اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    4338
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    48

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [القصص : 34]

    ذكر مزايا الآخرين لايصدر إلا من نفس كبيرة تستحق التقدير .
    طلب سيدنا موسى ان يكون هارون (ردءا) معه فجعله الله (عضدا) له سبحان من يعطي فوق الامل ...
    لم يحسد موسى عليه السلام أخيه ولم يقلل من قدراته ليفوز بالخير لنفسه ، بل أشار إليه وبين موهبته ليشاركه في سبيل نجاح الدعوة... فقد تميز هارون بالفصاحة بينما تميز موسى بالفعل والعمل والسعي ..
    اترك حظوظ نفسك  واعترف بمزايا من حولك ..فالاعتراف بمزايا الآخرين من صفات الأنبياء والصالحين ..

    تأملوا إنكار مزايا الآخرين من إبليس (قال انا خير منه.....) تلك هي صفات نفوس الشياطين والحساد ...
    اعترافك بتفوق غيرك يساهم في كمالك فالذي ينقصك يكمله غيرك .. اعرف قدرك ياعزيزي ... واكتشف الصفات الإيجابيه في اخوتك لتتعاون معهم وتتغلب على متاعب الحياة ..



    وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
    1-  موسى طلب أن يكون هارون (ردء) معه، فجعله الله (عضدا) له . فالله يعطى فوق الأمل /عقيل الشمري
    2-  "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا"من أهم صفات القائد أن يعرف نقاط ضعفه ، ويعرف بمن يسدها .. عبد الله المبرد/ محمد الربيعة
    3-  وأخي (هارون هو افصح) مني لسانا" في غيابك يعدد محاسنك أصحاب النفوس الطاهرة الجميلة. / عبدالله بن بلقاسم
    4-  ‏من النبل أن تعترف بفضل صديقك أو منافسك ولو في بعض الخصال (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا( . . / سلمان العودة
    5- لو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال لكان هارون أولى بالرسالة من موسى #ﷺ :﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لساناً ﴾  ابن_الجوزي  / وليد العاصمي
    6- سبيل نجاحك في كل أمورك: اعرف إمكاناتك وكمل جوانب النقص فيها ﴿ وأَخي هارُونُ هُو أَفصَحُ منِّي لسانًا ﴾ / روائع القرأن
    7-  مهما بلغت من العلم والمعرفة فإنك محتاج إلى الاستفادة من غيرك؛فإن موسىﷺوهو رسول قد قال(وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني). / سعود الشريم
    8- ﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لساناً ﴾ ، كان في لسان موسى لثغة ، بسبب تناول الجمرة حين خُيّر بينها وبين التمرة فأخذ الجمرة. / ‏فرائد قرآنية
              

    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر

    48384312_318232575446237_6261494845014016000_o.jpg?_nc_cat=103&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=SgGu-EL_Jw0AX9finR9&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=1bf4a564cc4463094691d6488491363d&oe=5F33F3D4

     


  2. ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾ [الْفَجْرِ: 1 - 3]، جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَشْرَ عَشْرُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعَ يَوْمُ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

     

    أَيُّهَا النَّاسُ: حِينَ يُفَضِّلُ اللَّهُ تَعَالَى زَمَنًا مِنَ الْأَزْمِنَةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ يُفَضِّلُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ؛ فَإِنَّ تَعْظِيمَ الْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّقْوَى ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الْحَجِّ: 32].

     

    وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ زَمَنٌ عَظِيمٌ، اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهَا؛ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، إِضَافَةً إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْأُخْرَى؛ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ وَالتَّكْبِيرِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَسَقْيِ الْمَاءِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا؛ فَإِنَّهَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الْعَظِيمِ أَفْضَلُ مِنْ مِثْلِهَا فِي غَيْرِهِ؛ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى...». فَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي الْقُرْآنِ.

     

    قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ: «وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ».

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِمَا؛ فَإِنَّ الْحَجَّ رُكْنُ الْإِسْلَامِ الْخَامِسُ، وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: صِيَامُ تِسْعِ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيُشْرَعُ تَخْصِيصُ الْعَشْرِ بِهِ؛ لِفَضِيلَةِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَلَا سِيَّمَا صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «... صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ...» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: كَثْرَةُ الذِّكْرِ، وَلَا سِيَّمَا التَّكْبِيرُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾ [الْحَجِّ: 27]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَيَّامُ الْعَشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَجْزُومًا بِهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: «يَعْنِي: عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. قِيلَ لَهَا: ﴿ مَعْلُومَاتٍ ﴾ لِلْحِرْصِ عَلَى عِلْمِهَا بِحِسَابِهَا مِنْ أَجْلِ وَقْتِ الْحَجِّ فِي آخِرِهَا». وَدَلَّتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى الذِّكْرِ فِيهَا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُرَطِّبَ لِسَانَهُ فِي الْعَشْرِ بِالذِّكْرِ تَهْلِيلًا وَتَكْبِيرًا وَتَحْمِيدًا، «وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ: يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَجْزُومًا بِهِ.

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: كَثْرَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الذِّكْرِ، وَقَدْ أُمِرَ بِالذِّكْرِ فِي الْعَشْرِ؛ وَلِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. فَيَا لَهُ مِنْ فَضْلٍ عَظِيمٍ وَثَوَابٍ كَبِيرٍ فِي أَيَّامٍ مُفَضَّلَةٍ لِمَنْ عَمَرَهَا بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ.

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: تَخْصِيصُ لَيَالِيهَا بِالْقِيَامِ، وَمَنْ كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ دَأْبَهُ فَلْيَزِدْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِفَضْلِ الْعَمَلِ فِيهَا؛ فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ تَتَنَاوَلُ لَيَالِيَ الْعَشْرِ كَمَا تَتَنَاوَلُ نَهَارَهَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «لَا تُطْفِئُوا سُرُجَكُمْ لَيَالِيَ الْعَشْرِ»، تُعْجِبُهُ الْعِبَادَةُ وَيَقُولُ: «أَيْقِظُوا خَدَمَكُمْ يَتَسَحَّرُونَ لِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ».

     

    وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَسَقْيُ الْمَاءِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَلِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْدَمِينَ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 274]. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِ؟!

     

     

    اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 223].

     

    أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ خَصَائِصِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي يَوْمِ النَّحْرِ بِالْأَضَاحِي، وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، فَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرْشَدَ أُمَّتَهُ إِلَيْهَا؛ فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ، ثُمَّ قَالَ: اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

     

    وَمَنْ نَوَى الْأُضْحِيَّةَ فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ فِي الْعَشْرِ حَتَّى تُذْبَحَ أُضْحِيَّتُهُ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

     

    فَلْنَحْرِصْ -عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى اغْتِنَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَمَنْ حُرِمَ الْحَجَّ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إِلَيْهِ فَلْيُبَرْهِنْ عَلَى ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ؛ فَإِنَّهَا مَيْدَانٌ كَبِيرٌ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الْحَجِّ: 23].

     

     

    فَلْنُحْسِنْ -عِبَادَ اللَّهِ- اسْتِقْبَالَ هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ، وَلْنَقْضِهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهَا مَوْسِمٌ عَظِيمٌ، وَالرِّبْحُ فِيهَا كَبِيرٌ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النَّحْلِ: 97].

     

    بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ...

    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

    شبكة الالوكة



  3. القاعدة الحادية والعشرون : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين }


    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فهذا مرفأ جديد إلى حلقة جديدة من هذه السلسلة الموسومة بـ (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى والتعامل مع خلقه، هي قاعدة تمثل سفينةً من سفن النجاة، وركناً من أركان الحياة الاجتماعية، وهي ـ لمن اهتدى بهديها ـ علامة خير، وبرهان على سمو الهمة، ودليل على كمال العقل، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (119)} [التوبة]

    أيها الإخوة:
    هذه القاعدة المحكمة جاءت تعقيباً على قصة جهاد طويل، وبلاء كبير في خدمة الدين، والذب عن حياضه، قام به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه رضي الله عنهم، وذلك في خاتمة سورة التوبة ـ التي هي من آخر ما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى:
    { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة].
    والمعنى: أن هؤلاء الذين تاب الله عليهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والثلاثة الذين خلفوا ـ هم أئمة الصادقين، فاقتدوا بهم.

    وأنت ـ أيها المبارك ـ إذا تأملتَ مجيء هذه القاعدة القرآنية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } بعد هذه الآيات، أدركتَ أن الصدق أعمّ من أن يختصر في الصدق في الأقوال! بل هو الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، التي كان يتمثلها نبينا - صلى الله عليه وسلم - في حياته كلها، قبل البعثة وبعدها.
    ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق اللهجة، عف اللسان، أميناً وفيًّا حافظاً للعهود قبل بعثته، عرف بالصادق الأمين، وكان ذلك سبباً في إسلام بعض عقلاء المشركين، الذين كان قائلهم يقول: لم يكن هذا الرجل يكذب على الناس أفتراه يكذب على الله؟!

    أيها الإخوة:
    كثيرٌ من الناس حينما يسمع هذه القاعدة القرآنية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } لا ينصرف ذهنه إلا للصدق في الأقوال، وهذا في الحقيقة تقصير في فهم هذه القاعدة، وإلا لو تأمل الإنسان سياقها لعلم أنها تشمل جميع الأقوال والأفعال والأحوال كما تقدم.

    يا أهل القرآن:
    إن للصدق آثاراً حميدة، وعوائد جليلة ، وهو دليل على رجحان العقل، وحسن السيرة، ونقاء السريرة.
    ولو لم يكن للصدق من آثار إلا سلامته من رجس الكذب، ومخالفة المروءة، والتشبه بالمنافقين، فضلاً عما يكسبه الصدق من عزة، وشجاعة، تورثه كرامة، وعزة نفس، وهيبةَ جناب، ومن تأمل في قصة الثلاثة الذين خلفوا أدرك حلاوة الصدق ومرارة الكذب ولو بعد حين.
    ومن تأمل في الآيات الواردة في مدح الصدق والثناء على أهله وجدَ عجبا عجاباً!
    ولو أخذتُ في سرد الآيات الواردة فيه سرداً فقط لانقضى وقت الحلقة قبل أن تنقضي الآيات، ولكن حسبنا أن نشير إلى جملة من الآثار التي دلّ عليها القرآن للصدق وأهله في الدنيا والآخرة:

    1- فالصادق سائر على درب الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الذين أثنى الله عليهم في غير ما آية بالصدق في الوعد والحديث.

    2- والصادق معانٌ ومنصورٌ، ويسخر الله له من يدافع عنه من حيث لا يتوقع، بل قد يكون المدافع خصماً من خصومه، تأمل في قوله سبحانه:
    { قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)}[يوسف].

    3- والصادق يسير في طريق لاحب إلى الجنة، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
    « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا » [أخرجه الشيخان]، وقد قال الله عز وجل ـ مبيناً صفات أهل الجنة: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} [آل عمران].

    4- وأهل الصدق هم الناجون يوم العرض الأكبر على ربهم، كما قال تعالى:
    { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (119)} [المائدة].

    5- والصادقون هم أهلٌ لمغفرة الله وما أعده لهم من الأجر والثواب العظيم، قال سبحانه وتعالى:
    { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} [الأحزاب].

    وبعد هذا.. فإن من المحزن والمؤلم أن يرى المسلم الخرق الصارخ ـ في واقع المسلمين ـ لما دلّت عليه هذه القاعدة القرآنية المحكمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}!
    فكم هم الذين يكذبون في حديثهم؟
    وكم هم الذين يخلفون مواعيدهم؟
    وكم هم أولئك الذين ينقضون عهودهم؟
    أليس في المسلمين من يتعاطى الرشوة ويخون بذلك ما اؤتمن عليه من أداء وظيفته؟
    أليس في المسلمين من لا يبالي بتزوير العقود، والأوراق الرسمية؟
    وغير ذلك من صور التزوير؟
    لقد شوّه هؤلاء ـ وللأسف - بأفعالهم وجهَ الإسلام المشرق، الذي ما قام إلا على الصدق.
    وإنك لتعجب من مسلم يقرأ هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } ومع ذلك يمارس كثير من المسلمين الكذب مع وفرة النصوص الشرعية التي تأمر بالصدق وتنهى عن الكذب!

    ليت هؤلاء يتأملون هذا الموقف، الذي حدّث به أبو سفيان قبل أن يسلم، حينما كان في أرض الشام،
    " إذ جيء بكتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل، فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
    قالوا: نعم،
    قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه،
    فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
    فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه،
    فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه،
    فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت" [رواه الشيخان].

    فتأمل ـ أيها المؤمن ـ كيف حاذر هذا الرجل الذي كان مشركاً يومئذ من الكذب، لأنه يراه عاراً وسُبةً لا تليق بالرجل الذي يعرف جلالة الصدق، وقبح الكذب؟! إنها مروءة العربي، الذي كان يعد الكذب من أقبح الأخلاق!
    ولهذا لما سئل ابن معين عن الإمام الشافعي قال: دعنا، والله لو كان الكذب حلالاً لمنعته مروءته أن يكذب [لسان الميزان:5/416].
    وجاء في ترجمة الحافظ إسحاق بن الحسن الحربي أن الإمام إبراهيم الحربي سئل عنه، فقال: ثقة، ولو أن الكذب حلال ما كذب إسحاق [تاريخ بغداد:6/382].
    وكان إبراهيم الحربي يقول في الإمام المحدث هارون الحمال: لو أن الكذب حلال لتركه هارون تنزهاً [تاريخ بغداد:14/22، وفي النص خلل، صحح من تذكرة الحفاظ:2/478].
    ولله درُّ الإمامِ الأوزاعي: أنه قال: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت.

    فأين من هذا أولئك الذين استمرؤوا الكذب، بل وامتهنوه، ولم يكتفوا بهذا بل روّجوا شيئاً من عادات الكفار في الكذب، كما هو الحال فيما يسمى بكذبة إبريل، ويزعم بعضهم أن تلك كذبة بيضاء، وما علموا أن الكذب كله أسود، إلا ما استثناه الشرع المطهر.
    ويقال: لو لم يكن من خسارة يجنيها هؤلاء الذين يكذبون إلا أنهم يتخلفون بكذبهم هذا عن ركب المؤمنين الصادقين، الذين عناهم الله بهذه القاعدة القرآنية المحكمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين }.
    ما أحرانا معشر الآباء والمربين، أن نربي أجيالنا على هذا الخلق العظيم، وبغض الكذب، وأن نكون لهم قدوات حية يرونها بأعينهم.

    يقول الأستاذ الأديب الكبير محمد كرد علي: "لو عَمَدنا إلى الصدق نجعله شعارنا الباطنَ والظاهر في عامة أحوالنا، لوفرنا على أنفسنا وعلى من يحتفون بنا وعلى القائمين بالأمر فينا أوقاتاً وأموالاً ولغواً وباطلاً، ولعشنا وأبناءنا سعداء لا نقلق ونَرَوّع، ممتعين بما نجني، مباركاً لنا فيما نأخذ ونعطي، ولعشنا في ظل الشرف، وتذوقنا معنى الإنسانية، ونَعِمْنا بالقناعة، وعَمّنا الرضى" [أقوالنا وأفعالنا:178].

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  4.  

     
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
     
    فقد أمرنا الله تعالى بالكسب والسعي في طلب الرزق الحلال، ويسَّر طلب الرزق لعباده، ولذلك قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].
     
     
     
    وأمر الله تعالى باختيار الطيب مما في الأرض، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51].
     
     
     
    وبالمال يقضي الإنسان حاجاته، ويلبي به رغباته، ولذلك يتعلق به قلبه ويحبه كثيرًا؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20].
     
     
     
    والمال نعمة عظيمة إن أحسن المسلم كسبه وإنفاقه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعَمرُو بن العاص: يا عمرُو، إنِّي أُريدُ أن أَبعثَك على جَيشٍ فيُغنِمَك اللهُ، وأَرغَبَ لك رغبةً منَ المالِ صالحةً، قال عمرو: قُلتُ: إنِّي لم أُسلِمْ رغبةً في المالِ، إنَّما أَسلَمْتُ رغبةً في الإسلامِ، فَأكونَ معَ رَسولِ اللهِ، فَقال: يا عمرُو،‍ نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالح)؛ رواه البخاري في الأدب المفرد.
     
     
     
    ولكننا أيها الأحبة مسؤولون عن نعمة المال من جهتين، سيسألنا الله تعالى عن كسبه وسيسألنا عن إنفاقه، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عَن عُمُرِه فيمَ أفناهُ وعن جسدِهِ، فيم أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وفيم أنفقَهُ)؛ رواه الترمذي وصححه الألباني.
     
     
     
    أيها الأحبة الكرام، لقد تساهل كثير منا معشر المسلمين في الكسب وأخذ المال من غير حلِّه دون مبالاة ولا خوف من الله تعالى، حتى ظن بعض الناس أن الحلال ما حل في أيديهم، فيأكل الحرام وربما يطعم أبناءه من المال الحرام عياذًا بالله، ولقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لاَ يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الحَلاَلِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ»؛ رواه البخاري في صحيحه.
     
     
     
    أيها الأحبة في الله، الكسب المحرم يوجب على آكله النار عياذًا بالله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)؛ رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني.
     
     
     
    وعن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخلُ الجنَّةَ جسدٌ غُذِيَ بحرامٍ)؛ صحَّحه الألباني في صحيح الترغيب 1730، وقال: صحيح لغيره عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
     
     
     
    • والكسب المحرم يمنع إجابة الدعاء، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟"؛ رواه مسلم في صحيحه.
     
     
     
     الكسب المحرم سبب لمحق البركة من المال، أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا))؛ رواه البخاري ومسلم.
     
     
     
     هناك صور متعددة من المكاسب المحرمة، ومنها:
     
    1- المعاملات المحرمة كالربا: والربا من كبائر الذنوب ومن أشدها إثمًا، قَاْلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، ولقد جاء التحذير من خطورة الربا أو التعامل به في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ"؛ رواه مسلم.
     
     
     
    وقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهَرٍ دم، وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ، فَسَأَلْتُ مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لِي: "آكِلُ الرِّبَا"؛ متفق عليه.
     
     
     
    2- ومن المكاسب المحرمة الاختلاس من المال العام: كاختلاس شيء من أموال الدولة ولوكان شيئًا يسيرًا، وهو من الغلول الذي قال الله فيه: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 161].
     
     
     
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنِ اسْتَعْمَلْناهُ مِنكُم علَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنا مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ، كانَ غُلُولًا يَأْتي به يَومَ القِيامَةِ)؛ رواه مسلم.
     
     
     
    3- ومن المكاسب المحرمة ما يكسبه الإنسان عن طريق الاحتيال أو الغش، ومن الغش عدم الإفصاح عما في السلعة من عيوب تنقص قيمتها، وهذا يقع كثيرًا في تعامل الناس مع بعضهم طمعًا في الحصول على أكبر نسبة من المال، وإن كان ذلك بالإضرار بالغير، فاتَّق الله يا عبد الله، ولا ترضَ لغيرك ما لا ترضاه لنفسك، واعلم أن البركة في الصدق والأمانة، وأما كتمان العيب في السلعة، فهو سبب لمحق البركة في المال، وإن كان ظاهره الكثرة.
     
     
     
    وفي صحيح مسلم أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ، فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا، فقالَ: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قالَ: أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ، مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي))، وفي رواية: ((مَن غَشَّنا فليسَ مِنَّا)).
     
     
     
    4- ومن المكاسب المحرمة هدايا العمال أو الموظفين التي يتلقونها ممن يتعاملون معهم وهي رشوة في صورة هدية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل كان عاملًا على الزكاة وقد أُهديت له هدية: (مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، «ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ» أَلا هَلْ بَلَّغْتُ" ثَلاَثًا)؛ رواه البخاري ومسلم.
     
     
     
    قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: «كانت الهدية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية، واليوم رشوة»؛ البخاري.
     
     
     
    هذه الهدايا تفسد نية وعمل الموظف، أو المسؤول، وتجعله يقدم من لا يستحق التقديم لا لشيء إلا لأنه قدم هدية، وتجعله يتعاطف مع الظالم فيؤيِّده، أو على الأقل يتغاضى عنه، فلا شك أنها تغير النفوس.
     
     
     
    5- ومن المكاسب المحرمة أخذ أموال الناس بالباطل، كمن يأخذ دينًا أو نحوه، ثم لا يعدي الدائن حقه؛ إما أن ينكر ما عليه، أو بمماطلته بالسداد، ولنعلم أنه لا يحل أخذ مال الغير إلا عن طيب نفسه ولو كان عودًا من أراك؛ كما قال النبي صلى الله وسلم، ويزداد الإثم حين يكون أخذ المال الحرام بالحلف بالله زورًا لتضييع الحقوق، وهضم الأموال؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ"؛ أخرجه مسلم والنسائي واللفظ له.
     
     
     
    فانظروا رحمكم الله كيف أن أخذ عود السواك بغير حق، كان سببًا من أسباب دخول النار والعياذ بالله، فكيف بمن يسرق أكبر من السواك، وقد قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 188].
     
     
     
    وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ"؛ أخرجه البخاري.
     
     
     
    أيها الأحبة في الله، لو نظرنا في سِيَر السلف رضوان الله عليهم، لوجدناهم يخافون أشد الخوف من المال الحرام، بل من المال المشتبه به، فهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه كان لا يأكل إلا من كسبه، وفي يوم من الأيام جاءه غلامه بشيء فأكل منه، ثم قال الغلام لأبي بكر: أتدري ما هذا، فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لرجل في الجاهلية، فأعطاني، فأدخل الصديق أصبعه في فيه، وجعل يقيء حتى ظن أن نفسه ستخرج.
     
     
     
    وهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه شرب لبنًا فأعجبه، فقال للذي سقاه: من أين لك هذا؟ فقال: مررت بإبل الصدقة وهم على ماء، فأخذت من ألبانها، فأدخل عمر يده فاستقاء.
     
     
     
    كانوا يتركون كثيرًا من الحلال خشية الوقوع في الحرام، ومرة كان يوزن بين يدي عمر بن عبدالعزيز مسك للمسلمين، فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة، فلما سئل عن ذلك قال‏:‏ وهل ينتفع منه إلا بريحه.
     
     
     
    فاحذَر أيها المسلم من كل كسب خبيث، ولا تَغرنَّك الدنيا الفانية، فإنها حطام زائل، وسراب خادع، ولذة عابرة، واعلم أنك إن اتَّقيت الله رزقك من حيث لا تحتسب، وبارك لك فيما رزقك، كما وعدك ربك سبحانه بقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2].
     
     
     
    وقال صلى الله عليه وسلم: (إنك لن تدع شيئًا اتقاءَ الله تبارك وتعالى، إلا آتاك الله خيرًا منه)؛ رواه أحمد وصحَّحه الألباني.
     
     
     
    وأعلم أن القليل الحلال خير من الكثير الحرام، ولا تغتر بمن استدرجه الله، فأغدق عليه الأموال وهو لا يتورع عن الحرام، فإن الله يُمهل ولا يهمل، وليس كثرة المال دليلًا على رضا الله عن العبد. وختامًا نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنَى غِنى النَّفْس)؛ رواه البخاري ومسلم.
     
     
     
    نسأل الله أن يصلح أحوالنا، وأن يُغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
     
     
     
    عبدالهادي بن صالح محسن الربيعي
     
    شبكة الالوكة

  5.  
    الحمدُ لله الْمُسْتَحمَدِ إلى خَلْقِهِ بلَطيفِ صُنْعِهِ، مَوْئلِ المؤمِنْين ومَوْلاهُمْ، الذي أمرَ بالدُّعاءِ، وجَعَلَهُ وَسِيلَةَ الرجَاءِ، فقال: ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾، وقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾، وأشهدُ أن لا إله إلاَّ اللهُ، وأشهدُ أن محمداً رسولُ اللهِ، نسألُه أنْ يُصلِّيَ على نبيِّهِ محمدٍ، دليلِ العِبادِ إلى سبيلِ الرَّشادِ، وعلى آلهِ الطيِّبينَ وأصحابهِ الْمُنتَخَبينَ، وأنْ يُسلِّمَ عليهِ وعليهِم تسليماً.


    أما بعد:

     

    فيا أيها الناسُ اتقوا اللهَ تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 29].
     

    أيها المسلمون:

    إنَّ أجلَّ المقاصدِ القُرْبُ من اللهِ ونيلِ رِضَاه، فينبغي لكَ إذن أن تتعرَّفَ على الأوقاتِ التي تُفْتَحُ فيها أبوابُ السماواتِ لتغتنمها بالأعمالِ الصالحاتِ، لِتَزْدادَ في القُربِ مِن اللهِ.


    وأبوابُ السماءِ تُفتحُ حقيقةً، قال الْمُظْهِرِي: (فُتحت أبوابُ السماء؛ يعني: ‌إذا ‌دخل ‌الوقتُ ‌الشريفُ فُتحت أبوابُ السماءِ وأبوابُ الجنةِ؛ لتنزلَ الرحمةُ على مَن عظَّم الوقتَ الشريفَ، ولِتَصِلَ طاعةُ مَن عظَّم هذا الوقتَ بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي إلى محلِّ الكرامة)

     

    عبادَ الله: من الأوقات التي تُفتَحُ فيها أبواب السماء: أوقاتٌ تتعلَّق بقولكَ أو فعلكَ أو رُوحك، وهي ستةُ أوقات:

    أولاً: عندَ قولِكَ لا إله إلا الله: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (ما قالَ عبدٌ ‌لا ‌إلهَ ‌إلا ‌اللهُ ‌قَطُّ ‌مُخْلِصاً، إلا فُتِحَتْ لهُ أبوابُ السَّمَاءِ، حتى تُفْضِيَ إلى العَرْشِ، ما اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ) رواه الترمذيُّ وقال: (حَسَنٌ غريبٌ من هذا الوَجْهِ)، وحسَّنهُ الألباني.

     

    ثانياً: عندَ قولكَ (اللهُ أَكْبَرُ كبيراً، والحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصيلاً)، فعنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: (بيْنَما نحنُ نُصَلِّي معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ قالَ رجُلٌ مِنَ القومِ: اللهُ أَكْبَرُ كبيراً، والحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصيلاً، فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: مَنِ ‌القائلُ ‌كلِمَةَ ‌كذا وكذا؟ قالَ رجُلٌ مِنَ القومِ: أنا يا رسُولَ اللهِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: عَجِبْتُ لَها فُتِحَتْ لَها أبوابُ السَّمَاءِ، قالَ ابنُ عُمَرَ: فَما تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يَقُولُ ذلكَ) رواه مسلم.

     

    ثالثاً: عندَ قولِكَ: (الحمدُ للهِ حَمْداً كثيراً طَيِّباً مُبَاركًا فيهِ)، فعنْ (عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ عن أبيهِ، قالَ: صَلَّيْتُ معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ رَجُلٌ: الحمدُ للهِ حَمْداً كثيراً طَيِّباً مُبَاركاً فيهِ، فَلَمَّا صَلَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: مَنْ ذا الذي قالَ هذا؟ قالَ الرَّجُلُ: أنا، ‌وما ‌أَرَدْتُ ‌إلاَّ ‌الخيْرَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لقَدْ فُتِحَتْ لَها أبوابُ السَّمَاءِ، فمَا نَهْنَهَها شيءٌ دُونَ العَرْشِ) رواه ابنُ ماجه، وقال شعيب الأرنؤوط: (صحيح لغيره).

     

    رابعاً: عندَ انتظاركَ للصلاةِ: فعَن عبدِ اللهِ بن عَمْروٍ قالَ: (صَلَّيْنا معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ، فعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ -أي: جلَسَ مُنتظراً لصلاةِ العِشَاءِ- ورَجَعَ مَنْ رَجَعَ، فجاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبلَ أنْ يَثُوبَ الناسُ لصلاةِ العِشَاءِ، فجاءَ وقَدْ ‌حَفَزَهُ ‌النَّفَسُ، رافِعاً إصْبَعَهُ هكذا، وعَقَدَ تِسْعاً وعشْرِينَ، وأَشارَ بإصْبَعِهِ السَّبَّابةِ إلى السَّماءِ، وهوَ يقولُ: أَبْشِرُوا معْشَرَ المسلمينَ، هذا ربُّكُمْ عزَّ وجَلَّ قدْ فَتَحَ باباً مِنْ أبوابِ السَّمَاءِ، يُباهي بكُمُ الملائكةَ، يقولُ: يا مَلائكَتي انظُرُوا إلى عِبادِي، أَدَّوْا فريضةً، وهُمْ يَنْتظِرُونَ أُخْرَى) رواه الإمام أحمدُ وصحَّحه الهيثمي وأحمد شاكر.

     

    خامساً: إذا دَعَوتَ اللهَ وأنتَ مظلومٌ: (قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُم: الصائمُ حتى يُفْطِرَ، والإمامُ العادلُ، ودَعْوَةُ المظلُومِ يَرْفَعُها اللهُ فَوْقَ الغَمَامِ، ويَفْتَحُ لَها أبوابَ السَّماءِ ويقولُ الرَّبُّ: وعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ ولوْ بعدَ حِينٍ) رواه الترمذيُّ وقال: (حديثٌ حَسَن).


    وقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (واتَّقِ ‌دَعْوَةَ ‌المظْلُومِ، فإنهُ ليسَ بيْنَهُ وبينَ اللهِ حِجَابٌ) متفقٌ عليه.


    سادساً: عند خُروجِ رُوحِ المؤمنِ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إنَّ المؤمنَ إذا كانَ في إقبالٍ مِنَ الآخرةِ وانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنيا، تَنَزَّلَتْ إليهِ الملائكةُ كأَنَّ على وُجُوهِهِمُ الشَّمْسَ، معَ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُم كَفَنٌ وحَنُوطٌ، فجَلَسُوا منهُ مَدَّ البَصَرِ، حتى إذا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عليهِ كُلُّ مَلَكٍ بينَ السَّمَاءِ والأرضِ، وكُلُّ مَلَكٍ في السَّمَاءِ، وفُتِحَتْ لهُ أبوابُ السَّمَاءِ، ليسَ مِنْ أهلِ بابٍ إلاَّ وهُمْ ‌يَدْعُونَ ‌اللهَ ‌أنْ ‌يُعْرَجَ برُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ) الحديث رواه الإمامُ أحمد وصحَّحه الألباني.

     

    نسألُ اللهَ اللطيفَ من فضلهِ العظيم.

     

    الخطبة الثانية

    إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدُهُ ورسولُهُ.


    أمَّا بعدُ:

    (فإنَّ خَيْرَ الحديثِ كِتابُ اللهِ، وخيرُ الْهُدَى هُدَى مُحمَّدٍ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ بدعَةٍ ضَلالَةٌ)، و (لا إيمانَ لِمَن لا أَمانةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ).


    أمَّا بعدُ: وأما الأوقات التي تُفتَحُ فيها أبواب السماء، والمقترنة بالوقت دون فعل المكلَّف:

    أولاً: عندَ النِّداءِ بالصلاةِ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إذا ‌نُودِيَ ‌بالصلاةِ، ‌فُتِحَتْ أبوابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ) رواه أبو داود الطيالسي وصحَّحه الألباني.


    ثانياً: عندَ إقامةِ الصلاةِ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (‌إذا ‌ثُوِّبَ ‌بالصلاةِ، ‌فُتِحَتْ أبوابُ السَّمَاءِ، واسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ) رواه الإمام أحمد وقال الألباني: (صحيحٌ لغيره).


    ثالثاً: في جوفِ الليلِ: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (إذا كانَ ثُلُثُ الليلِ الباقي، يَهْبِطُ اللهُ عزَّ وجَلَّ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، ثمَّ تُفْتَحُ أبوابُ السَّمَاءِ، ثمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فيَقُولُ: هلْ مِنْ سائلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ؟ فلا يَزَالُ كذلكَ حتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ) رواهُ الإمامُ أحمد وقال الهيثميُّ: (رجالُه رجالُ الصحيح)، وصحَّحه أحمد شاكر والألباني.


    رابعاً: عندَ حُضورِ الصلاةِ والصَّفِّ في سبيلِ اللهِ: فعنْ (سَهْلِ بنِ سعدٍ السَّاعِدِيِّ أنهُ قالَ: سَاعَتانِ تُفْتَحُ فيهما أبوابُ السَّمَاءِ، وقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عليهِ دَعْوَتُهُ، حَضْرَةُ النِّدَاءِ بالصلاةِ، والصَّفُّ في سبيلِ اللهِ) رواه الإمامُ مالك، وقال ابنُ عبد البرِّ: (ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ) وصحَّحه الألباني.


    خامساً: صلاةُ أربعِ رَكَعَاتٍ قبلَ الظُّهرِ: فعنْ (عبدِ اللهِ بنِ السائبِ أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يُصلِّي أَرْبَعاً بعدَ أنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قبلَ الظُّهْرِ، وقالَ: ‌إنها ‌ساعةٌ ‌تُفْتَحُ ‌فيها أبوابُ السَّمَاءِ، وأُحِبُّ أنْ يَصْعَدَ لي فيها عَمَلٌ صالحٌ) رواهُ الترمذيُّ وقال: (حَسَنٌ غَرِيبٌ) وصحَّحه الألباني.


    سادساً: يومي الاثنينِ والخميس: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (‌تُفْتَحُ ‌أبوابُ ‌السَّمَاءِ ‌كُلَّ ‌يومِ ‌اثنينِ ‌وخميسٍ، فيُغْفَرُ ذلكَ اليوْمَ لكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئاً، إلاَّ امْرَأً كانَ بينهُ وبينَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فيُقالُ: أَنْظِرُوا هذينِ حتى يَصْطَلِحا) رواه الإمامُ أحمد وصحَّحه مُحقِّقُو المسند.


    سابعاً: في شهر رمضان: (قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إذا دَخَلَ شَهْرُ رمَضَانَ فُتِّحَتْ أبوابُ السَّمَاءِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ) رواه البخاريُّ.


    وبعدُ يا عبدَ اللهِ ويا أَمَةَ اللهِ: احْرِصُوا على عِمارةِ هذهِ الأوقاتِ والساعاتِ الشريفةِ التي تُفتَحُ فيها أبوابُ السماواتِ بالدُّعاءِ وأنواعِ العبادةِ المشروعةِ، رزقني الله وإياكم ووالدينا وأهلينا والمسلمين والمسلماتِ مِن فضلهِ، آمين.

    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
    شبكة الالوكة

     


  6. من أساليب التربية النبوية
    التنافس على تبوؤ المكانة العالية
    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    لا بد للكلمة الطيبة أن تؤثر في النفس السوية وتتفاعل معها ، فإذا تخير صاحبها مكانها وزمانها فوعظ بها السامعين كان الأثر أكبر وأعم وأنفع ، وسعى السامع ـ بعد التأثر بها وتمثيلها ـ إلى العمل بها . .
    ويزداد رغبة في التسامي ، ونيل المرتبة العليا إذا كان هناك تنافس أخوي يرجو به صاحبه الوصول إلى رضوان الله وكرامته ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظ أصحابه أحياناً بما يجعلهم يتطلعون إلى تبوؤ المكانة العليا عند الله ورسوله .
    ومما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم :ما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه .
    إذاً ؛ من سمات القائد المقبل الذي يختاره صلى الله عليه وسلم :

    أولاً : أنه سيستلم راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعظم بها من راية ! لن يقلده إياها رجل من الرجال مهما كان عظيماً ، إنما الذي يقلده اياها حبيب الله ورسوله .
    ثانياً : أنه رجل يتحلى بصفات الرجولة الكاملة ، وهذا وصف أغدقه الرسول عليه .
    ثالثاً : أنه مؤمن يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله . وهو وصف صادر عن أكثر الناس إيماناً ، إنه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام .
    رابعاً : أنَّ النصر على اليهود كائن على يديه ، وهي بشرى عظيمة لأن من يفتح خيبر مجاهد في سبيل الله ، أما من يسالم اليهود ـ مهما كان السبب ـ فهو عديم الإيمان . . ( نقولها ونحن مطمئنون إلى صحة ما نقول ) .

    فبات الناس يدوكون(1) ليلتهم ، أيهم يُعطاها ، فلما أصبحوا غدَوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلهم يرجو أن يُعطاها .
    كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم فبات الناس يقلبون الوجوه ويتساءلون : من هذا الذي عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلهم يرجو أن يكون هذا الرجل . أرأيت إلى التنافس الإيجابي ؟!! .
    وعند الصباح ، وفي صلاة الفجر ، ذهب الجميع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشرئب أعناقُهم إليه ويتطاولون ، عسى أن ينتبه إلى المحظوظ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيختاره ، فيعود بربح الدنيا والآخرة .
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أين علي بن أبي طالب ؟
    فقيل : هو يشتكي عينيه . ( فيهما رمد يضعف الرؤية ) .
    فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق في عينه ، ودعا له ، فبرئ كأن لم يكن به وجع . فأعطاه الراية .
    فقال علي : يا رسول الله ، أقاتلتهم حتى يكونوا مثلنا ؟
    فقال صلى الله عليه وسلم : انفذ على رسلك ، حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى . فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم (2) .
    ومن الأحاديث التي حث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتنافسوا على فعل الخيرات وإحراز المبرات ، ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
    إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة(3) .
    وفي رواية للبخاري : من أحصاها دخل الجنة .
    فرسول الله صلى الله عليه وسلم يريد من المسلمين :
    1ـ أن يحصوا أسماء الله تعالى .
    2ـ أن يحفظوها .
    3ـ أن يتخلقوا ـ ما استطاعوا ـ بهذه الصفات ليحبهم الله تعالى ، لأن التخلق بها تقرّبٌ إلى الله وتعبيرٌ عن حبه ، والتزام دينه واتباع شريعته . ولا بد للمسلم أن يحوز ذلك لينال رضوان الله وفضله .
    ومن الأحاديث التي تحض ـ كذلك ـ على التنافس لتبوؤ المكانة العالية : ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان(4). وقال تعالى :
    إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )(5) .
    فالمسلم يرتاد المساجد ، ويحرص على ذلك ليُشهَد له بالإيمان في الدنيا وفي الآخرة .
    اللهم اجعلنا من هؤلاء ، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم .

    الهوامش :

    (1) يدوكون : يخوضون ويتداولون الرأي .
    (2) حمر النعم : إبل أصيلة لونها يضرب إلى الحمرة . والحديث رواه بخاري ومسلم .
    (3) رواه البخاري ومسلم .
    (4) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .
    (5) سورة التوبة : الآية 18 .


  7. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد..




    فإن أعداء المسلمين من الكفار يمكرون بالليل والنهار للقضاء على الإسلام وأهله، ومن خططهم الخبيثة: زرع الفرق الضالة في بلاد المسلمين حتى يضعفوا شوكتهم، ويسيطروا على ثرواتهم، ويبعدوهم عن دينهم وأخلاقهم، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].




    ومن هذه الفرق الضالة التي استغلها الاستعمار في بلاد المسلمين فرقة الصوفية، وسأذكر بعضًا من معتقداتها، ونشأتها، وخطرها على الإسلام والمسلمين، للعلم والحذر.


    تعريف التصوف:


    يختلف التصوف بحسب المراحل التاريخية التي مر بها:


    فالتصوف في مراحله الأولى: هو عبارة عن الزهد في الدنيا، والانقطاع لعبادة الله، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية۴ عن متقدمي الصوفية: «والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه»[1].


    ثم انحرف التصوف إلى الرهبانية والتعلق بالبدع، والمنكرات، وبدأت اتجاهات الطرق الصوفية.




    ثم تطور التصوف حتى بدأت فيه الشطحات، والضلالات في الأعمال والعقائد، وأخذ طائفة من الصوفية بعقيدة الحلول والاتحاد، فخرجوا من الإسلام، أما المتأخرون من الصوفية فمنهم من أخذ التصوف بالمعنى الأول وهو الزهد في الدنيا مع ممارسة بعض البدع، ومنهم من أخذه طرقًا وحركات ومظاهر، فمارس كثيرًا من الشركيات والعقائد الباطنية، ومنهم من آمن بعقيدة الحلول والاتحاد فكفر بدين الإسلام.




    لماذا سموا بالصوفية؟


    اختلف في ذلك، والذي ذهب إليه كثير من أهل التحقيق كابن تيمية وابن خلدون وغيرهما، أنهم سُموا بالصوفية نسبة للبسة الظاهرة التي يلبسها كثير من الصوفية، وهي أسمال من الصوف الغليظ»[2].




    نشأتها:


    في القرن الثاني الهجري في عهد التابعين وبقايا الصحابة رضي الله عنهم ، ظهرت طائفة من العباد آثروا العزلة وعدم الاختلاط بالناس، فشددوا على أنفسهم في العبادة على نحو لم يُعهد من قبل، ومن أسباب ذلك بزوغ بعض الفتن الداخلية، وإراقة بعض الدماء الزكية، كما حصل للحسين بن علي رضي الله عنهم ، فآثروا اعتزال المجتمع تصونًا عما فيه من الفتن، وطلبًا للسلامة في دينهم، يضاف إلى ذلك أيضًا فتح الدنيا أبوابها أمام المسلمين، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، وانغماس بعض المسلمين فيها، وشيوع الترف والمجون بين طبقة من السفهاء، مما أوجد ردة فعل عند بعض العباد وبخاصة في البصرة، والكوفة، حيث كانت بداية الانحراف عن المنهج الصحيح»[3].


    «وللصوفية طرق كثيرة منها: الشاذلية، والتيجانية، والسنوسية، والختمية، والبريلوية».




    أهم عقائدهم:


    تتشابه عقائد الصوفية وأفكارهم، وتتعدد مدارسهم وطرقهم، ويمكن إجمالها فيما يلي: «يعتقد المتصوفة في الله تعالى عقائد شتى، منها: وحدة الوجود، وفحواها أن الخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق، وأن الله متحد بمخلوقاته، جاء في كتابهم (جواهر المعاني): فما في ذوات الوجود كله إلا الله سبحانه، وهذه العقيدة مخالفة للعقل والفطرة، والشرع، وقد قام إجماع المسلمين على كفر من قال بها، وقد كفَّر الله تعالى النصارى بقولهم إن الله هو المسيح، فكيف بمن يقول إن الله متحد بمخلوقاته»[4].




    «والغلاة من الصوفية يعتقدون في الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا عقائد شتى؛ فمنهم من يزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصل إلى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلًا بعلوم رجال التصوف، كما قال البسطامي: خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله.




    ومنهم: من يعتقد أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو قبة الكون، وهو الله المستوي على العرش، وأن السماوات، والأرض، والعرش، والكرسي، وكل الكائنات خُلقت من نوره، وأنه أول موجود، وهذه عقيدة ابن عربي ومن تبعه.




    ومنهم: من لا يعتقد ذلك، بل يرده ويعتقد ببشريته ورسالته، ولكنهم مع ذلك يستشفعون ويتوسلون به صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى على وجه يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة.




    وفي الأولياء يعتقد الصوفية عقائد شتى؛ فمنهم من يفضِّل الولي على النبي، ومنهم من يجعل الولي مساوٍ لله في كل صفاته، فهو يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات للولاية؛ فهناك الغوث، والأقطاب، والأبدال، والنجباء، حيث يجتمعون في ديوان لهم في غار حراء كل ليلة ينظرون في المقادير، ومنهم من لا يعتقد ذلك، ولكنهم أيضًا يأخذونهم وسائط بينهم وبين ربهم، سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم»[5]، إلى غير ذلك من الضلالات والخرافات نسأل الله السلامة والعافية.




    «ورغم خطورة الفكر الصوفي على الأمة منذ قرون من الزمان وليس من الآن، ورغم ما جره هذا الفكر على الأمة من ويلات ومآس عبر التاريخ، إلا أن معالجة علماء الأمة لهذا المرض المعدي المستشري في جسد الأمة ومواجهتهم له لم يكن بالمستوى المطلوب والمأمول، حيث ما زالت الفرق الصوفية تنتشر وتتوسع في البلاد الإسلامية حتى الآن، مستغلة الجهل، والفقر المنتشر فيها، وغياب الموجهين والمعلمين من أهل السنة المعتدلين.




    لقد اعتمد الاحتلال الغربي الأجنبي على الطرق الصوفية لمواجهة المقاومة المسلحة ضده في أي بلد إسلامي، كما أن الأنظمة الاستبدادية المعاصرة - وريثة الاستعمار في حكم الديار - لم تسمح لغير الطرق الصوفية بالتمدد والانتشار.




    ولقد حذر كثير من العلماء المخلصين من خطر الفكر الصوفي على الأمة نظريًّا، إلا أن الواقع العملي الدعوي في هذا الجانب ما يزال يحتاج إلى الكثير من الجهود والعمل، ومن بين من نبه لخطر الفكر الصوفي الشيخ عبدالرحمن عبد الخالق، الذي ذكر في كتابه (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة) أن الفكر الصوفي هو أشد الأخطار جميعًا على أمة الإسلام، وأنه الذي حوَّل عز هذه الأمة ذلًّا ومهانة، وأنه السوس الذي ظل ينخر ويهدم في جسم شجرتنا الباسقة حتى أناخها مع الأيام، وأنه لا خلاص للأمة إلا بالتخلص من هذا السوس أولًا قبل أي خطر آخر

    وقد بين الشيخ في كتابه أهم مخاطر الفكر الصوفي، وهي:

    صرف الناس عن القرآن والحديث.
    فتح باب التأويل الباطني لنصوص القرآن والحديث.
    إتلاف العقيدة الإسلامية.




    كما أن خطورة هذا الفكر تكمن في انتشاره الواسع في جميع دول العالم الإسلامي - وخاصة في القارة الإفريقية - حيث الفقر الشديد، والجهل، وقلة العلم، وخاصة الديني والإسلامي، إضافة لقلة الدعاة والمعلمين للإسلام الحقيقي، وهو ما شكل مناخًا ملائمًا لانتشار الفكر الصوفي على أوسع نطاق.




    ففي السنغال مثلًا والتي يشكل المسلمون فيها ما نسبته (94%) من عدد السكان، فإن طريقة صوفية واحدة فيها وهي التيجانية تحتضن (51%) من المسلمين في السنغال، بينما تستوعب الطريقة المريدية وغيرها من الطرق الصوفية الأخرى بقية مسلمي السنغال، مما يعبر عن مدى سيطرة الطرق الصوفية على مسلمي السنغال، ومن هنا لم يكن مستغربًا أن تُعد السنغال معقلًا للصوفية بمختلف مدارسها في أفريقيا، حيث تلعب المدارس الصوفية السنغالية أدوارًا تتجاوز الأبعاد الدينية والروحية إلى السياسية، حيث قام ساسة السنغال بتوظيف الصوفية لبلوغ مآربهم السياسية.






    وها هي إسرائيل اليوم تخترق الطرق الصوفية في السنغال، من خلال زيارة يقوم بها حاليًّا بعض أئمة مساجد وممثلو بعض الطرق الصوفية لإسرائيل، بما تحمله من دلالات خطيرة من خلال تمكن اليهود من التغلغل بالمجتمع السنغالي نظرًا لمحورية رجال الدين في تلك البلاد، الأمر الذي أثار موجة استياء كبيرة سادت كثيرًا من الأوساط الدينية السنغالية والإسلامية على خلفية هذه الزيارة.






    ورغم نفي زعيم الطريقة التيجانية بمدينة باي السنغالية الشيخ أحمد التيجاني إنياس وجود ممثلين عن طريقته بوفد الأئمة الذي يزور إسرائيل حاليًّا، إلا أن وسائل إعلام محلية قد تحدثت عن وجود ممثلين للطريقة التيجانية ذات النفوذ الكبير في السنغال ضمن وفد الأئمة الذي توجه مؤخرًا إلى إسرائيل.




    ومن المعلوم أن الطريقة التيجانية تتبنى أفكارًا بعيدة كل البعد عن الإسلام، كإمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة والتلقي منه، إضافة لنسبة علم الغيب لوليهم التيجاني، ناهيك عن دعوى أن من رأى التيجاني دخل الجنة»[6].


    والصلة بين التصوف والتشيع حقيقة تحدَّث عنها كثير من النقاد، مثل ابن خلدون، وإحسان إلهي، وكامل مصطفى الشيبي، وهو ممن أفرد كتابًا لإثبات ذلك، وغيره ممن عقدوا مقارنات بين اعتقادات وطقوس الفريقين.


    ودواعي التنبيه إلى المقاربة بين الطائفتين كثيرة، منها منشأ التصوف وبيئته وأقطابه ومصطلحاته، وكثير من العقائد التي به، غير أن ما يُرسِّخ التواصل بينهم هو ظهور الدولة العبيدية الشيعية الإسماعيلية الباطنية المتسمية بالفاطمية، فقد لبس التصوف في عهدها والذي تلاها لباس الشيعة.




    وتعقد المقارنة بادئ ذي بدء في نشأة التصوف، فالتصوف منبته فارسي شيعي؛ وينصر هذا الرأي طائفة من خصوم التصوف من السنة، وأخرى من أهل التصوف من السنة والشيعة، وبين أولئك باحثون في التصوف يؤيدون هذا الرأي، إلا أن لكل طرف غرضه من نصرة هذا الرأي.




    فالثابت من كتب كثير ممن عاصر الصوفية وغيرهم، أن أول من أسس التصوف هم الشيعة، ومرجع النشأة لرجلين منهم، هما (عبدك ت210) مختصر عبد الكريم، وهو على رأس طائفة شيعية، وأبو هاشم الكوفي الشيعي (الصوفي ت150) [7].






    فالتصوف وليد التشيع، وبداية أمر حركة التصوف الفرس؛ الذين يمثلون عصب التشيع ودمه الفوار، وكبار المتصوفة والمنظرين له فرس؛ كالبسطامي، والحلاج، ومعروف البلخي، وابن خضرويه البلخي، ويحيى بن معاذ الرازي. وللتشيع أمشاج فارسية متعددة الثقافات والعقائد، وشيعة العراق زمرة فراق، وشرذمة شقاق، دأبهم تشقيق الكلام، والتلفيق بين الأديان، وذي سيرتهم قبل الإسلام، وصنيعهم مع جمهرة الأديان التي حلت أرضهم، والفرس أُصيبوا بداء الغنوص وهي فلسفة حلولية ذات طابع روحاني صوفي محض سرت في أديان وطوائف عدة، بنسب متقاربة.




    والفرس يصبغون أي دين يَرِد عليه بلبوسهم، ويُذيبونه في ثقافتهم، وعقائدهم، فيصطلحون على ما سلف من أمرهم بلغة ما ورد على ديانتهم الجديدة، فإن تبصر الواعي أمرهم درى أن كسرى صار يسمى إمامًا، والمرجع الشيعي صار يُسمى شيخ الطريقة، والأئمة الاثنا عشر هم الأقطاب والغوث، ومراتب دعاة الباطنية الإسماعيلية هم الأوتاد، والأتقياء، والنجباء والمريدين عند الصوفية[8][9].




    سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:


    يقول السائل: أرجو من سماحتكم التكرم بالكتابة إلينا باختصار عن: الصوفية والصوفيين، وما هي الصوفية، وما هي عقيدتهم، وما رأي أهل السنة والجماعة فيهم، وماذا ينبغي لمن كان من أهل السنة والجماعة أن يعمل، أو كيف ينبغي أن يتعامل معهم إن كان هؤلاء الصوفيون مصرون على عقيدتهم، وأنهم يرون أنهم على حق حتى بعد أن ظهرت واتضحت أمامهم الحقائق؟




    وإني لأرجو من الله أن ينفع بعلمكم هذا كثيرًا من الناس الذين هم بحاجة ماسة إلى تبيين هذا الأمر من قِبل فضيلتكم خاصة. ووفقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى، وجزاكم خير الجزاء.




    الجواب: الصوفية نسبة إلى الصوف؛ لأنه كان شعارًا لهم في اللباس، وهذا أقرب إلى اللغة وإلى واقعهم، أما ما قيل إن الصوفية نسبة إلى الصفة لشبههم بفقراء الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا يأوون إلى صفة بالمسجد النبوي، أو نسبة إلى صفوة لصفاء قلوبهم وأعمالهم، فكل ذلك خطأ وليس بصحيح؛ لأن النسبة على صفة صفِّيّ بتشديد الفاء والياء، والنسبة إلى صفوة صفوي، ولأن هذين المعنيين لا ينطبقان على صفاتهم، لما يغلب عليهم من فساد العقيدة، وكثرة البدع عندهم.






    والطرق الصوفية جميعها أو ما يسمى بالتصوف الآن يغلب عليها العمل بالبدع الشركية، والذرائع الموصلة إليها والمعتقدات الفاسدة، ومخالفة الكتاب والسنة، كالاستغاثة بالأموات والأقطاب بقولهم: مدد يا سيدي، مدد يا سيدة زينب، مدد يا بدوي أو يا دسوقي، ونحو ذلك من الاستغاثة بالمشائخ والأقطاب، واعتقادهم أنهم جواسيس القلوب، يعلمون الغيب، وما تكنه القلوب، وأن لهم أسرارًا يتصرفون بها وراء الأسباب العادية، وكتسمية الله بما لم يسم به نفسه، مثل (هو هو وآه آه آه).






    والصوفية لهم أوراد مبتدعة وأدعية غير مشروعة، فهم يأخذون العهد على مريديهم بأن يذكروا الله في نسكهم وعبادتهم بأسماء مفردة معينة من أسماء الله بشكل جماعي، كالله وحي وقيوم، يرددونه كل يوم وليلة، ولا يجاوزونه إلى غيره من الأسماء إلا بإذن مشايخهم، وإلا كان عاصيًا يُخاف عليه من خدم الأسماء، كل ذلك مع الترنح والركوع والرفع منه والرقص والنشيد والتصفيق وغير ذلك مما لا أصل له ولا يعرف في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.






    فيجب على كل مسلم أن لا يجلس في مجالسهم، وأن يبتعد عن مخالطتهم؛ حتى لا يتأثر بمعتقداتهم الفاسدة ويقع فيما وقعوا فيه من الشرك، والبدع، وأن يقوم بمناصحتهم وبيان الحق لهم لعل الله أن يهديهم على يديه، مع إقرارهم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وننكر عليهم ما خالفوا فيهما مع لزوم منهج أهل السنة والجماعة ليسلم له دينه، ومن أراد معرفة أحوال الصوفية ومعتقداتهم بالتفصيل فليقرأ كتاب (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية، وكتاب هذه هي الصوفية لعبدالرحمن الوكيل.




    وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم




    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[10]


    عضو عضو
    نائب الرئيس الرئيس
    بكر أبوزيد صالح الفوزان عبدالعزيزآل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



    كما سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:


    يقول السائل: ما هي الصوفية، وهل هي خطر على الدين، وما حكم مجالسة الصوفيين؟


    الجواب: الغالب على الصوفية في هذا الزمان أنها طائفة ضالة، لها منهج في العبادة يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يتلقون دينهم عن رؤساء طرقهم ومشائخهم، ويعتقدون فيهم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله، ولا تجوز مجالستهم ولا مصاحبتهم إلا لمن يدعوهم إلى الله ويبصرهم بالسنة.


    وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم


    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[11]
    بكر أبوزيد
    صالح الفوزان
    عبدالعزيزآل الشيخ
    عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    [1] الفتاوى (11/ 18).


    [2] الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص166-167، للشيخ ناصر القفاري، والشيخ ناصر العقل.


    [3] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، بإشراف د. مانع الجهني (1/ 254) بتصرف.


    [4] الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص166-167، للشيخ ناصر القفاري، والشيخ ناصر العقل.


    [5] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، بإشراف د. مانع الجهني (1/ 254).


    [6] مقال للكاتب أحمد بن سعيد بلحه، المجلس العلمي لشبكة الألوكة بتاريخ 13/ 11/ 2013م.


    [7] الصلة بين التصوف والتشيع، كامل مصطفى الشيبي، دار الأندلس - بيروت - ط(3) 1982، (ص271) بتصرف.


    [8] لمزيدٍ من التفاصيل راجع الصلة بين التصوف والتشيع د. نبيل عبدالكريم، مقال في موقع الألوكة.


    [9] التصوف عند الفرس، إبراهيم الدسوقي، دار المعارف - القاهرة - د.ت - ص23.


    [10] فتاوى اللجنة الدائمة، ( 2/ 88-90) برقم 19521.


    [11] فتاوى اللجنة الدائمة، (2/ 86) برقم 17558.




    د. أمين بن عبدالله الشقاوي
    شبكة الالوكة



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد..




    فإن أعداء المسلمين من الكفار يمكرون بالليل والنهار للقضاء على الإسلام وأهله، ومن خططهم الخبيثة: زرع الفرق الضالة في بلاد المسلمين حتى يضعفوا شوكتهم، ويسيطروا على ثرواتهم، ويبعدوهم عن دينهم وأخلاقهم، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].




    ومن هذه الفرق الضالة التي استغلها الاستعمار في بلاد المسلمين فرقة الصوفية، وسأذكر بعضًا من معتقداتها، ونشأتها، وخطرها على الإسلام والمسلمين، للعلم والحذر.


    تعريف التصوف:


    يختلف التصوف بحسب المراحل التاريخية التي مر بها:


    فالتصوف في مراحله الأولى: هو عبارة عن الزهد في الدنيا، والانقطاع لعبادة الله، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية۴ عن متقدمي الصوفية: «والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه، عاص لربه»[1].


    ثم انحرف التصوف إلى الرهبانية والتعلق بالبدع، والمنكرات، وبدأت اتجاهات الطرق الصوفية.




    ثم تطور التصوف حتى بدأت فيه الشطحات، والضلالات في الأعمال والعقائد، وأخذ طائفة من الصوفية بعقيدة الحلول والاتحاد، فخرجوا من الإسلام، أما المتأخرون من الصوفية فمنهم من أخذ التصوف بالمعنى الأول وهو الزهد في الدنيا مع ممارسة بعض البدع، ومنهم من أخذه طرقًا وحركات ومظاهر، فمارس كثيرًا من الشركيات والعقائد الباطنية، ومنهم من آمن بعقيدة الحلول والاتحاد فكفر بدين الإسلام.




    لماذا سموا بالصوفية؟


    اختلف في ذلك، والذي ذهب إليه كثير من أهل التحقيق كابن تيمية وابن خلدون وغيرهما، أنهم سُموا بالصوفية نسبة للبسة الظاهرة التي يلبسها كثير من الصوفية، وهي أسمال من الصوف الغليظ»[2].




    نشأتها:


    في القرن الثاني الهجري في عهد التابعين وبقايا الصحابة رضي الله عنهم ، ظهرت طائفة من العباد آثروا العزلة وعدم الاختلاط بالناس، فشددوا على أنفسهم في العبادة على نحو لم يُعهد من قبل، ومن أسباب ذلك بزوغ بعض الفتن الداخلية، وإراقة بعض الدماء الزكية، كما حصل للحسين بن علي رضي الله عنهم ، فآثروا اعتزال المجتمع تصونًا عما فيه من الفتن، وطلبًا للسلامة في دينهم، يضاف إلى ذلك أيضًا فتح الدنيا أبوابها أمام المسلمين، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية، وانغماس بعض المسلمين فيها، وشيوع الترف والمجون بين طبقة من السفهاء، مما أوجد ردة فعل عند بعض العباد وبخاصة في البصرة، والكوفة، حيث كانت بداية الانحراف عن المنهج الصحيح»[3].


    «وللصوفية طرق كثيرة منها: الشاذلية، والتيجانية، والسنوسية، والختمية، والبريلوية».




    أهم عقائدهم:


    تتشابه عقائد الصوفية وأفكارهم، وتتعدد مدارسهم وطرقهم، ويمكن إجمالها فيما يلي: «يعتقد المتصوفة في الله تعالى عقائد شتى، منها: وحدة الوجود، وفحواها أن الخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق، وأن الله متحد بمخلوقاته، جاء في كتابهم (جواهر المعاني): فما في ذوات الوجود كله إلا الله سبحانه، وهذه العقيدة مخالفة للعقل والفطرة، والشرع، وقد قام إجماع المسلمين على كفر من قال بها، وقد كفَّر الله تعالى النصارى بقولهم إن الله هو المسيح، فكيف بمن يقول إن الله متحد بمخلوقاته»[4].




    «والغلاة من الصوفية يعتقدون في الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا عقائد شتى؛ فمنهم من يزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصل إلى مرتبتهم وحالهم، وأنه كان جاهلًا بعلوم رجال التصوف، كما قال البسطامي: خضنا بحرًا وقف الأنبياء بساحله.




    ومنهم: من يعتقد أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو قبة الكون، وهو الله المستوي على العرش، وأن السماوات، والأرض، والعرش، والكرسي، وكل الكائنات خُلقت من نوره، وأنه أول موجود، وهذه عقيدة ابن عربي ومن تبعه.




    ومنهم: من لا يعتقد ذلك، بل يرده ويعتقد ببشريته ورسالته، ولكنهم مع ذلك يستشفعون ويتوسلون به صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى على وجه يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة.




    وفي الأولياء يعتقد الصوفية عقائد شتى؛ فمنهم من يفضِّل الولي على النبي، ومنهم من يجعل الولي مساوٍ لله في كل صفاته، فهو يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات للولاية؛ فهناك الغوث، والأقطاب، والأبدال، والنجباء، حيث يجتمعون في ديوان لهم في غار حراء كل ليلة ينظرون في المقادير، ومنهم من لا يعتقد ذلك، ولكنهم أيضًا يأخذونهم وسائط بينهم وبين ربهم، سواء كان في حياتهم أو بعد مماتهم»[5]، إلى غير ذلك من الضلالات والخرافات نسأل الله السلامة والعافية.




    «ورغم خطورة الفكر الصوفي على الأمة منذ قرون من الزمان وليس من الآن، ورغم ما جره هذا الفكر على الأمة من ويلات ومآس عبر التاريخ، إلا أن معالجة علماء الأمة لهذا المرض المعدي المستشري في جسد الأمة ومواجهتهم له لم يكن بالمستوى المطلوب والمأمول، حيث ما زالت الفرق الصوفية تنتشر وتتوسع في البلاد الإسلامية حتى الآن، مستغلة الجهل، والفقر المنتشر فيها، وغياب الموجهين والمعلمين من أهل السنة المعتدلين.




    لقد اعتمد الاحتلال الغربي الأجنبي على الطرق الصوفية لمواجهة المقاومة المسلحة ضده في أي بلد إسلامي، كما أن الأنظمة الاستبدادية المعاصرة - وريثة الاستعمار في حكم الديار - لم تسمح لغير الطرق الصوفية بالتمدد والانتشار.




    ولقد حذر كثير من العلماء المخلصين من خطر الفكر الصوفي على الأمة نظريًّا، إلا أن الواقع العملي الدعوي في هذا الجانب ما يزال يحتاج إلى الكثير من الجهود والعمل، ومن بين من نبه لخطر الفكر الصوفي الشيخ عبدالرحمن عبد الخالق، الذي ذكر في كتابه (الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة) أن الفكر الصوفي هو أشد الأخطار جميعًا على أمة الإسلام، وأنه الذي حوَّل عز هذه الأمة ذلًّا ومهانة، وأنه السوس الذي ظل ينخر ويهدم في جسم شجرتنا الباسقة حتى أناخها مع الأيام، وأنه لا خلاص للأمة إلا بالتخلص من هذا السوس أولًا قبل أي خطر آخر

    وقد بين الشيخ في كتابه أهم مخاطر الفكر الصوفي، وهي:

    صرف الناس عن القرآن والحديث.
    فتح باب التأويل الباطني لنصوص القرآن والحديث.
    إتلاف العقيدة الإسلامية.




    كما أن خطورة هذا الفكر تكمن في انتشاره الواسع في جميع دول العالم الإسلامي - وخاصة في القارة الإفريقية - حيث الفقر الشديد، والجهل، وقلة العلم، وخاصة الديني والإسلامي، إضافة لقلة الدعاة والمعلمين للإسلام الحقيقي، وهو ما شكل مناخًا ملائمًا لانتشار الفكر الصوفي على أوسع نطاق.




    ففي السنغال مثلًا والتي يشكل المسلمون فيها ما نسبته (94%) من عدد السكان، فإن طريقة صوفية واحدة فيها وهي التيجانية تحتضن (51%) من المسلمين في السنغال، بينما تستوعب الطريقة المريدية وغيرها من الطرق الصوفية الأخرى بقية مسلمي السنغال، مما يعبر عن مدى سيطرة الطرق الصوفية على مسلمي السنغال، ومن هنا لم يكن مستغربًا أن تُعد السنغال معقلًا للصوفية بمختلف مدارسها في أفريقيا، حيث تلعب المدارس الصوفية السنغالية أدوارًا تتجاوز الأبعاد الدينية والروحية إلى السياسية، حيث قام ساسة السنغال بتوظيف الصوفية لبلوغ مآربهم السياسية.






    وها هي إسرائيل اليوم تخترق الطرق الصوفية في السنغال، من خلال زيارة يقوم بها حاليًّا بعض أئمة مساجد وممثلو بعض الطرق الصوفية لإسرائيل، بما تحمله من دلالات خطيرة من خلال تمكن اليهود من التغلغل بالمجتمع السنغالي نظرًا لمحورية رجال الدين في تلك البلاد، الأمر الذي أثار موجة استياء كبيرة سادت كثيرًا من الأوساط الدينية السنغالية والإسلامية على خلفية هذه الزيارة.






    ورغم نفي زعيم الطريقة التيجانية بمدينة باي السنغالية الشيخ أحمد التيجاني إنياس وجود ممثلين عن طريقته بوفد الأئمة الذي يزور إسرائيل حاليًّا، إلا أن وسائل إعلام محلية قد تحدثت عن وجود ممثلين للطريقة التيجانية ذات النفوذ الكبير في السنغال ضمن وفد الأئمة الذي توجه مؤخرًا إلى إسرائيل.




    ومن المعلوم أن الطريقة التيجانية تتبنى أفكارًا بعيدة كل البعد عن الإسلام، كإمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة والتلقي منه، إضافة لنسبة علم الغيب لوليهم التيجاني، ناهيك عن دعوى أن من رأى التيجاني دخل الجنة»[6].


    والصلة بين التصوف والتشيع حقيقة تحدَّث عنها كثير من النقاد، مثل ابن خلدون، وإحسان إلهي، وكامل مصطفى الشيبي، وهو ممن أفرد كتابًا لإثبات ذلك، وغيره ممن عقدوا مقارنات بين اعتقادات وطقوس الفريقين.


    ودواعي التنبيه إلى المقاربة بين الطائفتين كثيرة، منها منشأ التصوف وبيئته وأقطابه ومصطلحاته، وكثير من العقائد التي به، غير أن ما يُرسِّخ التواصل بينهم هو ظهور الدولة العبيدية الشيعية الإسماعيلية الباطنية المتسمية بالفاطمية، فقد لبس التصوف في عهدها والذي تلاها لباس الشيعة.




    وتعقد المقارنة بادئ ذي بدء في نشأة التصوف، فالتصوف منبته فارسي شيعي؛ وينصر هذا الرأي طائفة من خصوم التصوف من السنة، وأخرى من أهل التصوف من السنة والشيعة، وبين أولئك باحثون في التصوف يؤيدون هذا الرأي، إلا أن لكل طرف غرضه من نصرة هذا الرأي.




    فالثابت من كتب كثير ممن عاصر الصوفية وغيرهم، أن أول من أسس التصوف هم الشيعة، ومرجع النشأة لرجلين منهم، هما (عبدك ت210) مختصر عبد الكريم، وهو على رأس طائفة شيعية، وأبو هاشم الكوفي الشيعي (الصوفي ت150) [7].






    فالتصوف وليد التشيع، وبداية أمر حركة التصوف الفرس؛ الذين يمثلون عصب التشيع ودمه الفوار، وكبار المتصوفة والمنظرين له فرس؛ كالبسطامي، والحلاج، ومعروف البلخي، وابن خضرويه البلخي، ويحيى بن معاذ الرازي. وللتشيع أمشاج فارسية متعددة الثقافات والعقائد، وشيعة العراق زمرة فراق، وشرذمة شقاق، دأبهم تشقيق الكلام، والتلفيق بين الأديان، وذي سيرتهم قبل الإسلام، وصنيعهم مع جمهرة الأديان التي حلت أرضهم، والفرس أُصيبوا بداء الغنوص وهي فلسفة حلولية ذات طابع روحاني صوفي محض سرت في أديان وطوائف عدة، بنسب متقاربة.




    والفرس يصبغون أي دين يَرِد عليه بلبوسهم، ويُذيبونه في ثقافتهم، وعقائدهم، فيصطلحون على ما سلف من أمرهم بلغة ما ورد على ديانتهم الجديدة، فإن تبصر الواعي أمرهم درى أن كسرى صار يسمى إمامًا، والمرجع الشيعي صار يُسمى شيخ الطريقة، والأئمة الاثنا عشر هم الأقطاب والغوث، ومراتب دعاة الباطنية الإسماعيلية هم الأوتاد، والأتقياء، والنجباء والمريدين عند الصوفية[8][9].




    سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية:


    يقول السائل: أرجو من سماحتكم التكرم بالكتابة إلينا باختصار عن: الصوفية والصوفيين، وما هي الصوفية، وما هي عقيدتهم، وما رأي أهل السنة والجماعة فيهم، وماذا ينبغي لمن كان من أهل السنة والجماعة أن يعمل، أو كيف ينبغي أن يتعامل معهم إن كان هؤلاء الصوفيون مصرون على عقيدتهم، وأنهم يرون أنهم على حق حتى بعد أن ظهرت واتضحت أمامهم الحقائق؟




    وإني لأرجو من الله أن ينفع بعلمكم هذا كثيرًا من الناس الذين هم بحاجة ماسة إلى تبيين هذا الأمر من قِبل فضيلتكم خاصة. ووفقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى، وجزاكم خير الجزاء.




    الجواب: الصوفية نسبة إلى الصوف؛ لأنه كان شعارًا لهم في اللباس، وهذا أقرب إلى اللغة وإلى واقعهم، أما ما قيل إن الصوفية نسبة إلى الصفة لشبههم بفقراء الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا يأوون إلى صفة بالمسجد النبوي، أو نسبة إلى صفوة لصفاء قلوبهم وأعمالهم، فكل ذلك خطأ وليس بصحيح؛ لأن النسبة على صفة صفِّيّ بتشديد الفاء والياء، والنسبة إلى صفوة صفوي، ولأن هذين المعنيين لا ينطبقان على صفاتهم، لما يغلب عليهم من فساد العقيدة، وكثرة البدع عندهم.






    والطرق الصوفية جميعها أو ما يسمى بالتصوف الآن يغلب عليها العمل بالبدع الشركية، والذرائع الموصلة إليها والمعتقدات الفاسدة، ومخالفة الكتاب والسنة، كالاستغاثة بالأموات والأقطاب بقولهم: مدد يا سيدي، مدد يا سيدة زينب، مدد يا بدوي أو يا دسوقي، ونحو ذلك من الاستغاثة بالمشائخ والأقطاب، واعتقادهم أنهم جواسيس القلوب، يعلمون الغيب، وما تكنه القلوب، وأن لهم أسرارًا يتصرفون بها وراء الأسباب العادية، وكتسمية الله بما لم يسم به نفسه، مثل (هو هو وآه آه آه).






    والصوفية لهم أوراد مبتدعة وأدعية غير مشروعة، فهم يأخذون العهد على مريديهم بأن يذكروا الله في نسكهم وعبادتهم بأسماء مفردة معينة من أسماء الله بشكل جماعي، كالله وحي وقيوم، يرددونه كل يوم وليلة، ولا يجاوزونه إلى غيره من الأسماء إلا بإذن مشايخهم، وإلا كان عاصيًا يُخاف عليه من خدم الأسماء، كل ذلك مع الترنح والركوع والرفع منه والرقص والنشيد والتصفيق وغير ذلك مما لا أصل له ولا يعرف في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.






    فيجب على كل مسلم أن لا يجلس في مجالسهم، وأن يبتعد عن مخالطتهم؛ حتى لا يتأثر بمعتقداتهم الفاسدة ويقع فيما وقعوا فيه من الشرك، والبدع، وأن يقوم بمناصحتهم وبيان الحق لهم لعل الله أن يهديهم على يديه، مع إقرارهم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وننكر عليهم ما خالفوا فيهما مع لزوم منهج أهل السنة والجماعة ليسلم له دينه، ومن أراد معرفة أحوال الصوفية ومعتقداتهم بالتفصيل فليقرأ كتاب (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية، وكتاب هذه هي الصوفية لعبدالرحمن الوكيل.




    وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم




    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[10]


    عضو عضو
    نائب الرئيس الرئيس
    بكر أبوزيد صالح الفوزان عبدالعزيزآل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز



    كما سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:


    يقول السائل: ما هي الصوفية، وهل هي خطر على الدين، وما حكم مجالسة الصوفيين؟


    الجواب: الغالب على الصوفية في هذا الزمان أنها طائفة ضالة، لها منهج في العبادة يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يتلقون دينهم عن رؤساء طرقهم ومشائخهم، ويعتقدون فيهم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله، ولا تجوز مجالستهم ولا مصاحبتهم إلا لمن يدعوهم إلى الله ويبصرهم بالسنة.


    وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم


    اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء[11]


    عضو عضو
    نائب الرئيس الرئيس
    بكر أبوزيد صالح الفوزان عبدالعزيزآل الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز


    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    [1] الفتاوى (11/ 18).


    [2] الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص166-167، للشيخ ناصر القفاري، والشيخ ناصر العقل.


    [3] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، بإشراف د. مانع الجهني (1/ 254) بتصرف.


    [4] الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص166-167، للشيخ ناصر القفاري، والشيخ ناصر العقل.


    [5] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، بإشراف د. مانع الجهني (1/ 254).


    [6] مقال للكاتب أحمد بن سعيد بلحه، المجلس العلمي لشبكة الألوكة بتاريخ 13/ 11/ 2013م.


    [7] الصلة بين التصوف والتشيع، كامل مصطفى الشيبي، دار الأندلس - بيروت - ط(3) 1982، (ص271) بتصرف.


    [8] لمزيدٍ من التفاصيل راجع الصلة بين التصوف والتشيع د. نبيل عبدالكريم، مقال في موقع الألوكة.


    [9] التصوف عند الفرس، إبراهيم الدسوقي، دار المعارف - القاهرة - د.ت - ص23.


    [10] فتاوى اللجنة الدائمة، ( 2/ 88-90) برقم 19521.


    [11] فتاوى اللجنة الدائمة، (2/ 86) برقم 17558.




    د. أمين بن عبدالله الشقاوي
    شبكة الالوكة

     


  8. هل فعلا سوف تتكلم عن كل شخص ليس موجودا فقط لأنه فعل مالا يعجبك؟!
    هل تعرف ماذا يعني هذا يوم القيامة؟
    هذا يعني أنك سوف تتخاصم مع مئات إن لم يكن الآلاف يوم القيامة بلا فائدة!
    ولن ينصرفوا حتى يأخذوا من حسناتك ما يساوي غيبتك!
    وحتى لو انتهت حسناتك فلن يتركوك،
    بل سيعطونك من سيئاتهم!
    (أنا تكلمت عنه ولم أغتبه!
    هو فعلا عنده هذه الأخطاء!)
    هذه بالضبط الغيبة!
    أن تقول عن الشخص ما لا يحب ولو كانت فعلا فيه
    أما إذا تكلمت عنه بما لم يكن فيه فهذه أسوأ من الغيبة.
    اسمها: البهتان!
    قالﷺ:"الغيبة ذكرك أخاك بما يكره،
    إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته"
    أنت لا تحتاج أن تعلق على كل حدث وأن يكون لك رأي بكل قضية..
    ولكن إذا فعلت فيجب أن تدافع عن كلامك يوم القيامة.
    أنت لا يلزمك أن تحكم على كل شخص أنه على صواب أو خطأ..
    لكن إذا فعلت فهو خصيمك أمام الله تعالى بالآخرة.
    أحيانا الصمت نجاة
    قال تعالى:
    "ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد"


    لو قابلتُ رسول اللهﷺ لكفاني شرفا أنه عرف اسمي!
    فبكم تشتري الآن أن يعرف النبيﷺ اسمك واسم أبيك؟
    قالﷺ: "أكثروا الصلاة علي فإن الله وكل بي ملكا عند قبري فإذا صلى علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يامحمد إن فلان بن فلان صلى عليك الساعة"حسنه الألباني
    عرف نفسك للنبي الآن وقلﷺ


    إذا استهزأوا..أو شمتوا..أو شتموا سواء في الواقع..أو بالمواقع
    فأشفق عليهم..قبل أن تغضب عليهم! وارحمهم..قبل أن تحظرهم!
    فهم لم يتصوروا كم ستأخذ من حسناتهم التي طالما جمعوها في حياتهم
    إن الكلمات التي هي الآن جارحة ستراها بالآخرة مانحة ورابحة بل وفرصة سانحة
    فقط انتظر واصطبر
    اطمئن


    كيف تنجو من عذاب القبر؟
    نصيحة ابن القيم هي:
    أن تتوب توبة عامة يوميا قبل النوم
    لكي تنتقل سيئاتك كل يوم من صحيفة سيئاتك إلى صحيفة حسناتك.
    قال تعالى عن التائبين: "فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات"
    عندها لن يضرك متى حدثت الوفاة، لأنك لن تقابل الله بالسيئات الماضية!
    نبدأ من الليلة؟


    مسكين..!
    يعلم من داخل قلبه أن الله هو الذي أنزل هذه الأحكام الشرعية.
    ومع ذلك يحاربها (باسم محاربة المتدينين) وهو متيقن أن الله هو الذي خلقه!
    قال تعالى: "أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة"
    -فهل فعلا صدّق نفسه أنه سيغلب الله؟!
    استيقظ..!
    قال تعالى:"إن بطش ربك لشديد"


    لو حصل لك أن يتم اختيارك لتوصل سلامك إلى النبي ﷺ مباشرة وتدعو له وتسلم عليه.. فيرد عليك.
    كيف سيكون شعورك؟؟
    أبشرك لقد تم اختيارك!
    أنت من أمة النبي ﷺ ويمكنك أن تفعل ذلك الآن..
    قل: ﷺ وسوف يوصل الله سلامك إلى النبي ﷺ بالمدينة، فيعرف أنك سلمت ويرد عليك السلام كما في الحديث.
    إذا كنت: ستترك شقاء الدنيا..وتجتمع بأرواح المؤمنين..وتتنعم بقبر روضة من الجنة..وستدخل تحت عرش الرحـمن..
    وستقابل النبيﷺ عند الحوض..وسوف تخشع مع الأصوات للرحمن..وسوف تكلم ربك سبحانه يوم القيامة..
    ويكشف عن الحجاب فترى الله وتدخل الجنة..
    إذن أليست هموم الدنيا تافهة؟
    ارحم نفسك


    لذة الفوز من أعذب وأحلى ما يمكن أن تتذوقه في حياتك.
    ألا ترى فرحة الناجح بالاختبار؟
    يكاد يطير من السعادة!
    لكن الملحد لن يستطيع أن يتذوق هذه اللذة.. لأنه يعتقد أنه بعد وفاته لن يستطيع أن يحتفل ويفرح بأنه على حق!
    وأما إذا لم يكن على حق فلا تسأل عما سيحدث له!
    فهو بكل الأحوال خاسر


    -لماذا الملحد أكثر الناس حزنا ولو تظاهر بالفرح؟؟
    ١-عند المصيبة لا يعتقد أنه مأجور
    ٢-لا يطمئنه أن المستقبل قدر مقدور
    ٣-إذا أراد شيئا فلا يستطيع الدعاء
    ٤-أقصى أعوانه المخلوقات الضعفاء
    ٥-إذا أفرحه شيء علم أنه بالموت لن يدوم
    ٦-لوظلموه فلا يعتقد أنه سينصره حي قيوم
    فكيف لا ينتحر؟!


    -أريد التوقف عن مخاصمة وهجر بعض الناس، ولكنهم مزعجون وقد يؤذوني!
    ما الحل؟
    بسيطة..إذا سلمت عليه انتهى الهجر، ولا يلزمك أن تصاحبه!
    قل: (السلام عليكم)ولو برسالة.
    قالﷺ:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا،وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"
    أرسل سلامك الآن!


    هل تتذكر خلافاتك وأنت طفل مع بقية الأطفال؟
    كانت كبيرة في عينك وقتها
    ولكنك الآن تراها تافهة،
    أليس كذلك؟!
    هذا بالضبط ما سيحدث يوم القيامة عندما تخسر ثواب صلة الرحم والحب في الله والدخول تحت عرش الرحمن بسبب بعض الخلافات.
    سترى أن خلافاتك كانت تافهة ولا تستحق
    "يا ليتني قدمت لحياتي"

  9. (اذكرني عند ربك) 
    الدكتور عثمان قدري مكانسي
    للمظلوم أن يطرق كل باب ليصل إلى حقه ، وهذا سيدنا يوسف حين أوّل لعاصر الخمر رؤيته طلب إليه أن يذكر ظلامته عند الملك - حين يجد لديه أذناً صاغية - عله ينصفه ، فقد دخل السجن ظلماً وعدواناً على الرغم أن العزيز - زوج المرأة - حين رأى قميصه قدّ من دبر أقر أن الخطأ كان من زوجته ، وطلب من يوسف أن يتناسى الأمر كي لا ينتشر بين الناس " يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " لكن الضعيف – في كثير من الأحيان – يكون كبش فداء لمفاسد الملأ من القوم . وهذه طبيعة البشر حين يضعف الإيمان في قلوبهم . وربما ظنّ يوسف عليه السلام أن الناجي قد يَعُد تأويلَ الرؤيا دَيناً في عنقه يؤديه في الوقت المناسب فطلب إليه أن يذكره عند الملك عله ينال حقه المهضوم " اذكرني عند ربك " 

    وعلى الرغم أن يوسف عليه السلام قال في معرض أفضال الله تعالى عليه " ذلكما مما علمني ربي " وقد علمه تأويل الأحاديث وكان متأكداً من صدق تأويل الحلم فإن القرآن استعمل كلمة " ظنّ " بدل كلمة " علم " في قوله تعالى " وقال للذي ظنّ أنه ناج منهما " وهذه لفتة تربوية رائعة تفيد أن العلم يبقى ظناً ما لم يتحقق . وكثير من الناس يخطِب المرأة ويؤثث البيت ويحدد تاريخ الزفاف ويدعو الناس إلى مشاركته فرحته ، وقبل الدخول بأيام أو أقلّ من ذلك يكون الفراق موتاً أو اختلافاً .. وقد يَعِدك أحدهم بأمرٍ ما ، وتعتقد أن الأمور صارت بين يديك فإذا الأمر وهمٌ وسراب . 

    بعض المفسرين يجعل الضمير في " فأنساه الشيطان ذكر ربه " عائداً إلى يوسف عليه السلام ظاناً أن الله تعالى عاقب هذا النبي الكريم   الذي طلب العون من غير الله بالبقاء في السجن سبع سنين لأن الشيطان غلبه تلك اللحظة وما كان له أن ينتظر الفرج من غير الله تعالى ونسي هؤلاء المفسرون أن على الإنسان أن يخطط للوصول إلى هدفه ويتخذ الأسباب ، و يكل أمره إلى الله تعالى أولاً وآخراً . 

    وبعض المفسرين أعادوا الضمير إلى الذي رأى نفسه يعصر العنب ، ويقدم الخمر لسيده ، فأنساه الشيطان وصية يوسف . وهذا التفسير الثاني هو الحق بدليل قوله تعالى بعد أن طلب الملك تفسير رؤياه وإعلان الملأ أنهم لا يعلمون تأويل الأحلام " وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمّة ..." والادّكار هو التذكر بعد النسيان الذي ضربه الشيطان عليه سنوات طويلة . 

    في بداية الأمر أعلن الملأ أن ما رآه الملك " أضغاث أحلام " ثم استدركوا ما قالوه . لقد كان الحلم مقلقاً للملك حتى إنه جمعهم وسألهم تأويله ، فجوابهم الأول كان تسرعاً وتخلصاً غير موفّق فأتبعوه بالاعتراف بجهلهم حين قالوا " وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين " وهذه محْمدة لهم تحسب لصالحهم ، فنصف العلم " لا أدري " والاعتراف بالواقع فضيلة . 
    وقت النجاة في علم الله ، ولا يدري أحدنا متى يأتيه الفرج . ولربما لا يجرؤ الساقي أن يشفع ليوسف ولو تذكره ، فخصام يوسف مع النبلاء والملأ من القوم الذين أودعوه السجن لستر مخازيهم ووأد القصة التي يزعجهم انتشارها ، ولن يفرّط الملك بولاء حاشيته للنظر في قضية شاب مغمور ! إنه لن يجد من الملك أذناً صاغية . هذا لو لم ينسَ ، فكيف وقد نسي؟ إن للفرج أوقاتاً يأذن بها الله تعالى ، فتجده بين يديك سهلاً ميسوراً بعد أن كنت تظنه صعب المنال ، وكلنا لمس ذلك بيديه ورآه بعيني قلبه ورأسه. فالساقي يرى ويسمع ، يرى تلهف الملك لمعرفة ما رآه ، ويسمع ضعف جواب الآخرين فيتذكر يوسف الذي أوّل له رؤياه ، وبشره بالنجاة . فقال واثقاً " أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون " 
    باختصارٍ للموقف سريعٍ ننتقل إلى السجن فنسمع الساقي يخاطب يوسف عليه السلام بأدب واحترام ، وللمؤمن التقي مكانته الرفيعة ولو كان في السجن " يوسف أيها الصدّيق.." ومرتبة الصدّيق لا ينالها إلا من يستحقها عن جدارة . وقد تسمعها ممن يكرهونك في اعتقاد ويخالفونك في فكرة ، لكنّ دخائلهم تعترف بخُلُقك وصدقك وأمانتك . وكم سمعت من العَلمانيين وفاسدي العقيدة والذمم قول بعضهم لبعض : " أنت رفيقي في الهدف وزميلي في المهمّة إلا أنني أعرفك سارقاً ولصاً ولا آمن إلا للإسلاميين في الأمور المالية والحفاظ على ما بحوزتهم من أمانة ..
    قد يستغل بعضهم مثل هذه الحالة للوصول إلى غايته قائلا جاءتني على قدميها . فهل أحجم يوسف عن الجواب وأباه إلا أن ينظر الملك في أمره؟! وهل كانت مساومة بين رسول الملك ويوسف عليه السلام؟ لم يكن النبي يوسف عليه السلام ليفعل ذلك فثقته بفرج الله لا تشوبها شائبة . ومن الله ينتظر الخلاص ، فلم يألُ أن فسر رؤيا الملك الذي أعجب بذكاء (السجين المفسر) وعِلمِه الذي لم يجد مثله في بطانته ، فطلبه إلى قصره ، يريد أن يراه وأن يكلمه .

    قد يظن من لا يعرف القصة ولم يقرأها في كتاب الله تعالى أن يوسف يرى إعجاب الملك به الذي أخرجه من السجن غاية المنى ، فسوف يخرج إلى النور محمولاً إلى الملك دفعة واحدة وسيتخلص من سجنه . لكنه أحجم عن الإجابة ، ورفض أن يخرج من السجن وقد عفا الملك عن جرمه ، وسيظل في أعين الناس مخطئاً موصوماً بجريرة كبيرة ، وستثبت إدانته إن رضي بالعفو عن جريمة لم يرتكبها . وهو - الداعية – لن يصدقه أحد إن دعاه إلى الله وأمره بالشرف والمروءة وكريم الأخلاق ، يريد أن يخرج من سجنه بريئاً . لا بد إذن من التحري عن الحقيقة التي تعيد له اعتباره وترفعه في أعين الناس " ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهنّ عليم " .
    إن الملك حين وجد في هذا الشاب السجين علماً ومروءة وعزة نفس ولمـّا يره بعد ازداد رغبة في لقائه ، وصدّقه ابتداءً فتبنّى قضيته واستقدم النساء يسألهن الحقيقة ويتهمهنّ " ما خطبكنّ إذ راودْتُنّ يوسف عن نفسه " اتهام مباشر يصدر عن الملك الذي اطمأن إلى صدق يوسف ، فأسقط في أيديهنّ ، فاعترفن بخطئهنّ وبراءته " قلْنَ حاش لله ما علمنا عليه من سوء " ولم تجد امرأة العزيز بداً من الاعتراف بالحقيقة كاملة " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " وحصحص الحق : ظهر بعد خفاء . فكيف يخون الشاب المؤمن الذي رباه الله تعالى على الشرف والفضيلة وكريم الشمائل من ربّاه وحدب عليه؟ يقولها بلهجة الصدق وقد عزا الخير كله إلى الله تعالى ، فالنفس البعيدة عن الله توقع صاحبها في الخطأ ، وما نجاه من الوقوع في الخطيئة إلا اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به ." وما أبرّئ نفسي إن النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي " 
    قال الملك في المرة الأولى " إيتوني به " وزاد عليها في الثانية حين عظم في عينيه " إيتوني به أستخلصه لنفسي " جعله مستشاره بعد أن وثق به ورأى فيه سمات رائعة رفعت عنده مقامه . وكلـّمَه وأعجب به ، فبوّأه منه مقاماً مرموقاً . " إنك اليوم لدينا مكين أمين" وما كان التمكين إلا بسبب الأمانة ، ولا يكون الرجل أميناً إلا إذا رُبّي على التقوى فكانت الدنيا في يده والآخرة في قلبه. وما بعد التقوى والتمكين في الأرض إلا أجر الآخرة ..

    إنه فلاح في الدارين ، وسعادة في الحالين . 
     


  10. {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص : 24]

    خدمة عابرة في لحظة عفوية يخلدها القرآن ..

    رأى موسى عليه السلام فتاتين تريدان سقاية الغنم وتنتظران جانبا حتى مغادرة الرجال .. هذا المنظر لم تقبله شهامة ومروءة سيدنا موسى فسقى لهما ثم تولى إلى الظل دون النظر إليهما حتى لايحرجهما بشكره ..هكذا أخلاق الكبار ..طهارة النفس يا أعزاء تتجلى في نفع الآخرين دون مصلحة .. ثم قال ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) مهما كنت تملك من القوة والرزق الوفير .. لكن مع ربك أنت فقير ! ..
    ادع ربك مفتقرا إليه ينزّل عليك الخيرات حتى يدهشك ..

    أظهر سيدنا موسى في الآية الكريمة إخلاصا وشهامة .. مروءة وحياء .. وابتعد عن طلب المقابل .... فجاءه الخير على استحياء ليقال له (إن أبي يدعوك ليجزيك ...) رزقه الله العمل والسكن والزوجة والأمن والنجاة ثم النبوة والجنة ..
    من فرج عن أخيه كربة أغناه الله ...قدم خدماتك للآخرين وتعامل مع رب كريم ..


         فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
            
    - [ فسقى لهما ثم تولى الى الظل ] من كمال طيب نفسك أنك اذا صنعت معروفا ألا تنتظر وقفة شكر وتمجيد لإنجازك ! فهو محفوظ عند ربك / مها  العنزي
    -  { فسقى لهما }خدمة عابرة في لحظة عفوية  خلّدها القرآن  لايشترط في كل معروف تخطيط طويل ! / تأملات قرأنية
               - إذا صنعت لأحد معروفاً فلا تطلب منه الدعاء لك وإنما توجه لله متوسلا بعملك: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)" / عبد العزيز الطريفي
    -  [ رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ] مهما كنت مكتفٍ عن الناس ولديك القوة والمنعة والرزق الوفير لكن بالحقيقة لربك  كم أنت فقير !     / مها  العنزي
    - "رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير" كل خير عندك إنما هو منزل إليك من الله ! فلا تقابل إنزال الله الخير إليك .. بإصعاد الشر إليه / علي الفيفي
    في قصة موسى "فسقى لهما ثم تولى إلى الظل" الصادقون لا ينتظرون الثناء ..ولا يبحثون عن الأضواء ..اللهم اجعلنا من الصادقين .. / تدبر
    - ( ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير ) هنا إشارة إلى سبب عظيم من أسباب إجابة الدعاء وهو إظهار الإفتقار الى الله !! / عايض المطيري
    - "فسقى لهماكانتا قادرتين على السقي بعد مغادرة الرجال ولكن انتظار امرأتين مشهد لا تقبله شهامة الرجال الأسوياء. / عبدالله بن بلقاسم      
    "فسقى لهمالم يسأل عن ديانتهما أو تاريخهما لم يستفصل عن عرقهما أو جنسيتهماالصالحون خير على الحياة كلها. / د.عبد الله بلقاسم
    - كان موسى دائم الدعاء،قتل نفسا فقال  "  رب اغفرلي"  وخرج مسافرا فقال"عسى ربي أن يهديني سواء السبيل"   ووردالماء فقال"رب إني لماأنزلت إلي من خير فقير"./ سلمان العودة
          -   ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ دعاء بلسان الحال والمقال ، وكلنا كذلك . اللهم أفض علينا من جودك وكرمك ورحمتك .* . / تأملات قرآنية
    - دعا موسى )رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ... فرزقه الله:  العمل ، السكن ، الزوجة ، الأمن، النجاة ، النبوة، الجنة.. / سلمان العودة    
    إذا أصبحت فاطرد همومك التي أثقلتكوذكرياتك التي أرهقتك واطرحها بين يدي ربك ومولاك.. وقل بلسان المعترف {ربِّ إني لما أنزلت إلي من خير فقير} ناصر القطامي
            -  لا تحقرن معروفا خدمة عابرة في لحظة عفوية {فسقى لهما}حين مشى في حاجتهما فرج الله عنه ورزقه{فجاءته إحداهما}الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه / أبرار بنت فهد القاسم
            -   ﴿رَبِّ إنِّي لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير﴾ جامعة للشكر والثناء والدعاء وقد رزق  بها موسى  الزوجة والسكن والعمل. / روائع القرآن
           - ﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ هكذا يكون المخلص يفعل الخير للناس بالخفاء وبدون مقابل ثم يذهب . / روائع القرآن
          

    تأملات قرآنية وحصاد التدبر


    48356670_316873628915465_4729693405980917760_n.jpg?_nc_cat=102&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=eHBATPnymdcAX-mb7pd&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=70ff25f11f9a35548086a62c8c34fbc5&oe=5F3227F9


     

  11. تأملات تربوية في سورة الأنبياء - د. عثمان مكناسي
     ( قصة أبي الأنبياء إبراهيم ) 
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    هذه السورة المباركة تتحدث عن غفلة المشركين عن الساعة الوشيك حدوثها ، وقد زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يكون رسولاً لأنه بشر ونسوا أن الأنبياء كلهم بشر ، وقالوا عن القرآن كما قال الأولون : سحرٌ ، وشعر وأضغاث أحلام ، فقصم الله الأولين ، ولئن استمر أهل قريش على ضلالهم ليفعلنّ الله بهم كما فعل بالهالكين قبلهم . ويطيب الله تعالى في هذه السورة قلب النبي صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء الصالحين قبله ، فقد أصابهم ما أصابه من عنت المشركين وضلالهم ، وعلى رأسهم أبو الأنبياء إبراهيم عليهم السلام جميعاً . حين يريد الله تعالى بعبد من عباده الخير ، ويجعله من سعداء الدارين يكرمه بالهداية منذ الصغر ويحيطه برعايته ويربيه التربية التي تليق به داعياً ومرشداً . وعلى راس هؤلاء السعداء أبونا إبراهيم عليه السلام حيث يقول سبحانه " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ، وكنا به عالمين " فقد أخبرنا المولى تعالى أنه آتاه الفهم الثاقب والنظر المتأمل والتفكير الصائب مذ كان صغيراً فألهمه الحق والحجة علَى قَومه كَما قَال تعالَى " وتلك حجتنا آتيناها إِبراهِيم عَلَى قَومه " . 

    فبدأ يعيب على أبيه وقومه قومه عبادة أصنام لا تعي ولا تعقل ، والأنكى من ذلك أنهم يصنعونها بأيديهم ثم يعكفون على عبادتها ، فهل يعبد العاقل ما يصنعه بيديه أم تراهم يعبدون بذلك أهواءهم ورغباتهم ؟ وكأنهم يكرّسون عبادة الإنسان وشهواته ويشرّعون سطوة القوي منهم على الضعيف المغلوب على أمره . وهنا يأتي دور النبي والداعية الذكي الذي عليه أن يحاورهم ويعلمهم ثم ينقذهم مما هم فيه ، فيسائلهم " ... ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟!" فلا يجد من جواب سوى أنهم ألفـَوا آباءهم كذلك يفعلون " قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين " وكأنهم بهذا التقليد لآبائهم قد أراحوا أنفسهم من عناء التفكير ، والبحث عن الحقيقة ، ولعلهم يجدون التعليل المناسب لاستمرارهم في غيهم وضلالهم ، بل يظنون أنهم يفعلون عين الصواب حين يسيرون على هدي أسلافهم . وهم بهذا يريدونه أن يدعهم وما يعبدون فلا يسفـّه ما يعتقدون . الداعية الشاب إبراهيم يرى جوابهم يحط من قدر الإنسان . إذ كيف يرضى ذو العقل والفهم أن يقلد غيره دون فهم ولا روية ؟ لقد سألهم محفـّزاً عقولهم وقلوبهم أن يتدبروا ما هم عليه ، فما وجد سوى التبعية لخطإ آبائهم ، وهو حين سأل الناس كان أبوه أول المسؤولين " إذ قال لأبيه وقومه ... ، فالولد يحب أباه ويجله . ومن تمام الإجلال أن ينبهه إن أخطأ ، وليس عيباً أن ينبه الصغير الكبير وأن يحذره ، ثم يهديه . وإبراهيم حريص على هداية الناس وهو أحرص على هداية والده وأقربائه ، ألم يقل الله تعالى مخاطباً نبيه الكريم " وأنذر عشيرتك الأقربين " ؟ .

    لا بد من الصدع بالحقيقة ولو كانت مُرّة وصعبة القبول عند قوم كان الضلال رائدهم وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً ، وكانوا يعتزون بما ورثوا عن آبائهم واعتقدوه صحيحاً لا يرقى الشك إليه فقال لهم بصريح العبارة " لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " وهذه قمة الشجاعة في الداعية حين يصدع بالحق دون خوف ولا وجل ، ويقول ما يعتقده بقوة دون مواربة . فالرجال يُعرفون بالحق ، ولا يُعرف الحق بالرجال ؟ .. أنتم وآباؤكم ضالّون عن الطريق الواضح البيـّن . وحين يختلط الأمر عليهم ويستنكرون ما يقول يسألونه بلسان منعقد من المفاجأة التي وقعت عليهم " أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟ " ولِمَ سألوه هذا السؤال ؟ أفعلوا ذلك ليصلوا إلى الحق الحقيق أم يستنكرون ما أتاهم به ؟ أم يسخرون منه ويهزأون ؟ أم إن الأمر خليط بين هذا وذاك ؟ إنه أعلن ذلك على الملأ ، لا يخاف سطوتهم  ولا يخشى عقابهم . وعرّفهم بربهم المعبود الحق الذي يستحق العبادة وحده " قال بل ربكم ربُّ السموات والأرض الذي فطرهنّ " فهو الخالق لكل شيء ، وسبب الوجود . ثم رفع الوتيرة حين شهد لله الحق بالوحدانية المطلقة " وأنا على ذلكم من الشاهدين " ..

    لم يكتف الداعية بالمحاجة باللسان بل وطن نفسه على مكابدة المكروه وماساته في الذب عن الدين ، فقرر كسر أصنامهم ليعاينوا ضعفها وهوانها علّ الغشاوة تنجلي عن أعينهم فيكفرون بها ويؤمنون بالله وحده . وأقسم بالله ليفعلنّ ذلك في غفلة منهم ليُفاجؤوا بما فعل فيهتزوا هزة قوية يفكرون بعدها بما هم عليه من إفك وزور وضلال . قال ذلك في نفسه ، فما ينبغي لمن عزم على أمر أن يُفشيه قبل إتمامه ، والتمس يوماً يخرجون فيه إلى عيد لهم بعيداً عن المدينة فيغتنم فرصة خلوّ المعبد منهم ، ويحطم أصنامهم . ولا بد من كتم السر فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. " . دخل المعبد يحمل الفأس يضرب في الأصنام بقوة ففتتها وجعلها قطعاً صغيرة " فراغ عليهم ضرباً باليمين " إلا كبيرها لم يكسره ، وعلّق في عنقه الفأس ليحتج به عليهم . ويبين ضعف معتقداتهم بآلهتم المفتراة ، لعلهم يسألون هذا الإله الكبير عمّن فعل بصغاره هذا الفعل المهين ، ورآه هذا الإله فلم يتحرك مدافعاً عنهم ، بل قبل الإهانة حين عُلّق الفأس على عنقه مقهوراً . ولكنّهم لم يسألوا هذا الربّ فهم يعرفون أنه حجر أصم لا يعي ولا يعقل ، فتساءلوا فزعين مما رأوا " قالوا : من فعل هذا بآلهتنا ؟! " وكان أولى بهم أن يسألوا كبير الآلهة " من فعل هذا بصغارك وأنت أعمى أخرس ! " وكان أولى بهم أن يكسّروه ويفتتوه ويُلحقوه بالآخرين – لو كانت لهم عقول – ولكن تساءلوا فيما بينهم ليصلوا إلى الفاعل الذي حطّم معتقداتهم وذرّاها في الهوان والمذلة . " إنه لمن الظالمين " ولنتساءل : من الذي ظـُلِم؟ إن كانت الآلهة فهي – على زعمهم - قادرة على الدفاع عن نفسها ومعاقبة من يسيء إليها ، بله أن يفكر في ذلك ! وإن كان عـُبـّادها المظلومين ، فقد ظلموا أنفسهم – ابتداء – بعبادة آلهة ذليلة ، وإن كان الفاعل ظلم نفسه بتحطيمها وكسرها فقد أحسن إلى نفسه حقيقة ولم يظلمها ، وهل القضاء على الخبث والفساد ظلم ؟! ويبحثون ويسألون ، ثم يتذكرون أن الفتى إبراهيم ذكر آلهتهم بسوء وخفـّضها وحقـّرها ، فلم لا يكون هو الفاعل ؟ " قالوا سمعنا فتى يُقال له إبراهيم " فجاءوا به على أعين الناس ليقرروه ويحاسبوه ويعاقبوه إن ثبت أنه الفاعل الأثيم !! . جاءوا به على أعين الناس ليظهروا أنهم حماة العقيدة ورجالها ! ، وليخاف من تسوّل له نفسه أن يفعل هذه الفعلة في قابل الأيام !! ويسألونه أمام الجميع " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ " 

    لم يكن يريد الكذب حين أشار إلى الفأس معلّقة بعنق كبير الآلهة وزعيمها قائلاً " بل فعله كبيرهم هذا ، فاسألوهم إن كانوا ينطقون ؟! " ولم لا يكون كبيرهم قد قتلهم كي لا يشاركوه ألوهيّته ؟ والدليل قائم فالفأس يشهد على إجرام كبير الآلهة ، ولن يستطيع الدفاع عن نفسه فأداة الجريمة موجودة ، وهو قائم في مكانها لم يبرحه ، وهؤلاء القتلى المثخنون بجراحهم ما زالوا في أرض المذبحة ، ولعل أحدهم لم يلفظ أنفاسه بعد ، فاسألوهم يخبروكم ! 


    حين يخلو الإنسان إلى نفسه دون كبرياء ولا استكبار يصل إلى الصواب ويعرف الحقيقة . وهذا ما قاله الجميع ابتداء " فرجعوا إلى أنفسهم ، قالوا : إنكم أنتم الظالمون " وما أجمل أن يعترف المخطئ بخطئه ، ويرجع عن غيه وضلاله ، إذاً فالحياة حلوة جميلة .. لقد اعترف الحاضرون أنهم يعبدون أصناماً هم صانعوها ، وأرباباً هم أوجدوها . لكن الشيطان اللعين والنفس الأمارة بالسوء لا يتركان الإنسان في صفائه الروحي ، إنما يوسوسان له ، ويقلبان الحق باطلاً ، والباطل حقاً ، والاستكبار غمط للحق والجبروت أسْرٌ له وقتل . هذا ما كان من الكبراء حين رأوا الزعامة قد تطير من بين أيديهم إن وافقوا الفتى فيما يقول ، فسرعان ما عادوا إلى الضلال بعد أن كانوا على أبواب الهدى ، ومشارف سبل السلامة . " ثم نُكسوا على رؤوسهم " واتخذوا موقع الهجوم ليستروا عوراتهم ويُضلوا العوام ّ من حولهم فاتهموه بتكسير الأصنام حين قالوا له : " لقد علمت ما هؤلاء ينطقون " . ويرى الفتى إبراهيم أنهم لن يسلكوا سبل الهداية - فالكبر يُعمي صاحيه ، ويقذفه في مهاوي الفتن والضلال ، فقرّعهم ، وهزئ بهم وبآلهتهم " أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ، ولا يضرّكم " ما هذه الآلهة البليدة التي يتحكّم بها عُبـّادُها ؟ ولِمَ يُعبد إله لا يضر ولا ينفع ؟ إنها الردّة البشرية إلى أعماق الجهالة والهمجية ، إلى الطور البهيمي ! أفتعبدون أيها القوم هذه الآلهة البكماء , وقد علمتم أنها لم تمنع نفسها من أرادها بسوء , ولا هي تقدر أن تجيب إن سُئلت عمن يأتيها بخير فتخبر، أفلا تستحون من عبادة مَا كَانَ هكذا ؟ أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل فاجر ظَالِم . " أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ؟ " نعم ، إنهم وأمثالهم لا يعقلون . فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها ولهذا قال تعالى " وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه "

    لا يتحمل الظالم المتجبر أن يرفع الراية البيضاء ويستسلم . فهو في هذه الحياة الدنيا يقلب الحقائق ، وويجترح كل المخازي ليكتم الصوت الحر ، ويقطع لسان الحق ، ويطمس نور الهداية . لا بد من القضاء الكامل على من يقف أمامة ويجعل نفسه له ندّاً . ويتداعى الظلمة وأعوانهم إلى تحريق الفتى وأمثاله على مدى التاريخ ليصفو لهم الجو ، " قالوا حرّقوه " والتحريق فوق الإحراق وأشد منه بمراحل . لكنّ الذي نراه في المتجبرين الظالمين يتكرر دائماً ، فهم نسخة واحدة تتجدد . لقد قالوا " حرقوه وانصروا آلهتكم ! " والحقيقة أنهم يريدون نصر أنفسهم فقط ، وما هذه الآلهة إلا صورة يحكم الجبابرة – في كل زمان ومكان – من ورائها ، ما هي إلا ظل لهم ليس غير ، أم يقل فرعون " ذروني أقتل موسى ولْيدْعُ ربه ! إن أخاف أن يبدل دينكم أو أن يُظهر في الأرض الفساد؟! " وتصور أن فرعون المتغطرس يتهم الداعي الأول في عصره بالفساد ، يتهم أحد الرسل أولي العزم كليم الله تعالى بالفساد ، ويأمر – ديموقراطياً – بقتله ليتخلص من شروره !!! إنها الديكتاتورية في كل آن ومكان تنطق بلسان واحد . 

    وينسى الظالمون أن الله تعالى ناصر دعوته ، ناصر رسله ، ناصر دعاته ولو بعد حين . ويُلقى الداعية الأول أبو الأنبياء في النار ، فيأمرها خالقها أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم ، فتكون . وهل تملك غير ذلك ؟ إنه سبحانه الذي وهبها خاصية الإحراق ، وهو الذي يمنعها إياها متى أراد " قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ، وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين " انتصر إبراهيم في الدنيا وكان في صف الأنبياء الأوائل في الآخرة وصلى الله عليه إلى يوم القيامة ، وأمرنا بالصلاة على نبينا كما صلى الله من قبل على أبيه إبراهيم ..



    موقع إسلاميات




  12. إنَّ الحمد لله... وبعد:

    فيا عباد الله: خير الزاد التقوى.. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾.[1]

    أيها الأحبة: في خطبة سابقة تعرفنا على أثر الصدقة عموماً في زمن البلاء، خاصةً ما يتعلق بالأوبئة والطواعين، واليوم ومع اشتداد فصل الصيف وهذه الأجواء الحارَّة، ثمة صدقةٌ من نوع خاص يحتاج الناس للاستزادة منها فهي تخصُّ نعمةً من أعظم النِّعَم وأجلِّها، ولا غنى لكائن حي عنها، إنها نعمة الماء ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾[2]، ومن هنا كان لزامًا شكر هذه النعمة من المنعم المتفضِّل سبحانه: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾[3]، ومع أنَّ من أعظم شكرها التصدُّق بما فَضُلَ منها وإهداؤها إلا أنها بإذن الله سبب عظيمٌ لدفع البلاء، ففي حديث سَعْد بْن عُبَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «سَقْيُ الْمَاءِ». رواه ابن ماجه، وحسَّنه الألباني[4].


    وروي في الحديث: «أَيَّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ»؛ رواه أبو داود[5].


    كيف لا؟ ورجل دخل الجنة بسبب كلبٍ سقاه! فكيف ببني آدم وكيف بمسلمٍ إذًا؟

    يقول صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَث، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟! قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»؛ متفق عليه[6].


    ولما كان الأمر كذلك حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إضفاء أهمية السقيا للحاجِّ، فقال صلى الله عليه وسلم في حَجة الوداع: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ، فَلَوْلا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ؛ رواه مسلم[7].

    إذ لولا أن يظن الناس أن نزع الماء، وسقيا الحاج من النُّسُك لفعله صلى الله عليه وسلم.


    أيها الإخوة: ولعظم أمر الماء حرَّمت الشريعة بيع ما يفضل من الماء، فقد جاء عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْكَلَأِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ»؛ رواه أبو داود[8].


    قال في "عون المعبود": "الْمُرَاد الْمِيَاه الَّتِي لَمْ تَحْدُث بِاسْتِنْبَاطِ أَحَد وَسَعْيه كَمَاءِ الْآبَار، وَلَمْ يُحْرَز فِي إِنَاء أَوْ بِرْكَة أَوْ جَدْوَل مَأْخُوذ مِنْ النَّهر، وَالْكَلَأ: وَهُوَ النَّبَات رَطْبه وَيَابِسه" اهـ[9].

    وجاء في صحيح مسلم «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ»[10].


    قال الخطَّابي رحمه الله: "معناه ما فضل عن حاجته وحاجة عياله وماشيته وزرعه" اهــ[11].


    والحديث يدلُّ على تحريم بيع فضل الماء، والظاهر - والقول لصاحب عون المعبود - أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة، أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشرب أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشية أو الزرع، وسواء كان في فلاة أو في غيرها.
     

    الخطبة الثانية

    الحمد لله... وبعد:

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[12]... أيها الإخوة: صَدَقة الماء لا تقتصر على السُّقيا فقط، أو على توزيع قوارير من المياه المعبَّأة، وهذا خيرٌ كثيرٌ؛ ولكن تشمل أيضًا المساهمة في حفر الآبار في الأماكن المحتاجة، وهذا من الصَّدَقات الجارية.

     

    وقد مرّ ما ذكره الذهبي رحمه الله: "عن ابنِ شَقِيْقٍ قال: سَمِعْتُ ابْنَ المُبَارَكِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قُرْحة خَرَجتْ فِي رُكبَتِهِ مُنْذُ سَبْعِ سِنِيْنَ، وَقَدْ عَالَجتُهَا بِأَنْوَاعِ العِلاَجِ، وَسَأَلْتُ الأَطِبَّاءَ، فَلَمْ أَنْتَفِعْ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحفِرْ بِئْراً فِي مَكَانِ حَاجَةٍ إِلَى المَاءِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَنبُعَ هُنَاكَ عَيْنٌ، وَيُمْسِكَ عَنْكَ الدَّمَ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ، فَبَرَأَ"[13].


    ومن صدقات الماء التي يغفل عنها الناس دفع قيمة فاتورة محتاج، أو المشاركة في ملء خزَّان جيرانك في العمارات السكنية، فهذه كم سينتفع منها من رجال وأطفال ونساء من شرب ووضوء واغتسال، وتطهُّر وفوائد كثيرة[14].
     

    ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[15].


    [1] [البقرة: 282].

    [2] [الأنبياء: 30].

    [3] [الواقعة: 68 - 70].

    [4] حسن؛ رواه ابن ماجه (3684)، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود"(1474).

    [5] ضعيف؛ رواه أبو داود (1682)، والترمذي (2449)، وضعفه الألباني في "ضعيف الجامع الصغير"(2249)

    [6] متفق عليه؛ رواه البخاري (2363)، ومسلم (2244).

    [7] صحيح مسلم (1218).

    [8] صحيح؛ رواه أبو داود (3477)، وصححه الألباني في "الإرواء"(1552).

    [9] عون المعبود للعظيم آبادي (9/321).

    [10] صحيح مسلم (1565).

    [11] معالم السنن للخطابي (3/128).

    [12] [آل عمران: 102].

    [13] سير أعلام النبلاء ط الحديث (7/ 383).

    [14] للاستزادة من الموضوع ينظر : فضل صدقة الماء وإهدائه (خطبة).

    [15] [الأحزاب: 56].


    د.صغير بن  محمد الصغير
    شبكة الالوكة



     


  13. القاعدة العشرون : { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ }


     

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا حديث متجدد عن قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب العدل والجزاء، ولتدبرها أثرٌ في فهم المؤمن لما يراه أو يقرأه في كتب التاريخ، أو كتاب الواقع من تقلبات الزمن والدهر بأهله، سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قوله تعالى:
    { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } [الحج:18].

    ولعل إيراد الآية الكاملة التي ذكرت فيها هذه القاعدة مما يجلي لنا أبرز صور الإهانة التي تنزل الإنسان من عليائه، يقول سبحانه وتعالى:
    { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)} [الحج].

    فهل أدركتَ معي أخي وأنت تستمع لهذه الآية الكريمة أن أعلى وأبهى وأجلى صور كرامة العبد أن يوحّد ربه، وأن يفرده بالعبادة، وأن يترجم ذلك بالسجود لربه، والتذللِ بين يدي مولاه، وخالقِه ورازقه، ومَنْ أمرُ سعادتِه ونجاته وفلاحِه بيده سبحانه وتعالى، يفعلُ ذلك اعترافًا بحق الله، ورجاءً لفضله، وخوفًا من عقابه؟!

    وهل أدركتَ أيضًا أن غاية الهوان والذلّ، والسفول والضعة أن يستنكف العبد عن السجود لربه، أو يشرك مع خالقه إلهًا آخر؟! وتكون الجبال الصم، والشجر، والدواب البُهمُ، خيرًا منه حين سجدت لخالقها ومعبودها الحق؟!

    أيها الإخوة:
    وإذا تبيّن هذا فإن هذه القاعدة القرآنية الكريمة: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } جاءت في سياق بيان من هم الذين يستحقون العذاب؟
    إنهم الذين أذلوا أنفسهم بالإشراك بربهم، فأذلهم الله بالعذاب، كما قال سبحانه وتعالى: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } فلا يجدون حينها من يكرمهم بالنصر، أو بالشفاعة!

    وتأمل أيها المبارك كيف جاء التعبير عن هذا العذاب بقوله: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ } ولم يأت بـ(ومن يعذب الله) وذلك ـوالله أعلم ـ "لأن الإهانة إذلالٌ وتحقيرٌ وخزيٌ، وذلك قدرٌ زائدٌ على ألم العذاب، فقد يعذب الرجل الكريم ولا يهان" (مجموع الفتاوى [15/367]).

    ثم تأمل كيف جاء التعبير عن ضد ذلك بقوله: { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } فإن لفظ "الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد، لا يراد به مجرد الإعطاء، بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن، والكرم كثرة الخير ويسرته،... والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم، قال تعالى:
    { أَوَلَمْ يَرَ‌وْا إِلَى الْأَرْ‌ضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِ‌يمٍ (7)} [الشعراء]،
    قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن، والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على الله يكرمه، وفيهم من يهينه، قال تعالى:
    { إِنَّ أَكْرَ‌مَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات:13]، وقال تعالى:
    { وَمَن يُهِنِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِ‌مٍ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)} [الحج] (مجموع الفتاوى [16/295]).

    أيها القارئ الكريم:
    وإذا كان الشرك بالله هو أعظم صورةٍ يذل بها العبد نفسه، ويدسها في دركات الهوان، فإن ثمةَ صورًا أخرى وإن كانت دون الشرك إلا أن أثرها في هوان العبد وذله ظاهر بيّن: إنه ذل المعصية، وهوان العبد بسببها، يقول ابن القيم: موضحًاً شيئًا من معاني هذه القاعدة القرآنية المحكمة { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } وهو يتحدث عن شيء من شؤم المعاصي، وآثارها السيئة:
    ومنها: أن المعصية سببٌ لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم!.
    وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله تعالى: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ }! وإنْ عَظّمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه...
    إلى أن قال: وهو يتحدث عن بعض عقوبات المعاصي:
    أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمر الله، واستخف به، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الناس، وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظم الناس حرماته!
    وكيف ينتهك عبدٌ حرمات الله ويطمع أن لا ينهك الناس حرماته؟!
    أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟!
    أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟!
    وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب، وأنه أركس أربابها بما كسبوا، وغطي على قلوبهم، وطبع عليها بذنوبهم، وأنه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما ضيعوا أمره، ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } فإنهم لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به، ولم يفعلوه أهانهم، فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم، ومن ذا يكرم من أهانه الله أو يهن من أكرم... إلى أن قال: ومن عقوباتها: أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذم والصغار، فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والمتقي والمطيع... ونحوها، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيء...، وأمثالها فهذه أسماء الفسوق وبئس الاسم الفسوق بعدالإيمان التي توجب غضب الديان، ودخول النيران، وعيش الخزي والهوان، وتلك أسماء توجب رضى الرحمان، ودخول الجنان، وتوجب شرف المتسمي بها على سائر أنواع الإنسان، فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء وموجباتها لكان في العقل ناهٍ عنها، ولو لم يكن في ثواب الطاعة إلا الفوز بتلك الأسماء وموجباتها؛ لكان في العقل أمرٌ بها ولكن لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع، ولا مقرب لمن باعد، ولا مبعد لمن قرب، ومن يهن الله فماله من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء (الجواب الكافي: [38 – 52] باختصار). انتهى كلامه.

    معشر القراء الكرام:
    وفي كلمة ابن القيم الآنفة: "ومن ذا يكرم من أهانه الله، أو يهنْ من أكرم؟" إشارة إلى معنى يفهم من هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } وهو أن من أكرمه ربه بطاعته، والانقيادِ لشرعه ظاهرًا وباطنًا، فهو الأعز الأكرم، وإن خاله المنافقون أو الكفار الأمر على خلاف ذلك، كما قال من طمس الله على بصائرهم من المنافقين وأشباههم:
    { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)} [المنافقون]
    إي والله.. لا يعلمون من هم أهل العزة حقًا!

    ألم يقل الله عز وجل: { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين (139)} [آل عمران]؟!
    وكيف يشعر المؤمن بالهوان وسنده أعلى؟!
    ومنهجه أعلى؟!
    ودوره أعلى؟
    وقدوته صلى الله عليه وسلم أعلى وأسمى؟!
    فهل يعي ويدرك أهل الإيمان أنهم الأعزة حقًا متى ما قاموا بما أوجب الله عليهم؟

    وأختم حديثي عن هذه القاعدة القرآنية المحكمة { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ }،بكلمة رائعة لشيخ الإسلام ابن تيمية: حيث يقول:
    "الكرامة في لزوم الاستقامة، واللهُ تعالى لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم:
    { أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّـهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس]".(التحفة العراقية في الأعمال القلبية: [12])،

    أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم منهم، وأن يكرمنا وإياكم بطاعته، ولا يذلنا ويهيننا بمعصيته، وإلى لقاء جديد بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    يتبع

  14. سورة الزخرف في الجزء الخامس والعشرين ، وترتيبها في القرآن الثالثة ُوالأربعون . آياتها تسع وثمانون ، قبلها ( الشورى) وبعدها ( الدخان ) . واكتسبت اسمها الذي خصها الله تعالى به منذ الأزل من الآية الخامسة والثلاثين المتابعة لمعنى الآيتين الثالثة والثلاثين والرابعة والثلاثين في قوله تعالى " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ........ وزخرفاً وإنْ كل ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا "
    - أورد القرطبي في معنى الزخرف : " الذهب " (وَزُخْرُفًا " أَيْ وَذَهَبًا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وغيره . ثُمَّ بيّن تَبَارَكَ وَتَعَالَى أن ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عنده سبحانه ، فعجّل بحسنات الكافرين في الدنيا من مأكل ومشرب وملبس ليوافوا الآخرة وليس لهم عنده تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيث الصَّحِيح " لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا تَزِن عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَة مَاء " وفي رواية الطبرانيّ يقول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ عَدَلَتْ الدُّنْيَا عِنْد اللَّه جَنَاح بَعُوضَة مَا أَعْطَى كَافِرًا مِنْهَا شَيْئًا " وأكد ذلك سبحانه حين قال : " وَإِنْ كُلّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا " ثُمَّ صرّح سبحانه أنّ ثواب الآخرة العظيم للمؤمنين الأتقياء فقط ، فقال : " وَالآخِرَة عِنْد رَبّك لِلْمُتَّقِينَ " فالثواب لَهُمْ خَاصَّة لا يُشَارِكهُمْ فِيه أَحَد غَيْرهمْ . ولهذا نفهم قول عُمَر بن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين صَعِدَ إِلَيهِ فِي الْمُشْرَبَة لَمَّا آلَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ فَرَآهُ عَلَى رِمَال حَصِير قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ وَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَذَا كِسْرَى وَقَيْصَر فِيمَا هُمَا فِيهِ – من النعيم - وَأَنْتَ صَفْوَة اللَّه مِنْ خَلْقه وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ وَقَالَ " أَوَ فِي شَكّ أَنتَ يَا اِبن الْخَطَّاب ؟ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُولَئِكَ قَوْم عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتهمْ فِي حَيَاتهمُ الدُّنْيَا " وَفِي رِوَايَة " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَة ؟ " وَفِي الصَّحِيح أَيْضًا وَغَيْرهمَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لا تَشْرَبُوا فِي آنِيَة الذَّهَب وَالْفِضَّة . وَلا تَأْكُلُوا فِي صِحَافهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَة " وَإِنَّمَا خَوَّلَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي الدُّنْيَا لِحَقَارَتِهَا .
    والأساليب التربوية في هذه السورة المباركة كثيرة ورائعة نقف على ثمانية منها في هذا المقال الأول مستعينين بالله سبحانه ، فنقول :

    1 ـ جذب الانتباه :
    كي لا يضيع شيء مما يقال ، فلا نبدأ بالحديث قبل أن ينتبه الحاضرون فلا تفوتهم فكرة ولا جملة ، وأساليب التنبيه كثيرة كما مرّ معنا في التأملات السابقة ، نذكر منها السؤال الذي لا يحتاج جواباً ، وتثبيتَ النظرات في وجوه السامعين مع التحية والسلام ، الجملَ المفتاحية التي اعتاد الآخرون سماعها في بدء الحديث ، ،،، وهنا نجد الآية الأولى التي حملت حرفين تكرّرا " حـم " في سور سميناها " الحواميم " كما يجتمع في " حـم " أسلوب آخر هو التعظيم ، لما ورد أنها من أسماء الله الحسنى قالها بعض المفسرين .

    2 - القسم :
    ، ونجد القسم في القرآن الكريم عشرات المرات ، ووظيفته التأكيد ودفع الشكّ والريبة . ويؤتي القسم أُكُله حين يصدر عن عظيم لا شك في صدق قوله وصواب حديثه " والكتاب المبين " ولله سبحانه أن يحلف بما شاء فهو خالق الأشياء ومبدعها ، وهنا يحلف الله تعالى بالقرآن الكريم كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل ، المنزّل ِ على رسوله الكريم بالوحى الصادق المتعبّدِ به ، الذي عرّفنا بالله تعالى فآمنا به وأقررنا بربوبيته وألوهيته فرضينا به رباً . وللعبد أن يقسم فقط بالله الخالق سبحانه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من كان حالفاً فليحلف بالله أو لِيصمت " فلا يُحلف إلا بالعظيم لتأكيد الصدق أولاً وليخاف الإنسان من الكذب حين يقسم بمن يعلم السرّ وأخفى ، فيتجنب الكذب . أما كثرة الحِلفان بسبب وغير سبب فدليل النفاق والادّعاء الكاذب . وأما الحلف بغير الله كالشرف والمروءة والغوالي وما شابه ذلك من أمور تخالف الشرع فلا قيمة لها عند المسلم الحق .

    3 - أن تخاطب الآخرين بلغة يفهمونها وكلام مناسب لأفهامهم :
    فمهمة الحديث الإعلام والإفهام وتقريب المراد والوصول إلى الإيمان به وتصديقه ثم العمل له والدعوة إليه . ولن يكون هذا إلا بمراعاة مقتضى الحال ، وهذه حقيقة البلاغة . وتقول الحكمة " خاطبوا الناس بما يفهمون " ، ولكل سنّ أسلوب خطاب ، ولكل مستوى أسلوب حديث ، فلا يُبسط الحديث ولا يُكرر مع الذكي فيملّ ، ولا يُجتزَأ مع البسيط فيُغلق عليه . والداعية الناجح من عرف كيف يخاطب الناس جميعاً فيجذبهم ويتفاعلون معه . يقول تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " لماذا أُرسل النبي بلسان قومه؟ " ليُبَيّن لهم " .

    4 - التعظيم والتوقير :
    هذا ما وجدناه قبل قليل في الأسلوب الأول حين أشرنا إلى عظمة الحرفين " حـم " ونجد التعظيم كذلك في قوله تعالى " " وإنه في أم الكتاب لدينا لَعليٌّ حكيم " فقدم القرآنَ الكريمَ للسامع بطريقة فيها هيبة وتعظيم وتوقير ، فهو مثبت في اللوح المحفوظ عند رب العالمين ، فلا يتطرّق إليه الفساد والبطلان والتحريف والضياع ، ولا التغيير والتبديل ولا الاختلاف والتناقض ، وقد وصفه بالعلوّ والحكمة ، كيف لا وهو عند الله تعالى في أم الكتاب ؟! . وبهذا التعبير الواضح البيّن يقدمه للبشر قاطبة معظّماً مكرماً .

    5 - المتابعة وعدم اليأس :
    إن من يؤمن بهدف كريم مفيد يعمل على إيصاله للناس ليستفيدوا منه ، فكيف لا يبذل جهده في ذلك وقد كُلـّف به ؟ والذي كلـّفه به رب العزة سبحانه ؟ هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى نجد من يزهد في أمر مُهِم ّ لجهله به ، فيضيعه عليه . وعلى المسلم الداعية أن يعمل جاهداً لتعريف هؤلاء الزاهدين بخطأ انصرافهم عن الخير وتضييعهم إياه ، وهناك ناحية ثالثة لا بد من توضيحها ، فالداعية حريص على الناس يريد لهم أن يعرفوا الحق فيلتزموه في الدنيا لينجوا في الآخرة من عذاب أليم . وليبين لهم أنه" أنذر فأعذر" فلا يعتذرون حين تقع الواقعة أنه لم يأتهم نذير ، ولم ينصحهم ناصح ، ولم يدلهم على الخير محب شفوق . كما أنه – أخيراً - لا ينبغي لأحد أن ييئس من الدعوة إلى الحق ولو كان المدعوّ مجافياً مجانباً لا يهتم ولا يكترث " أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أنْ كنتم قوماً مسرفين ؟ "

    6 - التحذير من الخطأ :
    يقول تعالى " وكم أرسلنا من نبي في الأولين " هذه كم الخبرية التي توضح تتابع المصلحين يحذرون وينبهون ويدْعون البشرية للصواب وإلى النهج الحق . فلما استهزأ الكافر المدعوّ وأبى الإجابة وقع في المحذور وندم حيث لا ينفع الندم . " فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً " ولعلّ القويّ المغرور بقوته وماله يظن الحال المؤقتة - التي هو فيها من عز وغنى- دائمة فيبطر ويتكبر على الحق ويشتط في الضلال ، فيـُنبـَّه إلى أن من سبقه كان أعتى منه وأشد ، فانتهى إلى خزي وعار ، فلا يقعَنّ فيما وقع فيه سابقوه ، والعاقل من اتعظ بغيره ، والغبي من اتعظ بنفسه ، فسقط في الهاوية على أمّه فلا نجاة .

    7 - الحوار الهادف :
    ويكون الحوار هادفاً حين يبدأ من المسلّمات ، ويتدرّج إلى غيرها ، فالكفار يعرفون أن الله تعالى خالق السموات والأرض وهو الذي ملأهما بالخير الذي يعيشه الناس وأن الله تعالى خلق في الأرض من كل شيء زوجين للتكاثر وخلق ما يستعمله الناس وما سخّره الله لهم وهم يقرون بذلك ، فينتقل الحوار إلى وجوب شكر المنعم وحده وعدم ظلم الله في وحدانيته وفي عبادتهم إياه ونرى هذا جليّاً في الآية التاسعة إلى الآية الرابعة عشرة ، وفي آيات بعدها متفرقة إلى آخر السورة لا تخفى على النبيه .

    8 – التفكير المنطقي :
    الذي يؤكد القرآن فيه وهو يحاورهم على التفكير المنطقي الذي يقود صاحبه العاقل إلى الحق فيلتزمه ، مثال ذلك أن من بيده الأمر لا يرضى لنفسه الدونية ولا يترك لعباده الاستئثار بما يريدون فالكافر يجعل الملائكة إناثاً ويفتئتها بنات الله ، ويطلب في الوقت نفسه الذكور ويكره الإناث ، فإذا كان الإنسان يكره الإناث ويطلب الذكور – وهو العبد الضعيف – فلماذا يرضى الله لنفسه الإناث التي يمقتها العبد الضعيف؟ ولماذا يعبد الإنسان الملائكة وهم في ظنه إناث وهو يكره الإناث ؟ بل إن الله تعالى يؤكد أن الملائكة عباد الله ليسوا من جنس البشر ولا يتوالدون كتوالدهم ، وهم خلق آخر لا علاقة لهم بكل أوهام البشر وتهيؤاتهم . وهذا ما نجد بعضه في الآيات الخامسة عشرة إلى الآية العشرين ، وقد يشوب الحوار تهديد كما في قوله تعالى في عبادة الملائكة وتأنيثهم " ستُكتب شهادتهم ويُسألون " " ما لهم بذلك من علم إنْ هم إلا يَخرُصون " . وفي نقاش الكافرين فيما يعبدون لأنهم وجدوا آباءهم كذلك يفعلون دون التدبر والتفكر فيما يعبدون حتى نهاية الآية الخامسة والعشرين .. إن التفكير المنطقي يقود إلى فهم الحقيقة ومن ثَمّ يقود إلى الإيمان الصحيح بالحقيقة الثابتة ....




    9 - العدل قوام الحياة :
    فلا ينبغي أن يكون للمحبة أثر في العطاء – وإن كان هذا دأب الناس لأنهم عاطفيون– فللناس حقوق لا يصح أن نمنعها عنهم لكرهنا لهم ، أو أن نزيد في عطائهم على حساب غيرهم لحبنا إياهم ، فهذا ضد العدل الذي أمرنا المولى سبحانه أن نسير على هديه ، فقد قال تعالى في الآية الثامنة من سورة المائدة آمراً بالعدل " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون " فالعدل أساس الحياة ، وبه تقوم الممالك وتستقيم أمورالدنيا ، وبالعدل نمتلك قلوب العباد ونواصيهم ، والأكبر من ذلك أننا نرضي المليك سبحانه . ومن أساسيات العدل أن الكافر إنسان فيه نوازع من الخير ينبغي أن يُثاب عليها في الدنيا ، فما له في الآخرة من نصيب ، وعلى هذا نجد غير المسلمين – في الغالب - أكثر أمولاً ، يعيشون في بحبوحة ويسر جزاء هذا الخير الذي يعملونه ، ويخبرنا المولى سبحانه أنه لولا أن يُفتن الناس فيما بين أيدي الكفار – في الدنيا – من وسائل العيش المتقدمة والرخاء الذي يرفلون فيه لأعطاهم أكثر وجعل يبوتهم قمة في الترف والهناء الزائل بعد حين :
    " وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا ۚ وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) " يقول القرطبي رحمه الله تعالى : ذَكَرَ الله تعالى حَقَارَة الدُّنْيَا وَقِلَّة خَطَرهَا , وَأَنَّهَا عِنْده مِنْ الْهَوَان بِحَيْثُ كَانَ يَجْعَل بُيُوت الْكَفَرَة وَدَرَجهَا ذَهَبًا وَفِضَّة لَوْلا غَلَبَة حُبّ الدُّنْيَا عَلَى الْقُلُوب ; فَيُحْمَل ذَلِكَ عَلَى الْكُفْر .وقَالَ الْحَسَن : الْمَعْنَى لَوْلا أَنْ يَكْفُر النَّاس جَمِيعًا بِسَبَبِ مَيْلهمْ إِلَى الدُّنْيَا وَتَرْكهمْ الآخِرَة لأعْطَيْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا وَصَفْنَاهُ ; لِهَوَانِ الدُّنْيَا عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ

    10- درء المفاتن والمفاسد :
    في المقابل نجد رحمة المولى تعالى في تثبيت قلوب المؤمنين الذين يرون الكفار يمتلكون وسائل الرفاهية في الدنيا – وهم كفار – فلا يمد للكافرين ما كان يودّ زيادتهم فيه خشية أن يفتن المسلمَ ما يراه عندهم ، فيظن أنهم على حق ، فيتفنن شيطانه في غوايته ويزيّن له الكفر والعصيان ، والدنيا - كما نعلم - مرحلة الاختبار والفتنة ، وموطن الامتحان فلا بد أن يمتحن الإنسان بما يناسب قدرته في التحمل . إذ يضعف حين يُحَمّل ما لا طاقة له به . فيُعطى الكافر نصيبه في الدنيا – كما ذكرنا آنفاً – بما يناسب صبر المسلم على لأواء الحياة وشدّتها . ولن ينجح أحد في امتحان أكبر من إمكاناته .

    11- الرجل المناسب في المكان المناسب :
    كبير مكة : الوليد ابن المغيرة ، وكبير الطائف : عروة بن مسعود الثقفي كانا ثريين يقصدهما الناس لغناهما ومكانتهما في قومهما ، ويظن الناس أن كثرة المال تكريم لصاحبه ، وقلته إهانة له ، ونسُوا أن العطاء قد يكون محنة ، وقد يكون منحة وقد صوّر القرآن مفهموم الناس هذا في معرض التصويب حين قال في سورة الفجر " فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرَمَنِ * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول : ربي أهانَنِ ، كلاّ " . فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن ذا مال اعترضوا " وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) " يقصدون الرجلين الوليد وعروة . وغاب عنهم أن الرزق أنواع ، فقد يكون مالاً وقد يكون فهماً أو جمالاً في الصورة أو الأخلاق أو كليهما أو في كل ما ذكرناها . ورحم الله الشاعر حافظ إبراهيم إذ تنبه لهذا الأمر فقال :
    فالناس هذا حظه مال وذا * علم وذاك مكارم الأخلاق
    وقد ربى الله تعالى نبيه الكريم على الشمائل الحميدة وجعله كاملاً المظهر والمخبر أهلاً لحمل الرسالة العظيمة . وما لأحد أن يفرض ما يريد ، فلله سبحانه الأمر كله يصطفي من يشاء من عباده لما يريد من الكرامة وحمل الأمانة " أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) " . وما على العباد إلا أن يقولوا " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " .

    12- الاستكبار يمنع اتباع الحق :
    واقرأ معي هذا الحوار القصير الذي يدل على العناد والاستكبار عن الحق والتمادي في الضلال الذي يقود إلى الهلاك :
    " بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)
    وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)
    قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)
    فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)"
    فهم ينأَون عن الإيمان لما جاءهم حين يأبَون اتباع الحق ومخالفة كفر الآباء ، ويدّعون أنهم " مهتدون " و بهم " مقتدون " . والمترف - في كل زمان - يقود مَن دونـَه إلى الكفر والضلال وسوء الخاتمة ، " وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) سورة " المؤمنون " فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرضْ إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتّبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين 116" سورة هود
    " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) " سور سبأ
    " إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ (45) سورة الواقعة
    " وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) " سورة الإسراء
    إن الترف مفسدة أيّ مفسدة ، والغنى – إلا من رحم ربُّك - قد يقود إلى الطغيان والجبروت ، ألم يقل الله تعالى مقرراً هذه السمة " إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى " سورة العلق .
    فهؤلاء المترفون لا يرومون البعد عن ضلال آبائهم ، فإذا ما نبههم الرسول الكريم إلى أن آباءهم كانوا على ضلال وأنه يدعوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم ردّوا بصلف واستعلاء : إنهم سادرون في غيهم ولن يبرحوا ما كان عليه آباؤهم . فكان في تدميرهم هلاكُهم . وهذا مصير مل متكبر عنيد .

    13 ـ يداك أوكتا وفوك نفخ :
    من سار على درب تحمّل تبعته ، ومن طلب الهدى أعين عليه ومن أراد الغواية سُهّلت له . هذه قاعدة قرآنية نجدها في قوله تعالى :
    " وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) " ويعضّدها قوله تعالى في سورة الإسراء " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلاً نُمِدُّ هَٰؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) "
    فمن طلب الدنيا أعطِي منها بما يقدره الله تعالى ، ومن طلب الآخرة وعمل لها أدركها ، والله يُمد الطرفين بما يطلبان . ومن َيتَعَامَ وَيَتَغَافَل وَيُعْرِض عن ذكر الله يوكل إلى شيطان رجيم يقوده إلى هلاكه ، ويستمر معه إلى النار ، فهو قرينه في الدارين كَقَوْلِهِ تَعَالَى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبهمْ " وَكَقَوْلِهِ جَلَّ جلاله " وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ " . فإذا ما سقط في الهاوية تنبّه حيث لا يفيد التنبّه ، وندم حيث لا ينفع الندم " حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) " إنه رضي بصحبة الشيطان وسار على رأيه فاستحق صحبته في النار شاء أم أبى . فبئس القرين .

    14- القرآن شرف المؤمن :
    أراد الله تعالى أن يعلي من شأن المؤمن فكان القرآن أداة الشرف والسؤدد والكرامة ، ألم يقل الله تعالى " لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون " الأنبياء (10) والذكر علُوٌّ في المكانة وسُمُوّ فيها ، فمن عمل بما فيه فقد استوى مسلماً رضياً ، وكان سيد الأمم . كانت العرب قبائل متفرقة متناحرة فجمعها الله بالقرآن وأعزّها به فسادت الدنيا ، فلما تركته ذلّت وتناولتها الأمم تمزيقاً وتقسيماً . ومن عجيب التعبير ذلك القسم الرائع في سورة ( ص ) إذ يقسم الله تعالى بالقرآن الذي يرفع قدر صاحبه " ص ، والقرآن ذي الذكر " وهنا - في سورة الزخرف - يؤكد القرآن القاعدة نفسها حين أنزله بلسان العرب " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) " ثم أعلن أن هذا القرآن يرفع ذكر من عمل به ودعا إليه ، ولسوف يحاسب الناس عما فعلوه في خدمة هذا الكتاب الكريم .
    " وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)"
    إن العاقل من يسعى للشرف والمكانة السامية ، وهذا القرآن يقدمها له على طبق من نور فيسرع إليه ولْيتخذه نبراساً .

    15- وجوب التفكر والتدبر :
    الفرق بين الإنسان والحيوان أن للأول عقلاً وللثاني غريزة ، وأن الحر يفهم ويتدبر، والعبد يسبر وراء كل ناعق .
    هذا سيدنا موسى يدعو قومه إلى توحيد الله سبحانه ، ويعلن أنه رسول الله إليهم ، فيؤمن به القلة ، ويسخر منه الهالك ذو الهوى ، فيأتيهم بالأدلة والبراهين ، فيزدادون بعداً وسفاهة ، فيأخذهم الله بشيء من العذاب – القمّل والضفادع والدم – لعلهم يرعوون ، فيراوغون ويسوّفون ، ويَسِمونه بالسحر والشعوذة ويتعالى فرعون مدّعياً الألوهية ، ويطالبه بحقير من الأدلة على رسالته
    " فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)، " والبراهين الدامغة تترى من حوله دون أن يعقل، أو يفهم الغاوون حوله ، لقد أسلموه قيادهم فاستحكم فيهم، واستعلى عليهم ، ولو أنهم تدبروا الآيات والبراهين التي يعيشونها – ليل ونهار وشمس وقمر وماء وشجر وحياة وموت ....- لوصلوا إلى الحق الأبلج . ولكنّنهم استجابوا لكبيرهم فرعون وخافوا سلطانه وهيمنته فأطاعوه ، وسكنوا إليه . وتخلوا عن الهداية وغاصوا في لجج الفساد والهوى " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) " وما يطغى طاغية إلا بذل أتباعه وتخليهم عن آدميتهم ، وانغماسهم في الفساد والرذائل . فكانوا معه في وهدة الباطل وحمَأة الجهالة .
    ولن ترى أمة قوية إلا إذا قالت للظالم يا ظالم ، وكان أفرادها بعضهم عوناً لبعض في السير على النهج القويم .

     


  15. من أساليب التربية النبوية
    الترهيب
    الدكتور عثمان قدري مكانسي


    ليس في القرآن آية ترغيب إلا ما تبعها ترهيب ، وما من آية فيها ترهيب إلا تبعها ما فيه ترغيب . . فالترغيب والترهيب متلازمان ، والحكمة من ذلك أن مَنْ لا يؤثر فيه الترغيب وثوابه يؤثر فيه الترهيب وعقابه .
    وبما أن الإنسان تعتريه حالات فيها عمل صالح وزيادة في الإيمان ونشاط في الجوارح ، تعتريه كذلك حالات تفتر فيها همته ، ويهمد نشاطه ، وتضعف نفسه ، فالثواب في الأولى يشجع على الزيادة والعقاب في الثانية يمنع عن التمادي في الغي . وكلا الأمرين جربه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وعظه أصحابَه ، وكما رأينا وعظه صلى الله عليه وسلم مرغِّباً ، فإليك وعظه مرهِّبا :

    فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
    ( . . . . . والذي نفسي بيده ، لقد هممت أن آمر بحطب ، فيحتطب ،
    ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ،
    ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ،
    ثم أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم 
    )(1)
    انظر معي إلى طريقة الترهيب كيف جاءت مرتبة منظمة تدل على :

    1ـ انفعالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً على تاركي الجماعة .
    2ـ وأن هذا الانفعال ولّد تفكيراً مرتباً في تسلسل الأفعال التي تكاد يقرر أن يفعلها ليردع تاركي الجماعة .
    3ـ وفضلِ صلاة الجماعة الكبير الذي يتركه بعضهم جاهلاً به .
    4ـ وحرصِ رسول الله صلى الله عليه وسلم على توثيق عرى الجماعة .
    5ـ والأثرِ الذي خلَّفه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه من حذر تفويت الجماعة ، والخوف من التفريط فيها ، وعظيم فضلها وشنيع تركها .

    ومن وعظه صلى الله عليه وسلم مرهباً : ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ،
    فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ،
    وإن فسدت فقد خاب وخسر 
    )(2) .
    فكلمة ( خاب ) ، وكلمة ( خسر ) : توحيان بالإفلاس يوم القيامة لمن لم تقبل منه صلاته ،
    كما أن كلمة ( فسدت ) : توحيِ بالضياع وإحباط العمل ، وهذا ما يُرهبُ المسلمَ ، أَبَعْدَ العمل والجد والرغبة في إحراز الأجر نُضَيِّعُ الصلاةَ فنضيعُ بضياعها ؟!! حاشا وكلا .

    وتعال معي إلى هذه الصورة المرعبة التي رواها المقداد رضي الله عنه في جلاء صعوبة يوم الحشر ـ نسأل الله العافية ـ هذه الصورة التي تبعث الخوف والهلع في نفس المؤمن ، فيتحاشى هذا الموقف قدر المستطاع عن طريق اجتناب الموبقات ، والبعد عن المهلكات ، والإكثار من عمل الصالحات ، وإحراز الأعمال المنجيات .

    عن المقداد رضي الله عنه قال سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول :
    تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل ، قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد : فوالله ما أدري ما يعني بالميل ؛ أمسافة الأرض ؟ أو الميل الذي تكتحل به العين ؟!
    فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق : فمنهم من يكون إلى كعبيه ،
    ومنهم من يكون إلى حقويه ( خصريه أو مكان شد إزاره ) ،
    ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً .
     . . ( وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه )(3) .
    فيوم الحشر يوم مخيف ، يقف الناس فيه كل حسب عمله ، وما العرق الذي يتدرج فيه الناس إلا حصائد أعمالهم .
    أفلا ينبغي للناس أن يحسبوا لهذا اليوم حسابه ، فيعملوا الخير ويكثروا منه ؟ ويتجنبوا الشر وينأوا عنه ؟! .
    إنه يوم الإمتحان ، حيث يكرم المرء أو يهان ، فمن عمل صالحاً فلنفسه ، ومن عمل سوءاً فلا يلومن إلا نفسه .
    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية عن النعمان بن بشير(4) يصف أهون الناس عذاباً يوم القيامة ، والمسلمون يصغون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطير ، مأخوذين بهذا الوصف ، ترتعد فرائصهم من هول ما يسمعون ، يخافون هذا المصير ويُعِدون العُدة لتجنبه . .
    ( فأهون الناس عذاباً رجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان ، يغلي منهما دماغه ، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً ) .

    وإني لأعجب من بعض من يدعون الباع الطويل في التربية ، والخبرة المديدة في مضمارها ، يرفضون الترهيب أسلوباً للتربية ويكتفون بالترغيب ، زاعمين أن الخوف من العقاب يجعل الخائف يلتزم ما يؤمر به ، وينتهي عما نهي عنه ، بالإكراه , فإذا زال الخوف تفلت وعاد سيرته الأولى ، فهم لذلك يدأبون على نوع واحد من التربية هو الترغيب .

    والرد عليهم بسيط لأنه جواب الفطرة :

    أولاً : إن الله تعالى أعلم بالإنسان وما يقومه ، فهو الذي خلقه فقدّره ، يعلم ما يصلحه ، والقرآن الكريم مليء بالترغيب والترهيب .
    ثانياً : التربية غير محددة بزمان ولا مكان حتى نقول : إذا زال الخوف تفلت وعاد سيرته الأولى ، ثم لا نقول كذلك : إذا زال الترغيب تفلت وعاد سيرته الأولى . . فهما مستمران إلى آخر يوم من حياة الإنسان ، كما أن الترهيب والترغيب لا ينبغي أن يكونا طارئين على الإنسان ، بل يجب أن يكونا من مكونات نفسه ليصاحباه في حياته ، فيكونا دافعاً ذاتياً إلى الخير ، وكابحاً ضمنياً عن الشر .
    ثالثاً : إن الواقعَ ليُكذب ادعاءاتهم ، فالحوافز ذات تأثير كبير في بذل الجهد للوصول إلى الهدف ، لكن الخوف من الوقوع في المحظور أكبر تأثيراً . فقد تجد أناساً يبذلون الجهد للوصول إلى الأحسن ، لكنك ترى عامة الناس يبذلون الجهد ويثابرون على أمرٍ ما خوف الانتكاسة والعودة إلى الوراء .

    وهكذا أثبت الترهيب أنه كالترغيب تأثيراً في الموعظة . ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتناوله في عظته أصحابَه بمقدار ، لأنه كجرعة الدواء المر ، ينفع إن استعمل بحكمة ويُهلك إن زاد عن حده .


  16. الثقة في الله من وسائل الاطمئنان وعدم الحزن؛ فقد قصَّ الله علينا ما حدث مع أم سيدنا موسى
    ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]
    فكانت النتيجة مطمئنة، وتحقَّق وعد الله
    ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 13]
    قال القرطبي: ﴿ وَلَا تَحْزَنَ ﴾؛ أي: بفراق ولدها، ﴿ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾؛ أي: لتعلم وقوعه؛ فإنها كانت عالمة بأن ردَّه إليها سيكون


     فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13)
    1-  (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن)الرب الرحيم يُرجع الطفل حتى لاتحزن أمه.فواهاً لمن جرّع أمه غصص الحزن وفارقها بلا مبرر شرعي! / محمد الربيعة
    2-  (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن)   "الدنيا كلها عند الأم لا تساوي (رؤية ولدها) ." / د.عقيل الشمري
    3-   [ فرددناه الى أمه كي تقر عينها ولاتحزن] الله أرحم بنا من الناس أجمعين فهو الذي يعرف مصدر ألمنا ويعرف كيف يخففه  بالوقت الذي يريد     / مها  العنزي
    4-  قد يحرمك الله شيئًا ليعطيك ما هو أحسن منه .. حرَّم الله على موسى المراضع ثم أكرمه بـ ( فرددناه إلى أُمه ) ! فلا تحزن .. وتفاءل بالخير .  / ماجد الغامدي
    5-  (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) من أجمل اللحظات التي تقر عين أمك عودتك بعد غياب وشعورها بقربك منها/  الشيخ محمد الربيعة
    6-  الحمد لله .. ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾ لا شيء عند الأم يساوي "رؤية الولد" ! . / نايف الفيصل
    7-  من تدبر آيات الصبر في القرآن أدرك أنه قرين العمل الجاد واليقين،وبذلك يتحقق الفتح المبين }فاصبر إن وعد ﷲ حق ولا يستخفنك …{ أ.د.ناصر العمر
    8- ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾ ربك العظيم الرحيم يَرُدّ الوليد إلى إمه كي لا تحزن !! فكيف تجرؤ أنت و تُحزن أمك !!؟ / ابراهيم العقيل
    9- ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولاتحزن﴾ مهما تظاهَرت لك امك بالرضا ، فإن انشغالك وغيابك عن عينيها مؤلم لها . / تأملات قرآنية
     
    شبكة الالوكة وحصاد التدبر

    106533764_1155818274771457_3130590765535639494_n.jpg?_nc_cat=106&_nc_sid=dbeb18&_nc_ohc=PUieQjKMKvgAX89n2hO&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=8a5ab2cf6c3a9ba51d8272bf90ebd69d&oe=5F2F44E3

  17. (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم)
    مدّد نورك بالحرص على الصلوات
    والبعدعن السيئات
    وزيادةالطاعات
    فالأجواء يومئذ شديدة الظلمة
    وجهنم سوداء
    ولابصيص نور إلامن عملك
    (فيعطيهم نورهم على قدرأعمالهم فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم..ومنهم من يُعطى نوره أصغر من ذلك)
     
     
    التبعيّات الرابحة سبيل واحد متعدد الأرباح:
    (من تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)الأمن والسعادة
    (فاتّبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)المحبةوالمغفرة
    (واتّبعوا رضوان الله)الرضا
    (فاتبعوا ملّة إبراهيم حنيفا)الاستقامة
    (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا)العزةوالرفعة في اتباع الحق
     
     
    التبعيّات الخاسرةسُبل متفرقة:
    اتباع الشيطان(ولا تتبعواخطوات الشيطان)
    اتباع الآباء(بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا)
    اتباع ملل أخرى(حتى تتبع ملتهم)
    اتباع الهوى(فلا تتبعوا الهوى)
    اتباع الظن والأوهام(إِن تتبعون إلا الظن)
    اتباع الشبهات(فيتبعون ماتشابه منه)
    اتباع الشهوات(واتبعوا الشهوات)
     
     
    (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْه)
    كل تبعيّة لغيره انتكاسة وحسرة
    (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ 
    كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ)
     
     
    (وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم)
    الجواب المُسكت
    أعبُد الذي أرواحكم بيده
    يقبضها منكم متى يشاء
    فلا تستطيعون ردّها وليس لكم من الأمر شيء
    فقل لا إله إلا هو
     
     
    (يجزون الغرفة بما صبروا)
    (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)
    (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون)
    آيات الصبرتسلّي النفس الحزينة
    وتبث في القلب الرضاوالسكينة 
    وتحملك على لجج الصعاب كماتحملك السفينة
    صبرواعلى طاعته
    على ترك معاصيه
    على البلاءوالمحن
    على الشهوات والفتن
    فليهنئوابعظم المنزلة
     
     
    (كلا بل ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون)
    صلاح القلب موقوف بعد الله على الكسب
    فالكسب الخبيث يسوّده ويَرين عليه
    والكسب الطيّب يطهّره ويصقله
    فتعهّد قلبك
    بكسب آية تتدبرها
    بكسب طاعة تعملها
    بكسب أخلاق تسمو بها
    بكسب سيئة تجتنبها
    فكم قلوب بكسبها نالت الرضوان
    وكم قلوب بكسبها أسعدت الشيطان

     
    أنواع الجاهلية
    (يظنون بالله غيرالحق ظن الجاهلية)
    جهالةالعلم والاعتقاد
    (أفحكم الجاهليةيبغون)
    جهالةالحكم بماأنزل الله
    (ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى)
    جهالةالطاعةوالامتثال
    (إذجعل الذين كفروا في قلوبهم الحميةحميةالجاهلية)
    جهالةالأخلاق والسلوك
    ومحوالجهالات بصحةالإيمان والبعدعن الشيطان

     
    (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)
    ما أكثر السبل المفرّقة عن سبيله..
    سبل الأهواء والشهوات
    سبل البدع والمحدثات
    سبل أهل الكلام والفلسفات
    سبل الشيطان.. فكل يوم له خطوات 
    سبل الجهالة والخوض بغير علم
    سبل الضلالة ومعتقدات الوهم
    فاثبت على سبيل الحق يثبتك الله
     
     
    (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون)
    (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)
    قد تخاطر بقرارات دنيوية لاحتمالية الربح
    قد تخاطر بها لوجود العوض
    قد تخاطر لتوفر الفرص
    لكن الحمق من يخاطر بقرارات الآخرة
    مع تأكد الخسارة..وانتفاء العوض..وانعدام الفرص
    فاحذر ..إن الآخرة نتائج وعواقب لا فيها فرص ولا تجارب
     
     
    (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا)
    حاجة:
    نقص أو أيُّ أثر يحيك في صدورهم يدفعهم للحسد
    يدفعهم للغيظ
    يدفعهم لعدم الرضا وعدم القناعة
    يدفعهم لتمني زوال النعمة
    فطهارة الصدر وسلامة القلب
    أن لا يكون في قلبك على ما ترى من نعمةٍ على أخيك حاجة
    ولو كنت في أشد الحاجة
     
     
    (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خَصِمون)
    وكذلك كل من تعامى عن الحق
    تشدّق بالكلام
    ولجّ في الخصام
    وتعصّبَ لرأي أو مذهب أو أوهام
    وتمسّك بالباطل بلا تسليم ولا استسلام
    وكما قال عليه الصلاة والسلام:
    (ما ضلّ قوم بعد هدًى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)صحيح الجامع
     
     
    (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يُحبرون)
    وعدٌ قادم 
    بحبور سرمدي دائم
    سيبدد كل أيام الشقاء وينسي ما كان فيها
    من دموع الأحزان
    ومرارة الكآبة
    وآلام المرض
    وأنين الخوف
    وينسي جراح الظلم وكوابيس الشر
    فاعمل على موجبات الوعد تكن من أهله
    (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزَن)
     
     
    (وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِك)
    حكمة ربانية وأصل من أصول التربية
    رفع الصوت سبب في:
    الخلافات الأسرية والاجتماعية
    سوء الفهم والردود الانتقامية
    تشتت التركيز وغلق الأفهام
    مشاعر النفور والكراهية بين الأحباب والأرحام
    زرع الشوك مكان الورد
    ودمار العلاقات بقصد وبغير قصد

  18. (قال هذا رحمة من ربي)
    نحن نتقلّب في رحمته
    رحمة هدى وبصيرة
    رحمة حفظ 
    رحمة رزق 
    رحمة توفيق وتيسير
    رحمة وقاية من شرور
    رحمة سِتر وكشف ضُر
    ورحمات لا نعلمها ولا نُحصيها
    فاجعلها تتردد في كيانك
    اعترافا بفضله
    وردد الحمد
    تنهمر عليك الرحمات




    (ويتعلَّمُونَ ما يضرُّهُم ولَا ينفَعُهُم)
    قال أهل العلم العلوم أربعة:
    علمٌ تقوم به الحياة وهو دين الله ومعرفته
    وعلمٌ غذاء وهو ما أفاد المعاش والعقل كالهندسة والرياضيات..
    وعلمٌ دواء للروح أو البدن كالطب وعلم الأخلاق والسلوك و..
    وعلمٌ داء كالسحر والكهانة وضلالات الفلاسفة وأفكارهم




    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}
    الصلاة ميزان الصبر
    وبقدر التهاون والتقصير فيها تكون سرعة نفاده
    فمن لا صبر له على الصلاة كما وجبت
    فلا صبر له على أداء طاعة
    ولا ترك معصية
    ولا تحمّل أقدار الله بلا جزع




    (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت )
    ادعم إيمانك بالعمل فهو له ثبات
    وكلما ازداد الإيمان وصدّقه العمل
    ثبَت صاحبه في المراحل الثلاث
    في الدنيا عند الفتن والشبهات
    وبحسن الختام عند الممات
    وفي القبر عند السؤال
    وكلما قل الإيمان واضمحلّ
    تلوّن القول واختلّ
    في المراحل الثلاث
    اللهم ثبتنا




    (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل)
    آآآه..
    ما أكثر من يأكلون الأموال بالباطل
    بالغش
    بالربا
    بالاحتيال
    بالغصب
    بالنهب
    والقائمة تطووول
    عجباً..
    أين هم مِن :
    (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّه)
    (اتَّقُوا ربَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم)



    (وبَدَا لهُم مِنَ اللَّه مَا لمْ يكونُوا يحتَسبُون)
    حسِبوا أن سيئاتهم حسنات
    وأن باطلهم حقا
    وأن معاصيهم حريّة
    وان ظلمهم عدالة
    وأن كفرهم وشركهم إيمانا
    وعند الله
    ظهر لهم خلاف ما حسِبوا
    وفوجئوا بنتيجة خلاف ما توقعوا
    ولكن..بعد فوات الأوان
    فكن على بيّنة من أمرك
    ولا تبنِ حياتك على ظنون




    (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْء)
    حمّس بها طموحك
    اغلب بها سلطان العجز
    استسهل بها الصعب
    حطّم بها اليأس
    انعش بها فؤادك
    استعِدْ بها قوّتك ونشاطك
    قم بلا إفراط ولا تفريط
    وادع ربك ..واعمل ..وتفاءل ..وأحسن الظن




    (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)
    فمن الناس مَن ( كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا)
    كان سعيهم للآخرة ففازوا وشكر الله سعيهم
    ومنهم مَن  (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
    فقد كان سعيهم لمتعتهم في الدنيا فضلوا وخسروا
    فالزم سعي الآخرة تُشكر وتسعد 


    (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلنَفْسِهِ)
    (فَمَنِ اهْتَدَى فَلنَفْسِهِ)
    (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلنَفْسِهِ)
    أهم ثلاثة تحتاجها النفس أكثر من حاجتها للطعام والشراب
    تبصيرها بالطريق الصحيح
    إرشادها لسلوكه
    تزويدها بالصالحات للوصول في عافية وسعادة
    وكلها يمكن الحصول عليها بلا تكلفة
    فلا تبخل على نفسك


  19. لو خيروكِ ماذا سوف تختارين؟
     
    (توجد جرعة واحدة من كل نوع)
    1-مادة تجميل تزيد جمال شبابك 5% ولكن هذه الزيادة تدوم العمر كله
    أو
    2-مادة تجميل تزيد من جمال شبابك 100% ولكنها تبقى يوما واحدا ثم ترجعين بعدها كما كنت
    ماذا تختارين؟
    بالطبع الذي يدوم العمر كله ولو كان بنسبة أقل!
     
    ماذا لو كان العرض بالعكس!
    أ-مادة تجميل تزيد جمال شبابك 100% وهذه الزيادة تدوم العمر كله.
    أو
    ب-مادة تجميل تزيد جمال شبابك مجرد 5% وستبقى يوما واحدا فقط، ثم ترجعين بعدها كما كنت.
     
    اتوقع أن النساء سيحكمن على من تختار "ب" بالجنون!
     
    سبحان الله نفس الاختيارين عرضهما الله على النساء:
    1-طاعة الله بالحجاب توصلك للجنة وستحصلين على:
    -جمال مضاعف لا يتصوره عقل.
    -والمدة للأبد
    أو
    2-معصيةالله بإظهار جمال الدنيا للرجال وستحصلين على:
    -جمال دنيوي أقل من جمال الجنة بكثير
    -ولمدة قصيرة(سنوات شبابك بالدنيا)
    فماذا ستختارين؟
     
    لونظر رجل لامرأة متبرجة فسيأخذ سيئة واحدة
    وإذا نظر رجل آخر فسوف يأخذ سيئة واحدة
    وإذا نظر ثالث فكذلك..
    أما هي فستأخذ إثم الثلاثة جميعا!
    فكم سيئة جمعت طوال تبرجها؟
     
    الجزء المفرح بالموضوع أنها إذا تابت وتحجبت فستتحول جميع سيئاتها لحسنات
    قال تعالى: "فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات"
    لماذا تتجملين ببيتك؟
    (لجلب انتباه زوجي وإسعاد عينه
    ممتاز
    لكن إذا تجملتِ أمام الرجال
    فتريدين جلب انتباه من؟
    وإسعاد عيون من؟
    (لا أريد جلب الانتباه! تجملتُ لنفسي)
     
    فلماذا لاتتجملين لنفسك وأنت لوحدك؟!
    (أنا أفعل ذلك!)
     
    إذن لاحاجة للتجمل للرجال لأنك لست لوحدك وقتها!
    أهم شيء رضا الله
     
    أختاه إن عبادة الحجاب لم تتوقف عند لبسه..
    بل إن شعورك بالاعتزاز وعدم الخجل حتى في بلاد الكفر عبادة قد لا تقل عن لبسه
     
    اللهم اهدي نساء المؤمنين امين يارب
     
    مشارى الخراز
    ..................
     
    - صِنْفَانِ من أهلِ النارِ لمْ أَرَهُما بَعْدُ : قومٌ مَعَهُمْ سِياطٌ كَأَذْنابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ الناسَ بِها ، ونِساءٌ كَاسِياتٌ عَارِياتٌ ، مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ ، لا يَدْخُلَنَّ الجنةَ ، ولا يَجِدَنَّ رِيحَها ، وإِنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسِيرَةِ كذا وكذا
    الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع
     
    الصفحة أو الرقم: 3799 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
     
    التخريج : أخرجه مسلم (2128) باختلاف يسير.
     
    درر السنية
     
     
     
     
     

  20.  

    يعيش العالم في عصر السرعة في كل شيء، كل شيء يجري من حولنا على عجلة، وكثير من الأمور تسير على عجل، ولقد جُبل الإنسان على العجلة وعلى حب الاستعجال، وقد تكون هذه العجلة محمودة وقد تكون مذمومة، أما الاستعجال المذموم في حياة المسلم فصوره كثيرة كاستعجاله المحرمات في الدنيا وقد ادخرت له في الآخرة إن صبر عنها في الدنيا، واستعجاله في الدعاء والصلاة وفي اتخاذ القرارات وأشياء كثيرة، نبدأ  بالتحدث عن بعض صور العجلة المذمومة في أداء الصلاة.

     

    فالصلاة عمود الدين وأول ما سيحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإذا صلحت صلح سائر العمل وإذا فسدت فسد سائر العمل، ومع ذلك فبعض الناس لا زال لا يتقن صلاته ولا يعطيها أي اهتمام، فهي عنده مجرد حركات يؤديها ولا يسأل عن صحة ما أداه.

    فمن العجلة المذمومة فيما يتعلق بالصلاة ونهى عنها النبي slah.png إسراع الخطى عند الذهاب إلى المسجد لإدراك الصلاة، لاسيما إذا كان الإمام قبيل الركوع أو ركع ، فترى المتأخر يهرول ليدرك الركعة، وهذا الإسراع وإن كان ظاهره فيه حرص على الصلاة إلا أنه منهي عنه لأنه سيخل بالخشوع أثناء الصلاة، فعن أبي هريرة anho.png قال: قال رسول الله slah.png: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) رواه البخاري ومسلم.

    والخطأ الثاني هو العجلة الزائدة في قراءة الفاتحة والسورة وأذكار الصلاة، وإنما السنة أن تقرأ الفاتحة آية آية كما كان النبي slah.png يفعل، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سُئلت عن قراءة رسول الله فقالت: يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، وفي رواية: كان إذا قرأ قَطَعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، يقول: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يقف، ثم يقول: الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِينَ ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يقف، ثم يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ وهكذا إلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلها يقف على رؤوس الآي، ولا يصلها بما بعدها. رواه أبو داود.

    ولا يقصد بالوقوف؛ الوقوف الطويل وإنما هي لحظة تفصل الآية عن الأخرى. والقراءة آيةً آيةً سنة تركها كثير من الناس، فتسمعهم يقرؤون الفاتحة في الصلاة بِنَفَسٍ واحدٍ، لا يقفون على رؤوس الآي.

    والعجلة الثالثة في الصلاة هو عدم إتمام الركوع والسجود، فمن فعل ذلك فهو لم يصل أصلاً، فقد روى أَبو هُرَيْرَةَ anho.png أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ slah.pngدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ slah.png فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ  السَّلَامَ قَالَ: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ slah.png فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ slah.png (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي قَالَ: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) متفق عليه.

    ولهذا قال slah.png «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» رواه أبو داود.

    وعندما رأى  رسول اللهslah.png  رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي قال رسول الله slah.png «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رواه الطبراني.

    وروى أبو هريرة anho.png عن النبي slah.png قال:( إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود ويتم السجود ولا يتم الركوع). 

    وعندما انصرف رسول الله slah.png ذات يوم من صلاته نادى رجلاً في آخر الصفوف لم يحسن صلاته وأنكر عليه أمام الملأ قائلا (يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ) رواه مسلم والنسائي.

    لقد شدد رسول الله slah.png النكير والموعظة على هذا الرجل لأنه صحابي جليل وصلى في حضرة النبي slah.png وفي مسجده slah.png فلا بد أن يحسن صلاته لأنه قد يرحل إلى بلاد بعيدة بعد وفاة النبي slah.png وسيسأل عن صلاة النبي slah.png كونه صحابياً ولذلك حرص رسول الله slah.pngعلى تعليم أصحابه والتشديد عليهم لأنهم قدوات للأجيال التي من بعدهم.

    ولذلك تأتي أهمية التبكير إلى أول الصلاة لتدركها كاملة مع الإمام لأن بعض من تفوتهم الصلاة إذا سلم الإمام قاموا ليتموا صلاتهم فأسرعوا فيها وأخلوا بأركانها فتبطل صلاتهم من حيث لا يشعرون.

    والعجلة الرابعة في الصلاة مسابقة الإمام في الركوع والسجود، فبعض الناس يسابق الإمام ويكاد يركع أو يسجد قبله وهذه عجلة مخلة ورد النهي الشديد عنها فقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة slah.png قال: قال رسول الله slah.png : (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار) متفق عليه

    ومعنى أن يجعل رأسه رأس حمار أي لعله يصاب بالغباء كغباء الحمار ودليل ذلك واضح لأن الذي يسبق الإمام لن ينتهي قبل الإمام ولن يسلم قبله فلم العجلة إذن؟ ولم تبطل صلاتك؟ 

    ومن العجلة التي يقع بها بعض المصلين أيضاً هو قيام المسبوق لقضاء ما فاته قبل تسليم الإمام أو قبل انتهاء الإمام من السلام، وهذا خطأ والصواب ألا يستعجل، بل ينتظر حتى يفرغ الإمام من التسليمة الثانية، عندها يقوم المسبوق ليقضي ما بقي عليه.

    ويلحق بهذا الأمر أو هذه المخالفة، مخالفة أخرى وهي موافقة الإمام، فبعض المصلين هداهم الله يوافق إمامه، أي يرفع ويركع ويسجد معه وهذا أيضاً خطأ، فإن الإمام ما جعل إلا ليؤتم به، ولا يكون ذلك إلا بمتابعته لا بمسابقته و لا بموافقته.

    ..........................

    استعجال إجابة الدعاء

     

    يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ [الأنبياء: 37]، فقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾؛ أي: إن الإنسان خُلق عجولًا، وهي صفة مبالغة للعجلة التي فيه، كما يقال للرجل الذكي: هو نار تشتعل، فالإنسان من شأنه العجلة وهو مطبوع عليها، وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا ﴾ [لإسراء: 11]؛ أي: إن العجلة وُجدت في الإنسان وأصبحت من طبعه، ولا يعني أنه لا يؤاخذ عليها، فالعجلة والاستعجال صفة مذمومة في ابن آدم، لذا حذَّر الشرع الحكيم من العديد من الخصال التي يستعجل فيها الإنسان، ولا يدرك عواقبها، وفي المقابل حثَّ على أمور، وأمر بالمبادرة إليها.

     

    فدعونا نتحدث عن العجلة المحمودة والمذمومة في حياة المسلم، لنعرف ما هو مذموم وما محمود، والسبب أن بعض الناس قلبوا بعض الأمور، فعجلوا ما طُلب تأجيله، وأجَّلوا ما طُلب تعجيله.

     

    فمن الخصال المذموم الاستعجال فيها:

    استعجال إجابة الدعاء:

    كثير من الناس يدعو الله تعالى فإذا لم يُجب الله دعاءهم في الحال، تركوا الدعاء قانطين من الإجابة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر؛ حيث روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ)، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)؛ رواه مسلم، فكن على حذر أن تقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فتمل الدعاء وتركن إلى اليأسِ والقنوط.

     

    والمسلم إذا دعا ربه، فهو مأجور على كل حال غير خاسر؛ لأن الدعاء عبادة جليلة يحبها الله عز وجل، ومن دعا الله تعالى يكسب أحد ثلاثة أمور؛ إما أن يحقق الله مراده، أو يصرف عنه من السوء قدر دعائه، أو يدَّخر له ثواب ذلك الدعاء في الآخرة، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)، قالوا: إذًا نُكثر، قال: (الله أكثر)؛ رواه الإمام أحمد.

     

    كما ينبغي العلم أن لإجابة الدعاء شروطًا من أهمها: المطعم الحلال، فقد يكون عدم إجابة الدعاء سببه أن العبد اكتسب أموالًا بطرق غير مشروعة، وقد روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)؛ رواه مسلم.

     

    ومن العجلة المذمومة في الدعاء أن بعض الناس قد يدعو الله تعالى أن يعجل له العقوبة في الدنيا؛ كي لا يعذب في الآخرة، فتراه يدعو على نفسه أن تعجل له عقوبته في الدنيا، وهذا منهي عنه، فقد عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه المرضى رضي الله عنهم، فرآه يوشك على الهلاك، فماذا قال له؟ روى أَنَس رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ)، قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تُطِيقُهُ، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ، أَفَلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟ قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ)؛ رواه مسلم.

     

    ومن العجلة المذمومة في الدعاء عدم الثناء على الله تعالى في أول الدعاء، وعدم ختمه بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد روى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قال: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدْ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ ثُمَّ ادْعُهُ)، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا الْمُصَلِّي، ادْعُ، تُجَبْ)؛ رواه الترمذي.

     

    واعلموا أن الله تعالى قد يؤخِّر إجابة الداعي؛ لأنه يحب الملحين في الدعاء، ويحب المتضرعين، فقد يبتلي الرب جل وعلا عبده، بل قد يبتلي الكثيرين لعلهم يدعونه ويتضرعون؛ قال الله تعالى ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [المؤمنون: 76]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [الأنعام: 42]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ [الأعراف: 94]، وقال تعالى: ﴿ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 43].

     

    فهذه سنة الله تعالى، فلنَفْهمها، ولا نسيء الظن بالله عز وجل، ولنكثر من الدعاء والتضرع.

    د.محمد بن إبراهيم النعيم -رحمه الله-
    شبكة الالوكة

     


  21. أربعة أحاديث هي خلاصة أربع دورات تدريبية لأربع مهارات مهمة جداً .. لأنها تجمع أصول الأخلاق والآداب :

    ‏▪المهارة الأولى :
    ‏ قال رسول ﷺ : « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيراً أو ليصمت » .
    ‏" مهارة ضبط اللسان "

    ‏▪المهارة الثانية :
    قال النبي ﷺ : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » .
    ‏" مهارة ضبط الفضول "..

    ‏▪المهارة الثالثة :
    لما قال رجل للنبي ﷺ : أوصني قال : « لا تغضب » ، فردد مراراً قال : « لا تغضب » .
    ‏" مهارة ضبط النفس "

    ‏▪المهارة الرابعة :
    قال النبي ﷺ : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه » .
    ‏"مهارة سلامة القلب"
    قال تعالى : إنما المؤمنون إخوة

    سئل حكيم : كيف تعرف ود أخيك؟
    فقال : يحمل همي ، ويسأل عني ، ويسد خللي ، ويغفر زللي ، ويذكرني بربي ، فقيل له : وكيف تكافئه؟
    قال : أدعو له بظهر الغيب .

    اللهم اجعلنا أخوة في الله متحابين .

    وفي الفردوس على سرر متقابلين ..
     
     
     
    موقع واتا الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب

  22.  

     
    عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين } أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني وهي الوافية والكافية قرأها رسول الله ثم قال : هي سبعٌ يا أم سلمة . أي سبع آيات.
     
    وأخرج مسلم والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من السماء من فوق،( جلبة قوية ) فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل ، لم ينزل إلى الأرض قط، قال: فأتى النبيَّ فسلم عليه فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي من قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا إلا أوتيته ".
     
    وأخرج أبو عبيدة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا، فنزلنا بقوم من العرب، فسألناهم أن يضيفونا فأبوا، فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا : أفيكم أحد يرقي من العقرب؟ فقلت: نعم أنا. ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئا قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فقال: فقرأت عليها {الحمد} سبع مرات فبرأ، فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها، فكففنا حتى أتينا النبي فذكرنا ذلك له قال : أما علمت أنها رُقـْية! اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم .
     
    وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن عبد الله بن جابر أن رسول الله قال له : ألا أخبرك بأخْيَر سورة نزلت في القرآن؟
     
    قلت: بلى يا رسول الله
     
    قال: فاتحة الكتاب. وأحسَبه قال : فيها شفاءٌ من كل داء ".
     
    وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ، قال " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ".( والخداجُ النقصان)
     
    عن أبي هريرة قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل : قسمتُ الصلاة بيني وبين عبديَ نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" ،
     
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
     
    اقرؤا... يقول العبد { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين } فيقول الله: حمدني عبدي.
     
    ويقول العبد { الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } فيقول الله: أثنى علي عبدي.
     
    ويقول العبد { مَالِكِ يَوْمِ الدِّين } فيقول الله مجدني عبدي،
     
    ويقول العبد { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين } فيقول الله: هذا بيني وبين عبدي، أولها لي وآخرها لعبدي وله ماسأل.
     
    ويقول العبد { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } فيقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.( من الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي )
     
    يقرؤها الإنسان في اليوم عشرات المرات
     
    - يقرؤها في الفرض سبع عشرة مرة .
     
    - يقرؤها في السنة المؤكدة عشر مرات .
     
    - يقرؤها في السنة غير المؤكدة ست مرات .
     
    - يقرؤها في النوافل ما شاء الله له أن يقرأها .
     
    - يقرؤها في غير الصلوات ما شاء الله له أن يقرأها .
     
     
     
    بِسْمِ اللّه
     
    - كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله فهو أقطع.
     
    - الاسم من الوسم أو من السمو ، وكلا الأمرين حقيق بالاسم.
     
    - من السمو: ( فع) ومن الوسم ( عل) .
     
    - الله : من ( أله) والوزن : ( العال) ، حذفت فاء الإله.
     
    -الإله من يستحق العبادة فهو الخالق العظيم.
     
     
     
    الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
     
    إن جذر كلمتي " الرحمن والرحيم " هو –رحم – ومع ذلك فإن كل واحدة تمتاز بسمات خاصة ، وهذا من جمال اللغة العربية وروعتها ، ولهذا مدح الله تعالى هذه اللغة مرات عديدة في كتابه الكريم .
     
     
     
    الرَّحْمَن : كلمة تدل على القوة والعظمة ، والقدرة والقهر ، والسيطرة والهيمنة . ونجدها ترِدُ مع العذاب وتهديد العاصي والمشرك وتهديد الكافر ، وترد مع الدعوة إلى الإيمان بالرحمن والسجود له و.. مثال ذلك :
     
    { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ... (63)}(الفرقان)
     
    { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
     
    (11)}(يس)
     
    { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}(الزخرف)
     
    { أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ ...(20)}(الملك)
     
    { قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ... (29)}(الملك)
     
     
     
    الرَّحِيمِ : كلمة تدل على اللطف والرحمة ، والعطف والغفران ، والسماح والصفح .. ونجدها في كل الآيات الداعية إلى الإيمان والاستغفار والتوبة ، ترِدُ مع الحِلم والمغفرة والعفو و.....مثال ذلك في الآيات التالية :
     
    { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
     
    (160)}(البقرة)
     
    { فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192)}(البقرة)
     
    {...أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (218) }(البقرة)
     
    { وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)}(هود)
     
    {… إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (7)}(النحل)
     
     
     
    وقد ترِدان معاُ لتدلا على الأمر كله :
     
    { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)}(النمل)
     
    { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)}(الفاتحة)
     
    { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}(البقرة)
     
    - والملاحظ أن الصفتين حين تجتمعان ترى كلمة الرحمن قبل كلمة الرحيم. فهو الذي يفعل ما يشاء ويقدر عليه ولا يحتاج لأحد ( هو الصمد )، وهو رحيم بعباده حين يقبلون عليه سبحانه .
     
     
     
    الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين :
     
    - ال : الحمد ( للاستغراق. ال: الجنس)
     
    - لماذا لا أقول : حمدي لله. ( ابن قيم الجوزية رحمه الله ينبه إلى أن تعظيم الله أن أخاطبه باسم البشرية كلها وأنا واقف أمامه ، وكل منا يستحضر إخوانه ويخاطب ربه بألسنتهم جميعاً . والدليل على ذلك في هذه السورة مخاطبة العبد ربه بصيغة الجمع { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)}
     
    - لماذا لم أقل : أحمد الله رب العالمين. بالفعل المضارع.؟
     
    إن الحمد اسم يدل على الثبات واستغراق الأزمنة كلها ، والفعل يدل على الحدوث في الحاضر ، والثبات أقوى من الحدوث وأعمّ .
     
     
     
    -الفرق بين الحمد والشكر :
     
    الشكر على الخير: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ...(7)}(إبراهيم) .
     
    الحمد على السراء والضراء ، فهي أعم من الشكر .
     
     
     
    - والسور الخمس في القرآن التي بدأت بالحمد هي: ( الفاتحة ، الأنعام ، الكهف ، فاطر، سبأ ) . ففي الفاتحة : { الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }
     
    وفي الأنعام : { الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ }
     
    وفي الكهف : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }
     
    وفي فاطر: { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
     
    وفي سبأ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }
     
     
     
    - اللام لام الملكية ( لله) فالذي يستحق الحمد هو الله تعالى ، والحمد كله لمولانا.
     
    - ربّ : من الربوبية فهو الخالق والرازق والمنعم والمتفضل.
     
    - ومن التربية والتنمية والعطاء .
     
    - ولأنه رب العالمين ( من الربوبية ) . وأغلب الناس حتى الكفار يقرون لله بربوبيته ويعترفون أنه خالقهم ورازقهم والمتفضل عليهم .
     
    - لكنّ المسلمين فقط يقرون له ( بالألوهية ) وأنه وحده يستحق العبادة ، ولا تكون العبادة لله إلا بالطاعة والعمل بشرعه سبحانه ، فنعمل بما أمر وننتهي عما نهى .
     
     
     
    الْعَالَمِين :
     
    - أهناك عالم واحد أو أكثر من عالـَم ، فقد قال : { رَبِّ الْعَالَمِين } ...
     
    - قد يكون المقصود بالعالمين : عالم الأنس وعالم الجن وعالم الحيوان وعالم الجماد ، وعالم الحركة وعالم السكون.
     
    - وقد يكون المقصود عوالم أخرى غير السموات والأرض . استدلالاً بقوله تعالى في سورة فصلت : { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)}
     
     
     
    - موسى يقول : يارب لو أنهما لم تأتياك طائعتين ما أنت فاعل بهما؟
     
    قال : أسلط عليهما دابة من دوابّي فتبتلعهما .
     
    قال يارب : فأين دابتك؟
     
    قال: في مرج من مروجي .
     
    قال : يارب : فأين مروجك ؟ .
     
    قال : في علم من علمي .
     
    سبحانه من إله .
     
     
     
    - ولا ننسَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو ذر وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة : ( ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، و فضلُ العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ).
     
    - كنت أقرأ في السبعينات من القرن الماضي في مجلة حضارة الإسلام أن قطر السماء الدنيا سبعون مليار سنة ضوئية ، ونعلم أن سرعة الضوء في الثانية ثلاث مئة ألف كيلو متر ...
     
    فإذا ضربت هذا العدد بستين علمت سرعة الضوء في الدقيقة ،
     
    فإذا ضربت الناتج بستين علمت سرعة الضوء في الساعة
     
    فإذا ضربت الناتج بأربعة وعشرين علمت سرعة الضوء في يوم ،
     
    فإذا ضربت الناتج بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً علمت سرعة الضوء في سنة
     
    واضرب الناتج بعد ذلك بسبعين ملياراً ،
     
    ثم قال العلماء : وقد يكون قطر السماء الدنيا أضعاف ذلك والله أعلم .
     
    - وفي السنة الثانية من هذا القرن قدر العلماء قطر السماء الدنيا بمئة وأربعين مليار سنة ضوئية وقالوا : قد يكون قطرها أضعاف ذلك والله اعلم .
     
    - وفي السنة الخامسة اكتشف العلماء مجرة جديدة قطرها خمسون مليار سنة ضوئية ، ولا ننسَ المسافة الهائلة بين المجرات وبين كل مجرة ومجرة سديم عظيم من الظلام. ..
     
    -وهذا فقط في السماء الأولى ..
     
    فماذا نقول عن السماء الثانية التي تحيط بها ؟
     
    وماذا نقول عن الثالثة التي تحيط بالثانية ؟ ...
     
    وعن السابعة التي تحيط بالسادسة ؟
     
    { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)}(الزمر)
     
    فسبحان الخالق العظيم. ... سبحان الخالق العظيم....
     
     
     
    مَالِكِ يَوْمِ الدِّين :
     
    - هناك مالك وملك
     
    - قد يملك المالك ولا يحكم .
     
    - وقد يحكم الملك ولا يملك .
     
    - لكن الله مالكٌ وملكٌ يحكم .
     
    - يَوْمِ الدِّينِ : يوم الخضوع لحكم الله تعالى : وسمي المَدين هكذا مديناً لأنه يخضع للدائن. وذلك اليوم ( أطول يوم في الحياة ) مقداره خمسون ألف سنة { يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)}(الإنفطار) .
     
    - وهذا تنبيه إلى الحساب والعقاب
     
    -وأسلوب فيه ترغيب وترهيب.
     
     
     
    إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين :
     
    - نعبدك ونستعينك غير إياك نعبد وإياك نستعين.
     
    ـ في الثانية أسلوب القصر، فلا عبادة إلا لله . وليست الأولى كذلك.
     
    -وقدم ضمير النصب المنفصل على الفعل لقصر العبادة والاستعانة على الله تعالى .
     
    - وقدمت العبادة على الاستعانة ، فمَن عَبدَ الله حقَّ العبادة لم يستعن بغيره.
     
    -إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله .
     
    - ولا ننس أن العبادة إفراد الله بالطاعة أمراً ونهياً . فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
     
     
     
    اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم :
     
    - يأمرنا الله تعالى أن نضرع إليه في الهداية مراراً وتكراراً .
     
    - والمضحك أن نصرانياً سخر من المسلمين في إحدى غرف (البالتوك) إذ قال : إننا معشر النصارى هادون مهديون . وأنتم يا مسلمون ضالون مضلون . والدليل على ذلك أنكم تطلبون الهداية بإلحاح في الفاتحة ، ولو كنتم تشعرون بالهداية في جوانحكم ما دأبتم على طلب الهداية !.
     
    - فكان جوابي مختصراً :
     
    إن الهداية في أمور عدة وهي مطلوبة باستمرار ما دمنا على..
     
    أ- قيد الحياة :
     
    1 - فالهداية إيمان بالله لا ينقطع ،
     
    2 - وطلبٌ من الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا فالإيمان يزيد بالتقوى ، وينقص بالخطايا ، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ،
     
    3 - ونحن ندعو بدعاء نبينا صلى الله عليه وسلم : ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ) ،
     
    4 - ومن معاني الهداية أن نعمل بمقتضى الإيمان عبادة وسلوكاً فلا إيمان بلا عمل ولا عمل بغير الإيمان.
     
    5 - وفي الغرغرة نسأل الله أن يميتنا على الإسلام .
     
    ب ـ بعد الموت :
     
    1 - تكون الهداية بالثبات في سؤال القبر عن الإيمان بالله تعالى والإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم .
     
    2 - ثم بالبعث مطمئنين إلى عفو الله الكريم حيث لا شمس ولا قمر وإنما لكل إنسان نور منبعث منه حسب قوة إيمانه في ظلام البعث والنشور ،
     
    3 - ومن الهداية أن يستظل المرء بظل عرش الرحمن في ذلك اليوم الطويل حين ترسل الشمس قريبة من رؤوس الخلائق،
     
    4 - ومن الهداية ذلك اليوم أن يأخذ المرء كتابه بيمينه فيفوز فوزاً عظيماً ويحاسب حساباً يسيرا.
     
    5 - ومن الهداية في ذلك اليوم أن تكون حسناته بفضل الله أكثر من سيئاته فينجو من النار .
     
    6 - ومن الهداية أن يجوز الصراط المستقيم فينجو من السقوط في جهنم بفضل الله ومنّه سبحانه .
     
    7 - وأعظم هداية في الحياة كلها أن يفوز بجنة عرضها السموات والأرض وأن يحظى برؤية وجه الله الكريم سبحانه ..
     
    اللهم بلغنا ذلك يارب العالمين .
     
     
     
    صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ :
     
    - تعريف بالصراط الذي ينشده المسلم :
     
    هوالصراط المستقيم الذي : { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)}(فصلت) .
     
    - إن الذين نالوا النعمة هم المؤمنون الموحدون
     
    - والله تعالى هو الذي أنعم علينا بنور التوحيد ، ولولا الله ما هتدينا ولا صمنا ولا صلينا .
     
    - ولا يدخل أحد الجنة بعمله حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر الحديثُ الشريف : ( ما منكم من أحد ينجيه عمله
     
    قالوا : و لا أنت يا رسول الله ؟
     
    قال : ولا أنا ، إلا* أن *يتغمدني الله برحمته.
     
    - ولم يقل (غير الذين غضبت عليهم ) تأدباً مع الله تعالى ، فلا ينسب الخير إلا إليه ، فقال : { أَنعَمتَ عَلَيهِمْ } ولم يقل ( غضبت عليهم) .
     
    - ومن هذا الأدب قوله تعالى : { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)}(الجن) والذي يريد الأمرين هو الله تعالى ، ولكن ذُكرَتْ إرادة الشر بضمير الغائب وذكر الخيرُ بالفعل المبني للمعلوم.
     
     
     
    - وفي قصة موسى مع الخضر ( الرجل الصالح ) في سورة الكهف نجده يقول :
     
    { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } مع أنه نسب القتل لنفسه والإبدال لله ، وقال:
     
    { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ }
     
    وهذا أدب رائع للعبد مع الله تعالى.
     
     
     
    غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ :
     
    - من رضي الله عنه وأيده كان الجميع معه واقرأ معي قوله تعالى :
     
    { إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)}(التحريم) ،
     
    ولن يحتاج الله سبحانه لمؤيد وظهير ، إنما هو متابعة لما يريده الله تعالى من إعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم.
     
    - إن في المبني للمجهول تهويلاً على من غضب الله عليه وكرهه.
     
     
     
    صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين :
     
    - الضال من حاد عن درب الهداية وفقد البوصلة فتاهَ في سراديب الكفر والضلال . ومنهم النصارى
     
    - المغضوب عليه من خالف الحق وهو يعلمه ورضي الكفر وهو يستسيغه ، وهؤلاء اليهود عرفوا وأصروا على الكفر .
     
    - وعلى هذا كان النصارى ضالين وكان اليهود مغضوباً عليهم .
     
    - من هنا نفهم في آيتي الملاعنة لماذا لُعن من رمى زوجته بالزنى وهو كاذب وغضب الله على المرأة التي ألحقت بزوجها ولداً من الزنى ليس هو أباه ، فهي تعلم أبا الطفل فطمست الحقيقة .
     
    { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) }(النور).
     
    فكانت اللعنة له والغضب عليها.
     
     
     
    بقي أن نقول : إن في فاتحة الكتاب أركانَ الإيمان :
     
    - بالله تعالى وقد ذكر اللهُ تعالى باسمه وبصفات أخرى في هذه السورة ، فهو الله الرحمن الرحيم ، الرب ، مالك يوم الدين.
     
    - باليوم الآخر : في قوله مالك يوم الدين ، فإليه نقلب وهو يوم الحساب الذي لا بد من حصوله.
     
    - بالرسل : من الذي عرفنا بالله تعالى وأوصل إلينا هذا الدين كاملاً وشهدنا له بالصدق
     
    - بالملائكة : ومن الذي كان الصلة بين الخالق عز وجل وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم : إنه جبريل عليه السلام
     
    - بالكتب : وما هذه السورة التي قرأناها وعشنا في ظلالها إلا سورة كريمة في كتاب ربنا سبحانه والإيمان بها يستدعي الإيمان بالكتاب الكريم الذي نزلت في ثناياه .
     
    اللهم علمنا التأويل وفقهنا بدينك الرائع المبين.

  23. القاعدة التاسعة عشرة : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }


     

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فحي هلا بكم في ملتقانا البديع: (قواعد قرآنية)، نعيش فيه مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل بين الخلق، الذين لا تخلو حياة كثير منهم من بغي عدوان، سواء على النفس أو على ما دونها، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة:179].

    وهذه الآية القاعدة القرآنية العظيمة جاءت بعد قوله سبحانه:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} [البقرة] ثم قال تعالى مبينًا هذه القاعدة العظيمة في باب الجنايات :
    { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (179)} [البقرة]، ولنا مع هذه القاعدة القرآنية المحكمة وقفات:

    الوقفة الأولى:
    إن من تأمل في واقع بلاد الدنيا عمومًا ـمسلمها وكافرهاـ فسيجد قلة القتل في البلاد التي يُقتلُ فيها القاتل كما أشار إلى ذلك العلامة الشنقيطي: وعلل ذلك بقوله: "لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا، وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة؛ لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع، كله كلامٌ ساقط، عارٍ من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعةً فإن السفهاء يكثر منهم القتل، فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل" انتهى كلامه.

    الوقفة الثانية:
    ذلك أن "الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة، فلا تعادل عقوبة القتل في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك: تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممن اعتدى على قتيلهم، قال تعالى:
    { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِ‌ف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورً‌ا (33)} [الإسراء] أي: لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس" (التحرير والتنوير [2 / 192]).

    الوقفة الثالثة:
    مع تنكير كلمة (حياة) في هذه القاعدة القرآنية { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }.
    فهذا التنكير "للتعظيم، أي: في القصاص حياة لنفوسكم؛ فإن فيه ارتداعُ الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت، فلو علم القاتل أنه يسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفًا بالعقوبات كما قال سعد بن ناشب لما أصاب دمًا وهربَ فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها:

    سأغسلُ عني العار بالسيف جالبًا * عليَّ قضاء الله ما كان جالبًا
    وأذهل عن داري، وأجعل هدمها * لعرضيَ من باقي المذمة حاجبًا
    ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت * يميني بإدراكك الذي كنت طالبًا


    ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر ـكما كان عليه في الجاهليةـ لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر كما تقدم، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين" (التحرير والتنوير [2/200]).

    الوقفة الرابعة :
    هي مع ختم هذه القاعدة بقوله تعالى: { يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } ففي ذلك "تنبيه على التأمل في حكمة القصاص؛ ففي توجيه النداء إلى أصحاب العقول إشارة إلى أن حكمة القصاص لا يدركها إلا أهل النظر الصحيح؛ إذ هو في بادئ الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمين.
    ثم قال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون } إكمالا للعلة، أي لأجل أن تتقوا، فلا تتجاوزوا في أخذ الثأر حد العدل والإنصاف" (التحرير والتنوير [2/200]، بتصرف واختصار).

    الوقفة الخامسة :
    أن هذه القاعدة العظيمة من جوامع الكلام وبليغِه، فاق ما كان سائرًا مسرى المثل عند بعض المتأخرين وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل). (ينظر في بيان كون هذا المثل منقولاً ومترجماً: وحي القلم [3/407 - 410]).
    وقد اشتغل جمع من البلاغيّين في تحليل هذه القاعدة القرآنية { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } للبحث عن مواطن إيجازها المتقَن، ومقارنتِها بالمثل المشهور الذي تكرر وتردد على ألسنة كثير من الأدباء، والكُتاب والصحفيين ذلكم هو قول العرب: (القتلُ أنفى للقتل) فزعم بعضهم أنها أفصح من هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }، وقبل بيان المقارنة يحسن إيراد كلمة محررة ومتينة لأبي بكرٍ الباقلاني: حيث يقول كلامًا، هو كالقاعدة في بين حال من يريد أن يقارن بين كلام الله وكلام خلقه:
    "فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مُرْمَدٍ (أي من في عينيه رمدٌ، إشارة إلى عماه عن إبصار الحقيقة) فصاحة القرآن، وموقع بلاغته وعجيب براعته فما عليك منه! إنما يخبر عن نفسه، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله" (نقلها الرافعي في وحي القلم: [3/399])!

    أيها الإخوة:
    وبالمقارنة بين ما نحن بصدده من هذه القاعدة القرآنية: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } وبين ذلك المثل: "الْقَتْلُ أنْفَى لِلْقَتل" ظهر ما يلي:

    1- إنّ حروف القاعدة القرآنية: { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أقل عددًا من عبارة العرب: "الْقَتْلُ أنْفَى للقتل".
    2- القاعدة القرآنية ذكرت "الْقِصَاصَ" ولم تقل القتل، فشملت كلَّ ما تُقَابَلُ به الجناية على الأنفس فما دون الأنفس من عقوبة مُمَاثلة، وحدّدَتِ الأمر بأنْ يكون عقوبة وجزاء لخطأ سابق، لا مجرد عدوان، وهذا عين العدل.
    أمّا عبارة العرب فقد ذكرت القتل فقط، ولم تقيّده بأن يكون عقوبة، ولم تُشِرْ إلى مبدأ العدل، فهي قاصرة وناقصة.
    3- القاعدة القرآنية { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } نصَّتْ على ثبوت الحياة بتقرير حكم القصاص، أما المثل العربي فذكر نَفْي القتل، وهو لا يَدُلُّ على المعنى الذي يَدُلُّ عليه لفظ "حياة".
    4- القاعدة القرآنية خالية من عيب التكرار، بخلاف المثل العربي الذي تكررت فيه كلمة القتل مرتين في جملة قصيرة.
    5- القاعدة القرآنية صريحة في دلالتها على معانيها، مستغنية بكلماتها عن تقدير محذوفات، بخلاف عبارة "العرب" فهي تحتاج إلى عدّة تقديراتٍ حتى يَستقيم معناها، إذْ لا بُدَّ فيها من ثلاثة تقديرات، وهي كما يلي: "القتلُ" قصَاصًا "أنْفَى من تركه "لِلقَتْلِ" عمْدًا وعدوانًا.
    6- في القاعدة القرآنية سَلاَسة، لاشتمالها على حروف متلائمة سهلة التتابع في النطق، أمّا عبارة "العرب" ففيها تكرير حرف القاف المتحرِّك بين ساكنين، وفي هذا ثقل على الناطق (ينظر ـ في بيان أوجه إعجاز هذه الآية الكريمة ـ: وحي القلم للرافعي [3/402 – 409]، والبلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها [492] للميداني).

    وبعد فإن لهذه المقارنة البلاغية الموجزة قصةً أختم بها حديثي في هذه القاعدة القرآنية، وهي أن العلامة محمود شاكر: قرأ مقالةً لأحد الصحفيين يقرر فيها أن عبارة "القتل أنفى للقتل" أبلغ من هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }، فضاق صدر الشيخ محمود شاكر جدًا، ووصف هذه الكلمة بأنها كافرة، فكتب ـوقتهاـ إلى الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي يستحثه على الجواب عن هذه الدعوى المزيفة، يقول الشيخ محمود شاكر: "غلى الدم في رأسي حين رأيت الكاتب يلج في تفضيل قول العرب: "القتل أنفى للقتل" على قول الله تعالى في كتابه الحكيم: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة:179]، فذكرت هذه الآية القائلة: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } [الأنعام:121]... ففي عنقك أمانة المسلمين جميعًا لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها؛ فإن هذه زندقة إن تركت تأخذ مأخذها في الناس؛ جعلت البر فاجرًا، وزادت الفاجر فجورًا، هم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في البيان القرآني... الخ كلامه".
    فلما بلغ هذا الكلام الأديب الرافعي غضب غضبة مضرية، وانبرى للرد على هذه الكلمة الآثمة في بضع صفحات من كتابه الرائع "وحي القلم"، لخصنا شيئًا منها فيما ذكرته آنفًا، فجزاه الله خيرًا، وغفر له، وإلى هنا ينتهي ما أردتُ بيانه حول هذه القاعدة القرآنية الكريمة: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }.
    وإلى لقاء جديد بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    يتبع


  24. {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل : 20]
    تفقد سيدنا سليمان الرعيه وهي كثيرة العدد ، ومع ذلك عرف بغياب طير منها هو الهدهد فسأل عنه ...
    ماهذا القدر الكبير من الاهتمام والحرص الشديد في تحمل المسؤولية ؟!

    سليمان عليه السلام تفقد الطير ..وبعضنا لايتفقد أبناءه ، ولا يسأل عن غيابهم ، ولا يعرف همومهم ،ولا يحل مشاكلهم!!..
    .مهما كانت مشاغلك وعدد اولادك  تفقد ودقق في كل أمورهم حتى الصغير منها ..
    الآباء وكل منا راع ومسؤول عن رعيته سواء في البيت أو العمل ... فهل نقوم بواجبنا على أكمل وجه ؟!

    أكبر تضييع للأمانة أن يتقاعس الآباء وأصحاب المسؤولية عن تفقد من هم تحت رعايتهم ..
    هي أمانه ويجب ان نحملها بإخلاص وإهتمام شديد ونحن مسؤولون
    ( وقفوهم إنهم مسؤولون)


    {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:6].
    يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قوله تعالى: {وأهليكم ناراً} يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله تعالى ما يقون به أنفسهم من النار. " بتصرف من (تفسير الطبري:28 / 165). وقال القرطبي رحمه الله تعالى : قال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه ، قال إلكيا: فعلينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير وما لا يستغني عنه من الأدب وهو قول الله تعالى: {وأْمُر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} ، ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : {وأنذر عشيرتك الأقربين} ، وفي الحديث : «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع» .

     
     
    رقابة الوالدين لأولادهما

    كثير من الأبناء والبنات كان السبب في هدايتهم وتركهم ما هم فيه من المنكرات والآثام: يقظة آبائهم وأمهاتهم، وحسن رعايتهم، والقضاء على المنكر في أولِّه، أو لتحُذِّر من صاحب أو صاحبة سوء من أول الطريق أمر سهل، أما لو طالت المدة فإن فكاك الأبناء والبنات من هؤلاء المفسدين يكون أمراً صعباً.

    وفي أكثر الأحيان يعرف ما عند الأبناء والبنات من المنكرات بتفتيش حقائبهم أو قراءة كتبهم أو معرفة أصحابهم. وكم من شاب أو شابة تمنى أن لو راقب أهلهم تصرفاته وفتشوا متاعهم في أول حياتهم قبل تمكن الفساد من قلوبهم .
    لذا فإننا ننصح بهذا، وليكن ذلك بين الفترة والأخرى، -ومن غير أن يشعروا هم بذلك-، خشية الانتباه وعدم وضع ما يرتاب فيه في متاعهم. وهذه المراقبة إنما تكون إذا ظهر للوالد أمارة على بداية انحراف ولده، أما إذا كان الولد ظاهر حاله الاستقامة والابتعاد عن المنكرات، فليس للوالدين ولا لغيرهما مراقبته ولا تفتيش ممتلكاته الشخصية، لأن ذلك يدخل في سوء الظن ، والتجسس وقد نهى الله تعالى عنهما بقوله : {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا}
    وأما إذا وجدت الأم أو الأب شيئاً محرَّماً فإن الواجب عليهما إتلافه، ومن ثَمَّ نصيحة من وُجد معه هذا المنكر.
    عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {مَن رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان} . رواه مسلم (49) .

    .........................


    وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ (20)       
    1-( وتفقد الطير ) القائد الناجح من يباشر أمور الرعية بنفسه..اشراقة آية
    2-  «وتفقد الطير» سليمان عليه السلام يتفقد الطير..وبعضنا لا يتفقد أبناءه .. ولا يعرف همومهم .. ولا يحلّ مشكلاتهم ! تفقّد طيرك .. نبأ_الداوودين / علي الفيفي .
    3- [ فقال ما لي ﻻ أرى الهدهد [ اكبر تضييع للأمانة ان يتقاعس صاحب الأمر والمسؤولية عن تفقد من هم تحت يده متابعا احوالهم بنفسه / مها العنزي
    4-  ﴿وتفقد الطير فقال ماليَ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ قبل أن تتهم الآخرين اتهم رؤيتك ورأيك ذلك أدعى للتثبت وأبعد عن الظلم. / د. محمد الفراج
    5- في قوله: ﴿مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ بيان لتقديم حسن الظن إذ أن سليمان وضع العذر بعدم رؤيته هو له فقد يكون متواجداً لكنه لم يره. / ‏فرائد قرآنية
    6- من بشر وجِن وطير وريح ونمل وغيرها فكان له جيش عظيم لاتوازيه جيوش الدنيا ولو اجتمعت، وفيه أحد الأيام فقد سليمان الهدهد ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾../ ‏فرائد قرآنية
               7- ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ﴾ نبي آتاه الله ملك الأرض جميعاً فلم يتساهل بالمسؤولية ، وهناك آباء لا يعرفون أحوال أبنائهم ! ./ روائع القرآن


     
    تأملات قرآنية
    و موقع طريق الاسلام
    وحصاد التدبر
     
    47382799_312544196015075_2868971873792688128_o.jpg?_nc_cat=110&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=Lj8juGXhv0MAX_UL3eZ&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=5307d36d1bedb46fe841cab853627c87&oe=5F2C408F
     


  25. ستجد مفاجآت يوم القيامة:
    -خلافاتنا كانت تافهة
    -تارك الطاعةمصدوم!
    -أكثر أهل الجنة الفقراء
    -ظهرت ذنوب ماتوقعناها!
    -رؤية الله أجمل مما كنا نظن
    -رحمةالله وسعت مالم نتوقعه!
    -الذنوب الصغيرة تجمعت كالجبال
    -الذين فعلنا المعصية لإرضائهم هربوا منا.
    -قربك من النبيﷺ كان ثمنه بسيطا:حسن خلق

     

    لكل من أخذ مالا حراما من:
    اختلاس أموال الدولة
    رشـوة
    سرقة
    غش
    ربا
    أو غيرها
    سؤال:
    لماذا لو عرض عليك رئيس دولة مالا كثيرا مقابل حرق جسدك سوف ترفض
    ولكنك تقبل ذلك إذا علمت أن الله هو الذي سيحرق جسدك إذا عصيته؟ لماذا؟!
    قالﷺ: "لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت (مال حرام) النار أولى به"


    لماذا إذا أحسست بمرض فإنك تتواصل مع طبيب ثقة؟
    لماذا لا تقرأ عنه بأي موقع في جوجل ثم تأخذ أدوية من صيدلية؟
    -لأنك لا تريد المغامرة بصحتك!
    طيب ألا تخشى المغامرة بآخرتك عندما تأخذ دينك من أي شخص أو أي موقع بالانترنت ولا ترجع للعلماء؟
    قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون"


    هل تشفق على مظلوم قتلوه أو عذبوه أو سرقوه أو أهانوه؟
    أنا أشفق على الظالم!
    فالمظلوم في عز
    الآن دعاؤه مجاب على الظالم
    وبالآخرة سيأخذ من حسنات الظالم مايجعله يطير فرحا أنهم ظلموه
    لكن المسكين هو الظالم!
    فإن عذاب الله للظالم أشد من عذاب الظالم للمظلوم
    قال تعالى: "إن بطش ربك لشديد"


    ويأتي ملحد يقول لك: لوكان يوجد إله لما رأينا الشر بالعالم!
    ياذكي..المظلوم باعتقادنا محظوظ وأسعد من الظالم بسبب ما سيتم تعويضه يوم القيامة، فما أصبح الشر بالنهاية شرا
    لكن المظلوم ماوجد الشر والغم والاكتئاب إلا عند الملاحدة لما كذبوا عليه وقالوا له: لايوجد يوم قيامة ولن تأخذ حقك!


    أعطاك الله:
    -المال (كله لك) وطلب منك فقط 2.5%زكاة
    -تأكل 12شهرا (كلها لك) وطلب منك شهرا واحدا تصومه
    -سفراتك (كلها لك) وطلب منك سفرا واحدا بالعمر إليه للحج
    - 24ساعة باليوم يعني1440 دقيقة (كلها لك) وطلب منك 5صلوات فقط يعني 50دقيقة تقريبا
    وبعضهم يصر أن لايعطي الله حتى هذا القليل!


    لأنه غضب أو أحب أو كره ذهب لشيخ (ساحر) ليعمل له عملا يريحه من مشكلته!
    مسكين..
    تظن أن الثمن الذي دفعته للساحر كان أموالا فقط؟!
    لا..
    الثمن الحقيقي الذي ضحيت به كانت الجنة الجميلة التي فيها رسول الله ﷺ
    قالﷺ: "من أتى ساحرا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمدﷺ"
    هل الأمر يستحق؟


    كن كالطفل، حتى لو أبكيته فإنه ينسى كل ما حدث مع أول ضحكة..
    ألم تكن كذلك وأنت صغير؟
    إذن لا تتغير..
    قال تعالى: "ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا"

     

    لو قلت لمن يصدق بالأبراج:
    لقد كنت أنت موجودا قرب المستشفى عندما ولدت زوجتي، لهذا ابني أصبح عصبيا عندما كبر!
    (مادخل وجودي قرب المستشفى بصفات ابنك؟)
    ألا تصدقني؟
    (طبعا لا!)
    فلماذا إذن تصدق أن وجود النجم والبرج الفلاني في السماء يوم ولادتك حدد صفاتك؟
    أليس النجم أبعد من المستشفى؟


    لو رأيت شخصا يحرق أوراقا نقدية للتسلية،
    هل فعله مكروه أم حرام؟
    -طبعا حرام!
    هل تصدق أن هذا أخف ضرراً من الذي حرقها في السجائر؟!
    فهو على الأقل لم يضر صحته ولا صحة من حوله!
    فإذا كان حارق الأموال يأثم، فكيف بمن حرق ماله وصحته معا؟!
    قالﷺ: "إن الحلال بيّن (واضح)، وإن الحرام بيّن"


    حامل سوف تلد س11:45 ليلا ولكن الطبيب تأخر لأنه كان بالحمام فولدت بعد منتصف الليل بربع ساعة
    وكانت هذه الليلة هي الحد الفاصل بين مواليد البرج الفلاني والبرج الآخر الفلاني
    هل ستتغير صفات وأخلاق وأحداث ومستقبل هذا الطفل فقط لأن الطبيب كان عنده إمساك؟
    أرجوك..أنت أعقل من أن تصدق هذا

     

    إذا كان الله تعالى لايخلف الميعاد..وقد وعدك بأنه سيكفيك إذا توكلت عليه "ومن يتوكل على الله فهوحسبه".. فلماذا القلق؟

    لماذانتوكل في تحصيل المال الذي يسد ديوننا..ولانتوكل على الله في تحصيل الحسنات التي تمسح ذنوبنا؟ إن الحسنات يذهبن السيئات

    كثير من الناس يتوكلون في تحقيق ما يحبونه من الدنيا.. ومن كمال الحياء مع الله أن نتوكل عليه أيضا فيما يحبه هو من العبادات

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×