اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    9085
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    61

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. 201.jpg

    مقدمة

    فهناك عدة أسئلة عن أمور تتعلق بسورة يوسف.

    وسنتحدث -إن شاء الله- في هذا الدرس عن بعض الفوائد المأخوذة من هذه السورة، والقصة العظيمة، وهذه السورة تحكي قصة نبي كريم من أنبياء الله ﷺ.

    وفي هذه القصة: عبر كثيرة جداً، وفوائد ودروس للمؤمنين.

    وفيها كذلك: أحكام استنبطها العلماء من هذه القصة التي أوحاها الله إلى نبيه ﷺ.

    وتمتاز هذه القصة بجمال الأسلوب إذ ليس عند النصارى ولا عند اليهود في سورة يوسف مثل هذه التفاصيل أبدا.

    وهذه القصة يذكر الله ﷺ فيها ما حصل لنبيه يوسف ، فلنأخذ بعض هذه الفوائد من هذه السورة.

     

    الفوائد المستفادة من الآية (1 - 6) من سورة يوسف

     الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ * إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [يوسف: 1 - 6].

    قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ  [يوسف: 7] وذكر قبلها: أنه أرى نبيه يوسف وهو صغير رؤيا عجيبة.

    ويؤخذ من هذه القصة:

    أولاً: تعاهد الأب أبناءه بالتربية، وتقريبه من عنده استعداد للفهم والعلم والفقه، وخصه بمزيد من العناية؛ لأنه كلما كان الإقبال أكثر من الشخص ينبغي أن يكون العطاء له أكثر.

    ثانياً: أن الرؤيا الصالحة من الله، وذلك لأن يوسف رأى رؤيا حق، وأمره أبوه ألا يقص الرؤيا على إخوته.

    ثالثاً: أن كتم التحدث بالنعمة للمصلحة جائز، ولذلك قال: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ  مع أن الرؤيا نعمة هنا، لكن قال:  لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا .

    إذاً، لو كتم إنسان نعمة الله عليه لم يفشها لئلا يتضرر من الحسد فهذا لا بأس به.

    وأما التحدث بالنعمة فإنه يكون عند أمن الحسد فيذكر الإنسان نعمة ربه عليه.

    رابعاً: أن الشيطان يدخل بين الإخوة فيوغر صدور بعضهم على بعض كونهم أشقاء، فالشيطان يدخل بين الإخوة الأشقاء فيصيرهم أعداء، ويوغر صدور بعضهم على بعض.

    خامساً: أن على الأب أن يعدل بين أولاده ما أمكن وأنه لو كان أحد الأولاد يستحق مزيد عناية فإن على الأب ألا يظهر ذلك قدر  الإمكان حتى لا يوغر صدور الآخرين.

    سادساً: أن الله  يجتبي من يشاء من عباده ويصطفي، وهذا الاصطفاء من الله -عز وجل- نعمة فأنت مثلاً تأمل كيف أن الله اصطفاك فلم يجعلك جماداً، بل جعلك إنساناً، تأمل كيف اصطفاك الله فلم يجعلك كافراً، بل جعلك مسلماً، تأمل أن الله لم يجعلك من أهل الكبائر الفسقة المجرمين، أو من أهل البدعة، بل جعلك من أهل السنة.

    وإذا لم تكن من أهل الكبائر، فتأمل اصطفاء الله لك بأن جعلك لست من هؤلاء أهل الكبائر، وجعلك من أهل الطاعة والاستقامة والدين.

    وإذا كنت طالب علم فالله اصطفاك اصطفاءً آخر بأن جعلك صاحب علم.

    وإذا كنت داعية فهذا اصطفاء آخر من الله بأن جعلك لست فقط من أصحاب العلم، بل ممن تدعو إلى هذا العلم وهكذا..

    فإذاً، هي اصطفاءات من الله للعباد.

    سابعاً: أن البيت الطيب يخرج منه الابن الطيب، انظر إلى قوله: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [يوسف   وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  [يوسف: 6].

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (7  - 10) من سورة يوسف

     لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [يوسف: 7 - 10].

    ثامناً: أن الغيرة تدفع أصحابها للضرر والإيذاء، فإنهم لما غاروا من أخيهم سعوا في إيذائه.

    تاسعاً: أن هذه الغيرة يمكن أن تؤدي إلى الكيد بالقتل، وليس إلى مجرد الإيذاء، فإن هذه القضية قد أوصلتهم إلى أن يسعوا في قتل أخيهم عندما قالوا:  اقْتُلُوا يُوسُفَ .

    عاشراً: أن تبييت التوبة قبل الذنب توبة فاسدة، يعني لو واحد قال: نذنب ثم نتوب، أول ذنب ثم نستقيم، فلنذنب، هذه توبة فاسدة، لماذا؟

    قال الله -تعالى-:  اقْتُلُوا يُوسُفَ  اعملوا الذنب، هذا الاتفاق  اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ  [يوسف: 9].

    إذاً، هم قالوا: نذنب ثم نتوب وتمشي، هذه توبة فاسدة.

    فإذاً، تبييت النية بعد الذنب قبل أن يحدث الذنب توبة فاسدة، وما أدراهم أنهم سيستقيموا على الدين والصلاح؟

    فبعض الناس الشيطان يقول له: أنت الآن أذنب ثم تتوب وتمشي الأمور.

    أنت الآن أذنب ثم تستقيم وتدين وخلاص، هو هذا الذنب وانتهينا.

    فينتكس هذا المسكين ويذهب على وجه في المعاصي.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (11  - 15) من سورة يوسف

     قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  [يوسف: 11 - 15].

    الحادي عشر: أن الإنسان إذا ظن سوءاً بشخص فلا يصلح أن يلقنه حجة؛ لأنهم يستخدموه عليه، ولذلك يعقوب لما قال: وأخاف أن يأكله الذنب هو لقنهم حجة استعملوها بعد ذلك، قال حصل ما تكره وذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا وأكله الذئب.

    فإذاً، لا ينبغي للإنسان إذا شك في شخص أن يذكر له كلاماً يمكن أن يستخدمه حجة له.

    الثاني عشر: أن الله ثبت يوسف من بدء أمره، فإنه لما كان في البئر: أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون}.

    لكن متى حصلت هذه التنبئة؟

    بعد حين.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (16 - 18) من سورة يوسف

     وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ  [يوسف: 16 - 18].

    الثالث عشر: أن المتظاهر بالأمر ينكشف أمره لأهل البصيرة ولو استخدم التمثيل، فإنهم جَاءُوا  أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ، هذه تمثيلية:  قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ .

    الرابع عشر: مشروعية العمل بالقرائن، فإن يعقوب رأى قميصاً لم تعمل فيه أنياب الذئاب، قميص سليم مغموس بدم، فلو كان أكله الذئب، ما هذا الذئب الذي له ذوق كبير؟ يأتي للولد ويفسخ قميصه ثم يأكله، كيف أكله الذئب والقميص سليم، ما فيه تمزيق، مغموس بدم؟

    الخامس عشر: مشروعية المسابقة.

    المسابقة تكون على الخيل والسهام:  لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر  [رواه البخاري: ] يعني على الإبل، وعلى الخيل، وفي السهام، هذه الأمور التي تعين على الجهاد.

    فكل شيء يعين على الجهاد تجوز المسابقة فيه بجعل، يعني بمقابل.

    أما إذا كان ليس من الأمور المعينة على الجهاد ونشر الدين، فلا يجوز السبق به بجائزة.

    فصار عندنا المسابقات ثلاثة أنواع: جائز بعوض، وجائز بغير عوض، ومحرم.

    جائز بعوض؛ مثل مسابقة السهام، الرمي بالبندقية، على الخيل مسابقة، رمي بالطائرات بالدبابات، يعني بأي وسيلة للرمي؛ لأنه يعين على الجهاد يجوز أن تجعل فيه جوائز.

    ابن تيمية -رحمه الله- أدخل فيه المسابقات المعينة على نشر الدين بالجامع المشترك مع الجهاد؛ لأن الجهاد لنشر الدين.

    فأيضاً لو عملنا مسابقات تساعد على نشر الدين؛ مثل حفظ القرآن، حفظ السنة، حفظ العلم، فيجوز أن تكون بجعل، يعني بمقابل، بجائزة.

    مسابقات النوع الثاني التي تكون بغير جعل؛ مثل مسابقة على الأقدام.

    واختلفوا في الغطس، فقال بعضهم: يلحق بالنوع الأول؛ لأنه يعين على الجهاد.

    فمسابقة الأقدام تجوز بغير جائزة، بغير مقابل، هذا مثال.

    المسابقات المحرمة؛ مثل مناقرة الديكة، مناطحة الأكباش، مصارعة الثيران، هذه مسابقات لا تجوز لا بجائزة ولا بغير جائزة؛ لأن فيها تعذيب للحيوان.

    ما حكم الملاكمة؟

    لا تجوز؛ لأن فيها ضرباً على الوجه.

    فيه مسابقات أخرى غير جائزة؛ لأن فيها كشف عورات مثلاً.

    غير جائزة لأن فيها قمار مثلاً.

    إذاً، هذه أنواع المسابقات في الشريعة.

    إذا كانت تعين على الجهاد ونشر الدين تجوز بجوائز، بمقابل.

    إذا كانت مسابقات مباحة؛ مثل الجري تجوز بغير جوائز.

    إذا كانت خارجة عن إطار المباح فهي محرمة، وتقدمت أمثلته.

    إذاً،  قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ  [يوسف: 17] مشروعية المسابقة.

    السادس عشر: إنباء المشكوك في أمره بذلك لعله يتوب: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا  [يوسف: 18].

    السابع عشر: الصبر الجميل.

    ما هو وما الفرق بينه وبين الصبر العادي؟

    الصبر الجميل، قال العلماء: الذي ليس فيه تشك ولا جزع.

     فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: 83] يعني يصبر بدون تشكي ولا تسخط.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (19 – 22) من سورة يوسف

     وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ  [يوسف: 19 - 22].

    الثامن عشر: البشارة بالأمر السار:  قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ .

    وقد تكون البشارة بالأمر السيئ:  فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  [الإنشقاق: 24].

    لكن أكثر ما تستعمل البشارة في الأمر الحسن.

    ويجوز إعطاء مقابل لمن بشرك بالخير كما أن كعباً لما جاءه الذي بشره بتوبة الله عليه خلع له قميصه، فأعطاه إياه.

    فمن السنة الذي يبشرك يقول: تراك نجحت! جاءك ولد!  كذا! أعطاك بشارة بأمر طيب! أنك تكافئه على البشارة بهدية، بأي شيء يطيب نفسه، لقاء ما أدخل السرور على نفسك بالبشارة تدخل السرور عليه.

    فقول العامة: هات البشارة، له وجه.

    التاسع عشر: أن الشراء يطلق على البيع، قال  وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  [يوسف: 20] أيش يعني شروه بثمن؟ يعني باعوه، بثمن بخس.

    فكلمة شراء في اللغة تطلق على: الشراء، وتطلق على: البيع أيضاً.

    العشرون: أن بيع الحر وأكل ثمنه من الكبائر العظيمة، وهكذا فعل هؤلاء، باعوا حراً وأكلوا ثمنه.

    الحادي والعشرون: منة الله على يوسف بأنه جعله يتربى في بيت عز، وليس أن يكون ذليلاً مهاناً، ولذلك قال عزيز مصر لامرأته: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ [يوسف: 21].

    الثاني والعشرون: أن الشاب إذا نشأ في طاعة الله فإن الله يؤتيه علماً وحكمة: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [يوسف: 22].

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (23 – 24) من سورة يوسف

     وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ  [يوسف: 23 - 24].

    الثالث والعشرون: خطورة الخلوة بالمرأة في البيت: {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب}، فهذه الخلوة المحرمة تؤدي إلى المصائب العظيمة.

    الرابع والعشرون: كيد المرأة بيوسف، فإنها استعانت عليه بإيقاعه في الحرام بأمور كثيرة:

    أولا: راودته هي، لم يبدأ الشر منه وإنما بدأ منها، والمرأة إذا دعت الرجل إلى الحرام غير الرجل إذا دعا المرأة إلى الحرام؛ لأن المرأة إذا دعت الرجل إلى الحرام أسقطت الحواجز النفسية؛ لأن الرجل يخشى إذا دعا المرأة إلى الحرام أن ترفض أو فضيحة أو تستنجد بأهلها، ولذلك قال في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)) لماذا؟ صار هذا الرجل عظيماً في ظل الله؟

    لأن الحرام تيسر، صار سهلاً؛ لأنها هي التي دعته.

    فما هي وسائل الجذب؟

    أولاً: راودته.

    ثانياً: هو بيتها، يعني هذا ليس غريباً يشك فيه إذا دخل البيت، هذا يدخل ولا يشك فيه، هُوَ فِي بَيْتِهَا .

    ثالثاً: أنها غلقت الأبواب وغاب الرقيب، وهذا أدعى للوقوع في الحرام.

    رابعاً: أنها شجعته على ذلك: وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ  تعال.

    خامساً: أنه كان شاباً، وداعي الزنا عند الشاب أكبر.

    سادساً: أنها كانت سيدته لها عليه الأمر والنهي والطاعة.

    سابعاً: أنه كان عبداً، وداعي الزنا عند العبد أكبر من الحر؛ لأن الحر يمكن يخشى الفضيحة أكثر من العبد، العبد يُنظر إليه من مستوى أدنى.

    ثامناً: أن الرجل كان غريباً عن البلد، والغريب ممكن لا يخشى فضيحة مثل ابن البلد، ويوسف كان غريباً.

    تاسعاً: أن المرأة كانت جميلة، وداعي الزنا للجميلة أكبر.

    عاشراً: أن المرأة كانت ذات سلطان، فهي تدافع عن حبيبها هذا، فيكون دافع الزنا أكبر.

    الحادي عشر: أن زوجها ما عنده غيرة، فهو بالرغم من علمه بما حصل إلا أنه أبقى الحبل على الغارب، ما أخرج يوسف ولا فصله عن زوجته، بل بقي الأمر كما هو عليه، فقط  يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ  [يوسف: 29]، ولملم الموضوع، وانتهى.

    الثاني عشر: أنها استعانت عليه بكيد النسوة، زيادة.

    الثالث عشر: أنها هددته بالسجن.

    إذاً، صار هناك أسباب كثيرة جداً داعية إلى أنه يزني، ومع ذلك صمد فلم يزن، وبالتالي فإنه بلغ عند الله شأناً عظيماً.

    الخامس والعشرون: أن الله -تعالى- يعين أولياءه في اللحظات العصبية بأمور تثبتهم: لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ  [يوسف: 24] فهو إذاً كاد لكن برهان من الله أراه إياه جعله ينصرف، فالله يعين وليه في اللحظات العصيبة.

    ما هو هذا البرهان؟

    قيل: رأى وجه أبيه يعقوب.

    قيل: رأى كف يعقوب يمدها هكذا..

    وقيل.. وقيل..

    لكن ما عليها أدلة.

    ولذلك يكفي أن نقول: إنه برهان من الله ليوسف  رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ صرفه عن هذا الحرام.

    السادس والعشرون: أن الإنسان لولا معونة الله لا يثبت على الحق، لولا توفيق الله وتسديده لا يثبت على الحق: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24].

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (25 – 29) من سورة يوسف

     وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ  [يوسف: 25 - 29].

    السابع والعشرون: أن شهادة القريب على قريبه أقوى من شهادة البعيد على القريب: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا  قال ابن عباس: هو رجل كبير ذو لحية.

    وهذا أصح مما قيل: إنه صغير، رضيع أنطقه الله.

    أما قصة الرضيع فضعيفة، في الشاهد هذا.

    والراجح: أنه رجل كبير ذو لحية.

    وفيه العمل بالقرائن -كما تقدم- يعني إذا كان قميصه ممزق من الخلف معناها هي التي تطارده وهو يهرب، لو كان قميصه ممزق من الأمام هو يهجم عليها وهي تدافع عن  نفسها: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ .

    الثامن والعشرون: عظم كيد المرأة، قال الله -تعالى-: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ .

    والذي يتأمل كيف أن المرأة هذه حاكت المؤامرة، وغلقت الأبواب، وهيت لك، واستعانت بكيد النسوة، و لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ  [يوسف: 32] يعني يرى فعلاً كيف المرأة إذا أرادت أن تكيد تكيد.

    فهذا شيء خلقه الله واستعظمه:  إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28].

    التاسع والعشرون: عظم جمال يوسف الذي أخذ بالألباب، وقد قال عليه الصلاة والسلام:  إن يوسف أوتي شطر الحسن  نصف جمال العالم ليوسف .

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (30 – 32) من سورة يوسف

     وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ  [يوسف: 30 - 32].

    الثلاثون: سرعة سريان الشائعات بين النساء: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ  وكالة الأنباء، مجرد ما يطلع خبر بالذات مثل هذا إلا وهو في البلد منتشر: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ دارت الأخبار بسرعة  امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ  وهذا كيد النساء في بعض، تريد أن ترد الآن، فجمعتهن  وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ  هو طبعاً خادم في البيت، عبد مستعبد، يطيع، رغماً عنه  اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ خرج عليهن، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ  انشغلن بجماله عن السكاكين التي تعمل في الأيدي وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وسالت الدماء بدون إحساس.

    وهذا يدل على شدة جمال يوسف لدرجة أن ألم تقطيع الأيدي ما عاد يشعرن به أمام رؤية يوسف .

    الحادي والثلاثون: أن الملائكة يمتازون بجمال الخلقة، وأن هذا استقر عند الناس، ولذلك النسوة هؤلاء لما رأوا جمال يوسف  وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: 31] فعند الناس مستقر أن الملك جميل الخلقة، والشيطان قبيح جداً.

    قيل: إن الجاحظ كان جالساً، الجاحظ هذا من المعتزلة، معتزلي، مبتدع، هذا الجاحظ وإن كان ألف كتباً في الأدب وأديب بارع، لكن في العقيدة منحرف، كان جالساً، فجاءت امرأة مع صائغ، فقالت: مثل هذا وأشارت إلى الجاحظ، ثم انصرفت، فالجاحظ استغرب، فذهب تبعه حتى وصل إلى المحل، دكان الصائغ، قال: ما هذا؟ لماذا أتيتم؟ ولماذا قالت المرأة: مثل هذا؟ قال: هذه امرأة جاءتني، فقالت: اعمل لي حلياً عليه صورة الشيطان، فقلت لها: وما أدراني ما صورة الشيطان حتى أعملها لك؟ قالت: ورائي، فقادتني إليك فقالت: مثل هذا.

    فاستقر في أذهان الناس: أن الشيطان شكله قبيح، وأن الملك شكله جميل.

    والله قال عن جبريل:  ذُو مِرَّةٍ  [النجم: 6] جمال.

    وقال عن شجرة الزقوم: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات: 65] في القبح.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (33 – 35) من سورة يوسف

     قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ  [يوسف: 33 - 35].

    الثاني والثلاثون: أن المسلم إذا خير بين المعصية وبين الصبر على الشدة يصبر على الشدة، ويؤثر أن يطيع الله ولو رموه بسوء: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ .

    واستعانة يوسف بالله على مواجهة كيد النسوة  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يعني إنسان ضعيف، يعني يوسف يقول هذا أنه بدون توفيق من الله ضعيف، ممكن المقاومة تنهار  وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ  فأي واحد يتعرض لحرام المفروض أنه يلجأ إلى الله بالدعاء أن الله يخلصه من هذا، وأنه يصرف عنه الشر، ويصرف عنه الفحشاء.

    الثالث والثلاثون: استجابة الله لأوليائه ولدعاء المخلصين: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ  يسمع دعاء عبده  الْعَلِيمُ  بحال هذا العبد الذي يدعوه.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (36) من سورة يوسف

     وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  [يوسف: 36].

    الرابع والثلاثون: أن سيما الصالحين تعرف في وجوههم، اثنان في السجن معهم يوسف، لماذا لجآ إليه؟

    هل هما يعرفان يوسف من قبل أنه صاحب علم؟

    لا.

    هل هما يعرفان يوسف من قبل أنه يعبر أحلاماً؟

    لا.

    فلماذا لجآ إليه  إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  [يوسف: 36] يعني عليك سيما الصلاح، وعلامات الصالحين.

    فإذاً، أهل الصلاح يظهر عليهم، والناس يحبونهم وينجذبون إليهم، ولذلك قالا: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ هؤلاء اثنين من الكفار: ساقي الملك، وخباز الملك، هؤلاء اثنين من الكفار، والملك كافر، والبلد كافرة، يوسف هو الموحد الآن الموجود، لجآ إليه: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ حالتك وسيرتك وهيئتك وأفعالك أنت شخص من المحسنين، كما يقول العامة: "من أهل الله".

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (37 – 42) من سورة يوسف

     قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ   [يوسف: 37 - 42].

    الخامس والثلاثون: أن الداعية إذا أراد أن يلقن ناساً الحق فإنه يجعلهم يثقون به، ويطمئنهم بأنهم قد وقعوا على مليء، يعني كما قالوا: "على الخبير سقطت" إذا جاء واحد سأل: "على الخبير سقطت" يعني أن الآن من تسأله مليء ليجيب:  قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ  قبل الجواب أول شيء: مسألة كسب الثقة، في الدعوة يحتاج الداعية إلى كسب ثقة المدعو ، كسب ثقة المدعو قضية مهمة، بعض المدعوين قد يلجأ إلى داعية، فلازم يكون الداعية مليء، عنده ما يعطيه، يثق به المدعو: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي  [يوسف: 37 - 38].

    وبدأ بقضية الدعوة للتوحيد، وهي الفائدة السادسة والثلاثون: أن الداعية أول ما يبدأ بالدعوة للتوحيد.

    أرسل معاذاً إلى اليمن قال:  أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله .

    وهنا يوسف أول شيء بدأ قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ  [يوسف: 38] وقال قبلها: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ [يوسف: 37] ثم بدأ، يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39] مع أنهما سألاه عن رؤيا، وينتظران الجواب عن رؤيا، لكن ما كان ليجيب عن الرؤيا قبل أن يعلمهما ما هو أهم.

    ولذلك النبي ﷺ لما جاءه أعرابي قال: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟  يعني ما هو الأهم الآن معرفة وقت الساعة وإلا الاستعداد لها؟ فصرف السائل عن الأقل أهمية إلى الشيء الأكبر أهمية، فالأعرابي قال: متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟  فصرفه إلى الشيء المطلوب.

    هذان سألا عن رؤيا، قبل الرؤيا قال: أنت الآن في شرك وفي كفر، وأدلك على التوحيد: أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، وهكذا..

    الفائدة السابعة والثلاثون: أن تعبير الرؤيا فتوى:  قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ  [يوسف: 41].

    ولذلك قال العلماء: لا يجوز لمن لا يعرف في تعبير الرؤى أن يتكلم فيها؛ لأنها فتيا، مثل ما واحد يفتي في الحلال والحرام كذلك تعبير الرؤى.

    فبعض الناس يقول: أنت قص علي رؤيا وأنا أجرب؟ أيش أجرب إما عندك علم وإلا ما في شيء اسمه أجرب؟  قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .

    وذكر الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-: أن الكلام في الرؤى مثل الفتوى، وبغير علم يأثم عليه مثل الفتوى بغير علم.

    الفائدة الثامنة والثلاثون: جواز اتخاذ الأسباب الجائزة للنجاة، هذا قال: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ  [يوسف: 42] حتى إذا خرج ذكر القصة للملك، الملك يمكن يجري تحقيقاً في الموضوع يخرج بسببه يوسف من السجن بريئاً، لكن الشيطان يسعى للكيد بأولياء الله فأنسى الرجل هذا القصة بعدما طلع من السجن، ويمكن فرح أن صاحبه قتل وهو نجا فأنسته الفرحة القصة القديمة. {وادكر بعد أمة}، {واذتكر بعد أمة} اذتكر أصلا {ادكر} الذال والتاء {اذتكر} متقاربتان، فالتاء ثقيلة بعد الذال، فقلبت دالاً، فصارت {اذدكر}، ما زالت الذل والدال ثقيلتان متتاليتان فادغمت الذال والدال فصارت دالاً مشددة، التشديد دليل على وجود إدغام، أن هناك حرف دخل في حرف {ادكر}

    فإذاً، أصل الفعل: {إذتكر} على وزن افتعل.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (43 – 49) من سورة يوسف

     وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ   [يوسف: 43 - 49].

    الفائدة التاسعة والثلاثون: أن الرؤيا الصحيحة الحق ممكن يراها الكافر، لكن نادراً، الكافر ممكن يرى رؤيا صحيحة؛ لأن الملك هذا الذي رأى سبع بقرات سمان وسبع سنبلات، هذه رؤيا حق، وتعبيرها فعلاً حصل، ودلت على أن هناك سبع سنوات خصب، ثم سبع سنوات عجاف، ثم سنة، ثم يأتي الفرج.

    فممكن الشخص الكافر يرى رؤيا صحيحة، لكن نادراً، إنما أكثر من يرى الرؤى الحق الصحيحة المؤمنون.

    الفائدة الأربعون: أن الشخص الذي ذهب ليوسف علمه يوسف من غير مقابل، يعني يوسف ما قال: أخرجوني ثم أخبركم تأويل الرؤيا، فما بذل يوسف العلم بمقابل، بذله بلا مقابل، مباشرة هو لما قال: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فتوى  فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ  [يوسف: 46 - 47] مباشرة.

    الفائدة الواحدة والأربعون: أن في هذه الآية من أصول الاقتصاد وحفظ المال ما فيه، لماذا؟

    لأنه قال: فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ [يوسف: 47]، وإذا فرط الحب معرض للتلف أكثر من إذا بقي في السنبل، ولذلك قال:  فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ؛ لأنه أحفظ.

     إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ  [يوسف: 47] إذاً، لا بد من الاحتياط، والأخذ من أيام الرخاء لأيام الشدة.

    فالآن تأكلون قليلاً منه والباقي يخزن.

     ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ  [يوسف: 48] هذه أصول الاقتصاد.

    كيف يتم الاقتصاد؟ تخطيط للمستقبل، كيف النبوة فيها تخطيط للمستقبل، ومواجهات الحالات الطارئة؟ كيف السبع السنوات العجاف تأخذ مثلاً من السبع السنوات التي قبلها؟ كيف قضية التخزين؟ وكيف قضية تقسيط الأشياء على كل نصيب؟ كل سنة لها نصيب، بحيث أن ترحيل الأشياء من سنة إلى سنة لكي تحصل سد الحاجة.

    الثانية والأربعون: كيف عرف يوسف أنه سيأتي عام رقم خمسة عشر رخاء، يعني قال: سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف سبع سنبلات خضر وأخر يابسات.

    فسرها يوسف سبع سنوات رخاء، ثم سبع سنوات شدة، من أين أتى يوسف أنه سيأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون؟

    يعني عام خمسة عشر، رقم خمسة عشر، هذا رخاء، فيه مطر والناس يعصرون الزيتون، ويستخرجون الزيت، والسمسم، وإلى آخره، {يعصرون} يعني من الرخاء، يغاث الناس بالمطر.

    قيل: إن هذا مما فهمه الله ليوسف وعلمه إياه؛ لأنه لو كان عام رقم خمسة عشر عام جدب وقحط كان ما صارت سبع بقرات هزيلة، وسبع سنبلات يابسة، كان صارت ثمان سنبلات يابسة، وثمان بقرات هزيلة، فلما رأى سبعة ثم سبعة، معناها أكيد الذي بعدها ليس جدب، وإلا صارت ثمانية، فهذا من دقائق الفهم على أية حال: ومما علمه الله ليوسف .

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (50 – 54) من سورة يوسف

     وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [يوسف: 50 - 54].

    الفائدة الثالثة والأربعون: أن الداعية إلى الله لا يخرج إلا بعد تبرئة ساحته ليخرج إلى المجتمع نظيفاً، يعني الآن سمعة يوسف بين الناس ملطخة بالشائعات بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ  [يوسف: 35]، وأشاعوا عليه التهم الباطلة، وقالوا: إنه راود امرأة العزيز، وكذبوا عليه، فلا بد أولاً أن تثبت تبرئة يوسف أمام الناس.

    لا بد من تنظيف السجلات الماضية، وإعادة الأمر ناصعاً، وإحقاق الحق.

    ولذلك لما جاء الملك أعجب بالتفسير جداً، -طبعاً- هذه فيها مكانة له، يعني أنه الآن بسبب رؤياه فستكون هناك سياسة لإنقاذ الشعب، فلا شك أنه سر بهذا، فأراد مكافأة يوسف، فلما قال الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ما خرج يوسف مباشرة.

    والنبي ﷺ تواضع جداً لما قال: يرحم الله أخي يوسف لو  يعني لو أني مكانه لأجبت الداعي  أول ما يقول: تعال الملك يريدك، أخرج معهم بسرعة، فالنبي ﷺ تواضعاً منه قال هذا.

    فيوسف عنده نظرة بعيدة، ليس المهم الآن يطلع من السجن فقط، المهم إصلاح الأخطاء الماضية، واحد مفترى عليه لا بد من إعادة الأمور إلى نصابها، ويصحح الخطأ، ويثبت أنه برئ أمام الناس، وأنه مظلوم، كل هذه السنوات وهو في السجن مظلوم.

    فقال:  ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ  [يوسف: 51].

    هذه العلامة المشهورة للقصة: أن نساءً قطعن أيديهن في مجلس، اشتهرت، قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ  [يوسف: 51]، واعترفت امرأة العزيز.

    وبالتالي ثبتت براءة يوسف أمام كل الناس.

    ولذلك لما الملك طلبه مرة ثانية ازداد نفاسة عند الملك، ازداد منزلة، في المرة الأولى:  ائْتُونِي بِهِ المرة الثانية قال الملك: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي  تأمل في الفائدة، لو خرج أول مرة، خذ لك مائة ألف ومع السلامة، أنت فسرت الرؤيا خذ، الآن المسألة ما هو فقط مكافأة ومع السلامة، الآن أستخلصه لنفسي، الآن سيكون مقرباً عنده، محظياً، طلباته ملبية، من المقربين: فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ  [يوسف: 54].

    ro16.gif

     

    الفوائد المستفادة من الآية (55 – 57) من سورة يوسف

     قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يوسف: 55 - 57].

    الفائدة الرابعة والأربعون: جواز طلب المنصب إذا كان الشخص أحسن واحد فيه، وأقدر شخص على القيام به، دون أن يضر بنفسه: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ، وبين قدراته للملك: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، فجواز أن يذكر الإنسان قدراته ويطلب المنصب لمصلحة المجتمع وليس لمصلحته الشخصية.

    هو يوسف الآن طلب المنصب لمصلحته الشخصية؟

    لا.

    لأجل أن ينفع البلد كلها، ثم ما هو فقط ينفع البلد، يستثمر المنصب في الدعوة إلى الله.

    إذاً، ليس طلب المنصب لشيء شخصي، وإنما لمنفعة دينية، ولمنفعة عامة وليست خاصة بصاحب المنصب، وإنما لينفع الناس.

    كذلك لا يوجد واحد أقدر من يوسف على مسك المنصب هذا، فيجوز للأقدر أن يتقدم إذا كانت نيته نفع المسلمين.

    الفائدة الخامسة والأربعون: أن الله يمكن للصالحين في الأرض إذا حسنت نياتهم، قال الله -تعالى-: وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ  [يوسف: 56 - 57].

    إذاً، لما سئل الشافعي: أيهما أفضل، تأمل كلمة الشافعي، كلمة فيها فقه عميق جداً.

    قيل للشافعي: أيهما أفضل أن يبتلى أم يمكن؟ أيهما أفضل للشخص أن يبتلى أو يمكن؟

    السؤال: ما الأفضل للمسلم أنه يبتلى ويصبر على الابتلاء وعلى الأذى وعلى الاضطهاد وكذا، ويؤجر عليه، أو الأفضل أن يمكن حتى يستفيد من التمكين في نشر الدين ونشر الدعوة؟

    قال هذه العبارة العظيمة: لا يمكن حتى يبتلى.

    الشافعي قال: لا يمكن حتى يبتلى.

    ما في تمكين كذا يأتي من الهواء.

    والنبي ﷺ ما مكن في المدينة حتى ابتلي في مكة.

    وكذلك الصحابة.

    ويوسف مثال، متى مكن؟

    بعدما ابتلي بالجب وبالسجن وبالذل والعبودية.

    أولاً: ألقي في الجب وصبر على كيد إخوته.

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

     ظلمه أقرب الناس إليه إخوته ألقوه في الجب وكاد يموت ويهلك.

    ثم سرق وبيع عبداً، وعانى ذل العبودية، واشتغل خادماً، ودخل السجن، ثم لما صبر على كل هذه جاء التمكين، فما جاء التمكين ليوسف مباشرة.

    قال الشافعي: "لا يمكن حتى يبتلى".

    فهذه الفائدة السادسة والأربعون: أنه لا تمكين دون ابتلاء، أول شيء يحدث الابتلاء ثم يحدث التمكين، ترتيب، هذه سنة الله يعني في الدعوات أنها لا بد أول تدخل في مرحلة الابتداء ثم تصل إلى التمكين.

    وهكذا حصل لأولياء الله وللأنبياء.

    الأنبياء كافحوا، موسى تغلب على فرعون بعد ابتلاءات كثيرة:  قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ  [الأعراف: 129]، وهذا ما حصل بعد ذلك:  وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا  [الأعراف: 137] لكن بعد الابتلاء.

    والنبي ﷺ كم أوذي، وحصار، وجوع، واضطهاد، وتعذيب، وقتل أصحابه، وكان الصحابي يضرب حتى لا يستطيع أن يستوي قاعداً من الضرب، ويقال له: "هذا الجعل إلهك؟ فيقول: نعم" من التعذيب، وهكذا حتى أن الله مكنهم.

    الفائدة السابعة والأربعون: أن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.

    وهذا الصبر درجات.

    فالصبر على طاعة الله وعن معصية الله أعلى درجة من الصبر على أقدار الله المؤلمة، لماذا؟

    لأن الصبر على أقدار الله المؤلمة ما لك فيه حيلة إلا الصبر، ماذا تفعل غير الصبر، لا يمكن، شيء مقدور وقع وانتهى، ما لك الآن فيه إلا الصبر.

    أما الواجب والمحرم فأنت عندك خيار في فعل الواجب أو عدم فعل الواجب، في ارتكاب المحرم وعدم ارتكاب المحرم،  فتكون مراغمة النفس فيه أقوى، مجاهدة النفس فيه أقوى.

    أما المقدور ما لك فيه إلا حبس النفس عن التشكي  والسخط والنياحة، ونحو ذلك.

    لكن فعل الواجب، وترك المحرم، الصبر على فعل الواجب، الصبر على صلاة الفجر، هذا مثلاً واجب، الصبر عليه كما أن الصبر عن المحرم كالزنا والامتناع عن الزنا أكمل أجراً وأكمل منزلة من الصبر على أقدار الله المؤلمة.

    ولو سألنا سؤالاً: أيهما أكمل صبر يوسف على السجن وإلقاء إخوته له في الجب أو صبره عن الزنا بامرأة العزيز ؟

    بناءً على ما تقدم يكون الصبر عن الزنا أكمل وأكثر أجراً وفضلاً من الصبر على الوقوع في الجب، والصبر على السجن، فاجتمع ليوسف ثلاثة أنواع الصبر كلها، فإنه صبر على طاعة الله، ولا يزال على صلته بربه، وحتى لما تسلم المنصب صبر على طاعة الله ولم يطغه منصبه، فهو يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، تولى فعدل، وحكم فكان من المقسطين.

    ما هو الفرق بين القاسط والمقسط؟

    القاسط هو الظالم، قال الله -تعالى-: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا  [الجن: 15].

    لكن  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ  [الممتحنة: 8].

     إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن  من هم؟ قال  الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا ، فإذا تولوا ولاية عدلوا فيها، الذين يعدلون في أهليهم وبين أولادهم وبين زوجاتهم يعدلون، وإذا تولوا ولاية عدلوا، فيها فيوسف تولى الولاية وصبر، وأمره الله بما أمر به فصبر، وحصلت له فرصة للوقوع في المحرمات فصبر ولم يقع فيها، وتعرض للإيذاء والاضطهاد والأشياء المؤلمة فصبر، فكان يوسف -عليه السلام- قد اكتمل له الصبر من جميع الجهات.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (58 – 62) من سورة يوسف

     وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  [يوسف: 58 - 62].

    الفائدة الثامنة والأربعون: في قول الله : وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ لو قال قائل: كيف عرفهم ولم يعرفوه؟

    فالجواب: أنه فارقهم وهو صغير وهم كبار، فالصغير يتغير عليك إذا رأيته بعد عشر سنين، لكن أنت لا تتغير عليه كثيراً إذا كنت كبيراً، فلو مثلاً واحد عمره ثلاثون رأيته وعمره أربعون لا يتغير عليك كثيراً، لكن إذا رأيته وعمره عشرة وبعد ذلك رأيته وعمره عشرون تغيير عليك كثيراً، مع أن العشر سنوات هي هي.

    فإذاً، من أسباب أنه عرفه ولم يعرفوه: أنه فارقهم وهو صغير وهم كبار، فلما رآهم بعد هذه المدة؛ عد الآن، كم جلس في قصر العزيز؟ وكم جلس في السجن؟ وكم جلس وزيراً حتى جاؤوا إليه بعد سبع سنوات سمان لما بدأت العجاف جاؤوا يطلبون المدد؟

    إذاً، أقل شيء إحدى وعشرون سنة تقريباً، لبث في السجن بضع سنين، وهذه عندك سبع سنوات سمان انقضت، حتى يأتوا ويطلبوا المدد بعدما صاروا في السنوات العجاف، غير المدة التي قضاها بعد الجب وشروه بثمن بخس، وفي قصر العزيز مدة، فهي قرابة إحدى وعشرين سنة، تغير يوسف عليهم كثيراً.

    ثم هم عددهم معروف، وإذا كان بعضهم تغير فبعضهم لم يتغير كثيراً، فلما رأى العدد وهم لم يتغيروا كثيرا عليه، ولا شك أنه صاحب فراسة أكثر منهم.

    وهو يتوقع أن يأتوا، لكن هم لا يتوقعون إطلاقاً أن الذي رموه في الجب هو الآن وزيراً، ما توقعوا إطلاقاً أن هذا الذي رموه في الجب هو الآن وزيرا أمامهم.

    هذه العوامل مجتمعة من أسباب أنه عرفهم وهم له منكرون.

    الفائدة التاسعة والأربعون: ذكاء يوسف عندما:  قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ  لما جهزهم بجهازهم وأعطاهم ما طلبوا من الميرة، وما يحتاجه المسافر:  قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ .

    وقيل: إن هذا حصل بأنه استدرجهم ليقصوا عليه قصتهم، يعني قال: من أين أنتم؟ وما أنتم؟ ومن أهلكم؟ ومن أبوكم؟ كم عدد الأولاد؟ كم عدد أفراد الأسرة؟

    هذا الشيء وارد جداً أن يسأل وزير التموين أو الشخص المكلف بتوزيع الحصص أو الميرة في السنوات العجاف أن يسأل عن عدد أفراد الأسرة، لكي يعطيهم على حسب العدد، فكونه يسألهم لا يشكون فيه، فلما قالوا: باقي واحد في البيت، قالوا: نحن عددنا كذا، وفيه واحد مفقود، وواحد في البيت.

    فقال: حتى أصدقكم هاتوا هذا الذي تقولون أنه باق في المرة القادمة؟ هاتوه حتى تكونوا صادقين في الادعاء، وإلا لا أعطيكم شيئا أبداً.

    فأوجد عندهم الحافز أن يأتوا بأخيهم؛ لأنه اشتاق إليه ويريد أن يراه.

    وعلى أية حال: يوسف مؤيد بالوحي، فما يفعله من الأمور في عدد منها يحتمل أنه وحي من عند الله أوحى به إليه.

    الفائدة الخمسون : إكرام الضيف، وتزويد المسافر بما يحتاج: أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ، وأنه ينبغي على المسلم أن تكون هذه عادته المستمرة، يعني أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ  لكم ولغيركم،  وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ  لكم ولغيركم، فهذا ينبغي أن يكون من عادات المسلم.

    الفائدة الحادية والخمسون : جواز اتخاذ الحيلة المباحة للتوصل إلى المقصود المباح، فإنه قال لفتيانه:  اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ  يعني الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، والبضاعة التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام اجعلوها في رحالهم، وأعيدوا فيها حتى إذا انقلبوا إلى أهلهم وفكوا المتاع عرفوا ذلك، وأنهم أخذوا منا الطعام بلا ثمن، فيحملهم ذلك زيادة على العودة.

    الآن يوسف كان الذي عنده ما يقايض به، يأخذ ويعطي، فجاؤوا معهم أشياء ويريدون طعاماً، لما أخذ الأشياء قال لفتيانه: أرجعوها مرة أخرى، واجعلوا البضاعة التي جاؤوا بها للمقايضة بالقمح، اجعلوها في رحالهم، فهم الآن إذا اكتشفوا هذا سيقولون إذا رجعوا الآن هم فتيان يوسف سيشدون الأحزمة عليها، وهؤلاء لا يشعرون، إذا رجعوا إلى بلادهم ونزلوا المتاع، وفتحوا ما عندهم سيقولون: نسوا أن يأخذوا منا الثمن، الآن لا بد نرجع ونعيد الثمن لهم.

    فهذا سبب إضافي للرجوع، يوسف يريدهم أن يرجعوا بأخيهم، فقال:  فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي .

    وجعل هذه البضاعة مرة أخرى:  فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .

    فتوصل بالحيلة المباحة إلى المقصود المباح؛ لأن بعض الناس قد يكون عنده قصد مباح لكن يتخذ إليه وسيلة محرمة، مثلاً قد يقول: أنا أريد أن آتي بزوجتي.

    يقول: لكن لا بد لي من شهادة زور مثلاً، فهو عنده قصد مباح أنه يريد أن يأتي بزوجته، فيكذب أو يزور لأجل هذا وهذا لا يجوز، لا بد أن يكون القصد مباحاً، والوسيلة مباحة.

    وأخبث الناس الذي يكون قصده حرام والوسيلة محرمة؛ كمن يتوصل مثلاً إلى الزنا بالتعارف المشبوه، أو الكلام مع النساء الأجنبيات، ونحو ذلك، فالوسيلة حرام، والقصد حرام.

    وبعض الناس قد يقول: أنا أريد أن أتحدث مع النساء لأتوصل إلى زوجة، فهذا قد يكون قصده الزواج لكن الوسيلة حرام، وإبليس يغويه، وفي النهاية يجعل قصده حراماً، والوسيلة حرام.

    فلا بد إذاً، أن يكون المقصود حلالاً، والسبيل إليه حلالاً.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (63 – 64) من سورة يوسف

     فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  [يوسف: 63 - 64].

    الفائدة الثانية والخمسون : أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فإنهم لما رجعوا إلى أبيهم وقالوا: أَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ ، فالمؤمن كيس فطن، ولذلك يعتبر بما أصابه في الماضي، ويمتنع عليه أن يحصل له مثلما حصل له بفطنته وذكائه، وليس أن يكون مغفلاً.

    الفائدة الثالثة والخمسون: أن التوكل على الله هو السبب في دفع المكروهات، فإن يعقوب لم يقل: لن أرسله معكم فقط، لا، قال: أنا أصلاً معتمد على الله: فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، فتوكل يعقوب على الله .

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (65 – 66) من سورة يوسف

     وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [يوسف: 65 - 66].

    الفائدة الرابعة والخمسون: أن الإكرام إكرام الناس وسيلة إلى جذبهم.

    قال الشاعر :

    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإنسان إحساناً

     لكن هذا البيت ألفاظه فيها أمور خطيرة؛ لأنه قال: تستعبد قلوبهم، ونحن المفترض أن تكون العبودية لله، فالإنسان يستميل القلب بالمعروف، نعم، لكن لا يستعبد لأن العبودية هذه لله، فلا يجوز للإنسان أن يستعبد غيره لا بالإحسان ولا بغيره.

    إذاً، الإحسان يستميل قلوب الناس.

    ولذلك  قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا  يعني ما نريد هذا رجل أكرمنا جداً، أكرمنا لما قدمنا عليه، وهذه البضاعة ردت إلينا، فأرسل معنا أخانا.

    الفائدة الخامسة والخمسون: أن الإنسان إذا رأى أنه محتاج لفعل أمر لكن فيه نسبة مخاطرة مع شخص آخر فهو يرى أنه محتاج أن يفعل شيئاً مع شخص آخر، لكن في جزء من عدم الثقة، فإن أخذ الموثق من الله، وأنه يقول له: عاهدني بالله العظيم أن تفعل كذا، أو لا تفعل كذا، أن ذلك مما يقلل نسبة المخاطرة، ولذلك يعقوب قال: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ الموثق الميثاق مثل أن يعاهدوه بالله، يحلفوا له بالله العظيم أنكم تردون أخاكم وترجعونه: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ .

    الفائدة السادسة والخمسون: أن الإنسان إذا غلب على أمره فهو معذور، إذا غلب على أمره وما عاد له حيلة فهو معذور، وهذا من فقه يعقوب لما قال: إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ  يعني هو صح يطلب منهم أن يردوا أخاهم، لكن فيما يقدرون عليه، أما إذا غلبوا ولا يستطيعون أبداً فهم معذورون: إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ ،  لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  [البقرة: 286].

    الفائدة السابعة والخمسون: إعلان التوكل على الله بعد إبرام العقود مما يزيدها بركة وخيراً، وتذكيراً للطرفين بما تعاقدا عليه، فماذا قال يعقوب؟

     فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ، توكلنا على الله.

    وماذا قال موسى للرجل الصالح لما قال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ  [القصص: 27 - 28].

    فأبرم العقد، وقال: الله على ما نقول وكيل.

    وهنا آتوه موثقهم قال: الله على ما نقول وكيل.

    وهذه كلمتان من نبيين في العقود.

    إذاً، الإنسان إذا أراد أن يبرم عقداً، أمر فيه حيوية وخطورة فإنه يبين التوكل على الله ليكون هذا واضحاً بين الطرفين، هذه عبارة أنبياء في الحقيقة، عبارة أنبياء ينبغي أن يقتدى بهم فيها، إذا أبرمت شيئاً مع واحد قل في نهاية إبرام العقد والاتفاق: الله على ما نقول وكيل، فكأنك تشهد الله على ذلك، وأنت يا أيها الطرف الآخر ترى الله ما نقول وكيل، انتبه، فكل منهم يعظ نفسه بالله، وأن الله رقيب مطلع، يشهد على هذا العقد وعلى هذا الاتفاق، وعلى هذا الموثق، والميثاق الغليظ.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (67 – 68) من سورة يوسف

     وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ  [يوسف: 67 - 68].

    الفائدة الثامنة والخمسون: أن أخذ الأسباب للوقاية من العين أمر مشروع، بدون وسوسة فإن يعقوب قال لأولاده: لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ، فأولاد يعقوب كان فيهم جمال، وهم عدد، وذكور.

    وإذا صار الواحد عنده ذكور وعدد وفيهم جمال؛ هذه مجلبة للعين، ولذلك يكون عدم ظهورهم كلهم معاً في مكان واحد أحسن.

    الفائدة التاسعة والخمسون: أن الإنسان المسلم عليه أن يدفع الريبة عن نفسه، يعني إذا كان تصرف معين يمكن أن يجعل الناس يرتابون فيك فلا تفعله، تلافى هذا، فالبلاد من زمان كان لها سور، البلد لها سور، والسور له باب، يدخل البلد ناس يخرجون ناس، والأبواب تغلق، فيها وقت معين تغلق الأبواب، يعني لو جاءت قافلة تنام عند الباب إلى اليوم الثاني الصبح، ما كانت مثل الآن البلاد شوارع وطرق مفتحة يأتونها بالجو وبالأرض، لا، لها سور ولها باب، وأيضاً السور هذا يفيد في صد الاعتداءات وفي الحروب، ولذلك كانوا يحتاجون إلى نقب الأسوار عند الإغارة على المدن والبلاد.

    الآن دخول هذا العدد، أحد عشر شخصاً، من باب واحد، مرة واحدة، دفعة واحدة، ممكن يثير الريبة: أن هؤلاء يريدون شراً، يريدون أمراً، عصابة، ولذلك قال: لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ، فليس فقط لأجل قضية العين هذه، وإنما لأجل ألا يثيروا الريبة فيهم، ألا يظن بهم ظن سوء، أنهم لصوص، أن عندهم اتفاق معين، لأمر معين خطير.

    ولذلك ينبغي على المسلم إذا كان بإمكانه أن يدفع الريبة عن نفسه أن يفعل ذلك، ولا يتصرف تصرفاً يثير الشبهة فيه.

    الفائدة الستون: أن اتخاذ الأسباب لا يمنع من وقوع قدر الله، فإن قدر الله إن كان سيقع سيقع، لكن العقل والشرع يقتضيان الأخذ بالأسباب.

    لكن لا بد يعرف الذي يتخذ السبب: أن السبب لن يحول بينه وبين وقوع القدر إذا كان الله قد قضى من قبل أن القدر سيقع، ولذلك قال يعقوب من فقهه:  وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ،  وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ هو ما هي المسألة أن هذا الكلام الذي قاله لهم سيمنع وقوع المكروه بهم، ممكن يقع بهم المكروه، ما هي النسبة الأكثر أن يقع بك المكروه إذا اتخذت الأسباب لمنعه، أو إذا ما اتخذت الأسباب لمنعه؟ أي النسبتين أكثر؟

    إذا ما اتخذت الأسباب أن المكروه سيقع بك بنسبة أكبر.

    ولذلك فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، لكن السبب لا يمنع بالضرورة قدر الله إذا كان الله قد قضاه، قيل لابن عباس لما تكلم مرة في القضاء والقدر قيل له: هذا الهدهد يرى الماء في باطن الأرض، يعني الله جعل في الهدهد خاصية قدرة غريبة أنه يمكن أن يرى الماء في باطن الأرض؟ فقيل: إن سليمان كان يستعين به في الأسفار ليعرف له مكان المياه لنزول جيشه، ونحو ذلك.

    فالهدهد يرى الماء في باطن الأرض، فيقول واحد لابن عباس: هذا الهدهد يرى الماء في باطن الأرض، فما بال الطفل يصيده؟ فكيف عنده قدرة غريبة ثم يقع في شرك ولد صغير؟

    قال: "لا يغني حذر من قدر".

    إذاً، اتخاذ الأسباب الشرعية مطلوب، لكن لازم تعتقد أن السبب لا يمنع القضاء إذا أراد الله أن ينزله.

    ro16.gif

    الفوائد المستفادة من الآية (69 – 75) من سورة يوسف

     وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ  [يوسف: 69 - 75].

    الفائدة الحادية والستون: إكرام الأخ أخاه، فإن يوسف -عليه السلام- آوى إليه أخاه، قيل: نزل كل اثنين في  غرفة، وبما أن عددهم فردي باقي واحد وهو أخوه الصغير فأواه إليه، وقال: إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  تأكيد، فعرفه بنفسه، وأكيد أن هذا الصغير يعرف أن له أخ اسمه يوسف، ربما كان أيضاً يعرف القصة: قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .

    ولعله طلب منه أن يخفي أمره.

    الشاهد: أنه آواه إليه وأكرمه، وكيف لا يكون الإكرام وقد فرقت السنون بينهما في هذه المدة الطويلة؟

    الفائدة الثانية والستون: أن يوسف أراد أن يأخذ أخاه بالحيلة الشرعية، ولا يريد أن يأخذ أخاه على حسب دين الملك الجاهلي، وإنما يريد أن يأخذ أخاه على حسب شريعة يعقوب.

    في شريعة يعقوب كان السارق يؤخذ عبداً عند المسروق منه، لو واحد سرق شيئاً من واحد، هذا السارق يكون عبداً عند المسروق منه، أراد يوسف بحيلة أن يتوصل لأخذ أخيه، فماذا فعل؟

     

    موقع الشيخ محمد صالح المنجد

     

    يتبع


  2.     {31} {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} .
    يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي: استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها.ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا الأمر بستر العورة في الصلاة، وباستعمال التجميل فيها ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس.
    ثم قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} أي: مما رزقكم الله من الطيبات {وَلا تُسْرِفُوا} في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.
    image.png    
        
        {32، 33} {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} .
    يقول تعالى منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} من أنواع اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع أنواعه، أي: مَن هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله بها على العباد، ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسَّعه الله؟ ".وهذا التوسيع من الله لعباده بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده المؤمنين، ولهذا قال: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: لا تبعة عليهم فيها.ومفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة.{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ} أي: نوضحها ونبينها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} لأنهم الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، فيعقلونها ويفهمونها.
    ثم ذكر المحرمات التي حرمها الله في كل شريعة من الشرائع فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} أي: الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ونحوهما.وقوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي: الفواحش التي تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء والنفاق، ونحو ذلك، {وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق الله، والبغي على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوبُ المتعلقةُ بحق الله، والمتعلقةُ بحق العباد.{وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا} أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على التوحيد. والشركُ هو أن يشرك مع الله في عبادته أحد من الخلق، وربما دخل في هذا الشرك الأصغر كالرياء والحلف بغير الله، ونحو ذلك.{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجري على الله، والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه.
                      
    image.png        
      
      {34} {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}
    .أي: وقد أخرج الله بني آدم إلى الأرض، وأسكنهم فيها، وجعل لهم أجلا مسمى لا تتقدم أمة من الأمم على وقتها المسمى، ولا تتأخر، لا الأمم المجتمعة ولا أفرادها
           
    image.png
       {35، 36} {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
    لما أخرج الله بني آدم من الجنة، ابتلاهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم يقصون عليهم آيات الله ويبينون لهم -[288]- أحكامه، ثم ذكر فضل من استجاب لهم، وخسار من لم يستجب لهم فقال: {فَمَنِ اتَّقَى} ما حرم الله، من الشرك والكبائر والصغائر، {وَأَصْلَحَ} أعماله الظاهرة والباطنة {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من الشر الذي قد يخافه غيرهم {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما مضى، وإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة، والفلاح الأبدي.{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} أي: لا آمنت بها قلوبهم، ولا انقادت لها جوارحهم، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} كما استهانوا بآياته، ولازموا التكذيب بها، أهينوا بالعذاب الدائم الملازم.
    image.png         
        {37} {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} .
    أي: لا أحد أظلم {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بنسبة الشريك له، أو النقص له، أو التقول عليه ما لم يقل، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} الواضحة المبينة للحق المبين، الهادية إلى الصراط المستقيم، فهؤلاء وإن تمتعوا بالدنيا، ونالهم نصيبهم مما كان مكتوبا لهم في اللوح المحفوظ، فليس ذلك بمغن عنهم شيئا، يتمتعون قليلا ثم يعذبون طويلا {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} أي: الملائكة الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء آجالهم.{قَالُوا} لهم في تلك الحالة توبيخا وعتابا {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأصنام والأوثان، فقد جاء وقت الحاجة إن كان فيها منفعة لكم أو دفع مضرة. {قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا} أي: اضمحلوا وبطلوا، وليسوا مغنين عنا من عذاب الله من شيء.{وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} مستحقين للعذاب المهين الدائم
    image.png    
       (38)قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ)    
    فقالت لهم الملائكة { ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ ْ} أي: في جملة أمم { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ْ} أي: مضوا على ما مضيتم عليه من الكفر والاستكبار، فاستحق الجميع الخزي والبوار، كلما دخلت أمة من الأمم العاتية النار { لَعَنَتْ أُخْتَهَا ْ} كما قال تعالى: { ويَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ْ} { حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا ْ} أي: اجتمع في النار جميع أهلها، من الأولين والآخرين، والقادة والرؤساء والمقلدين الأتباع. { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ ْ} أي: متأخروهم، المتبعون للرؤساء { لِأُولَاهُمْ ْ} أي: لرؤسائهم، شاكين إلى اللّه إضلالهم إياهم: { رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ْ} أي: عذبهم عذابا مضاعفا لأنهم أضلونا، وزينوا لنا الأعمال الخبيثة. { قَالَ ْ} اللّه { لِكُلٍّ ْ} منكم { ضِعْفٌ ْ} ونصيب من العذاب.             
    image.png       
      {39} {وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ} .أي: الرؤساء، قالوا لأتباعهم: {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ} أي: قد اشتركنا جميعا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي: فضل لكم علينا؟ {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} ولكنه من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات الله، مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة         
     image.png                           
      {40، 41} {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} .يخبر تعالى عن عقاب من كذب بآياته فلم يؤمن بها، مع أنها آيات بينات، واستكبر عنها فلم يَنْقَد لأحكامها، بل كذب وتولى، أنهم آيسون من كل خير، فلا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا وصعدت تريد العروج إلى الله، فتستأذن فلا يؤذن لها، كما لم تصعد في الدنيا إلى الإيمان بالله ومعرفته ومحبته كذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل.ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر الله المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الله، وتصل إلى حيث أراد الله من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه.وقوله عن أهل النار {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ} وهو البعير المعروف {فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} أي: حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات جسما، في خرق الإبرة، الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من باب تعليق الشيء بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل في سم الخياط، فكذلك المكذبون بآيات الله محال دخولهم الجنة، قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} -- وقال هنا {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} أي: الذين كثر إجرامهم واشتد طغيانهم.{لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ} أي: فراش من تحتهم {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} أي: ظلل من العذاب، تغشاهم.{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} لأنفسهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد.                                           
    image.png
       {42، 43} {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .
    لما ذكر الله تعالى عقاب العاصين الظالمين، ذكر ثواب المطيعين فقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بقلوبهم {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحهم، فجمعوا بين الإيمان والعمل، بين الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، بين فعل الواجبات وترك المحرمات، ولما كان قوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لفظا عاما يشمل جميع الصالحات الواجبة والمستحبة، وقد يكون بعضها غير مقدور للعبد، قال تعالى: {لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} أي: بمقدار ما تسعه طاقتها، ولا يعسر على قدرتها، فعليها في هذه الحال أن تتقي الله بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها غيرها سقطت عنها كما قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة.{أُولَئِكَ} أي: المتصفون بالإيمان والعمل الصالح {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي: لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلا لأنهم يرون فيها من أنواع اللذات وأصناف المشتهيات ما تقف عنده الغايات، ولا يطلب أعلى منه.{وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} وهذا من كرمه وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم، والتنافس الذي بينهم، أن الله يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين، وأخلاء متصافين.قال تعالى: {وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} ويخلق الله لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم. فبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض، لأنه قد فقدت أسبابه.وقوله: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ} أي: يفجرونها تفجيرا، حيث شاءوا، وأين أرادوا، إن شاءوا في خلال القصور، أو في تلك الغرف العاليات، أو في رياض الجنات، من تحت تلك الحدائق الزاهرات.أنهار تجري في غير أخدود، وخيرات ليس لها حد محدود {وَ} لهذا لما رأوا ما أنعم الله عليهم وأكرمهم به {قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} بأن من علينا وأوحى إلى قلوبنا، فآمنت به، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار، وحفظ الله علينا إيماننا وأعمالنا، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار، فنعم الرب الكريم، الذي ابتدأنا بالنعم، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} أي: ليس في نفوسنا قابلية للهدى، لولا أنه تعالى منَّ بهدايته واتباع رسله.{لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} أي: حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل، وصار حق يقين لهم بعد أن كان علم يقين [لهم] ، قالوا لقد تحققنا، ورأينا ما وعدتنا به الرسل، وأن جميع ما جاءوا به حق اليقين، لا مرية فيه ولا إشكال، {وَنُودُوا} تهنئة لهم، وإكراما، وتحية واحتراما، {أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا} أي: كنتم الوارثين لها، وصارت إقطاعا لكم، إذ كان إقطاع الكفار النار، أورثتموها {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .قال بعض السلف: أهل الجنة نجوا من النار بعفو الله، وأدخلوا الجنة برحمة الله، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته، بل من أعلى أنواع رحمته
            
         image.png                        
    {44، 45} {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} .
    يقول تعالى لما ذكر استقرار كل من الفريقين في الدارين، ووجدوا ما أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب من الثواب والعقاب: أن أهل الجنة نادوا أصحاب النار بأن قالوا: {أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا} حين وعدنا على الإيمان والعمل الصالح الجنة فأدخلناها وأرانا ما وصفه لنا {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ} على الكفر والمعاصي {حَقًّا قالوا نعم} قد وجدناه حقا، فبين للخلق كلهم، بيانا لا شك فيه، صدق وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا وذهبت عنهم الشكوك والشبه، وصار الأمر حق اليقين، وفرح المؤمنون بوعد الله واغتبطوا، وأيس الكفار من الخير، وأقروا على -[290]- أنفسهم بأنهم مستحقون للعذاب.{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي: بين أهل النار وأهل الجنة، بأن قال: {أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ} أي: بُعْدُه وإقصاؤه عن كل خير {عَلَى الظَّالِمِينَ} إذ فتح الله لهم أبواب رحمته، فصدفوا أنفسهم عنها ظلما، وصدوا عن سبيل الله بأنفسهم، وصدوا غيرهم، فضلوا وأضلوا.والله تعالى يريد أن تكون مستقيمة، ويعتدل سير السالكين إليه، {و} هؤلاء يريدونها {عِوَجًا} منحرفة صادة عن سواء السبيل، {وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط، والإقبال على شهوات النفوس المحرمة، عدم إيمانهم بالبعث، وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم للثواب، ومفهوم هذا النداء أن رحمة الله على المؤمنين، وبرَّه شامل لهم، وإحسانَه متواتر عليهم.
            
      image.png                           
     {46 - 49} {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} .
    أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب يقال له: {الأعْرَاف} لا من الجنة ولا من النار، يشرف على الدارين، وينظر مِنْ عليه حالُ الفريقين، وعلى هذا الحجاب رجال يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بسيماهم، أي: علاماتهم، التي بها يعرفون ويميزون، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نَادَوْهم {أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} أي: يحيونهم ويسلمون عليهم، وهم - إلى الآن - لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، ولم يجعل الله الطمع في قلوبهم إلا لما يريد بهم من كرامته.{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ} ورأوا منظرا شنيعا، وهَوْلا فظيعا {قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فأهل الجنة [إذا رآهم أهل الأعراف] (1) يطمعون أن يكونوا معهم في الجنة، ويحيونهم ويسلمون عليهم، وعند انصراف أبصارهم بغير اختيارهم لأهل النار، يستجيرون بالله من حالهم هذا على وجه العموم.
    ثم ذكر الخصوص بعد العموم فقال: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} وهم من أهل النار، وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشرف، وأموال وأولاد، فقال لهم أصحاب الأعراف، حين رأوهم منفردين في العذاب، بلا ناصر ولا مغيث: {مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ} في الدنيا، الذي تستدفعون به المكاره، وتتوسلون به إلى مطالبكم في الدنيا، فاليوم اضمحل، ولا أغني عنكم شيئا، وكذلك، أي شيء نفعكم استكباركم على الحق وعلى من جاء به وعلى من اتبعه.ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: {أَهَؤُلاءِ} الذين أدخلهم الله الجنة {الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} احتقارا لهم وازدراء وإعجابا بأنفسكم، قد حنثتم في أيمانكم، وبدا لكم من الله ما لم يكن لكم في حساب، {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} بما كنتم تعملون، أي: قيل لهؤلاء الضعفاء إكراما واحتراما: ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة {لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ} فيما يستقبل من المكاره {وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} على ما مضى، بل آمنون مطمئنون فرحون بكل خير.
    وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} إلى أن قال {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ} واختلف أهل العلم والمفسرون من هم أصحاب الأعراف وما أعمالهم؟والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلا رجحت سيئاتهم فدخلوا النار ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة فصاروا في الأعراف ما شاء الله ثم إن الله تعالى يدخلهم برحمته الجنة فإن رحمته تسبق وتغلب غضبه ورحمته وسعت كل شيء
            
    image.png                             
    {50 - 51} {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} .
    أي: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يبلغ منهم العذاب كل مبلغ، وحين يمسهم الجوع المفرط والظمأ الموجع، يستغيثون بهم، فيقولون: {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} من الطعام، فأجابهم أهل الجنة بقولهم: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا} أي: ماء الجنة وطعامها {عَلَى الْكَافِرِينَ} وذلك جزاء لهم على كفرهم بآيات الله، واتخاذهم دينهم الذي أمروا أن يستقيموا عليه، ووعدوا بالجزاء الجزيل عليه.{لَهْوًا وَلَعِبًا} أي: لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ولعبوا واتخذوه سخريا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، واستعاضوا بذلك عن -[291]- الدين القيم.{وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} بزينتها وزخرفها وكثرة دعاتها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن الآخرة ونسوها.{فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} أي: نتركهم في العذاب {كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} فكأنهم لم يخلقوا إلا للدنيا، وليس أمامهم عرض ولا جزاء.{وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} والحال أن جحودهم هذا، لا عن قصور في آيات الله وبيناته
            
    image.png                             
      53-52{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} .
    بل قد {جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ} أي: بينا فيه جميع المطالب التي يحتاج إليها الخلق {عَلَى عِلْمٍ} من الله بأحوال العباد في كل زمان ومكان، وما يصلح لهم وما لا يصلح، ليس تفصيله تفصيل غير عالم بالأمور، فتجهله بعض الأحوال، فيحكم حكما غير مناسب، بل تفصيل من أحاط علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء.{هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي: تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلال، وبيان الحق والباطل، والغيّ والرشد، ويحصل أيضا لهم به الرحمة، وهي: الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، فينتفى عنهم بذلك الضلال والشقاء.وهؤلاء الذين حق عليهم العذاب، لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، ولا انقادوا لأوامره ونواهيه، فلم يبق فيهم حيلة إلا استحقاقهم أن يحل بهم ما أخبر به القرآن.ولهذا قال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ} أي: وقوع ما أخبر به كما قال يوسف عليه السلام حين وقعت رؤياه: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} .{يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} متندمين متأسفين على ما مضى منهم، متشفعين في مغفرة ذنوبهم. مقرين بما أخبرت به الرسل: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} وقد فات الوقت عن الرجوع إلى الدنيا. {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} .وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم كذب منهم، مقصودهم به، دفع ما حل بهم، قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} .{قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} حين فوتوها الأرباح، وسلكوا بها سبيل الهلاك، وليس ذلك كخسران الأموال والأثاث أو الأولاد، إنما هذا خسران لا جبران لمصابه، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} في الدنيا مما تمنيهم أنفسهم به، ويعدهم به الشيطان، قدموا على ما لم يكن لهم في حساب، وتبين لهم باطلهم وضلالهم، وصدق ما جاءتهم به الرسل.
            
    image.png
     
       {54} {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .
    يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ} وما فيهما على عظمهما وسعتهما، وإحكامهما، وإتقانهما، وبديع خلقهما.{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع {اسْتَوَى} تبارك وتعالى {عَلَى الْعَرْشِ} العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية، ولهذا قال: {يُغْشِي اللَّيْلَ} المظلم {النَّهَارَ} المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من التعب، والذهاب والإياب الذي حصل لهم في النهار.{يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي الله هذا العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار.{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ما له من أوصاف الكمال، فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له.{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ} أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، {تَبَارَكَ اللَّهُ} أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: فـ {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك، فقال: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .
            
        image.png
                             
      {55} {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فأمر بدعائه {تَضَرُّعًا} أي: إلحاحا في المسألة، ودُءُوبا في العبادة، {وَخُفْيَةً} أي: لا جهرا وعلانية، يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصا لله تعالى.{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أي: المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل -[292]- لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه.

  3. {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف: ٩٩)
     

    في الآية تخويف بليغ أن العبد لاينبغي أن يكون آمناً على مامعه من الإيمان .

    قال ابن حجر رحمه الله : الأمن من مكر الله يتحقق بالاسترسال في المعاصي مع الاتكال على الرحمة
    لو بلغ العبد مابلغ من الإيمان فلا يغتر وليسأل الله الثبات لأنه من يأمن مكر الله وعذابه فهو هالك .. والخاسر من لايعتبر !!

    أول خطوات الأمن من مكر الله أن يستكثر الإنسان القليل من الطاعات ، وأن يستصغر الكثير من السيئات ، والله تعالى يقول: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} كان الصحابة يجتهدون كثيراً في الطاعات ومع ذلك ترتجف قلوبهم عند ذكر يوم الحساب!! أين نحن منهم ؟!

    image.thumb.png.351aaf323fa41a7525d55865cc77e078.png



  4. {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
    [الأعراف: ٢٣]

    الخسارة كل الخسارة ألّا يغفر الله ذنبك ..
     

    الذنب الذي يلقي بك إلى ساحة الندم والانكسار بين يدي الله فهو من هذه الجهة قدرٌ حسن ، كما قال الأبوان {ربنا ظلمنا أنفسنا ...} مانفع آدم عند معصيته عز (اسجدوا) ولا شرف (وعلّم آدم) ولا خصيصة (لما خلقت بيديّ) ولا فخر ( ونفخت فيه من روحي) وإنما انتفع بذل: (ربنا ظلما أنفسنا ...)

    أهلك إبليس العجب بنفسه حيث قال (أنا خيرٌ منه) وكملت فضائل آدم باعترافه على نفسه (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا...) بقدر تعظيمك لربك ستحقق الأدب معه وستستشعرعظم تقصيرك وظلمك لنفسك ..
    الخسران : حقيقة يجب أن تدركها وتتجنبها حتى لاتجنيها من حيث لاتعلم ، اللهم سلم

    image.thumb.png.db0b71e49c07524fc0346dbb97261e0c.png


  5.  

    قال ابن القيم رحمه الله : " ما أغلق الله على عبد باباً بحكمته ، إلا فتح له بابين برحمته " .

    إذا منع الله عنك شيئا تريده و تحبه ، فتح لك بحكمته و رحمته أبوابًا أخرى هي أنفع لك ! فلا تحزن و لا تيأس و كن موقنا لحكمة الله و عدله و رحمته

    قد يغلق الله عنك أبوابا كثيرة: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل ﴾

    ليفتح لك باباً هو خير لك من كل الأبواب: ﴿ فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾

    فلا تجزع من حرمانك مما تشتهي، قد يكون الخير لك في غيره، أطمئن وريح بالك من القلق.

    قد يضعك الله في ظرف صعب من أجل أن تقبل عليه، قد يغلق لك كل أبواب الأرض ويفتح لك باب السماء فقط من أجل أن تتضرع إليه .. فالجأ إليه 

    "تخيل لو أن كل الأبواب التي أُغلقت في وجهك، كانت تُغلق لتجبرك على بناء بابك الخاص… باب يحمل اسمك، وقصتك، ومفتاحه بيدك فقط.

    " تذكّر : قد يُغلق الله بابًا بحكمته ويفتح لك عشرة أبواب برحمته .. سبحانه عز وجل شأنه..

     

    حال المؤمن مع الابتلاء

     

    هيا بنا نقف هذه الوقفات لنتعرف على أنواعِ الابتلاء، والحكمةِ منه، وأسبابِ رفعه؛ من خلال هذه الوقفات:
    الوقفة الأولى: أنواع الابتلاءات والحكمة منها:
    1- فإن الابتلاء تارة يكون لتكفير الذنوب والسيئات:
    كما في صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))، وَفي رواية: ((فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))، وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما ابتلَى اللهُ عبدًا ببلاءٍ وهوَ على طَريقةٍ يكرَهُهَا؛ إلَّا جعَل اللهُ ذلكَ البلاءَ كفَّارةً وطَهورًا ما لم يُنزِلْ ما أصابَه من البلاءِ بغيرِ اللهِ، أو يدعوَ غيرَ اللهِ في كَشفِه))؛ [رواه ابن أبي الدنيا في باب: المرض والكفَّارات، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب]، وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا يَزَال الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمؤمِنَةِ في نَفْسِهِ وَولَدِهِ ومَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّه تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))؛ [رواه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].


    فالابتلاء يذكِّرك بذنوبك لتتوب منها؛ قال الله تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].

     

    وهو فرصةٌ للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: 21].


    فتأتي مصائب الدنيا بمثابة إشارات وتنبيهات من الله تعالى للعبد إلى أنه غارق في المعصية، ويجب عليه الرجوع قبل فوات الأوان.


    في صحيح مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه، في قوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ [السجدة: 21] قال: ((مصائب الدنيا)).
    2- وتارة يكون الابتلاء لرفع الدرجات، وزيادة الحسنات:
    ففي صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً))، وعن محمد بن خالد، عن أبيه، عن جده رضي الله عنهم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن العبد إذا سبقتْ له من اللهِ منزلةٌ لم يبلغْها بعملهِ ابتلاهُ اللهُ في جسدِهِ أو في مالهِ أو في ولدِهِ ثم صبَّرهُ على ذلكَ حتى يبلغهُ المنزلة التي سبقتْ لهُ من اللهِ تعالى))؛ [رواه أبو داود، وأحمد، والطبراني، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره].
    3- وتارة يكون الابتلاء لتمحيص المؤمنين، وتمييزهم عن المنافقين:
    قال الله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 - 3]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: 31]، فلا يتميز العبد المؤمن إلا بالابتلاء، مثل الذهب لا يخلُص ويصفو إلا بكِيرِ النيران.


    عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلى الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتُليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ))؛ [رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].


    قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم؛ فصار المؤمن إلى إيمانه، وصار المنافق إلى نفاقه".
    4- وتارة يُعَاقب المؤمن بالبلاء على بعض الذنوب:
    قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ [رواه الترمذي، والحاكم، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة].


    وعن ثوبان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل لَيُحْرَمُ الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرُدُّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر))؛ [رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان وصححه].


    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة".


    والسؤال: كيف أعرف إن كان هذا الابتلاء اختبارًا أم عقوبة؟
    قال العلماء: "علامة الابتلاء على وجه العقوبة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق، وعلامة الابتلاء على وجه تكفير الخطايا: وجود الصبر الجميل من غير شكوى ولا جزع، ولا ضجر ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات".
    5- ومن الحِكَمِ أيضًا:
    أن الابتلاء يذكِّرك بنعمة الله تعالى عليك بالصحة والعافية التي تمتعت بهما سنين طويلة؛ فإننا أحيانًا نحتاج لبعض الحرمان كي نشعر بهذه النعمة؛ فنحمَد الله تعالى عليها، ونقنع بما أعطانا.


    والابتلاء يكشف لنا حقيقة الدنيا وزيفها، وأنها متاع الغرور، ويكسِر حدة التعلق بها، وأن الحياة الصحيحة الكاملة وراء هذه الدنيا، في حياة لا مرض فيها ولا تعب.


    حِينمَا يُنَادِي مُنَادٍ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ: ((إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا)).


    الابتلاء يزيد الشوق إلى الجنة؛ فلن يشتاق العبد إلى الجنة إلا إذا ذَاقَ مرارة الدنيا، فكيف تشتاق للجنة وأنت هانئ في الدنيا؟!


    الابتلاء تأديب وتهذيب للنفوس؛ قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: 168].


    الابتلاء يُخرِج العُجب من النفوس، ويجعلها أقرب إلى الله تعالى.


    الابتلاء يزيد الشعور بأهل الابتلاء، وما يعانونه، ومعرفة احتياجاتهم، والمسارعة لتلبيتها، ومعرفة ما يضايقهم والبعد عنه.


    الابتلاء فرصة لإظهار الأصدقاء الحقيقيين، وأصدقاء المصلحة، فهناك ناس لا يُعرَف فضلهم إلا في المحن؛ كما قال الشاعر:

    جزى اللهُ الشدائدَ كل خير space.gif
    وإن كانت تُغصِّصني بريقي space.gif
    وما شكري لها إلا لأني space.gif
    عرفت بها عدوِّي من صديقي space.gif


    نسأل الله العظيم أن يرزقنا الصبر على البلاء، والشكر على النعماء.

     

    الخطبة الثانية

    مع أسباب دفع البلاء ورفعه:
    1- تقوى الله تعالى:
    قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: 2]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "من أراد دوام العافية، فليتَّقِ الله عز وجل".
    2- التوبة والاستغفار:
    قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10- 12]، وقال تعالى: ﴿ وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود: 52].


    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أمانانِ كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رُفع أحدهما وبقي الآخر: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال: 33].


    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ))؛ [رواه أبو داود وابن ماجه، وأحمد].
    3- ومن أعظم أسباب تفريج الكربات، وانشراح الصدور، وذهاب الهموم والغموم والأحزان، ورفع البلاء هو الدعاء والتضرُّع إلى الله تعالى؛ فإن الابتلاءات إذا نزلت فلا يرفعها إلا الذي أنزلها، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، وقال تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: 62]، وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 43]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: 17]، وقال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 55، 56]، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الدُّعاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ ومِمَّا لمْ يَنْزِلْ، فعَلَيكُم عِبادَ اللهِ بالدُّعاءِ))؛ [رواه الترمذي وغيره، وضعَّفه الألباني].


    وقال صلى الله عليه وسلم: ((وإن البلاء لينزل فيتلقَّاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة))؛ [صحيح الجامع].


    ومنه الدعاء في أوقات الرخاء؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)) [رواه الترمذي، والحاكم، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة].


    ومن أعظم أدعية الكرب دعوةُ ذي النُّون يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت.


    عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا بها وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ))؛ [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].


    وهذا الدعاء ورد في قول الله تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 87، 88].


    ومن الأدعية النبوية المهمة أيضًا:
    ما ورد في الصحيحين عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)).


    قال النووي رحمه الله: "وَهُوَ حَدِيث جَلِيل، يَنْبَغِي الِاعْتِنَاء بِهِ، وَالْإِكْثَار مِنْهُ عِنْد الْكُرَب وَالْأُمُور الْعَظِيمَة".


    وعن أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))؛ [رواه أحمد وأبو داود، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود].


    ومن الأدعية النبويَّة المهمة؛ دعاء من أصابه هَمٌّ أو غَمٌّ؛ فإذا تراكمت عليك الهموم والأحزان فعليك برفع يديك إلى السماء، واطلب من ربك وألِحَّ عليه بالدعاء وتوسَّل إليه بأسمائه الحسنى؛ فعَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: ((بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا))؛ [رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة].

     

    4- ومنها: الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن الكريم:
    قال الله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت: 44]، فكتاب الله شفاء لجميع الأدواء والأمراض؛ فقد قرأ الصحابيُّ فاتحة الكتاب على من لُدِغ بعقرب؛ فشفاه الله تعالى من السُّمِّ الناقع.


    ومن التحصينات المؤثرة الفعَّالة قراءة سورة الإخلاص والمُعَوِّذتين ثلاث مرات في الصباح والمساء؛ فعن عَبْدِاللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ، وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، نَطْلُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: ((أَصَلَّيْتُمْ؟))، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ: ((قُلْ)) فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ((قُلْ))، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: ((قُلْ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ((قُلْ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه الألباني].


    ومنها قراءة الآيتين من أواخر سورة البقرة في كل ليلة؛ فقد روى البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ))، قال النووي رحمه الله: قِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: مِنَ الْآفَاتِ، وَيَحْتَمِلُ مِنَ الجَمِيعِ.


    ومن التحصينات القرآنية الوقائية المهمة: قراءة آية الكرسي عند النوم؛ كما في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان لما وَكَلَه النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان كما في صحيح البخاري: ((فإنه لَنْ يَزَالَ معك مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ)).
    5- قيام الليل:
    فعن بِلالٍ رضي الله عنه، أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عليكُمْ بِقيامِ اللَّيْلِ؛ فإِنَّـهُ دَأْبُ الصَّالِحينَ قَبلكُم، وإِنَّ قِيامَ اللَّيلِ قُربَةٌ إلى اللهِ، ومَنْهاةٌ عنِ الإِثْمِ، وتكفِيرٌ للسَّيِّئاتِ، ومَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عنِ الجَسَدِ))؛ [رواه الترمذي وغيره، حسَّنه الألباني].


    فإن وقت الليل، هو وقت المناجاة، والقرب من الله تعالى، وأحرى بإجابة الدعوات؛ ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن في الليل لَساعةً، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)).


    وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فَكُنْ))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب].

     

    6- ومنها أيضًا: صدقة السِّرِّ؛ فإنها تطفئ غضب الرب:
    ففي سنن الترمذي: ((إنَّ الصدقة تُطفِئ غضب الربِّ، وتدفع ميتة السوء)).


    وفي سنن الترمذي أيضًا من حديث معاذ رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصدقة تُطفِئ الخطيئة كما يُطفِئ الماءُ النارَ)).


    قال ابن القيم: "للصدقة تأثيرٌ عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم؛ بل مِن كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاءِ، وهذا أمرٌ معلوم عند الناس، خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلُّهم مُقِرُّون به؛ لأنهم قد جرَّبوه".


    وقال رحمه الله: "في الصدقة فوائدُ ومنافع لا يُحصيها إلا الله؛ فمنها أنها تقي مصارعَ السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفَعُ عن الظالم".


    يقول ابن شقيق: "سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئرًا في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويُمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرئ"؛ [صحيح الترغيب].


    ويُذكر أن رجلًا أصيب بالسرطان، فطاف الدنيا بحثًا عن العلاج، فلم يجده، فتصدق على أمِّ أيتام، فشفاه الله تعالى.

     

    7- ومن الأعمال التي ترفع البلاء عن الأموال والأبدان؛ صنائعُ المعروفِ:
    عَنْ أَنسِ رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صنائعُ المعرُوفِ تقي مَصارِعَ السُّوءِ، والآفاتِ، والهَلَكَاتِ، وأَهْلُ المعرُوفِ في الدُّنيا هُمْ أَهلُ المعرُوفِ في الآخِرَةِ))؛ [رواه الحاكم، وهو في صحيح الجامع].

    ومن صورها: الإحسان إلى الناس جميعًا حتى الكافر، وذلك ببذل النفع الديني والدنيوي لهم، ومعاملتهم بالوفاء، والصدق، والبر، والعدل، والرحمة، والتواضُع، والصبر، والقول الحسن، وكف الأذى عنهم، والشفاعة لهم، وقضاء حوائجهم، وتفريج كرباتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالِّهم، وإعانة ضعيفهم، وغير ذلك من وجوه الإحسان المتنوعة، قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: 60].
    8- أن يتذكر ويحمَد الله أن البلاء لم يكن أكبر من ذلك، وأنه لم يكن في دينه؛ قال عمر رضي الله عنه: "مَا أَصَابَتْنِي مُصِيبَةٌ إِلَّا وَجَدْتُ فِيهَا ثَلَاثَ نِعَمٍ: الْأُولَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي دِينِي، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَعْظَمَ مِمَّا كَانَتْ، وَالثَّالِثَةُ أَنَّ اللَّهَ يُجَازِي عَلَيْهَا الْجَزَاءَ الْكَبِيرَ".
    9- أن ينظر إلى ما أُصيب به، فيجد أن الله سبحانه وتعالى قد أبقى له مثله، أو أفضل منه؛ فهذا عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، قُطِعت رجله، فكان يقول: "اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا، ولئن كنت أخذت فقد أبقيت، وإن كنت ابتليت، فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت"، وكان له ابنٌ يُقال له: محمد، وكان من أحب أولاده إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرسٌ فمات، فجاء المعزُّون فقال: "الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدًا، وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت، فلطالما عافيت".
    10- أن ينظر إلى من حوله من أهل المصائب:
    يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: "ولينظر يَمْنةً فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يَسْرةً فهل يرى إلا حسرة؟ وأنه لو فتَّش العالم لم يَرَ فيهم إلا مبتلًى؛ إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن شرور الدنيا أحلامُ نومٍ، أو كظِلٍّ زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرَّت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا، ولا سرته بيوم سروره إلا خبَّأت له يومَ شرورٍ؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "لكل فرحة ترحة، وما مُلِيء بيت فرحًا إلا مليء تَرَحًا"، وقال ابن سيرين: "ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء".


    نسأل الله العظيم أن يشرح صدورنا، وأن يملأ قلوبنا إيمانًا ويقينًا.

     


  6.  
    بسملة للمواضيع متحركة
     
     
    قال تعالى :
    ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

    إفرح بطاعتك لله
    إفرح أنك تعرف الله
    إفرح أنك تحمل نفسك على طاعته
    إفرح أن الله سبحانه وتعالى قدَّر على يديك أعمالاً صالحة
    إفرح أن بيتك إسلامي
    إفرح أن عملك ليس فيه شبهة
    إفرح أن كسبك حلال
    إفرح أن لك مجلس علم تحضره
    إفرح أن عقيدتك صحيحة
    إفرح أن الله رزقك زوجة صالحة أو رزقكِ زوجاً صالحاً
    إفرح أنك ربَّيت أولادك تربية إسلامية
    إفرح أنك تحب الله ورسوله
    هذا الذي ينبغي أن تفرح له .


    لا أن تفرح بمبلغ كبير حصلته بمالٍ حرام
    لا أن تفرح بمنزل كبير زينته وهو مُغتصب
    لا أن تفرح بتجارة عريضة بُنيت على معصية الله
    لا أن تفرح بزوجة تروق لك لكنها لا تطيع الله
    لا أن تفرح بولد يحمل أعلى شهادة لكنه لا يصلي .


    الله عز وجل ينتظر منك لا أن تفرح بالدنيا لأنها زائلة و تنتهي بالموت
    بل أن تفرح بفضله
    أن تفرح بعملٍ صالح، أن تفرح بفهمك لكتاب الله
    أن تفرح بخدمة الخلق أن تفرح إذا وفقك لهداية الناس.
    راتب النابلسي


     
    1.gif

     
    قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)

    الفرحةُ التي وجدها أهل القرآن في عيشهم مع القرآن: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58] فبهذا الفضل وبتلك الرحمة فليكن الفرح الأكبر.. وليكن الغمّ والهمّ على قلبٍ فاته مثل هذا الفرح.إنه الفرح الذي تجده القلوبُ حين تتصل بعلام الغيوب! إنه الفرح بنفحات الرب الكريم، وما يَهَبُه لعبده من رزق القلب، الذي به يحيا حياةً لا تُشبهها حياة!/عمر المقبل
     
     
    ‏"قل بفضل الله" هو القرآن، الذي هو أعظم منة ونعمة، وفضل تفضل الله به على عباده. "وبرحمته" الدين والإيمان وعبادة الله ومحبته ومعرفته. / تفسير السعدى
     

    (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا( فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله. / فوائد القرآن
     

       ﴿ قُل بِفَضْل اللهِ وَبِرَحمَته فبذٰلك فَلْيَفْرَحوا ﴾. فضل الله القرآن ، ورحمته الإسلام . ابن عباس _رضي الله عنه / نوال عيد
     
     
      193363krpfxnjkkm.gif

     


  7. لا تحتقر العمل الصالح وإن قلّ، ولا تقنط من مغفرة ذنبك إذا استغفرت وإن عظُم؛ فقد قال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾. قال ابن عباس-رضي الله عنه-: "هم قومٌ كانوا في الدنيا يخافون الله، ويجتهدون له في العبادة سِرًّا وعلانية، وفي قلوبهم حَزَن مِن ذنوبٍ قد سلفت منهم، فهم خائفون ألَّا يُتقبَّل منهم هذا الاجتهاد مِن الذنوب التي قد سلفت منهم، فعندها قالوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي: غفر لنا العظيم، وشكر لنا القليل من أعمالنا"

    كانت أُمنية امرأة عمران أن تلد ذكرًا ليكون خادمًا لبيت المقدس؛ لأن هذا عمل لا يقوم به إلا الذكور. فلما وضعت، قالت-كالمتحسّرة إذ لم يتحقق مرادها-: ﴿رَبِّ إِنّي وَضَعتُها أُنثى﴾ فقال الله: ﴿وَاللَّهُ أَعلَمُ بِما وَضَعَت﴾ لم يقل (والله يعلم ما وضعت) ﴿أَعلَمُ﴾ لأن هناك أمورًا خفية مستقبلية لا يعلمها إلا هو، فقد قدّر الله أن يكون من هذه الأنثى ذكرٌ يكون آيةً للناس ورحمة لأمّته. الخير ليس محصورًا فيما تراه، بل فيما يُقدِّره الله. ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ ما يَشاءُ وَيَختارُ﴾
     
    مِن تعظيم الله معرفةُ معاني أسمائه وصفاته: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلمًا﴾ [طه: ٩٨] يعلم ما كان. وما سيكون. ﴿يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى﴾ السر: ما تُحَدِّثُ به نفسك اليوم، وأخفى: ما ستُحدِّث به نفسك بعد اليوم. وأبلغ من ذلك: أنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَو رُدّوا لَعادوا لِما نُهوا عَنهُ﴾ ومِن ثمرات هذه المعرفة: أن كل ما لم يكن مما تُحبّ، قد يعلم الله أنه لو كان، فسيكون منه ما تكره، فيصرفه عنك؛ لأنه لا يريد لك إلا ما يُحبّ أن تُحبّه في النهايات. ولذلك كان مِن دعاء رسولنا ﷺ: اللَّهمَّ ما زويتَ عنِّي ممَّا أحبُّ، فاجعَله فراغًا لي فيما تُحِبُّ"
     

    يلجأ بعضنا عند الهمّ إلى صديق ليفضفض له، فيجد شيئا من الراحة، ولو لم يُفرّج عنه. فكيف بالودود الرحيم الذي يسمع ويجيب؛ فهذا يعقوب-عليه السلام-يعلم عاقبة أمر يوسف، ومع هذا لم يغفل عن مولاه ليُحدِّثه عن حزنه وشكواه. ﴿إنّما أشكو بَثّي وحُزني إلى الله وأعلمُ مِن الله ما لا تَعلَمون﴾

     

    في الاعتبار العلمي الشرعي هناك جاهل، وهناك محروم.

    الجاهل فاقدٌ للعلم. المحروم فاقدٌ لبركة العلم.

    وأخطرهما الثاني؛ لأن الحرمان في الغالب عقوبة، ﴿

    فَلَمّا زاغوا أَزاغَ اللَّهُ قُلوبَهُم﴾ ومِن الزيغ: عدمُ قبول الحق، أو العمل به، أو الدعوة إليه.

    فإذا أُزيغ القلب انقلب التصوّر لديه، فيرى الحق باطلًا، والباطل حقًّا،

    ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾


  8. ثلاث لامات إذا وجدتها في امرئ فاغتنم صُحبته:

    (الفضل) إذا أعطى. و(العدل) إذا خاصم. و(العقل) إذا أشار.

     
    خفّف همومك الدنيوية بخمس:
    -أن تعلم أن الفرج من الله وحده، وما سواه أسباب.
    -أن تعلم أن الهمّ لا يدوم. -أن تعلم أنه كلما طال الهمّ تضاعف الأجر.
    -أن تعلم أن هناك من هو أشدُّ همًّا منك.
    -أن تُزاحم همومك بهمّ الآخرة، فتفكّر في أهوالها، فتعمل لذلك الهمّ.
    وهذه الأخيرة-من تجربة-أنفعها.

    مِن أعظم العطايا=عطيّة الأقارب، تُعطي قريبك، محتاجًا كان أو متشوّفًا لعطيتك، وخاصة النساء: الأمّ والأخت والعمّة والخالة، فإنّ في عطيتك لهؤلاء عِزًّا، لا من فاقة، ولكن من صلة. وأبشر بالعوض والبركة، قال رسول اللهﷺ: "ما فتح رجلٌ باب عطيّة يُريد بها صِلة، إلا زاده اللهُ بها كثرة"

    image.png.fff45ac1e7354adeceec46eb412eebda.png

    ما أبعد طباع الناس من بعض: مِن الناس مَن إذا أحسنت إليه مرّة أخذ يشكرك سبعين مرّة. ومِنهم مَن إذا أحسنت إليه سبعين مرّة لا يكاد يشكرك ولو مرّة. ومع هذا، فازْرعْ المعروف ولا تنتظر الشكر. قال ابن عباس :"لا يُزَهِّدنّك في المعروف كُفْرُ من كفره، فإنه يَشكرك عليه من لم تَصطَنعه إليه"

    أحيانًا يركبك همّ، أو يُشغلك موضوع تبحث له عن حلّ، فتفتح إحدى وسائل التواصل، لا لأجل ما تقدّم، ولكن عادة، فتجد أول ما تقع عليه عينك ما يرفع ذلك الهمّ، أو يحلّ لك موضوعك. كثير منها لا يمكن أن تُحمل على الصدفة، بل يقين بأن المكتوب والوقت الذي دخلت فيه تسخيرٌ من الله وفرجٌ أراده لك.

     

    إذا أَلَمَّ بك همٌّ، فتذكَّر بهمِّك شيئين:

    أنَّ الهمَّ في الجنّة لا يكون. وأنَّ الهمَّ في النّار لا يزول.

     

    image.png.9fcaf0efc3442c8b68c9b2ec533505bf.png

     


  9. كثيرٌ منا يحصل له أن يخدش سيارة غيره دون قصد. وحينئذٍ لا يأثم؛ لأنه غير متعمّد، لكنه لا يحق له ألا يخبر صاحب السيارة ليستوفي حقه أو يعفو عنه. قال مجاهد: إذا أصاب رجلٌ رجلًا ولا يعلم المُصَاب مَن أصابه فاعترف له المُصيب فهو كفارةٌ للمُصيب. وقد أصاب عروةُ بن الزبير عينَ إنسان عند الركن اليماني وهم بستلمونه، فقال له: يا هذا، أنا عروة بن الزبير، فإن كان بعينك بأس فأنا بها. كتابة ورقة فيها رقم جوالك ووضعها على السيارة وطلب التواصل من صاحبها إن رغب في الإصلاح كافية لبراءة ذمّتك فيما لو لم يتصل.

     

    رأيت أمرين مع أمرين لا يفترقان:

    الحكمة مع طول الصمت. وكثرة الخطأ مع كثرة الكلام.

    فالحكماء كمناجم الألماس قد مُلِئوا حكمةً وعقلًا.

    والمتكلمون في كل شيء كالعربة الفارغة، تجدها أكثر إزعاجًا من العربة الممتلئة.

     

    من يبحث عن الزلّة سيجدها، ولو في أعماق الصواب.

     

    إلى صاحب المزاج المتقلّب، الذي يعتب كثيرًا، ويهجر هذا، ويجدّد الصحبة مع ذاك، ولا يعذر أحدًا: لا تظنّ أنّ النّاس تطبيقات يمكن تحديثها كلّما أردت، ليُوافِقوا إصدارك الجديد.

     

    العاقل اليوم ليس الذي يعرف القول الصواب من الخطأ، ولكنه الذي يعرف كيف يُفهَم الصوابُ خطأً. فيسدّ كل طرق الفهم الخاطئ عن قوله. وهذا لا يتأتّى إلا بمخالطة الناس وفهم طريقة تلقيهم للكلام. قال داود عليه السلام: ينبغي للعاقل أن يكون عارفا بزمانه. وقال مطرّف: عقول الناس على قدر زمانهم.

     
    ليس هناك نعيم يُنسيك ما مر بك من بؤس نسيانًا حقيقيًا إلا الجنة. قالﷺ:"يُؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة، فيقال له:ياابن آدم هل رأيت بؤسًا قط هل مر بك شدة قط؟ فيقول:لا والله يارب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط" "صبغة"يعني لحظة، فكيف بخلود أبدي!
     
     
     

    أركان الإيمان ستة.

    وعندما تقرأ القرآن تجد أن أكثر ركنين يرد ذكرهما فيه: الإيمان بالله وباليوم الآخر، بل وتجد أنه يُقرن بينهما في أكثر المواضع. تأمّلت ذلك فوجدت أن هذين الركنين أكثر ما يبعثان المؤمن على الطمأنينة والشعور بالقوة وعدم التعلّق بالدنيا. الإيمان بهذين الركنين هو معنى: إنا لله وإنا إليه راجعون. والحمد لله أنا إليه راجعون.

     

    الحاسد يعرف نعمة الله على الناس ولا يعرف نعمة الله عليه. ويبصر عيوب الناس ولا يبصر عيبه. لا يشكر نعمة الله عليه ولا يشتغل بإصلاح عيبه. الحاسد ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

     

    شخص مهموم بسبب وضعه المادي ويغبط فلانًا؛ لأن أموره المادية ممتازة. وما علم أن فلانًا هذا عنده من الهمّ ما لو دفع أمواله كلها فلن تُزيل همّه. الكل يُعاني، فلست وحدك. الهموم تأتي مفصّلة على مقاس أصحابها؛ فالملوك لهم هموم خاصة، والأغنياء لهم هموم، والفقراء لهم هموم. الهموم مختلفة،

     

     

     


  10. تخيّل أنك تطرق على شخص الباب، فيقول: من؟

    فتقول: فلان.

    فيقول: انصرف، أو (توكّل الله) فتنصرف وليس في نفسك عليه شيء،

    وترى أن هذا حقٌّ له، وأنه لا يُنقص مِن قدرك.

    هل تعلم أن هذا أطهر لقلبك، وأزكى لك عند ربِّك؟

    قال الله تعالى: ﴿وَإِن قيلَ لَكُمُ ارجِعوا فَارجِعوا هُوَ أَزكى لَكُم﴾.

    ويدخل في عموم هذا المعنى: أن تتصل به ولا يردّ عليك، وأن ترسل له فلا يفتح رسالتك، وربما لو اتصل به غيرك أو أرسل لردّ! تقول: كيف أصل لهذه المرتبة (هُوَ أَزْكَىٰ لَكُم)؟

    الجواب: تُفتّش في سبعين عذرًا لتجد له عذرًا مقبولًا يزيل ما في نفسك من ظنون مزعجة. فقل: ربما أنه مشغول، وربما نفسه منزعجة فلا يريد أن أرى هذا منه، وربما أجّل الردّ فنسي، وربما…، وربما… حتى: (ربما أنه لا يُطيقني)، عذر مقبول؛ لأنك لم تُخلق بصفات مقبولة لكل الناس، ولم تخرج إلى الدنيا وقد أُخذ على البشر كلِّهم أن يقبلوك.


  11. قرأت وصية لأحد الأعراب، وكان منها: إنَّ الرجل إذا هلك، قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدَّم؟

    تريد حياة بلا مُنَغِّصات؟ تريد سعادة بلا مُكدِّرات؟ تريد طمأنينة بلا مُفجِعات؟ أنت إذَنْ تريد الجنة. فعليك بالتقوى في السر والعلانية، والرضا بقسمة الله، وكثرة الاستغفار، والصبر على ما أصابك في هذه الحياة؛ فإنّ البقاء فيها يسير، والرحيل عنها قريب، والقدوم منها على كريم.

     

    من لا يشتهي حديثك فأكرم نفسك عن تحديثه، والزمْ الصمت إذا رأيت من يكفيك الكلام، ولا تُجب على سؤال وُجِّه لغيرك وإن كنت تعلم إجابته، وإن كنت في مجلس أُنْسٍ فحدّث القوم بما يشتهون، وإن كنت في مجلس علم فتحدّث بما يستفيدون، وإن كنت في مجلس تعليم فتحدّث بما يحتاجون.

     

    لا تأسف على جهدٍ بذلته لتنال مطلوبك، ولا تقل: ضاع جهدي سدى، وذهب أدراج الرياح. بَذْلُ الجهدِ نصف المطلوب. هناك مطلبٌ نفسيٌّ يتحقّق عند بذل الأسباب وإن لم تحصل المُسبَّبات، وقد عبّر عنه بعض الحكماء بقوله: "إنّي لأسْعَى في الحاجة وإنّي منها لآيِسٌ، وذلك للإعذار، ولئلا أرجِعَ على

     

    مِن الحرمان، أنْ يمتلك المرء من مُقوّمات الرِّفعة ما يتمناها أكثر الناس، ثم يرضى لنفسه بالدُّون. ومِن أدوَن الدُّون: الحسد، والحقد، والنميمة، والاشتغال بالناس. فقاتلَ الله خِسَّة الطبع؛ فإنها تبحث عن الرذائل مع توفّر الفضائل، وقد صدق الشاعر القائل: وَكُنتَ امرَأً لَو شِئتَ أَن

     

    يُحكى أنّ شخصًا ذهب إلى طبيب فقال: أشعر بألم في كل موضع مِن جسمي، فكل مكان أضع أصبعي عليه يؤلمني. فقال له الطبيب: أرني أصبعك. فنظر، فوجد فيها شوكة. - قد تظنّ أنّ مشكلتك كبيرة أو كثيرة، والواقع أنها صغيرة أو قليلة، وهي في شيء واحد، لكنك تنظر إلى كل شيء مِن خلال هذه المشكلة، فبدلًا مِن أنْ ترى أنَّ مشكلتك واحدة، ترى في كل شيء مشكلة. بعض المشاكل قد لا تستطيع معالجتها، ولكن حاول أن تحصرها في موضعها، لئلا تجدها في كل شيء من حياتك.

     

    بالصبر تصير المصائب نِعمًا. وبعدم الشكر تصير النِّعم نِقمًا.

     

    الحكمة ليست أنك تستطيع أن تُفلسِف فكرتك سواء كانت مقبولة أو غير مقبولة، ولكن الحكمة أن تعرف ما الذي يقال وما الذي لا يقال، بدون أدنى فلسفة. والبلاغة ليست أن تأتي بالمفردات الغريبة والتراكيب الغامضة، ولكنها كما قيل: هي ما فَهِمَتُه العامة ورَضيَتُه الخاصة.

     

    أقولها ناصحًا بصدق، لا بسخرية ولا حنق: إلى أولئك الذين ابتُلوا بهوس التصوير، لدرجة أنهم يصوّرون الميت والجنازة والمصاب في سيارته. اذهبوا إلى معالجٍ نفسيٍّ، واعرضوا عليه حالتكم. قولوا له: نريد أن نكون كالأسوياء في مشاعرنا، فنحن لا نشعر برحمة ولا مروءة ولا حُرمة، يرى الإنسانُ

     

    الحياة بكل تفاصيلها إذا وضعها الإنسان فوق نصابها الصحيح ذهبتْ نفسُه على فواتها حسرات. مثلًا: المبالغة في النظر إلى أعلى الدرجات الدراسية يجعل المُبالِغ فيها ينظر لنفسه إذا لم ينلها إنسانًا فاشلًا. والمبالغة في جعل الوظيفة كأنها الباب الأوحد للرزق يجعل المُبالِغ فيها يعيش حياته بسوداوية كاتمة. والمبالغة في الصحبة والصداقة وكأنها المُتنَفَّس الأعظم يجعل المُبالِغ فيها يعيش قلق الفقد والوَحدة. قيل: إنه في زمن الشاعر أحمد شوقي انتحر بعض الطلبة بسبب الإخفاق في الاختبارت، فقال قصيدةً، مطلعها: ناشِئٌ في الوَردِ مِن أَيّامِهِ حَسبُهُ اللَهُ أَبِالوَردِ عَثَرْ -أنزلوا تفاصيل حياتكم منزلتها، تعيشوا بسلام نفسيٍّ عند فقدها.

     

    (العافية تاجٌ على رؤوس الأصحاء) هذه العبارة، قليلٌ من يتفطّن لدِقّة معناها! التيجان قديمًا، على رؤوس من تُوضَع؟ على رؤوس الملوك. إذن، فمعناها: إذا كنت في عافية فأنت مَلِك.

     

    قالت العرب:"عقل المرء مخبوء تحت لسانه" أي أنهم يعرفون عقله من كلامه. واليوم نستطيع أن نقول: عقل المرء مخبوء تحت تغريدته، أو تعليقه، أو حالاته. وقيل: "اختيار الرجل من عقله" ومثله اليوم الفائدة التي تنقلها، والتغريدة التي تعيدها. عقلك اليوم موضوع على طبق وسائل التواصل، والكل يقرؤك.

     

    عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أيُّ الأعمال أفضل؟ قالﷺ: "الإيمان بالله، والجهاد في سبيله". قلت: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال: "أنفسُها عند أهلها، وأكثرها ثمناً" قلتُ: فإن لم أفعل؟ قال: "تُعينُ صانعًا أو تَصنع لأَخْرَقَ" قلت: يا رسول الله أرأيتَ إن ضَعُفتُ عن بعض العمل؟ قال: "تَكُفُّ شرَّك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك" متفق عليه. انظر في قوله ﷺ: "تَكُفُّ شرَّك عن الناس" هذا التوجيه يُبيّن لك أن الإنسان إذا لم ينشغل بنفسه وبما يعود عليه بالنفع فسينشغل بالناس، يتتبّع أخبارهم فيحسد هذا ويحقد على ذاك ويتمنى الشرّ لهم، وقد يسعى لأذيتهم. ولا يعجبه أحد، فكل حديثه نقد للناس، والكلام فيهم، كما قيل في المثل الشعبي: (الفاضي يعمل قاضي) حاول أن تُشغل نفسك، حتى لا تنشغل بغيرك. "تَكُفُّ شرَّك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك" هذا أقل درجات المعروف. وما أكثر ما سمعنا قول أحدهم للآخر: (ما نريد منك شيء، بَس اكفنا شرك) حاول ألا تسمع هذه الكلمة من أحد.

     

    لا غنى لك عن الحاجة إلى الناس، لكن اسأل الله ألا يجعل حاجتك عند لئيم، الذي تفتح بابك له إذا احتاجك، ويُغلق بابه دونك إذا احتجته.

     
    مِن نقصِ العقل وعدمِ نضج التجربة أنْ يجعل الإنسانُ تجربتَه الخاصّة قاعدةً عامّة ونظرية تامّة يُذيعها للناس دون أدنى نظر وتمحيص. وما ابتُلي الناس بمثل ذلك كما ابتُلي به أهل زماننا هذا في سرعة النشر وسهولة التلقّي. فلعلّك وجدت أحدهم يُحسن إنشاء الكلام، فيُبدع في الرَّصف ويُغرِق في الوصف، حتى إذا ما قرأ بعضهم كلامه ظنّ أنه القِس بن ساعدة أو الأحنف بن قيس، وما هو إلا شخصٌ مرّ بتجربة يتيمة أو حالة شاذّة عن قاعدةٍ مستقيمة، فيتلقّفها من هو أنقص منه عقلًا وأقلّ منه تجربة؛ لأنها وافقت هوى في نفسه أو انزعاجًا في مزاجه، فتُدغدغ نفسَه أو تُداعب مزاجه، فيجد لها ارتياحًا نفسيًّا لا قبولًا منطقيًّا. وعلى سبيل المثال، فقد اتّفق العقلاء على حُسن المشورة وأنها دليلٌ على كمال عقل المستشير، فرغّبوا فيها وتسابقوا إليها، ثم تجد أحد المتقدّمين يقول: "ما استشرتُ أحدًا قطّ إلا تَكبَّرَ عليَّ وتصاغرتُ له، ودخَلَتْهُ العِزّةُ ودخلتني الذِّلّةُ، فإيّاك والمشاورة وإنْ ضاقتْ بك المذاهب، واشتبهتْ عليك المسالك وأدَّاك الاستبدادُ إلى الخطأ الفادح". - فهل يَحسن بالعاقل أنْ يترك المشورة لقولٍ، لعلّه صدر ممن لا يُحسن الاستشارة ولا قبول الإشارة، فلرُبَّما كان ممن يشاور ليوافق المستشارُ هواه، أو كان ممن نفسُه مُتأزِّمةٌ بسوء الظنّ، فيَحمل كلَّ حركة من الغير على سابق سوء ظنِّه. خُذ بالغالب الأعم من أقوال الحكماء وتجارب العقلاء، فإنْ نلتَ ما تُحبّ ربحت وغنمت، وإنْ نالك ما تكره لم تندم ولم تتحسّر.
     

     


  12. قال الله تعالى عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾، قال الحسن: "والله ما ضربهم بعصا ولا سيف ولا سوط، إلا أمانيَّ وغرورًا دعاهم إليها."

     
    تأمّلوا قصة أم موسى، ألقت فلذة كبدها في اليمّ، وهذه بليّة عظمى. وأعظم منها لمّا بلغها أنه صار في بيت فرعون. ألقته في اليمّ لئلا يراه عمال فرعون فيقتلوه، فصار في يد فرعون نفسه! مصيره في قياساتنا محتوم، وهو القتل، لكن بعناية الله يكون هناك قياس آخر. امرأة فرعون قالت: ﴿ قُرَّةُ عَينٍ لي وَلَكَ﴾ فقال فرعون: "قرة عين لكِ، أمّا لي فلا." ولم يكن موسى-عليه السلام-بحاجة إلى عين فرعون، فقد قال الله بعد أن ألقته أمّه في اليمّ ﴿وَلِتُصنَعَ عَلى عَيني﴾ وتأمّلوا في شأن التابوت الذي صنعته له أمّه، فقد كان التّابوت يُصنع للموت، ولكن صنعتْه أمُّه للحياة. صبرت وآمنت بوعد الله وظفرت، فكان حظُّها كبيرًا: عاد إليها ولدها فصارت تُرضعه وتأخذ عليه أجرًا. ومِن الناس -بعد البلاء- مَن يكون حظّه كحظِّ أمّ موسى.

     
    يعجبني المثل المصري: "اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي" ومن أمثال العرب: "أكلتم تمري وعصيتم أمري" وهذا المعنى اللطيف مذكور في القرآن في عدة مواضع: منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ أَوثانًا وَتَخلُقونَ إِفكًا إِنَّ الَّذينَ تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ لا يَملِكونَ لَكُم رِزقًا فَابتَغوا عِندَ اللَّهِ الرِّزقَ وَاعبُدوهُ وَاشكُروا لَهُ إِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [العنكبوت: ١٧] وقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ ۝ ما أُريدُ مِنهُم مِن رِزقٍ وَما أُريدُ أَن يُطعِمونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتينُ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَيَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَملِكُ لَهُم رِزقًا مِنَ السَّماواتِ وَالأَرضِ شَيئًا وَلا يَستَطيعونَ﴾ [النحل: ٧٣]

     
    قيل لأفلاطون: بماذا ينتقم الإنسان من عدوّه؟ قال: بأنْ يزداد فضلًا في نفسه. وقد وجدتُ هذا المعنى في القرآن عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطانَ لَكُم عَدُوٌّ فَاتَّخِذوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] قال قتادة: عداوتك له أن تعاديه بطاعة الله.
     

     

    ﴿وَما مِن دابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلّا عَلَى اللَّهِ رِزقُها﴾ [هود: ٦]

    مِن ألطاف رزق الله لمخلوقاته أن كل الثدييات إذا ولدت يقوم صغيرها مباشرة ليرضع من أمه؛ لأنه لا يجد من يحمله ليقرّبه إلى ثدي أمه، إلا البشر. -أرزاق الله مقرونة بأسبابها المناسبة لطبيعة المخلوق، فالإنسان لأن هناك من يحمل رزقه إليه أو يحمله إلى رزقه لم يحتج إلى القيام والمشي في أول يوم. والدواب لما كانت تعجز عن ذلك جعل لها قوة من أول يوم أن تقوم هي إلى رزقها. والعصافير في أول أيامها لا تطير ولا تمشي ولا ترى، لكن تتحسّس مجيء أمها فتفتح فمها ليصل إليها رزقها.

    -تقسيم الأرزاق وتنوّع وصولها، يدلُّ على وجود الرازق الرحيم، اللطيف الحليم، الواسع العليم، الغني الكريم.

    ﴿الَّذي أَعطى كُلَّ شَيءٍ خَلقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠]

     


  13. بسملات لتزيين المواضيع روووعة (بسم الله الرحمن الرحيم متحركة) - صفحة 2 136026814515

    ما نتعلم من رحلة الإسراء والمعراج..

     7 دروس وعبر تعرف عليها مع د. هالة سمير

     
    3.gif
     
    الإسراء والمعراج.. دروس للإنسانية في إعجاز الله وقدرته
    علي محمد الصلابي
    الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

    كان وجود أبي طالب بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سياجا واقيا له يمنع عنه أذى قريش؛ لأن قريشا ما كانت تريد أن تخسر أبا طالب، ولـما توفي أبو طالب؛ انهار هذا الحاجز، ونال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الضرر الجسدي الشيء الكثير، وكانت خديجة رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم البلسم الشافي لما يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجراح النفسية التي يلحقها به المشركون، ولـما توفيت فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البلسم.

    وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعدما اشتد عليه أذى قريش وأمعنوا في التضييق عليه، يطلب من زعمائها نصرة الحق الذي يدعو إليه، وحمايته، حتى يبلغ دين الله، فما كان جوابهم إلا أن ردوه أقبح رد، ولم يكتفوا بذلك؛ بل أرسلوا إلى قريش رسولا يخبرهم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فتجهمت له قريش، وأضمرت له الشر، فلم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة إلا في جوار رجل كافر، لقد تجهمت له قريش، وأحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزادت حزنه، وهمه؛ حتى سمي ذلك العام بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بـ(عام الحزن)، وبعد هذا كله حصلت معجزة الله لرسوله، ألا وهي: الإسراء والمعراج.

    2004998bz5sdzxorf.gif
     
    أما هدف هذه المعجزة، فيتمثل في أمور؛ من أهمها:
    الله -عز وجل- أراد أن يتيح لرسوله صلى الله عليه وسلم فرصة الاطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته؛ حتى يملأ قلبه ثقة فيه، واستنادا إليه؛ حتى يزداد قوة في مهاجمة سلطان الكفار القائم في الأرض،
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتيت بالبراق -وهو دابـة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه- قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة؛ التي يربط به الأنبياء. قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة».. فذكر الحديث [مسلم (162)].

    2004998bz5sdzxorf.gif
     
    فوائد ودروس وعبر

    1- بعد كل محنة منحة، وقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحن عظيمة، فهذه قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وفي ثقيف، وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار ضد الدعوة ورجالاتها من كل جانب، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم في خطر بعد وفاة عمه أبي طالب أكبر حماته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في طريقه، صابر لأمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا حرب محارب، ولا كيد مستهزئ، فقد ان الأوان للمحنة العظيمة، فجاءت حادثة الإسراء والمعراج، على قدر من رب العالمين، فيعرج به من دون الخلائق جميعا، ويكرمه على صبره، وجهاده، ويلتقي به مباشرة دون رسول، ولا حجاب، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيد واحد، فيكون الإمام، والقدوة لهم، وهو خاتمهم، وآخرهم صلى الله عليه وسلم.
    2- إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقدما على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة، يريد الله تعالى للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية، متراصة متماسكة، فجعل الله هذا الاختبار والتمحيص؛ ليخلص الصف من الضعاف المترددين، والذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء والخلص؛ الذين لمسوا عيانا صدق نبيهم بعد أن لمسوه تصديقا، وشهدوا مدى كرامته على ربه، فأي حظ يحوطهم، وأي سعد يغمرهم، وهم حول هذا النبي المصطفى، وقد امنوا به، وقدموا حياتهم فداء له، ولدينهم؟! كم يترسخ الإيمان في قلوبهم أمام هذا الحدث الذي تم بعد وعثاء الطائف؟! وبعد دخول مكة في جوار، وبعد أذى الصبيان، والسفهاء؟!سفهاء؟!
    3- إن شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم العالية، تتجسد في مواجهته للمشركين بأمر تنكره عقولهم، ولا تدركه في أول الأمر تصوراتهم، ولم يمنعه من الجهر به الخوف من مواجهتهم، وتلقي نكيرهم، واستهزائهم، فضرب بذلك صلى الله عليه وسلم لأمته أروع الأمثلة في الجهر بالحق أمام أهل الباطل، وإن تحزبوا ضد الحق، وجندوا لحربه كل ما في وسعهم، وكان من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في إقامة الحجة على المشركين أن حدثهم عن إسرائه إلى بيت المقدس،

    وأظهر الله له علامات تلزم الكفار بالتصديق، وهذه العلامات هي:

    وصف النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس، وبعضهم قد سافر إلى الشام، ورأى المسجد الأقصى، فقد كشف الله لنبيه صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى حتى وصفه للمشركين، وقد أقروا بصدق الوصف، ومطابقته للواقع الذي يعرفونه.
    إخباره عن العير التي بالروحاء، والبعير الذي ضل، وما قام به من شرب الماء الذي في القدح.
    إخباره عن العير الثانية التي نفرت فيها الإبل، ووصفه الدقيق لأحد جمالهم.
    إخباره عن العير الثالثة التي بالأبواء، ووصفه الجمل الذي يقدمها، وإخباره بأنها تطلع ذلك الوقت من ثنية التنعيم، وقد تأكد المشركون، فوجدوا أن ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كان صحيحا، فهذه الأدلة الظاهرة كانت مفحمة لهم، ولا يستطيعون معها أن يتهموه بالكذب. كانت هذه الرحلـة العظيمة تربية ربانيـة رفيعة المستوى وأصبح صلى الله عليه وسلم يرى الأرض كلها، بما فيها من مخلوقات نقطة صغيرة في ذلك الكون الفسيح، ثم ما مقام كفار مكة في هذه النقطة؟! إنهم لا يمثلون إلا جزءا يسيرا جدا من هذا الكون، فما الذي سيفعلونه تجاه من اصطفاه الله تعالى من خلقه، وخصه بتلك الرحلـة العلويـة الميمونـة، وجمعه بالملائكـة والأنبياء – عليهم السلام – وأراه السماوات السبع، وسـدرة المنتهى، والـبيت المعمور، وكلمه جل وعلا؟
    4- يظهر إيمان الصديق رضي الله عنه القوي في هذا الحدث الجلل، فعندما أخبره الكفار، قال بلسان الواثق: لئن كان قال ذلك؛ لقد صدق! ثم قال: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة، أو روحة، وبهذا استحق لقب الصديق، وهذا منتهى الفقه، واليقين، حيث وازن بين هذا الخبر، ونزول الوحي من السماء، فبين لهم: أنه إذا كان غريبا على الإنسان العادي، فإنه في غاية الإمكان بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    5- إن الحكمة في شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم، وملء قلبه إيمانا وحكمة؛ استعدادا للإسراء تظهر في عدم تأثر جسمه بالشق، وإخراج القلب مما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الأخرى، ومثل هذه الأمور الخارقة للعادة يجب التسليم لها دون التعرض لصرفها عن حقيقتها؛ لمقدرة الله تعالى، التي لا يستحيل عليها شيء.
    6- إن شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن حين خير بينه وبين الخمر، وبشارة جبريل عليه السلام: «هديت للفطرة»، تؤكد: أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية؛ التي ينسجم معها، فالذي خلق الفطرة البشرية خلق لها هذا الدين، الذي يلبي نوازعها، واحتياجاتها، ويحقق طموحاتها، ويكبح جماحها: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم: 30].
    7- كان إسراء النبي صلى الله عليه وسلم، بالروح والجسد يقظة إلى بيت المقدس، وعلى هذا جماهير السلف، والخلف، ولا يعول على من قال: إن الإسراء كان بروحه، وأنه رؤيا منام؛ إذ لو كان الإسراء مناما؛ لما كانت فيه اية، ولا معجزة، ولما استبعده الكفار، ولا كذبوه؛ إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، ثم إن في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾، والمقصود بعبده: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكلمة «بعبده» تشمل روحه، وجسده.
    8- إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء دليل على أنهم سلموا له القيادة، والريادة، وأن شريعة الإسلام نسخت الشرائع السابقة، وأنه وسع أتباع هؤلاء الأنبياء ما وسع أنبياءهم، أن يسلمواالقيادة لهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولرسالته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، ولا من خلفها، إن على الذين يعقدون مؤتمرات التقارب بين الأديان أن يدركوا هذه الحقيقة، ويدعوا إليها، وهي ضرورة الانخلاع من الديانات المنحرفة، والإيمان بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته، وعليهم أن يدركوا حقيقة هذه الدعوات المشبوهة، التي تخدم وضعا من الأوضاع، أو نظاما من الأنظمة الجاهلية، وأي تقريب بين عقيدة منحرفة تعتقد: أن الله هو المسيح، وأن المسيح ابن الله، وأن الله ثالث ثلاثة، أو بين من يعتقد: أن عزيرا ابن الله، ويحرف كلام الله، وبين من يعتقد: أن الله واحد لا شريك له، ولا والد، ولا ولد، ولا زوجة له – وهو عبث من القول.
    9- إن الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام وراءه حكم، ودلالات، وفوائد؛ منها:
    أهمية المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين؛ إذ أصبح مسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماوات العلا، وكان لا يزال قبلتهم الأولى طيلة الفترة المكية، وهذا توجيه وإرشاد للمسلمين بأن يحبوا المسجد الأقصى، وفلسطين؛ لأنها مباركة، ومقدسة.
    الربط يشعر المسلمين بمسؤوليتهم نحو المسجد الأقصى، بمسؤولية تحرير المسجد الأقصى من أوضار الشرك، وعقيدة التثليث، كما هي أيضا مسؤوليتهم تحرير المسجد الحرام، من أوضار الشرك، وعبادة الأصنام.
    الربط يشعر بأن التهديد للمسجد الأقصى، هو تهديد للمسجد الحرام، وأهله، وأن النيل من المسجد الأقصى، توطئة للنيل من المسجد الحرام؛ فالمسجد الأقصى بوابة الطريق إلى المسجد الحرام، وزوال المسجد الأقصى من أيدي المسلمين، ووقوعه في أيدي اليهود، يعني: أن المسجد الحرام والحجاز قد تهدد الأمن فيهما، واتجهت أنظار الأعداء إليهما لاحتلالهما.
    10- يرى القارئ في سورة الإسراء: أن الله ذكر قصة الإسراء في اية واحدة فقط. قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ﴾ [الإسراء: 1] ثم أخذ في ذكر فضائح اليهود، وجرائمهم، ثم نبههم إلى أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، والارتباط بين الآيات في سورة الإسراء، يشيـر إلى أن اليهـود سيعزلون عن منصب قيـادة الأمة الإنسانية؛ لما ارتكبوا من الجرائم التي لم يبق معها مجال لبقائهم على هذا المنصب، وأنه سيصير إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويجمع له مركزا الدعوة الإبراهيمية كلاهما، إن سورة الإسراء تعرضت للاستبداد الإسرائيلي، وبينت كيف تهاوى بين مخالب القوى الدولية الكبرى في ذلك الزمان «الفرس، والروم»؛ ولذلك فإن من الفوائد العظيمة في رحلة الإسراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته رؤية بعض آيات الله؛ لأن من أوضح آيات الله المتعلقة بالمسجد الأقصى هي آياته التاريخية التي كان يعكسها الصراع الروماني الفارسي -الإسرائيلي قبل الإسراء، قال تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا ۝ ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ۝ وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ۝ الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ۝ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ۝ ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا ۝ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ﴾ [الإسراء: 2 – 7] .
    11- أهمية الصلاة، وعظيم منزلتها: وقد ثبت في السنة النبوية: أن الصلاة فرضت على الأمة الإسلامية في ليلة عروجه صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفي هذا كما قال ابن كثير: «اعتناء عظيم بشرف الصلاة، وعظمتها»، فعلى الدعاة أن يؤكدوا على أهمية الصلاة، والمحافظة عليها، وأن يذكروا فيما يذكرون من أهميتها، ومنزلتها كونها فرضت في ليلة المعراج، وأنها من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته.
    12- سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كان قد رأى ربه، فقال: «نور أنى أراه» [مسلم (178) والترمذي (3278)] .
    13- تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن مخاطر الأمراض الاجتماعية، وبين عقوبتها، كما شاهد ذلك في ليلة الإسراء والمعراج؛ ومن هذه الأمراض؛ وعقوبتها:
    عقوبة جريمة الغيبة والمغتابين: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا يأكلون الجيف، فأخبره جبريل: «هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس» [أحمد (1/257)].
    عقوبة أكلة أموال اليتامى: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا لهم مشافر -شفاه كبيرة- كمشافر الإبل في أيديهم قطع من نار كالأفهار -أي: الحجارة- يقذفونها في أفواههم، فتخرج من أدبارهم، فأخبره جبريل: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما. [ابن هشام في السيرة
    النبوية (2/47)].
    أكلة الربا: أتى النبي صلى الله عليه وسلم على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فأخبره جبريل: هؤلاء أكلة الربا [أحمد (2/353) وابن ماجه (2273)].
    وذكرت الروايات عقوبة الزناة، ومانعي الزكاة، وخطباء الفتنة [أحمد (3/120، 180، 231، 239) وعبد بن حميد (1222)] والتهاون في الأمانة.
    ثواب المجاهدين: في ليلة الإسراء والمعراج، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا؛ عاد كما كان، فأخبر جبريل: «هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنات بسبعمئة ضعف، وما أنفقوا من شيء؛ فهو يخلف». [البزار (55) ومجمع الزوائد (1/67 – 72) والمنذري في الترغيب والترهيب (1129)].
    14- إدراك الصحابة لأهمية المسجد الأقصى: أدرك الصحابة رضي الله عنهم، مسؤوليتهم نحو المسجد الأقصى، وهو يقع أسيرا تحت حكم الرومان، فحرروه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظل ينعم بالأمن، والأمان، حتى عاث الصليبيون فسادا فيه بعد خمسة قرون، من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومكثوا ما يعادل قرنا يعيثون فسادا، فحرره المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وها هو ذا يقع تحت الاحتلال اليهودي، فما الطريق إلى تخليصه؟
    الطريق إلى تخليصه: الجهاد في سبيل الله؛ على المنهج الذي سار عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

    الجزيرة
    ‫كيفية كتابة الصلاة الصحيحة على سيدنا محمد متى نكتب “صلِّ” ومتى نكتبها “صلى”  - النيلين‬‎
     

  14. 894677232.gif

    راجع نفسك .. الشيخ أمجد سمير


    إذا نزلت بالعبد بلية، أو شعر بعدم التوفيق في بعض الأمور، فعليه أن يتهمّ نفسه، ويراجع حاله مع الله، فإنّه كما قيل: لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ... يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: فَالْمُؤْمِنُ إِذَا أَصَابَهُ فِي الدُّنْيَا بَلَاءٌ، رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ بِاللَّوْمِ، وَدَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ، وَالِاسْتِغْفَارِ.

    قال ابن القيم في الجواب الكافي: ومن عقوبات الذنوب إنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا لسبب ذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب.

    فعليك بتجديد التوبة العامة، وكثرة الاستغفار، والإلحاح في الدعاء، مع الحذر من استعجال نتيجة الدعاء، وترك الدعاء يأسًا من الإجابة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي. متفق عليه.

    3dlat.com_09_19_7166_de5d4e2ce9575.gif

    ﺛﻼﺙ ﻣﺸﺎﻛﻞ ﺗُﺤﻞ ﺑﺜﻼﺙ ﻭﺳﺎﺋﻞ..

    ﺍﻷﻭﻟﻰ: ﺇﺫﺍ ﺍﺑﺘُﻠﻴﺖ ﺑﺤﺐ ﺍﻟﺸﻬﻮﺍﺕ
    - ﺍﻟﺤﻞ: ﺭﺍﺟﻊ ﺣﺴﺎﺑﺎﺗﻚ ﻣﻊ ﺍﻟﺼﻠﻮﺍﺕ .
    - ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ : ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ؛ "ﻓﺨﻠﻒ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻫﻢ ﺧﻠﻒ
    ﺃﺿﺎﻋﻮﺍ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﺍﺗﺒﻌﻮﺍ ﺍﻟﺸﻬﻮﺍﺕ" .

    ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ: ﺇﺫﺍ ﺍﺣﺴﺴﺖ ﺑﺎﻟﺸﻘﺎﺀ ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﺘﻮﻓﻴﻖ .
    - ﺍﻟﺤﻞ : ﺭﺍﺟﻊ ﺣﺴﺎﺑﺎﺗﻚ ﻣﻊ ﺃﻣﻚ .
    - ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ : ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ ؛ "ﻭﺑﺮًا بوالدتي ﻭﻟﻢ
    ﻳﺠﻌﻠﻨﻲ ﺟﺒﺎﺭًا شقيًا"

    ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ : ﺇﺫﺍ ﺷﻌﺮﺕ ﺑﺎﻻﻛﺘﺌﺎﺏ ﻭﺍﻟﻀﻨﻚ
    -ﺍﻟﺤﻞ : ﺭﺍﺟﻊ ﺣﺴﺎﺑﺎﺗﻚ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﺮﺍٓﻥ.
    -ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ : ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ ؛ " ﻭﻣﻦ ﺃﻋﺮﺽ ﻋﻦ
    ﺫﻛﺮﻱ ﻓﺈﻥ ﻟﻪ ﻣﻌﻴﺸﺔً ﺿﻨﻜﺎ" .
    ﻻ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﺟﻬﺎﺯﻙ ﻓﻬﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﻟﻬﺎ

    3dlat.com_09_19_7166_de5d4e2ce9575.gif

    راجع نفسك، حاسبها على التقصير، انتبه لزلاتك، صحح مسارك، اترك أثراً طيباً، ضع بصمة، فالعمر قصير مهما طال، والحياة سريعة الزوال فاحرص أن تُخلد فيها خيراً يبقى واجعل لك ذكرى طيبة يذكرك من يأتي من بعدك
     
    فواصل جميلة....للمواضيع 0_6e07c_3f3a4fe2_L

     
    تعقيبا على فيديو امجد سمير

    بالنسبة لذكره أحد الأبناء الذى تخلف عن الصلاة بسبب رعايته لوالدته
    ربنا كان يقصد صلاة الجماعة لأن بر الام لا يمنع إقامة الصلاة فى وقتها

    نقلت الرأى الفقهى من اسلام ويب فى حالة وجود أم مريضة تحتاج رعاية من ابنها
    إذا كانت والدتك تحتاج دائماً إلى قربك منها لخدمتها ورعاية شؤونها فأنت معذور -إن شاء الله تعالى- في التخلف عن صلاة الجماعة، كما نص على ذلك أهل العلم، قال الشيخ الخرشي في شرحه لمختصر خليل أثناء ذكره الأعذار التي تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة: ومنها: التمريض لمن يخاف عليه الموت، ويخشى عليه الضيعة


    1548507ex7ssuejkr.gif

     

     


  15. تفسير قوله تعالى (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا ..)

    السؤال

    ما معنى قول الله تعالى في أخذ الربا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ)، ومعنى الآية فيما معناها كأنما يتخبطه الشيطان من المس؟

    الإجابــة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    فأما الكلام على معنى قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا {البقرة: 278}، فقد تقدم في الفتوى رقم: 53497.

    وأما الآية الأخرى وهي قول الله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ {البقرة:275}، فيقول عنها العلامة ابن كثير في معناها ما يلي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له وذلك أنه يقوم قياما منكراً، وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم.

    وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. أي إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه وليس هذا قياسا منهم للربا على البيع لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع وإنما قالوا: إنما البيع مثل الربا. أي هو نظيره فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع أي هذا مثل هذا وقد أحل هذا وحرم هذا، وقوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا. يحتمل أن يكون من تمام الكلام رداً عليهم أي على ما قالوه من الاعتراض مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم وما يضرهم ينهاهم عنه وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ. أي من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله: عفا الله عما سلف. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس. ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف، كما قال الله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ. قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم. انتهى.

    والله أعلم.

    image.png.176585962d4d3104dedb49d293fcfdc2.png

    تفسير قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري ..)

    السؤال

    وفقكم الله ورعاكم بعنايته للخير وحل المشكلات
    أود تفسير معنى الآية: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.

    الإجابــة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    فالآية التي تسأل عن تفسيرها هي قول الله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى {طه: 124}. ونورد لك ما أورده ابن كثير في تفسيرها قال: ومن أعرض عن ذكري، أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، فإن له معيشة ضنكاً أي ضنكا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.

    والله أعلم.

    image.png.176585962d4d3104dedb49d293fcfdc2.png

    آية سورة الأحقاف بينت أقل مدة الحمل

    السؤال

    ورد في سورة لقمان الآية التالية "ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير "أي مدة الفصال بموجب هذه الآية 24 شهرا .
    وفي سورة الأحقاف وردت الآية التالية"ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثين شهر إلى نهاية الآية"فلو نقصنا مدة 24 شهرا الواردة في سورة لقمان من مدة 30 شهرا الواردة في سورة الأحقاف تبقى مدة 6 أشهر هي مدة الحمل ولكن مدة الحمل الاعتيادية والمعروفة هي 9 أشهر فما هو تفسير ذلك أرجو إجابتكم جزاكم الله كل خير.

    الإجابــة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    فالآية ذكرت أقل مدة الحمل ولم تذكر غالبه لأن غالبه أمر معروف لا يحتاج إلى ذكر، وفي ذكر أقل مدة الحمل فائدة عظيمة بحيث يعلم أن من كانت زوجة وأتت بولد بعد ستة أشهر من زواجها فإنه للزوج صاحب الفراش

    فإن معنى الآية -والله أعلم- أن مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، سنتان منها هي مدة الرضاع الكامل، لقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]. يبقى من الثلاثين شهراً ستة أشهر، وهي أقل أمد الحمل الذي يعيش معه المولود.

    والله أعلم.

     

     


  16. السؤال

     كيفية الجمع بين هاتين الآيتين: " إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء" و قوله تعالى " واني لغفار لمن تاب و امن و عمل صالحا ثم اهتدى" ؟

    الإجابــة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

    فإنه لا تعارض بين الآيتين فالآية الأولى تفيد أنه سبحانه تعهد على نفسه بالمغفرة لمن تاب إليه وعمل الأعمال الصالحة كما قال في الآية الأخرى : فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ {المائدة: 39 } وقال تعالى : وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ {الفرقان: 69 ـ 70 } وقال تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {الأنعام: 54 }

    وأما الآية الأخرى فإن شطرها الأول الوارد في الكفار محمول على عدم غفران الشرك إذا مات صاحبه عليه ، وأما لو آمن المشرك فإنه يغفر له اتفاقاً لقوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى {طه: 82 } ولقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ {الأنفال: 38 }

    وأما الجملة الأخرى الواردة فيما دون الشرك فإنه قد حملها أهل العلم على العصاة المسلمين الذين ما توا قبل التوبة ، فهم داخلون تحت مشيئة الله إن شاء غفر لهم وعفا عنهم تفضلاً وتكرماً منه سبحانه وتعالى ، وإن شاء عذبهم وعاقبهم على معاصيهم ، وأما لو تاب العاصي قل الوصول إلى الغرغرة فإنا نرجو له المغفرة من الله تعالى لقوله تعالى : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ {النساء: 17 } وللآيات التي ذكرناها سابقاً .

    والله أعلم .

    اسلام ويب


     


  17. كيف نجمع بين آية: (وأما بنعمة ربك فحدث)، وحديث: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان"؟
     

     

    السؤال

    كيف أوفق بين هذه الآية (وأما بنعمة ربك فحدث)، وهذا الحديث: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود" لأن أخي سألني عن هذا الحديث ولم أعرف الرد عليه حتى الآن؟


    ملخص الجواب

    لا تعارض بين قوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) وحديث: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود"، على فرض صحته، وقد ذكر العلماء في التوفيق بينهما : أن الكتمان يكون قبل حصول الحاجة، فإذا حصلت، وأنعم الله عليه ببلوغه ما يريد، فإنه يتحدث بالنعمة ويشكر الله عليها، ما لم يخش من حاسد. وينظر الجواب المطول لمزيد من التفصيل في ذلك .


    الجواب


     

     


    الحمد لله.
    التوفيق بين آية: (وأما بنعمة ربك فحدث)، وحديث: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان".


    لا تعارض بين قوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) وحديث: "استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود"، على فرض صحته، وقد وفق العلماء بينهما:
    فالكتمان يكون قبل حصول الحاجة، فإذا حصلت، وأنعم الله عليه ببلوغه ما يريد، فإنه يتحدث بالنعمة ويشكر الله عليها،
    ما لم يخش من حاسد.


    قال المناوي رحمه الله:
    " (استعينوا على إنجاح الحوائج) لفظ رواية الطبراني: (استعينوا على قضاء حوائجكم) (بالكتمان) أي: كونوا لها كاتمين عن الناس، واستعينوا بالله على الظفر بها، ثم علل طلب الكتمان لها بقوله: (فإن كل ذي نعمة محسود) يعني: إن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم، وموضع الخبر الوارد في التحدث بالنعمة: ما بعد وقوعها، وأمن الحسد " انتهى من " فيض القدير " (1/493).

    ويدل على جواز كتمان النعم، خوفاً من الحسد، قوله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ).

    قال ابن كثير رحمه الله:
    "قوله تعالى: (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك...)، يؤخذ من هذا، الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث: (استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود) " انتهى من " تفسير ابن كثير " (4/318).



    ما المقصود بالتحديث بالنعمة؟

    وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المقصود من التحديث بالنعمة: هو القيام بشكرها، وإظهار آثارها، فإذا أنعم الله عليه بالمال شكر الله تعالى على هذه النعمة، وأكثر من التصدق والكرم والجود، حتى يقصده الفقراء والمحتاجون كان هذا هو المقصود بالتحديث بالنعم، وليس المراد تعديد ثروته، وإخبار الناس بما عنده، فإن هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا هو ـ أيضا ـ من فعل ذوي الحزم والهيئات.

    قال القاسمي رحمه الله:
    "(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أي: بشكرها وإظهار آثارها، فيرغب فيما لديه منها، ويحرص على أن يصدر المحاويج عنها. وهذا هو سر الأمر بالتحدث بها.

    وفي الآية تنبيه على أدب عظيم، وهو التصدي للتحدث بالنعمة وإشهارها، حرصا على التفضل والجود والتخلق بالكرم، وفرارا من رذيلة الشح الذي رائده كتم النعمة والتمسكن والشكوى.
    قال الإمام [يعني: الشيخ محمد عبده]: من عادة البخلاء أن يكتموا مالهم، لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل، أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه. فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين.
    فهذا هو قوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أي: إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء. وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن هذا من الفخفخة التي يتنزه عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم. ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض. ولكن الذي عرف عنه أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويا.

    وقد يقال: إن المراد من النعمة النبوة. ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله: (وَوَجَدَكَ عائِلًا) فتكون النعمة بمعنى الغنى" انتهى من "محاسن التأويل" (9/493)، وينظر: "تفسير جزء عم" للشيخ محمد عبده (112).
    على أن التحديث بالنعم لا يلزم أن يكون على سبيل التفصيل، بل قد يكون إجمالاً، بأن يقول: إن الله أنعم علىَّ بالصحة والغنى والهداية، ولا يفصل في ذكر هذه النعم.


    قال السعدي رحمه الله:
    "(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ): وهذا يشمل النعم الدينية والدنيوية؛ أي: أثن على الله بها، وخُصها بالذكر، إن كان هناك مصلحة، وإلا؛ فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها؛ فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن" انتهى من " تفسير السعدي " (ص 928).

    والله أعلم .

    الاسلام سؤال وجواب

     


  18. تدبر سورة النازعات
    (الأثر الإيماني و السلوكي)

     

    🖋الآيات :

    ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) ﴾

    الأثر الإيماني:

    •الإيمان بالملائكة وأنهم جند لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون
    • للموت شدة وسكرات ولكنها تختلف بحسب إيمان العبد
    وكفره وصلاح أعماله وفسادها



    الأثر السلوكي:

    • الاجتهاد في إصلاح قلوبنا وأعمالنا والاستعداد لملاقاة ربنا وندعوه أن يحسن خاتمتنا وأن يهون علينا سكرات الموت و أن يدخلنا الجنة برحمته

    الحديث:

    • عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يردد ساعة موته :” لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات ” صحيح البخاري


    🖋الآيات :

    ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ(10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14)﴾

    الأثر الإيماني:

    • تقرير عقيدة البعث والجزاء بالإقسام عليها وذكر كيفية وقوعها
    • اثبات النفخ في الصور بالكيفية التي أقرها الكتاب والسنة:
    – الراجفة هي النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل العوالم ويفنى فيها كل شيء..
    • الرادفة هي النفخة الثانية وهي نفخة البعث من القبور أحياءً بإذن الله عز وجل وبين النفختين أربعين سنة
    الأثر السلوكي:
    • يقسم الله بما يشاء من مخلوقاته بخلاف العبد فلا يجوز له أن يقسم بغير الله جل جلاله
    • هذه الدنيا فانية والموت فيها بلا رجعة وهذا إثبات على أنها دار عمل وليست دار قرار وراحة



    الحديث:

    •قال صلى الله عليه وسلم : «كيف أنعَمُ وصاحب القرن قدِ الْتقم القرن، وحنَى جبهته، يَسمع متى يُؤْمَر فينفخ؟، فقال أصحاب محمَّد: كيف نقول؟ قال: قولوا: حسبُنا الله ونعم الوكيل، على الله توكَّلنا» رواه أحمد وقال محققوه هو حديث حسن لغيره


    🖋الآيات:

    ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ(18) وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ (20) فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ(21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ (22) فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ(25) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (26) ﴾

    الأثر الإيماني:

    • ادعاء فرعون الربوبية وتجاوزه الحد في الطغيان والظلم والإستكبار
    • إنتقام الله من الطغاة نكالًا وعبرة في الدنيا والآخرة
    • كف النفس عن الهوى موجب للهداية
    الأثر السلوكي:
    • الإعتبار بعقوبة العُتاه والفُجّار
    • الرفْق في مُخاطبة الآخرين خاصة عند الدعوة إلى الله .



    الحديث:

    •قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :
    (‏‎إن الله رفيق يحب الرفق , وإن الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف)



    🖋الآيات:

    ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا(31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(33) ﴾

    الأثر الإيماني:

    • عظم قدرة الله وسطوته على خلقه وعظيم إنعامه وتفضله عليهم وهذا ما يجعلنا نعبده بين الرجاء والخوف نرجو رحمته ونخشى عذابه


    الأثر السلوكي:

    •التعرف إلى الله بأسمائه وصفاته وبالتأمل في آيات الله الكونية والشرعية فإنه إذا عرف الآمر سهلت الأوامر فحري لمن عرف الله حق المعرفة أن يخشاه وينقاد لهداه


    الحديث:

    • روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله -أي ابن مسعود- قال: “جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}


    🖋الآيات:

    ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ(35)وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ(36)فَأَمَّا مَن طَغَىٰ (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ(39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41) ﴾

    الأثر الإيماني :

    • لا ينفع الندم ولا تقبل التوبة عند غرغرة الروح وعند قيام الساعة لإنتهاء دار العمل و لأن الغيب أصبح حقيقة
    • في يوم الحساب ، تنشر الصحف ، وتعرض الأعمال ،ويتكلم الشهود ، ويعرف الإنسان ماقدم وأخر ، وماعمل من خير وشر ، صغر أم كبر .



    الأثر السلوكي:

    • استشعار الخوف من الوقوف بين يدي الله والمحاسبة الدورية للذات، ونهي النفس عن الأهواء الفاسدة.
    • لنعمل لذلك اليوم ، ونعد له العدة بتقوى الله ، والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، ومحاسبة النفس قبل أن تحاسب في يوم لا يخفى على الله منا خافية .
    • مجاهدة النفس على مخالفة الهوى حتى تنال رضى الله والجنة وتنجو يوم الفزع الأكبر



    الحديث:

    • عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقرا مُنسيا، أو غنى مُطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مُفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظرُ، أو الساعة والساعة أدهى وأمر؟!)) رواه الترمذي وقال : حديث حسنٌ.

    🖋الآيات:

    ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)﴾

    الأثر الإيماني:

    •استئثار الله تعالى بعلم الغيب والساعة..وأنه يأتي بغتة ..
    • بيان أن الشدائد ينسي بعضها بعضا..فإن عذاب القبر يهون أمام عذاب النار..



    الأثر السلوكي:

    • يجب علينا الاستعداد ليوم البعث والحساب بالعمل الصالح فالإيمان الراسخ بيوم القيامة وتفاصيل ما يحدث فيه كما ورد في الكتاب والسنة يورث الخوف الذي يدفع الإنسان للعمل لآخرته

    الحديث:

    • لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة قال: ( ماالمسؤول عنها بأعلم من السائل)

    موقع بصائر
     

  19. image.png.53b7cca0e2c5eda2780b4801938f550c.png

    فيديو قصير لامجد سمير

    https://www.facebook.com/reel/732638519533636


    شرح مفصل للحديث

     

    - ما أصاب أحدًا قطُّ همٌّ ولا حَزَنٌ فقال اللهمَّ إني عبدُك ابنُ عبدِك ابنُ أمَتِك ناصيَتي بيدِك ماضٍ فيَّ حُكمُك عَدْلٌ فيَّ قضاؤُك أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أوْ علَّمْتَه أحدًا مِنْ خلقِك أو أنزلته في كتابِك أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك أنْ تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي ونورَ صدري وجلاءَ حُزني وذهابَ هَمِّي إلا أذهب اللهُ همَّه وحُزْنَه وأبدله مكانه فَرَجًا قال : فقيل : يا رسولَ اللهِ ألا نتعلمُها فقال : بلى ينبغي لِمَنْ سمِعها أنْ يتعلمَها

    خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح
    الراوي : عبدالله بن مسعود| التخريج : أخرجه أحمد (3712)

     

    الدُّعاءُ هو العِبادةُ، وهو يُعبِّرُ عن امتلاءِ قَلْبِ المؤمنِ بالثِّقةِ في اللهِ سُبحانه، وقد علَّمَنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأوقاتَ المفضَّلةَ في الدُّعاءِ، كما علَّمَنا كيفيَّةَ الدُّعاءِ بجوامعِ الكلِمِ وبصِيَغٍ مخصوصةٍ في أوقاتٍ معيَّنةٍ.

     
    وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قال:
    "ما أصاب أحدًا"، أي: حلَّ به ونزَلَ عليه، "قطُّ"، أي: أبدًا، "هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فقال: اللَّهُمَّ"، أي: نادى ربَّه قائلًا: يا اللهُ، "إنِّي عبْدُك، وابنُ عبْدِك، وابنُ أَمَتِك" أيْ: ابنُ جارِيَتِكَ، وهذا كلُّه اعتِرافٌ بالعُبوديَّةِ للهِ، ناصيَتي بيدِك، أي: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بكَ، وهو مُقتبَسٌ مِن قولِه تَعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}  "ماضٍ فيَّ"، أي: ثابِتٌ ونافِذٌ في حَقِّي، حُكمُك أي: حُكْمُك الأمْريُّ، أو الكونيُّ؛ كإهْلاكٍ وإحياءٍ، ومَنْعٍ وعَطاءٍ، "عدْلٌ فيَّ قضاؤُك"، أي: ما قَدَّرْتَهُ عليَّ؛ لأنَّك تصرَّفْتَ في مُلْكِكَ على وَفْقِ حِكْمتِكَ، "أسأَلُك بكلِّ اسمٍ هو لك"، أي: أدْعوك وأطلُبُ منك بكلِّ أسمائِك، "سمَّيْتَ به نفْسَك"، أي: ذاتَكَ، وهو مُجْمَلٌ، وما بعدَهُ تَفصِيلٌ له على سبِيلِ التَّنويعِ الخاصِّ، والمعنى: أنَّك يا ربِّي وضَعْتَ ألفاظًا مخصوصةً، وسمَّيْتَ بها نفْسَك، "أو علَّمْتَه أحدًا مِن خلْقِك"، أي: مِن الرُّسلِ، أو الملائكةِ، أو الأولياءِ، ومِن خُلاصَتِهِم، "أو أنزَلْتَه في كتابِك"، أي: في أيِّ كتابٍ مِن الكُتبِ المنزَّلةِ على الرُّسلِ، "أو استأثرْتَ به في عِلْمِ الغيبِ عندَك"، أي: انفردْتَ بعِلْمِه، وهذا محمولٌ على أنَّه انفرَدَ به بنفْسِه، ولا ألْهَمَه أحدًا ولا أنزَلَه في كتابٍ، "أنْ تَجعَلَ القرآنَ ربيعَ قَلْبي" فكما أنَّ الرَّبيعَ زمانٌ فيه إظهارُ آثارِ رحمةِ اللهِ تعالى، وإحياءِ الأرضِ بعدَ موتِها، فكذلك القرآنُ يَظهَرُ منه تَباشيرُ لُطْفِ اللهِ؛ مِن الإيمانِ والمعارفِ، وتزولُ به ظُلماتُ الكفْرِ والجَهالةِ والهُمومِ، "ونُورَ صَدْري"، أي: نورَ قَلْبي، فيَستضيءُ بنُورِ كلامِ اللهِ، فيَنشرِحُ صَدْري، "وجِلاءَ حُزْني، وذَهابَ هَمِّي"، أي: إزالَتَه وانكشافَ ما يُحزِنُني ويُصِيبني بالْهَمِّ، "إلَّا أذهَبَ اللهُ هَمَّه وحُزْنَه، وأبدَلَه مكانَه فرَجًا"، وهذه نتيجةٌ للدُّعاءِ السَّابقِ واستجابةٌ مِن اللهِ لعَبْدِه، قال ابنُ مسعودٍ رضِيَ اللهُ عنه: "فقِيل: يا رسولَ اللهِ، ألَا نَتعلَّمُها؟ فقال: بَلى، يَنْبغي لمَن سمِعَها أنْ يَتعلَّمَها"، أي: يتوجَّبُ أنْ يتعلَّمَها كلُّ مَن سمِعَها؛ لِعِظَمِ ما في هذه الكلماتِ والدَّعواتِ، وكلُّ إنسانٍ مُحتاجٌ إليها.
     
    وفي الحديثِ: أنَّ الأسماءَ الحُسنى غيرُ مَحصورةٍ في عددٍ مُعيَّنٍ، بلْ منها ما لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ.
    وفيه: بيانُ أهمِّيَّةِ الدُّعاءِ والتَّوسُّلِ إلى اللهِ في إزالةِ الكُرباتِ .
     
    الدرر السنية
     

  20.  

     

     

    سورة الذاريات

    1- علمتني سورة الذاريات: أن العطاء والمنع بيد الله تعالى.

     

    2- علمتني سورة الذاريات: أن المتقين يختمون صلاتهم بالليل بالاستغفار بالأسحار، فجمعوا بين الإحسان والخوف بخلاف من جمع بين الإساءة والأمن من مكر الله: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (17، 18).

     

    3- علمتني سورة الذاريات: أن الأسحار وقت إجابة الدعاء: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (18)، وقال أكثر المفسرين في قول يعقوب عليه السلام: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: 98] أنه أخرهم إلى وقت السحر؛ لأنه وقت إجابة الدعاء.

     

    4- علمتني سورة الذاريات: أن الضيف يُكرم لا يشاور ولا يستأذن: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (26)، فقد أكرم إبراهيم عليه السلام الملائكة ولو استأذنهم لامتنعوا؛ لأنهم لا يأكلون

     

    5- علمتني سورة الذاريات: أن من أنواع العبادات: التفكر في آيات الله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (20-21).

     

    6- علمتني سورة الذاريات: كرم إبراهيم عليه السلام وتلطفه مع ضيوفه: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (27)، فأدنى لهم العجل المشوي هو بنفسه، ولم يأمر من يقدّمه لهم من خادم أو غيره، ولم يأمرهم أن يقوموا ويقربوا إليه.

     

    7- علمتني سورة الذاريات: أن العظماء لا تشغلهم قضاياهم الخاصة عن قضايا الأمة، تأمل حال إبراهيم حين بشرته الملائكة بغلام فكان سؤاله بعدها: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (31).

     

    8- علمتني سورة الذاريات: أن النجاة للمؤمنين: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (36)، دون أن يقول: (فأخرجنا لوطًا وأهل بيته)، أي أن الله نجاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم، لا لأجل أنهم أهل لوط .

     

    9- علمتني سورة الذاريات: اللجوء إلى الله في كل شيء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (50).

     

    10- علمتني سورة الذاريات: أن حكمة خلق الإنس والجن هي عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (56).

     

    image.png.45994b18ff52ed66be98d760773f136f.png

     

     

     

    سورة الذاريات

    1- علمتني سورة الذاريات: أن العطاء والمنع بيد الله تعالى.

     

    2- علمتني سورة الذاريات: أن المتقين يختمون صلاتهم بالليل بالاستغفار بالأسحار، فجمعوا بين الإحسان والخوف بخلاف من جمع بين الإساءة والأمن من مكر الله: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (17، 18).

     

    3- علمتني سورة الذاريات: أن الأسحار وقت إجابة الدعاء: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (18)، وقال أكثر المفسرين في قول يعقوب عليه السلام: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: 98] أنه أخرهم إلى وقت السحر؛ لأنه وقت إجابة الدعاء.

     

    4- علمتني سورة الذاريات: أن الضيف يُكرم لا يشاور ولا يستأذن: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (26)، فقد أكرم إبراهيم عليه السلام الملائكة ولو استأذنهم لامتنعوا؛ لأنهم لا يأكلون

     

    5- علمتني سورة الذاريات: أن من أنواع العبادات: التفكر في آيات الله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (20-21).

     

    6- علمتني سورة الذاريات: كرم إبراهيم عليه السلام وتلطفه مع ضيوفه: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (27)، فأدنى لهم العجل المشوي هو بنفسه، ولم يأمر من يقدّمه لهم من خادم أو غيره، ولم يأمرهم أن يقوموا ويقربوا إليه.

     

    7- علمتني سورة الذاريات: أن العظماء لا تشغلهم قضاياهم الخاصة عن قضايا الأمة، تأمل حال إبراهيم حين بشرته الملائكة بغلام فكان سؤاله بعدها: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (31).

     

    8- علمتني سورة الذاريات: أن النجاة للمؤمنين: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (36)، دون أن يقول: (فأخرجنا لوطًا وأهل بيته)، أي أن الله نجاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم، لا لأجل أنهم أهل لوط .

     

    9- علمتني سورة الذاريات: اللجوء إلى الله في كل شيء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّـهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (50).

     

    10- علمتني سورة الذاريات: أن حكمة خلق الإنس والجن هي عبادة الله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (56).

     


  21.  

     

    سورة الحجرات

    1- علمتني سورة الحجرات : أن الأخلاق أساس بناء المجتمع.

     

    2- نادتني سورة الحجرات:: احذر أن تقدم الآراء والأهواء على القرآن والسنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۚ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (1).

     

    3- علمتني سورة الحجرات : تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقيره، والتزام توجيهاته وأوامره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ (2).

     

    4- نادتني سورة الحجرات:: كم من مسرور بعمله، وهو عند الله هباءٌ منثورٌ: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (2).

     

    5- علمتني سورة الحجرات : عدم نشر الإِشاعات، والتثبت من الأخبار، لاسيما إن كان القائل غير عدل، فكم من كلمةٍ نقلها فاجر فاسق سبَّبت كارثةً من الكوارث: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ (6).

     

    6- علمتني سورة الحجرات : أنه إذا تقاتل طائفتان من المسلمين فعلينا: الدعوة إلى الصلح وهو تحكيم كتاب الله، فإذا لم تقبل إحداهما الصلح وجب على المسلمين قتالها؛ لأنها هي الباغية، فإذا رجعت الباغية وقبلت تحكيم كتاب الله فيجب تطبيق العدل بينهما: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ...﴾ (9).

     

    7- علمتني سورة الحجرات: أن الله تعالى يرشدنا إلى الأخوة في الدين ووجوب الإصلاح والتراحم وتقوى الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (10).

     

    8- حذرتني سورة الحجرات: من الغيبة والتجسس والظن السيء بالمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب ...﴾ (12).

     

    9- علمتني سورة الحجرات : أن المُفاضلة عند الله قائمة على التقوى، فاحذر التعصب المقيت: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (13).

     

    10- علمتني سورة الحجرات: أن كل ما يحصل للمؤمن من فضل فالمنّة في ذلك كله لله وحده: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّـهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (17).

    image.png.45994b18ff52ed66be98d760773f136f.png

     

     

    سورة ق

    1- علمتني سورة ق: تذكُّر القيامة وأهوالها، والحذر من أسباب الانحراف والابتعاد عنها.

     

    2- علمتني سورة ق: التفكر في خلق السموات والأرض: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا ... تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (6-8).

     

    3- علمتني سورة ق: أن التَّكذيب بالرُّسُلِ عادة الأممِ السَّابقةِ، وعقاب المُكذِّبين سنَّة إلهية: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (14).

     

    4- نادتني سورة ق:: حتَّى الخواطرُ والأفكارُ، أنت مراقَبٌ عليها: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (16)، ولكن من رحمته بك أنك لست عليها بمُحاسب.

     

    5- نادتني سورة ق:: هل ترضى لنفسك أن تسمع هذه الكلمات وتكون من مزيد جهنم؟: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (30).

     

    6- نادتني سورة ق:: اختر لنفسك: طريق النار أو طريق الجنة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (30)، ثم قال بعدها: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (31)، النار تتسع لكل المجرمين والكفار لو ألقوا فيها، والجنة أدنيت من المؤمنين حتى تكون بمرأى منهم زيادة في إكرامهم، فبعد هذا التصوير الدقيق؛ يا تُرى ماذا تختار؟!

     

    7- نادتني سورة ق:: راقب ربك في الخلوة أكثر من العلانية، وأكثر من عبادة السر، فإنها منجاة: ﴿مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ﴾ (33).

     

    8- علمتني سورة ق: أن الاستفادة من هذا القرآن إنما تقع لمن كان له قلبٌ حيٌّ، يستمع لآيات القرآن منصتًا متدبرًا لما يتلى، كأنها قد كتبت فيه: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (37).

     

    9- علمتني سورة ق: أن الأقوال أكثر ألمًا للعُقلَاء وأعمق جُرحًا، فقد كانت أذِيَّتُهم أفعالًا وأقوالًا، ومع ذلك قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ (39).

     

    10- نادتني سورة ق:: حينما يظلمُك أحدُهم ويَكذبُ عليك، فلا تقلق واستحضِر شهادةَ علَّامِ الغُيوبِ: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (45).

     

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×