اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    3627
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    38

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. Image may contain: flower
     
     

    الحمد لله المحمود على كل حال ، ونعوذ بالله من حال أهل النار ، الحمد لله الذي وعد على الصبر بعظيم العطاء ، وجزيل السخاء ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دائم البقاء ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله دعا إلى ربه فأنار العقول وأخرجها من الظلماء ، صلى الله عليه وعلى أصحابه مصابيح الدجى ، ونجوم الهدى ، وسلم تسليماً كثيراً . . وبعد :
    فكم هي المصائب والنكبات التي تحصل للإنسان على مر الدهور ، وجريان العصور ، ابتلاءً من الله تعالى لعباده ليمحص المخلصين من المنافقين ، والصادقين من الكاذبين ، فمن الناس من إذا أصابته مصيبة ، أو نزلت به نازلة ، شكى بثه وحزنه للناس ، وتسخط على أقدار الله تعالى ، وربما دعا بدعوى الجاهلية ، فشق الجيوب ، ولطم الخدود ، ودعا بالويل والثبور ، وهذا خلاف ما أمر به الشارع الكريم حيث قال الله تعالى آمراً عباده بالصبر : " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [ آل عمران 200 ] ، وقال تعالى : " يا أيها الذين استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين " [ البقرة 153 ] ، وجاء ذكر الأمر بالصبر في المصائب ، أحاديث صحيحة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فعَنْ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ ، تَدْعُوهُ وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيًّا لَهَا ، أَوِ ابْنًا لَهَا فِي الْمَوْتِ ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى ، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ، فَعَادَ الرَّسُولُ فَقَالَ : إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ ابْنُ عُبَادَةَ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ " [ متفق عليه ] ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ ـ وعند مسلم على ابن لها قد مات ـ فَقَالَ : " اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي " ، قَالَتْ : إِلَيْكَ عَنِّي ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي ، وَلَمْ تَعْرِفْهُ ، فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : لَمْ أَعْرِفْكَ ، فَقَالَ : " إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى " [ أخرجه البخاري ومسلم ] .

    فعلينا معاشر المسلمين أن نعلم أن المؤمن يتقلب في هذه الدنيا بين خير وشر ، وضراء وسراء ، ومواجع وفواجع ، وكوارث ومصائب ، منها ما هو خفيف يمر مر السحاب ، ومنها ما هو كالجبال الراسيات ، امتحاناً من الله تعالى لعباده ، وتمحيصاً لإيمانهم ، واختباراً لصدقهم ، تصديقاً لقوله تعالى : " ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " [ العنكبوت 1-3 ] ، فالفتنة في هذه الدنيا لا بد منها لتمحيص العبد ، وله الأجر العظيم ، إذا صبر واحتسب المصيبة عند ربه ، فسوف يخلف الله له خيراً منها ، ويشهد لذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها والذي سيأتي ، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ ، وَلَا وَصَبٍ ـ مرض ـ وَلَا هَمٍّ ، وَلَا حُزْنٍ ، وَلَا أَذًى ، وَلَا غَمٍّ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ " [ متفق عليه واللفظ للبخاري ] . فالفتنة والمصيبة التي تصيب العبد ما هي إلا رفعة في درجاته إذا صبر واحتسب الأجر ، لأن الدنيا مزرعة للآخرة ، وليس العكس ، فالإنسان يسعى جاهداً في هذه الدنيا ليبني الآخرة ، فالدنيا ضيقة في نظر العبد المسلم ، لأنها دار ممر ، لا دار مقر ، سرعان ما يموت ويتركها خلف ظهره ، فطوبى لمن عمل فيها خيراً ، وأُجِرَ كثيراً ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ " [ أخرجه مسلم ] ، فمن أراد الله به خيراً عرضه للفتن ، وأصابته المصائب ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ " [ أخرجه البخاري ] وفي لفظ : يُصَب منه ،
    وثمة سؤال مهم لماذا تصيب المسلم الفتن والمصائب ؟
    الجواب : حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة ، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ ، فِي نَفْسِهِ ، وَوَلَدِهِ ، وَمَالِهِ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ " [ أخرجه الترمذي وأحمد ، وقَالَ الترمذي : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
    فالمصيبة سبب لحصد الحسنات ، وتكفير السيئات ، ولقاء الله تعالى نظيفاً طاهراً ، خالياً من الأوزار والخطايا .


    ومن منطلق الشرع القويم ، والحق المبين ، أقدم للقارئ الكريم بعضاً من الأسباب التي يتسلى بها عن مصيبته ، ويعالج حرها ، ويقهر سمومها ، وتكون حافزاً للصبر على الفتنة في الدنيا :
    1- فمن أعظم أسباب علاج المصائب النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكيف صبر على أذى قومه ، وكذلك صبر الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم على تكذيب أقوامهم لهم ، قال تعالى لنبيه آمراً إياه بالصبر : " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " [ الأحقاف 35 ] .
    2- النظر في العاقبة الحسنة لمن صبر واحتسب أجر المصيبة عند الله تعالى كما في قوله تعالى : " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " [ البقرة ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ما من أحد تصيبه مصيبة ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ، إلا أجاره الله في مصيبته ، وأخلف له خيراً منها " [ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ] ، وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا فَسُرِرْتُ بِهِ ، قَالَ : " لَا تُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ ، فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ، إِلَّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ : اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهُ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي ، قُلْتُ : مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي ، فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنَ الْقَرَظِ ، وَأَذِنْتُ لَهُ ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا ، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! مَا بِي أَنْ لَا تَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ فِيَّ ، وَلَكِنِّي امْرَأَةٌ فِيَّ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَأَخَافُ أَنْ تَرَى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ بِهِ ، وَأَنَا امْرَأَةٌ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ ، فَقَالَ : " أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي " ، قَالَتْ : فَقَدْ سَلَّمْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَقَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " [ نفس المصدر السابق ] .

    وهذه الكلمة ـ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا ـ من أبلغ علاج المصاب وأنفعه للإنسان في عاجلته وآجلته ، فإنها تتضمن أصلين عظيمين :
    أحدهما : أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة ، وقد جعله عند العبد عارية منه ، فهو كالمعير ، يأخذ متاعه من المستعير .
    وليس العبد هو الذي أوجده من عدم ، حتى يكون ملكه حقيقة ، ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده ، ولا يبقى عليه وجوده ، فليس له تأثير ولا ملك حقيقي ، وأيضاً فإنه متصرف فيه بالأمر ، تصرف العبد المأمور والمنهي ، لا تصرف الملاك ، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي .
    الثاني : أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ، ويجيء ربه كما خلقه أول مرة ، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة ، ولكن بالحسنات والسيئات ، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته ، فكيف يفرح بموجود ، أو يأسي على مفقود ، ففكره في مبدئه ومعاده ، من أعظم علاج هذا الداء .

    3- ومن علاج المصائب أن يعلم العبد علم اليقين ، أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، قال تعالى : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور " [ الحديد ] .
    4- ومن علاجها : أن ينظر إلى ما أصيب به ، فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه ، وادخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة ، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي ، فربما أصيب بعض الناس بفقد أحد أبنائه ، وهذه مصيبة ولا ريب ، لكن لو تدبر أن الله تعالى قد أبقى له بقية الأبناء لصبر وشكر الله على بقاء البقية الباقية منهم .
    5- ومن علاجها : أن يطفىء نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب ، وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ، ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة ، وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى ، إما بفوات محبوب أو حصول مكروه ، وأن شرور الدنيا أحلام نوم ، أو كظل زائل ، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً ، وإن سرت يوماً ساءت دهراً ، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً ، وما ملأت داراً خيرة إلا ملأتها عبرة ، ولا سرته بيوم سرور ، إلا خبأت له يوم شرور ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : لكل فرحة ترحة ، وما ملىء بيت فرحاً إلا ملىء ترحاً ، وقال ابن سرين رحمه الله : ما كان ضحك قط ، إلا كان من بعده بكاء .
    6- ومن علاجها ، أن يعلم أن الجزع لا يردها ، بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض .
    7- ومن علاجها ، أن يعلم أن فوات ثواب الصبر والتسليم ، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع ، أعظم من المصبية في الحقيقة .

    8- ومن علاجها ، أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ، ويسوء صديقه ، ويغضب ربه ، ويسر شيطانه ، ويحبط أجره ، ويضعف نفسه ، وإذا صبر واحتسب ، أنضى شيطانه ، ورده خاسئاً ، وأرضى ربه ، وسر صديقه ، وساء عدوه ، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه ، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم ، لا لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والدعاء بالويل والثبور ، والسخط على المقدور .
    9- ومن علاجها ، أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة ، أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة ، على حمده لربه ، واسترجاعه ، فلينظر أي المصيبتين أعظم : مصيبة العاجلة ، أو المصيبة بفوات بيت الحمد في جنة الخلد ، وفي الترمذي عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ ، لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ " ، وقال بعض السلف : لولا مصائب الدنيا ، لوردنا القيامة مفاليس .
    10- ومن علاجها ، أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله ، فإنه من كل شيء عوض ، إلا الله فما منه عوض ، كما قيل :
    من كل شيء إذا ضيعته عوض * وما من الله إن ضيعته عوض .

    11- ومن علاجها ، أن يعلم أن حظه من المصيبة ، ما تحدثه له ، فمن رضى فله الرضى ، ومن سخط فله السخط ، قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " [ أخرجه الترمذ وأبو داود وابن ماجة وأحمد ، وقَالَ الترمذي : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ] .
    فحظ العبد من المصيبة ما أحدثته له ، فاختر خير الحظوظ أو شرها ، فإن أحدثت له سخطاً وكفراً ، كتب في ديوان الهالكين ، وإن أحدثت له جزعاً وتفريطاً في ترك واجب ، أو فعل محرم ، كتب في ديوان المفرطين ، وإن أحدثت له شكاية ، وعدم صبر ، كتب في ديوان المغبونين ، وإن أحدثت له اعتراضاً على الله ، وقدحاً في حكمته ، فقد قرع باب الزندقه أو ولجه ، وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله ، كتب في ديوان الصابرين ، وإن أحدثت له الرضى عن الله ، كتب في ديوان الراضين ، وإن أحدثت له الحمد والشكر ، كتب في ديوان الشاكرين ، وكان تحت لواء الحمد مع الحامدين ، وإن أحدثت له محبة واشتياقاً إلى لقاء ربه ، كتب في ديوان المحبين المخلصين .

    12- ومن علاجها ، أن يعلم أنه في الجزع غايته ، فآخرة أمره إلى صبر الاضطرار ، وهو غير محمود ولا مثاب .
    13- ومن علاجها ، أن المصاب بالمصيبة ، إذا رأى مصيبة غيره ربما هانت عليه مصيبته .
    14- ومن علاجها ، وهو أعظم سبل علاج حر المصيبة ، التزام أمر الله تعالى ، الذي أمر عباده بالصبر على الفتن والمصائب ، ووعدهم على ذلك بعظيم الأجر .

    وفي ختام هذا الموضوع ، أسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الصبر في مواطن الفتن ، وأن يلهمنا طاعته في كل أحوالنا ، وان يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد .


    كتبه
    يحيى بن موسى الزهراني

    إمام الجامع الكبير بتبوك
    صيد الفوائد
     

    Image may contain: flower


  2. Image may contain: outdoor
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    إنه من المعلوم أن الجنَّة طيبة، لا يدخلها إلا طيب؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ [النحل: 32]، وقوله تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73]، والذي يقترف الذنوب والمعاصي لا يكون طيبًا؛ وإنما يلزم تمحيصه وتطييبه من تلك الذنوب والآثام؛ لكي يدخل الجنَّة ممحصًا من الذنوب؛ كتمحيص الذهب والفضة من خبثهما، وهذا التمحيص إما أن يكونَ في الدنيا بأربعة أشياء، أو يكونَ في القبر بثلاثة أشياء، أو يكونَ في الموقف - بأرض المحشر في يوم مقداره خمسون ألف سنة - بأربعة أشياء.

    وإذا لم تَفِ تلك الأمور، لا يبقى سوى النَّار - عياذًا بالله - لدخولها؛ للتمحيص من تلك الذنوب؛ كإدخال الذهب في الكير لتمحيصه من الشوائب.


    أما التمحيص الذي يكون في دار الدنيا، فهو بأربعة أشياء: بالتوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات الماحيات، والمصائب المكفِّرة، فإن محصته هذه الأربعة؛ كان من الذين تتوفَّاهم الملائكة طيبين، وإن لم تَفِ هذه الأربعة بتمحيصه وتخليصه من ذنوبه، حيث لم تكن التوبة نصوحًا مثلًا، ولم يكن الاستغفار كاملًا تامًّا، وهو المصحوب بمفارقة الذنب والندم عليه، ولم تكن الحسنات وافيةً بالتكفير، ولا المصائب كذلك، فإنه سيُمحص في القبر بثلاثة أشياء:

    أحدها: صلاة أهل الإيمان عليه، واستغفارهم له، وشفاعتهم فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ))؛ رواه مسلم.

     

    الثاني: تمحيصه بفتنة القبر، وروعة الفتان، والعصرة، والانتهار، وتوابع ذلك من أنواع عذاب القبر.


    الثالث: ما يُهدي إخوانه المسلمون إليه من هدايا الأعمال؛ من الاستغفار، والدعاء له، والصدقة عنه، والحج عنه، والصيام عنه، ونحو ذلك، وجعل ثواب ذلك له.


    فإن لم تَفِ هذه بالتمحيص، مُحِّص بين يدي ربِّه عز وجل في الموقف بأربعة أشياء: أهوال يوم القيامة، وشدة الموقف، وشفاعة الشفعاء، وعفو الله عز وجل.


    فإن لم تُفِدْ هذه الثلاث مراحل بتمحيصه؛ وهي مرحلة الدنيا، ومرحلة البرزخ، ومرحلة المحشر، فلا بُدَّ له من دخول الكير رحمة في حقِّه؛ ليتخلص ويتمحَّص ويتطهر في النَّار، فتكون النَّار طُهرةً له وتمحيصًا لخبثه، ويكون مكثه فيها على حسب كثرة الخبث وقلَّته، وشدَّته وضَعْفه وتراكُمه، فإذا خرج خبثه، وصُفِّي ذَهَبُه، وصار خالصًا طيبًا، أُخرج من النَّار، وأُدخِل الجنَّة؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا طيب؛ ا ه، تهذيب مدارج السالكين بتصرُّف (صفحة 102).


    قال تعالى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73]، فمن اقترف ذنبًا، فليبادر إلى التوبة؛ ليُكفر عنه ما اقترفته يداه، وإلا فإن عقوبة ذلك الذنب سوف تُلاحقه في الدنيا، أو في البرزخ، أو في يوم القيامة؛ إلا أن يعفو الله تعالى؛ ولذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرورة المبادرة إلى التوبة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنت، وأتبِع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخُلُق حَسَن))؛ رواه أبو داود، والترمذي عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه.


    والسعيد مَنْ يُعاقبه الله تعالى بذنبه في الدنيا؛ لأن عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة؛ حيث روى أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ، عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ، حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ رواه الترمذي.


    وروى عبدالله بن مغفل رضي الله عنه، قال أن رجلًا لقي امرأةً كانت بغيًّا في الجاهلية، فجعل يُلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت: مَهْ، فإن الله قد أذهب الشرك، وجاء بالإسلام، فتركها وولَّى، فجعل يلتفت خلفه، ينظر إليها حتى أصاب الحائط وجهه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر، فلم يُوبِّخه النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، ولم يشمت به، وقد جاءه ووجهه يسيل دمًا؛ كما في رواية أخرى؛ وإنما قال له: ((أَنْتَ عَبْدٌ أَرَادَ اللهُ بِكَ خَيْرًا، إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا، أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ))؛ رواه الطبراني وصحَّحه الألباني.


    فمَنْ عاقبَه الله عز وجل في الدنيا بحَدٍّ شرعي أو مصيبة أو نحوها، فإنه لا يعاقب في الغالب في الآخرة؛ حيث روى عُبَادَة بْن الصَّامِتِ رضي الله عنه، قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: ((تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ))؛ رواه البخاري ومسلم.

     

    وهذا الحديث لا يفيد أن يتمنَّى المسلم أن يعاقب في الدنيا على ذنوب، بل يسأل الله دائمًا العافية؛ لذلك لا يجوز الدعاء بتعجيل العقوبة على النفس في الدنيا؛ لحديث أنس رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عَادَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ))؟ قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((سُبْحَانَ اللَّه، لا تُطِيقُهُ، أَوْ لا تَسْتَطِيعُهُ! أَفَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟))، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ"؛ رواه مسلم.


    لذلك فإن الله عز وجل كثيرًا ما يُعجِّل عقوبة بعض الصالحين في الدنيا؛ ليتوبوا وليمحصهم ببلاء الدنيا عِوَضًا عن عذاب الآخرة.


    نظر أحد العباد إلى صبي فتأمَّل محاسنَه، فأتي في المنام، وقيل له: لتجدن عاقبتها بعد حين، وبعد أربعين سنة نسي حفظ القرآن، وقال بعض السلف: إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابَّتي وامرأتي؛ (الداء والدواء، صفحة 74).

    أي: مَنْ أحبَّه الله تعالى فعصى الله؛ عسَّر الله عليه أمرَه، فلا يتوجَّه إلى أمر، إلا وجده مغلقًا دونه أو متعسِّرًا؛ لعله يتوب ويستغفر؛ لأن الله يحبُّه، فيعاقبه في الدنيا بدلًا من الآخرة.

     

    إننا نرى كثيرًا من الناس يغالط نفسه، ويقول: ها أنا عملت ذنوبًا، ولم أرَ لها تأثيرًا فيَّ وفي حياتي، وما علم المسكين أن الذنب لا ينساه الله عز وجل، وسيرى أثره ولو بعد حين في الدنيا أو في قبره، أو في محشره، أو أنه مستدرج؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: ((اعْبُدُوا اللَّهَ كَأَنَّكُمْ تَرَوْنَهُ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَوْتَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكُمْ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى، وَأَنَّ الْإِثْمَ لَا يُنْسَى))؛ ا.هـ (مصنف ابن أبي شيبة 34580).

     

    ومن ناحية أخرى ليس كل من أذنب عاقبه الله عز وجل في الدنيا؛ إذ لو فعل ذلك سبحانه وتعالى لأهلك مَنْ في الأرض جميعًا؛ ألم تسمعوا قول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾ [فاطر: 45]، فينبغي أن نعلم سنن الله عز وجل في عباده، فقد يكون هذا العبد مستدرجًا، وماذا نعني بمستدرج؟

     

    الاستدراج: سنة ربانية يجهلها أو يغفل عنها كثيرٌ من الناس، فإذا رأيت نفسك ترفل في نعم الله وأنت مقيم في معصية الله، فاعلم أنك مستدرج؛ فقد روى عُقْبَةُ بْن عَامِرٍ رضي الله عنه أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44]؛ رواه الإمام أحمد.


    إن بعض الناس قد يعمل معصية أو يُقصِّر في عمل، فيقول: ما دام أنه لم تأتني مصيبة أو رؤيا في المنام؛ فهذا يدل على رضا الله عني، أو تغاضيه عن جرمي، ومنهم من يقول: لو كنت قد ارتكبت جرمًا عظيمًا يغضب الله عز وجل، لرأيتُ على سبيل المثال مَنْ ينهاني أو يُنبِّهني إلى ذلك ولو في المنام، أو لأصابني الله تعالى بالمصائب ونحو ذلك، وقد يستدل هذا الجاهل بحديث ضعيف غير صحيح روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عاتبه في منامه))، فهذا أولًا حديثٌ غير صحيح؛ فلا يستدلُّ به، كما ينبغي أن تعلم بأنك لست بنبيٍّ أو وليٍّ حتى يُعاملك الله بما أردت أو تمنَّيْت؛ إذ قد تكون مستدرجًا - عياذًا بالله - بذنبك، أو أن عقوبة ذنبك لا زالت مدخرة لك إلى حينٍ، في الدنيا أو في البرزخ أو في الموقف؛ لذلك إذا وقعت في معصية، فبادر إلى التوبة منها، وعمل الحسنات الكثيرات؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، فإن لم تفعل، فإن ذلك الذنب سيُلاحقك لا محالة، إما في الدنيا، أو في القبر، أو في أرض المحشر، إلا أن يعفو الله عنك.


    وتفكر في كثير من السلف الذين وقعوا في بعض المعاصي كيف كفَّروا عنها بكثرة العتق والصيام والصدقة والاستغفار؛ خوفًا أن يُلاحقهم ذلك الذنب في قبورهم أو آخرتهم.
     

    انظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلح الحديبية عندما عارض رسول الله صلى الله عليه وسلم الرأي، فقد غضب رضي الله عنه عندما أحسَّ بأنَّ الصُّلْح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش فيه إجحاف، وعدم إنصاف للمسلمين، وتنازل عن حقوقهم، فجاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائلًا له: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا عمر، الزم غرزه؛ فإني أشهد أنه رسول الله؛ متفق عليه.


    فكفَّر عن مقولته تلك بالشيء الكثير؛ حيث قال رضي الله عنه: ما زلت أصوم، وأتصدَّق، وأصلِّي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت يومئذٍ؛ ا.هـ (السيرة النبوية).


    وتأمَّل يا عبدالله إلى فعل عائشة رضي الله عنها عندما حلفت ألَّا تُكلِّم ابنَ أختها عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، فتوسَّط بعض الصحابة، وأكثروا عليها التذكير والتحريج، فقالت: "إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا"؛ رواه البخاري.


    فبادر إلى التوبة من الذنوب قبل الممات؛ لئلا تذوق عاقبتها، فإن للذنوب عواقب في الدنيا، وفي البرزخ، وفي أرض المحشر.

     
    جعلني الله وإيَّاكم من الذين يستمعون القول، فيتَّبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


    د. محمد بن إبراهيم النعيم

    شبكة الألوكة


    No photo description available.

  3. (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما


    1- نحن أحوج ما نكون لهذه الآية إلى مذاكراتها وإلى هداياتها

    2- في زماننا هذا أصبحت فيه المشاهد الفاضحة للصغار والكبار .
    محفوفةً بما يدمر الأخلاق ويذهب الفضيلة ويقضي على العفاف ويُغري بالفاحشة
    ويكون ذلك قريباً سهل التناول بحيث لا يطلع عليه إلا الله تبارك وتعالى ؛
    الموضوع يحتاج إلى طرق وتذكير فإن الذكرى (تنفع المؤمنين).

    3- صار الواحد منا يتصفح تلك المشاهد حتى وهو في المسجد اوفي الحرم.

    4- أصبحت هذه الجنايات والمقارفات يصح أن تسمى أو تلقب بالإدمان لأن أصحابها أصبحوا لايستطيعون فطام النفوس عنها.

    5- فهذا الأمر يحتاج إلى التذكير والتبصير دائما ويحتاج العبد أن يعرف الطرق التي يتوصل بها إلى حفظ إيمانه و قلبه وبصره عن كل ما حرم الله تبارك وتعالى

    6- كما أنه بحاجه إلى معرفة الطريق الذي يتخلص فيه حينما بمثل هذه البلايا والرزايا فينجو بنفسه قبل أن يدركه الموت ،
    وما يدري الإنسان لعله يموت وهو على حال ٍ كهذه فيلحقهُ من خزي الدنيا ولربما عذاب الآخرة ما يعلمه إلا الله.

    7ـ سورة النور التي يمكن أن يقال لها سورة (العفاف)لأن موضوع هذه السورة من أوله إلى آخره يدور حول العفاف وأسبابه وما يرتبط به

    8ـ يغضوا من أبصارهم (أمر من الله تبارك وتعالى يدل على الوجوب)

    9- غض البصر من الواجبات

    10- إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا

    11- زنا العين النظر

    12-لا تتبع النظرة النظره فإن لك الأولى وليس لك الآخر.

    13-"لا تباشر المرأة المرأة حتى تصفها لزوجها كأنما ينظر إليها"
    هذا الوصف فكيف إذا أطلق الإنسان بصره ونظر إلى المرأة التي لاتحل بنفسه وهي بحجابها ،
    كيف لو نظر إليها من غير حجاب كيف لو نظر إليها من غير حجاب كيف لو نظر إليها كما ولدتها أمها هذا أشد،
    ومعلوم أن المنكر يتفاوت والإثم بناء على ذلك يتعاظم.

    14ـ وجه الله تبارك وتعالى الخطاب للمؤمنين لأنهم المتأهلون للقبول عن الله تبارك وتعالى
    فإن إيمانهم يحملهم على الإستجابه.

    15- قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم
    قدم ذكر الرجال وفي الآية التي بعدها وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن وذلك والله تعالى أعلم لأن نظر الرجال إلى النساء أعلق بالقلب وأعظم في الفتنه.

    16 ـ غض البصر أي كف البصر ، خفض البصر عن ما حرم الله.
    17ـ من أبصارهم:من هنا للتبعيض يكون النظر مشروع محبوب ومباح ومكروه ومحرم

    واغضض جفونك عن ملاحظة النسا ومحاسن الأحداث والصبيان
    إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان
    إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان

    18- كما يجب غض البصر عن النساء فيجب كذلك غض البصر عن المرد

    19- وقد أطبق أهل العلم قاطبة إلى تحريم النظر إلى المرد إذا كان ذلك يحرك النفس ويثير غرائزها.

    20- قال شيخ الإسلام بن تيمية الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور يعني النظر والخلوة والمباشرة واللمس وما إلى ذلك

    21- ومن ذلك الصغيرة التي ينظر إليها بشهوة وإن لم تكن بالغة لأن بعض الناس يتساهل في ذلك.

    22- فالصغيرة إذا كانت مما تتطلع إليها النفوس فإن النظر إليها يكون محرم.

    23- مايورث القلب علة بسبب هذا النظر وامتداده فإنه ينبغي أن يكف النظر عنه وأن يصرف،
    كاالنظر إلى وجوه أهل الفجور وأهل البدع والأهواء وأهل المعصية من المجاهرين التي أصبحت وجوههم مظلمه فإن النظر إلى تلك الوجوه يؤثر في القلب ولابد

    24- الذي يقلب القنوات والمواقع المحرمه ويسرح طرفه يبيت على معصيه ويصبح على مثلها هذا يعاقب نفسه ويؤذيها ويورث النفس حسرة وضعفا

    25- حفظ الفرج أن يحفظه من نظر الناظرين إليه باالستر،
    كل شيء من حفظ الفرج في كتاب الله فهو من الزنا إلا هذه الآيه فإنها من النظر وهو قول إتاره كبيرالمفسرين ابن جرير رحمه الله وهو لا ينفي قول حفظ الفرج من الزنا.

    26- الزوجة لها مثل ما للرجل من نظر وتطلع ومشاعر والأولاد والبنات كذلك

    27- المتبرجة التي تظهر عورتها بين المجتمع هي دعوة صامته تدعوا إلى الفاحشه لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليست حرية شخصية

    28- البصر بريد الزنا ، فأول البلاء يقع بنظرة ثم منتهاه الفاحشه حتى يتوصل إلى حفرة منتنه ويتردى فيها (إنه كان فاحشة و ساء سبيلا)يكفي هذا في بيان قبح الفواحش

    29- ( ذلك أزكى لهم )أزكى لأبصارهم وقلوبهم ودينهم وأخلاقهم ومجتمعهم وأبدانهم تزكية النفس مطلق يشمل تزكيتها من جميع الشرور

    30- ظلمة القلب إذا اشتدة ظهرة في الوجه.

    31- الذي يميل إلى النظر الحرام فليعلم أن في قلبه مرض.

    32- البصر هو الباب الأكبر إلى القلب.

    33- أكثر السقوط للإنسان من قبل البصر.

    34- علاج الأبدان أسهل بكثير من علاج النفوس.

    35- النظر المحرم لحظات تورث الحسرات.

    36- النظر هو أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان.

    37- الصبر على غض البصر أيسر من الصبرعلى ألم مابعده.

    37- كل نظرة محرمة هي من خائنة الأعين.

    فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
    فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي ... فيا رب كن عوناً على العين والقلب


    38- وومما يزيد في الخطر أن النظر ذلك لا ينتهي أو يقف عند حد ، فالنظر والكلام لا يشبعان.

    (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما

    ماهو المخرج ماهوه الطريق للتخلص ؟
    العلاج
    1- مراقبة الله أن يراقب الله تبارك وتعالى
    2- معرفة أسماء الله والعيش معها ويتعبد الله تبارك وتعالى بها ،العليم السميع البصير وغيرها.
    3- تقوى الله وتنميةالإيمان.
    4- إقامة الصلاة بقدر مايقام منها بقدر ما تؤثر.
    5- المحافظه على النوافل.كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به
    6- ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح.
    7- الصبروالمجاهدة -والذين جاهدوا فينا لنهدينهم
    - المجاهدة من أعظم أسباب التوفيق
    - الصعود دائماً يحتاج إلى الصبر والمجاهده، هم درجات عند الله بقدر ماهم في هذه الحياة
    - كثرة المُزاولات تورثُ الملكات
    - على قدر المجاهدة تكون الهداية

    ليس الشجاع الذي يحمي مطيته يوم النزال ونار الحرب تشتعل
    لكن من غض طرفا أوثنى قدما عن الحرام فذاك الفارس البطل

    وهذه ذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين

    صيد الفوئد

    (يا, آمنوا, أيها, الذين, تفسير:, تفعلون), تقولون, لا, لم, ما

  4. أيها المبتلى...
    تذكر أنك إن صبرت
    فسيأتي يوم يتمنى الناس لو كانوا مكانك
    إن كنت مريضا
    فسيتمنى المعافى لو كان مريضا مثلك
    إن كنت فاقدا للأمن
    فسيتمنى الآمنون لو خافوا مثلك
    إن حُبست في سبيل الله
    فسيتمنى الطلقاء لو حبسوا مثلك
    ما الدليل؟
    قال نبينا صلى الله عليه وسلم:
    (ليودَنَّ أهلُ العافيةِ يومَ القيامةِ أنَّ جلودَهم قُرضت بالمقاريضِ، مما يروْنَ من ثوابِ أهلِ البلاءِ) (حسنه الألباني وقال المناوي: إسناده حسن وضعفه آخرون).
    ذكرت هذا الحديث لأبي رحمه الله ونحن في طريقنا إلى المستشفى بعد خمسة عشر عاما من معاناته من مرض الباركنسون (الشلل الرعاشي)،
    فقال: (هذا عزاؤنا الوحيد).



    (يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تُسوى بهم الأرضُ) (سورة النساء-آية 42)
    بينما كان أحدهم في الدنيا أحرص ما يكون على الظهور والعلو، وهناك لا يريد أن يُرى أصلا!
    في المقابل يقول المؤمن: (هاؤم اقرأوا كتابيه) مسرورا به على رؤوس الأشهاد.




    بقَدْر ما تخالط المستهينين بدين الله وتجاملهم وترى منكراتهم فتسكت عنها ولا تنكرها...بقَدْر ما ينقص مِن تعظيم الله في قلبك.
    فليتذكر ذلك كل صاحب دعوة و"تَدَيُّن" يجامل من أعرضوا عن شريعة الله، بل حاربوها، وفتحوا لأعدائها بلاد المسلمين...وهو مع ذلك يجاملهم، ويخالطهم، ويضفي عليهم شرعية في عيون الناس بحجة "مصلحة الدعوة"!
    وأي مصلحة للدعوة، وتعظيم الله يُنتقص من قلبك يوماً بعد يوم، فينزع الله هيبتك من قلوب الناس بقدر ما انتُزعت هيبة دينه تعالى من قلبك!
    ألم تسمع قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26))
    هكذا هي الخطوات: الحرص على رضا الذين كرهوا ما نزل الله، ثم طاعتهم في (بعض الأمر)، ثم تسويل الشيطان وتزيينه، ثم الارتداد والانتكاس إلى الخلف، مع أن الهدى كان لهم بيِّناً واضحاً...لكنه الحرص على رضا كارهي الشريعة، يُميت القلوب.
    وَلْيتذكر ذلك أيضا كل من يخالط أصدقاءه-زملاءه في العمل-أقرباءه...ممن لا هَمَّ لهم إلا الترفيه وإضحاك الآخرين، ولا حدود عندهم يحترمونها، فيسخرون من شعائر الدين بشكل مبطن...فيبتسم هذا ويجاملهم بدل أن يحمر وجهه ويغضب! خوفاً من أن يُنَفِّرهم!
    #تعظيم_الله تعالى جوهرة قلبك، لا تسمح لأحد أن يُفسدها عليك.


    قال ابن الجوزي: (إياك والذنوب، فلو لم يكن فيها إلا كراهة اللقاء كفى عقوبة)
    أي كفى عقوبة أنك تكون كالمستوحش من لقاء الله لأنك تحس بأنه غير راضٍ عنك، بدل أن تأنس به وتشتاق إلى لقائه راضيا عنك.
    لذلك أقول:
    لو لم يكن إلا الثقة في المعية كفى بها مثوبة. كفى مثوبة على الطاعات أنها سبب في ثقتك بأن الله معك ينجيك، يدبر لك، يحفظك، ينصرك، ويجعل لك في بطن المحن منحا.
    . . .



    آية استوقفتني في سورة الأنعام: (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون (19) )
    الذي استوقفني: (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى)؟!
    هكذا يُلقَّن المؤمن أن يعلن الحق الذي يعتقده باعتزاز، ويُسَخِّف باطل المبطلين وكأنه كلام مجانين!
    فهذا الشيء –دعوى أن مع الله آلهة أخرى- يؤمَر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُسَخفه ويُشعِر قومه أنْ لا عاقل يقول به، مع أنه في الواقع عقيدة رسخت في قومه أجمعين، بل في جزيرة العرب..
    بل وكان الشرك عموماً عقيدة في العالم كله آنذاك! وكبر عليها الصغير وهرم عليها الكبير، وماتت أجيال على الاعتقاد بها وتشربتها قلوبهم، وكانت عند الناس آنذاك بمثابة "الحقيقة الكبرى"!
    ومع ذلك يُلقَّن النبي أن يسألهم عن هذا الاعتقاد الباطل كأنه هذيان لعلهم لم يقصدوه، أو كأنه جنون يشفق على صاحبه، أو يُرجى له أن يرجع عنه إذا أوقف على معناه!
    ذلك أن هذا الواقع لا يعني للمؤمن أي شيء ما دام باطلا في ميزان الله...يقين ما بعده يقين، وعزة ما بعدها عزة!
    وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن في كل عصر إذا اعترض عليه أهل الباطل بأن قوله "مصادم للواقع" الذي زوروه وحرفوه عن الصراط المستقيم.


    السخرية من المسلمين من أفعال المنافقين
    (فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم)
    التقي إن رأى مسلما على ضلال
    فإنه يبين بالأدلة الشرعية

  5. قد يبتليك، ويضيقها عليك، ويُغلق لك الأبواب،
    حتى يرفعك لدرجة المُضطر، لتقوم في ثلث الليل الأخير تدعوه وتبكي .. فيستجيب دعاءك، ويجبر خاطرك، ويقضي حاجتك.




    (( الأولاد يكبرون جسماً، ويصغرون ديناً ))
    يأكلون طعاماً، ويجوعون حُبَّاً
    الزمان الآن لم يعد كسابقه..
    ففي اليوم الذي تغفل فيه عن ولدك، يهجم على عقله ألف فكرة خاطئة، وعلى عينيه ألف ألف مقطع سيئ، وعلى وقته ألف ألف شاغلٍ وشاغل بالشر عن الخير ..
    فكيف بمن يغيبون شهوراً وسنيناً دون نصيحة، أو جلسة تربية وإرشاد ؟!
    أيها الآباء والأمهات :
    لا حاجة لأولادكم في الثوب الجديد، أو المصروف الكبير، أو الميراث الوفير، إذا لم تؤسسه بحضورك على حب الله ومراقبته، وتكتشف مواطن الخير فيه، فتتعهدها وتنميها، وتعرف مكامن الشر في نفسه فتنتزعها وتنقيها.
    -لا تعتذروا بضيق أوقاتكم .. فتكونوا كمن يضحك على نفسه، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتحون العالم، ثم يعودون إلى أولادهم فيفتحون قلوبهم، ويُحسِنون تربيتهم، ويورثونهم دينهم وأخلاقهم.
    -ولا تعتذروا بوجود أحدكما فقط .. فللرجال بصمات، وللنساء لمسات، ولا غنى للولد عن كليهما.
    -ولا تعتذروا بالسعي على أرزاقهم .. فبئس الرزق ذلك الذي يقدم للأمة أجساماً معلوفة، وأخلاقًا مهلهلةً ضعيفة.
    الزمان الآن صعب، وأولادنا والله مساكين، يحتاجون أضعاف أضعاف ما كنا نأخذ في مثل أعمارهم، مع فرق الفتن والمغريات التي بين جيلنا وجيلهم!!
    عودوا إلى بيوتكم، واشبعوا حُبَّاً وضمَّاً وقُرباً من أولادكم..
    إلعبوا معهم، وقُصّوا عليهم قصصاً تُنمّي فيهم الفضائل، واستمعوا كثيراً إليهم..
    اتركوا من أجلهم هواتفكم، وتفرغوا من أجل هؤلاء الأبرياء عن بعض مشاغلكم..
    أوقفوا الدنيا كلها من أجل فلذات أكبادكم..
    فدعاء أحد الصالحين أو الصالحات منهم لك بعد موتك من قلبه قائلاً : ( ربِّ اغفر لي ولوالدي )
    هي خير لك من كل الدنيا التي شغلتك عنهم.




    ( الصلاة خير من النوم )
    عجيب .. يناديك ربُّك ولا تجيب !
    فبأي حقٍ تطلب منه الرزق والتوفيق، وأنت لحقه غير مجيب؟
    صلاة الفجر تطهير للنفوس
    ورقة للقلوب
    ومغفرة للذنوب
    ومحبة بين الخالق والمخلوق




    إذا أردت أن تقيِّم مستوى أخلاقك، فانظر إلى أخلاقك في بيتك
    لأنك خارج بيتك تعمل لحساب مكانتك الإجتماعية ..
    تُحسِّن وضعك، وتلمِّع صورتك، وتعتني بثيابك، تبتسم، تتعطر، تعتذر، تنحني، تجامل فلان، وتبتسم في وجه فلان، ويحلو لسانك مع الناس !
    لأن هذا لمصلحتك، ومكانتك، لتنتزع إعجاب الناس بك..
    أما حقيقتك الفعلية تظهر في ( بيتك )
    مع زوجتك، وأولادك، وأهلك، لأنه لا سلطان عليك فيه، أنت ربُّ البيت .
    لذلك إن أردت أن تقيِّم نفسك وأخلاقك تقييماً صحيحاً، فانظر إلى تعاملك مع أهل بيتك ..
    عندها تعلم حقيقةً من أنت ؟!
    قال النبي عليه الصلاة والسلام :
    " خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلي "
    [ حديث صحيح ]

     



  6. 26167902_532286870457937_787479382217830


    لما كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عبادات تدفع بلاءها، ونحن اليوم مع عبادة الدعاء؛ يقول أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكَّرنا منه علمًا"، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أدعية تدفع البلاء؛ أخرج الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((
    والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة))؛ الحديث حسنه الألباني في الجامع (3409)، ومعنى "يعتلجان": يصطرعان.



    دعاءٌ من واظب عليه، لم يصبه فجأة بلاء: في سنن أبي داود عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
    ((من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يمسي))، وقال: فأصاب أبان بن عثمان الفالجُ، فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال له: "ما لك تنظر إلي؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني، غضبت؛ فنسيت أن أقولها"[1].


    قال القرطبي رحمه الله عن هذا الحديث: "هذا خبر صحيح، وقول صادق علمناه دليله دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعته عملت به؛ فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمدينة ليلًا، فتفكرت، فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"[2].


    ومن الأذكار التي تقي من السوء وتدفع الضرر بإذن الله، ما رواه عبدالله بن خبيب رضي الله عنه قال: ((خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئًا، فقال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل:
    ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء))[3].



    ومن الأذكار التي تقي العبد من لدغ الحيات والعقارب: ما جاء في صحيح مسلم عن أبى هريرة أنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة، قال: (
    (أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك))[4]، وفي رواية للترمذي: ((من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره حُمَّة تلك الليلة))، والحمة: لدغة كل ذي سُمٍّ كالعقرب ونحوها، وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سهيل بن أبي صالح - أحد رواته - أنه قال: " كان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم؛ فلم تجد لها وجعًا".


    دعاء ذي النون عليه السلام يقال عند الكرب: قال الله عز وجل: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88]، وعن سعد رضي الله عنه قال: ((كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
    ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب، أو بلاء من بلايا الدنيا دعا به، يفرج عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين))[5]، وفي رواية الترمذي ولفظه: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قطُّ إلا استجاب الله له))[6].


    دعاء يقضي عنك الدين ولو كان دينك كجبل أحد: أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ:
    ألا أعلمك دعاءً تدعو به، لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا، لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك))[7].


    أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن مكاتبًا جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل صِيرٍ دينًا أداه الله عنك، قال: قل: ((
    اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك))[8]، والمكاتبة: تعهد العبد بدفع مال لسيده حتى يعتقه.



    دعاء يحمي من الأمراض والأوبئة: في مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((
    اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام))[9]. قال الطيبي: "وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا؛ فإن بعضها مما يخف مؤنته، وتكثر مثوبته عند الصبر عليه مع عدم إزمانه؛ كالحمى، والصداع، والرمد، وإنما استعاذ من السقم المزمن؛ فينتهي بصاحبه إلى حالة يفر منها الحميم، ويقل دونها المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشَّين"[10].



    والحاصل أن الأدعية والأذكار السابقة تحفظ المسلم من الضر والأذى بجميع أنواعه بإذن الله تعالى، ولكن ليس على وجه اللزوم، فمن أصابه من البلاء مع محافظته على هذه الأذكار، فذلك بقدر الله تعالى، وله سبحانه الحكمة البالغة في أمره وقدره؛ قال الله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: "﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه"، وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال الملك: وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه"[11].



    26165651_532287013791256_434515540398930

    [1] رواه أبو داود (5088)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/ 6426).

    [2] الفتوحات الربانية، لابن علان (3/ 100).

    [3] أخرجه أبو داود (5082)، والترمذي (3575)، وقال: حسن صحيح غريب، وقال النووي في "الأذكار" (ص/ 107): إسناده صحيح.

    [4] صحيح مسلم (2/ 7055).

    [5] أخرجه الحاكم (1864)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1744).

    [6] أخرجه الترمذي (3505)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

    [7] حسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1821).

    [8] أخرجه الترمذي (3563)، وحسنه الألباني في "التعليق الرغيب" (40/ 2)، و"الكلم الطيب" (99/ 143).

    [9] رواه أحمد (12592)، وأبو داود (1554)، والنسائي (5493)، وصححه الألباني.

    [10] نقله العظيم آبادي في "عون المعبود".

    [11] تفسير ابن كثير (4/ 438).


     

    شبكة الألوكة
    ابو زيد السيد عبد السلام رزق


    26167955_532286967124594_309678975330667




  7.  

    45708020_722639504756005_854939517737710


    يقول العلامة الراحل، الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره لقول الله تعالى
    "إن الله لا يهدي القوم الظالمين"
    هنا إشكال، إن الناس تقول إن الهداية من الله، فإذا كانت الهداية من الله، والكافر كفر، والمؤمن آمن، فلماذا يعذبنا؟

    لو كان هذا السؤال منطقيًا وعقلانيًا، لكنت سألت: قبل أن تسأل لماذا يعذب الله العاصي وقد كتب عليه أن يعصي، ولماذا يعذب الكافر وقد كتب عليه أن يكفر؟، إذا كان هذا السؤال علميًا بشكل صحيح، فلماذا لم تقل: ولماذا يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟، لماذا أتيت بهذه وتركت ذاك؟.

    "الله لا يهدي القوم الظالمين"

    الله هدى الجميع، لأن الهداية قسمان: هداية دلالة، ليدلك على الطريق، وهداية معونة
    يفسرها قول الله "والذين اهتدوا زادهم هدى"، فعندما نقول: "والله لا يهدي القوم الفاسقين"، أي هداية المعونة، "والله لا يهدي القوم الظالمين"، أي هداية المعونة، وإنما هدى الكل، فالدلالة للجميع، "فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، هداهم، دللناهم، أي يدل المؤمن والكافر.

    ضربنا مثلاً في برجل يريد السفر إلى الإسكندرية، فسأل ضابط مرور، فأجابه: طريق صحراوي، أم طريق زراعي؟، فتحمد الله أنك وقعت فيه، لكنه يخبره بأن هناك عقبة بعد نصف كيلو، فسأركب معك، حتى تتجاوزها، فالهداية كانت منه دلالة أولاً، فلما آمن به وشكر، طلب منه أن يصحبه في طريقه، كذلك الله دل الجميع، فمن قبل الدلالة، أعطاه المعونة، "والذين اهتدوا زادهم هدى" لم يهد القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولم يهد القوم الفاسقين بسبب فسقهم، ولم يهد القوم الكافرين بسبب كفرهم.

    المصدر
    الموقع الرسمى لعمرو خالد
    بناء انسان



    45610881_722639578089331_240646146575512

     

    • معجبة 1


  8. ♦ للإنسان أعداء ثلاثة، ولايزال الصراع قائماً حتى تفارق الروح الجسد، الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء.
     
    ♦ المعصية من الجِبلّة ولولا ذاك لصافحتنا الملائكة، ففي حديث أبي هريرة مرفوعاً: (لكل بني آدم حظ من الزنى، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القُبل، والقلب يهوى ويتمنّى، والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه). (أحمد)
     
    ♦ استحضار رحمة الله وعفوه ومغفرته تكون في بعض الأحيان شرارة المعصية، مع تغييب كامل للعقوبة والاستدراج والمقت! ولا يزال المرء يسعى في زيغ نفسه حتى تُكتب عليه، ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾!
     
    ♦ تقتضي الحيلة الشيطانية إلى التدليل الشرعي في مَعرِض منازعة النفس اللوامة بالحديث المرفوع: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم…) (البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة)، وهو استدلال مقلوب يهدف لتطبيع المعصية داخل النفس، واجتياز حصون الممانعة.
     
    ♦ مجاراة النفس والانصياع لرغباتها يسقط الإنسان في دوامة لا تنتهي، ففي حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (إياكم ومُحَقّرات الذنوب، فإنما مثل محقّرات الذنوب كقوم نزلوا بطن وادٍ، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقّرات الذنوب متى يُؤخذ بها صاحبها تهلكه). (أحمد)
     
    ♦ أصبح شيوع المنكر بين الناس دليلاً من أدلة الاحتجاج، (والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس). (مسلم من حديث النواس بن سمعان)
     
    ♦ ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره!". (تفسير السمعاني ولم يسنده)
     
    ♦ من الاغترار أن يسيء المرء ويُذنب، ثم يرى من خالقه إحساناً وستراً، فيكيّفه بأنه دلالة العفو والصفح، والله تعالى يقول: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾، وأعظم العقوبة عدم الإحساس بها.
     
    ♦ "الفراغ"...
    فريسة مغرية لقوارض النفس، وحريق الهوى إذا ثار قلع ما وراءه!
     
    ♦ "أوقات الخلوات"...
    هي المعيار المنضبط لواقع تدين الإنسان وخشيته، وهي المحك الحقيقي لمرآته الداخلية، ومن أخفى سريرة في خلوة ألبسه الله ثوبها! ولذا جاء الذم في الحديث: (ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)! (ابن ماجه من حديث ثوبان)
     
    ♦ ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ صراحة عدو الله نقضت مبدأ الجبر في المعصية!
     
    ♦ قرب المعاصي من الإنسان، فلا يمنعه من الوقوع إلا الهمّ والعزم، لا يقف أمام مده وجزره إلا خشية الله ومراقبته في السر. يقول ابن الجوزي: "لا ينال لذة المعاصي إلا سكران الغفلة، فأما المؤمن فإنه لا يلتذ؛ لأنه عند التلذاذه يقف بإزائه علم التحريم، وحذر العقوبة". (صيد الخاطر)
     
    ♦ طوفان المعاصي المصاحب للانفجار المعلوماتي لا عاصم منه إلا الله، ومن تمادى وخاض كان المغرقين، ومقارب الذنب لا يكاد يسلم!
     
    ♦ تفعيل "قانون الممانعة" بالبُعد وعدم الاقتراب يُجهز على المعصية قبل استحكام حلقاتها، فالإيمان والخشية يمنعان تارة عند الهمّ، وتارة عند العزم، وتارة عند الفعل، ورصيد الإنسان السابق من الطاعة والخشية تقمع شهوة الذنب وتطفؤها.
     
    ♦ "الرقابة الذاتية" هي الإحسان في إحدى صوره، (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك). (مسلم من حديث عمر)
     
    ♦ ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ سؤال توبيخ ممزوج بمقت وسخط، وجوابه حينما يسمعه السامع ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾!
    قال ابن كثير في تفسيره: "أي إنما كان لبثكم فيها قليلاً، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي!"
     
    ♦ ثمة تلازم مطرد، واقتران لا ينفصل بين المعصية والوحشة، فالخطئية وقصدها والعلاقة السببية بينهما هو الانسجام المتناغم الذي يفسر الوجه العبوس المتواري خلف الأكمة، وهو الضنك الذي لا طب له!
     
    ♦ إن للمعصية شؤماً وظلمةً لا يدفعها إلا انطراح ومناجاة مشوبة بندم وإقرار، (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت ابوأ بنعمتك علي، وأبوأ بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). (البخاري من حديث شداد بن أوس)
     
    ♦ يقول ابن الجوزي: "رأيت أقواماً من المنتسبين للعلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات، فكانوا موجودين كالمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم". (صيد الخاطر)

     

    ♦ لم يخلق الله الخلق لئلا يُذنبوا، فقد جبلهم، إلا أن خارطة الطريق تكمن بالرجوع والإنابة بعد دنس الخطيئة، على غرار فعل الأب عليه السلام: ﴿ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾، ومن شابه أباه فما ظلم!
     
    ♦ من منا لم يُلمّ، أو يعزم، أو يتلطخ! ليس في الدنيا طهورية مطلقة ونورانية لا دنس فيها!
     
    ♦ "الاستتار" من مقاصد الشارع، والمستتر إلى الخلوص من رحم المعصية أقرب، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين...).
     
    ♦ "إتْباع السيئة الحسنة" أصدق طريق لإظهار الندم، وركعتا التوبة والاعتراف ورفع أكف الضراعة هي أعلى الهرم لتحقيق الغاية، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾، وفي حديث أبي بكر: (ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله عزَّ وجلّ إلا غفر له...). (الترمذي)
     
    ♦ إذا انكسرت النفس وانطرحت، ثم اغرورقت العين بالدمع وفاضت، فذاك دلالة الصدق، وفي حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) (البخاري ومسلم)، وفي حديثه الآخر: (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع...) (الترمذي)، يقول القرطبي في المفهم: "وفيض العين بكاؤها، وهو على حسب حال الذاكر، وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه، فبكاؤه عن خوف، وإن انكشف له جماله وجلاله، فبكاؤه عن محبة وشوق".
     
    ♦ صدقة الخفاء بين يدي الانكسار، من جماليات التوبة وسموها، وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: (أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً). (البزار والطبراني)
     
    ♦ "قاعدة الباب وجامعه" أن يتحول الذنب إلى حافز لارتقاء مدارج المقرين بالتقصير، وعلى قدر مجاهدة الذنب تقوى محبة الله للعبد، ويزيد تثبيته له، ثم يُسرِي محبته في قلوب خلقه، فتراهم محبين له معظّمين أينما حلّ، والأعمال إنما تكون بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والجزاء على قدر الإخلاص.
     
    ♦ هنيئاً لمن مات ودُفنت معه ذنوبه! فالشأن كل الشأن أن يبقى غرس المعصية مسقياً بعناية الأجيال، حوكمة، وهيكلة، وبناء! ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾.
     
    ♦ علينا بالقلق واللَّجَأ والتضرع والانطراح، والتقوّت بالحزن، والتمزَّز بكأس الدمع، والحفر بمعول الأسى قليب الهوى؛ فلعلنا نُنبِط من الماء ما يغسل جِرم الجرم، والله عند ظن العبد به، فليظن ما شاء! (صيد الخاطر)
     
    ♦ توبة من ورائها مغفرة تجبّ ما قبلها، هي الرجاء الذي لا يعدله شيء، ورحمة الله هي الوقود الذي لا ينضب لشوق لقائه، ففي الحديث: (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله! قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل) ووضع يده على رأسه!! (أحمد من حديث أبي هريرة)
     
    ♦ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب، إني أذنبت ذنباً -أو قال: عملت عملاً ذنباً- فاغفره. فقال عز وجل: عبدي عمل ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر -أو قال: أذنب ذنباً آخر- فقال: رب، إني عملت ذنباً فاغفره. فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر- أو أذنب ذنباً آخر- فقال: رب، إني عملت ذنباً فاغفره. فقال: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر -أو قال: أذنب ذنباً آخر- فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره. قال: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء".
     
    ♦ إتيان المعصية في قالب الاعتراف والإقرار بالذنب، خيرٌ من إتيانها مؤصلة مكيّفة بغطاء شرعي على طريقة أصحاب السبت!
     
    ♦ إنك إن تلقى الله مقراً وجلاً خائفاً خير من أن تلقاه متحصناً بغطاء "الحيل"!
     
    ♦ ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.
     
    يقول ابن القيم رحمه الله: "القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر..."
    اللهم منك وإليك، لا سبيل إلا سبيلك، ولا طريق إلا طريقك، اللهم في سيرنا إليك، ذلّل لنا الطريق!


    عبدالملك بن محمد الجاسر
    شبكة الألوكة



  9. (8) اسم الله (العليم)

    سبحـــان العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم؛ فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلِّعُ عليها المَلَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلِّعُ عليه القلب.


    ورود اسم الله تعالى العليـــم في القرآن الكريـــم:
    ورد اسمه العليم في القرآن 157 مرة؛ وفي هذا دليل على أهميته،وقد قرن الله تعالى بينه وبين بعض الأسماء، منها:
    اسمه الحكيــم: قال تعالى: { {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} } [البقرة:32]. فالعلم يؤدي إلى الحكمة، ولا يجتمع العلم مع التهور والطيش. وعلم الله تعالى مقرونًا بالحكمة، أي: وضع كل شيءٍ في مساره.
    واسمه السميع: قال تعالى { {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} } [الأنبياء:4]. لأن العلم يتم تحصيله عن طريق الحواس، وأقوى الحواس هي حاسة السمع .. لذا ينبغي أن لا تتوقف عن الاستماع لدروس العلم، فالقراءة وحدها لا تكفي؛ لأن أقوى طريق للمعرفة هو السمــاع. فالسمع يؤدي إلى العلم .. وهو سبحانه وتعالى يسمع كل شىء حتى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء.. لذا كان هو الأحق بالعلم جلَّ جلاله.


    معنى الاسم ودلالته في حق الله تعالى:
    العليم من العلم وهو نقيض الجهل، وعَلِمتُ الشيء: أي عرفته وخبرته.. فالعلم لا يقتصر على معرفة الظاهر، وإنما ينضم إليــه معرفة حقيقة الشيء.. وهذا متعذرٌ في حق  العبد تجاه الله تعالى؛ لذا لا يصح أن تقول: عَلِمتُ الله وإنما تقول: عرفت الله.
    وشتـــان بين علمٍ مقيد محدود وعلمٍ مُطلق بلا حدود .. فسبحانه وتعالى في كمال علمه وطلاقة وصفه، فعلمه فوق علم كل ذي علم .. كما قال الله تعالى: { {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} } [يوسف:76]. فعلم الله تعالى: علمٌ بما كــــان، وما هو كــائن، وما سيــكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. أحـــاط علمه سبحانه وتعالى بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها.


    فاسم الله تعالى العليـــم، أشتمل على مراتب العلم الإلهي وهي أربعة:
    1- علمه بالشيء قبـل كونه، وهو سر الله في خلقه، لا يعلمه ملكٌ مُقرَّب ولا نبيٌ مُرسل .. ويُسمى علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل ومفتاحها عنده وحده ولم يزل.. لذلك قال تعالى { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} } [الأنعام:59]، وقال سبحــانه { {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} } [لقمان:34].
    2- علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته. فالله عزَّ وجلَّ كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها عبارة عن كلمات .. يقول الله جلَّ وعلا: { {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} } [الحج:70] .. وقال تعالى { {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} } [الحديد:22].
    3- علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه. يقول الله تعالى { {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} } [الرعد:9،8]، وقال تعالى { {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} } [سبأ:2].
    4- علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه. فالله عزَّ وجلَّ يعلم ما سيفعل المخلوق بعد خلقه، ويعلم تفاصيل أفعاله وخواطره وحديث نفسه، يقول تعالى { {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} } [التوبة:78].

    وتلك المراتب الأربع السابقة.. ذُكِرت في قول الله جلَّ وعلا
    { {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} } [الأنعام:59]. فالله سبحـــانه وتعالى عـــالمٌ بكل شيءٍ في كل وقتٍ وفي كل حيـــن.

    يقول ابن القيم: وَهُوَ العليمُ أَحَاطَ عِلْماً بِالَّذِي***في الكونِ مِنْ سِرٍّ ومنْ إِعْلانِ وبكلِّ شَيْءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ***فهوَ المحيطُ وليسَ ذا نِسْيَانِ  
    ويقول أيضًا: وكذاكَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ غَداً وما***قدْ كانَ والموجودَ في ذا الآنِ وكذاكَ أَمْرٌ لمْ يَكُنْ لوْ كانَ كيـ ***ـفَ يكونُ ذاكَ الأمرُ ذا إِمْكَانِ القصيدة النونية (241).  


    حظ المؤمن من اسم الله تعالى العليــم
    1) إيمانه بالقضـــاء والقدر. فيصدق تصديقًا جازمًا بأن قدر الله سبحانه وتعالى لا يأتي إلا بالخير؛ لأنه الله عزَّ وجلَّ عـــالم بكل شيء وهو الحكيـــم سبحــــانه.
    2) العلم عبـــادة القلب. فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان أبدًا عن طلب العلم؛ لإنه إذا توقف سيفسد قلبه. ولا بد في طلب العلم من منهجية .. بحيث لا يُقدِم شيء على الكتــــاب والسُّنَّة. كما لا بد له من مرحلية .. بحيث يبدأ بتعلُّم فرض العين عليه من العلوم الشرعية، وبعدها يتدرج في تعلُّم العلم الذي ينفعه.
    3) العلم يورث الخشيــــة. كما في قوله تعالى { {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} } [فاطر:28].
    4) العلم يورث الحيـــــاء من الله عزَّ وجلَّ. فعندما يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم سره وعلانيته، سيستحيي من ربِّه أن يطلِّع على قلبه فيجد فيه ما يكرهه وتعلقات بدنيـــا فانيــــة.
    5) الطريـــق للعلم النـــافع هو التقوى. فالله سبحـــانه وتعالى لن يستودع قلبك معرفته ومحبته إلا إذا شـــاء.. { {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} } [البقرة:255]، فإن كنت تريد أن يمُنَّ الله عزَّ وجلَّ عليك بالعلم النـــافع، عليك بالتقوى والطاعة له سبحانه وتعالى، يقول تعالى { {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} } [البقرة:282].
    6) مهما بلغت من العلم، فهو قليــــل. كما جاء في قصة موسى عليه السلام والخضر لما رَكِبا السفينة: «..فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْر»(صحيح البخاري). فإيـــاك أن تتكبَّر بعلمك..
    والحل: أن تنظر إلى من هو أعلى منك علمًا، فتعلم قدرك الحقيقي. دعــاء المسألة باسمه تعالى العليم: على العبد أن يسأل ربَّه تبارك وتعالى باسمه العليم؛ حتى يفتح عليه بالعلم ويَمُنَّ عليه بمعرفة ما خفيَ عنه من الخير؛ لأن ليس كل ما خَفِيَ عنك فيه الخير، فلا نسأل إلا عما يفيدنا في أمر ديننا وينبغي أن يترتب على هذا العلم العمل.

    وقد ورد الدعاء باسمه العليـــم في دعاء إبراهيم عليه السلام { {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} } [البقرة:127]. وكان النبي يفتتح صلاته بالاستعاذة بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .. عن أبي سعيد الخدري قال:  كان رسول الله إذا قام من الليل كبر ثم يقول:  «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.» (رواه أبو داوود وصححه الألباني). وسُألت عائشة رضي الله عنها: بما كان يستفتح النبي صلاته إذا قام من الليل؟، قالت: كان يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة .. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).

    وما أحوجنا لهذا الدعاء في زمن الفرقة والشتات، فادعُ ربَّك العليم أن يهدك إلى الحق وسبيل الرشـــــاد في زمن الفتن وإتبـــاع الأهواء. نسأل الله تعالى أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا ينفعنا.     


    المصدر: موقع الكلم الطيب

  10. عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنَعْه من دخول الجنة إلا الموت)؛ رواه النسائي، وصحَّحه ابن حبان.


    وزاد فيه الطبراني: (و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]).



    المفردات:

    (أبو أمامة): هو إياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري الخزرجي، لم يشهد بدرًا؛ لعلته بمرض والدته، وعذَره صلى الله عليه وسلم عن الخروج لذلك، وهو غير أبي أمامة الباهلي الذي تقدم في أول الكتاب، فإذا أطلق فالمراد به هذا، وإذا أُريد الباهلي قُيِّد به.


    ((مكتوبة)): مفروضة.

    (إلا الموت)؛ أي: إلا عدم الموت، فهو على حذف مضاف، وقد حذف لدلالة المعنى عليه.



    البحث:

    قال بعض أهل العلم: واختصت آية الكرسي بذلك؛ لِمَا اشتملت عليه من أصول الأسماء والصفات الإلهية، والوحدانية، والحياة القيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة، و﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ متمحضة لذكر صفات الله تعالى.


    هذا وقد وردت أذكار عقب الصلوات غير هذا الذي ذكره المصنف أيضًا؛ منها ما أخرجه مسلم من حديث البراء أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بعد الصلاة: ((رَبِّ قِنِي عذابك يوم تبعَثُ عبادَك))، والظاهر استحباب الجمع بين هذه الأدعية دبر كل صلاة.



    ما يفيده الحديث:

    • مشروعية هذا الذكر خلف كل صلاة.

    شبكة الألوكة

  11. {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ○ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ} [عبس :1 -2]

    تقطيبة عابرة لم ترها عيون الأعمى لكن الله رآها ... أيُّ حفاوة تعيشها أيها الإنسان الصادق والمخلص لله ؟!!
    كل حقوق الإنسان وكل معاني الكرامة تجدها في سورة عبس ..

    أعزائي :
    يعاتب اللهُ النبيَّ الكريم في مرورٍ عابرٍ لرجلٍ أعمى عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مهتماً بدعوة أحد زعماء الكفار للإسلام ، فتنزل سورة كاملة تحتفي بلحظةٍ واحدةٍ من حياة إنسان .. إقبالةٌ فريدةٌ يكرمها الله في القرآن وينقل مشاهدها في المحاريب حتى يوم القيامة ..
    لقد جاء الأعمى صادقاً يسعى للكمال ويخشى التقصير فانتصر الله له وعاتبَ النبيَّ لأجله ..
    إذا كنا قد نُهينا عن العبوس في وجه الأعمى وهو لا يرى ، فكيف بمن يرى ؟!
    لننتبه إلى تعابير وجوهنا الجارحة ولنبتسم لمن حولنا ..
    فهناك من البشر من لا نأبه له و له عند الله شان قد لا نبلغه ، ولو أقسم على الله لأبرَّهُ ..
    اللهم ارفع منزلتنا عندك 

    عَبَسَ وَتَوَلَّى (1)
    1-  ( عبَسَ وتولى أن جاءهُ الأعمى ) أبتسـم حتـى في وجـه الأعمى ، فإن كان لايراك ، فاعلم أن الله يراك !! / عايض المطيري
    2-  "عبس وتولى"فيها تدكير لنا أن هؤلاء المغمورين الذين لانعرفهم ولا نأبه لهم فيهم من له عند الله شأن قد لانبلغه " لو أقسم على الله لأبره "عبد الله المبرد/ محمد الربيعة
    3-  { عَبَسَ وَتَوَلّى * أَن جَاءهُ الأَعْمَى { إذا كنا قد نهينا عن العبوس في وجه الأعمى وهو ﻻ يرى فكيف بمن يرى.!؟ / فوائد القرآن
    4-  " عبس " تقطيبة عابرة لم ترها عيون الأعمى، لكن الله رآها أي حفاوة تعيشها أيها الأنسان ./ عبد الله بلقاسم
    5-  كل حقوق الإنسان ، كل معاني الكرامة، وجدتها في سورة عبس النبي الأعظم يعاتب في مرور عابر لرجل أعمى سورة كاملة تحتفي بلحظة واحدة من حياة إنسان ، إقبالة فريدة يحييها القرآن وينقل مشاهدها في المحاريب في أذن الزمن./ عبد الله بلقاسم
               6- (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) تبسم حتى في وجه الأعمى ، فإن كان لايراك ، فالله يراك./ وليد العاصمي
    7-  ] عبس وتولى*أن جاءه الأعمى] عوتب ﷺ في هذه السورة لأجل رجل ضرير تقريرا لـ أن بذل العلم لا يجوز أن يتأثر بالوضع الاجتماعي لمحتاجيه   / أبو زيد الشنقيطي
    8-  ( عبس وتولى ) سيدالخلق يعاتبه ربه سبحانه على الملأ حتى يوم القيامه أيهاالمسؤول لماذا تخاف من النقد الهادف لتحسين وضعك ووضع عملك؟ / ناصر القحطاني
    9-  ﴿ عبس وتولى ﴾  عاتب الله نبيه ﷺ لما انشغل عن مريد العلم والخير ..ياليت الداعية الذي يكثر الاعتذار يدرك ذلك! / نايف الفيصل  
               10- كان أشراف قريش عند النبي ﷺ وقد طمع في إسلامهم فأقبل إليه ابن أم مكتوم وهو أعمى فأعرض عنه ﷺ فنزلت : ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾/ روائع القرآن

    أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2)
    - " أن (جاءه) الأعمى" أثنى الله عليه بالمجيء رغم إعاقته وأنه أعمى أكرم الخطوات خطوة تمشيها إلى الله متحاملا على ألمك / عبد الله بلقاسم

    Ùا ÙتÙÙر Ùص٠ÙÙصÙرة.

  12. {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير : 18]
    الصباح مولودُ الليلِ الجميل.. يبتسم للدنيا بإشراقة شمسه وينظرُ إلينا بعين الأمل والتفاؤل ولسانُ حالِهِ يقول : ثِقْ بربكَ ولا تقلق ..
     
    أعزائي :

     

    في الآية الكريمة تعبير
    قرآني غاية في الروعة والإبداع ، حيث جعل انبلاج الفجر وانفتاق النهار من الليل وكأنه عودةٌ للروح بعد أن حَبَسَ الليلُ أنفاسه لولادةِ يومٍ جديد .. و يتنفس الصباح بانشراح ، ويسبِّحُ الكونُ باسم الله الخالق العظيم ..

     

    أيها الطيبون :

     

    لن يتنفس الصباح إلا بعد اشتداد الظلمة ، والفرج لا يكون إلا بعد اشتداد الكَرب ..

     

    كم في الفجر من فَرَجٍ وتحوُّل من ضيقٍ إلى سعة ، ومن كَدَرٍ إلى هناء ، ومن حزن إلى فرح
     
    وكما يجدّدُ الصبحُ أنفاسه بهذا الكون فلْنُجدد نحن أنفاسنا بنسائم الذكر ، و لنجعل لصباحنا نفساً جميلاً يسرّنا ، لنستنشق الفرح القادم ولِيطِيبَ صباحُنا بأذكار الصباح ..


     

    وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)

     

    1-صباح تتنفسون فيه رحمة الله ومغفرته ورضاه . / نايف الفيصل

     

    2-يتنفس إيذانا بيوم جديد نعمة من الله والعبد بالنعمة (إما شاكرا وإما كفورا)

     

    3-الصباح مولود الليل الجميل يبتسم للدنيا بإشراقة شمسه وينظر لنا بعين الأمل والتفاؤل ولسان حاله يقول : ثق بربك ولاتقلق . / عايض المطيري

     

    4- "كم في الفجر من فرج وتحول من ضيق إلى سعة ومن كدر إلى هنا ومن حرن إلى فرح (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّس) / خالد المصلح

     

    5- اجعل لِصباحك نفس جميلاً يسّرك ، أخرج مايزعجك ووكّل إلى الله أمرك ، اْستنشق الفرح القادم وابدأ بأذكارك . ./ عايض المطيرى

     

    6- لقد تنفس على أناس فيهم المريض، والمهموم، والمظلوم، والمصاب، والمشرّد، والطريد، فإذا عوفيت من ذلك فاحمد الله. / الشيخ عمر المقبل

     

    7-في تنفسه إزالة الهموم ، وجـلاء الغمّ ، وانشراح صدر، وتسبيح للخالق المنعِم . / المفسر عايض المطيري

     

    8- ( ﻭَﺍﻟﺼُّﺒْﺢِ ﺇِﺫَﺍ ﺗَﻨَﻔَّﺲَ ) ﻛﻤﺎ ﺟﺪﺩ ﺍﻟﺼﺒﺢ ﺃﻧﻔﺎﺳﻪ ﺑالكون ﺍﻟﻔﺴﻴﺢ ، ﺟﺪﺩ ﺃﻧﺖ ﺃﻧﻔﺎﺳﻚ ﺑذكر الله ﷻ والتسبيح / عايض المطيري
     
     
    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر 
     
    31317990_203865203549642_337905798246039

  13.  

    166. ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:9]: استخدم لفظ تلهكم بدلا من تشغلكم، لأن من الشغل ما هو محمود، كما في الحديث: «إن من الصلاة لشغلا»، وأما الإلهاء فهو مذموم في كل الأحوال.
     
    . ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون:9]: الخاسر الحقيقي ليس في التجارة والأموال، بل المشغول عن ذكر الله.
     
    167. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:9]: قال الآلوسي: «التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غُبِن في أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غُبْنُ كل كافر بترك الإيمان، وغُبْنُ كلِّ مؤمن بتقصيره في الإحسان».
     
    168. ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التغابن:11]: وكأن المصيبة تستأذن ربها أولا، فإن أذن لها نزلت وإلا تراجعت، فلا تظن أن شيئا أصابك إلا بإذن ربك.
     
    . ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:11]: قال إبراهيم بن إسحاق: «أجمع عقلاء كل ملة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشه».
     
    169. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:11]: قال ابن عباس: «يَهْدِ قَلْبَهُ لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه».
     
    170. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التغابن:13]: قال ابن القيم: «قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد».
     
    171. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:14]: آية فيها عزاء لمن ابتُلِي بزوج ناشز، أو ولدٍ عاق، فصبر عليهم وعفا عنهم، وفي وعد الله له بالمغفرة تسلية لهذا المبتلى.
     
    172. ﴿ إِنَّ (مِنْ) أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾: اتخذها منهجًا في حياتك: لا تُعمِّم!
     
    173. ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:15]: أي بلاء واختبار قد يحملكم على كسب الحرام، ومنع حق الله تعالى، فلا تطيعوهم في معصية الله.
     
    174. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]: قال سعيد بن جبير: «لما نزلت: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورِمَت أقدامهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ تخفيفا على المسلمين».
     
    175. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:16]: هل هذا تخفيف أم تكليف؟! الأمران محتملان، لكن أكثر الناس يحمل الآية على التخفيف دون التكليف، ويتخذونها ذريعة للتخفف والتهرب من التكاليف الشرعية.
     
    176. ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن:17]: والله شكور يعطي على العمل اليسير الأجر الكثير، وحليمٌ لا يعاجِل بالعقوبة.
     
    177. ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1]: حق المطلقة أن تبقى في بيتها فترة العدة، هذا شرع الله، فما بال كثير من الناس ضربوا به عرض الحائط وخالفوه.
     
    . ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1]: ونسبة البيت إلى المرأة فيه دلالة على أهمية إعطائها سلطة فيه وصلاحيات في اختيار أثاثه وإدارة شؤونه، فهو مملكتها.
     
    178. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:1]: لست حرا بل أنت عبد، فلا تتجاوز حدودك مع الله، وإلا كنت ظالما.
     
    179. ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ [الطلاق:1]: ﴿يُحْدِثُ﴾ : ينشئ بلا مقدمات، وينشئ ماذا؟ أمرا إلهيا نافذا!
     
    180. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:2]: ثبات الأخلاق من علامات قوة الإيمان.
     
    71. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:2]: كلما كانت التقوى أقوى كان المخرج من الشدة أقرب.
     
    181. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾[الطلاق: 3]: قال ابن مسعود: «إن أكثر آية تفويضا في القرآن: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾».
     
    182. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]: قال ابن القيم: «فلما ذكر كفايته للمتوكل عليه، فربما أوهم ذلك تعجيل الكفاية وقت التوكل، فعقَّبه بقوله: ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] أي وقتا لا يتعداه فهو يسوقه إلى وقته الذي قدره له، فلا يستعجل المتوكل ويقول: قد توكلت، ودعوتُ فلم أر شيئا ولم تحصل لي الكفاية، فالله بالغ أمره في وقته الذي قدره له»
     
    183. (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) [الطلاق: 6]: إذا ولدت المطلقة، ورضيت أن ترضع ابنها، فعلى الرجل أن يدفع لها أجر الرضاعة.
     
    184. ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ [الطلاق: 6]: التعاسر مأخوذ من العسر الذي هو ضد اليسر، يقال تعاسر المتبايعان، أي لم يتفقا على شيء، بأن امتنع الأب عن دفع أجرة الأم، أو امتنعت الأم عن الإرضاع إلا بأجر معين، فللأب البحث عن مرضعة أخرى.
     
    185. ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾ [الطلاق: 7]: توجيه بأن ينفق كل واحد على مقدار حاله، ولا يكلف الزوج ما لا يطيق، وأن اختلاف أحوال الناس في النفقة أمر طبيعي.
     
    186. ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]: ولم يقل (سوف يجعل) لشدة قرب الفرج كلما اشتدت الكرب، فكيف ييأس من يقرأ آية كهذه؟!
     
    187. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: 3]: قال سفيان: «ما زال التغافل من فعل الكرام»، وقال الحسن: «ما استقصى كريم قط».
     
    188. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾ [التحريم: 8]: قال القرظي: «يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان».
     
    . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾ [التحريم: 8]: ليست التوبة بالكلام بل بالأفعال! قال الجيلاني: «التوبة قلب دولة! من تاب ولم يغيِّر ما كان عليه قبل التوبة فقد كذب في توبته».
     
    189. ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ [التحريم: 11]: قال ابن القيم: «فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة، فإن الجار قبل الدار».
     
    190. ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12]:قال البيضاوي: «القانتين: من عداد المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عُدَّت من جملتهم».

  14. اليقين الاستدلالي واليقين الشهودي :

    اليقين الاستدلالي: رؤية دخان واليقين الشهودي: رؤية النار

    يقول الله عز وجل:

    ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
    الحقيقة سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤمن، ومؤمن إلى درجة اليقين، ولكن اليقين أنواع؛ نوع استدلالي، ونوع شهودي، أنت إنْ رأيتَ دخاناً وراء جدار، تقول: لا دخان بلا نار، أنت متأَكِّدٌ من وجود النار خلف الجدار، هذا يقين استدلالي، فإذا وقفت في الطرف الآخر من الجدار، ورأيت النار بعينك، هذا يقين شهودي، فسيدنا إبراهيم متيقنٌ يقيناً استدلالياً، لكنه الآن يريد اليقين الشهودي..

    ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
    بعضهم تأوَّل هذه الآية: بأن هذا النبي الكريم من شدة محبّته لله، أراد أن يرى أثر فعل الله عز وجل، وكأنه تمنَّى أن يرى عظمة الله من خلال هذه الآية، وليس شاكّاً في قدرة الله، ولا في علم الله، ولا في حكمة الله، ولكنه تطلَّع إلى أن يرى أثر قدرة الله عز وجل..
    أي كي ينتقل من يقينِ الاستدلال إلى يقين المعاينة، من يقين الاستدلال إلى يقين الشهود.


    معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ مستمرةٌ إلى يوم القيامة :

    قال تعالى:
    ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾
    أي قطعهن قطعاً قِطعاً..
    ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ﴾
    طاووس، ودجاجة، وما إلى ذلك، أربعة أنواع من الطيور، قطعها قطعاً قطعاً، وجعل على كل قمة جبل بعض هذه القطع، قال:
    ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
    فلما دعاهن، تراكبت هذه الأعضاء، والتحم بعضها ببعض، وسرن إليه خاضعين لأمر الله عز وجل. مرة ثانية هذه المعجزات وقعت مرة واحدة، ولن تقع مرة ثانية، شبَّهها بعض علماء التوحيد كعود الثقاب تألق مرة واحدة ثم انطفأ، فأصبح خبراً يصدقه مَن يصدقه، ويكذّبه مَن يكذّبه، ولكن أي مؤمن يقرأ كلام الله عز وجل يؤمنُ إيماناً راسخاً أن هذا الخرق قد وقع، وهناك مَن يكذِّب بهذا لأنه ما عرف الله عز وجل، وأنّ أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، رأى أن هذا غير مألوف عادةً فأنكره، ولكن الشيء الذي كرمنا الله به هو: أن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزةٌ مستمرةٌ إلى يوم القيامة
    فهذا الكتاب بين أيدينا، فيه آيات كثيرة لا يمكن أن تفسَّر إلا بحالةٍ واحدة؛ أنها آيات من عند الله.

    في الآيات التالية إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم :

    الضغط داخل الطائرة أكبر ثماني مرات من خارجها
    مَن هذا الذي صعد إلى الفضاء الخارجي، وضاق نفسه؟ الله جلّ جلاله أخبرنا:

    ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
    [ سورة الأنعام: 125 ]
    بعد أن ركب الإنسان الطائرة، لو أن طائرة تركبها، وجهاز ضخ الهواء فيها تعطل، هبط الضغط إلى الثمن، عندئذٍ يخرج الدم من أنف الإنسان ويختل ضغطه، ويشعر بضيقٍ لا يحتمل، الطائرات التي نركبها الآن مضغوطة ثماني أضعاف، ليكون الضغط على ارتفاع أربعين ألف قدم مساوياً للضغط على الأرض، لو أن جهاز الضغط تعطل، لأحسَّ الركاب بضيقٍ في نَفَسهم لا يحتمل، هذا عرفناه الآن بعد اختراع الطائرة، لكن كيف جاء ذكره في القرآن الكريم؟ قال العليم الخبير:

    ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾
    [ سورة الأنعام: 125 ]

    بعد أن اخترعنا أشعة الليزر، وقسنا غور فلسطين رأيناه أعمق نقطة في الأرض، وذلك منذ عشرين سنة أو عشر سنوات، لكن حينما يقول الله عز وجل:

    ﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون*فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾
    [ سورة الروم: 2-4 ]
    المعركة تمت في غور فلسطين
    ﴿ غُلِبَتْ الرُّومُ*فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ﴾
    هذا أيضاً إشارة إلى إعجاز هذا القرآن الكريم.


    كل التقدم العلمي لم يستطع أن يهز آية واحدة لأنها من عند خالق الأكوان :

    قال تعالى:
    ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

    هذه معجزةٌ حسية، وحمار سيدنا عزير معجزةٌ حسية، ولكن هذا القرآن كله معجزة عقلية بيانية، وبإمكانك أن تكتشف كل حين أن هذا كلام الله عز وجل لأن البشر لا يستطيع أن يأتي بهذا الكلام، تقرأ أنت:
    ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
    [ سورة النحل: 8]
    إنسان عاش قبل ألفٍ وأربعمئة عام؛ هناك الخيل، والبغال، والحمير، لو أن هذا القرآن كلام بشر، لكانت الآية:
    ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾
    [ سورة النحل: 8]
    فقط، أما إنسان يعيش في هذا العصر؛ هناك طائرات، وهناك طائرات عملاقة، وبواخر، وحوَّامات، وقطارات، ومراكب فضائية، قال تعالى:
    ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
    [ سورة النحل: 8]
    إذاً هو كلام الله عز وجل، كل التقدم العلمي لم يستطع أن يهز آية واحدة، لأن هذه الآيات من عند خالق الأكوان، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.


    كلما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم :

    نسبة دماغ الإنسان إلى جسمه أعلى نسبة
    أيها الأخوة الكرام؛ حينما نبحث في إعجاز القرآن العلمي، كأننا نضع أيدينا على معجزاتٍ رائعة.. ذات مرة قرأت هذه الآية:
    ﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾
    [سورة العلق: 15-16]
    يوجَد في رأسِ الإنسان دماغ، ونسبةُ هذا الدماغ إلى الجسم أعلى نسبة في المخلوقات قاطبةً، لو أخذنا دماغ الحوت الأزرق، نسبة وزن الدماغ إلى وزن الحوت قليلة، لو أخذنا دماغ الفيل، دماغ وحيد القَرن، دماغ الكركدن، نسبة وزن دماغ أي حيوان إلى جسمه نسبة ضئيلة، أما أعلى نسبة على الإطلاق هي نسبة وزن دماغ الإنسان إلى الإنسان، هذا الدماغ فيه فصٌ جبهي، وهو أضخم الفصوص، في هذا الفص الجبهي تتم المحاكمة، ويتم الحكم، ويتم الاستنباط، ويتم الاستنتاج، ويتم اليقين، والإنسان هنا يتحرك، تتم الإرادة هنا، إنسان أراد أن يسرق، تبدأ السرقة من فصه الجبهي، أراد أن يزني، يبدأ الزنا من فصِّه الجبهي، يقرر فيفعل، هذا الفص الجبهي اسمه الناصية، ناصية الرأس مقدمته، قال الله عز وجل: مركز الكذب في الناصية من الفص الجبهي

    ﴿ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ*نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

    [سورة العلق: 15-16]

    فالكذب من الفص الجبهي، والخطأ من الفص الجبهي، والحديث عن معجزات القرآن الكريم العلمية حديث طويل، بل كلما تقدَّم العلم كشف جانباً من إعجاز القرآن الكريم.


    العقل أودعه الله فينا كمقياس علمي والفطرة جبلنا عليها كمقياس انفعالي :

    أيها الأخوة الكرام، ليس هناك من مانع أن نتأثر بالمعجزات الحسية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، كقوله تعالى:

    ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

    ولا مانع من أن نتأثر بالغ التأثُّر بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام:

    ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

    وليس هناك من مانعٍ أيضاً أن تقرأ عن إعجاز القرآن العلمي، فتشعر أن هذا الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تأتي حقيقةٌ علمية تنقض آية في القرآن الكريم، لأن هذا القرآن كلامه والكون خلقه، والعقل أودعه فينا كمقياس علمي، والفطرة جبلنا عليها كمقياس انفعالي، وهكذا نجد أن القرآن الكريم كلام الله المعجز إلى أبد الآبدين.

    موسوعة النابلسي للعلوم الاسلامية


  15. سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
    أنا فتاة أكره الغيبة والنميمة ، وأكون أحيانا في وسط جماعة يتحدثون عن أحوال الناس ، ويدخلون في الغيبة والنميمة ، وأنا في نفسي أكره هذا وأمقته ، ولكوني شديدة الخجل فإنني لا أستطيع أن أنهاهم عن ذلك ، وكذلك لا يوجد مكان حتى أبتعد عنهم ، ويعلم الله أنني أتمنى أن يخوضوا في حديث غيره ، فهل علي إثم في جلوسي معهم ؟ وما الذي يتوجب فعله ؟ وفقكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين .
    فأجاب :
    " عليك إثم في ذلك إلا أن تنكري المنكر ، فإن قبلوا منك فالحمد لله ، وإلا وجب عليك مفارقتهم ، وعدم الجلوس معهم ؛ لقول الله سبحانه وتعالى : ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأنعام/68 ، وقوله عز وجل : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ) النساء/140 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ , وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) خرجه الإمام مسلم في صحيحه .
    والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ، والله ولي التوفيق " انتهى .
    " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " ( 4 / 440 ) .

    - أصل الحكم في مجالسة من يتعاطى الغيبة هو ما لخصه النووي بقوله في الرياض: باب تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه. اهـ وقوله في الأذكار أيضا: اعلم أن الغيبة كما يحرمُ على المغتابِ ذكرها، يَحرمُ على السامعِ استماعُها وإقرارُها، فيجبُ على من سمع إنساناً يبتدئُ بغيبةٍ محرمةٍ أن ينهاهُ إن لم يَخَفْ ضرراً ظاهراً، فإن خافهُ وجب عليه الإنكارُ بقلبه، ومفارقةُ ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدرَ على الإِنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلامٍ آخر لزمهُ ذلك، فإن لم يفعل عصى. اهـ
    ومن هذين النقلين تعلم أنه إذا لم يسعك الإنكار باللسان، ولم تقدر على مفارقة المجلس، فلا إثم عليك في البقاء فيه، لكن مع الإنكار بالقلب.

    - عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) رواه مسلم
    وعن أبي بكرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر بمنى: (( «إنَّ دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت» )) [متفق عليه] . قال النووي: (المراد بذلك كله، بيان توكيد غلظ تحريم الأموال، والدماء، والأعراض، والتحذير من ذلك)

     
    المصدر
    الاسلام سؤال وجواب
    واسلام ويب



  16. 34889002_606331469720143_148164444587819
    الكلمة الأولى:


    أن يستحضر العبد دائمًا أن أوامر الشرع والقضاء والقدر من عليم حكيم، قال تعالى: ﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 18].



    الكلمة الثانية:

    أنه لا بد من التسليم فيما تحار أو تعجِز عن إدراك حكمته العقول؛ لأنه قد ثبت بالدليل القاطع بالنقل والعقل حكمة الخالق سبحانه وتعالى، وعلى هذا الأصل يكون التسليم.



    قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "إن للعقل حدًّا ينتهي إليه، كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه"؛ مناقب الشافعي، للبيهقي (٢٨٠).




    الكلمة الثالثة:

    يقول العلامة ابن الجوزي في معرض كلامه عن حكمة المولى عز وجل: "ثم ما زالت للملوك أسرار، فمن أنت حتى تطَّلع بضعفك على جميع حِكَمِه؟ يكفيك الجمل، وإياك إياك أن تتعرض لما يخفى عليك، فإنك بعض موضوعاته، وذرة من مصنوعاته، فكيف تتحكم على من صدرت عنه؟ ثم قد ثبتت عندك حكمته في حكمه وملكه، فأَعْمِلْ آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما يمكن من الحكم؛ فإنه سيورثك الدَّهش، وغمِّض عما يخفى عليك؛ فحقيق بذي البصر الضعيف ألَّا يقاوي نور الشمس"؛ صيد الخاطر (ص: ١٦٥).



    وقال: "العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم، وأنه مالك، والحكيم لا يفعل شيئًا إلا لحكمة، غير أن تلك الحكمة لا يبلغها العقل، ألا ترى أن الخضر عليه السلام خرق سفينة، وقتل شخصًا، فأنكر عليه موسى عليه السلام بحكم العلم، ولم يطلع على حكمة فعله، فلما أظهر له الحكمة، أذعن؟ ولله المثل الأعلى"؛ صيد الخاطر (ص: ٣٣٨).




    الكلمة الرابعة:

    قد ثبت نقلًا وعقلًا أن واهب العقل أعلى من العقل؛ فما على الإنسان إلا التسليم لما قد يخفى عليه من الحكم، قال جل ذكره: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].



    الكلمة الخامسة:

    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "الواجب على كل مؤمن أن يكِلَ ما أُشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم، وأنه لو اعترض على ذي صنعة أو علم من العلوم التي استنبطتها معاول الأفكار، ولم يُحِطْ علمًا بتلك الصناعة والعلم - لأزرى على نفسه، وأضحك صاحبَ تلك الصناعة والعلم على عقله"؛ مفتاح دار السعادة (٢٧١/ ٢).



    الكلمة السادسة:

    قيل: يأمر كبير السن شابًّا بأمر فلا يرى حكمته ويسخر منه، فإذا كبر وجرب ندم على تركه، هذا وما بينهما خبرة سنين، فكم بين الله وعبده من سعة في العلم؟



    وفي محكم تنزيله: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32].




    الكلمة السابعة:

    قال تعالى عن نفسه: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]، قال المفسرون:

    فالله عز وجل لا يُسأل عما يفعل؛ فله سبحانه الحكمة البالغة، وليس للمخلوق أن يعترض على خالقه، وإن أدركت عقولنا حكمة بعض الأحكام، فستبقى عاجزة عن إدراك البعض الآخر، فيُقال لهؤلاء الذين يعترضون: إن الله من أسمائه الحكيم، والحكمة صفة من صفاته الثابتة له على وجه الكمال، فهو منزه سبحانه عن العبث في أفعاله وأقواله، فمن خفي عليه وجه الحكمة في فعل من أفعاله تعالى أو قول من أقواله، فليتأمل وجه الحكمة في ذلك، سائلًا الله العون والفهم، فإن بلغ عقله فالحمد لله، وإن لم يبلغ عقله العلم بذلك، فما عليه إلا التسليم والانقياد للعليم الحكيم.




    الكلمة الثامنة:

    قال جل ذكره: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، قال العلامة السعدي في تفسيره:

    "... أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم بمصلحته منه كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]؛ تفسير السعدي (الآية: ٢١٦).




    الكلمة التاسعة:

    وذكر جل ذكره قول الملائكة الكرام: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]، قال المفسرون:

    ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ [البقرة: 32]؛ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك، ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا ﴾ [البقرة: 32] بوجه من الوجوه ﴿ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ [البقرة: 32] إياه فضلًا منك وجودًا، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]؛ العليم الذي أحاط علمًا بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، الحكيم من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقرُّوا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.




    الكلمة العاشرة:

    مسائل الشرع وﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ صادرة من الله سبحانه، وﻟﻬﺎ ﺗﻌﻠُّﻖ ﺑﺼﻔﺎته:ﻛﻌﻠﻤﻪ ﻭﺣﻜﻤﺘﻪ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻪ، ﻭﺣﻴﺚ إﻧﻨﺎ ﻧﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﻜﺬﻟﻚ ﻧﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻹﺣﺎﻃﺔ بها، ولا يسَعُنا إلا التسليم، قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].



    الخاتمة:

    والحمد الله العليم الحكيم، وصلى الله على المصطفى الأمين وآله وصحبه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.


    يزن الغانم
    شبكة الأوكة الشرعية



    34881910_606332249720065_267631326023542

     



  17. #موسى_و_فرعون, قرآنية, لطائف


    (قبل أن آذن لكم) أي قبل أن أسمح لكم بذلك ،لأن فرعون لا يرى قيمة لقومه فهو القائل (ما أريكم إلا ما أرى....)(ما علمت لكم من إله غيري) (فاستخف قومه ...)


    (قبل أن آذن لكم) هذه تهمة من فرعون للسحرة المؤمنين، فلا بد من إلصاق التهم حال عجز الطغاة وسقوطهم والزمان عبر ودروس

    (لتخرجوا منها أهلها) فخوفه على عرشه وملكه جعله يظهر بصورة الناصح الحريص ،وهذا هو عين المكر والدهاء السياسي


    (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) وتهمة أخرى من فرعون لموسى عليه السلام بإنه المعلم الأكبر للسحرة حتى يتمكن من القضاء عليهم


    (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو العكس ، وهذا إجرام من هذا الطاغية لم يسبق له


    (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون)
    قال ابن عباس :كانوا سحرة في الصباح وشهداء بررة في المساء بسجدة واحدة بدل الله سيئتهم حسنات !


    (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) في مقام التهديد الأكبر قالوا (لا ضير) أي لا يهم ، لم يأبهوا في الوعيد الشديد من فرعون


    (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا) لم يقولوا : خطيئتنا بصيغة جمع القلة ، بل قالوا خطايانا بجمع الكثرة طمعا في رحمة الله، الكفار يقولون لأصحابهم (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) أي كلها ، وهذا إغراء منهم

    (قالو لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي..) بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب يضحي أصحابها بكل شيء بل لا يرون لها بديلا


    (قالو لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات) وهل كان يقع فى الحسبان أن جماعة من رعايا فرعون وعابديه سيأتي لهم يوم يقف فيه هؤلاء العباد فى وجه هذا الإله موقف التحدّى، بل والاستخفاف والسخرية؟ ولكنه الإيمان، يفعل المعجزات، ويقلب الأوضاع والمواضعات


    (فاقض ما أنت قاض) أشد شيء على الطغاة والمستبدين أن يروا شعوبهم باعوا حياتهم لله ،فضحوا بجميع مكتسباتهم لله فلا شيء يخسرونه


    (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا)
    أي اصنع ما بدالك ، فلن تستطيع التعذيب والتنكيل إلا في الدنيا ، وهي قصيرة لا تساوي شيئا
    فسلطانك مقيد بها، ومالك من سلطان علينا في غيرها. وما أقصر الحياة الدنيا، وما أهون الحياة الدنيا. وما تملكه لنا من عذاب أيسر من أن يخشاه قلب يتصل بالله، ويأمل في الحياة الخالدة أبدا


    (وما أكرهتنا عليه من السحر)
    قال العلماء : أكرههم فرعون على المجئ لمناظرة موسى ، فلما حضروا اشترطوا على فرعون
    والدليل أنهم لم يخرجوا باختيارهم قوله تعالى (فجمع السحرة لميقات يوم معلوم)
    والفعل (جمع) فعل مبني للمجهول
    والفعل مجهول وهذا دليل على أنهم أكرهوا للخروج


    (والله خير وأبقى)
    قال القرطبي رحمه الله : وهو جواب قوله (ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)


    (إنا إلى ربنا منقلبون) قال السحرة لفرعون: قد تحققنا أنَّا إلى الله راجعون، وأن عذابه أشد من عذابك، فلنصبرنَّ اليوم على عذابك؛ لننجو من عذاب الله يوم القيامة


    (وما تنقم منا إِلّا أن آمنا بآيَات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين)
    قال السحرة: وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله وحججه وبراهينه لما رأيناه وصدقناها (ربّنا أفرغ علينا صبرًا) أي اصبب صبا ذريعا وهب لنا صبرا واسعا وأفرغه علينا (وتوفّنا مسلمين)


    قتّل فرعون السحرة وصلبهم، وهو أول من سن الصلب، وانتهى أمر السحرة إلى جنات الخلد بإذن الله تعالى، فكانوا في الصباح سحرة وفي المساء شهداء بررة، وطويت صفحتهم في هذه الدنيا، وفضلوا موعود الآخرة على موعود الدنيا


    جاء عند السمعاني (واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصّلاة) ذكر أهل التفسير أن فرعون أمر بتخريب كنائس بني إسرائيل وبيعهم لما جاء موسى ودعاه إلى الله، فأمرهم الله تعالى أن يأمر بني إسرائيل أَن يتخذوا في بيوتهم المساجد، فهذا معنى (واجعلوا بيوتكم قبلة)
    يعني: مسجدا


    (إلى فرعون وهامان وقارون)(وقارون وفرعون وهامان)آية غافر قدمت فرعون، وآية العنكبوت قدمت قارون، ما التعليل في سياق غافر الكلام على إرسال موسى عليه السلام، وأولى الناس برسالته ودعوته فرعون
    فقدم في السياق في العنكبوت الكلام على القرابة وقارون ابن عم موسى فقدم عناية به


    (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة ...) وردت آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم منها : أن فرعون مكث أربعين سنة بعد دعوة موسى عليه السلام وجاء عن مجاهد رضي الله عنه قال: بعد أربعين سنة


    (قال قد أجيبت دعوتكما) الداعي هو موسى عليه السلام ، والذي يُؤمّن هو هارون عليه السلام ، فصار الداعي والمؤمن شريكين في الدعاء


    (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه...) أساليب الطغاة تتكرر، محاولة ثني المصلحين عن دعوتهم بقتل أبنائهم وكسر إرادتهم


    (وقال فرعون ذروني أقتل موسى) وهكذا منطق الطغاة والمستبدين طلب التفويض من مجتمعاتهم في قتل الدعاة والمصلحين


    قال قتادة في (ولقد أخذنا آل فرعون بالسّنين) أخذهم اللّه بالسنين بالجوع عامًا فعامًا (ونقص من الثمرات)
    فأما السّنون فكان ذلك في باديتهم وأهل مواشيهم، وأما بنقص من الثّمرات فكان ذلك في أمصارهم وقراهم تفسير ابن جرير


    في الأعراف (يقتلون أبناءكم ويستيحون نساءكم) في البقرة (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) ما الفرق !؟ في الأعراف جاء الفعل(يقتلون)لمناسبة قول فرعون قبلها(سنقتل) وأيضا القتل فيها شناعة وذلك أن فرعون توعد بني إسرائيل انتقامًا منهم، لذا جاء في أول الآية(أنجيناكم) للسرعة


    (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) لم يؤمن من القبط إلّا ثلاثة نفر: امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون والّذي جاء فقال يا موسى (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك)
    تفسير السمعاني


    (فاتبعوهم مشرقين) مشرقين : ظرف زمان ، أي حال شروق الشمس تبعوهم القرآن الكريم حدد وقت الحدث بدقة متناية (مشرقين) وهذا الحدث في غابر الزمن ! فهل يستطيع بشر أن يأتي بمثل هذا الخبر ، غير الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بوحي السماء !


    (قال كلا إن معي ربي سيهدين) وهذه لغة الواثق بربه المسلم لأمره وتدبيره وقضائه تلازمت الهداية مع لفظ الرب في القرآن الكريم أكثر من عشرين آية فالرب هو الهادي للأخلاق الحميدة المعلم (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)(قل إنني هداني ربي)
    كما قال نبينا عليه السلام لأبي بكر (إن الله معنا) ولكن قول النبي عليه السلام أعظم من قول موسى عليه السلام فلفظ (الله) أعظم من لفظ (رب) و(معنا) أوسع من (معي)


    (فاليوم ننجيك ببدنك ..)
    قال قتادة رحمة الله : أنكر طوائف بني إسرائيل هلاك فرعون فقذف الله على ساحل البحر ينظرون إليه


    قال فرعون (وهذه الأنهار تجري من تحتي) وفي لمحة بصر صار هو تحت الماء (حتى إذا أدركه الغرق) !!


    (آمنتم به) (آمنتم له)
    إنها المعركة على العقيدة، بمجرد إعلان أصحابها أن عبوديتهم خالصة لرب العالمين بل بمجرد إعلان أن الله رب العالمين!
    إذن ثمة فرق كبير بين (آمنتم به)و(آمنتم له) فالأول التصديق لموسى والثقة به والثاني التسليم المطلق لدعوته ومنهجه وإصلاحه
    ونظير ذلك قوله تعالى (يؤمنون بالله)(إن كنتم آمنتم بالله)وهذا إيمان شرعي بالله تعالى (فآمن له لوط)(فإن لم تؤمنوا لي) وهذا إيمان استجابة وتسليم وهنا ملحظ وهو أن الإيمان الشرعي لا يكون إلا معدًا بالباء



    #موسى_و_فرعون, قرآنية, لطائف

  18. العجب كل العجب ممّن يكون الهُدهُد أصدق منه في توحيده ، والنمل أقوى منه في تنظيمه وحسن ظنّه ؛ ﴿ وفي أنفسكم أفلا تُبصِرون ﴾./ فرائد قرآنية

    ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ كررهامراراً وتأمل في نفسك لِتعلم عظمة الله في خلقه واشكره على نِعمه / روائع القران


    (وفي السماء رزقكم) الرزق (مرفوع) : لكي لا تذل رقبتك بالانحناء ، ولا قلبك بالتلفت والعناء /عقيل الشمري

    (وفي الأرض آيات...وفي أنفسكم...وفي السماء..) "المتفكر : كل السبل تقوده إلى الله ." / د.عقيل الشمري

    اطمئن .... لن يستطيع أي مخلوق أن يقطع رزقك ! { وفي '' السماء '' رزقكم وما توعدون { / نايف الفصل

    تذكّر .. أن عليك أن تعبده كما أمَرك .. وعليه ( تفضُّلا ) أن يرزقك كما وعدك ! قال ﷻ { وفي السماء رزقكم وماتوعدون } . / الشيخ ناصر القطامي

    غلاء السعر ورخصه لا يغير رزقا قد كتبه الله لك وأنت في بطن أمك،ولو كان الرزق في اﻷرض لهلك الناس،ولكنه في السماء(وفي السماء رزقكم وما توعدون). . / سعود الشريم

    التدبر لا يحتاج شهادات ودراسات عليا .. سمع أعرابي ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) فقال : من ذا الذي أغضب الجليل حتى أقسم ؟./ ماجد الغامدي

    " قالوا ( سلاماً ) قال ( سلامٌ ) " حياهم أحسن من تحيتهم فإن قولهم سلاما ( بالنصب ) يدل على سلمنا سلاما وقوله سلام ( بالرفع ) أي سلام عليكم / أبو حمزة الكناني

    (فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) ذهب مسرعا مختفيا وجاء بالذي يسر،،هكذا الكرام يفاجؤون الضيوف،،/ وليد العاصمي

    ( فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم ) "الضيف يُكرم لا يشاور ولا يستأذن، أكرم إبراهيم الملائكة ولو استأذنهم لامتنعوا لأنهم لا يأكلون ." / عبد العزيز الطريفي

    (فقَرَّبه إليهم) من أدب الأنبياء تقريب الطعام للضيف،،لا أن تنقل الضيف من مكان لآخر./ وليد العاصمي



    (فأوجس منهم خيفة) ثم بشروه بغلام عليم ﻻ تستعجل : من تنفر منه في (قلبك) قد يكون معه سعادة (عمرك) / عقيل الشمري

    (فأوجس في نفسه خيفة موسى ، قلنا لا تخف)....ما أسرع فرج الله خاطرة خوف مرت بقلبه فجاءه التثبيت قبل أن ينطق لسانه . / ام لارين

    "عجوز عقيم" ولكن رحمة الله بعبده إبراهيم ولطفه به وقدرته سبحانه أرسل الملائكة "وبشروه بغلام عليم"! فلا تيأس مهما ضاقت بك السبل! / عطا الله يحيى البلوي

     


  19. يشتكي المربون من تلميذ يُعطل سير الحصة بسبب كثرة كلامه.

    يشتكي الموظفون من موظف ثرثار يتدخل في شؤونهم وينقل الكلام فيما بينهم.

    تشتكي الجارات من إحداهن بأنَّها ثرثارة، ولا تترك فرصة لأحد كي يتكلَّم، وتُفشي أسرار البيوت.



    مَن هو الثرثار؟

    الثَّرْثار: الذي يكثر الكلامَ في تكلُّفٍ وخروج عن الحد[1].

    وفي الحديث: ((وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون)).



    الثرثرة تكون على صور؛ منها:

    1- الكلام فيما لا يَعنيه؛ بحيث لو سكت عنه لم يأثم ولا يلحق به ضررٌ؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حُسن إسلام المرء: تركُه ما لا يعنيه))؛ حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.


    2- فضول الكلام؛ قَالَ عطاء: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَالْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ لِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا، أَتُنْكِرُونَ: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10، 11].


    قال ابن القيم: أكثر المعاصي إنما تولُّدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان.


    3- الخوض في الباطل؛ كالحديث عن المجالس التي تمارس فيها المنكرات والمعاصي، والآثام من مثل شرب الخمر[2].



    ما أسباب الثرثرة؟

    1- البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، ويتأثر به سلبًا أو إيجابًا.


    بيئة الطفل الأولى (الأسرة) إحدى الأسباب التي تكمن وراء كثرة الكلام:

    فالطفل سريع التأثر بمن حوله كالوالدين والإخوة، ويُحاكيهم في الكلام والحركات أولًا،كما أنَّه يُحب الاستطلاع أو التعبير عن قدرته في نُطق ما تعلَّمه من ألفاظ وعبارات بتشجيع من الأهل ثانيًا.


    ينتقل الطفل إلى بيئة أخرى، وهي المدرسة أو الحي، فتراه يتأثر بمن حوله غالبًا.


    2- الجهل بأمور دينه بشكل عام، وبخطورة الكلمة على وجه الخصوص،فهناك من لا يَتَوَرَّع عن ذكر أحوال الآخرين في غيابهم، ويقوم بتقليدهم، وعندما يُقدَّم له النصح يرد: هذا واقع وأنا لا أقول إلا الصِّدق.


    3- الإهمال: يؤدي إهمال الطفل من قِبَلِ والديه أو أُسرته وانشغالهم عنه إلى الكبت، فيلجأ إلى تفريغ كل ما يجول بخاطره إلى أصدقائه في المدرسة.وبالنسبة لبعض كبار السِّن فيميلون للثرثرة بسبب الفراغ، فتراهم حينما يجتمعون بالأقارب والأصدقاء، يُكثرون من الحديث عن الماضي والأقارب والأصدقاء.


    4- الكِبر والغرور وحب الظهور أمام الآخرين، فهو دائم الحديث عن نفسه.


    5- الفضول: يدفع الفضول البعض لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن الآخرين، فيُحاصرهم بأسئلته وكأنه يريد أن يصل إلى شيء، ثم لا يتورَّع أن يتكلم بكل ما سمع.



    أضرار الثرثرة:

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كثُر كلامُه كثُر سقطُه.


    ما السقطات التي يقع بها الثرثار؟

    1- الغيبة والنميمة.

    الغيبة: هي ذكرُك أخاك بما يكره بالقول أو الإشارة أو المحاكاة، وربما أوصل للبعض ما يُقال عنهم، فيقع في النميمة وكلتاهما- الغيبة والنميمة - حرام، ومتلازمتان، فَالواحدة تؤدي للأخرى، تمزقان الأواصر، وما أكثر الأواصر التي قُطِّعت والبيوت التي دُمِّرَت بسبب ثرثرة مجالس!


    2- إفشاء الأسرار:

    البيوت أسرار، أيُّنا يُحب أن يعلم الناسُ أسرارَ بيته؟!

    الثرثار ليس أمينًا على سِر، فلا يهدأ باله إن علم بأمرٍ - رآه في بيت أحدهم أثناء زيارته أو سمعه، أو حتى تسمَّع إليه - إلَّا أن يُذيعه ويتحدث به، ولكم أن تتخيلوا ماذا يحدث بعد ذلك، يتناقل الناس الأخبار التي يرويها بسرعة البرق; فيتأذى من كُشِفَ سِرُّه، العجيب أنَّ الثرثار في كثير من الأحيان يكشف أسرار عمله وأسرار بيته وبيوت أقاربه؛ حتى تُصبح البيوت التي له بها علاقة وكأنَّها كتاب مفتوح يقرأ منه الجميع.


    3- ضياع الوقت بما لا فائدة فيه; فالوقت كنزٌ ثمين ينبغي على المرء استغلاله بما يعود عليه بالنفع.


    4- التعرُّض لمواقف مُحرجة، الثرثار يتعرض لمواقف محرجة؛ كأن يقول له أحدهم: وما شأنك أنت؟ أو لا تتدخل فيما لا يعنيك، أو يُنبذ من البعض بسبب كثرة كلامه.


    5- نشر الشائعات.

    الشائعة خطيرة ينبغي على المسلم إن سمع شيئًا ألا يُسهم في نشره إلا بعد التأكد من صحته؛ كي يبقى المجتمع المسلم نقيًّا طاهرًا.


    متى نتكلَّم؟ ومتى نصمت؟


    إن من شروط الكلام النافع:

    1- أن يكون الكلام لداعٍ يدعو إليه؛ إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرٍّ.

    2- أن يأتي به في موضعه، ويتوخَّى به إصابة فرصته.

    3- أن يقتصر منه على قدر حاجته.

    4- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به[3].


    لذا ينبغي على المرء أن يسأل نفسه قبل أن يتكلم: هل هناك ما يستدعي الكلام؟ فإن وجد تكلَّم، وعلى قدر الحاجة وبأحسن الألفاظ، وإلَّا فالصمت أولى مع مراعاة آداب الحديث التي منها: تقديم الكبير، والإنصات للمتكلم.



    كيف يكون علاج الثرثرة؟

    الثرثار فرد يعيش بيننا تربطنا به روابط أُخوة، أو قرابة أو صداقة، هو ليس شريرًا - كما يحلو للبعض وصفه - أو وباءً نفرُّ منه، بل هو إنسان مُثير للشفقة؛ لأنَّه مصابٌ بآفة في لسانه[4] تأثيرها خطير على دينه وعلى علاقاته الاجتماعية، يتحتَّم عليه أن يسعى للعلاج، ويجب علينا مساعدته.


    كيف يُعالج الثرثارُ نفسه؟

    أولًا: الاستعانة بالله عزَّ وجل وطلب العون منه.


    ثانيًا: قلة الكلام بحمل نفسه على الصمت والتدرُّب عليه، فلا يتكلم إلا لحاجة.


    ثالثًا: استغلال أوقاته بما يعود عليه بالنفع؛ من مثل: التسبيح والاستغفار، وتعليم الأطفال، وحضور حلقات، أو أي عمل حلال يعود عليه وعلى مَن حوله بالنفع والفائدة.


    رابعًا: مصاحبة الفضلاء؛ عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)؛ رواه البخاري ومسلم.


    خامسًا: اجتناب مجالس السوء.


    أما مساعدة الآخرين فتكون بالآتي:

    1- البداية تكون من البيت بتجنُّب الحديث أمام الطفل بأمور لا تخصه، وتعليمه آداب الحديث، وأهمها الإنصات للآخرين، أما ثرثرة التلاميذ، فعلاجها يكون بالتعاون بين الأهل والمدرسة لمعرفة السبب وعلاجه، ومن طرق العلاج: توجيه الطفل لِلتعبير عن الكلام بالقراءة أو الكتابة أو الرسم، أو استغلال مواهبه بالتمثيل في الإذاعة المدرسية أو المشاركة في النشاطات المدرسية؛ ليلتفت إلى أمر آخر غير الكلام.


    2- التعاون فيما بيننا، بألا نسمح للمعاصي أن تحدث في مجالسنا؛ كالغيبة أو النميمة، أو التدخل في شؤون الآخرين; لتكون مجالس خيرٍ وبركة، وفي حال وقوعها علينا الإنكارُ من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجبُّ الغيبة (دفعُها) عن المسلمين؛ لننجوَ جميعًا من الوقوع في المعصية؛ عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغِيبة، كان حقًّا على الله أن يعتقه من النَّار))؛ رواه أحمد.


    3- علاج الجاهل بأمور دينه، أو من لا يشعر بخطورة الكلمة، يكون بتعليمه أمور الدين أولًا، وتذكيره بضرورة مراقبة الله عز وجل في السِّر والعلن، ولا بد له من التدرُّب على الصمت، فاللسان عضو يحتاج إلى مران وعدم إهمال؛ فليس كل شيء يُقال، وليس كل ما يقال لا إثمَ فيه، فنحن محاسبون، وهناك ملكان يسجلان علينا ما ننطق؛ قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].


    4- علاج المغرور يكون بتذكيره بعظيم فضل الله عزَّ وجل عليه، فالمال والجمال والحسب كلها مِنح ربانية ليست مِن صُنع الإنسان، لكنَّ أخلاقه من صنعه فليتركها تُنبئ عنه.



    متفرقات:

    يقول ابن الجوزي: ينبغي لمن تظاهرتْ نِعَمُ الله عز وجل عليه - أن يُظهر منها ما يُبين أثرَها، ولا يكشف جُملتها، فإنَّ العين حق، والنفس يُعجبها إظهار النِّعم إلا أنَّها إن ظهرت لودود لا يُؤمن باطنه من الغيظ، وإن ظهَرت لعدوٍّ، فالظاهر إصابته لموضع الحسد. ويختم الفصل بقوله: ولا تكن من المَذاييع [5] الغر الذين لا يحملون أسرارهم حتى يُفشوها إلى من لا يصلح، ورُبَّ كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان[6]؛ قالها في زمن كانت وسائل التواصل بين البشر المجالس التي يجتمع فيها الأهل والأصدقاء، ما أشبهها بالثرثرة على الهواتف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي!


    • كان أبو بكر يوصي القادة بقوله: لا تكثر الكلام؛ لأنَّه يُنسي بعضه بعضًا.

    • قيل: إذا أكثرتَ من الكلامِ فأكثرْ من الاستغفار.

    • قيل: الصمت يُعين المرء على استجماع أفكاره.

    • قيل: لا تؤذِ أحدًا بأشواك لسانك.


    أجارني الله وإيَّاكم من ثرثرة تُوقعنا في المعاصي والآثام.

    [1] المعجم الوسيط.

    [2] كيف تغدو فصيحًا عفَّ اللسان؛ محمَّد حسان الطيَّان.

    [3] أدب الدنيا والدين؛ الماوردي.

    [4] الآفة: كل مَا يُصِيب شَيْئًا فيُفسده؛ مِن عاهة، أَو مرضٍ، أَو قحط.

    [5] المِذْياع: الذي لا يكتمُ السرَّ، وقوم مَذايِيعُ.

    [6] صيد الخاطر؛ ابن الجوزي.

    أميرة محمود عبدالله
    شبكة الالوكه


  20. (7) اسم الله (السميع)


    الحمدُ للهِ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، فلا تَخْتَلِفُ عليهِ أصواتُ الخلقِ، ولا تَشْتَبِهُ عليهِ ولا يَشْغَلُهُ منها سَمْعٌ عنْ سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُهُ المسائلُ، ولا يُبْرِمُهُ كثرةُ السائِلِينَ.

    المعنى اللغوي للاسم:
    السميع في اللغة على وزن فعيــل من أبنية المبالغة، والسمع في حق المخلوقين هو: ما وَقَر في الأذن من شيءٍ تسمعه.

    ورود الاسم في القرآن الكريم:
    ورد اسمه تعالى السميع في القرآن خمسًا وأربعين مرة؛ مما يدل على أهمية الاسم لا شك.. منها قوله تعالى: {..رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة:76]، وجمع بين اسمه تعالى السميع والبصير في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان:28]، وجمع بينه وبين اسمه تعالى القريب، في قوله: {..إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ:50].

    معنى الاسم في حق الله تعالى:
    قال الخطابي رحمه الله: "السميع: هو الذي يسمع السر والنجوى، سواء عنده الجهر والخفوت، والنطق والسكوت"، والسماع قد يكون بمعنى القبول والإجابة.. فمن معاني السميع: المُستجيــب لعبـــاده إذا توجهوا إليـــه بالدعــاء وتضرعوا، كقول النبي: «اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ومن دعاء لا يُسمع..» (صحيح الجامع:1297). أي: من دعاء لا يُستجـــاب.

    وذكر الإمام ابن القيم رحمهُ الله أن السمعُ يُرَادُ بهِ أربعةُ مَعَانٍ:
    أحدُهَا: سَمْعُ إِدْرَاكٍ؛ ومُتَعَلَّقُهُ الأصواتُ، ومنه قوله تعالى {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1]، وقوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ..} [آل عمران:181]
    الثاني: سَمْعُ فَهْمٍ وعَقْلٍ؛ ومُتَعَلَّقُهُ المعاني، ومنه قولُهُ: {..لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا..} [البقرة:104]، لَيْسَ المرادُ سَمْعَ مُجَرَّدِ الكلامِ، بلْ سَمْعَ الفَهْمِ والعَقْلِ، ومِنْهُ: {..سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا..} [البقرة:285].
    الثالثُ: سَمْعُ إجابةٍ وإعطاءِ ما سُئِلَ، ومنه قولنا: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، أيْ: اللهم أَجِبْ وَأَعْطِ مَن حَمِدَك.
    الرابعُ: سَمْعُ قَبُولٍ وانْقِيَادٍ، منه قولُهُ تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ..} [المائدة:41]؛ أيْ: قَابِلُونَ لهُ وَمُنْقَادُونَ غيرُ مُنْكِرِينَ لهُ، ومنهُ على أَصَحِّ القَوْلَيْنِ: {..وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ..} [التوبة:47]؛ أيْ: فيكم قَابِلُونَ وَمُنْقَادُونَ (بدائع الفوائد:2:75،76- بتصرف)

    يقول ابن القيم في قصيدته النونية (النونية 2:215):
      وهو السَّميعُ يَرى ويَسْمعُ كلَّ ما *** في الكون من سِرٍّ ومن إعلانِ
    ولكلِّ صوتٍ منه سمعٌ حاضرٌ *** فالسِّرُّ والإِعلان مستويــــــانِ
    والسَّمعُ منه واسعُ الأصواتِ لا *** يخفى عليه بعيدُهـــا والدانـــــي

      آثـــــار الإيمــان باسمه السميـــــع:
    1- إثبــــات صفة السمع له سبحانه وتعالى كما وصف الله عزَّ وجلَّ نفسه. فهو سبحـــانه سميع ذو سمع، ونحن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه بلا تحديد أو تكييف، يقول تعالى: {..لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11].
    2- إن سمع الله تبـــارك وتعالى ليس كسمع أحد من خلقه. فسمعه سبحانه وتعالى مُستغرق لجميع المسموعات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي، سرًا كان أو جهرًا. عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي وأنا في ناحية البيت تشكو زوجها وما أسمع ما تقول، فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا..} (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
    3- لا يستجيب الله تعالى دعـــاء اللاهي والمرائي، إنما يستجيب للدعـــاء الخـــالص. عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان الربيع يأتي علقمة يوم الجمعة فإذا لم أكن ثمة، أرسلوا إليَّ فجاء مرة ولست ثمة، فلقينى علقمة وقال لي: ألم تر ما جاء به الربيع؟ قال: ألم تر أكثر ما يدعو الناس وما أقل إجابتهم، وذلك أن الله عزَّ وجلَّ لا يقبل إلا الناخلة من الدعاء، -الناخلة: الدعاء الخـــالص الذي لا تشوبه شائبة-، قلت: أو ليس قال ذلك عبد الله -أي:عبد الله بن مسعود؟- قال: وما قال؟ قال: قال عبد الله: لا يسمع الله من مسمع ولا من مراء ولا لاعب، إلا داع دعا بتثبت من قلبه" (صحيح الأدب المفرد:606)

    حظ المؤمن من اسم الله تعالى السميع:
    1- الله سبحـــانه وتعالى يسمع دبيـــب قلبك.. فالحذر الحذر أن يجد قلبك مُعْرِضًا عنه سبحـــانه، مُقبلاً على ما لا يرضى!
    2- دوام الدعاء لله تبارك وتعالى.. فهو سبحانه وتعالى سميع الدعاء، فلُذ بربِّك والجأ إليه بكثرة الدعاء، وخذ بأسباب الإجابة حتى يكون دعاءك أحرى للقبول إن شاء الله تعالى.. ادعُ ربَّك وأنت موقن بالإجابة، بقلب يقظ غير غافل، متحريًا ساعات إجابة الدعاء..
    3- أكثر من الشكوى لربِّك السميع سبحـــانه. كما كان نبي الله يعقوب يقول {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ.} [يوسف:86]. وكما كان حال إبراهيم عليه السلام: {..إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114]، أي: كثير التأوه، كهيئة المريض المتأوه من مرضه، فكان كثير الشكاية والدعـــاء لربِّه، حَلِيمٌ بين الناس أي: ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، فاشكُ حــالك إلى ربِّك السميـــع البصيـــر، الذي يسمع كلامك ويرى مكانك ويعلم سرك ونجـــواك.
    4- الله تعالى يسمع دعــائك في كل حـــال.. قال تعالى: {..وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء:110]، سواءً جهرت بدعائك أو أسررت به، يسمعك الله تعالى، فادعُ بصوت أدعى للخشوع والإخلاص، ولا تتكلَّف.
    5- دوام المراقبـــــة لله سبحانه وتعالى في السر والعلن.. فالمؤمن الموحِد يراقب ربَّه في سره وعلانيته؛ لعلمه أن ربَّه يسمعه من فوق عرشه وأنه عليمٌ بسره ونجواه، والآية التي ترتعد منها الفرائص، قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80]، فإلى أين تذهب يــــا مسكيـــن؟! أتحسب أنك ستنفذ من سمع الله عزَّ وجلَّ وبصره؟! فالصــادق في توحيده لربِّه السميــــع، لن يسمع إلا ما يحب ربَّه ويرضـــاه.. 6- احفظ سمعك، يستجب الله دعائك.. فكما إن الله سبحانه وتعالى سميـــع مُجيــب للدعـــاء، ينبغي أن لا يسمع العبد سوى ما يحب ربَّه ويرض، أما إذا صرف العبد حاسة السمع في ما لا يُرضي الله عزَّ وجلَّ؛ كسماع الأغاني والمعازف وسماع المُنكرات، أو التجسس على النــاس، ستكون عقوبته من جنس عمله، فلا يستجيب الله تعالى لدعائه. وحاسة السمع من أهم الحواس وأقواها في الإداراك، لذا قدمها الله تعالى في كلامه عن حواس البشر، قال تعالى: {..إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36]، فينبغي أن يستغلها العبد في سماع دروس العلم؛ حتى تكون المعلومات أسهل في الاستحضار بعد ذلك، ويحفظ العبد سمعه بالتزامه منهج الله تعالى..
    7- من أراد الشهرة وذيـــاع الصيــت، سمَّع الله به، أي فضحه على رؤوس الخلائــق يوم القيــامة.. عن جندب قال: قال النبي: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» (متفق عليه)

    كيف ندعو الله سبحـــانه وتعالى باسمه السميـــع؟
    ورد الدعـــاء باسم الله تعالى السميـــع في أكثر من موضع من الكتـــاب والسُّنَّة، منها: دعـــاء إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، وقوله تعالى عن امرأة عمران: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران:35]، ودعاء زكريا عليه السلام: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران:38]، وعن أبان بن عثمان قال: "سمعت أبي يقول: قال رسول الله: «ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فيضره شيء»" (رواه أبو داوود وصححه الألباني)
    نسأل الله تبـــارك وتعالى ألا يسمع منا إلا ما يحب ويرضى، وألا يطلِّع في قلوبنـــا إلا على ما يُحب..  


    المصدر: موقع الكلم الطيب


  21. 35266902_608296406190316_863210145133572

    عباد الله، حديثي معكم في هذه الخطبة سيكون عن أمر بالغ الأهمية، أمر نحتاجه في جميع شؤون حياتنا: في أعمارنا وأرزاقنا، وأولادنا وأزواجنا، وطعامنا وشرابنا، وعِلمنا وعملنا، وبيعنا وشرائنا، أمر لا يمكن لنا أن نستغني عنه في شيء من أمورنا الدنيوية، ألا وهو البركة.

    عباد الله، إن الواحد منا لما يتأمل في حال الناس في هذا الزمان، لا شك أنه سيلحظ أن البركة قد فُقدت عند الكثير منهم، رغم أنهم دائمًا يدعون بها في المناسبات، والنجاحات، وغيرها، والطامة الكبرى أن غالب الناس لا يتنبه إلى فقدها، ولا يحزن على فقدها، فضلًا عن أن يعمل أسباب تحصيلها.


    عباد الله، لو استعرضنا حالنا اليوم حينما نُزعت منا البركة، والله لوجدنا ما يُحزن:

    الذرِّيةُ التي يقول الله تعالى عنها: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، صارت عند بعض الناس مصدر شقاء ومتاعب، لماذا؟ لأنه لم يُبارَك فيهم.

    الزوجة التي يقول الله عز وجل عنها في كتابه: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، لا ألفة، ولا مودة، ولا رحمة، المشاكل، والخلافات، والمحاكم، لماذا؟ لأنه لم يُبارَك فيها.

    المال نُزعت منه البركة؛ الشخص دخلُه في الشهر ثلاثة آلاف درهم أو أقل أو أكثر، يأتي آخر الشهر لم يبقَ منه شيء، لا يدري كيف صرفه.

    الذي يعمل في البيع والشراء في المحلات التجارية يشكو من قلة البركة، الفلَّاح تجد في رأس ماله الملايين وجيرانه وأقاربه فقراء محتاجون، فلا يتصدَّق عليهم، يموت ولم يبنِ له مسجدًا ينفعه في الآخرة، لماذا؟ لأن البركة نزعت من ماله.


    أعمارنا، تمر السنة والسنتان والعشر، والواحد منا لم يتجاوز مكانه، في عبادته، في علمه، في حفظه لكتاب الله، في تفقهه في دينه، وإن تقدم فشيئًا يسيرًا، يعيش الواحد منا ستين وسبعين سنة، وربما لم يحفظ ربع حزب من القرآن، لماذا؟ لأنه لم يبارك في عمره.

    ومما يزيد الأمر خطورة عباد الله أننا سوف نُسأل عن أعمارنا: فيمَ قضيناها؟ يقول النبي: ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره: فيمَ أفناه؟)).

    ماذا بالله عليكم نقول لربنا إذا سألنا عن أعمارنا: فيم أفنيناها؟ نقول: نصف أعمارنا ضائع فيما لا فائدة منه، وكل يعرف حاله.


    عباد الله، كم حضرنا من مجالس علم؟ وكم سمعنا من خطب ودروس؟ أين أثر ذلك علينا وعلى أهلنا ومجتمعنا؟ لا شيء، لماذا؟ لأنه لم يبارَك فيه، لماذا؟ ربما لأننا لم تكن لنا نية خالصة لله، أو ربما لأننا لم نستشعر المسؤولية الملقاة على عاتقنا والتي سنحاسب عليها.



    السؤال الذي يطرح هنا: ما السبب في نزع البركة؟ أقول وبالله التوفيق: نزع البركة له أسباب كثيرة أهمها ما ستسمعونه:

    السبب الأول: كثرة المعاصي؛ فالمعصية لها أثر كبير في مَحقِ البركة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه)).

    قال ابن القيم رحمه الله: "ومن عقوبة المعاصي: أنها تمحق بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة أنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة في عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما مُحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق".



    السبب الثاني: الغش والخداع، ما أكثر الغش والخداع في حياتنا! في البيع والشراء، في العقود التي نعقدها.

    السبب الثالث: أكل المال الحرام بشتى صوره، وأعظم ذلك وأكبره أكل الربا، وما أكثر من يتعامل بالربا في زماننا! يقول سبحانه وتعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276].

    السبب الرابع: أخذ مال الناس بغير حقه: كالتجارة في المحرمات، أو من أُوكل إليه شيء كالإرث والوصية والوكالة والأمانة ونحوها، أو من أخلَّ بعمله أو وظيفته، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فمن يأخذ مالًا بحقه، يبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه، فمَثَلُه كمثل الذي يأكل ولا يشبع)).

    السبب الخامس: الطمع والجشع والحرص في طلب الدنيا؛ فيرغب لها ويحب لها ويبغض لها، ويرتكب ما حرم الله عليه لها، قال صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرة حُلوة، فمن أخذه بسخاوةِ نفسٍ بُورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى))، نعم، ابحث عن المال لكن بطيب نفس، وسخاء حال، وراحة بال، واحذر الجشع والطمع والطلب الزائد.

    السبب السادس: منع الزكاة؛ فلا يدفعها، أو يبخل بها، أو يخرجها من غير طيب نفس، أو يتجاهلها؛ فمنعها والتساهل بها من أعظم أسباب محق البركة.

    السبب السابع: البخل وعدم الإنفاق؛ ولذلك فإن البخيل تدعو عليه الملائكة كل يوم بالتلف، وفي المقابل تدعو للمنفق بالخلف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا))؛ متفق عليه.

    عباد الله، هذه إذًا هي أهم أسباب فقدان البركة، لكن ما المخرج من ذلك؟ وما السبيل إلى حصول البركة؟ وماذا نعمل حتى تحصل لنا البركة ونسعد بما يعطينا الله من نِعَمٍ؟


    عباد الله، إن الأسباب التي تُستجلب بها البركة كثيرة، لكن نظرًا لضيق الوقت فإني سأذكر أهمها:

    السبب الأول:تقوى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، وقال عز وجل: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16].

    فالقضية عباد الله في التقوى والاستقامة على شرع الله، فإذا نحن فعلنا ذلك، فتح الله علينا بركات السماء والأرض.


    السبب الثاني: الاهتمام بالقرآن وجعله أولى الأولويات تعلمًا وتعليمًا، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأنعام: 155]، وقال عز وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29].

    السبب الثالث: مداومة الاستغفار: قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10، 11، 12].


    السبب الرابع: الدعاء، خصوصًا في الأماكن المباركة كالمساجد؛ فهي أفضل البقاع، وفي الأزمنة المباركة: كشهر رمضان، والشهر المحرم، وعشر ذي الحجة، ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل.

    اللهم اكتب لنا من البركة والتوفيق أوفر الحظ وأتم النصيب، اللهم بارك لنا في أعمارنا، وأعمالنا، وفي أزواجنا وذرياتنا، وفي أموالنا وفي أوقاتنا، وفي صحتنا وعافيتنا، واجعلنا يا رب مباركين أينما كنا.

    اللهم قنِّعنا بما رزقتنا، وبارك لنا فيه.


    د. لحسن العيماري
    شبكة الألوكه

    35225442_608296649523625_494702442051534

     


  22. عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى وطاعته: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

    عباد الله، الناس صنفان، صنف لهم قبول عند الناس، ترتاح القلوب لحديثهم، وتأنس النفوس بمجالستهم، وتسَرُّ برؤيتهم، يمازِحون ويمْزَحون، وصنف آخر عكس ذلك تمامًا، فحضورهم يعكر المجالس، وحديثهم يكدر الخاطر، كلماتهم لا تطيقها الأسماع، ويتقي الناس مزاحهم وحديثهم ومجادلتهم؛ خوفًا من عواقب شرهم، فمن هم هؤلاء الناس يا ترى الذين ينتمون إلى الصنف الثاني؟!

    أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام))، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألَنْتَ له الكلام، قال:
    ((أي عائشةُ، إن شر الناس من تركه الناس - أو وَدَعَه الناس - اتقاء فحشه))
    وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "ألأمُ شيءٍ في المؤمن الفحش"، فالفحش خلق مذموم، ومن يتصف به فقد أساء لنفسه وظلمها، وقد جعل بينه وبين الناس حواجز، فإياكم والفحش، ومن جاهد نفسه في الله من أجل أن يتخلص من هذا الخلق، فسيوفِّقه الله، وقد جاء في حديث أخرجه الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ((الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر...))؛ الحديث؛ (قال أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إسناده صحيح 12/ 4645).


    ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة الحسنة؛ فقد كان أحسن الناس خلقًا، وأبعدهم عن الفحش والتفحش؛ فقد أخرج البخاري ومسلم "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشًا، ولا متفحشًا".

    وفي صحيح البخاري "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابًا، ولا فحاشًا، ولا لعانًا، وكان يقول عند المعتبة: ((ما له تَرِبَ جبينه..)).

    قال أنس رضي الله عنه: ولقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أُف، ولا قال لشيء فعلتُه: لم فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا".

    ومن أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه لم يدعُ حتى على المشركين إلا في بعض المواقف، فقد ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: ((إني لم أُبعَثْ لعانًا، وإنما بعثت رحمة))، الله أكبر، ما أعظم هذا الخلق العظيم، وصدق الله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فهذا هو قدوتنا الذي من اقتدى به نجا.


    فلماذا نسمع مِن بعض مَن نجالسهم كلمات الفحش والبذاءة، يطلقها في أي وقت شاء من دون تأمل لما يقول، ومن غير احترام ولا تقدير لمن يحضر ويسمع؟ لِمَ لَمْ يتأدب بآداب القرآن والسنة باستخدام الكنية لما يستكره ذكره، فالقرآن مليء بالفوائد الجمة التي نتعلم منها في تعاملنا مع الآخرين، فاسمع إلى الكنى التي استخدمها القرآن لما يستكره ذكره من باب الأدب؛ كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ [الأعراف: 189]، فاستخدم بدل كلمة الجماع: تغشَّاها، وقال تعالى أيضًا يكني عن الجماع: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [النساء: 43].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما:إن الله حيي كريم، يعفو ويكني، كنى باللمس عن الجماع.

    وقال تعالى محذرًا الرجال من جماع النساء في المساجد حال الاعتكاف: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187].

    وكذلك ذكره لقول امرأة العزيز لما راودت يوسف عن نفسه: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ [يوسف: 23].

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه...))؛ (والحديث رواه البخاري ومسلم، والظاهر أن الفراش كناية عن الجماع؛ حتى المصنفين في كتبه من علماء الفقه، استخدموا الكنى عن الكلمات التي يستكره ذكرها، فقالوا في نواقض الوضوء، ومنه الخارج من السبيلين، ويقصدون البول والبراز، وللأسف الشديد تجد كثيرًا من الناس عوَّد لسانه على كلمات الفحش، فإن سب أحدًا سبه بأقبح الألفاظ، وإن تكلم أو شبه أو عيَّر أحدًا أطلق أسوأ الكلمات، وربما كبر في سنه ولسانه أقبح لسان، وتجد هذا الأثر يزيد في تعامله مع ابنه، فيسب ابنه، فما يترك شيئًا مستقبحًا إلا سبَّه به، أو ناداه به، قمْ يا كذا، تعالى يا كذا.


    فتجنبوا يا عباد الله الفحش من القول والفعل، فلا تكن سبابًا ولا لعانًا ولا غمازًا بعينك، ولا لَمَّازًا ولا همازًا ولا عيارًا، وكونوا عباد الله إخوانًا.

    وصيتي من الآن: احذف من قاموسك كل كلمة سلبية تعودت أن تقولها، سواء لنفسك أو للآخرين، وأبدل مكانها بأجمل كلمة، وتذكر قول الله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، والكلمة الطيبة صدقة.

    والخلاصة أنه يجب على المؤمن أن يكون عفيف اللسان، يختار العبارات اللائقة اللبقة، والكنايات اللطيفة، ويختار أرقَّ الألفاظ، وأعذب الكلمات؛ لأن المؤمن - كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم -: ((ليس بالطعَّان، ولا باللعَّان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء))[1].


    فاتقوا الله عباد الله...


    [1] بعض أجزاء من الخطبة مستفادة من مقال (شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه) على شبكة الألوكة.


    من خطبة شر الناس

    للشيخ يحيى بن إبراهيم الشيخي

    شبكة الالوكه


  23. بدأت علاقتي بالهاتف تَقوى منذ عشر سنوات تقريبًا، وذلك يعود لأسباب أهمها أن أصغر أبنائي كان قد تعدَّى المرحلة الابتدائية التي تأخذ وقتًا عظيمًا من الأم في التدريس للأولاد، والسبب الآخر هو ظهور الهواتف الذكية والتصاقي بها شيئًا جديدًا يُثير الشغف، ويفتح لك أبواب العالم كلها، ويُطلعك على العالم بأسْره بحسب اهتمامك.
     
    ولم تكن لي خطة محددة في استخدامه، فأخذ يطوف بي بين التطبيقات المختلفة وأنا خاضعة لكل ما يأخذني إليه، حتى استحوذ على جلِّ وقتي، وحلَّ محل مجالس الأصدقاء والأهل والسمر، ولا أخفيكم أيضًا أنني استسلمت لهذه التقنيات العجيبة، فبرامج الترجمة الفورية والقنوات الدعوية والمتاحة بأشهر اللغات - ومنها المسموع والمقروء - جعَلتني أوقنُ أن الله يُقيم الحجة على العباد، فليس هناك أحدٌ على ظهر البسيطة لم يسمع عن الإسلام والقرآن، ومحمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
     
    وبقدرٍ سعادتي بهذه السرعة غير المسبوقة والتعرُّف على عادات وثقافات الشعوب بالصوت والصورة، بقدر حزني على ضياع عمري هكذا، أفتح هذا البرنامج أغلق ذلك، وأستحدث جديدًا ربما يجدد لي جرعة الانبهار، ثم لظروف ما انقطعت عن هاتفي أسبوعين اكتشفتُ فيهما أن كتبي علاها التراب، وأنني اشتقت للسحب التي كنتُ أرقبها وأناجيها أثناء تنقُّلاتي، وافتقدتُ حديث صديقاتي الذي كان يجدد صبانا ويسعد قلوبنا!
     
    هنا وقفتُ مع نفسي وقفة وحددتُ لنفسي ساعتين فقط لاستخدام المواقع والبرامج في اليوم، وعدتُ لبرنامج القراءة اليومي الذي كنتُ أَلتزمه، وأعدتُ التواصل مع صديقاتي، لكني للأسف وجدتُهنَّ ذائبات مع هواتفهنَّ، فما يمر على مجلسنا نصف ساعة حتى تلهو كل واحدة بهاتفها، وإن أرادتْ أن تمازحنا أرسلتْ على الجروب المقطع الذي أضحكها، فلا وقت تُضيعه معنا لتقص علينا ما أضحكها أو أبكاها، لا ألوم عليهنَّ؛ لأنني مررتُ بنفس المرحلة، ولكني عندما تنبَّهت وعدتُ، لم أجد أحدًا يريد أن يحيد عما هو عليه!
     
    لا أنكر أنني مررتُ بمرحلة اكتئاب، وأصبحت في غربة حقيقية، وبقيت بين خيارين؛ إما أن أتحمَّل أو أعود لما كنت عليه، فيدي تجري على الهاتف وعقلي يقول لي: عمرك أغلى من هذه الدائرة المفرغة، وقت كثير يُنفَق ونفع قليل، وبعد تفكير اهتديتُ إلى أن وجود مساحة وقت في برنامجي اليومي هو الذي يتيح لي الإسراف في استخدام الهاتف، فقررتُ شَغْل هذه المساحة بما ينفع، فأخذتُ أبحث عما ينقصني، وبدأت في جبر النواقص لدي، التحقتُ بمعهد وحصلتُ على الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب، واستغرق ذلك مني العطلة الصيفية، ففجر حضور المحاضرات واجتياز الاختبارات في نفسي الرغبة في التعلم بالسؤال والتجريب وغير ذلك، حفَّزني ذلك لاحقًا على أخذ دورتين في برامج التعليم الدولية وتكنولوجيا التعليم، والحمد لله انعكس ذلك على عملي بشكل رائع، وبعد كل جديد أُنجزه أتساءل: بماذا أشغل نفسي عن الهاتف؟

    اهتديت لاحقًا لدراسة العلوم الشرعية، وبفضل الله أوشكت على التخرج من معهد دراسات إسلامية مدته أربع سنوات، صادقتُ في هذا المعهد مهندسة حاسوب أرشدتني لاستثمار الهاتف بشكل نافع، فقرأت من خلاله في أوقات الانتظار مثلًا كتبًا كثيرة، واستمعت أفلامًا وثائقية نافعة، اختصرتْ عليَّ ساعات من القراءة والبحث، وبدأت معها حركة تلاقح ثقافي، أدُلُّها على مواقع الأدباء والشعراء والمفكرين، وتدلني على طرق استخدام التكنولوجيا بأقصى انتفاع، ومنذ ذلك الوقت وأنا أستثمر هاتفي ولا أشعر بإهدار وقتي عندما أستخدمه، قرأت من خلاله ثمرة فكر العلماء مركزةً ملخصة من خلال حسابات تويتر وفيس بوك ويوتيوب، إما يطرح العالم نفسُه رؤاه، أو يقوم على موقعه أنبهُ طُلابه، وكذلك البرامج أتاحت فرصة السؤال والاستيضاح.

     
    المطلوب إذًا تنظيم الوقت واستخدام الهاتف فيما تزكِّي به نفسك، وترتقي بمعارفها وثقافتها، وليس فيما يهلكها؛ إما بضياع العمر دون فائدة، أو بجعل وقتك على الهاتف سيئات جارية تذهب أنت وتبقى هي تزيد رصيد سيئاتك عياذًا بالله؛ قال ربك الكريم: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7 - 10].
     

    انظر لهذا القسم من ربك الحكيم الخبير الذي لا يُقسم إلا بعظيم، فهو يقسم بنفسك التي بين جنبيك، وهي واللهِ عظيمة الشأن؛ لأنها مِن صنع الله، وانظر لجواب هذا القسم تجده مؤكدًا، يؤكد ربُّك عليك تزكية هذه النفس، ويحذِّر من الخيبة التي تصيب من يطلق لها العنان في ممارسة المعاصي والشهوات.
     
    إذًا السؤال أصبح: كيف نزكي أنفسنا؟ يُجيبك حبيب الله صلى الله عليه وسلم إجابة قصيرة شافية كافية، فيقول: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ).
     

    إذًا الحل في صلاح قلبك، وذلك يسير على مَن يسَّره الله عليه، وأول وأهم طرق الإصلاح هي:
    ♦ ذكر الله وما أيسر ذلك عليك، فالهاتف الذي لا تُفلته من يدك، عليه الأذكار وأوقاتها وفضلها، وكذلك به أوقات تنبيه؛ حتى لا تنسى.
     
    ♦ أن تؤمن بالله حقًّا، وتكون على يقين بأن الله مقسِّم الأرزاق، وهنا لن تجد في قلبك حقدًا ولا حسدًا، ولا كراهية وبغضاءَ، فيسلم قلبك من هذه الأمراض، فقد قال ربك: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38].
     
    ♦ خدمة عباد الله بما تيسَّر لك، صلة الأرحام، الإحسان إلى الجار، البعد عن مجالس اللهو والمعاصي، الالتصاق بالصحبة الصالحة، فهذا كله مما يزكي النفوس، ويصلح القلوب، وكل أعمال البر والإحسان تُصلح القلوب، الابتعاد عن المعاصي؛ فهي التي تورث القلب السواد والجفوة، وإن وقعتَ في شيء منها فعليك بالتوبة والاستغفار، والإنابة لله عز وجل.
     
    اختَر من ذلك وغيره ما ينشرح له صدرُك، والزَمه مع يقينٍ في رب الرحمة والمغفرة بأنه سيقبل منك بَذْلَك في سبيل تزكية هذا القلب، فما فسد العالم وما انتشرت فيه القسوة، وعمَّه الظلم والدمُ إلا بقسوة القلوب والتعلق بالدنيا دون الآخرة، ويا للعجب، فلن يحصدوا منها إلا ما كتب الله لهم!
     
    ومن هنا يتحول الهاتف الذي كان أداة إهدار للعمر والذهن إلى وسيلة تُعينك على هذه الطاعات، فعلينا دائمًا أن ننتبه (أيُمسك بنا الهاتف أم نمسك به؟)، وما دام أصبح ضرورة، فعلينا أن نتعلم حسن استخدامه!
     
    اللهم أصلِح قلوبنا وزَكِّ نفوسنا، واجعَل أعمارنا في طاعتك، وألْهِمْنا ما يرضيك، واحفَظ شباب أمة محمد صلى الله عليه وسلم من كيد الكائدين وضَعف المفرطين.

    أ.منى مصطفى
    شبكة الألوكه


     



  24. No photo description available.


    عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سبَّح الله دبرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعٌ وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير - غُفِرت خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر))؛ رواه مسلم.



    المفردات:

    (سبَّح الله)؛ أي: قال سبحان الله.

    (حمِد الله)؛ أي: قال: الحمد لله.

    (وكبَّر الله)؛ أي: قال: الله أكبر.

    (خطاياه): ذنوبه.

    (زبد البحر): هو ما يعلو عليه عند اضطرابه - كالرغوة - أي: وإن كانت ذنوبه في الكثرة مثل زبد البحر.




    البحث:

    روى الشيخان عن أبي هريرة قال: جاء الفقراءُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المُقيم، يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدقون، قال: ((ألا أحدثكم بما إن أخذتم أدركتُم مَن سبقكم ولم يُدرِككم أحدٌ بعدكم، وكنتم خيرَ مَن أنتم بين ظهرانيه إلا مَن عمِل مثله؟ تُسبِّحون وتحمَدون وتكبِّرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين))، وهذا لفظ البخاري.


    وحديث الباب الذي رواه مسلم يُبيِّن ما أُجْمِل في الحديث المتفق عليه، وأن التسبيح ثلاث وثلاثون وأن التحميد كذلك، وأن التكبير كذلك أيضًا.


    وأما حديث كعب بن عجرة عند مسلم أن التكبير أربع وثلاثون، وما رواه مسلم من قول سهيل - أحد رواة الحديث -: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة - فجميع ذلك كله ثلاث وثلاثون.

     

    وكذلك ما ذكره البخاري من الاختلاف؛ إذ قال: (فاختلفنا بيننا؛ فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين)، وما رواه الخمسة عن ابن عمر أنه (يسبح في دبر الصلاة عشرًا، ويكبر عشرًا، ويحمد عشرًا) - فهذا كله لا يقوى على معارضةِ حديث الباب الموضح للحديث المتفق عليه؛ وذلك أن حديث كعب بن عجرة ذكره الدارقطني في استدراكاته على مسلم، وقال: الصواب أنه موقوف على كعب بن عجرة؛ لأن مَن رفعه لا يقاومون مَن وقفه في الحفظ.


    وأما قول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة - فهذا تأويل منه موقوف عليه، ويأباه حديث الباب المرفوع، فلا يقوى كلام سهيل على معارضته.

    وأما ما ذكره البخاري من الاختلاف، فقد حسم الراوي النزاع؛ إذ بيَّن للمختلفين أن التكبير ثلاث وثلاثون؛ كما في نهاية الحديث عند البخاري.

    وأما ما رواه الخمسة عن ابن عمر، فهو كذلك لا يقوى على معارضة حديث الباب عند مسلم وحديث أبي هريرة المتفق عليه.




    ما يفيده الحديث:

    1- مشروعية التسبيح والتحميد والتكبير بعد الفراغ من الصلاة.

    2- أن التسبيح ثلاث وثلاثون، والتحميد ثلاث وثلاثون، والتكبير ثلاث وثلاثون مرة.

    3- وأن هذا الذكر من أفضل الأذكار التي تنبغي المحافظة عليها.

    الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
    شبكة الألوكه



    No photo description available.

     


  25.  
     
    تفسير قوله تعالى:
    ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾


    قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 19 - 23].


    المناسبة:

    بعد أن ذكر استبعادَهم للبعث، ورد عليهم بتحقيق قدرته تعالى وعلمه، وبيَّن أن أعمالهم جميعًا محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه – لا محالة – من الموت والبعث، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال.


    القراءة:

    قرأ الجمهور: (سكرة) بالإفراد، وقرأ ابن مسعود (سكرات) بالجمع، وقرأ الجمهور بفتح التاء في (كنت) والكاف في (عنك) و(غطاءك) و(بصرك) وقرئ بكسر التاء والكاف، قرأ الجمهور: (عتيد) بالرفع، وقرئ بالنصب.


    المفردات:

    (سكرة الموت) شدَّتُه الذاهبة بالعقل عند النزع، (بالحق)؛ أي: بحقيقة الأمر الذي نطقت به كتب الله ورسله، أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته، أو بالأمر الثابت الذي لا بد من أن يكون، (تحيد) تهرب منه وتنفر عنه، تقول: أعيش كذا وأعيش كذا، فمتى فكر في قرب الموت حاد بذهنِه عنه، وأَمَّلَ طولَ الأجل.


    (الصور) القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، (الوعيد)؛ أي: يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار، (سائق) حاثٌّ على السير من الملائكة، (شهيد) أي مخبر بأعمالها، قيل: هو ملك آخر يشهد عليها بما فعلت، وقيل: الشهيد الكتاب الذي يلقاه منشورًا، وقيل: السائق والشهيد ملك واحد جامع بين الوصفين، كأنه قيل: معها يسوقها ويشهد عليها، (غفلة) لهو وسهو، (كشفنا) أزحنا، (غطاءك) حجاب غفلتك، (حديد) نافذ قوي، (قرينه) الملك الذي يسوقه أو الملك الموكل بتعذيبه من زبانية جهنم، (عتيد) معد حاضر.


    التراكيب:

    قوله: ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ الواو للعطف على (إذ يتلقى)، والباء في بـ(الحق) للتعدية أي: أحضرت سكرة الموت الحق، ويجوز أن تكون للحال؛ أي: متلبسة بالحق، والتعبير بالماضي في هذا والذي بعده للإيذان بتحقيق الوقوع.


    وقوله: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19] على تقدير القول؛ أي: يقال له في وقت الموت: (ذلك ما كنت منه تحيد)، والإشارة فيه إلى الموت، والخطاب للإنسان الذي جاءته سكرة الموت، وقوله: (ونفخ في الصور) معطوف على قوله: (وجاءت سكرة الموت) والمراد النفخة الثانية، وقوله: (ذلك) الإشارة فيه إلى الزمان المفهوم من نفخ، فإن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان؛ أي: يوم النفخ، وقيل: الكلام على حذف المضاف أي: وقت ذلك، وإنما قال: (يوم الوعيد) مع أنه يوم الوعد أيضًا لتهويله؛ ولذلك بدئ ببيان حال الكفرة، وقوله: (معها سائق) (معها) خبر مقدم، و(سائق) مبتدأ مؤخر، والجملة: في محل جر صفة لنفس، وجوز أن تكون في محل رفع صفة لكل، وأنكر أبو حيان على الزمخشري إنكارًا شديدًا لما جعلها في محل نصب على الحال من كل؛ لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، قال أبو حيان: هذا كلام ساقط لا يصدر عن مبتدئ في النحو؛ لأنه لو نعت كل نفس لما نعت إلا بالنكرة، فهو نكرة على كل حال، فلا يمكن أن يتعرف كل وهو مضاف إلى نكرة.


    وقوله: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴾ [ق: 22] محكي بإضمار قول هو: إما صفة أخرى، وإما على سبيل الاستئناف البياني، كأنه قيل: فماذا يفعل بها؟ فقيل: يقال: لقد كنت في غفلة من هذا، وقرأ الجمهور بفتح تاء الخطاب حملًا على لفظ كل من التذكير أو على التأويل بالشخص كما في قول جبلة بن حريث:

    يا نفسُ، إنك باللذاتِ مسرورُ *** فاذكرْ، فهلْ ينفعَنْك اليومَ تذكيرُ


    وأما من قرأ بكسر التاء فالخطاب للنفس، وكذلك الشأن فيمن قرأ: (غطاءك فبصرك) على التذكير أو التأنيث.

    وقوله: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ معطوف على (وجاءت كل نفس)، وإنما عطفت هذه الجملة؛ لأن المقصود التشريك مع ما قبلها في الحصول؛ أعني: مجيء كل نفس مع السائق والشهيد، وقول قرينه هذه المقالة، والإشارة فيه يجوز أن تكون للكافر إن قلنا: إن القرين هو الملك الموكَّل بسوقه، والتعبير عنه بما التي لغير العاقل؛ لأنه لم ينهج نهج العقلاء، والتقدير: هذا الكافر الذي أسوقه لديَّ حاضر، ويجوز أن تكون الإشارة للعذاب إن قلنا: إن القرين من زبانية جهنم، والتقدير: هذا العذاب لديَّ لهذا الكافر حاضر، ويجوز أن تكون الإشارة إلى صحيفة عمله إن قلنا: إن القرين هو الملك الموكَّل به في الدنيا، والتقدير: هذا الذي سجلته عليه حاضر مهيَّأ للعرض، و(ما) إن جعلت نكرة موصوفة فـ(عتيد) صفتها، وإن جعلت موصولة فـ(عتيد) بدل منها، أو خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف، ومن قرأ (عتيدًا) بالنصب فهو على الحال، والأولى حينئذ أن تكون ما موصولة.


    المعنى الإجمالي:

    وأحضرت شدةُ الموتِ الذاهبة بالعقلِ عند النزعِ حقيقة الأمر الذي نطقت به كتبُ الله ورسله، ذلك الموتُ الذي كنتَ تنفرُ عنه وتهربُ منه، وصوت إسرافيل في القرن الصوت الثاني، ذلك الوقت يوم إنجاز العذاب الموعود للكفار، وأتت كل نفس يصحبها ملك يسوقها، وشهيد يخبر بأعمالها؛ لقد كنت أيها الإنسان في لهو وسهو من هذا النازل بك، فأزحنا عنك حجاب غفلتك؛ فبصرك اليوم حاد قوي نافذ، وقال الملك الموكل به: هذا الذي عندي مهيأ حاضر.


    ما ترشد إليه الآيات:

    1- إنَّ للموتِ سكراتٍ.

    2- عندَ سكرةِ الموتِ يظهرُ الحقُّ لمن عمي عنه.

    3- يصحبُ كلَّ نفسٍ إلى المحشرِ سائقٌ وشهيدٌ.

    4- عند القيامةِ لا توجد نفسٌ تكذب بها.

    5- حبُّ اللهِ للعدلِ في القضاءِ حتى على الكافرين.

    الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
    شبكة الألوكه


    Image result for ‫وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ‬‎
     

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏‏ثبتت امرأةُ فرعونَ وهي في بيتِ أكبر طاغية! وانتكست امرأةُ نوحٍ وهي في بيتِ أكبر داعية! ضغط الواقع ليس عذرًا للتفلت من التكاليف الشرعية . ╰🌸🍃╮

×