اذهبي الى المحتوى

امانى يسرى محمد

العضوات
  • عدد المشاركات

    4338
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ آخر زيارة

  • الأيام التي فازت فيها

    48

مشاركات المكتوبهة بواسطة امانى يسرى محمد


  1. متاع الحياة الدنيا

    الدكتور عثمان قدري مكانسي
     

    قرأت قبل يومين قوله تعالى في سورة الشورى: { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) } مع الآيات السبع التي تليها قراءة كما ذكرت آنفاً لكنني عدت إليها أمعن التفكير فيها – وما ألذّ تدبر الآيات والتفكر فيها – فوقفت على ما يلي :

    1- لا ينال أحدنا ما يريد، إنما هو فضل من الله تعالى نُؤتاه على ضعفنا ، وليس لنا إلا شكر الله على نعمائه والإقرار بهذا الفضل ولسنا نقول ما قاله قارون { إنما أوتيته على علم عندي } وغاب عنه رغم تشدقه الباطل بالفهم والدراية أنه أقرّ بأنه (أوتيَه) ولكن الاستكبار يفضح صاحبه من حيث لا يدري .

    2- والعطاء ( أشياء) جمع شيء والآية تقول ( مِنْ شَيْءٍ ) فما يأخذه الإنسان جزءٌ من شيء . إنه قليل إذن إذا ما قورن بالحقيقة . ألم يقل الله تعالى :
    { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }.وأين ما يحوزه المخلوق من عطاء الخالق سبحانه ؟ يعرف هذا من يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق.

    3- الدنيا زائلة فانية ،وما فيها متنقل بين الناس فهو متاع ، والمتاع في العربية ما ينتهي إلى أجل وهل يكون عطاء الدنيا إلا فانيا مثلها ، وهذا العطاء الدنيوي يأخذه البر والفاجر والمؤمن والكافر.

    4- وما عند الله – في جنات النعيم – دائم خالد لا ينقطع ولا يزول . فعلام يتشبث الإنسان بالزائل ويتعلق به ويفضله على الدائم المتجدد؟ إنه سوء تفكير وضعف في الفهم والإيمان لا ينتبه إليه إلا :

    أ‌- المؤمن بالله تعالى المتصل به سبحانه وهؤلاء قليلون ، ألم يقل الله تعالى :
    { وما أكثر الناس ولو حرصتَ بمؤمنين } إن الهوى والشيطان يجرفان أمامهما من يعيش حياتَه غثاء ولا يعمل إلا لدنياه غافلاً عن الحقيقة التي سوف تجبهه في يوم يندم فيه ولا ينفعه الندم.

    ب‌- الذي يتوكل على الله ، وما يتوكل على مولاه سوى العاقل النبيه الذي يدري سبب خلقه : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ويطيع ربه ويعمل ليوم قادم لا محالة ، إن التوكل على الله لجوء إلى حصن حصين وملاذ آمن منيع. ومن توكل على الله كفاه الله ، وما أعظم الحديث الشريف الذي علمنا إياه سيد البشر صلى الله عليه وسلم " فعن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال ( يعني إذا خرج من بيته ) بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، يُقال له : هُديتَ وكُفيتَ ووُقيت وتنحى عنه الشيطان ) رواه الترمذي، وزاد أبو داود في روايته : ( فيقول - يعني الشيطان لشيطان آخر - : كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي ؟! )

    ت‌- { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } والاجتناب عدم المرور به والتوقف عنده إنه الابتعاد والحذر عن كبائر الاثم أولاً وهنا نرى أن الإثم نوعان صغير وكبير ويقع المسلم في اللمم لكنه يستغفر او يتوضأ ويصلي فيُمحى اللمم ، وما أضيفت كلمة الكبائر إلى الاثم إلا للتنبيه من الوقوع في الإثم الصارخ لأنه مثل الفاحشة تماماً .

    ث‌- { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)} فالإنسان يغضب وقد يثور ، وهو في ثورانه يُضيّع رشده ويتصرف بنزق وقد يفعل ما لا تُحمد عقباه ففي هذه الحالة ينبغي أن يملك نفسه ويعود لهدوئه ويغفر لمن أساء إليه وهذه محمدة لا يصل إليها إلا أولو العزم الذين يذكرون قوله تعلى { ولْيعفوا ولْيصفحوا }، { ألا تحبون أن يغفر الله لكم }؟ {والله غفور رحيم } وهذا ما فعله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حين سمع هذه الآية – وكان أقسم ان لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة لأنه خاض في الإفك ـ ، فقال بلى يا رب بلى ، وغفر لمسطح . إنها درجة لا ينالها إلا المتقدّمون.

    ج‌- { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } ولا يستجيب لأمر ربه فيلتزمه ويبتعد عن المنهيّ عنه إلا السعداء ، وأقف عند كلمة الاستجابة فأراها سمة المؤمنين الأطهار المتصلين بربهم في كل أحوالهم ، ولا يستجيب إلا الواعي النبيه ذو القلب الزكي والعقل الذكي .

    ح‌- { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ }: إن إقامة الصلاة دليل الاهتمام بها ، وما ذكرت الصلاة إلا وسبقتها كلمة الإقامة ، وعد إلى القرآن الكريم لتتأكد من ذلك . إنّ من يؤدي صلاته بخشوع وتدبر فيطمئن بقيامه وركوعه وسجوده ويستقبل الله تعالى في صلاته فقد أقامها اما السرعة في الحركة دون الاطمئنان والتعقل في حركات الصلاة فليست صلاة على ما أعتقد .

    خ‌- { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } وهل يقوم المجتمع الصالح المتماسك وهل تبنى الدولة القوية إلا على أساس قويم من الشورى والعمل المشترك؟ إن البلاء الذي أصاب أمتنا ودفع بها إلى مؤخرة الأمم تجبُّر الحاكم وتفرده باتخاذ القرار ، فكأن الناس عبيد في مزرعته وملك يمينه يفعل بهم وببلادهم ما يشاء دون وازع من إيمان ولا ضابط من شورى ، وثورات الشعوب على حكامهم ما جاءت من فراغ ، وتاريخنا المعاصر ظلم وفساد وتأخر بسبب غياب الشورى ووأد الحريات وقتل الإبداع .

    د‌- { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)}. وإذا سألت عن سبب تقديم : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } على { يُنْفِقُونَ }علمت أن الله تعالى يرزقنا ويكرمنا ويعطينا ويتفضل علينا ثم يأمرنا أن ننفق مما رزَقَنا فالعطاء أولاً يتبعه الاعتراف بالفضل والإقرار به فينتج عنه شكر النعمة بالإنفاق على عباد الله ، وبالشكر تدوم النعم . ولعلك ترى ان الله سبحانه لا يكلفنا شططاً حين يأمرنا أن ننفق القليل من هِباته وكرمه سبحانه.

    ذ‌- { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} ، فالله تعالى يعلمنا أن نكون أحراراً لا نرضى الدنية في ديننا ولا حياتنا ، إن البغي مرتعه وخيم ، ومن عاش في الذل لا يستقيم ولا يستحق الحياة من رضي الهوان . وأفهم هنا أن من سمات المسلم أنه لا يظلم احداً ولا يرضى الظلم من احد .فما كان الجهاد إلا عنوان الحياة الحرة الكريمة .

    ر‌- { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } أرأيتم ميزان العدل؟ فما ينبغي إذا ما ظُلمتُ أن أتجاوز استرداد حقي وإلا انقلبتُ ظالماً ، وما ينبغي للمسلم ان يكون ظالماً . وما يثور الحر إلا لظلم مسّه أفيكون كمن ظلمه ؟! إن تجاوز الحق ظلم ، هكذا علمنا ديننا.

    ز‌- { فمن عفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } : وما العفو ‘إلاعند المقدرة ، وإلا كان هواناً ، إنّ العفو عمن ظلمك يأتي حين يرى الظالم أنه بين يديك وتحت رحمتك ، وهذا درس له رائع ، بل إنك حين تريه من القوة ما يُرهبه ثم تعفو عنه تملك قلبه ، فإذا ما أحسنتَ إليه انقلب صاحباً وصديقا ، ونلت أجراً من الله عظيماً ، لقد علمنا الله تعالى أن نكسب قلوب العباد فقال : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)}(فصلت) ، ولا ننسَ ان الله تعالى يكره الظلم والظالمين { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)}(الشورى) .

    س‌- { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)} روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من دعا على من ظلمه فقد انتصر ) ، إن إحقاق الحق والوصول إليه يشفي قلب المظلوم أولاً ويكسر شوكة الظالم ثانياً ويربّي المجتمع ثالثاُ فيخاف الظالم أن يَظلِم . لكنْ حين يعلم المظلوم أن القاضي أخذ بحقه وأن عقوبة الظالم مستحقة فتنازل عن حقه وعفا عن جريرة المسيء كان من الصابرين ، وهذا لا يحوزه سوى النبيل من الناس الذي يكظم غيظه ويعفو عمّن ظلمه قادراً عليه كما ذكرنا آنفاً .

    ش‌- ولن يكون المدافع عن حقه الساعي إليه ظالماً ، والظالم الحقيقي من بدأ الظلم واعتدى على حقوق الآخرين وأهانهم ، ولم يراع حرمة الأخوة في الله ولا حقوق المجتمع في الأمن والأمان والحياة الحرة الكريمة { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)}(الشورى) .

    ص‌- إن القرآن الكريم – مع دعوته إلى الحفاظ على الحقوق الإنسانية – يريد من المؤمن أن يرتفع إلى مستوى من الصبر الجميل في تحمل أذى إخوانه لأنه داعية وقدوة ، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا إذ يقول : ( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ) ،{ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} (الشورى) ،
    إنه السمو في الأخلاق والسمو في الإنسانية والسمو في دعوة إلى الله.



  2. القاعدة السادسة عشرة : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ }


     

    الحمد لله ما حمده الحامدون، وغفل عن ذكره الذاكرون، وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فهلم بادي الخير لنتدبر وقافين مع: (قواعد قرآنية)، لنتأمل جميعاً في قاعدة من القواعد القرآنية، التي يحتاجها الإنسان في مقام التمييز بين الأقوال والأفعال، والسلوكيات والمقالات، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } [المائدة:100].

    والخبيث: ما يكره بسبب رداءته وخساسته، سواء كان شيئاً محسوساً، أو شيئاً معنوياً، فالخبيث إذاً يتناول: كل قول باطلٍ ورديء في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح من الفعال، فكل خبيث لا يحبه الله ولا يرضاه، بل مآله إلى جهنم، كما قال سبحانه :
    { وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } [الأنفال:37].
    وإذا تبين معنى الخبيث ههنا، فإن الطيب عكس معناه، فالطيب شامل: للطيب والمباح من الأقوال والأفعال والمعتقدات، فدخل في هذه القاعدة كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الواجبات والمستحبات والمباحات. فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال [ينظر: مفردات الراغب:272، وتفسير ابن جزي والسعدي لهذه الآية].

    وهذه القاعدة القرآنية هي صدر الآية الكريمة:
    { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)} [المائدة] والتي سيقت في معرض الحديث عن أنواع من المطاعم والمشارب والصيد، وتفصيل الحرام والحلال فيها.

    ولا ريب أن الغرض من الآية ليس مجرد الإخبار بأن الخبيث لا يستوي هو والطيب، فذلك أمرٌ مركوز في الفَطَر، بل الغرض هو الحث والترغيب في تتبع كل طيب من القول والعمل والاعتقاد والمكسب، والتنفير من كل خبيث من القول والعمل والاعتقاد والمكسب.
    ولما كان في بعض النفوس ميلٌ إلى بعض الأقوال أو الأفعال أو المكاسب الخبيثة، ولما كان كثيرٌ من الناس يؤثر العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، جاء التحذير من الخبيث بأسلوب عجيب يقطع الطريق على من قد يحتج بكثرة من يتناول هذا الخبيث، فقال عز وجل: { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } وذلك أن في بعض الخبائث شيءٌ من اللذة الحسية أو المعنوية، كالحصول على مالٍ كثير لكن من طريق حرام، أو الوصول إلى اللذة الجسدية عن طريق الزنا، أو الخمر أو غيرهما من الملذات المحرمة، فهذه قد تغري الإنسان، وتعجبه، إلا أنه مع كثرة مقداره، ولذاذة متناوله، وقرب وجدانه، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية التي إليها الإشارة بقوله تعالى: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } [الكهف:46]، وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو أعظمه: معرفة الله ومحبته، وطاعته، فتلك هي - والله - الحياة الطيبة التي وعد بها من استقام على أمره، بأن يطيب عيشه في الدنيا والبرزخ والآخرة، قال تعالى:
    { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل] هؤلاء هم الذين طابت أقوالهم وأفعالهم وحياتهم، فطاب مماتهم ورجوعهم إلى الله، كما قال سبحانه : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِين } [النحل:32]
    نسأل الله الكريم المنان من فضله الواسع العظيم.

    أيها المسلم:
    ولعظيم موقع هذه القاعدة وما دلّت عليه، فإن المتأمل للقرآن يجد عجباً من كثرة التأكيد على العمل بما دلّت عليه هذه القاعدة، ومن ذلك:

    1- التأكيد على ضرورة العناية بالمكاسب الطيبة، ولم يستثن الله أحداً من عباده المؤمنين في الحث على هذا الأمر، بالإضافة إلى العمومات الآمرة بطيب المكسب، كقوله تعالى:
    { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين (168)} [البقرة] إلا أن الله تعالى خص الرسل عليهم الصلاة والسلام - الذين كانوا أطيب الناس حساً ومعنى - بخطاب خاص في هذه المسألة بالذات، فقال تعالى:
    { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} [المؤمنون:51].

    وكلُّ هذا يؤكد ضرورة العناية بهذا الباب العظيم الذي هو طيب المكسب، ولقد كان سلفنا الصالح شديدي العناية بهذه المسألة، ولربما سافر أحدهم مئات الأميال، وتغرب عن وطنه، كل ذلك بحثاً عن لقمة طيبة حلال، حتى قال سفيان الثوري: "إن طلب الحلال هو عمل الأبطال".
    ولقد كان من أعظم أسباب العناية بطيب المكسب عند أسلافنا أمور، من أهمها:

    أ- أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
    ب- أن هذه المكاسب مما تنبت عليها الأجساد.

    ولهذا فإن مما يوصى به كثرة الصدقة كلما كثر المال، أو قويت فيه الشبهة، كما أوصى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من يتعاطون التجارة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث قيس بن أبي غرزة - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن نسمى السماسرة - فقال:
    « يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع » وفي لفظ: « إنه يشهد بيعكم الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة »، « فشوبوا بيعكم بالصدقة » [قال الترمذي: حديث حسن صحيح].

    وإذا كان هذا شأن هذه المسألة - أعني طيب المكسب - فعلى الناصح لنفسه أن يجتهد في طيب مكسبه، والحذر من أي شيء يكدره، خصوصاً وقد اتسعت على الناس اليوم أنواع من المكاسب المحرمة فضلاً عن المختلطة والمشتبهة، كبعض الشركات الموجودة في أسواق الأسهم المحلية والعالمية.

    2- ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أنه لا يصح - أبداً - أن نجعل الكثرة مقياساً لطيب شيءٍ ما، وصحته وسلامته من المحاذير الشرعية، وهذا أمرٌ يصدق على الأقوال والأفعال والمعتقدات، بل يجب أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبمدى موافقتها للشرع المطهر.
    تأمل - مثلاً - في قلة أتباع الرسل وكثرة أعدائهم:
    { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [الأنعام:116] ، وهذا مما يؤكد على الداعية أهمية العناية بالمنهج وسلامته، وأن لا يكون ذلك على حساب كثرة الأتباع! وهذا موضعٌ لا يفقهه إلا من وفقه الله تعالى، ولا يصبر عليه إلا من أعانه الله وسدده، لأن في الكثرة فتنة، وفي القلة ابتلاء.

    وإليك مثالاً ثالثاً يجلي لك معنى هذه القاعدة بوضوح، وهو أن تتأمل في كثرة المقالات والعقائد الباطلة وكيف أن المعتقد الحق هو شيء واحدٌ فقط، قال تعالى:
    { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام:153].

    والله الذي لا إله غيره، ما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيّب مثلها وأحسن، مع أمن من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والعاقل حين يتحرر من هواه، ويمتلئ قلبه من التقوى، ومراقبة الله تعالى، فإنه لا يختار إلا الطيب، بل إن نفسه ستعاف الخبيث، ولو كان ذلك على حساب فوات لذات، ولحوق مشقات، فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، مسلياً نفسه بقوله تعالى:
    { قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} [النساء].

    جعلنا الله وإياكم من الذين طابت أقوالهم وأفعالهم، فطاب منقلبهم ومآلهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يتبع

  3.  

    من أساليب التربية النبوية
    الحـــوار
    بقلم د . عثمان قدري مكانسي

    قد يمر الرسول صلى الله عليه وسلم في مكان فيرى أمراً يستحق التعليق عليه ، أو يسمع كلمة فيلقي الضوء عليها ، فتكون هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم عظة وعبرة تؤثر في نفوس أصحابه ، وقد يحاور أصحابه ليصل معهم إلى فكرة يثبتها في عقولهم ، أو يرشدهم بها ويهذب نفوسهم ، ويدلهم على طريق الخير الموصل إلى رضاء الله تعالى .
    من ذلك ما رواه عمر الفاروق ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ
    قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَـبْيٍ ، فإذا امرأة من السبي (الأسرى ) قد تحلَّب ثديها إذ وجدت صبياً في السبي ، فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه ؟ قلنا : لا والله . قال : فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها .
    وكثيراً ما كان السبي في ذلك الوقت ، وكثيراً ما كانت النساء يفعلن ذلك بأولادهن ، فهذا أمر عادي ألفه الناس ، فهو جزء من حياتهم اليومية ، ففقدوا بهذه العادة التلذذ بمعنى الأمومة والأبوة .. فنبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو المعلم العظيم - إليها فتذكروها ، ثم قادهم إلى أهم من ذلك .
    قادهم إلى حب الله إياهم ورحمته بهم ، فإذا الله تعالى بقوته وعظمته وسلطانه ـ وهو ليس بحاجة إليهم ـ يحبهم هذا الحب الكبير ، أفلا يستحق ـ سبحانه ـ أن يبادلوه حباً بحب ؟ ! هم عبيده يحتاجونه في كل لمحة وحركة ، في كل طرفة عين ونَفَسٍ ، نواصيهم بيده ، ماض فيهم حكمه ، أفلا يتوجب عليهم أن يخلصوا في عبادته والإنابة إليه ، والعمل بما يرضيه ؟!..
    إنها لفتة عظيمة من المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم .
    وهذا أحد أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبو حكيم ـ فيما يروي البخاري : يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاوره قائلاً : يا رسول الله من أبرُّ ؟ ( يريد أن يكون من أهل الله الذين يبغون ثوابه ويخافون عقابه ) . قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أمك ( كلمة واحدة تعبر عن إرضاء الأم الكريمة ذات الفضل العظيم الذي لا يدانيه فضل ، فالجنة تحت أقدامها ) .
    قال : قلت : من أبرُّ ؟ ( أي من أبرّ بعدها يا رسول الله ؟) قال صلى الله عليه وسلم : أمك ( إذن ففضلها كبير يا رسول الله ، لا يدانيه فضل مهما علا وسما ) .
    قلت : من أبرُّ ؟ ( من في المرتبة الثالثة بعد الأولى والثانية المخصصتين للأم حفظها الله ورعاها ؟)\قال صلى الله عليه وسلم : أمك ( الله أكبر ، إنها كلمة كررها رسول الله تنبئ عن فضل الأم ، فهي نبع الحنان ونهر الرحمة وسحائب الغفران ، إرضاؤها خطير وإكرامها واجب كبير ) .
    قلت : من أبرُّ ؟ ( أهناك من أبره بعدها يارسول الله ؟ ، هي في المقام الأول والثاني والثالث ، هي باب الجنة ومفتاح الخيرات . )
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أباك . ( فهو المربي والأسوة الحسنة لأولاده ، يشقى لأجلهم ويتعب لراحتهم ، رضاه من رضى الرب ، وسخطه من سخط الرب إكرامه واجب وحبه لازب ، أدخلهما الله جميعاً جنته في الفردوس الأعلى ) .
    ثم الأقرب فالأقرب إنه الدين العظيم الذي يدعو : إلى الإحسان والبر ، وإلى التوقير والاعتراف بالفضل ، والذي يدعو إلى صلة الأرحام ، وبناء مجتمع المحبة والوئام .) .
    والحوار الذي يقوم على طرح الأسئلة من الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، أو من الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يثير الانتباه ، ويحرك الذكاء ويقدح الفطنة ، فتراهم يرتوون من حكمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قالب من الاقتناع والحوار الهادف .
    تعال معي لترى مصداق ما قلناه :
    عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ أن أباه أتى رسول الله ـ صلى اله عليه وسلم ـ فقال :
    إني نحلت ( أعطيت ) ابني هذا غلاماً كان لي .
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا ؟
    قال : لا .
    قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فأرجعه . وفي رواية : ( اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ) . وفي رواية : ( فلا تشهدني إذن ، فإني لا أشهد على جور أبداً ) ، وفي رواية ثالثة : ( فأشهد على هذا غيري ) .
    ثم قال : أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟
    قال : نعم . قال : فلا إذن { متفق عليه ، وهو في رياض الصالحين الحديث / 341 / .
    حوار هادف وضح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن العدل بين الأبناء مطلوب ، وأن البر بهم يؤدي إلى برهم بوالديهم ، وأنه كما تدين تدان . كما وضّح الحديث أن على الإنسان ألا يشهد بغير الحق والعدل ، وأن عليه تبصير الناس بأمور دينهم ، وأن يكون الداعية عوناً لإخوانه على إرضاء الله عز وجل .

    ومن الحوار الذي أثرى فيه الحديث عن فضيلة الصدقة والحث عليها ، ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟
    قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه .
    فقال صلى الله عليه وسلم : اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله ، مالك ما أنفقت ومال وارثك ما أخرت .
    محاورة وضعت النقاط على الحروف بأسلوب مقنع واضح لا تعقيب عليه .

    ومن الأحاديث التي بينت صغار الدنيا وهوانها على الله تعالى : ما رواه جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر بالسوق ... فمر بجدي أسكَّ ( الأسك : مصلوم الأذنين ومقطوعهما ) ميت ، فتناوله بأذنه ثم قال : أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟
    قالوا : ما نحب أنه لنا بشيء . ( أو ما نصنع به ؟ )
    قال : أتحبونه أنه لكم ؟
    قالوا : والله لو كان حياً كان هذا السك عيباً فيه ، فكيف وهو ميت ؟!
    قال : فوالله ؛ للدنيا أهون على الله من هذا عليكم .

    أسلوب حواري عملي ، يرى رسول الله جدياً ميتاً ، مقطوع الأذنين ، تزكم رائحته الأنوف ، يمسكه من إحدى أذنيه ويعرضه على أصحابه ، أن يشتروه بدرهم ، فيأبوا ذلك ، وماذا يفعلون بجيفة قذرة ؟ ولو كان حياً وهو مقطوع الأذنين ما رغبوا فيه فكيف وهو ميت ؟!

    وحين يصلون إلى هذا القرار يعظهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء


    يتبع



    المصدر

    واتا الجمعيه الدوليه للمترجمين واللغويين العرب


  4. من أساليب التربية النبوية
    الموعظة وضرب المثل
    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعين على توضيح مواعظه بضرب المثل مما يشهده الناس بأم أعينهم ، ويقع تحت حواسهم ، وفي متناول أيديهم ، ليكون وقع الموعظة في النفس أشد ، وفي الذهن أرسخ . ومن الأمثلة على ذلك ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال :
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة : ريحها طيب ، وطعمها طيب ،ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة : طعمها طيب ، ولا ريح لها ،ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة : ريحها طيب ، وطعمها مر ،ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة : طعمها مرٌّ ولا ريح لها .}البخاري (5111، 7121)، مسلم (797)
    فالناس كما قسمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أنواع ، والسامعون يرهفون السمع ، يريدون أن يتعرفوا هذه الأقسام الأربعة ليوازنوا بينها ، ويحددوا في أي صنف يكونون .
    وهذه الموازنة تجعلهم يرغبون بالتعرف على سمات كل طائفة ، ومن ثمَّ ينضمون إلى الطائفة المرجوة ، فما أبلغ الترغيب في المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أزجر التحذير من الشر !
    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :قدم أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أعددت لها ؟ فقال: ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة غير أني أحب الله ورسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب ، يقول أنس رضي الله عنه: فما فرحنا بشيءٍ يومئذٍ فرحنا بقوله صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب فأنا والله أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبا بكر و عمر وأرجو أن أحشر معهم ، رواه البخاري (3485، 5815، 5819)، مسلم (2639)، أحمد (3/110، 168، 172، 173، 192، 198، 202، 208)
    فذهب رد رسول الله مثلاً يقال في كل موقف مشابه ، وازداد المسلمون حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيما يكونوا معه في الجنة .
    وبما أن الإنسان يريد أن يكون مع الصالحين ، وقد يكون قصر عنهم في أعماله - وليس في الإسلام يأس من بلوغ الدرجات العلا – فعليه أن يحبهم ويواليهم ليكون في زمرتهم يوم يتخلى كل خليل عن خليله إلا خليلَ الإيمانِ والحبِ في الله .
    روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يدخل الجنة قتات }البخاري (5709)، مسلم (105)
    فذهبت هذه الجملة مثلاً يذكر كلما ذكر النمام وفعله ، أو تحدث الناس في أخبار النمامين والواشين والكاذبين ، وتعوّذ الناس من مصيرهم ، واجتنبوا أن يكونوا مثلهم .
    وما أجمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس الذي رأى رسول الله يقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فقال : إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحداً منهم - : { من لا يرحم لا يُرحَم } .البخاري (5651)، مسلم (2318)
    جملة طبقت الآفاق وتداولها الناس في مجالسهم { من لا يرحم لا يُرحَم } إنها دليل الرحمة في الإسلام وطريق الوصول إلى رحمة الله بنا ، وكما تَدينُ تُدان .



  5. الدكتور عثمان قدري مكانسي

     

    بدأ الإمام الصلاة  بسورة يوسف عليه السلام ، وكان صوته مريحاً ، فلم يكن صوته جميلاً ولا قبيحاً لكنّ تلاوته كانت جيدة وقراءته هادئة ، لهذا قلت إن صوته كان مريحاً ومما يزيد في راحة النفس أن مكبر الصوت يملأ المسجد دون جلبة أوضوضاء .
    قلت في نفسي وأنا أدخل المسجد : لعل الله يرزقني فكرة أدندن حولها في خواطري  . فلما قرأ الإمام قوله تعالى " يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك " قلت في نفسي – فقد كنا في الصلاة ولا يجوز الكلام فيها بغير الصلاة – جاءت الخاطرة فلا بدّ من إنضاجها  ، فهلمّ إلى ما يفتح الله بها علينا من خير نحن نحتاجه جميعاً :

    1- لا بد من صدر حنون ذي خبرة في الحياة يسدد خطوي ويشاركني همومي – إن صح أنها هموم – أو يشاركني خواطري وتفكيري حين ألجأ إليه أستعين بمشورته وخبرته . وسيدنا يعقوب عليه السلام أيده الله بالحكمة وسداد الرأي وفهم الحياة ، فقد عركها وذاق حلوها ومرّها ، وهو نبي ابن نبي وحفيد أبي الأنبياء ، والله سبحانه وتعالى يلهمه الصواب ، ويسدده بالوحي ، ثم إنه الأب الحاني والصدر المشفق ، والوالد المحب ، فنِعم المستشار هو لولده يوسف عليهما السلام .

    2- لا بد من الحذر والحيطة في كل الأمور ، ولا ينبغي للسر أن يتجاوز صدر صاحبه إلا إلى الأمين ، وإلا شاع وعرفه القاصي والداني ، كما أن لكل منا خصوصية يحتفظ بها ، ويخفيها عن الآخرين ولو كانوا من المقرّبين . والأب يهمس في أذن ولده " يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ".

    3- ولكنّ الأخ – عادة - محب ويود لأخيه الخير والسعادة والهناء ، فلماذا يحذر الأب ابنه من إخوته ؟! لا شك أن الأمر خطير إن عرفه إخوته فسوف يحسدونه ، ويكيدون له . إن هذه الرؤيا بشارة بالنبوّة التي تهفو لها نفوس الإخوة جميعاً فأبوهم نبيّ ، ولا بد أن يرثه في النبوّة واحد أو اثنان أو أكثر ، والجميع يحرصون على ذلك ، وليس الكل أهلاً لهذه المكانة العظيمة . وسيزداد الكره ليوسف حين تتجاوزهم هذه المكانة – وهم الكبار – إلى يوسف الفتى الصغير ، لا شك أن الله يختار من يشاء ويصطفي من يريد لدعوته ، ولكن هل يعي الجميع هذا الأمر ويرضونه ؟ أم تراهم يكيدون ليوسف ويأتمرون به إيذاء وإقصاء؟ هكذا فكر بعضهم ثم نفّذه جميعهم ، والله – سبحانه - يفعل ما يشاء .

    4- قال تعالى:
    " لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً "
    ونلاحظ فعل الكيد يتبعه المفعول المطلق ليصف نفسية إخوة يوسف وما فيها من الحسد والبغضاء لمن يعتبرونه سلبهم أمراً يظنونه من حقهم " الله أعلم حيث يجعل رسالته " والإيمان الناقص إذا خالطه حقد وحسد دفع بصاحبه إلى التصرف المشين والحمق البيّن . ، والأب يعرف أبناءه وشدة مكرهم ، ويعلم أيضاً أن الله يحفظ عباده الصالحين ، إلا أنه لا بد من الحذر وأخذ الحيطة على مبدأ " اعقلها وتوكل " فالتوكل وحده نقص واضح ، والعقلُ دون توكل أكثر نقصاناً .

    5- ومن الذي يدفعهم إلى الكيد الشديد لأخيهم ؟ إنه الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين إلا من عصمه الله وحفظه ، إنه الشيطان الذي أقسم بالله ليحتنكَنّ ذرية آدم وليضلنّهم وليزرعَنّ البغضاء في قلوبهم فهو عدوّهم الأول في هذه الحياة
    " إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين "
    إنه مَن أخرج أباهم من الجنّة وحمل على عاتقه أن يأخذ من استطاع منهم إلى النار .

    6- وهل يقدر الشيطان أن يفعل ذلك مع أبناء الأنبياء ؟! وقد ربّى يعقوب أبناءه على الإسلام والإيمان ؟ ألم يوصِ هذا الأب أبناءه أن يكونوا مسلمين ويحيَوا مؤمنين ويموتوا على ذلك
    " ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون "
    ألم يعاهدوه وهو على فراش الموت أن يعبدوا الله وحده
    " أم كنتم شهداء إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون " بلى لقد عاهدوه بعد أن تعلموا الدرس واعترفوا بخطئهم أمام يوسف في مصر واعتذروا له وأنهم كانوا خاطئين وسألوا أباهم أن يستغفر لهم ذنوبهم .

    7- وليس شرطاً أن يكون أبناء الأنبياء والصالحين مثلهم فالهداية من الله ، فهذا قابيل قتل أخاه هابيل حسداً ، وهذا ابن نوح يدعوه أبوه عليه السلام أن يؤمن ويركب معه سفينة النجاة ، فأبى واستكبر وقال بلهجة الجاحد المعاند :
    " سآوي إلى جبل يعصمني من الماء "
    وتنكب طريق الهداية فكان من المغرقين أهل النار .

    8- والحياة علمتنا أن الإخوة قد يكون بعضهم أشد عداوة لبعض من الآخرين ، فكم من بيوت هّمت وكم من دماء للإخوة أريقت بأيدي إخوانهم لمال أو أرض أو امرأة أو منصب أو جاه .
    فلا بد أيها الأحباب من الحذر والحيطة ، ولا بد أن يحفظ الإنسان سرّه ، ولا بد أولاً وأخيراً أن يسأل الله تعالى العون والهداية
    " فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين "

  6. هل درجة الصِّدِّيقيَّة خاصَّةٌ بالصحابة، وقد انتهت؟ أم من الممكن أن ينالها الناسُ إلى قيام الساعة؟
    دلَّ القرآنُ والسنةُ على أن من المؤمنين "الصدِّيقين والشهداء والصالحين"، وأنهم في الفَضْل والمنزِلة على هذا الترتيب، فأفضَلُ المؤمنين هم الأنبياء، ثم الصِّدِّيقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى مرتبة يصل إليها أتباعُ الأنبياء أن يكونوا صِدِّيقِينَ.
     
    قال ابن القيم رحمه الله: "فالصِّدِّيقُ هو الذي صَدَقَ في قوله وفِعْلِه، وصَدَّقَ الحقَّ بقولِه وعَمَلِه، فقد انجذَبَتْ قواهُ كُلُّها للانقياد لله ولرسوله"، ودرجاتُ الصِّدِّيقينَ تتفاوَتُ؛ لأنَّ الإيمان ليس له حَدٌّ ينتهي إليه؛ بل إنه يَزيدُ بالطاعة، وينقُص بالمعصية، وهذا مُعتقَدُ أهل السنة والجماعة، فمن ظنَّ أن هناك درجاتٍ إيمانيةً يقِفُ عندها المؤمن صِدِّيقًا كان أو صالحًا، فقد أخطأ؛ قال تعالى: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ [المدثر: 37].
     
    قال ابن القيم: "فإن لم يكن في تقدُّم، فهو في تأخُّرٍ ولا بُدَّ، فالعَبْدُ سائرٌ لا واقِفٌ، فإمَّا إلى فوق وإمَّا إلى أسفل، إمَّا إلى أمام وإمَّا إلى وراء، وليس في الشريعة أو الطبيعة وقوفٌ البتة".
     
    ما هي أعلى درجة يمكن أن يصل إليها المؤمن؟
    أعلى مرتبة يُمكن أن يصلَ إليها المؤمنُ الذي ليس من الأنبياء، ولا من الصحابة، ولا من السَّلَف، هي درجة الصِّدِّيقيَّة.
    الصِّدِّيقيَّة أعلى المراتب بعد النبوَّة:
    مدَح اللهُ سبحانه الصِّدِّيقِينَ في كتابه؛ فقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 56].
     
    والصِّدِّيق: هو الذي يثبُت صِدْقُ إيمانه في جميع المواقف الصعبة، والناس يتفاوتُونَ في التعامُل مع هذا البلاء: فبعضُهم قد يشُكُّ في حِكْمة الله، وبعضُهم قد يُسيء الظَّنَّ به سبحانه، وبعضُهم يتعجَّبُ، إلَّا أن القليل الذي يُسلِّم أمره لله تعالى، فيكون صادقًا في إيمانه، فالصِّدْق يظهَر في المواقف الصعبة؛ قال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت: 2]، ولكي نكون صِدِّيقِينَ، فعلينا أن نصدُق في إيماننا في جميع المواقف؛ وإلَّا فلو كان الصِّدْق في بعض المواقف دون البعض، فهذا نزول عن درجة الصِّدِّيقين، ولننظُر في رحلة إسراء نبيِّنا محمدٍ، كذَّب المشركون، وسكَتَ بعضُ المسلمين مُتعجِّبِينَ من هذه الرحلة ولم يُكذِّبُوا.. بل مجرد تفكير.
     
    وسعى رجلٌ من المشركين إلى أبي بكر؛ فقال: هذا صاحِبُكَ يزعُم أنه قد أُسرِيَ به الليلةَ إلى بيت المقْدِس، ثم رجع من ليلته! فقال أبو بكر: أوَقال ذلك؟ قالوا: نَعَم، فقال أبو بكر: فإني أشهدُ إن كان قال ذلك، لقد صَدَقَ، وهذا موقفٌ صَعْبٌ؛ لأنَّ في ذلك الزمان لم تكن عندهم مواصلات مثل أيامنا هذه؛ لكن لاحِظْ أبا بكر صَدَّق مباشرةً دون تفكيرٍ؛ فسُمِّي الصِّدِّيق.
     
    فلنَكُنْ صِدِّيقِينَ، يظهَر صِدْقُنا في إيماننا بالله ورسوله في كلِّ موقفٍ وفي كل حين، لا نُقَدِّم الحياةَ الدنيا على الدِّين؛ بل نتَّخِذ الدنيا زادًا للآخرة التي نحن بها مُوقِنون.
     
    فما هي الصِّدِّيقية، وتعريفها، وأهميتها، وحقيقتها، ومراتبها وأنواعها وأحوالها ودرجاتها؟
    تعريف درجة الصِّدِّيقية: هي كمال الإخلاص، والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرًا وباطنًا.
    من هم الصِّدِّيقون؟
    قال الخازِنُ رحمه الله: "الصِّدِّيق: الكثير الصِّدْق، والصِّدِّيقون هم أتباعُ الرُّسُل الذين اتَّبعُوهم على مناهجهم بعدهم، حتى لحقوا بهم، وقيل: الصِّدِّيق هو الذي صَدَّق بكُلِّ الدِّين، حتى لا يُخالِطَه فيه شَكٌّ".
     
    وقال القرطبي رحمه الله: "الصِّدِّيقُ: فِعِّيلٌ، الْمُبالِغُ فِي الصِّدْقِ أو في التَّصْدِيقِ، وَالصِّدِّيقُ هو الذي يُحَقِّقُ بِفِعْلِهِ مَا يَقُولُ بِلِسانِهِ، وقِيلَ: هُم فُضَلاءُ أتْباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق؛ كأبي بكر الصديق"، وقال السعدي رحمه الله: "الصِّدِّيقون: هم الذين كملوا مراتبَ الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق".
     
    وقال ابن القيم رحمه الله: "أعلى مراتبِ الصِّدْقِ: مرتبةُ الصِّدِّيقِيَّةِ، وهي كَمالُ الانقِيادِ للرسول صلى الله عليه وسلم مع كَمالِ الإخلاصِ لِلْمُرْسِلِ"، فمن اتَّبع الصدِّيقِين على ما هم عليه من الصِّدْق والتصديق، والتقوى والصلاح: كان منهم، وحُشِر معهم؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69].
     
    فمن أراد تَحرِّي هذه المنزلة، وأن يَمُنَّ اللهُ بها عليه، ويكون من أهلها: فعليه بالصِّدْق التامِّ في القول والفعل، وبتقوى الله في السِّرِّ والعَلَن.
     
    والصِّدِّيق مأخوذة من الصِّدْق، كثير التَّصْديق أو دائم التَّصْديق لله تعالى وللرُّسُل، والمفسِّرون فسَّرُوا الصِّدِّيق والصِّدِّيقة التي وردَتْ في القرآن الكريم بهذا المعنى؛ قال تعالى: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ... ﴾ [المائدة: 75]، وقال تعالى: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا... ﴾ [يوسف: 46]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: 56]، وقال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء: 69].
     
    فالقول الأول: أنَّ معنى الصِّدِّيق في هذه الآيات هو أنه كثيرُ الصِّدْق ودائمُ التصديق، وقد سُمِّي أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالصِّدِّيق؛ لأنه صَدَّق بالرسول صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كذَّبَتْ به قريش، وصدَّق به قبل كلِّ الناس.
     
    والقول الثاني: أن الصِّدِّيقِينَ مُشتقَّةٌ من العُلُوِّ والرِّفْعة، وقد وُصِفَ بها بعضُ الأنبياء؛ كإبراهيم وإدريس ويُوسُف، وممَّا يُؤيِّد هذا القول أن هؤلاء الأنبياء لما وُصِفُوا بالصِّدِّيقِينَ لم يكونوا مصدقِينَ.
    فالصِّدِّيق مرتبة يمكن أن تكون للأنبياء، ويُمكن أن ينالها أتباعُ الأنبياء؛ كأبي بكر الصِّدِّيق وغيره.
     
    والصدِّيقون كثيرون، والصحيح أن الصِّدِّيقين هم من غير حَصْرٍ، وهم مَنْ أطاع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتَّبَع هُداهما، فالصِّدِّيقون قد يكونون من الأنبياء، وقد يكونون من الناس أتباع الأنبياء، والصحابة، والتُّجَّار، والعلماء، والصالحين، وفي الحديث: "التاجِرُ الأمينُ الصَّدُوق مع النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداء يوم القيامة"؛ (رواه الترمذي والدارمي والحاكم).
     
    والناس مراتب، وأعلى المراتب مرتبةُ الرسل، ثم الأنبياء، ثم الصِّدِّيقِينَ، ثم الشهداء، ثم الصالحين.
     
    الصالح يُوصَف به جميعُ المؤمنين بالله من الأنبياء وغير الأنبياء عند الإطلاق؛ ولكن إذا ضُمُّوا إلى الرسل، فإن الصالحين هم أصحاب المرتبة الرابعة، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ [الحديد: 19]؛ يقول الطبري: "والذين أقرُّوا بوحدانية الله وإرساله رُسُلِه، فصَدَّقُوا الرسل، وآمنوا بما جاؤوهم به من عند ربِّهم أولئك هم الصِّدِّيقون".
     
    ودرجة الصِّدِّيقيَّة: باقية وليست قاصرة على طبقة الصحابة والسَّلَف الصالح، وإن كانوا هم بلا ريبٍ رؤوس الصِّدِّيقين وأكابرهم، لكن مَن عمِل بعملهم وسارَ على طريقهم، واتَّبَع سُنَّتَهم كان منهم.
     
    وممَّا يدُلُّ على ذلك أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني شهِدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصلَّيْتُ الصلوات الخمس، وصُمْتُ رمضان وقُمْتُه، وآتيْتُ الزكاة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ ماتَ على هذا كان من الصِّدِّيقين والشهداء))؛ قال المنذري: رواه البزَّار بإسناد حسن، وابن خزيمة في صحيحه، وابن حِبَّان، وصحَّحه الألباني.
     
    وروى الترمذي وحسَّنه من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((التاجِرُ الصَّدُوق الأمين مع النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداء)).
    وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المفسِّرين وغيرهم، أن ذلك عامٌّ في كل من هذه صِفَته.
    قال ابن الجوزي: الجمهور على أن النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهَداء والصالحين عامٌّ في جميع من هذه صفته.
    وقال عكرمة: المراد بالنبيِّين ها هنا: محمد، والصِّدِّيقينَ: أبو بكر، وبالشهداء: عمر، وعثمان، وعلي، وبالصالحين: سائر الصحابة.
     
    قال التستري العلماء ثلاثة: عالم بالله لا بأمر الله ولا بأيام الله، وهو عامَّة المؤمنين، وعالم بالله وبأمر الله لا بأيام الله، وهم العلماء، وعالم بالله وبأمر الله وبأيام الله وهم النبيُّون والصِّدِّيقون.
    وقيل: الصِّدِّيقون هم العلماء العاملون.
     
    قال ابن القيم: "أولو العلم الذين قاموا بما جاء به صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجِهادًا، وهؤلاء هم الصِّدِّيقون، وهم أفضل أتباع الأنبياء، ورأسُهم وإمامُهم الصِّدِّيق الأكبر أبو بكر.
     
    والصِّدِّيقيَّة: هي كمال الإيمان بما جاء به الرسول علمًا وتصديقًا وقيامًا، فهي راجعة إلى نفس العلم، فكلُّ مَنْ كان أعلمَ بما جاء به الرسولُ، وأكمَلَ تصديقًا له كان أتمَّ صِدِّيقِيَّة.
     
    والتحقيق أنَّ مَنْ يُصَدَّقُ عليه وَصْفُ الصِّدِّيقِيَّة من أهل العلم هم طائفةٌ مخصوصةٌ منهم، وهم من وفَّى العِلْمَ حقَّه من الطَّلَب والعمل والدعوة.
     
    قال ابن القيمبعد أن ذكر حديث الحَسَن مرفوعًا: من جاءه الموت وهو يطلُب العلم ليُحيي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة النبوَّة، قال: وهذا وإن كان لا يثبُتُ إسنادُه فلا يبعُد معناه من الصِّحَّة، فإن أفضل الدرجات النبوَّة، وبعدها الصِّدِّيقيَّة، وبعدها الشهادة، وبعدها الصلاح، فمن طَلَبَ العِلْمَ ليُحيي به الإسلام فهو من الصِّدِّيقين، ودرجتُه بعد درجة النبوَّة.
     
    المفاضلة بين العلماء والشهداء: فقد حقَّقَها ابنُ القيِّم بكلام متينٍ، خلاصتُه أن الفضيلة فيهما تابعةٌ لتحقيق صفة الصِّدِّيقيَّة، فمن تحقَّق بها من العلماء، أو الشُّهَداء فهو الفاضل، وختَم كلامَه بقوله: فإن جرى قَلَمُ العالم بالصِّدِّيقيَّة، وسال مِدادُه بها، كان أفضلَ من دَمِ الشهيد الذي لم يَلْحَقْه في رُتبة الصِّدِّيقية، وإن سال دمُ الشهيد بالصِّدِّيقية وقطر عليها، كان أفضل من مِدادِ العالم الذي قصر عنها، فأفضلُهما صديقهما، فإن استوَيَا في الصِّدِّيقيَّة استويا في المرتبة.
     
    الصالحون هم أهل طاعة الله تعالى ممَّن لم يَصِلْ إلى درجة الصِّدِّيقيَّة والشهادة، فهي لعامَّة المؤمنين؛ قال ابن الجوزي: وأمَّا الصالحون فهم اسم لكُلِّ من صَلَحَتْ سَريرتُه وعَلانيتُه.
    اللهم احشُرْنا في زُمْرة أولئك الذين أنعمت عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء، وحَسُن أولئك رفيقًا.
     
    الصِّدِّيقيَّة أرفع درجة ومرتبة يبلغها المؤمن:
    مفتاح الصِّدِّيقية:
    في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الصِّدْقَ يهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرَّجُل ليصدق حتى يُكتَبَ عند الله صِدِّيقًا)).
     
    فجعل الصدق مفتاح الصِّدِّيقيَّة ومبدأها، وهي غايته، فلا ينال درجتَها كاذبٌ البتة، لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله، ولا سيَّما كاذب على الله في أسمائه وصفاته، ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه، فليس في هؤلاء صِدِّيق أبدًا، وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرَّمَه وتحريم ما لم يُحرِّمْه، وإسقاط ما أوجبَه وإيجاب ما لم يُوجِبْه، وكراهة ما أحَبَّه واستحباب ما لم يُحِبَّه، كلُّ ذلك مُنافٍ للصِّدِّيقيَّة.
     
    الصِّدِّيقيَّة أعلى مراتب الصِّدْق: قال ابن القيم: "فأعلى مراتب الصِّدْق: مرتبة الصِّدِّيقيَّة، وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسِل".
    أنواع الصِّدِّيقية:
    1- الصدق في الأقوال.
    2- الصدق في الأعمال.
    3- الصدق في الأحوال:
    استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوُسْع، وبَذْل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصِّدْق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صِدِّيقيَّتُه؛ ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذِروة سَنام الصِّدِّيقية، سُمِّي الصِّدِّيق على الإطلاق، والصِّدِّيق أبلغ من الصَّدُوق، والصَّدُوق أبلَغُ من الصَّادِق.
     
    كيف يبلغ الإنسان درجة الصِّدِّيقين؟
    عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصِّدْقَ، حتى يُكتَبَ عند الله صِدِّيقًا))، ومن حديث عمرو بن مُرَّة الجهني، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيْتَ إن شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصَلَّيْتُ الصلوات الخمس، وأدَّيْتُ الزكاة، وصُمْتُ رمضانَ، وقُمْتُه، فمَنْ أنا؟ قال: ((من الصِّدِّيقين والشهداء))؛ أخرجه ابنُ حِبَّان في صحيحه، وفي رواية ابن خزيمة: ((مَنْ ماتَ على هذا كان من الصِّدِّيقينَ والشُّهَداء)).
     
    فكيف تصل إلى مرتبة الصِّدِّيقين؟
    الصِّدِّيق في المرتبة الثانية من مراتب المؤمنين بعد مرتبة النبوَّة، وتلك هي مراتب أولياء الله الذين أنعَمَ الله عليهم بالعلم النافع والعمل الصالح؛ كما قال الله سبحانه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء: 69].
    فالرجل الذي يتحرَّى الصدق يُكتَبُ عند الله صِدِّيقًا، ومعلومٌ أنَّ الصِّدِّيقية درجةٌ عظيمةٌ، لا ينالها إلا أفذاذٌ من الناس.
     
    فالصدق هو أن يكون المسلمُ صادقًا مع الله في فعل ما أمَرَ اللهُ به، والبُعْد عمَّا نهى اللهُ عنه، وصادقًا مع الناس في فِعْله وقولِه وتَعامُلِه، فمن لم يصدُقْ مع الله لن يصدُقَ مع الناس، والصدق حَسَنة تُثمِر حَسَنةً أكبرَ، وهي البِرُّ، والصدق يرتقي بالمؤمن حتى يتربَّعَ على عَرْشِ الصِّدِّيقيِّين في أعلى علِّيِّين، ولا يمكن أبدًا أن يستقيم المسلمُ على دين الله وطاعته إلا بالصدق، وأن يكون صادقًا في كل شيء، وصادقًا في كل أحواله وأقواله وأفعاله وأعماله، أن يكون صادقًا ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعَلَنًا، وتأمَّلْ وتدبَّر الأفعال: (يهدي - يزال - يتحرَّى) في شطر الحديث الأول "الصدق" فهي سُلَّمٌ إلى مرتبة الصِّدِّيقيَّة، وأن مجاهدة النفس على تحرِّي الصِّدْق تُوصِلُها إلى مرتبة الصِّدِّيقيَّة.
     
    وقال ابن القيم: "فمن تعبَّد الله بمراغمة عدوِّه (الشيطان)، فقد أخذ من الصِّدِّيقيَّة بسَهْمٍ وافر، وعلى قَدْرِ محبَّةِ العَبْد لربِّه وموالاته ومُعاداته لعدوِّه يكون نصيبه من هذه المراغمة، ولأجل هذه المراغمة حُمِد التبختُر بين الصَّفَّين، والخُيلاء والتبختُر عند صَدَقةِ السِّرِّ؛ حيث لا يراه إلَّا الله، لما في ذلك من إرغام العدوِّ، وبَذْل محبوبه من نفسِه ومالِه لله عز وجل، وهذا بابٌ من العبوديَّة لا يعرِفُه إلَّا القليلُ من الناس، وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان، ولاحظه في الذَّنْب راغمَه بالتوبة النصوح، فأحدثَتْ له هذه المراغمة عبوديَّةً أخرى".
     
    أحوال مرتبة الصِّدِّيقيَّة:
    وقد أمر الله تعالى رسولَه أن يسألَه أن يجعلَ مدخلَه ومخرجَه على الصِّدْق؛ فقال: ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 80]، وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهِبَ له لسانَ صِدْقٍ في الآخرين؛ فقال: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84].
     
    وبشَّر عبادَه بأنَّ لهم عنده قَدَمَ صِدْقٍ، ومقعد صِدْقٍ؛ فقال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ [يونس: 2]، وقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54، 55]، فهذه خمسة أشياء:
     
    مدخل الصِّدْق ومخرج الصِّدْق: فمدخل الصِّدْق ومخرج الصِّدْق: أن يكون دخولُه وخروجُه حقًّا ثابتًا بالله، وفي مرضاته بالظَّفَر بالبُغية، وحصول المطلوب، ضد مخرج الكَذِبِ ومدخلِه الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساقٌ ثابتةٌ يقُوم عليها.
     
    ولسان الصِّدْق: فهو الثناء الحَسَن عليه من سائر الأُمَم بالصِّدْق ليس ثناء بالكَذِب؛ كما قال عن إبراهيم وذُريَّته من الأنبياء والرُّسُل عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ﴾ [مريم: 50]، والمراد باللسان ها هنا: الثناء الحَسَن، فلما كان الصِّدْق باللسان، وهو محلُّه أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاءً وِفاقًا وعبَّرَ به عنه.
     
    وقدم الصِّدْق: وأما قدَمُ الصِّدْق: ففُسِّر بالجنة، وفُسِّر بالأعمال الصالحة، وحقيقة القَدَم ما قدَّمُوه وما يقدمُون عليه يوم القيامة، وهم قدَّمُوا الأعمال والإيمان بمحمد، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك.
     
    ومقعد الصدق: الجنة، وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل لرضوانه.
     
    أعلى درجة الصِّدِّيقية وأكمل الناس فيها: التسليم لله وللرسول من أجل مقامات الإيمان وأعلى طرق الخاصة، وأن التسليم هو مَحضُ الصِّدِّيقية التي هي بعد درجة النبوَّة، وأن أكمل الناس تسليمًا أكملهم صِدِّيقية.
     
    الصِّدِّيقية أعظم درجة من جميع الطاعات: كالصيام والقيام... وغير ذلك؛ فما سَبَق الصِّدِّيقُ الصحابةَ بكثرةِ عَمَلٍ، وقد كان فيهم من هو أكثر صيامًا وحجًّا وقراءةً وصلاةً منه؛ ولكن بأمر آخر قام بقلبه حتى إن أفضل الصحابة كان يُسابِقُه ولا يراه إلَّا أمامه؛ ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشَقَّ، ولا يلزم من مشقَّتِها تفضيلها في الدرجة؛ فأفضل الأعمال الإيمان بالله، والجهادُ أشَقُّ منه، وهو تاليه في الدرجة، ودرجة الصِّدِّيقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء.
     
    الصِّدِّيقون أكمل الناس أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلمانظر إلى أدب الصِّدِّيق رضي الله عنه مع النبي في الصلاة بين يدي النبي؛ فقال: "ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدَّمَ بين يدي رسول الله"، كيف أورثَه مقامَه والإمامةَ بالأُمَّة بعده، فكان ذلك أن تأخَّر إلى الخَلْف وقد أومأ إليه ((أنِ اثبُتْ مكانَكَ)).

    الصِّدِّيقون أكثر الناس فِراسة: "كان الصِّدِّيق رضي الله عنه أعظمَ الأمَّة فِراسةً، وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقائع فِراسته مشهورةٌ؛ فإنه ما قال لشيء: أظنُّه كذا إلَّا كان كما قال، ويكفي في فِراستِه: موافقته ربَّه في المواضع المعروفة".
     
    قال ابن القيم رحمه الله: "فأما مراتب الكمال فأربع: النبوة، والصِّدِّيقيَّة، والشهادة، والولاية، وقد ذكرها الله سبحانه في قوله: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70]، وذكر تعالى في سورة الحديد الإيمان به وبرسوله؛ فقال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ [الحديد: 19]، والمقصود أنه ذكر فيها المراتب الأربعة: الرسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشهادة، والولاية، فأعلى هذه المراتب: النبوَّة والرسالة، ويليها الصِّدِّيقية؛ فالصِّدِّيقُون هم أئمة أتْباع الرسل، ودرجتهم أعلى الدرجات بعد النبوة، والصِّدِّيقيَّة هي أعلى المراتب بعد النبوَّة فهي أعلى ما يمكن أن يصل إليه المؤمنُ من الصحابة أو غيرهم".
     
    وقال ابن القيم في موضع آخر: "عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأس الصِّدِّيقين... "؛ ا هـ.
    ولما انطوى بِساط النبوَّة من الأرض بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَبْقَ على وَجْه الأرض أكمل من درجة الصِّدِّيقيَّة، وأبو بكر رأس الصِّدِّيقين.
     
    قال ابن القيم: "أبو بكر سيد الصِّدِّيقين، وعمر وعثمان بعده مباشرة؛ فهما أعلم الناس بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأشدهما تصديقًا له وعملًا به؛ لأن الصِّدِّيقيَّة هي كمال الإيمان بما جاء به الرسول علمًا وتصديقًا وقيامًا به، فكل من كان أعلمَ بما جاء به الرسول، وأكملَ تصديقًا له كان أتمَّ صِدِّيقيَّة"، وقد نالها مَنْ هم دون عمر وعثمان؛ لحديث عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصلَّيْتُ الصلوات الخمس، وأدَّيْتُ الزكاة، وصُمْتُ رمضان وقُمْتُهُ، فممَّن أنا، قال: ((من الصِّدِّيقين والشُّهَداء))؛ رواه البزَّار وابن خزيمة وابنُ حِبَّان في صحيحيهما، وصحَّحه الألباني.
     
    والصِّدِّيق وَصْفٌ لمن كثُر منه الصِّدْقُ، وهم ثمانية نفَر من هذه الأُمَّة، سبقُوا أهلَ الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، ألحَقَه اللهُ بهم، وإنْ تمَّ به الأربعون لما عرف من صدق نيَّته؛ ا هـ.
     
    ومريم عليها السلام صِدِّيقة، وليسَتْ نبيَّةً، وهذه كانت حِكْمة إلهية لكي يخرج الله النصارى من هذا الموضوع فلا يعبدونها ولا يؤلِّهونها، فهي صِدِّيقةٌ؛ لأن الله قال في شأنها: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾ [المائدة: 75] يأكلون مثلكم؛ يعني: عبيد فلا تزيدوهم عن مقام العبودية؛ ولكن لا تنكروا الخصوصية التي أعطاها لهم ربُّ البريَّة عزَّ شأنه؛ ولذلك فأعظم مقام بعد مقام النبوَّة هو مقام الصِّدِّيقية.
     
    وقال ربُّنا عنها: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ [التحريم: 12]، وهذه الآية لا يُفهَم منها مجرَّد الإيمان؛ بل وصلت إلى درجة التصديق (الصِّدِّيقية) بما تكلَّم الله به، وبما أُنزِل في كُتُبِه دون توقَّف أو تردُّد.
     
    لا حرج على المسلم أن يدعوَ الله أن يكون من الصِّدِّيقين:
    علوُّ الهمَّة، وطلب معالي الأمور، والرغبة في مزيد التقرُّب إلى الله بفعل الصالحات وتَرْكِ المنكرات - من الأمور المشروعة المستحبَّة.
     
    وأولياء الله تعالى هم الأتقياء من خلقه، فكُلُّ من كان تقيًّا كان لله وليًّا، وتَتَفاوَتُ الولاية بحسب إيمان العبد وتقواه، وأعلى درجاتها بعد منزلة النبوة: منزلة الصِّدِّيقيَّة، وأصحابها هم الصِّدِّيقُونَ.
     
    عملٌ إذا عمِله المسلم يكون مع الصِّدِّيقين يوم القيامة:
    ذلك العمل هو: الصدق والأمانة في التجارة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التاجِرُ الأمين الصَّدُوق المسلم مع النبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء يوم القيامة))؛ صحَّحه الألباني، فكُلُّ صِدِّيق صالحٌ، وليس كُلُّ صالحٍ صِدِّيقًا.
     
    ثبوت لقب الصِّدِّيق لبعض الصحابة بروايات صحيحة:
    روى البخاري عن قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدَّثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أُحَدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: ((اثْبُتْ أُحُد؛ فإنما عليكَ نبيٌّ، وصِدِّيق، وشهيدان)).
     
    فالشهيدان المقصودان في هذا الحديث هما: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والصِّدِّيق هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
     
    قال ابن المنير: قيل: الحكمة في ذلك: أنه لما أرجف أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّن أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى عليه السلام لما حرَّفُوا الكلم، وأن تلك رجفة الغضب؛ ولهذا نصَّ على مقام النبوَّة والصِّدِّيقية والشهادة التي تُوجِب سُرُور ما اتَّصَلَتْ به لا رجفانه، فأقرَّ الجبل بذلك، فاستقرَّ.
     
    قال العلماء في تعليل ذلك: أن الجبل رجف فَرَحًا بمن رَقاهُ مِن الشُّرفاء، ولا رَيْبَ أن النبي صلى الله عليه وسلم أشْرَفُ الخَلْق، وأصحابه أشرف الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فالجبل فَرِحَ، فسَكَّنَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بقَدَمِه، وقال: ((اثْبُتْ أُحُد)) وأُحُد: جَبَلٌ مُباركٌ، قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه)) وقد كان عمر يقول قبل أن يُقتَل: اللهمَّ إني أسألُكَ شهادةً في سبيلِكَ، وميتةً في بلد رسولِكَ.
     
    وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ على حِراءٍ هو وأبو بكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وطَلْحةُ، والزُّبَيْرُ، فتَحَرَّكَتِ الصَّخْرةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اهْدَأْ فما عليكَ إلَّا نَبِيٌّ، أو صِدِّيقٌ، أو شَهِيدٌ)).
     
    وفي رواية عن أبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حِراء، فَتَحَرَّكَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ))، وعليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وطَلْحةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنهم.
     
    وهذا الحديث مِن الغيب الذي كشَفَه الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في قوله: ((اثْبُتْ أُحُد؛ فإنما عليك نبيٌّ، وصِدِّيقٌ وشهيدان))، وقد تحقَّق ما قاله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قُتِل عمر في محراب رسول الله شَهيدًا، وقُتِل عثمانُ ويده على المصحف الشريف شهيدًا، رضوان الله عليهم أجمعين، وفي الحديث: فضل جبل أحد، وبيان معجزاته صلى الله عليه وسلم المتضمنة: تكليمه للجمادات؛ كما حَنَّ الجِذْعُ إليه، وسلَّم الحَجَرُ عليه، بأبي هو وأُمِّي، صلوات الله عليه.
     
    كيف أكون صِدِّيقًا مع ربي؟
    إنَّ الصدق مع الله تعالى لا يتحقَّق إلَّا بلزوم تقواه، والاستقامة على ما يُحبُّه ويرضاه، بحيث تكون هِمَّةُ العَبْد متعلِّقةً بربِّه ومولاه؛ فقد ذكر الله تعالى آيةً مشتملةً كما يقول ابن كثير على جُمَلٍ عظيمة، وقواعِدَ عميمةٍ، وعقيدةٍ مستقيمةٍ، وهي قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ [البقرة: 177]، ثم قال سبحانه بعد هذه الأوصاف كلها: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
     
    قال السعدي: أي: المتصِفُون بما ذُكِر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم الذين صَدَقُوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدقت إيمانهم؛ ا هـ.
     
    والمقصود أن الصدق مع الله مرتبة عالية لا يصل إليها الإنسان إلَّا ببَذْل نفسه لله، بحيث يكون أمره تبعًا لأمر الله، يُحبُّ ما يُحِبُّ، ويكره ما يكره، ويفعل ما يأمُرُ؛ ولذلك اشتُقَّ من هذه الصفة الجليلة أعلى مراتب العبودية على الإطلاق بعد مرتبة النبوَّة، وهي مرتبة الصِّدِّيقية.
     
    فلا بُدَّ لمن أراد الصدق مع الله أن ينظُر في هذه الآية وما فيها من شرائع وشعائر، فيتمثَّلها واقِعًا عمليًّا في حياته.
    ولا بُدَّ من توطين النفس على الالتزام والطاعة المطلقة لأمر الله، وإنْ كَلَّفَه ذلك الغالي والنفيس، ابتغاء مرضاته تعالى، بحيث يدخُل العبد في السِّلْم كافَّة، ولا يتَّبِع خُطوات الشيطان.
     
    فإن الله عز وجل إنما وَصَفَ بالصِّدْق مَنْ وفَّى العبوديَّةَ حَقَّها؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15]، وقال: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8].
     
    فإذا فعل العبد ذلك فليُبشِر بكُلِّ خيرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]، فإن الجزاء من جنس العمل، كما رُوي عن شدَّاد الليثي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن تصدق الله يصدقك...))؛ قال الألباني: إسناده صحيح، رجاله كُلُّهم على شرط مسلم، أحكام الجنائز، برقم: (80).
     
    وعن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أراد أن يعلم ما لَه عند الله جَلَّ ذِكْرُه، فلينظُر ما لله عز وجل عنده))؛ قال الألباني في السلسلة الصحيحة حَسَنٌ لشواهده.
     
    قال المناوي: زاد الحاكم في روايته: فإن الله يُنزِلُ العبد منه حيث أنزله من نفسه، فمنزلة الله عند العبد في قلبه على قدر معرفته إيَّاه، وعلمه به وإجلاله وتعظيمه والحياء والخوف منه، وإقامة الحرمة لأمره ونهيه، والوقوف عند أحكامه، بِقَلْبٍ سليم ونَفْسٍ مُطمئنةٍ، والتسليم له بَدَنًا ورُوحًا وقَلْبًا، ومراقبة تدبيره في أموره، ولزوم ذكره والنهوض بأثقال نِعَمِه ومِنَنِه، وترك مشيئته لمشيئته، وحُسْن الظنِّ به، والناس في ذلك درجاتٌ، وحظوظهم بِقَدْر حظوظهم من هذه الأشياء، فأوفرهم حظًّا منها أعظمهم درجةً عنده، وعكسه بعكسه.
     
    إيثار العبد لله على كل ما سواه هي درجة الصِّدِّيقية، وهي أكمل صور الولاية لله التي يبلغها المؤمن حين يبلغ مرتبةَ الإحسان في الدين، التي تلي درجة النبوَّة، كما قال أبو بكر الصديق حين جاء بصَدَقَتِه وبماله كله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما تركْتَ لأهلِكَ؟))، قال: الله ورسوله، بينما جاء عمر بنِصْفِ مالِه ليُنفِقَه في سبيل الله ظنًّا منه أن يَسْبِقَ أبا بكر الصِّدِّيق!
     
    فقد بلغ أبو بكر درجةَ الصِّدِّيقيَّة بهذا الإيثار لمرضاة الله على كلِّ ما سُواه، حين استغنى بالله ورسوله، وآثَرَهما على كلِّ ما سواهما؛ ولهذا قال الحسن البصري: "لم يسبقْهم أبو بكر بكثيرِ صومٍ ولا صلاة؛ وإنما بشيء وقَرَ في قلبه"، ولا تتمُّ الصِّدِّيقيَّة إلَّا بكمال المراقبة لله، وكمال العبوديَّة له، كما في الصحيح: ((قال أخبرني عن الإحسان؟ قال أن تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لم تكُنْ تراهُ، فإنَّه يراكَ))، وكما في الصحيح: ((مَنْ عادى لي وليًّا، فقد آذنْتُه بالحرب، وما تقرَّبَ إليَّ عَبْدي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افترضْتُه عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحْبَبْتُه كنتُ سَمْعَه الذي يسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به))، فلا تتحقَّق درجةُ الولاية الإحسانية - التي هي أعلى من درجة الولاية الإيمانية - إلَّا بإيثار المؤمن اللهَ على نفسِه وهواه حتى فيما أباحَه اللهُ، وبإخلاص الدين لله، وقد جعل الله درجة الصِّدِّيقيَّة فوق درجة الشهادة؛ كما قال تعالى: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء: 69]، وهذا معنى قول الفضيل: "إيثارُ اللهِ أفضلُ من القتل في سبيله"، فالشهادة أدنى من درجة الصِّدِّيقيَّة، ودرجة الصِّدِّيقيَّة لا تتحقَّق إلَّا بمجاهدة النفس والارتقاء بها علمًا وعملًا وإيماًنا وتقوى ومُراقبةً وعبوديَّةً، ولا يكاد ينالُ شَرَفَها إلَّا من خَصَّه اللهُ بعظيم كرامته من خاصَّةِ أوليائه.


    د. محمود عبد العزيز يوسف
    شبكة الالوكة



  7. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((اتقِ اللهَ حيثما كنت، وأتْبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخلق حسنٍ))[1].

    يقول الشيخُ ابن عثيمين رحمه الله - تعليقًا على الحديث -: "ومعنى ذلك أنك إذا ظُلِمتَ، أو أُسِيءَ إليك، فإنك تعفو وتَصفَحُ، وقد امتدَحَ الله العافِين عن الناس فقال في صفات أهل الجنةِ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134].
     
    وقال الله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [البقرة: 237].

    وقال تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ [النور: 22].

    وكلُّ إنسان يتصل بالناس فلا بد أن يَجِدَ من الناس شيئًا من الإساءة، فموقفُه من هذه الإساءة أن يعفوَ ويصفَحَ، وليعلَمْ علمَ اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنَى، سوف تنقلب العداوةُ بينَه وبين أخيه إلى ولايةٍ وصداقةٍ.
     

    قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]"[2] ا.هـ كلامه رحمه الله.


    ويُحكَى أن إحدى الأخوات كانت تصلي ركعتين كلما آذاها أيُّ شخص، وحينما سُئلتْ عن ذلك قالت: إني أصلي، وأدعو اللهَ - عز وجل - أن يَغْفرَ لمن آذتْني حتى يعفوَ اللهُ عنها، ويصفوَ قلبُها تجاهي، وكذلك أدعو اللهَ أن يغفرَ لي حتى يطهِّرَ قلبي تجاه من آذتني، فلا أحمِل ضدَّها شيئًا في قلبي، فلعل اللهَ سلَّطها عليَّ لذنب فعلتُه في حق غيري.
     

    والعفْوُ من صفات العزة يومَ القيامة؛ لأن العفوَ هو أن تترُكَ معاقبةَ كلِّ من يستحق العقوبة وأنت قادر على عقوبته، فعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثٌ - والذي نفسي بيدِه - إن كنتُ لَحالفًا عليهِن: لا يَنقُصُ مالٌ من صدقةٍ؛ فتصدَّقوا، ولا يَعفو عبدٌ عن مَظلمةٍ، إلا زادَه اللهُ بِها عزًّا يومَ القيامةِ، ولا يفتَحُ عبدٌ بابَ مسألةٍ، إلا فتحَ اللهُ عليهِ بابَ فقرٍ))[3].


    ومن هنا ندرك أهميةَ العَفْوِ، وعِظمَ مكانة من يَتَّصفُ به. 

    والسؤالُ الذي يطرح نفسَه: هل العفْوُ دائمًا محمودٌ حتى إذا استَمرَّ شخصٌ في الإساءةِ إليك، وتمادى في إساءتِه؟

    والجوابُ: لا.

     

    فالهدفُ من العفوِ: هو الإصلاحُ، فإن لم يتحقَّقِ الإصلاحُ مع تَكْرارِ العفوِ، وتمادى المُسيءُ في إساءتِه، إلى درجةٍ تتسبَّبُ في الأذَى البالغِ للمُساء إليه، فهنا وجبَ الأخذُ بالحقِّ، والمطالبة بعقوبة المسيء؛ لذلك قال الشيخُ ابن عثيمين - رحمه الله -: "قال شيخُ الإسلامِ: الإصلاحُ واجب، والعفوُ مندوبٌ، فإذا كان في العفو فواتُ الإصلاحِ، فمعنى ذلك أننا قدَّمْنَا مندوبًا على واجبٍ، وهذا لا تأتي به الشريعةُ. وصدق رحمه الله"[4].

     

    وقد قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغِي للمؤمنِ أن يُذلَّ نفسَه))، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه؟ قال: ((يتعرَّضُ من البلاءِ لمَا لا يطيقُ))[5].
     

    أَيْ: إن الإنسانَ لا ينبغي له أن يترُكَ نفسَه تتعرضُ للإساءة والإهانة باستمرار، مُتَّسمًا بالعفو في موضعٍ لا يؤدِّي العفوُ لإصلاح، زاعمًا أن الشرعَ حثَّ على العفْوِ، بل ينبغي أن يكون المسلمُ عزيزًا بدينِه وتسامحِه، وإذا تحوَّلتِ العزةُ بالعفوِ إلى ذِلَّةٍ وإهانةٍ، فهنا وجَبَ عليه أن يقف وقفةً حازمة، فالله - عز وجل - عادلٌ لا يقبل الإهانةَ والذلَّ، وكما حث سبحانه على العفو، فقد حث أيضًا على القِصاص والأخذِ حينما يَستدْعي الأمر ذلك.
     

    وقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين يؤذون المسلمين قائلاً: ((يا معشرَ مَن أسلمَ بلسانِه، ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبِه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيِّروهم، ولا تتَّبعوا عَوراتِهم؛ فإنه مَن تتبَّع عورةَ أخيهِ المسلم، تتبَّع الله عورتَه، ومَن تتبَّع اللهُ عورتَه، يفضَحه ولو في جَوفِ رَحْلِه))[6].

     

    ولما سُئلَ صلى الله عليه وسلم عن امرأةٍ تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانَها؟ قال: ((هي في النار))، قالوا: يا رسول الله، فلانة تصلي المكتوباتِ، وتَتصدقُ بالأثوارِ من الأقِطِ، ولا تؤذي جيرانَها؟ قال: ((هي في الجنةِ))[7].

     

    وهنا وجَبَ التوضيحُ: أن الأخذَ والقِصاصَ لا يعني: عدمَ المسامحةِ في القلب، بل تتم المسامحة في القلب مع أخذِ الحقِّ بالجوارحِ؛ ردعًا وزجرًا للمسيء؛ ليتوقفَ عن إساءتِه، وليس انتقامًا منه.

    وماذا بعد الأخذ؟ ما هو الواجبُ على المسلم بعد أخذِ الحقوق وردعِ المسيء؟

    يعتمد الأمر هنا على مدى الإساءةِ، وهل كان الأخذ سببًا لردع المسيء أم لا؟


    فإن تحقق الإصلاحُ، وتم ردع المسيء، فينبغي على المُسَاءِ إليه أن يعفوَ، ويصفحَ ويسامحَ.


    أما إن لم يتحقَّقِ الإصلاح، واستمر المسيء في قناعاتِه بأنه غيرُ مُخطئٍ، واستمر في إساءتِه، فهنا وجَبَ تجنبُه؛ اتِّقاءً لشره وأذاه، وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من يتجنَّبه الناس اتِّقاءَ شرِّه وفُحْشِه من شِرارِ الناس منزلةً عندَ اللهِ يومَ القيامة، فقال: ((إن شرَّ الناسِ عند اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ: مَن تركَه الناسُ اتِّقاءَ شرِّه))[8].
     

    تقول إحدى الأخوات: تعرضت لظلم مستمر من الأهل، وكنت دائمًا أعفو وأسامحُ، وقد اعتبروا هذا ضعفًا بالشخصية؛ فزادوا في الإساءةِ، حتى اعتبروا أن العفوَ حقٌّ مكتسَبٌ لهم، وأنه ليس من حقِّي حتى الحزنُ على إساءتِهم، وزادَتِ الإساءةُ، والإهانةُ، والتجريحُ، لدرجةِ أنهم اغتصبوا بعضَ حقوقي، وتعدتِ الإساءةُ إلى زوجي وأولادي، وكان هذا الموقِف بالنسبة لي كالقَشَّة التي قسمَت ظهر البعير، وهنا قررتُ أنه لا بد من وقفةٍ حازمة لوضعِ الأمورِ في نِصابِها، وطالبت باعتذار عما تعرضتُ له من إهانةٍ وتجريحٍ، ورفضت أن أردَّ على الهاتف، وأخبرتهم أني لن أتواصل صوتيًّا حتى يتم الاعتذارُ؛ لعلمي أن المكالمةَ الهاتفيَّة قد تفسد أكثرَ مما تصلحُ؛ بسبب تسلُّط شخصيتِهم ورفضِهم الاعتذارَ، ومرَّ عامان تعرضْتُ فيهما للكثير من الاتهامات والإساءات، واتُّهمتُ بأني قاطعةٌ للرَّحمِ، وأن قلبي مليءٌ بالحقدِ؛ لرفضي للعفوِ، وبعدَ عامين من استمرارِ التجريحِ والإساءةِ لي - في غيابي - حتى امتلأَت قلوبُ بعضِ المعارف بالشحناءِ تجاهي، جاءَ الاعتذارُ جبرًا للموقفِ، مع الإصرارِ على أنهم لم يُخْطِئوا في حقي، وهنا لم يكن هناك بُدٌّ من الاقتصارِ على الواجبِ في الصلة والبرِّ، وهو السلامُ عن طريقِ الهاتفِ، كما أشار عليَّ كلُّ من استشرتُ من أهل العلم، ولم أعُدْ أبالي بما يُقال عني في غيابي، ولا ما يرسل لي من رسائلَ تتهمُني بالحقدِ والعقوقِ وقطيعةِ الرَّحمِ، ولا أملِكُ غيرَ الدعاءِ بأن يكفِيَني اللهُ إياهم بما شاء، وكيفما شاء، وأينما شاء. ا.هـ.

     

    وكم هو مُحزنٌ أن يصلَ حالُ المسلمين إلى هذا الحالِ، ويطغَوْا على المظلومِ تحت شعار العفو والسماح، ويتمادَوْا في الإساءةِ، ناسين أن الإسلامَ دينُ وسطيَّة، راعى حقوق الجميعِ، وأن الله - عز وجل - عادلٌ، ووضَعَ موازينَ وضوابطَ لكلِّ شيء.

     

    وأختم مَقالي بقولِ إحدى الفاضلات: "أتذكَّر جدي - رحمه الله - كان من أكثرِ الناسِ تواضعًا، لكنه لم يكن يحبُّ إذلالَ النفسِ، وكثيرًا ما يقول: ميِّزوا بينَ الذل والتواضع، فما من فضيلة إلا وهي بين رذيلتَيْنِ، والتواضعُ منزلةٌ بينَ الكِبْرِ والذل، لِنْ في الجانب للمسلمين ولا تترفَّع على أحد، وفي المقابل لا تسْتَكِن لأحد وترفعه فوق المنزلة التي يستحق" ا.هـ.

     

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


    [1] رواه الترمذي (2115) حسن.

    [2] كتاب العلم؛ لابن عثيمين ص 181

    [3] صحيح الترغيب (2462) صحيح لغيره.

    [4] كتاب العلم؛ للشيخ ابن عثيمين ص 183.

    [5] رواه الترمذي (2254) حسن لغيره.

    [6] رواه الترمذي (2032) حسن.

    [7] الترغيب والترهيب (3/321) صحيح.

    [8] رواه البخاري (6032).

    شبكة الالوكة


  8. يا أيها المؤمنون: اعلموا، أن كل زمان أو مكان حرمه الله، فالمعصية فيه أعظم وأشنع فلما حرَّم الله مكة وجعلها حرمًا آمنًا، قال عن حرمها: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فكذلك الأشهر الحرم


    (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36]
    والأربعة الحرم يوضحها لنا النبي -صلي الله عليه وسلم- ويحددها، فقد جاء من حديث أبي بكرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، مضر الذي بين جمادى، وشعبان“(متفق عليه).
    فالأشهر الحرم هي: رجب وذو القعدة وذو الحجة وشهر الله المحرم.
    فرجب شهر حرام، بل هو أول الأشهر الحرم، وهذه هي ميزته علي باقي شهور السنة؛ أنه شهر من شهور الله الحرام.
     

    لكن ما معني شهر حرام؟
    الإجابة تتلخص في النقاط التالية:

    أولًا: أن الله -عز وجل- حرم فيها القتال -على الراجح من كلام العلماء-: إلا أن يبدأ العدو فندافع عن ديار المسلمين، ودليل حرمة ابتداء القتال فيها هو قول الله -عز وجل-: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ…)[المائدة: 2]، “أي: ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه، والشهر الحرام: هو الذي كانت العرب تعظمه وتحرم القتال في الجاهلية فيه، فلما جاء الإسلام لم ينقض هذا الحكم، بل أكده”(تفسير الخازن)، ويؤدي نفس المعنى قوله -عز من قائل-: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ…)[التوبة: 5].
     
    وعن جابر أنه قال: “لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى أو يغزوا، فإذا حضر ذلك أقام بنا حتى ينسلخ”(أحمد وغيره).
     
    ونؤكد بدورنا كلام الإمام الخازن؛ فنقول: نعم، لقد كان أهل الجاهلية يحرمون القتال في الأشهر الحرم، وهو ما أكده قبلنا الإمام البيهقي قائلًا: “وكان أهل الجاهلية يعظمون هذه الأشهر، وخاصة شهر رجب فكانوا لا يقاتلون فيهن”(فضائل الأوقات للبيهقي)، قالوا: حتي لو قابل الرجل قاتل أبيه ما تعرض له بسوء… فكان المطاردون يخرجون ويظهرون في شهر رجب وفي الأشهر الحرم.
     
    ثانيًا:
    أن المعاصي في الأشهر الحرم أعظم إثمًا وأشد تحريمًا، كما أن أجور الحسنات مضاعفة فيها: فإن كانت المعصية قبيحة في كل وقت فإنها في هذه الأشهر أشد قبحًا ودمامة، قال قتادة: “العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا”(تفسير البغوي والخازن)، وهذا من معنى قول الله -سبحانه وتعالى-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36].
     
    فيا أيها المؤمنون: اعلموا، أن كل زمان أو مكان حرمه الله، فالمعصية فيه أعظم وأشنع فلما حرَّم الله مكة وجعلها حرمًا آمنًا، قال عن حرمها: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فكذلك الأشهر الحرم، حتى لقد قال بعض الفقهاء: “إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف، فتكون ستة عشر ألف درهم”(المجموع للنووي، والمغني لابن قدامة).
     
    فهي قاعدة تقول: إذا عظَّم الله مكانًا أو زمانًا، كانت المعصية فيه أعظم إثمًا، والطاعة فيه أعظم أجرًا.
     

    ولنا مع قوله تعالي: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، وقفة:
    وقفة نقفها مع العاكفين علي الذنوب والمعاصي الناسين لله وللآخرة، مع من يسهرون أمام التلفزيون ليلهم، ويقضون في اللهو نهارهم، مع الغافلين عن أنهم حتمًا سيموتون ويدفنون ويقبرون…
     
    نقول: أيها المقيم علي المعاصي أقصر، أقصر، أقصر… تب إلي الله يتب الله عليك، لا تقنط ولا تيأس من رحمته -عز وجل-، لا تقل ذنوبي كثيرة؛ فإن مغفرة الله أكثر، ولا تقل خطاياي عظيمة؛ فإن رحمة الله أعظم، واستمع إليه -تعالى- يناديك قائلًا: (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر: 53]، وها هو -عز وجل- يعيد عليك: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء:110].
     
    ويروي أبو موسى الأشعري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها”(مسلم)، وعن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة”(الترمذي).
     
    فما زلت في مهلة، وما زالت لك فرصة؛ فعن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر”(الترمذي)، وعن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “قال إبليس: أي رب لا أزال أغوي بني آدم، ما دامت أرواحهم في أجسادهم”، قال: “فقال الرب -عز وجل-: “لا أزال أغفر لهم، ما استغفروني”(أحمد).
     
    ***
     
    وليست هذه هي كل فضائل الأشهر الحرم، بل هي بعضها


    ملتقى الخطباء

  9. القاعدة الخامسة عشرة : { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }

     

    الحمد لله الذي حمد نفسه في السماوات والأرض، وحمد نفسه في الآخرة والأولى، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فليس مثل ملتقانا بهاءا، ونضرة، لأن حديثنا لا يزال يتردد ويتجدد في آي من القرآن، ورسمه واسمه: (قواعد قرآنية)، لنتأمل جميعاً في قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان، وتملأ قلوبهم ثقةً ويقيناً، وراحة وطمأنينة، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف:128].

    وهذه الآية الكريمة جاءت مرةً على لسان موسى وهو يبشر قومه الذين آمنوا به، بحسن العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.
    وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب، في خطاب الله تعالى لنبيه محمد في خواتيم سورة طه:
    { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} [طه].
    وجاءت هذه القاعدة ـ أيضاً ـ بعد انتهاء قصة قارون، في خواتيم سورة القصص، قال تعالى:
    { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص].

    ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين، كما في قوله سبحانه:
    { وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف]، بل هي عامة في الدنيا والآخرة،
    ولكن قبل أن نسأل: أين صدق هذه القاعدة، فلنسأل: أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا فوعد الله لا يتخلف!

    أيها القارئ المسدد:
    إن أدنى تأمل لمجيء هذه الآيات ـ مع تنوع سياقاتها ـ ليوضح بجلاء اطّراد هذه القاعدة، فقد أخبر بها ربنا جل وعلا في قوله: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }، وبعد قصة قارون قوله:{ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }، وبشر بها موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.

    "وحقيقة العاقبة: أنها كل ما يعقب أمراً، ويقع في آخره من خير وشر، إلا أنها غلب استعمالها في أمور الخير، فالمعنى: أن التقوى تجيء في نهايتها عواقب خير، واللام ـ في قوله "للتقوى" و "للمتقين" للملك، تحقيقاً لإرادة الخير من العاقبة، لأن شأن لام الملك أن تدل على نوال الأمر المرغوب، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة، وقد تكون العاقبة في خير الدنيا ـ أيضاً ـ للتقوى.
    وجاءت هذه الجملة بهذا الأسلوب لتؤكد معنى العموم، أي: لا تكون العاقبة إلا للتقوى، فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل" [التحرير والتنوير:9/193 بتصرف يسير].

    فما أحوجنا ونحن نشاهد ما نشاهد سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أن نتأمل هذه القاعدة، ولنبدأ بالإشارة إلى المستوى الجماعي: فإن أمة الإسلام تمر منذ قرون بحالة من الضعف والتفرق وتسلط الأعداء على كثير من أهله، وهذه حالٌ تجعل بعض الناس من المنتسبين للإسلام ـ وللأسف ـ يبحث عن موطئ قدم خارج دائرة بلاد الإسلام، فيذهب غرباً أو شرقاً، بحثاً عن مبادئ أخرى، ومذاهب مختلفة، لا تمت إلى الإسلام بصلة، بسبب شعوره البائس بهزيمة داخلية وما تعانيه الأمة الإسلامية من تفرق وتشرذم، وفي الوقت ذاته انبهاره بالتقدم المادي، وما يوجد في تلك البلاد من محاسن تتعلق بحقوق الإنسان، وغيرها من المجالات.

    والمؤلم في أمثال هؤلاء أنهم لم يروا من حضارة الشرق أو الغرب إلا الجانب الإيجابي والحسن، وعميت أبصارهم، أو تعاموا عن الجوانب المظلمة ـ وما أكثرها ـ هذه الحضارة التي اعتنت بالجسد، وأهملت الروح، وعمرت الدنيا وخربت الآخرة، وسخّرت ما تملكه من أسباب مادية في التسلط على الشعوب المستضعفة، وفرض ثقافتها، وأجندتها على من تشاء.

    وعلى سبيل المثال: فإن نظام الثورة الفرنسية الذي قرر مبادئ حقوق الإنسان والمساواة بين البشر ـ كما يزعم واضعوه ـ لم يمنعه من إبادة ثلث سكان جزيرة هاييتي، لأنهم تمردوا على العبودية! كما أن القائد الفرنسي المشهور نابليون ـ الذي أنجبته الثورة الفرنسية ـ جاء إلى بلاد مصر، ليحتلها ويقيم نظاماً استعمارياً فيها.
    والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لسردها، فضلاً عن التفصيل فيها، ولكن لعل من المناسب أن نُذكّر بقضية الساعة هذه الأيام، وهي قضية انهيار النظام الاقتصادي الرأسمالي! الذي قام على مصادمة منهج الله العادل في شأن المال، فرأى أربابه صدق ما توعد الله به أكلة الربا من المحق، وفي كل يوم نسمع عن مليارات ضائعة، وشركات عالمية أفلست، حينها قال من قال: لا بد من العودة إلى المنهج الإسلامي في الاقتصاد! وصدق الله:
    { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة]، وصدق الله: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }.

    ألا ما أحوج الدول الإسلامية، والجماعات الإسلامية في بقاع الأرض إلى أن يتدبروا هذه القاعدة جيداً، وأن يتأملوا جيداً في العواقب التي جناها مخالفوا التقوى في الأنظمة والحكم والسلوك، ومن تدبر مجيء قوله تعالى على لسان موسى وهو يخاطب قومة المضطهدين عدة قرون:
    { اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (128)} [الأعراف] من تدبرها عرف حاجة الدول والمجتمعات لتدبر هذه الآية جيداً، وأن وعد الله لا يتخلف لمن اتقاه دولاً كانوا أو شعوباً، تأمل معي قول مَنْ عواقب الأمور كلها إليه:
    { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج].

    ومن أراد أن يعرف الآثار السيئة التي لقيها العالم من بعد المسلمين عن دينهم، وخسارة العالم لعظيم مبادئ الإسلام فليقرأ كتاب الشيخ أبي الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!

    أما على المستوى الفردي: فإن الحديث فيها يحتاج إلى بسط أكثر، ولكن حسبنا في مقامنا هذا أن نشير إشارة مُذِكّرة بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية: فإن آية القصص: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال!
    وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ لتدبر هذه القاعدة جيداً، خصوصاً وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عن دين الله ـ يتدبرها ويتأملها، لتهوّن عليه الصبرَ عن الشهوات والملذات المحرمة... فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليذكرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
    وكذلك الداعية إلى الله، من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل، والمليء بالابتلاء بالخير أو بالشر، وخصوصاً إذا كان لا يجد معيناً ولا ناصراً، بل قد يجد مناهضاً ومعادياً!

    يقول شيخنا العلامة ابن باز ـ بعد أن ذكر شيئاً مما تعرض له إمام الدعاة محمد – صلى الله عليه وسلم - من أذى وابتلاء، قال:
    "فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم؟ أو يقول متى كنت متقياً أو مؤمناً فلا يصيبني شيء؟ ليس الأمر كذلك بل لابد من الامتحان , ومن صبر حَمِدَ العاقبة , كما قال الله جل وعلا: { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } ،{ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } فالعاقبة الحميدة لأهل التقوى, متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النفوس , فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة , كما قال عز وجل:
    { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت]
    فأنت ـ يا عبد الله ـ في أشد الحاجة إلى تقوى ربك، ولزومها، والاستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الامتحان, ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله, أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ , واذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - , واذكر أتباعهم بإحسان , فقد أوذوا، واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر" [مجموع فتاوى ابن باز:2/289].

    ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقياً في أحواله، أو أفعاله، فلا عاقبة له حسنة، وإن أمهل زماناً، أو تُركَ دهراً، وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية: يستدل بهذه القاعدة القرآنية: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } وبأمثالها ـ إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام ـ وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا، بل سيخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: "واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته، وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين" [مجموع الفتاوى:3/125،28/419].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

  10. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
     
    فيعيش العالم في عصر السرعة في كل شيء، كل شيء يجري من حولنا على عجلٍ، وكثير من الأمور تسير على عجل، ولقد جُبل الإنسان على العجلة وعلى حب الاستعجال، وقد تكون هذه العجلة محمودة وقد تكون مذمومة، أما الاستعجال المذموم في حياة المسلم، فصورُه كثيرة كاستعجاله المحرمات في الدنيا، وقد ادُّخِرت له في الآخرة إن صبر عنها في الدنيا، واستعجاله في الدعاء والصلاة، وفي اتخاذ القرارات وأشياء كثيرة، واليوم نتحدث عن بعض صور العجلة المذمومة في أداء الصلاة.
     
    فالصلاة عمود الدين وأول ما سيحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإذا صلَحت صلَح سائر العمل، وإذا فسدت فسد سائر العمل، ومع ذلك فبعض الناس لا زال لا يتقن صلاته ولا يعطيها أي اهتمام، فهي عنده مجرد حركات يؤديها، ولا يسأل عن صحة ما أداه.
     
    فمن العجلة المذمومة فيما يتعلق بالصلاة ونهى عنها النبي: إسراع الخطى عند الذهاب إلى المسجد لإدراك الصلاة، ولا سيما إذا كان الإمام قبيل الركوع أو ركع، فترى المتأخر يهرول ليدرك الركعة، وهذا الإسراع وإن كان ظاهره فيه حرص على الصلاة، فإنه منهي عنه؛ لأنه سيخل بالخشوع أثناء الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))؛ رواه البخاري ومسلم.
     
    والخطأ الثاني هو العجلة الزائدة في قراءة الفاتحة والسورة وأذكار الصلاة، وإنما السنة أن تقرأ الفاتحة آية آية؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سُئلت عن قراءة رسول الله، فقالت: يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، وفي رواية: كان إذا قرأ قَطَعَ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً، يقول: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم يقف، ثم يقول: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ ثم يقف، ثم يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يقف، ثم يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ، وهكذا إلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلها يقف على رؤوس الآي، ولا يصلها بما بعدها؛ رواه أبو داود.
     
    ولا يُقصَدُ بالوقوف الوقوفُ الطويل، إنما هي لحظة تفصل الآية عن الأخرى، والقراءة آيةً آيةً سنة تركها كثير من الناس، فتسمعهم يقرؤون الفاتحة في الصلاة بِنَفَسٍ واحدٍ، لا يقفون على رؤوس الآي.
     
    والعجلة الثالثة في الصلاة هو عدم إتمام الركوع والسجود، روى أَبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّلَامَ، قَالَ: (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي، قَالَ: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)؛ متفق عليه.
     
    ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»؛ رواه أبو داود.
     
    وعندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»؛ رواه الطبراني.
     
    وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الرجلَ لِيصلِّي سِتِّينَ سَنَةً، وما تقبلُ لهُ صلاةً، ولعلَّهُ يُتِمُّ الركوعَ، ولا يُتِمُّ السُّجُودَ، ويُتِمُّ السُّجُودَ ولا يُتِمُّ الركوعَ)؛ السلسلة الصحيحة (2535).
     
    وعندما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من صلاته، نادى رجلًا في آخر الصفوف لم يُحسن صلاته وأنكر عليه قائلًا: (يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ، أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي، فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ)؛ رواه مسلم.
     
    وربما كان هذا لأنه قد يرحل إلى بلاد بعيدة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يُسأل عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كونه صحابيًّا، ولذلك حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه؛ لأنهم قدوات للأجيال التي من بعدهم.
     
    ولذلك تأتي أهمية التبكير إلى أول الصلاة لتُدركها كاملة مع الإمام؛ لأن بعض مَن تَفوتهم الصلاة إذا سلَّم الإمام، قاموا ليُتموا صلاتهم، فأسرعوا فيها، وأخلُّوا بأركانها، فتَبطُل صلاتهم من حيث لا يشعرون.
     
    والعجلة الرابعة في الصلاة مسابقة الإمام في الركوع والسجود، فبعض الناس يسابق الإمام ويكاد يركع أو يسجد قبله، وهذه عجلة مخلة ورد النهي الشديد عنها، فقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار)؛ متفق عليه.
     
    ومن العجلة التي يقع بها بعض المصلين أيضًا هو قيام المسبوق لقضاء ما فاته قبل تسليم الإمام، أو قبل انتهاء الإمام من السلام، وهذا خطأ، والصواب ألا يستعجل، بل ينتظر حتى يفرغ الإمام من التسليمة الثانية، عندها يقوم المسبوق ليقضي ما بقي عليه، ويلحق بهذا الأمر أو هذه المخالفة، مخالفة أخرى وهي موافقة الإمام، فبعض المصلين هداهم الله يوافق إمامه؛ أي يرفع ويركع ويسجد معه، وهذا أيضًا خطأ، فإن الإمام ما جعل إلا ليُؤتَمَّ به، ولا يكون ذلك إلا بمتابعته لا بمسابقته ولا بموافقته.
     
    فاتَّقوا الله في صلاتكم، واعلموا أن للصلاة من مكانة عظيمة في هذا الدين، فهي عمود الدين وثاني أركانه بعد الشهادتين، وآخر ما يذهب من هذا الدين، وآخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته، وأول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، وهي قرة عين رسول الله ومفزعه عند الشدائد، فبادروا في أداءها في وقتها ومع الجماعة، واحذروا الاستعجال في أداءها والإخلال في أركانها، فإن أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق نفسه، أتعرفون كيف يسرق نفسه؟ فقد روى أبو قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها)؛ رواه أحمد، فلا تضيعوا صلاتكم وتسرقوا حسناتكم.
     
    جعَلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
     
    د.محمد بن ابراهيم النعيم
    شبكة الالوكة

  11. الدكتور عثمان قدري مكانسي


    قرأت اليوم سورة إبراهيم ، فلما وصلت إلى قوله تعالى : { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)} تحرك شيطان الجن فقال :
    كيف تصدق أنه – سبحانه – آتاكم من كل ما سألتموه ؟ وأنت تعيش حياة مستورة ليس لك فيها كثير مال ، ولم تحظَ من الشهرة ما وصل إليه غيرك؟ وفيك من القدرات العلمية ما يفوق كثيراً ممن تجدهم متصدرين ، وما يزال عطاؤك مستمراً ؟ ... وبدأ يحاول زرع الشك في نفسي – أعانني الله على وسوساته ونفثاته – ويأتيني بصورة المشفق عليّ وهيئة الناصح الصدوق .

    قلت والله لأخزينّك بعونه تعالى ، ولن تجد في قلبي سوى الإيمان بالله تعالى وحبه والرضا بقدره ، والرغبة الصادقة أن أكون من عباده الصالحين المؤمنين به وبدينه ، أتعلق بأستاره وألزم راية نبيه ، ولن تجد عندي سوى الإعراض عن وسوساتك ونفثاتك ، وقرأت المعوّذتين ، وقمت إلى تفاسير القرآن أرتوي من شهدها ما يطرد علقم الشيطان ويزرع الإيمان في نفسي ويقوّيه . وإلى أحاديث الحبيب المصطفى أستلهم الفكر السليم والجواب الشافي .

    روى ابو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحمٍ أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يغفر له بها ذنباً قد سلف وإما أن يعجل له بها في الدنيا وإما أن يدخرها له في الآخرة ."
    قلت والله هذا ما أراه في حياتي ، فما دعوت الله تعالى في أمر ذي بال إلا حققه لي أو شعرت براحة في نفسي وزالت همومي ، ولتكونن الثالثة في الآخرة محققة إن شاء الله تعالى .
    وأفتح في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله فينشرح صدري بقوله : " وآتاكم من كل ما سألتموه " من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع .. " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " فهي أكبر من أن يحصيها فريق من البشر ، أو كل البشر ، وكلهم محدودون بين حدّين من الزمان : بدء ونهاية . وبحدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان ، ونِعَمُ الله مطلقة – فوق كثرتها – فلا يحيط بها إدراك إنسان . .. " ثم يعدد بعض النعم من شمس وقمر وماء وأنهار ونبات وأشجار وأنعام ، كلها سخرت للإنسان ولخدمته ، وجعله سيداً لها . ويقول سيدٌ كذلك بلسان المؤمن وقلبه الحي: " أفكل هذا مسخر للإنسان ؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟ السماوات ينزل منها الماء والأرض تتلقاه ، والثمرات تخرج من بينهما ، والبحر تجري فيه الفُلْك بأمر الله مُسَخّرة والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان ، والشمس والقمر دائبان لا يفتران ، والليل والنهار يتعاقبان ... أفكل ذلك للإنسان ؟ ثم لا يشكر ولا يذكر! . "
    وأقرأ مثل هذا وشبيهه عند القرطبي وابن كثير رحمهما الله ، فأردد بلساني وبقلبي : نعم آتانا من كل ما سألناه ، فله الحمد وله الشكر دائمين دائبين . ومما قرأته في تفسيري هذين الكريمين رحمهما الله تعالى :
    - أن داوود عليه السلام أنه قال : أي رب كيف أشكرك , وشكري لك نعمة مجددة منك علي . قال : يا داود الآن شكرتني .
    - يقول ابن كثير : فحقيقة الشكر على هذا الاعترافُ بالنعمة للمنعم . وألا يصرفها في غير طاعته ; وأنشد بعضُهم الخليفة َ الهاديَ وهو يأكل :

    أنالك رزقه لتقوم فيه * بطاعته وتشكر بعض حقه
    فلم تشكر لنعمته ولكن * قويت على معاصيه برزقه

    فغص باللقمة , وخنقته العبرة .
    - وقال جعفر الصادق : إذا سمعت النعمة َ نعمة َ الشكر فتأهب للمزيد .
    - وقد جاء في الحديث " إن العبد ليُحرمُ الرزقَ بالذنب يصيبه " .
    - وقوله" وآتاكم من كل ما سألتموه " يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقال بعض السلف من كل ما سألتموه وما لم تسألوه .
    - قال طلق بن حبيب رحمه الله : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد وإن نِعَم الله أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين .
    - وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " اللهم لك الحمد غير مكفيٍّ ولا مودع ولا مستغنى عنه ؛ ربنا " .
    - وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي ؟ فقال الله تعالى الآن شكرتني يا داود أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم ;
    - وقال الإمام الشافعي رحمه الله : الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها وقال القائل في ذلك :

    لـو كـل جـارحـة مني لـهـا لـغـة * تثني عليك بما أوليت من حسن
    لكان ما زاد شكري إذ شكرت به * إليـك أبلغ في الإحسـان والمنـَن


    وأفتح الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي رحمه الله فأقرأ درراً ثمينة أرسم بعضها في هذه القالة الصغيرة :
    - عن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال : ما قال عبد قط " الحمد لله " إلا وجبت له نعمة بقول "الحمدُ لله ". فقيل له : فما جزاء تلك النعمة الجديدة ؟ قال : جزاؤها أن يقول " الحمد لله " فجاءت نعمة أخرى ، فلا تنفد نعمُ الله .
    - وقال سليمان التيمي : إن الله أنعم على العباد بقَدْره ، وكلّفهم الشكر على قدْرهم .
    - وروي عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال : يا ابن آدم ؛ إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فأغمض عينيك .
    - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلّ عِلمُه وحضر عذابُه.
    - وقال سفيان بن عُيَيْنة : ما أنعم الله على العباد نعمة أعظمَ من أن عرّفهم " لا إله إلا الله " ، وإنّ " لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا " .
    - وروى أبو أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داوود عليه السلام : ربذ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ ؟ فأوحى الله : يا داوود تـَنـَفـّسْ . فتنفّسَ فقال ك هذا أدنة نعمتي عليك .
    - وعن وهب بن منبه قال : عبدَ اللهَ عابدٌ خمسين عاماً ، فأوحى اللهُ إليه أني قد غفرْتُ لك . قال : يا رب ؛ وما تغفر لي ؟! ولم أذنب ؟. فأذِنَ اللهُ لعِرْقٍ في عنقه فضَرَب عليه . فلمْ ينَمْ ولم يُصَلّ ، ثم سكن العرق فنام العابد تلك الليلة ، فشكا إليه ، فقال : ما لقينُ من ضرَبان العِرق ؟ قل الملَك : إن ربك يقول : إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق .
    - وعن عمر الفاروق رضي الله عنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري . قال قائل: يا أمير المؤمنين ؛ هذا الظلمُ .. فما بال الكفر؟! قال عمر : " إن الإنسان لَظلومٌ كفار " .
    أقول ، وأملي بالله كبير :

    سـألتـك ربي الـرضـا بالقـدرْ * وأن تغفر ذنبي فخطويْ عَثـَر
    وتكرمَني، إنّ عفوَ الكريم * لأهـل الـذنـوب بهـيّ الأثـرْ
    وأكرمْ أصولي وأكرمْ فروعي * فإن تعفُ نـلـنـا كمالَ الوطرْ
    وأحسن إلى المسلمين ؛ إلهي * فـإنـا بحال طغى واسـتَحَـرّ
    وليس سواك المجير، وظنـّي * بـأن الإلــه يـُزيـل الخـطـَر


  12.  
    السؤال رقم (31) :
    عن يزيد بن بابنوس قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقلنا: يا أم المؤمنين .. ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟..
    قالت: كان خلقه القرآن .. تقرؤون سورة .. ؟.. قالت : اقرأ: ...... الحديث ..
    ما السورة التي أمرت عائشة رضي الله عنها الصحابة أن يقرؤوها لكونها تمثل خلق رسول الله ؟..

    الجواب :
    عن يزيد بن بابنوس قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقلنا: يا أم المؤمنين .. ما كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟..
    قالت: كان خلقه القرآن .. تقرؤون سورة (المؤمنون) ؟.. َ
    {قالت: اقرأ: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
    قال يزيد : فَقرأتُ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) } إلى { لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) }
    قًالت : هكذا كان خُلُقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ِ
    أخرجه البخاري في الأدب المفرد
    يقول الشيخ عبد الله الروقي عن هذا الحديث: الراوي يزيد بن بابنوس متكلم ُ فيه لكنه يُقبل في هذا الحديث .. فهو حسن في الشواهد وله ما يشهد له حديث: (كان خلقه القرآن ) إسناده حسن .. فهو أجمع وصف تُعرف به شخصيته وسيرته
    صلوات الله وسلامه عليه .. حيث كان يتمثل القرآن في أقواله وأفعاله وأوامره ونواهيه فلنقتد بحبيبنا صلى الله عليه وسلم في امتثاله بكتاب ربه عز وجل .. ..وتطبيق الصفات التي وردت في سورة المؤمنون
     
    ...........
     

    السؤال رقم (32) :
    آية في سورة الفرقان استنبط منها العلماء أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ينتهي في نصف نهار ..
    استخرجوا هذه الآية ..

    الجواب :
    هي قوله تعالى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)} استنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن حساب أهل الجنة يسير ، وأنه ينتهي في نصف نهار ، ووجه ذلك أن قوله: { مَقِيلًا } أي مكان قيلولة وهي الاستراحة في نصف النهار ، قالوا: وهذا الذي فهم من هذه الآية الكريمة ، جاء بيانه في قوله تعالى:
    { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)}(الإنشقاق)
    ولا يعني من القيلولة النوم .. فأهل الجنة لا ينامون ..
    يقول الشيخ عبد العزيز الراجحي: المراد وقت القيلولة يكونون في الجنة .. حيث أن الله يحاسب الخلائق ويفرغ منهم في قدر منتصف النهار ويقيل أهل الجنة في الجنة .. ولا يلزم من القيلولة النوم .
    جعلنا الله من أهلها .

    السؤال رقم (33) :
    في قوله تعالى: { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} (الشعراء) ..
    من قائلها ؟.. وعلى ماذا يدل قوله هذا ؟..

    الجـواب :
    القائل: هو نبي الله موسى عليه السلام. وتدل على قوة إيمان نبي الله موسى وحسن ظنه بربه وثقته الكبيرة أن الله سينصره وسيفرج عنه .. وهو منهج ودرس من مشكاة النبوة .. فأين أهل المصائب والابتلاءات والأمراض من الاقتداء بأنبياء الله في صدق الالتجاء إلى من بيده ملكوت السموات والأرض
    أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأنَا مَعَهُ إذا ذَكَرَني .
    فأحسنوا الظن بالله وأبشروا بفرجه ورحمته
     
    ................
     
    السؤال رقم (34) :
    لماذا أفرد موسى عليه السلام المعية له وحده في مواجهته لفرعون وجنده ولم يدخل معه قومه فيها في قوله في سورة الشعراء: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)}
    بينما رسولنا صلى الله عليه وسلم في قصة الهجرة جمع صاحبه أبا بكر معه في المعية فقال تعالى في سورة التوبة { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا..(40)} ؟

    الجواب :
    لأن موسى عليه السلام تبين له من قول قومه: { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)}(الشعراء) ضعف يقينهم وإيمانهم بالله وتوكلهم عليه وسوء ظنهم به، واعتمادهم على أسبابهم فأفرد المعية له وحده ولم يدخلهم معه، فقال: { كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} .
    وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه فكان يقينهما وإيمانهما بالله قويًا ، فجمعه معه في المعية وقال: { إِنَّ اللّهَ مَعَنَا }

    السؤال رقم (35) :
    في سورة الشعراء لما ذكر الله قصص الأنبياء نسبهم لأقوامهم بقوله: { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ...(نوح)، (هود)،(صالح)،(لوط)} إلا نبي الله شعيب عليه السلام قال عنه: { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) } .. ولم يقل: أخوهم، فلماذا نفى عنهم الأخوة؟..

    الجواب :
    لم يقل في قصة شعيب أخوهم؛ لأن قومه نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: { كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) }(الشعراء) لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، كما في الأنبياء السابقين وإنما قال: { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ...} فلما نسبهم إلى الكفر والشرك نفى عنه أخوتهم ولا كرامة في تلك الأخوة !!!..
     
    ...........
     

    السؤال رقم (36) :
    في سورة القصص آية فيها دليل على جواز النميمة لمصلحة دينية..
    فما هذه الآية ؟..

    الجواب :
    الآية التي فيها دليل على جواز النميمة لمصلحة دينية، هي قوله تعالى:
    { وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)} (القصص).
    فمدار إباحة الغيبة والنميمة على المصلحة الشرعية المرجوة، فإن لم تكن هناك مصلحة شرعية عاد الحكم إلى أصل التحريم.

    السؤال رقم (37) :
    َّ ما هي الآية التي عدها العلماء آيـة القراء؟..

    الجواب :
    آية القراء: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) }(فاطر) .
    هذه الآيتان من سورة فاطر يسميها مطرف بن عبد الله بن الشخير آية القراء وهو أول من سماها وقد نقل هذه التسمية عنه أغلب المفسرين ..
    وروى الطبري بسند آخر عن قتادة قال كان مطرف بن عبد الله يقول: هذه آية القراء يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله . (تفسير الطبري - ج 20 / ص 464)
     
    ..............

    السؤال رقم (38) :
    قال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)} (فاطر)
    ماذا يعتبر العلماء هذه الآية؟..
    ولماذا قدم الله فيها الظالم لنفسه على السابق بالخيرات ؟

    الجواب :
    هذه الآية في سورة فاطر يعتبرها العلماء من أرجى آيات القرآن .. واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
    وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم. كما قال تعالى: { … إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ... (24)} (ص)..

    السؤال رقم (39) :ٍ
    لكلمة (الخير) في القرآن عدة معان ومن معانيها أنها جاءت في إحدى الآيات بمعنى الخيل ...
    اذكروا هذه الآية وفيمن نزلت؟

    الجواب :
    قوله تعالى في سورة ص : { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)} وهذه الآية وردت في سياق قصة سليمان عليه السلام فقد كان يستعرض الخيل بعد العصر حتى غربت الشمس.
    فقوله تعالى: { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)} يعني: حتى غربت الشمس ونسي أن يصلي العصر؛ لأن رؤية الخيل شغلته عن ذلك،. فعند ذلك ندم لما تنبه عليه السلام على ما فعل. وقال :
    { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي }
    يلوم نفسه بهذا
    { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) }.
    . يعني: حتى غربت الشمس
    { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)}
    فأمر بذبحها وذلك بضرب سوقها وأعناقها بالسيف، لأنها شغلته عن طاعة الله عز وجل فأراد أن يكفر ما حصل ّ بذبح هذه الخيل والتصدق بلحمها؛ لأن الخيل على الصحيح يؤكل لحمها

    يتبع

     

  13. {... وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر :٨٥]

    مابال بعض الناس يحملون في صدورهم حقدا لمن قابلهم بالسيئة ؟!
    ويبادلونهم الأذى !! .. حتى ويصل ذلك بين الأخوة !..
    أين (الصفح الجميل) التسامح بلا عتاب الذي وصانا به الله ورسوله ؟! ..

    الساعة آتية لاريب فيها ، آتية لتعطي كل ذي حق حقه .. ونحن مشغولون في الدنيا نملأ قلوبنا غلا وحقدا وكراهية ، ونؤذي ونجرح من جرحنا ! ..
    ألم نقرأ (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
    المنشغلون بالآخرة يا أعزاء لاوقت لديهم للعداوات والضغينة والحقد .. فكلما زاد إيمان العبد بلقاء ربه زاد عفوه وصفحه ، فانظر إلى صفة العفو في نفسك ..

    لنتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم نعفو ونغفر ونسامح كل من أساء إلينا وأجرنا على الله ..ومن اكرم من الله بالأجر ؟! الله الذي سمى نفسه الغفار العفو الحليم وهو القائل( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) ولنعلم أن أحسن الأعمال يوم القيامة هو ( الصفح الجميل )
    اصفح ولا تتردد فإن فعلت فأنت القوي الغالب الرابح عند الله ..



    وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)
    1-{ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } المنشغلون بآخرتهم المهتمون بمعادهم لا وقت لديهم للعداوات والضغينة / نايف القصير
    2- ما من عقل سوي إلا وهو يحب الشيء الجميل،لكن المفرطين في تحصيله كثيرون!!. (فاصفح الصفح الجميل) (فاصبر صبرا جميلا) (واهجرهم هجرا جميلا). / سعود الشريم
    3- كلما زاد إيمان العبد بلقاء ربه زاد عفوه وصفحه وقلّ انتصاره لنفسه (وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل) / عبد العزيز الطريفي
    4-"فاصفح الصفح الجميل" قال ابن تيمية: صفحٌ بلا عتاب تلك نفوس العظماء، لهم الحق في العتاب،فآثروا على ذلك التقرب بالصفح لرب الأرباب. / فوائد القرآن

     

    من أخلاق السلف :
    فالرسول صلى الله عليه و سلم كان سيد من عفا، ولذلك لما أنزل الله عزّ و جل عليه قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ‌ بِالْعُرْ‌فِ وَأَعْرِ‌ضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، قال: «ماهذا يا جبريل؟»، قال: "أن تعطي من حرمكـ و تصل من قطعك، و تصفح عمن ظلمك". ولذلك عفا صلى الله عليه و سلم عن لبيد بن الأعصم لما سحره، و عن المرأة التي سممته.

    و لنأت إلى يوسف الصدّيق عليه و على نبينا السلام، كان يكثر من الشكر لله على خروجه من السجن، و سكت عن الشكر لله لإخراجه من الجبّ، لماذا؟ قالوا: "لأنه إذا ذكر الجبّ كان هذا الذكر كالتوبيخ لإخوته، فلا يكون عندها صفحه جميلاً.


    وهذا الصدّيق أبو بكر، سيد من سادات الصفح، فعفا عن مسطح بن أثاثة بعد أن طعن في عرض الصدّيق زوراً و بهتاناً، و نزل في ذلك قوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْ‌بَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِ‌ينَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ‌ اللَّـهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ} [النور:22].

    و كان الحسن يقول: "لو شتمني رجل في أذني اليسرى و اعتذر إلي في أذني اليمنى، لقبلت و صفحت".
     

    المظلوم مخير بين واحدة من ثلاث خصال:
    إما أن يستوفي حقه، وهو العدل
    وإما أن يأخذ أكثر من حقه، و هو صفة الأرذال و الظلمة.
    و إما أن يعفو و يصفح، وهو اختيار الأنبياء و الصديقين.
    فإذا كان الصفح معه إحسان، فذلك الصفح الجميل الذي رغّب الله فيخ، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُ‌ونَ. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ‌هُ عَلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:39-40]. 
     
     
    المصدر: 

    تأملات قرآنية
    حصاد التدبر

    موقع طريق الإسلام


    46519576_308515089751319_4179949764030234624_n.jpg?_nc_cat=110&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=FDPQFutcu4AAX-joA2K&_nc_ht=scontent.fcai2-2.fna&oh=a2c8434d2db1eea2ed877782c66380d2&oe=5F167A4C


  14. لو سألت أحدًا عن معنى عاطل عن العمل لأجابك بداهةً - كما أجاب الصحابة رضي الله عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المفلس -، لقالوا بأن: العاطل عن العمل، كما جاء في اللغة هو الذي: توقف عنه، وبقي بلا عمل وهو قادر عليه[1].
     
     
     
    إن أكبر عطالة هي ألا تعمل، ولا تكون من العاملين لآخرتك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105].
     
     
     
    والذي لا يؤدي المهمة التي خُلِق من أجلها، وخرج عن زمرة العابدين الساجدين، ولم يسبح مع المسبحين، فذاك هو العاطل في حقيقة الأمر، حامل للشواهد العليا في الصحة والعافية, وينعم بكل النعم، لكنه أبى أن يكون من العاملين ورضي أن يكون مع الخوالف؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: 196، 197].
     
     
     
    إن العجز والكسل عن العمل والعبادة لله تعالى، لهو عين العطالة التي حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم، واستعاذ منها؛ كما دل الحديث: "احرِص على ما ينفعك ولا تَعجِزْ..."[2]، وكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من العجز والكسل، وهما من مثبِّطات الهِمم التي تجعل المرءُ سلبيًّا لا يعمل لآخرته، تراه صحيحًا سالِمًا معافى، لكنه مشلول فكريًّا وإراديًّا، مريضُ العزيمة خائرُ القوى العقلية، لا يستطيع نيلَ المطالب العالية، عاجز عن الصعود في مدارج السالكين إلى رب العالمين، ولقد صدق فيهم المتنبي ظنه حين قال:
     
    ولم أر في عيوب الناس عيبًا *** كنقص القادرين على التمام
     
     
     
    رجال ونساء يهتمون ببناء الأجساد أكلًا وشربًا ولباسًا وتزيينًا وترييضًا، لكن الجانب الروحي لديهم منهار، لذا فهم في ضيق دائم - إلا مَن رحِم ربي - علماء بالدنيا جهلاء بالآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، لذا فهم يعيشون دمارًا نفسيًّا، ويخربون أجسادهم بالمخدرات والمهلكات، ومنهم مَن همَّ بالانتحار.
     
     
     
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًّا أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "يا رسول الله، دُلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، قال: "والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا"، فلما ولَّى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا"؛ متفق عليه[3].
     
     
     
    هذا يسأل عن عمل الآخرة، وذاك المغبون يسأل عن عمل الدنيا وعن المستقبل فقط، فيكد ويشقى ليل نهار، ويعمل لدنياه بإلحاح وإصرار دون أن يُعير أي اهتمام للروح التي تسكن جوانحه مطالبها طعامها دواءها سعادتها الحقيقية.
     
     
     
    إن الذي يعمل لدنياه كأنه سيعيش أبدًا، ويعمل لآخرته كأنه سيموت غدًا، فهو الموفق المغبوط، الكيِّس الفطن؛ لأنه يعلم بأن الآخرة هي الحياة الحقيقية السرمدية الدائمة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].
     
     
     
    وهناك مَن يكرِّسون هذا الأمر من جيل لجيل، فينفقون الغالي والنفيس على مستقبل أولادهم الدنيوي، ويغفلون أبسط مطالب الروح؛ من صلاة وصيام وحسن خلق، فإياك يا صاح أن تكون عاطلًا عن العمل لآخرتك، عاملًا للدار الفانية فقط، حتى إذا وقفت بين يدي رب العالمين، وأصبح بصرك حديدًا، قلت: يا ليتني، ولات حين مندم[4].
     
     
    [1] معجم اللغة العربية المعاصرة لصاحبها: أحمد مختار عمر جذر [ع ط ل].
     
    [2] الحديث أخرجه الإمام مسلم، ج7، ص 338، تحت رقم 2664.
     
    [3] الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده تحت رقم 20849، وصحَّح إسناده أحمد شاكر.
     
    [4] كتبه عبدالعزيز إبراو؛ أستاذ وواعظ وخطيب تابع للمجلس العلمي بعروس الأطلس مدينة خنيفرة المملكة المغربية.
     
     
     
    شبكة الالوكة

     


  15. الدكتور عثمان قدري مكانسي

     

    قرأت اليوم في سورة آل عمران هذه الآية الكريمة :

    1- كل نفس ذائقة الموت ،

    2- وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ،

    3- فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ،

    4- وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . ( آل عمران ؛ 185)

    وتوقفت عند مقاطعها الأربعة فعلمت أن الحياة تدور عليها وتختصرها في هذه الزوايا التي لا بد أن يمر عليها المكلف من موت ثم الوقوف بين يدي الله يوم القيامة ، ثم الحساب ونجاة المؤمن من النار ودخوله الجنة بفض الله جل جلاله ، ثم الحكمة التي علينا أن نفقهها ونحن في الدنيا كي نعلم سبب وجودنا ، ومن عرف وفهم وعمل نجا وظفر.

    1-ينبئنا المولى تعالى أن كل نفس ذائقة الموت كقوله تعالى " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " فهو تعالى وحده الحي القيوم . والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخراً كما كان أولاً ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت فإذا انقضت العدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، قليلها وكثيرها ، كبيرها وصغيرها ، فلا يُظلم أحدا مثقال ذرة ولهذا قال تعالى " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " وعن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودرَكا من كل فائت ،فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا . فإن المصاب من حُرم الثواب،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام . ( عن ابن كثير)

     
     
    وللموت أسباب وأمارات , فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يموت بعرق الجبين " فإذا احتضر لقن الشهادة ; لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ; ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ; لقوله عليه السلام : " اقرءوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف توجهت على الأحياء أحكام ;

    منها : تغميضه . وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والتكفين والدفن لئلا يسرع إليه التغير ; قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم : ( عجِّلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) .

    2-والدنيا دار عمل والآخرة دار حساب ، يدل على ذلك أسلوب القصر " إنما " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فحين يُجمع المخلوقات " الجن والإنس " بشكل خاص في أرض المحشر ثم في أرض الحساب وتوزع الكتب على أصحابها يتخاصم الناس فيما بينهم " ثم إنكم يومئذٍ عند ربكم تختصمون " ويطالب المظلوم بحقه من الظالم ، ومِن عدلِ الله تعالى أن لا يضيع مثقال ذرة " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" ويقول سبحانه " ولا يظلم ربك أحداً " وقال القرطبي رحمه الله تعالى : فأجر المؤمن ثواب , وأجر الكافر عقاب , ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ; لأنها عرصة الفناء .

    3-ومن جُنِّب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " وتقدم عند قوله تعالى " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " . أما وَقعُ الفعل المبني للمجهول "زُحزِح "فمخيف لأنه يصور المرء مندفعاً إلى النار بسبب تمكن أهوائه منه ونسيانه الآخرة وانشغاله بالدنيا فتجيء رحمة الله تعالى تزحزحه عن الهاوية ، فيبتعد عنها ، ثم يأتي الفعل الآخر المبني للمجهول " وأُدخِل " ليدل على أن دخول الجنة برحمة الله وفضله سبحانه لا بعمل المرء ، فكلنا يدخل الجنة برحمة الله وغفرانه جل جلاله.
    وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
    ( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ) .

    4-وقوله تعالى " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " وقال " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى " .
    وفي الحديث " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه " وقال قتادة الدنيا متاع متروكة أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله . فإذا كانت متاع الغرور فلماذا يتعلق الإنسان بفانٍ ويتخلى عن باقٍ لولا ضعف في إيمانه وخلل في تفكيره ؟!

    وقد أحسن من قال هي الدار دار الأذى والقذى * ودار الفـنـاء ودار الغـِيـَر فـلـوْ نـلـتـَهـا بحـذافـيـرهـا * لمُتَّ ولم تقضِ منها الوطر
    أيا من يؤمل طول الخلود * وطولُ الخلود عليه ضرر إذا أنت شبت وبان الشباب * فلا خير في العيش بعد الكبر

    قال ابن عرفة : الغُرور ما رأيت له ظاهرا تحبه , وفيه باطن مكروه أو مجهول . والشيطان غَرور ; لأنه يحمل على محاب النفس , ووراء ذلك ما يسوء .


    الكلم الطيب


  16. القاعدة الرابعة عشرة : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }

     

    الحمد لله بارئ النسم، خالق الخلق من عدم، مجزل النعم، دافع النقم، ذي الجلال والكرم، والصلاة والسلام على محمد زاكي الشيم، بديع السيم، أجود من الغيث إذا عم، و أنور من البدر إذا تم، وأطهر من الماء إذا زم، وعلى آله وصحبه أولي الهمم، وصعدة القمم، أما بعد:

    فبدر يتهادى من خلف تلال العتمة، ومسك يتضوع من باحة مرصوفنا المشيع: (قواعد قرآنية)، نبحر فيها مع قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تجلي معنى عظيماً ومهماً في باب التسليم والانقياد لأوامر الله ورسوله، والانقياد لحكم الشريعة، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
    { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص].

    وهذه الآية الكريمة جاءت في سورة القصص، في سياق الحجاج مع المشركين، وبيان تنوع أساليبهم في العناد لرد الشريعة، ورميهم للنبي بالعظائم، يقول تعالى:
    { فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص].

    والشاهد الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو قوله تعالى:{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }، وقد بين الله تعالى هذه القاعدة في موضع آخر، فقال عز وجل:
    { فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)} [يونس](التبيان في أقسام القرآن لابن القيم:129).

    يقول ابن القيم موضحاً هذه القاعدة: " فما هو إلا الهوى أو الوحي، كما قال تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم] فجعل النطق نوعين: نطقاً عن الوحي، ونطقاً عن الهوى" [الصواعق المرسلة:3/1052]، "فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، قال تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباعٌ لما دعا إليه الرسول واتباعُ الهوى" [إعلام الموقعين عن رب العالمين:1/298]، "فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سنة وعَدَلَ عنها إلى خلافها، فقد اتبع هواه" [الصواعق المرسلة:4/1526].

    أيها الناظر البصير:
    إن الحاجة إلى التذكير بهذه القاعدة القرآنية العظيمة من الأهمية بمكان، خصوصاً في هذا العصر الذي كثرت فيه الأهواء، وتنوعت فيه المشارب في التعامل مع النصوص الشرعية، بدعاوى كثيرة، فهذا ينصر بدعته، وهذا يروج لمنهجه في تناول النصوص، وثالث يتتبع الرخص التي توافق مراد نفسه، لا مراد الله ورسوله.
    لقد أتى على الناس زمانٌ لا يحتاج الشخص ليمتثل الأمر أو يترك النهي إلا أن يقال له: "قال الله، قال رسوله، قال الصحابة " فيتمثل وينصاع، ويندر أن تجد من يناقش مناقشة المتملص من الحكم الشرعي، أما اليوم ـ وقد انفتح على الناس أبواب كثيرة يتلقون منها المعلومات ـ فقد سمعوا أقوالاً متنوعة في المسائل الفقهية، وليست هذه هي المشكلة، فالخلاف قديمٌ جداً، ولا يمكن إلغاء أمر قدره الله عز وجل، إلا أن المشكلة، بل المصيبة، أن بعض الناس وجد في بعض تلك الأقوال ـ التي قد تكون شاذةً في المقياس الفقهي ـ فرصةً للأخذ بها، بحجة أنه قد وجد في هذه المسألة قولاً يقول بالإباحة، ضارباً عرض الحائط بالقول الآخر الذي يكاد يكون إجماعاً أو شبه إجماع من السلف الصالح يعلى تحريم هذا الفعل أو ذاك القول!

    هذا فضلاً عن تلك المسائل التي تبين فيها خطأ قائلها من أهل العلم ، بسبب خفاء النص عليه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة التي لأجلها يختلف العلماء (والتي حررها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته القيمة: رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، ولئن كان ذلك الإمام معذوراً مأجوراً ـ لخفاء النص عليه أو لغير ذلك من الأسباب ـ فما عُذْرُ من بلغه النص عن الله أو عن رسوله؟!
    ثم بعد ذلك يدعي أنه يسوغ له الأخذ بذلك القول لأجل أنه قد قيل به! مردداً مقولةً كثر تكرارها على ألسنة هذا الصنف من الناس: ما دام أنني لم أخالف إجماعاً قطعياً، ولا نصاً صحيحاً صريحاً، فلا حرج عليّ، ناسياً أو متناسياً قواعد الاستدلال التي قررها الأئمة رحمهم الله.
    أليس هؤلاء لهم نصيب من هذه القاعدة: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }؟!
    وهنا يَحْسُنُ أن يُذَكّرُ هذا الصنف من الناس بقول الله تعالى:
    { بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)} [القيامة] وهي قاعدة قرآنية محكمة، سبق تناولها في الحلقة الرابعة.
    كما ينبغي أن يذكروا بالقاعدة التي جاءت في الحديث المشهور ـ والذي قواه بعض أهل العلم [قال ابن رجب: "وقد روي هذا الحديث عن النبي من وجوه متعددة، بعض طرقه جيدة"، ينظر: جامع العلوم والحكم، شرح الحديث:27]:
    « البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ».

    وهذا المعنى ـ الذي دلّ عليه الحديث ـ كما نبه على ذلك العلماء إنما يجده من بقي في قلبه بقية من نور، لم تطمسها ظلمة الشهوات والشبهات، أما من هام في أودية الفسق والفجور، فإن قلبه لا يفتيه إلا بما تهواه نفسه.
    وما أجمل ما حكاه ابن الجوزي عن نفسه، وهو يصف حالاً مرّت به، تشبه ما نحن بصدد الحديث عنه من أحوال بعض المترخصين اتباعاً لأهوائهم، يقول: "ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، و تخايل لي نوع طرد عن الباب وبُعْدٌ، و ظلمة تكاثفت! فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! إنك تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفْتِيْتِ لم تفتِ بما فعلتِ، والثاني: أنه ينبغي لك يا نفسُ الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورٌ في قلبك ما أثر هذا عندك" [صيد الخاطر:162 بتصرف].

    لقد جرى لي مرةً حوار عارض مع بعض هذه الفئة التي أخذت تخوض عملياً في جملةٍ من المسائل المخالفة لما عليه جماهير العلماء، وما عليه الفتوى عندنا، فقلتُ له: يا هذا! دعنا من البحث الفقهي المحض، وأخبرني عن قلبك، كيف تجده، وأنت تفعل ما تفعل؟! فأقسم لي بالله: أنه غير مرتاح! وإنما يخادع نفسه بأن الشيخ الفلاني يفتي بهذا، وهو في قرارة نفسه غير مطمئن لتلك الفتوى! فقلتُ له: يا هذا، إن العالم الذي قال بهذه المسألة معذور، لأن هذا هو مبلغ علمه، ولكن انج بنفسك، فإن صنيعك هذا هو الذي قال العلماء: إنه تتبع الرخص، وذموا فاعله، بل جعلوا هذا الفعل نوعاً من النفاق ، واتباع الهوى، ولذا قال جمع من السلف: "من تتبع الرخص فقد تزندق".

    ومن تأمل كلمة الهوى في القرآن الكريم ، لم يجدها ذكرت إلا في موطن الذم! ولهذا حذر الله نبياً من خيرة أنبيائه من هذا الداء القلبي الخطير فقال:
    { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص].
    ولك أن تتصور لو أن رجلاً أخذ برخص الفقهاء من عدة مذاهب في مسائل متنوعة، لاجتمع فيه شرٌّ عظيم، ولأصبح دينه مرقعاً ورقيقاً!
    وليتذكر المؤمن جيداً ـ وهو يسلك مسلك تتبع الرخص ـ أنه إنما يفعل ما يفعل، ويترك ما يترك ديانةً لله، وقياماً بواجب العبودية لهذا الرب العظيم، فكيف يرضى العبد أن يتعامل مع ربه بدين شعاره الهوى؟!

    وقبل أن نختم الحديث عن هذه القاعدة العظيمة، يجب أن نتنبه لأمرين:
    الأول: الحذر من تنزيل هذه القاعدة على المسائل الشرعية التي الخلاف فيها معتبر ومعروف عند أهل العلم.
    الثاني: أن المقصود بالذم هنا، هو من اتبع هواه في الاستفتاء، بحيث يتنقل بين المفتين، فإن وافقت الفتيا ما في نفسه طبقها، وإلا بحث عن آخر حتى يجد من يفتيه، وهذا هو اتباع الهوى بعينه، نعوذ بالله من اتباع الهوى، ونسأله ـ أن يجعل اتباع الحق رائدنا وغايتنا.

    وأختم بقول ابن دريد في "مقصورته":

    وآفة العقل الهوى فمن علا * على هواه عقله فقد نجا

  17. الدكتور عثمان قدري مكانسي
     
     
    قرأ الجمهور " اهدنا الصراط المستقيم " بالصاد وقرئ السراطَ وقرئ بالزاي قال الفراءُ وهي لغة بني عذرة وبني كلب . وكان الثناءُ على المسئول تبارك وتعالى تقدّم في سورة الفاتحة ، وهذا الثناء المتقدم يسبق السؤالَ ، فقد ذكر المولى تعالى: " فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " .

    ومِن أكمَلِ أحوال السائل أن يمدح مسئولَه ثم يسألَ حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : " اهدنا الصراط المستقيم " لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة وقد أرشد الله إليه لأنه الأكمل .

    1 - وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى عليه السلام " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " 
    2 - وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " 
    3 - وقد يكون بمجرد الثناء على المسئول كقول الشاعر :

     
    أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن شيمتك الحياء 
    إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء

    والهداية ههنا الإرشاد والتوفيق وقد تُعدى الهداية بنفسها كما هنا " اهدنا الصراط المستقيم " فأخذت مفعولاً به مباشراً، فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو اعطنا " وهديناه النجدين " أي بينا له الخير والشر 

    أ‌- ـ وقد تُعدى بإلى إضافة إلى المفعول الأول كقوله تعالى : " اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " ، " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " وفي هذه الآية حذف المفعول الأول للعلم به. 

    ب‌- ـ وقد تُعدى باللام كقول أهل الجنة " الحمد لله الذي هدانا لهذا "أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا . 
    قال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وذلك في لغة جميع العرب فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي : 
    أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم

    والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال الإمام بن جرير: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه . 
    أمالصراط فقد اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسيره وإن كان يرجع معناها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول فروي :

    1 - أنه كتاب الله . فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصراط المستقيم كتاب الله " وقد تقدم في فضائل القرآن موقوفا على عليٍّ رضي الله عنه .

    2 - وقيل هو الإسلام . قال ابن عباس : قال جبريل لمحمد عليهما السلام " قل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم " يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " قال ذاك الإسلام وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي " اهدنا الصراط المستقيم " قالوا هو الإسلام وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر اهدنا الصراط المستقيم قال هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض . وقال ابن الحنفية في قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " قال هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم " اهدنا الصراط المستقيم "قال هو الإسلام. وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه - فإنك إن تفتحه تلجه - فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " . وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به . وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم . 

    3 - وقال مجاهد " اهدنا الصراط المستقيم " قال الحق وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم .

    4 - وعن أبي العالية " اهدنا الصراط المستقيم " قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال عاصم فذكرنا ذلك للحسن فقال صدق أبو العالية ونصح . 

    وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا ولله الحمد .

    ويقول الإمام الطبري رحمه الله:" اهدنا الصراط المستقيم " – معناه: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل وذلك هو الصراط المستقيم لأن من وفق لما وفق له مَن أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم. " 
    فإن قيل " فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟ فالجواب أنّ العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار وقد قال تعالى : " يا أيها آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل " الآية فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المرادَ الثباتُ والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك  . 
    وقال تعالى آمرا عبادَه المؤمنين أن يقولوا " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرا فمعنى قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " استمرَّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره ، والله أعلم .
     

  18. هذا المقال هو محاولة لتنبيه المشتغلين في مواجهة ظاهرة الإلحاد المعاصرة إلى حقيقة أولية ينبغي الانطلاق منها والتشبّع بها قبل أي مواجهة فكرية مع الإلحاد. هذه الحقيقة هي أنّ القرآن الكريم قد حوى بين دفتيه ما يحتاجه الإنسان في كل عصر من أسباب الهداية، وأنّ فيه من الخطاب العقلي البرهاني ما يكفي للانطلاق منه والبناء عليه في محاججة الكفار بجميع أصنافهم.
    والسبب منطقي واضح؛ فهو رسالة الله الأخيرة للبشرية، ومن ثمّ فهو يحتوي بالضرورة على كل ما يلزم لإقامة الحجّة على الكافرين وعلى أسباب هداية البشر جميعًا.
    ولقد شاعت منذ قرون طويلة مقولة مغلوطة لا تزال –مع الأسف– تهيمن على قناعة بعض المسلمين اليوم، مفادها أنّه لا يمكن الاحتجاج بالقرآن على غير المؤمنين؛ لأنّه حجّة على المؤمنين به فقط، وليس فيه حجّة على من لا يؤمن به، وأنّه ينبغي أولا إثبات وجود الله وأنّ القرآن وحي من عنده بأدلة عقلية وعلمية خارجية، ثم بعد إيمانهم بالقرآن يمكن الاستدلال بآياته ومحاججتهم بها! وهي مقولة خاطئة ينبغي مراجعتها ممّا ينبغي مراجعته من تراثنا الكلامي والعقائدي، فالقرآن فيه هدى وبيّنات لكل الناس، وليس للمسلمين فحسب، قال تعالى:
    { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ...(185)} (البقرة).
    وقد كان الرسول يواجه بالقرآن قومًا لا يؤمنون به ولا بالبعث ولا بالتوحيد، قال سبحانه:
    { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)} (الفرقان) أي بالقرآن.

    وفي هذا المقال سنوضّح من خلال سياق من الآيات في سورة الإسراء، إلى جانب آيات أخرى، كيف يمكن للقرآن أن يواجه بعض أبرز شبهات الإلحاد المعاصر، التي يظنّ الملاحدة بأنّه لم يسبقهم إليها أحد. والشبهة التي سنناقشها من خلال آيات الكتاب هي قولهم:
    لماذا لا يَظهر الله للناس أو يُظهر لهم أدلّة حسّية خارقة واضحة ليؤمنوا؟ ولماذا خلق الله كلّ هذه «العقبات» في طريق الوصول للهداية والإيمان؛ كالشيطان والهوى والشهوات؟
    يعتقد كاتب هذه السطور أنّ القرآن يجيب أفضل إجابة على هذه الأسئلة، وفيه ما هو أوسع بكثير مما عرضته هنا، ولكنّي اقتصرت على نموذج واحد من سورة الإسراء، مع بعض الآيات الأخرى، كي لا يطول المقال، راجيا من الله أن أتمكّن من إنجاز دراسة أوسع تحاول استيفاء نماذج الحجاج في القرآن الكريم.

    مع هدايات سورة الإسراء
    في سورة الإسراء نموذج رائع يوضّح منهجية القرآن في التعامل مع من يكفر بالله، وهو نموذج ينطبق على الإنسان في كل عصر، ويصلح لتفنيد بعض الشبهات المعاصرة التي يطرحها الملحدون اليوم، ولتوضيح حقائق إيمانية ينبغي أن ينتبه إليها الدعاة، وتحديدًا أولئك الذين تولّوا مهمة مناقشة ظاهرة الإلحاد.

    يبدأ النموذج بهذه الآية من سورة الإسراء:
    { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (89)}.

    سورة الإسراء نموذج رائع يوضح منهجية القرآن في التعامل مع من يكفر بالله ويصلح لتفنيد بعض الشبهات المعاصرة التي يطرحها الملحدون اليوم.
    تؤسس هذه الآية لحقيقة أساسية يجب الانتباه إليها، وهي أنّ هذا القرآن يحوي من البراهين ما يكفي لمخاطبة الجاحدين بالله عز وجل ومن يرفضون اتباع دينه.
    ومهما طرحنا من أمثلة معاصرة للملحدين أو الرافضين للإسلام، فهي تعود بجذورها إلى «نماذج الحجاج» القرآنية، إذ كل ما يمكن أن نذكره بخصوص حقيقة الإنسان ودلالتها على الخالق ورعايته موجَّهٌ إليه في قوله تعالى: { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21)} (الذاريات) وما يشبهه.
    وكل ما يمكن أن نذكره بخصوص الآيات الكونية ودلالتها على الخالق موجَّهٌ إليه في قوله تعالى:
    { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ (190)} (آل عمران) وما يشبهه. فالقرآن مليء بتوجيه النظر إلى ما يستثير العقول والقلوب للإقرار بالخالق والخضوع له بالعبادة.
    بعد أن يؤكّد السياق اكتفاء القرآن بـ «نماذج الحجاج»، يتطرّق إلى شبهة الجاحدين بالله التي ربّما تكون الأكثر شهرة، والتي لا زال الملاحدة يجترّونها حتى يومنا هذا، وهي شبهة طلب الدليل الحسّي الخارق الواضح على الخالق وعلى صحة الرسالة:

    { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً (93)} (الإسراء).

    لو نظرنا إلى المشترك بين كل «طلبات» الكفّار هذه لوجدنا أنّه الخوارق الحسّية الواضحة، فكيف علّم الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلّم أن يجيب؟ كانت الإجابة سهلة، ولكنّها في الواقع عميقة وتؤسّس لفكرة غاية في العمق في أساس التكليف بهذا الدين، قال سبحانه:
    { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً }.
    وهي آية تؤكّد على أنّ الوصول للحقّ لا يكون إلا بالأدوات البشرية، بل يزيد السياق بعد ذلك:
    { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94) قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً (95)} (الإسراء).
    تؤكّد هذه الآيات مفهوما أساسيّا في التكليف بهذا الدين، وهو مفهوم «الابتلاء»، أي الاختبار، والذي لا يتم إلا بأدوات النوع المكلَّف: فالبشر يُختبرون بأدوات البشر، والملائكة -لو شاء الله أن يختبرهم- بأدوات الملائكة.
    لقد منح الله البشر العقل والوعي والإرادة وحرية الاختيار، وغرس في نفوسهم منذ لحظة خلقهم فطرة التوحيد:
    { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} (الروم).
    وأرسل لهم رسلا مبشّرين ومنذرين كي لا تكون لهم حجّة بعد الرسل، ثمّ وضع لهم في الطريق ما يمكن أن نسمّيه «منغصّات الوصول»؛ كالشيطان والأهواء والشهوات واختلاف العقول وغيرها.

    سنّة الابتلاء
    وهنا يتساءل الملحد: ولماذا وضع الله هذا كله؟ ألم يكن قادرا (سبحانه) على تمهيد الطريق لهم دون تكليفهم عناء البحث عن الحقيقة بأدواتهم البشرية ومقاومة الأهواء والشيطان؟
    بلى هو القادر على كلّ شيء، ولكنْ شاء سبحانه أن يكون خلقه على هذه الهيئة، وهو القائل:
    { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} (الأنبياء).
    شاء سبحانه أن يكون الابتلاء (أي الاختبار) جزءا من خلق الإنسان. ومن يُراجع القرآن من أوله إلى آخره سيجد التأكيد الدائم على حقيقة الابتلاء هذه؛ سيجدها في اختبار آدم وحواء الأول مع الشجرة، ثمّ سيجدها في ابتلاء إبراهيم، ثمّ في ابتلاء جند طالوت، ثم في ابتلاء تحويل القبلة، ثم في ابتلاء معركة أُحد.. وغيرها وغيرها من نماذج الابتلاء..
    حرية الاختيار تعني أن هناك عدة اختيارات ينبغي «الاجتهاد» للاختيار من بينها أما إذا كان الجميع سيختارون الشيء ذاته فهم مقهورون وليسوا مختارين.
    وسنجد تأكيد حقيقة الابتلاء هذه مطلقا في قوله تعالى:
    { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} (الإنسان).
    تبتليه: أي نختبره، ولعلّ في قوله تعالى { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } إشارة إلى بعض أدوات التعامل مع الابتلاء، فهذا الإنسان سميع؛ يستمع إلى رسالات ربّه على لسان رسله.
    وهو بصير؛ يرى آيات الله في الأنفس والآفاق. فهو مزوّد بأدوات اجتياز الاختبار، ولكنّه اجتياز يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى إرادة ليكون الاختيار هو اختيار الحقّ، ويحتاج إلى مقاومة غواية الشيطان وضبط شهوات الدنيا، وإلى التعبّد لله ليثبت الإيمان في القلب؛ ليكون الوصول إلى جنّات النعيم ثمرةَ جهد هذا الكائن الذي كرّمه الله ومنحه ما لم يمنح أحدًا من خلقه.. وهل يتوقّع الإنسان أن يُكرَّم هذا التكريم ويُمنح الإرادة وحرية الاختيار دون أن يكون لها ضريبة من الجهد؟!
    لا قيمة للاختبار في الحقيقة لو شطبنا كلّ هذه الصعوبات و«العقبات»، يقول تعالى:
    { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38)} (البقرة).

    ما قيمة { فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } لو كان الوضع على النحو التالي: لا شيطان ولا شرور ولا أهواء.. لا اختلاف بين البشر والجميع يفكّرون بنفس الطريقة.. كل شيء واضح ولا يحتاج إلى بذل جهد؟!
    في هذه الحالة سيسير الجميع نحو مصير واحد.. سيكون الجميع حينها مقهورًا على طريق الهداية، ولن تكون هناك قيمة للعقل وحرية الاختيار التي تميّز بها الإنسان عن بقية المخلوقات؛ لأنّ حرية الاختيار تعني أنّ هناك عدة اختيارات ينبغي «الاجتهاد» للاختيار من بينها، أما إذا كان الجميع سيختارون الشيء ذاته فهم مقهورون وليسوا مختارين!
    الحياة الدنيا «اختبار» كما أخبرنا الله سبحانه:
    { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)} (الملك).
    ولا قيمة لـ { أيّكم أحسنُ عملا } لو كنّا جميعًا سنقوم بنفس العمل!
    إنّ تكريم الله لنا وتشريفنا بالعقل والحرية والإرادة هو الذي جعل وجود هذه الأمور التي تبدو لنا شرورا وصعوبات أمرًا ضروريّا، ولولاها لم تكن هناك قيمة للحساب والجزاء والجنة والنار.

    هل سمعتم عن معلّم يُجري لطلبة الرياضيات المتفوّقين اختبارا في حلّ 1+1؟ هل سيكون حينذاك اختبارا حقيقيّا؟!
    ولله المثل الأعلى، فإنّ ما يطلبه هؤلاء الكفّار في نموذج آيات الإسراء (90-93) أمور لو تحققت لهم لبَطُل معنى الاختبار الذي كان غاية في خلق الإنسان!
    ثم تأتي الآية المرهم.. الآية المطَمئِنة للرسول ولنا جميعًا، إذ يقول له ربنا جلّ جلاله:
    { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } (الإسراء: 96).

    وكأنّ الله جلّ جلاله يخبره بألا يقلق، فالقضية عنده سبحانه، وهو بعباده خبير بصير. يعلم سبحانه أنّه إنما وضع فيهم وسائل الهداية بأدواتهم البشرية، وأنّ كل ما يطلبونه في هذه الدعاوى إنما هو باطل لا حجّة فيه. وهي رسالة مناسبة لكلّ مسلم غيّور على دينه يتكلّف فوق ما ينبغي أحيانًا في مناقشة الملاحدة، ويحاول أن يُظهر لهم بأنّ الإيمان بوجود الله هو شيء عقلي بحت وسهل جدّا مثل 1+1 وأنّه يلزمهم الإيمان بذلك حتمًا!

    والأمر ليس كذلك، فحقائق الإيمان ليست معادلات رياضية حتمية النتائج، وهؤلاء البشر ليسوا حواسيب تُدخَل إليهم تلك البيانات فيصبحوا مؤمنين بالضرورة: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ..(272)} (البقرة).

    يقول سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)} (البقرة).
    فلأيّ سبب كان هذا الختم؟

    الكفر موقف نفسي لا عقلي
    القرآن يؤكّد أنّ أساس الضلال هو التكبّر في الأرض بغير الحقّ:
    { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)} (الأعراف).

    فالقرآن يؤكّد: { وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا }. وفي آية سابقة من سورة الإسراء يتّضح السبب وراء عدم إنزال مثل تلك الآيات الواضحة التي يطالب بها هؤلاء الكفار:
    { وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)} (الإسراء).
    وهذه الآيات على أيّة حال كانت للتخويف كما يوضّح بجلاء { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }، أما أسباب الهداية الكافية فهي متوفّرة للإنسان حتى بدون تلك الأدلة الحسّية الواضحة؛ فالإنسان مزوّد بالهدى الربّاني الذي جاءت به الرسالات، وبكونه مفطورًا على التوحيد، وبالعقل والوعي وحرية الاختيار.

    في سياق آخر في سورة النمل، في قصة موسى تحديدًا، يأتي نموذج آخر يؤكّد على أنّ أسباب الضلال هي أسباب نفسية، ففساد القلوب هو المانع الأول للهداية، حتى مع وجود الأدلة الحسّية الواضحة، بل حتى مع اقتناع أولئك الكفار بصحّة دعوة موسى عليه السلام:
    { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}.

    ولكنْ أنفسهم يظلمون!
    ثم ينتهي السياق في سورة الإسراء بهذه الآيات:
    { وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (99)} .

    ولعلّ متشكّكا يقول: إذا كان أمر الهداية بيد الله فهي إذن جبريّة ولا خيار للإنسان فيها!
    ولكنّ القرآن مليء بما يدحض هذا الوهم، وهداية الله أو إضلاله إنّما هي بسبب ما في تلك النفوس من إرادة الحقّ والسعي إليه، أو إرادة الباطل والاستكبار في الأرض. أي إنّ الإضلال من الله هنا يكون بما كسبتْ قلوب البشر باختيارها الحرّ، والقرآن يؤكّد على هذا المعنى في آيات عديدة:
    { كَيْفَ يَهْدِي اللَّـهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)} (آل عمران).
    والله عادل لا يظلِم:
    { مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّـهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117)} (آل عمران).

    والقرآن يؤكّد على مسؤولية الإنسان عن مصيره في الآخرة:
    { ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (182)} (آل عمران).

    وهكذا، يقدّم لنا سياق الآيات في سورة الإسراء (89-99) تفنيدًا راسخًا لإحدى أبرز دعاوى الإلحاد، بدءًا بالمطالبة بالأدلة الحسّية السهلة، وصولا إلى التشكيك بالهدف من وجود تلك «الحواجز» التي تقف بين الإنسان والإيمان بالله.

    حتى يكتمل المشهد
    هداية الله أو إضلاله إنما هي بسبب ما في تلك النفوس من إرادة الحق والسعي إليه أو إرادة الباطل والاستكبار في الأرض.
    غير أنّ المشهد لا يكتمل إلا إذا علمنا أنّ الله رؤوف رحيم بنا.. يعلم ضعفنا كبشر، فيسّر لنا وسائل الهداية بعد أن أرشد إليها:
    { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) } (النساء).
    قضى سبحانه أنّ مُضيّ الإنسان في درب الهداية يمهّد له السير والارتقاء فيها:
    « وإن اقترب إليَّ شِبرًا، تقرَّبتُ إليه ذراعًا. وإن اقترب إليَّ ذراعًا، اقتربت إليه باعًا. وإن أتاني يمشي، أتيتُه هرْولةً » (صحيح مسلم).
    ومتى ألقى الكافر عن عقله وقلبه أغلال الاستكبار، وخفقتْ حقيقة الإيمان في قلبه وخضع لله العزيز القهّار، متذلّلا على أعتابه راجيا منه الهداية؛ إلا وقد أخذ الله بيده إلى النور، قال سبحانه:
    { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)} (البقرة).

    فليس الإيمان معادلة رياضية تقتنع بها العقول فتلتزمها، وإنما هو حقيقة نفسية يوفّق الله إليها من استجاب لنداء العقل والفطرة ولم يطمسْه باتّباع الهوى والشهوات.. وهل يردُّ اللهُ إنسانًا سار على درب إبراهيم عليه السلام ومضى يبحث عن الله؟
    { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} (البقرة).

    وإذا لم يؤمن الملحد بعد الإتيان بكل الأدلة والبراهين؟
    القرآن يخبرك بأنّه ليس من وظيفتك قهرهم على الهداية، ويحرّرك من شعور الحسرة:
    { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)} (فاطر).
    فلمْ تُكلَّف بإجبار البشر على الهداية، وإنما كُلّفتَ بالبلاغ المبين، وبجدالهم بالتي هي أحسن.

    (المصدر: موقع إضاءات)

  19. الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وسلطانه، ولا مثل له في أسمائه وصفاته، وبره وإحسانه.

     

    وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المؤيدُ ببرهانه، اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأعوانه، أما بعد:

    فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واسلكوا سبيل السلامة والنجاة، واحذروا سبل العطب والأمور المهلكات، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات، فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات، فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدهنَّ).

     

    فيا له من كلام جامعٍ لمسالك الخيرات، محذرٍ عن موانع الهلكات:

    أما تقوى الله في السر والعلانية، فهي ملاك الأمور، وبها حصول الخيرات واندفاع الشرور، فهي مراقبة الله على الدوام، والعلم بقرب الملك العلام، فيستحيي من ربه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده في كل ما يقرب إلى رضاه.

     

    وأما قول الحق في الغضب والرضا، فإن ذلك عنوان على الصدق والعدل والتوفيق، وأكبر برهان على الإيمان وقهر العبد لغضبه وشهوته، فإنه لا ينجو منها إلا كل صدِّيق، فلا يُخرجه الغضب والشهوة عن الحق، ولا يُدخلانه في الباطل، بل الصدق عام لأحواله كلها وشامل.

     

    وأما القصد في الفقر والغنى، فإن هذا علامة على قوة العقل وحسن التدبير، وامتثال لإرشاد الرب القدير في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67].

     

    فهذه الثلاث جمعت كل خير متعلق بحق الله، وحق النفس، وحقوق العباد، وصاحبها قد فاز بالقدح المعلَّى والهدى والرشاد.

     

    وأما الثلاث المهلكات:

    فأولاهنَّ هوى متبع: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]، فإن الهوى يهوي بصاحبه إلى أسفل الدركات، وبالهوى تندفع النفوس إلى الشهوات الضارة المهلكات.

     

    وأما الشح المطاع فقد أحضرت النفوس شحَّها: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]، ومن انقاد لشحِّه فأولئك هم الخاسرون، فإن الشح يحمل على البخل ومنع الحقوق، ويدعو إلى الضرر والقطيعة والعقوق، أمر الشح أهله بالقطيعة فقطعوا، ودعاهم إلى منع الحقوق الواجبة فامتثلوا، وأغراهم بالمعاملات السيئة من البخس والغش والربا ففعلوا، فهو يدعو إلى كل خلق رذيل، وينهى عن كل خلق جميل.

     

    وأما إعجاب المرء بنفسه، فإنه من أعظم المهلكات وفظائع الأمور، فإن العُجب باب إلى الكبر والزهو والغرور، ووسيلة إلى الفخر والخُيلاء واحتقار الخلق الذي هو من أعظم الشرور.

     

    فهذه الثلاث: الهوى المتبع والشح المطاع والإعجاب بالنفس، من جمعها فهو من الهالكين، ومن اتصف بها فقد باء بغضب من الله، واستحق العذاب المهين.

     

    فطوبى لمن كان هواه تبعًا لمراضي الله، وطوبى لمن وُقِي شحَّ نفسه، فكـان من المفلحين، وعرف نفسه حقيقة فتواضع للحق وخفض جناحه للمؤمنين.

     

    منَّ الله علي وعليكم بمكارم الأخلاق ومعاليها، وحفظنا من مضارها ومساوئها، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

     

    الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

    شبكة الالوكة

     
     

  20. عدم إصابتك بالوباء ليست بطولة ولا كثرة عبادة أو تقوى، وإصابة غيرك ليس ذنباً وعقوبة أو استهتارا. فأقدار الله نافذة على الجميع، فلنأخذ بالأسباب، ولنكف عن لوم المصابين، ولنسأل الله السلامة والعافية، في الدنيا والآخرة. ولنعلم أن ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليُصيبنا

     

    لا شك أن هناك أسباباً مادية وقائية لدفع البلاء، لكن الأهم منها الأسباب الشرعية التي يستدفع بها البلاء، ومنها: -التقوى؛ فإن من يتق الله يجعل له مخرجا. -التوبة والاستغفار؛ فإن الله لا يعذب تائب مستغفر. -الدعاء؛ فإنه يدفع البلاء ويرفعه. -الصدقة؛ فهي تطفىء غضب الرب وتقي مصارع السوء.

     

    لأذكار الصباح أثر عظيم في قوة البدن، وصفاء الذهن، ونور البصيرة، وراحة القلب وطمأنينته.. قال الامام ابن القيم: صليت مرة الفجر خلف شيخ الاسلام بن تيمية فظل يذكر الله حتى انتصف النهار.. ثم التفت الي، وقال: “هذه غدوتى لو لم أتغدَ غدوتى سقطت قوتي". والغدوة: هي طعام أول النهار.

     

    يستحب لمن توضأ أن يصلي ركعتين بعد فراغه من الوضوء، ومن فضلهما أنهما كفارة للخطايا؛ ويسميهما بعض أهل العلم صلاة التوبة. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ: (من توضأ نحوَ وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نفسه غُفرَ له ما تقدم من ذنبه). البخاري ومسلم

     

    من عاجل عقوبات المعاصي: الهم والقلق والشتات والخوف، وزوال النعم. (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فإنه لا يغير نعمة أو بؤسًا، ولا يغير عزًا أو ذلا، ولا يغير مكانة أو مهانة إلا أن يغير الناس من أعمالهم وواقع حياتهم، فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم

    اختصرها لنا ابن القيم رحمه الله؛ فقال: كلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وأهويتهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، وصورهم وأشكالهم وأخلاقهم. زاد المعاد (332/4)

     

    يعالج اللهُ عباده بالآيات والنُّذُر؛ والبلايا والمصائب؛ ليخوفهم من عقابه، وليرتدعوا عن معصيته. ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ والعارفون بالله، هم الذين يتعلّمون ويستفيدون من هذه الدروس الربانية! قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

     

    من الناس من يتعظ ويعتبر من أي شيء؛ حتى ولو بشعرة بيضاء خرجت في رأسه، تجده يخاف ويعلم أنها نذير من الله بدنو أجله. ومنهم من طُبع على قلبه بذنوبه ومعاصيه فلا يتعظ ولا يعتبر، كما وصفهم الله فقال:(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا)

     

    كل إنسان معرضٌ للمكدرات والمنغصات، ولن يسْلَمَ أحدٌ من الفتن والابتلاءات... فمن أجل نَفْسِكَ، ومن أجل راحتك، ومن أجل سعادتك ثق بتدبير الله، وفوض الأمر له، وكن مع الله في أمره وَنَهْيِهِ، حتى وإن خسرت ما خسرت من الدنيا وأنت تَتَلَمَّسُ رضا الله فما ضِعْتَ وما خسرت ما دمت مع الله.

     

    انتبذت مريم بنت عمران من أهلها مكاناً قصيا، فَزَفَرت عند جذع نخلة وهي تعالج ألم المخاض وقالت: (يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نَسْيًا منسيا) كلمات تبين قدر الألم الذي عانته، وهي مع ذلك تفكر ماذا ستقول لقومها. وهي لا تعلم أن الذي حملت به نبياً وأن الله سيجعلها هي وابنها آية للعالمين.

     

    لاتجزع من مصائب الدنيا مهما عَظمُت واشتدت؛ فإنها: 

    - تزهدك في الدنيا وتعلمك حقارتها.

    - كفارة للخطايا والسيئات.

    - تزيد الأجر وترفع الدرجات.

    -تعلمك الانكسار والذل لله تعالى. - تُبرئك من حولك وقوتك وتلجئك إلى حول الله وقوته.

    - تتأسى بالأنبياء والمرسلين فهم أشد بلاءً كما ثبت عنهﷺ.

     

    الذنوب سبب كل بلاء، فهي سببٌ لنقص الاموال والثمرات، وغلاء الاسعار، وقلة الامطار، وقلة البركة، وتسليط الاعداء، وكثرة الهموم والغموم.. قال الحسن البصري رحمه الله: إن الرجل كان يشاك الشوكة يقول: إني لأعلم أنكِ بذنب وما ظلمني ربي عز وجل. [أحمد في الزهد١٦٤٧]

     

    كلما كان ترك المعصية أشد على النفس كان الأجر أعظم، لأن الأجر على قدر المشقة. ومن المعلوم أن داعي المعصية في النفوس يختلف، فبعض النفوس تتفلت من صاحبها، وتغالبه على المعصية، لكن كلما عَظُمت المجاهدة والمشقة كلما عَظُم الثواب. وكلما زادت الفتن وقَلَّ الأعوان زاد الأجر بإذن الله.

     

    بلغت الجرأة ببعض النساء ان تخالط الرجال وتزاحمهم في كل مكان، وتماكس العمال في الأسواق بصوت مرتفع، وهذا الفعل ينافي الشرع والفطرة والحياء والأنوثة. وقد لعن النبيﷺ المرأة المترجلة، ولعن النبيﷺ المتشبهات من النساء بالرجال. نعم قد تحتاج المرأة للتسوق ولكن ليس بالإنسلاخ من الدين.

     

    من مواعظ السلف: إن الله ضمن لك الرزق فلا تقلق، ولم يضمن لك الجنة فلا تفتر، واعلم أن الناجين قلة، وأن زيف الدنيا زائل، وأن كل نعمة دون الجنة فانية، وكل بلاء دون النار عافية، فقف محاسباً لنفسك قبل فوات الأوان ..

     

    { فَأعْقَبَهُم نِفَاقًا في قُلُوبِهِم إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه }

    عقوبات بعض الذنوب تمتد إلى أن يقف العبد بين يدي ربه ! نسال الله السلامة

     


    من أسباب الثبات على الدين -

    الافتقار إلى الله ﷻ - تلاوة القرآن وأن تجعل لك منه ورد يومي - الإلحاح على الله بالدعاء - قراءة قصص الأنبياء، وسيرة النبي ﷺ وقصص الصحابة - أن تعمل بما علمت به - أن تنصر دين الله - كثرة ذكر الله ﷻ - التوبة والاستغفار - الصدقة

     

    احمدوا الله دائما في السراء والضراء، فكم من نِعَمٍ لا يعرف قدرها إلا من فقدها. عن عمران بن حصين رضي الله عنه ان رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْحَمَّادُونَ). صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (4/ 112).



  21. القاعدة الثالثة عشرة: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا }

     


    الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على معلم الناس الخير، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فانبلاج كانبلاج الصباح، تبرد نسيمه الرياح، في مُرْبع روضنا الأنف، المتربع المسمى: (قواعد قرآنية)، نخبُّ فيه مع قاعدة من القواعد القرآنية، التي توقف العبد، وتطلع الرائي على شيءٍ من عظمة الله تعالى في خلقه وحِكمته في شرعه، وتوقف العبد على قصوره في علمه، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } [النساء:11].
    هذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات الفرائض في صدر سورة النساء، والمعنى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ } يعني: الذين يرثونكم من الآباء والأبناء { لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًاً } أي: لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا، فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه" [تفسير البغوي:2/178].
    "ولو رد تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم؛ لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان" [تفسير السعدي:166].

    أيها المبصر المتأمل:
    لقد كان أهل الجاهلية يقسمون الميراث بموازين غير منضبطة، فتارة يراعون حاجة الأبوين، وتارة حاجة الأبناء، وتارة يتوسطون، فجاء الشرع المطهر ليلغي تلك الاجتهادات، فتولى الله قسمة المواريث بنفسه، ثم بيّن سبحانه في خاتمة هذه الآية الكريمة معنيين عظيمين يعزب عنهما علم البشر مهما بلغ في سعته، فقال في خاتمتها:

    1ـ { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وهي القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها.

    2ـ { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء:11] فهذه فرائض، يجب تنفيذها، وعدم الافتيات عليها بتحريف، أو تقصير، وعلل هذا بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } ليزداد يقين المؤمن أن هذه القسمة صادرة عن علم تام، وحكمة بالغة، لا يمكن أن يلحقها نقص، أو جور.

    أيها المبارك:
    لنعد إلى قاعدتنا التي نحن بصدد الحديث عنها: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } ولنحاول أن نطبق هذه القاعدة على واقعنا، لعلنا نستفيد منها في تصحيح بعض ما يقع منا من أخطاء في بعض تصوراتنا ومواقفنا الاجتماعية، فمن ذلك:

    1ـ أن بعض الآباء قد تكون خَلْفته من الذرية بنات فقط! فيضيق لذلك صدره، ويغتم لهذا الإبتلاء، فتأتي هذه القاعدة لتسكب في قلبه اليقين والرضا، وكم من بنتٍ كانت أنفع لوالديها من عددٍ من الأبناء؟ والواقع شاهدٌ بذلك.
    أعرف رجلاً لما كبرت سنه، كان أولاده بعيدون عنه في طلب الرزق، فلم يجد هذا الوالد الذي خارت قواه، وضعفت بُنيته أكثر حنواً ورعاية من ابنته الوحيدة التي قامت بحقه خير قيام من جهة النفقة، والرعاية الصحية، وصدق الله: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } .
    هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر أعظم، والموقف أدل وأجل، قال ابن عباس: "أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله تعالى يُشَفَّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم".
    ومن المؤسف أن نسمع ونقرأ عن أناسٍ رزقوا عدداً من البنات، يتذمرون بل قد يهددون زوجاتهم إن هُنّ ولدنَ لهم إناثاً، وكأن الأمر بأيديهن، وهذا من الجهل ـ في الحقيقة ـ إذ كيف يلام إنسان على أمر لا طاقة له به؟
    ويا ليت من يقعون في هذا الأسلوب يتأملون في أمور منها:

    1ـ هذه القاعدة القرآنية: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } [النساء:11].

    2ـ ليتهم يتأملون أيضاً قوله تعالى:
    { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)} [الشورى].

    قال ابن القيم معلقاً على هذه الآية: "وكفى بالعبد تعرضاً لمقته أن يتسخط ما وهبه" [تحفة المودود بأحكام المولود ص:32، ولكلامه تتمة يحسن ذكرها، وهي قوله: "وبدأ سبحانه بذكر الإناث فقيل جبرا لهن، لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل وهو أحسن إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالباً، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان، وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن، أي: هذا النوع المؤخر عندكم مُقَدّمٌ عندي في الذكر، وتأمل كيف نكّر سبحانه الإناث، وعرّف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف، فإن التعريف تنويهٌ كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم لما ذكر الصنفين معاً قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير، والله أعلم بما أراد من ذلك"]

    3ـ ومما يحسن بمن ابتلي بالبنات أن يتذكر الأحاديث الواردة في فضل من عال البنات ورباهن حتى يبلغن.
    ومما يُذكر به المتضجر من الابتلاء بالبنات، أن يقال له: هب أنك ضجرت، وتذمرت، فهل هذا سينجب لك ذكوراً؟ صحيح أن أغلب الناس جُبِلَ على حب الذكور، لكن المؤمن ينظر إلى هذا الابتلاء بمنظار آخر، وهو: عبودية الصبر، وعبودية الرضا عن الله، بل قد ينتقل بعض الموفقين إلى مرتبة الشكر، لعلمه بأن خيرة الله خير من خيرته لنفسه، وأن الله قد يكون صرف عنه شراً كثيراً حين حرمه من الذكور، أليس الله تعالى قد سلّط الخضر على ذلك الغلام فقتله، ثم علل ذلك بقوله:
    { وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)} [الكهف].
    ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن الشيخ علي الطنطاوي ـ وهو ممن ابتلي بالبنات ولم يرزق الذكور ـ كتب مقالاً، أكاد أجزم لو قرأه الذين ابتلوا بالبنات لم يتمنوا إلا ما هم فيه.

    وكما أن الآية فيها سلوة لمن ابتلوا بالبنات، ففيها سلوة لأولئك الذين ابتلوا بأولاد معاقين، سواء كانت إعاقتهم سمعيةً أم بصريةً أم عقليةً أم بدنية، فيقال لهم: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ..(216)} [البقرة] ويقال لهم أيضاً: والله إنكم لا تدرون أي أولادكم أقرب لكم نفعاً! فقد يكون هذا المعاق أقرب لكم نفعاً في الدنيا قبل الآخرة!
    أما في الدنيا، فكم فتحت هذه الابتلاءات لوالدي هؤلاء المعاقين من لذة التعلق بالله، ومناجاته، ورجائه الفرج!
    وكم ربّت هذه الابتلاءات في نفوس والدي المعاقين من معاني الصبر والاحتمال ما لم تكن تحصل لهم لولا هذه الابتلاءات! وكم .. وكم .. !!
    وأما في الآخرة، فلعل أمثال هذه الابتلاءات بهؤلاء المعاقين تكون سبباً في رفعة درجاتهم عند الله تعالى، رفعةً قد لا تبلغها أعمالهم!

    قارئ المرقوم:
    ولئن كانت الآية واضحة المعنى في موضوع الابتلاء بالبنات أو بأبناء فيهم عاهات أو إعاقات، فإنه يمكن أن يقاس عليها أمور أخرى، مثل: الأعمال الصالحة، والمؤلفات، والمقالات، والكلمات، بل والعبادات، فلا يدري الإنسان أي تلك الأعمال، والمؤلفات، والعبادات أكثر نفعاً له في الدنيا والآخرة.
    تأمل في سؤال النبي لبلال ـ حينما سمع خشف نعليه في الجنة ـ:
    « يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة »
    فقال بلال: "ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" [صحيح البخاري:1149].
    تأمل كيف أنه لم يذكر بلالٌ جهاده مع الرسول، ولا التزامه بالأذان، وهذا كله يدعو العبد لأن يكثر من أبواب الخير، فالإنسان لا يدري أي أعماله التي قد تكون سبباً في نيل رضوان الله والجنة، ولرب عملٍ كبير لكن داخله ما داخله من حظوظ النفس، فلم ينتفع به صاحبه، ولرب عمل قليل عظمت فيه النية، وصدق صاحبها مع الله فأثابه ثواباً لا يخطر على باله، وفي قصة المرأة البغي التي سقت كلباً أكبر شاهد على ذلك.

    ختاماً :
    طوبى لمن حملته أمواج التوفيق، وأقلته مطايا التسديد، فسلم أمره مبداه ومنتهاه لمولاه، ليرى نتاج سعيه، وثمار زرعه، لا يدري أيه أقرب له نفعاً!!،

    ثم الصلاة على المختار سيدنا * وأفضل القول قول هكذا ختما

  22. هذا حكمه حكم أهل الفترة الذين لم تبلغهم رسالة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة إنهم يمتحنون يوم القيامة: فمن نجح منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، فمن لم تبلغه دعوة الإسلام ممن يكون نشأ في جاهلية بعيدة عن المسلمين، كما في زماننا، مثلا في أطراف أمريكا أو شواطئ إفريقيا البعيدة عن الإسلام، أو ما أشبه ذلك من الجهات التي لم يبلغها الإسلام، فهذا يمتحن يوم القيامة، يؤمر وينهى في ذلك اليوم: فإن أجاب الأمر وأطاع دخل الجنة، وإن عصى دخل النار، وقد بسط العلامة: ابن القيم رحمه الله هذا المعنى في كتابه: (طريق الهجرتين) في آخر الكتاب في بحث سماه: (طبقات المكلفين)، وأطال في هذا، وبين كلام أهل العلم، وذكر الأحاديث الواردة في ذلك.
     
    فالإنسان الذي لم تبلغه الدعوة لكونه بعيدا عن الإسلام والمسلمين، أو إنسان بلغ وهو مجنون أو معتوه ليس له عقل، وكأولاد المشركين إذا ماتوا صغارا بين المشركين في أحد أقوال أهل العلم في شأنهم، كلهم يمتحنون يوم القيامة فمن أجاب دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، نسأل الله السلامة.
    والقول الصواب في أولاد المشركين إذا ماتوا صغارا قبل التكليف: أنهم من أهل الجنة لصحة الأحاديث الدالة على ذلك[1].
     
    مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (8/ 97).
     
    ...........
     
    حكم أهل الفترة
     
    المقصود بأهل الفترة 
    قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله – في تعريف الفترة: (هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم)  (تفسير القرآن ابن كثير) .
    ومن باب الاختصار سأكتفي بعرض لأهم الأقوال ثم بيان القول الراجح في هذه المسألة...
    أقوال العلماء في المسألة:
    اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة ومن أشهرها:
    الأول: أن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجياً، نص بعض الأئمة على دخول أطفال المشركين الجنة- دون غيرهم من أهل الفترة – كالإمام ابن حزم حين قال: (وذهب جمهور الناس إلى أنهم في الجنة وبه نقول)  والنووي  والحافظ ابن حجر العسقلاني وذكر أنه ترجيح البخاري 
    الثاني: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بنار يأمرهم الله سبحانه وتعالى بدخولها، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ومن لم يدخلها فقد عصى الله تعالى فهو من أهل النار، وهذا قول جمهور السلف، وممن قال به شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وابن كثير وغيرهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (.. ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات فهؤلاء فيهم أقوال أظهرها ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب)  
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله بعد حكايته المذاهب في أطفال المشركين وأدلتها: ( أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه أدخله النار وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار
     
    ومن أهم أدلتهم على هذا القول دليلان:
    الأول: استدلوا بعموم الآيات الدالة على نفي التعذيب قبل بلوغ الحجة، من مثل قوله تعالى عن أهل النار: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا [الملك: 8-9].
    وقوله سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [الإسراء: 15] وغيرها من الآيات الدالة على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير  
     يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية: (والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحداً حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ثم يعاند الحجة، وأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه حجة الله تعالى فإن الله تعالى لا يعذبه، استدل بهذه الآية على أن أهل الفترات، وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله، حتى يبعث إليهم رسولاً، لأنه منزه عن الظلم)  .
    الثاني: استدلوا بعدد من الأحاديث المصرحة بأن أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة يمتحنون يوم القيامة، ومن أشهرها ما رواه الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يكون يوم القيامة رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً))  (رواه احمد) .
    وعن أبي هريرة مثل هذا غير أنه قال في آخره: ((فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها سحب إليها))  (رواه احمد) 
     
     قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: 42-43]…)  وقال الطيبي: (لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في واحده منهما ما يخص الأخرى، فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه الابتلاء والفتنة بالسؤال وغيره)  
     
    الدرر السنية
     



  23. إذا نفخ في الصور نفخة النشور وقام الناس من القبور " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " إذ لا تنفع الأنساب يومئذ ،ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه .قال الله تعالى " ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم " فلا يسأل الصديق المقرّب عن حميمه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره وكان في الدنيا أعز الناس عليه .لن يلتفت إليه ولن يحمل عنه وزن جناح بعوضة قال الله تعالى " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه " لماذا؟ والجواب "لكل امرء يومئذ شأن يغنيه" إن هناك ما يشغله بنفسه عن الآخرين يريد ان ينجو بها ، ولا يهتم بغيره.

    ما الفرق الدقيق بين قوله تعالى " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ...." وقوله تعالى " يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومِئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينُنجيه." ..
    فالآية الأولى تذكر فرار الرجل ممن كانوا يساندونه ويدعمونه في الدنيا فالموقف في الآخرة رهيب رهيب ، وكل واحد يمكن ان ينقلب عليه ويطلب حقه منه، فاقد كان الأخ سند أخيه ورفيقه وصنوه وأسرارهما معاً ، وكانت أمه أكثر الناس رحمة به وكذلك أبوه ، ثم تجد الزوجة والأبناء جاءوا في الترتيب أخيراً لانهم اعتادوا أن يساعدهم هو لا أن يساعدوه هم.فهو الذي يصرف على أولاده وزوجته واعتمادهم عليه ومنه ينتظرون العون، يفر من هؤلاء الآن وقد كانوا عزوته ومؤيديه.
    أما في الآية الثانية فإننا نجد الموقف الذي كنا نستبعده في الدنيا يتحقق في الآخرة، فالأب – في الدنيا- يحارب الجميع في سبيل نصرة ولده وزوجته ويقطع عن نفسه اللقمة ليضعها في أفواههم ويبذل الغالي والرخيص في سبيلهم ويعادي الناس ولا يزعج أولاده وأسرته أما في الآخرة فإنه - لما يرى من الهول الذي ينتظره - يفتدي نفسه بأعز الناس عليه - بنيه وزوجته ثم بأخيه ثم فصيلته التي تؤويه - .. إن مقاييس الآخرة غير مقاييس الدنيا .يتخلى المرء عن كل شيء لينجو .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو حسبنا ومولانا الرحيم بعباده.
    وقال ابن مسعود : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد : ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه - قال - فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده وإن كان صغيراً أو زوجته ; ومصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى " فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " ....
    أرأيت يا أخي كيف يسعى المرء في الآخرة ويقول نفسي نفسي ويعادي الجميع لينجو وحده من عذاب يوم القيامة؟!.

    لكنّ نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم له شأن آخر بين يدي الله تعالى فالرسول حبيب الله ونسبه مصان وذريته الصالحة في أمان مما يغتور الناس ويخيفهم.فعن عبد الله بن أبي رافع عن المسور رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فاطمة بضعة مني ، يغيظني ما يغيظها وينشطني ما ينشطها ، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري " وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها " وعن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر " ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه ؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وإني أيها الناس فرط لكم إذا جئتم " فأقول لهم : أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى "
    لما تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب " قال : أما والله ما بي – أي لا رغبة لي في الزواج- إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " رواه الطبراني وغيره وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكراما ، رضي الله عنه .
    وروي عن ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " وروي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا " سألت ربي عز وجل أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك " .هذا طبعاً في ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ماتوا على الإسلام .

    نسأل الله تعالى حسن الختام وشفاعة رسوله ورضاه سبحانه فإنه مولانا ونعم المولى ونعم النصير.



    المصدر
    واتا الجمعية الدوليه للمترجمين واللغوين العرب

     


  24. قوله تعالى: {.. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]
     
    المشهور في الآية: أنه يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، ويحول بين أهل طاعته وبين معصيته، وبين أهل معصيته وبين طاعته .. وهذا قول ابن عباس وجمهور المفسرين.
    وفي الآية قول آخر: :  أنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية، فهو بينه وبين قلبه ..
    ذكره الواحدي عن قتادة، وكان هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب، فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه، فيعلم هل استجاب له قلبه وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه.
    وعلى القول الأول: فوجه المناسبة أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة لله وللرسول وأبطأتم عنها، فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم، فلا يمكنكم بعد ذلك الاستجابة عقوبةً لكم على تركها بعد وضوح الحق واستبانته؛ فيكون كقوله: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..} [الأنعام: 110]، وقوله: {.. فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ..} [الصف: 5]، وقوله: {.. فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 101]
    ففي الآية تحذير عن ترك الاستجابة بالقلب وإن استجاب بالجوارح .
     
    ومنها: أن الرجلَ إذا حضرت له فُرصةُ القُربة والطاعة، فالحزمُ كُلُّ الحزم فى انتهازها، والمبادرة إليها، والعجزُ فى تأخيرها، والتسويف بها .. ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعةُ الانتقاض قلَّما ثبتت، والله سُبحانه يُعاقب مَنْ فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يُمكنه بعد من إرادته عقوبةً له ..
    فمن لم يَستَجِبْ للهِ ورسوله إذا دعاه، حالَ بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابةُ بعد ذلك.
     
    وفي الآية سر آخر، وهو: أنه جمع لهم بين الشرع والأمر به وهو الاستجابة، وبين القدر والإيمان به .. فهي كقوله تعالى: { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (*) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28,29]، وقوله: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (*) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..} [المدثر: 55,56]، والله أعلم.
    المصادر:
    • كتاب الفوائد (1:88,92)
      زاد المعاد في هدي خير العباد (3:574)

      ...............

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال : 24]
    ما أجملها من دعوة يكرمنا بها الله لتحيا قلوبنا بالايمان ..
    ان استجيبوا عن طواعية تنالون الأجر وعن إرادة تسمو بها النفس ..
    استجابة الحر المأجور لا العبد المقهور ...
    والدعوة للجميع ..

    في الحديث الشريف (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)
    ونحن  لانملك قلوبنا ولكي نصل إليها لابد من الإتجاه لمن يملكها ونستعين به أن يثبتها على الدين ..
    وقد يعرف الانسان الحق ويعجز عن اعتناقه لذنب حرم به ، إذ لابد أن نتحرر من ذنوبنا ..
    وهاهو أبو طالب حام حول الإيمان وعجز عن نطق الشهادتين ..

    مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض تقلبها الرياح ...
    فلا تأمنن القلب ولا تعجب بعمل صالح قمت به ..
    لنراقب قلوبنا باستمرار فالأعمال بالخواتيم.. اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه فحل بيننا وبين معاصيك ..
    اللهم ثبت قلوبنا على دينك واصرفها إلى طاعتك حتى نلقاك وأنت راض عنا ...


    46866218_308010603135101_6185121045066809344_n.jpg?_nc_cat=108&_nc_sid=8bfeb9&_nc_ohc=Anhvghl_hD0AX-QJRqM&_nc_ht=scontent.fcai2-1.fna&oh=9c987824c7534a1a6eb77d0b3e60fcf5&oe=5F13472E
     

  25. أساليب التربية في سورة الحجركثيرة ، وهي رياض غناءة يسعد المتأمل فيها والناظر إليها ببديع هذه الأساليب التي يأخذ بعضها ببعض ، فتنظم عقداً بليغاً يحوي درر الحِكَم وجواهر الأدب وجميل المعاني الخلاّقة التي تستهوي المربين والأساتذة والآباء ، فيقتطفون منها طاقات فوّاحة من علم وأدب وتربية ... إليك بعضها :

    1- قال الحكماء : (لا تقم بعمل تندم عليه )؛ وكثير منا يجترح أحدنا أخطاء دون روية ، ثم يندم عليها . ولا شك أن الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه فضيلة ، وأفضل منه تصويبه وعدم العودة إليه . هذه هي التوبة النصوح . وهذه التوبة مطلوبة في عالمنا ، وما تزال مقبولة ، بل مطلوبة ما دمنا على قيد الحياة . أما الندم بعد الموت فحسرة لا تنقضي ، واعتذار لا يقبل ، وخطأ لا يغتفر إلا بعفو الله تعالى ومغفرته ولطفه ما عدا الإشراك به سبحانه ، فهذا خطأ لا يُغتفر وذنب لا يُمحى " إن الله لا يغفر أن يُشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ونقف وقفة الخائف الوجل والحذر المنتبه أمام الآية الكريمة الثانية في هذه السورة " رُبَما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " إنهم سيندمون عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ الْكُفْر ، ويتمنون لَو كَانُوا فِي الدنيا مَعَ المسلمين . قال اِبن عباس وابن مسعود  : إن الكفار  حين يعرضون على النَّار يوم القيامة ويرون المسلمين ناجين منها يتمنون أَنْ لَو كَانُوا مسلمين . ولعلّ الْمُرَاد أَنَّ كل كَافِر يَوَدّ عِنْد اِحْتِضَاره أَنْ لَوْ كَانَ مُؤمِنًا . وقيل : هذا إخبارعن يوم الْقِيَامَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدّ ولا نُكَذِّب بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُون مِنْ الْمؤمِنِينَ" وَقَالَ بعض المفسرين إن هذه الآية يقولها الجهنّميون الذين يرون العاصين من المؤمنين خرجوا من النار بعفو الله تعالى . وفي رواية:  يَقُول أهل النار للموحدين مَا أَغْنَى عنكم إِيمَانكم ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ قَالَ اللَّه : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِن إِيمَان . وروي عَنْ أَنَس بن مَالِك  قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  " إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْل لا إله إلا اللَّه يدخلون النار بذنوبهم ،  َيَقُول لَهُم أَهْل اللات وَالْعُزَّى مَا أَغْنَى عنكم قولكم لا إله إلا اللَّه وَأَنْتُمْ مَعَنَا فِي النَّار ؟ فَيَغْضَب اللَّه لَهُمْ فيخرجهم ، فيلقيهم فِي نَهَرالحياة فيبرءون من حرقهم كَمَا يَبْرَأ الْقَمَر مِنْ خُسُوفه ، ويدخلون الجنة  وَيُسَمَّوْنَ فَيهَا "الجهنميون" . إن الكفار لا يعبأون في الدنيا بغير التمتع بها وانتهاب الملذات ، فكان التهديد واضحاً في قوله تعالى " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهيهِم الأمل ، فسوف يعلمون " ولن يعلموا إلا بعد فوات الأوان . فإذا رأوا يوم القيامة ذاقوا وبال أمرهم .

    2- إن الله سبحانه وتعالى ( يمهل ولا يهمل ) فلن يُهلك الله أمة إلا بعد قيام الحجة عليها " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم " ولـ ( الكتاب المعلوم ) معنيان متلازمان ، أولهما أن الحق سبحانه لا يهلك امة قبل إرسال الرسل ودعوتها إلى عبادة الله وحده ، فإن أجابت نجت ، وإن لم تفعل حق عليها الهلاك . وثانيهما أن لكل أمة أجل " فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " والله سبحانه – على غضبه على الكفار – حليم يؤخرهم لأجلهم المحدد لهم فلا يعجل عليهم . ولذلك كانت القاعدة الإلهية في حق الأمم " ما تسبق من أمة أجلها ، وما يستأخرون . " والإنسان هو الذي يستعجل حين يغضب وتأخذه الحميّة ، يكاد يخسف الأرض بمن غضب منهم ، ويحاول جاهداً أن يستأصل شأفتهم . " وخـُلق الإنسان عجولاً "

    3- العاقل يقارع الحجة بالحجة وضعيف الرأي يغطي على جهله بالهزء والسخرية ، ومن سخرية المشركين بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنهم يتعالون عن ذكر اسمه الشريف ، فلا ينادونه : يا محمد ؛ بل يقولون تعريضاً واستخفافاً " يا أيها الذي نُـزّل عليه الذكر ..." ويقصدون : يا من تدّعي أنك نبي ورسول ؛ إنك لمجنون . ويطالبونه أن يكون معه ملَك يؤيده . مع أن الملائكة لا تنزل إلا للدفاع عن الأنبياء والقضاء على أعدائهم وإبادتهم حين يشتد أذاهم للرسل وأصحابهم ، كما فعل الله بالأمم السابقة الهالكة . ويخفف الله تعالى عن الرسول ألمه وحزنه من صد المشركين وأذاهم فيخبر الحبيب المصطفى أنه ليس يدْعاً من الرسل ، فقد كُذبت الرسل من قبله ، واستهزأ المشركون بهم كما استهزأت قريش وكفار العرب به . فهذا دأب المكذبين الضالين .

    4- يعاقـَب المشركون الذين صدوا عن الإيمان وحاربوه واتبعوا أهواءهم بالكفر يعشش في قلوبهم فيتيهون في الضلالة ويعمهون فيها " كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ، لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين "  وهكذا فـُعِل بكفار الأمم السابقة التي صدت عن سبيل الله ، فقد أدخل الله تعالى الشرك في قلوبهم لأنهم طلبوه كقوله تعالى في سورة الإسراء" قل : من كان في الضلالة فليمدُدْ له الرحمن مداً " وقوله تعالى  " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً " فهم – المشركين – لا يؤمنون حتى يقعوا في الواقعة التي لا خلاص منها . ولعل بعضهم يقول : أحقاً هم يصدون  لو وجدوا آيات بينات ؟ والدليل أن سجية البشر واحدة ، فالله تعالى قدم لقوم صالح آية الناقة حين وعدوا نبيهم أن يؤمنوا بهم لو جاءهم بخارق العادات ، فلما جاءتهم كفروا بها وقتلوها . فلما طلب القرشيون آية ذكـّرهم الله تعالى بالقاعدة الشهيرة : لا يُلدغ المرء من جحر مرتين حين أنزل الآية " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أنْ كذب بها الأولون ، وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها " أي ظلموا أنفسهم بقتلها . وفي هذه السورة يفضحهم الله تعالى حين يعريهم فيقول : " لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين " فهم مثلهم . ولأنه سبحانه عالم بهم خبير بدخائلهم يقول " ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فبه يعرجون لقالوا : إنما سُكـّرت أبصارنا ، بل نحن قوم مسحورون " . وقد يتفاصح أحدهم فيقول : لِمَ يأخذ ُربك الخلـَف بجريرة السلف ؟! فنقول له : يا هذا خانك الفهم ، وجانبك الصواب ، فالله تعالى بعدله لا يترك لأحد حجة ، فقد طلب مشركو مكة دليلاً على نبوة الحبيب محمد ، وسألوه أن يطلب من ربه انشقاق القمر ليؤمنوا به ، فلما انشق القمر قالوا : سحرنا محمد ، وحين قيل لهم إن كان سحَرَكم فاسألوا القادمين إلى مكة بعد أيام عما رأوا . فلما سألوهم وأكدوا أنهم رأوا القمر فِلقتين ذلك اليوم قالوا : سحر محمد الجميع ، إن سحره قوي مستمرشديد " اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ، ويقولوا سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهواءهم .. "

    5- كَانَ لِلْمَأْمُونِ - وَهُوَ أَمِير إِذ ذَاكَ - مَجْلِس نَظَر , فَدَخَلَ فِي جُملَة النَّاس رَجُل يَهُودِيّ حَسَن الثوب حَسَن الْوَجْه طَيِّب الرَّائِحَة , قَالَ : فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَن الكلام والعبارة , قَالَ : فَلَمَّا انتهى المجلس دَعَاهُ الْمَأْمُون فَقَالَ لَهُ : إِسْرَائِيلِيّ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ لَهُ : أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَل بِك وَأَصْنَع , وَوَعَدَهُ . فَقَالَ : دِينِي وَدِين آبَائِي ! وَانْصَرَفَ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ بعد سَنَة جَاءَنَا مسلماً , قَالَ : فَتَكَلَّمَ عَلَى الْفِقْه فَأَحْسَن الكلام ; فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِس دَعَاهُ الْمَأْمُون وَقَالَ : أَلَسْت صَاحِبنَا بالأمس ؟ قَالَ لَهُ : بَلَى . قَالَ : فَمَا كَانَ سَبَب إسلامك ؟ قَالَ : اِنْصَرَفْت مِنْ حَضْرَتك فَأَحْبَبْت أَنْ أَمْتَحِن هَذِهِ الأديان , وَأَنتَ تَرَانِي حَسَن الخطّ , فَعَمَدْت إِلَى الإنجيل فَكَتَبْت ثلاث نُسَخ فَزِدت فِيه وَنَقَصْت , وَأَدْخَلْتهَا الْكَنِيسَة فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي , وَعَمَدْت إِلَى التوراة فَكَتَبْت ثلاث نُسَخ فَزِدْت فِيهَا وَنَقَصت , وَأَدْخَلْتهَا البِيعَة فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي , وَعَمَدْت إِلَى الْقُرْآن فَعَمِلْت ثلاث  نُسَخ  منه وَزِدْت فِيهَا وَنَقَصْت , وأدخلتها الورَّاقِينَ فَتَصَفحُوهَا , فلَمَّا أَنْ وَجَدُوا فِيهَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان رَمَوا بِهَا فَلَمْ يَشترُوهَا ; فَعَلِمْت أَنَّ هَذَا كِتَاب محفوظ , فَكَانَ هَذَا سَبَب إسلامي . قَالَ يَحْيَى بْن أكثم : فَحَجَجْت تلك السَّنَة فَلَقِيت سُفيَان بْن عُيَيْنَة فَذَكَرْت لَهُ الْخَبَر فَقَالَ لِي : مِصْدَاق هَذَا فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ قلت : فِي أَيّ موضِع ؟ قَالَ : فِي قَول اللَّه تبارك وَتَعَالَى فِي التوراة والإنجيل : " بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه "  الْمَائِدَة : 44  , فَجَعَلَ حِفْظه إِلَيهِم فَضَاعَ , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " فَحَفِظَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ . وفي هذه الآية أحد عشر توكيداً ( إنّ المشددة ونا الدالة على الجمع ، وضمير العظمة نحن ، والتضعيف في نزّل ونا الدالة على الجمع ، وتعريف الذكر ، وإنّ المشددة ونا الجمع ، وتقديم ما حقه التأخير " له " فالجار والمجرور حقهما أن يتأخرا عن الخبر حافظون ، ولام حافظون ويسمونها المزحلقة ، وواو الجمع في قوله لحافظون )  فهذه الآية سبع كلمات فيها أحد عشر توكيداً ، وكلام الله سبحانه وتعالى لا يحتاج توكيداً ، فالله - سبحانه - أصدق القائلين ، فكيف إذا أكده ، أو كان فيه هذا الزخم من التوكيد؟

    6-  التفكر والتدبرغذاء القلوب والعقول ، فنرى القرآن الكريم يرشدنا إلى بديع الصنع من سماء وأرض وجبال وشجر وماء وزرع وحيوانات وحياة وموت . وهذا التفكير في أنفسنا وما حولنا دليل على وجود االإله الخالق الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه ، وبدأ خلق الإنسان من طين . ومن تفكر وتدبر وتابع المسيرة الكونية اهتدى إلى الحق ضمن قواعد منطقية متسلسلة الحلقات ، فأول هذه القواعد : أنا أفكر ، فأنا موجود ، وهذه القاعدة سرقها الفيلسوف " ديكارت " من الفيلسوف المسلم " ابن سينا " فعرفت للأول وهي للثاني وقد سبقه إليها بقرون عديدة . وثاني هذه القواعد  أنه لا بد لكل حادث من محدِث ، فما نحن وما حولنا إلا مخلوقات كانت في طور العدم ، وسنعود للعدم ، ونحن لا نملك لأنفسنا موتاً ولا حياة ولم نكن نعلم متى سنوجد ولن نعلم متى نعود للفناء ، وهذه الدورة الحيوية لم تأت من فراغ ، فقانون الصدفة ضعيف متهاوٍ  لا يثبت على حال ، ولا يقول به عاقل . وثالث هذه القواعد : ما له بداية له نهاية . وهذا أمر بدهي ، فنحن نرى نبات الأرض ودولة الليل والنهار والأطوار التي يمر بها الإنسان ولادة وحياة وموتاً ، وما يدّعي أحد أنه كان منذ الأزل وأنه باق إلى الأبد . وهؤلاء آباؤنا وأجددنا قضوا ونحن على إثرهم راحلون شئنا أم أبينا . وتعال معي نتدبر هذه الآيات في هذه السورة الكريمة نتابع فيها قدرة الله وبديع صنعه سبحانه

            وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)

            وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)

            إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)

            والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)

            وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)

            وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)

            وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)

            وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)

    سماء عالية ،وقبة سامقة لا يحدها النظر فيها شمس وقمر، ونجوم لا يُحصى عددُها تبهر الناظرين تسير بنظام محكم وترتيب رائع ، ثم شهب تخر من السماء بسرعة إلى الأرض فلا تؤذي من فيها تمنع الشياطين أن تسترق السمع .

    وأرض ممتدة موزونة ، فيها الجبال الشامخة ، والأنهار المتدفقة ، والبحار الهادرة ، واليابسة الممتدة ، أشجار وزروع ، وخضرة وصفرة ، وترتيب عجيب لصيف وشتاء ، وربيع وخريف ، وثمار تتجدد كل فصل بما يناسبه وكل سنة في الميعاد نفسه ، وخيوانات لخدمة البشر وأكل لحوم بعضها ، ومواسم الأمطار ، وتشكل السحب ، والرياح اللواقح ... ألا يدل كل هذا على مدبر الكون وخالقه ؟! عجيب أمر البدوي الذي نطق الحكمة فقال : البعرة تدل على البعير، والماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ، ألا تدلان على الحكيم الخبير؟!.

    بلى إنه الله الذي لا إله إلا هو ، به آمنا ، وعليه توكلنا ، وإليه أنبنا ...........


    رابطة ادباء الشام


     

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×