نحملها على الطهارة الحسية، والطهارة المعنوية، الطهارة الحسية تكون بالتخلي عن النجاسات، وتكون بالوضوء والغسل من الجنابة، والتيمم، وتطهير الثوب والبدن، فهذا شطر الإيمان، أي: أنه يرقى بمنزلته ومكانته عند الله إلى هذا المقام.
      ولا نستغرب هذا، والنبي ﷺ أخبر أن عامة عذاب القبر من البول، وهذه قضية تافهة بالنسبة لبعض الناس، فلا يستبرئ من بوله، ويصيبه رشاش منه.


      ويمكن أن يفسر: الطهور شطر الإيمان تفسير آخر، وهو الذي مشى عليه النووي في شرح مسلم، الإيمان بمعنى: الصلاة، والله لمّا حول الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة قال: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، لأنهم تساءلوا قالوا: وصلاتنا السابقة انتهت؟، قال: لا، وما كان الله ليضيع إيمانكم، وهذا المعنى معقول جداً، ما فيه إشكال؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة، فيحمل الإيمان على الصلاة، وهذا قال به جمع من أهل العلم

      الكلم الطيب
    • ذمُّ السُّخْريَّةِ والاستِهْزاءِ والنَّهيُ عنهما
      أ- مِنَ القُرآنِ الكريمِ
      ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
      ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

      أ- مِنَ القُرآنِ الكريمِ
      - قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] .
      قال ابنُ كثيرٍ: (ينهى تعالى عن السُّخْريَّةِ بالنَّاسِ، وهو احتِقارُهم والاستِهْزاءُ بهم... فإنَّه قد يكونُ المحتَقَرُ أعظَمَ قَدرًا عِندَ اللهِ، وأحَبَّ إليه من السَّاخِرِ منه المحتَقِرِ له... وقولُه: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، أي: لا تَلمِزوا النَّاسَ. والهَمَّازُ اللَّمَّازُ من الرِّجالِ مذمومٌ ملعونٌ... وقولُه: وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، أي: لا تتداعَوا بالألقابِ، وهي التي يسوءُ الشَّخصَ سَماعُها) .
      وقال ابنُ جريرٍ: (إنَّ اللهَ عَمَّ بنَهْيِه المُؤمِنين عن أن يَسخَرَ بعضُهم من بعضٍ جميعَ معاني السُّخْريَّةِ؛ فلا يَحِلُّ لمُؤمِنٍ أن يَسخَرَ من مُؤمِنٍ لا لفَقرِه، ولا لذَنبٍ رَكِبَه، ولا لغيرِ ذلك) .
      - وقال سُبحانَه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ [الهمزة: 1-4] .
      (وَيْلٌ أي: وَعيدٌ ووَبالٌ وشِدَّةُ عَذابٍ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الذي يَهمِزُ النَّاسَ بفِعلِه، ويَلمِزُهم بقولِه؛ فالهَمَّازُ: الذي يعيبُ النَّاسَ ويَطعَنُ عليهم بالإشارةِ والفِعلِ، واللَّمَّازُ: الذي يعيبُهم بقَولِه. ومِن صفةِ هذا الهَمَّازِ اللَّمَّازِ أنَّه لا هَمَّ له سوى جمعِ المالِ وتعديدِه والغِبطةِ به، وليس له رَغبةٌ في إنفاقِه في طُرُقِ الخيراتِ وصِلةِ الأرحامِ، ونحوِ ذلك) . (ولقد سجَّل القرآنُ الكريمُ عاقِبةَ السَّاخِرينَ والمُستَهزِئينَ من المُؤمِنين، وأخبَرَ بانعِكاسِ الوضعيَّةِ يومَ القيامةِ بصورةٍ يُصبِحُ السَّاخِرون مَوضِعَ سُخريَّةٍ واستهزاءٍ من طَرَفِ عبادِه المُستَضعَفين في هذه الدُّنيا؛ قال الحَقُّ سُبحانَه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: 29-34] ) .
      - وقال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56] .
      قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ، أي: إنَّما كان عملي في الدُّنيا عَمَلَ ساخِرٍ مُستَهزئٍ غيرِ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ) . ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
      - عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((حكيتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلًا فقال: ما يَسُرُّني أنِّي حكيتُ رَجُلًا وأنَّ لي كذا وكذا، قالت: فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ صفيَّةَ امرأةٌ- وقالت بيَدِها هكذا، كأنَّها تعني قصيرةً- فقال: لقد مَزَجْتِ بكَلِمةٍ لو مَزَجْتِ بها ماءَ البحرِ لمُزِجَ)) . وفي روايةِ أبي داودَ قالت: ((حَسْبُك من صفيَّةِ كذا وكذا!) ) .
       (قولُه: ((وقالت بيَدِها) )، أي: أشارت بها ((تعني قصيرةً) )، أي: تريدُ عائشةُ كونَها قصيرةً، وفي المِشكاةِ: "قُلتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَسْبُك من صفيَّةَ كذا وكذا، تعني قصيرةً ((لقد مزَجْتِ بكَلِمةٍ) ) أي: أعمالَك، ((لو مُزِج) ) بصيغةِ المجهولِ، أي: لو خُلِط ((بها) )، أي: على تقديرِ تجسيدِها، وكونِها مائعةً "لمُزِج" بصيغةِ المجهولِ أيضًا، والمعنى: تغَيَّرَ وصار مغلوبًا. وفي المِشكاةِ: لقد قُلْتِ كَلِمةً لو مُزِج بها البَحرُ لمزَجَتْه. قال القاريُّ: أي: غلبَتْه وغيَّرَتْه. قال القاضي: المَزْجُ: الخَلطُ والتَّغييرُ بضَمِّ غيرِه إليه) .
      وقَولُه ((ما أُحِبُّ أنِّي حكيتُ إنسانًا )): (أي: فعَلْتُ مِثلَ فِعلِه أو قُلتُ مِثلَ قولِه، مُنَقِّصًا له، يقال: حكاه وحاكاه، قال الطِّيبيُّ: وأكثَرُ ما تُستعمَلُ المحاكاةُ في القبيحِ، ((وأنَّ لي كذا وكذا) )، أي: لو أُعطيتُ كذا وكذا من الدُّنيا، أي: شيئًا كثيرًا منها بسَبَبِ ذلك، فهي جملةٌ حاليَّةٌ واردةٌ على التَّعميمِ والمبالغةِ، قال النَّوويُّ: من الغِيبةِ المحرَّمةِ المحاكاةُ بأن يمشيَ متعارِجًا أو مطاطيًا رأسَه، أو غيرَ ذلك من الهيئاتِ) .
      - عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه ((أنَّه كان يجتَني سِواكًا من الأراكِ، وكان دقيقَ السَّاقينِ، فجعَلَتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُه ، فضَحِك القومُ منه! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مِمَّ تضحَكون؟ قالوا: يا نَبيَّ اللهِ، مِن دِقَّةِ ساقَيه! فقال: والذي نفسي بيَدِه، لهما أثقَلُ في الميزانِ من أُحُدٍ!)) .
      - وعن أبي هُرَيرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا ، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا، المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه ولا يَخذُلُه، ولا يَحقِرُه، التَّقوى هاهنا -ويُشيرُ إلى صَدْرِه ثلاثَ مرَّاتٍ-، بحَسْبِ امرئٍ من الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاه المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُه، ومالُه، وعِرْضُه)) .
      قوله: ((بحَسْبِ امرئٍ من الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاه المُسلِمَ ))، (يعني: يكفي المُؤمِنَ من الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاه المُسلِمَ، وهذا تعظيمٌ لاحتقارِ المُسلِمِ، وأنَّه شَرٌّ عظيمٌ، لو لم يأتِ الإنسانُ من الشَّرِّ إلَّا هذا لكان كافيًا؛ فلا تَحقِرَنَّ أخاك المُسلِم، لا في خِلقتِه، ولا في ثيابِه، ولا في كلامِه، ولا في خُلُقِه، ولا غيرِ ذلك، أخوك المُسلِمُ حَقُّه عليك عظيمٌ؛ فعليك أن تحتَرِمَه وأن تُوَقِّرَه، وأمَّا احتِقارُه فإنَّه محرَّمٌ، ولا يَحِلُّ لك أن تحتَقِرَه) .

      ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

      - عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال: (لو سَخِرْتُ مِن كَلبٍ لخَشِيتُ أن أكونَ كَلبًا، وإنِّي لأكرَهُ أن أرى الرَّجُلَ فارِغًا؛ ليس في عَمَلِ آخرةٍ ولا دُنيا) .
      - وقال أبو موسى الأشعَريُّ: (لو رأيتُ رَجُلًا يَرضَعُ شاةً في الطَّريقِ فسَخِرتُ منه، خِفتُ ألَّا أموتَ حتَّى أرضَعَها!) .
      - وعن الأسوَدِ قال: ((كُنَّا عِندَ عائشةَ فسَقَط فُسطاطٌ على إنسانٍ فضَحِكوا، فقالت عائشةُ: لا سَخَرَ ! سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ما من مُسلِمٍ يُشاكُ شَوكةً فما فوقَها إلَّا رفَعَه اللهُ بها دَرَجةً، وحَطَّ عنه بها خطيئةً)) .
      قال القاضي عِياضٌ: (الضَّحِكُ في مِثلِ هذا غيرُ مُستحسَنٍ ولا مباحٍ، إلَّا أن يكونَ مِن غَلَبةٍ ممَّا طُبِع عليه البَشَرُ. وأمَّا قَصدًا ففيه شماتةٌ بالمُسلِمِ وسُخريَّةٌ بمُصابه، والمُؤمِنون إنَّما وصفهم اللهُ بالرَّحمةِ والتَّراحُمِ بَيْنَهم، ومِن خُلُقِهم الشَّفَقةُ بعضُهم لبعضٍ) .
      - وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: (إنِّي لأرى الشَّيءَ أكرَهُه، فما يمنَعُني أن أتكَلَّمَ فيه إلَّا مخافةُ أن أُبتلى بمِثْلِه) .
      - وقال عَمرُو بنُ شُرَحْبيلَ: (لو رأيتُ رَجُلًا يرضَعُ عَنزًا فسَخِرتُ منه، خَشِيتُ أن أكونَ مِثلَهَ) .
      - وقال يحيي بنُ مُعاذٍ: (لِيَكنْ حَظُّ المُؤمِنِ منك ثلاثًا: إنْ لم تنفَعْه فلا تَضُرَّه، وإنْ لم تُفرِحْه فلا تَغُمَّه، وإنْ لم تمدَحْه فلا تَذُمَّه) .
      - وأوصى زهيرُ بنُ جَنابٍ بنيه، فقال: (يا بَنِيَّ... إيَّاكم أن تكونوا بالأحداثِ مُغترِّين، ولها آمِنين، ومنها ساخِرين؛ فإنَّه ما سَخِر قومٌ قَطُّ إلَّا ابتُلوا، ولكِنْ توقَّعوها؛ فإنَّما الإنسانُ في الدُّنيا غَرَضٌ تَعاوَرُه الرُّماةُ، فمُقَصِّرٌ دونَه، ومجاوِزٌ مَوضِعَه، وواقِعٌ عن يمينِه وشِمالِه، ثمَّ لا بدَّ أنَّه مُصيبُه!) .
      - وقال القُرطبيُّ: (من لقَّب أخاه أو سَخِر منه، فهو فاسِقٌ) .
      - وقال السَّفَّارينيُّ: (إنَّ كُلَّ من افتَخَر على إخوانِه، واحتَقَر أحدًا من أقرانِه وأخدانِه ، أو سَخِر أو استَهزَأَ بأحَدٍ من المُؤمِنين؛ فقد باء بالإثمِ والوِزرِ المُبينِ) .
      - وقال ابن حجر الهيتمي: (لا تحتَقِرْ غَيرَك؛ عسى أن يكونَ عِندَ اللهِ خيرًا منك، وأفضَلَ وأقرَبَ) .
      - قال محمَّدٌ الغَزاليُّ: (ممَّا يُمَزِّقُ أواصِرَ الأُخُوَّةِ: التَّهكُّمُ والازدِراءُ والسُّخْريَّةُ من الآخَرين، إنَّ هذه الأخلاقَ تنشَأُ عن جهالةٍ سادرةٍ، وغفلةٍ شائنةٍ؛ فإنَّ من حَقِّ الضَّعيفِ أن يُحمَلَ لا أن يُنالَ منه، ومن حَقِّ الحائِرِ أن يُرشَدَ لا أن يُضحَكَ عليه. وإذا وجَدْتَ بشَخصٍ عاهةً أو عرَضَتْ له سَيِّئةٌ، فآخِرُ ما يُتوَقَّعُ من المُسلِمِ أن يجعَلَ ذلك مَثارَ تَنَدُّرِه واستِهزائِه!) .
      - قال عبدُ الرَّحمنِ المَيدانيُّ: (إنَّ السُّخْريَّةَ تُنافي ما يوجِبُه الحَقُّ، وهي ظُلمٌ قبيحٌ من الإنسانِ لأخيه الإنسانِ، وعُدوانٌ على كرامتِه، وإيذاءٌ لنفسِه وقلبِه) .

      الدرر السنية        
    • آثارُ السُّخْريَّةِ
      1- أنَّ السُّخْريَّةَ والاستِهْزاءَ تقطَعُ الرَّوابِطَ الاجتماعيَّةَ القائمةَ على الأخُوَّةِ، والتَّوادِّ، والتَّراحُمِ.
      2- تَبذُرُ بُذورَ العداوةِ والبغضاءِ، وتورِثُ الأحقادَ والأضغانَ.
      3- تُوَلِّدُ الرَّغبةَ بالانتِقامِ.
      4- أنَّ ضَرَرَ الاستِهْزاءِ بالمُؤمِنين راجِعٌ إلى المُستَهزِئين بهم.
      5- حُصولُ الهوانِ والحَقارةِ للمُستهزئِ.
      6- المُستهزئُ يُعَرِّضُ نفسَه لغَضَبِ اللهِ وعذابِه.
      7- ضَياعُ الحَسَناتِ يومَ القيامةِ.
      8- تُوَلِّدُ الشُّعورَ بالانتِقامِ.
      9- السُّخْريَّةُ نذيرُ شُؤمٍ للسَّاخِرين؛ فقد كان الغَرَقُ عاقِبةَ قومِ نُوحٍ الذين كفَروا باللهِ وسَخِروا من نوحٍ عليه السَّلامُ.
      10- السُّخْريَّةُ تُفقِدُ السَّاخِرَ الوَقارَ، وتُسقِطُ عنه المروءةَ.
      11- السَّاخِرُ يَظلِمُ نَفسَه بتحقيرِ مَن وقَّره اللهُ عزَّ وجَلَّ، واستصغارِ مَن عَظَّمه اللهُ.
      12- السُّخْريَّةُ تُميتُ القلبَ، وتُورِثُه الغَفلةَ، حتَّى إذا كان يومُ القيامةِ نَدِم السَّاخِرُ على ما قدَّمَت يداه، ولاتَ ساعةَ مَندَمٍ! أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56] .
      13- السُّخْريَّةُ من سماتِ الكُفَّارِ والمُنافِقين، وقد نُهينا عن التَّشبُّهِ بهم.
      14- السَّاخِرُ متعَرِّضٌ للعُقوبةِ في الدَّارِ العاجِلةِ أيضًا، بأن يحدُثَ له مِثلُ ما حدَث للمَسخورِ منه.
      15- بُعدُ النَّاسِ عن المُستهزِئِ؛ لخوفِهم منه، وعَدَمِ سلامتِهم منه.
      16- يُصرَفُ عن قَبولِ الحَقِّ، واستِماعِ النُّصحِ .
    • صُوَرُ السُّخْريَّةِ والاستِهْزاءِ
      1- السُّخْريَّةُ بالقولِ أو بالمحاكاةِ في الفِعلِ والقولِ، أو بالإشارةِ والإيماءِ، أو بالضَّحِكِ:
      قال ابنُ النَّحَّاسِ: (واعلَمْ أنَّ معنى السُّخْريَّةِ: الاستِحقارُ والاستِهانةُ والتَّنبيهُ على العُيوبِ والنَّقائِصِ على وَجهٍ يُضحَكُ منه، وقد يكونُ ذلك بالمحاكاةِ في الفِعلِ والقَولِ، وقد يكونُ بالإشارةِ والإيماءِ، وقد يكونُ بالضَّحِكِ، كأن يَضحَكَ على كلامِه إذا تخبَّط فيه أو غَلِط، أو على صَنعتِه، أو قُبحٍ في صورتِه، ونحوِ ذلك) .

      2- الهَمْزُ واللَّمْزُ:

      وقد نهى اللهُ عزَّ وجَلَّ عن الهَمْزِ واللَّمزِ في كتابِه، وتوعَّد مَن يفعَلُ ذلك؛ قال ابنُ تَيميَّةَ: (اللَّمْزُ: هو العَيبُ والطَّعنُ، ومنه قَولُه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فيِ الصَّدَقَاتِ [التوبة: 58] ، أي: يَعيبُك ويَطعَنُ عليك، وقَولُه: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة: 79] ، وقَولُه: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] ، أي: لا يَلمِزْ بعضُكم بعضًا، كقَولِه: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور: 12] ... والهَمزُ: العَيبُ والطَّعنُ بشِدَّةٍ وعُنفٍ، ومنه: هَمَز الأرضَ بعَقِبِه، ومنه الهَمْزةُ، وهي نَبرةٌ من الصَّدرِ) .

      و(اللَّمزُ: هو أن يعيبَ الإنسانُ أخاه في وَجهِه بكلامٍ ولو خَفيًّا، ورُبَّ لَمزٍ خَفيٍّ هو أشدُّ مِن طعنٍ صريحٍ، وأعمَقُ جُرحًا في داخِلِ النَّفسِ؛ لأنَّ فيه بالإضافةِ إلى الطَّعنِ والتَّجريحِ بالعَيبِ معنى استغباءِ الملموزِ واستِغفالِه، فكأنَّ اللَّامِزَ يُشعِرُ الذين في المجلِسِ أنَّ الملموزَ غبيٌّ لا يتنَبَّهُ إلى الطَّعنِ الذي يوجَّهُ ضِدَّه في رمزِ الكلامِ.
      واللَّمزُ قبيحةٌ اجتماعيَّةٌ تورِثُ الأحقادَ والأضغانَ، وتقطَعُ أواصِرَ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، وهو ظُلمٌ من الإنسانِ لأخيه الإنسانِ، وعُدوانٌ على حَقِّه عليه) .

      قال سُبحانَه: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] (فجَعَل اللَّامِزَ أخاه لامِزًا نفسَه؛ لأنَّ المُؤمِنين كرَجُلٍ واحدٍ فيما يلزَمُ بعضُهم لبعضٍ من تحسينِ أمرِه، وطلَبِ صلاحِه، ومحبَّتِه الخَيرَ) .

      وقال أبو السُّعودِ: (مَناطُ الخَيريَّةِ... ليس ما يَظهَرُ للنَّاسِ من الصُّوَرِ والأشكالِ، ولا الأوضاعِ والأطوارِ التي عليها يدورُ أمرُ السُّخْريَّةِ غالبًا، بل إنَّما هو الأمورُ الكامنةُ في القُلوبِ، فلا يجتَرِئُ أحَدٌ على استحقارِ أحَدٍ؛ فلعَلَّه أجمعُ منه لِما نيطَ به الخيريَّةُ عِندَ اللهِ تعالى، فيَظلِمَ نفسَه بتحقيرِ مَن وَقَّره اللهُ تعالى، والاستهانةِ بمَن عظَّمَه اللهُ تعالى) .

      الفَرْقُ بَيْنَ الهمزِ واللَّمزِ:

      اختُلِف في الفَرْقِ بَيْنَ الهَمزِ واللَّمزِ:
      فقيل: الهَمزُ: عيبُ النَّاسِ مِن خَلفِهم، واللَّمزُ: عَيبُهم مواجَهةً.
      وقيل بعَكسِ ذلك؛ فالهَمزُ: الطَّعنُ في وَجهِ الرَّجلِ، واللَّمزُ: اغتيابُ الرَّجُلِ مِن خَلفِه إذا غاب.
      وقيل: الهَمزُ: بالقَولِ، واللَّمزُ: بالفِعلِ.
      وقيل بعَكسِ ذلك؛ فالهَمزُ: عَيبُ النَّاسِ والطَّعنُ عليهم بالإشارةِ والفِعلِ. واللَّمزُ: عَيبُهم بالقَولِ.
      وقيل: الهَمزُ واللَّمزُ: كِلاهما بمعنًى واحِدٍ، وهو العَيبُ والطَّعنُ .

      3- التَّنابُزُ بالألقابِ:
      (اللَّقَبُ: هو ما يُدعى به الشَّخصُ مِن لَفظٍ غيرِ اسمِه وغيرِ كُنيتِه، وهو قِسمانِ: قَبيحٌ، وهو ما يَكرَهُه الشَّخصُ لكونِه تقصيرًا به وذَمًّا. وحسَنٌ، وهو بخِلافِ ذلك، كالصِّدِّيقِ لأبي بَكرٍ، والفاروقِ لعُمَرَ، وأسَدِ اللهِ لحَمزةِ، رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم) .
      قال ابنُ عبَّاسٍ: (التَّنابُزُ بالألقابِ: أن يكونَ الرَّجُلُ قد عَمِل السَّيِّئاتِ ثمَّ تاب، فنهى اللهُ أن يُعَيَّرَ بما سلَف مِن عَمَلِه) .
      ثمَّ إنَّ التَّنابُزَ بالألقابِ التي هي (ممَّا يؤذي النَّاسَ؛ إذ يَحمِلُ معنى التَّحقيرِ والإهانةِ، نهى اللهُ عنه، وجَعَله من المحرَّماتِ، وجعلَه من الفُسوقِ والظُّلمِ، وربَّما يَصِلُ التَّنابُزُ بالألقابِ إلى مستوى الشَّتيمةِ، كالنَّبزِ بالحِمارِ، والثَّورِ، والكَلبِ، ونحوِ ذلك.
      ومن شأنِ التَّنابُزِ بالألقابِ أنَّه يقطَعُ أواصِرَ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، ويُفسِدُ المودَّاتِ، ويولِّدُ العداواتِ والأحقادَ، ورُبَّما يوصِلُ إلى التَّقاتُلِ مع ثَوراتِ الغَضَبِ، وهَيَجانِ الحماقاتِ) .
      ويُستثنى من النَّهيِ بالتَّنابُزِ بالألقابِ الألقابُ الحَسَنةُ، كالصِّديقِ، والفاروقِ وغيرِها، وكذلك التي هي للشُّهرةِ، كالأعمَشِ وغيرِه.
      وقال الخازِنُ: (قال بعضُ العُلَماءِ: المرادُ بهذه الألقابِ ما يَكرَهُه المنادى به أو يفيدُ ذَمًّا له، فأمَّا الألقابُ التي صارت كالأعلامِ لأصحابِها، كالأعمَشِ والأعرَجِ وما أشبَهَ ذلك، فلا بأسَ بها، إذا لم يكرَهْها المدعوُّ بها، وأمَّا الألقابُ التي تكسِبُ حَمدًا ومدحًا تكونُ حَقًّا وصِدقًا، فلا يُكرَهُ، كما قيل لأبي بَكرٍ: عتيقٌ، ولعُمَرَ: الفاروقُ، ولعُثمانَ: ذو النُّورَينِ، ولعَليٍّ: أبو تُرابٍ، ولخالِدِ: سَيفُ اللهِ، ونحوِ ذلك) .

      4- التَّعييرُ والتَّهكُّمُ:
      والتَّعييرُ: ذِكرُ ما يُوجِبُ العارَ ، فيَذُمُّ الرَّجُلَ ويتنقَّصُه ويُظهِرُ عَيبَه؛ ليُنفِّرَ النَّاسَ عنه؛ إمَّا محبَّةً لإيذائِه أو لعداوتِه، أو مخافةً من مزاحمتِه على مالٍ أو رئاسةٍ، أو غيرِ ذلك من الأسبابِ المذمومةِ، فلا يَتوَصَّلُ إلى ذلك إلَّا بإظهارِ الطَّعنِ فيه .
      وقال الكَفَويُّ في معنى التَّهكُّمِ: (هو ما كان ظاهِرُه جِدًّا وباطِنُه هَزْلًا، والهَزْلُ الذي يرادُ به الجِدُّ بالعَكسِ، ولا تخلو ألفاظُ التَّهكُّمِ من لفظةٍ من اللَّفظِ الدَّالِّ على نوعٍ من أنواعِ الذَّمِّ، أو لفظةٍ مِن معناها الهَجْوُ) .
      عن المعرورِ بنِ سُوَيدٍ قال: ((لَقيتُ أبا ذَرٍّ بالرَّبَذةِ، وعليه حُلَّةٌ ، وعلى غُلامِه حُلَّةٌ، فسألتُه عن ذلك فقال: إنِّي سابَبْتُ رجُلًا فعَيَّرْتُه بأمِّه، فقال لي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يا أبا ذَرٍّ، أعيَّرْتَه بأمِّه؟ إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ! إخوانُكم خَوَلُكم جعَلَهم اللهُ تحتَ أيديكم؛ فمن كان أخوه تحتَ يَدِه فلْيُطعِمْه ممَّا يأكُلُ، ولْيُلبِسْه ممَّا يَلبَسُ، ولا تُكَلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإن كَلَّفْتُموهم فأعينوهم)) .

      5- السُّخْريَّةُ والاستِهْزاءُ والتَّهكُّمُ عن طريقِ وسائلِ التَّواصُلِ، بنَشرِ المقاطِعِ المصَوَّرةِ، وكتابةِ التَّعليقاتِ السَّاخرةِ، وكذلك ما يُعرَفُ بالبرامِجِ السَّاخِرةِ، والرُّسومِ المعروفةِ ب(الكاريكاتير).
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182945
    • إجمالي المشاركات
      2537619
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×