اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 339 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ

      قال الغَزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ الذي أنزَل الدَّاءَ أنزَل الدَّواءَ، ووعَدَ الشِّفاءَ، فالصَّبرُ وإن كان شاقًّا أو مُمتَنِعًا فتَحصيلُه مُمكِنٌ بمَعجونِ العِلمِ والعَمَلِ؛ فالعِلمُ والعَمَل هما الأخلاطُ التي مِنها تُرَكَّبُ الأدويةُ لأمراضِ القُلوبِ كُلِّها، ولكِن يحتاجُ كُلُّ مَرَضٍ إلى عِلمٍ آخَرَ وعَمَلٍ آخَرَ، وكما أنَّ أقسامَ الصَّبرِ مُختَلفةٌ فأقسامُ العِلَلِ المانِعةِ مِنه مُختَلفةٌ، وإذا اختَلفت العِللُ اختَلف العِلاجُ؛ إذ مَعنى العِلاجِ مُضادَّةُ العِلَّةِ وقمعُها)
      أ- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ والصَّبرِ على الطَّاعةِ :
      1- مِمَّا يُعينُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ عِلمُ العَبدِ بقُبحِها ورَذالتِها ودَناءَتِها، وأنَّ اللهَ إنَّما حَرَّمَها ونَهى عنها صيانةً وحِمايةً عنِ الدَّنايا والرَّذائِلِ، كما يحمي الوالِدُ الشَّفيقُ وَلَدَه عَمَّا يضُرُّه.
      2- الحَياءُ مِنَ اللهِ سُبحانَه؛ فإنَّ العَبدَ متى عَلِم بنَظَرِه إليه ومَقامِه عليه وأنَّه بمَرأًى مِنه ومَسمَعٍ، وكان حَييًّا، استحيا مِن رَبِّه أن يتَعَرَّضَ لمساخِطِه بتَركِ طاعَتِه أو ارتِكابِ مَعاصيه.
      3- مُراعاةُ نِعَمِه عَليك وإحسانِه إليك؛ فإنَّ الذُّنوبَ تُزيلُ النِّعَمَ ولا بُدَّ، فما أذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا إلَّا زالت عنه نِعَمُه مِنَ اللهِ بحَسبِ ذلك الذَّنبِ، ومَن أطاعَه وشَكرَه زادَه مِن نِعَمِه وآلائِه.
      4- خَوفُ اللهِ وخَشيةُ عِقابه، ورَجاءُ ثَوابِه ومَغفِرَتِه، وهذا إنَّما يَثبُتُ بتَصديقِه في وعدِه ووعيدِه، والإيمانِ به وبكِتابِه وبرَسولِه.
      5- محبَّةُ اللهِ، وهي أقوى الأسبابِ في الصَّبرِ عن مُخالفتِه ومَعاصيه؛ فإنَّ المُحِبَّ لمَن يُحِبُّ مُطيعٌ، وكُلَّما قَوِيَ داعي المَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه.
      6- شَرَفُ النَّفسِ وزَكاؤُها وفضلُها وأنَفَتُها وحَميَّتُها أن تَختارَ الأسبابَ التي تَحُطُّها وتَضَعُ مِن قَدْرِها وتُخَفِّضُ مَنزِلتَها وتُحَقِّرُها وتُسَوِّي بَينَها وبَينَ السِّفلةِ.
      7- قوَّةُ العِلمِ بسوءِ عاقِبةِ المَعصيةِ وقُبحِ أثَرِها والضَّرَرِ النَّاشِئِ مِنها؛ مِن سَوادِ الوجهِ، وظُلمةِ القَلبِ وضيقِه، وغَمِّه وحُزنِه، وألمِه وانحِصارِه، وشِدَّةِ قَلقِه واضطِرابِه، وتَمَزُّقِ شَملِه، وضَعفِه عن مُقاومةِ عَدوِّه، وتَعَرِّيه من زينتِه، والحَيرةِ في أمرِه، وتَخَلِّي وليِّه وناصِره عنه، وتَولِّي عَدوِّه المُبينِ له، وقوَّةِ العِلمِ بحُسنِ عاقِبةِ الطَّاعةِ وأثَرِها الطَّيِّبِ على النَّفسِ.
      8- قِصَرُ الأمَلِ، وعِلمُه بسُرعةِ انتِقاله، وأنَّه كمُسافِرٍ دَخل قَريةً وهو مُزمِعٌ على الخُروجِ مِنها، أو كراكِبٍ قال في ظِلِّ شَجَرةٍ ثُمَّ سارَ وتَركها، فهو لعِلمِه بقِلَّةِ مُقامِه وسُرعةِ انتِقالِه حَريصٌ على تَركِ ما يَثقُلُه حَملُه ويضُرُّه ولا ينفعُه، حَريصٌ على الانتِقالِ بخَيرِ ما بحَضرَتِه، فليسَ للعَبدِ أنفعُ مِن قِصَرِ الأمَلِ ولا أضَرُّ مِنَ التَّسويفِ وطولِ الأمَلِ.
      9- مُجانَبةُ الفُضولِ في مَطعَمِه ومَشرَبِه ومَلبَسِه ومَنامِه واجتِماعِه بالنَّاسِ.
      10- ثَباتُ شَجَرةِ الإيمانِ في القَلبِ، فصَبرُ العَبدِ عنِ المَعاصي إنَّما هو بحَسبِ قوَّةِ إيمانِه، فكُلَّما كان إيمانُه أقوى كان صَبرُه أتَمَّ، وإذا ضَعُف الإيمانُ ضَعُف الصَّبرُ، وكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه، وهذا السَّبَبُ جامِعٌ للأسبابِ كُلِّها.
      قال ابنُ القَيِّمِ: (والصَّبرُ على الطَّاعةِ ينشَأُ مِن مَعرِفةِ هذه الأسبابِ، ومِن مَعرِفةِ ما تَجلبُه الطَّاعةُ مِنَ العَواقِبِ الحَميدةِ والآثارِ الجَميلةِ، ومِن أقوى أسبابِها: الإيمانُ والمَحَبَّةُ، فكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ والمَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه) .   ب – الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على البَلاءِ:
      1- أن يعلمَ أنَّ اللهَ قد ارتَضاها له واختارَها وقَسَمَها، وأنَّ العُبوديَّةَ تَقتَضي رِضاه بما رَضيَ له به سَيِّدُه ومَولاه.
      2- أن يعلمَ أنَّ هذه المُصيبةَ هي دَواءٌ نافِعٌ ساقَه إليه الطَّبيبُ العَليمُ بمَصلحَتِه الرَّحيمُ به؛ فليصبِرْ على تَجَرُّعِه ولا يتَقَيَّأْه بتَسَخُّطِه وشَكواه فيذهَبَ نَفعُه باطِلًا.
      3- أن يعلمَ أنَّ في عُقبى هذا الدَّواءِ مِنَ الشِّفاءِ والعافيةِ والصِّحَّةِ وزَوالِ الألمِ ما لم تَحصُلْ بدونِه، فإذا طالعَت نَفسُه كراهةَ هذا الدَّاءِ ومَرارَتَه فلينظُرْ إلى عاقِبَتِه وحُسنِ تَأثيرِه؛ قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216] ، وقال اللهُ تعالى: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19] .
       4- أن يعلمَ أنَّ اللهَ يُرَبِّي عَبدَه على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والنِّعمةِ والبَلاءِ، فيستَخرِجُ مِن عُبوديَّتِه في جَميعِ الأحوالِ؛ فإنَّ العَبدَ على الحَقيقةِ مَن قامَ بعُبوديَّةِ اللهِ على اختِلافِ الأحوالِ، وأمَّا عَبدُ السَّرَّاءِ والعافيةِ الذي يعبُدُ اللهَ على حَرفٍ، فإن أصابَه خَيرٌ اطمَأنَّ به، وإن أصابَته فِتنةٌ انقَلبَ على وجهِه، فليس مِن عَبيدِه الذين اختارَهم لعُبوديَّتِه، فلا رَيبَ أنَّ الإيمانَ الذي يَثبُتُ على مَحَلِّ الابتِلاءِ والعافيةِ هو الإيمانُ النَّافِعُ وقتَ الحاجةِ، وأمَّا إيمانُ العافيةِ فلا يكادُ يصحَبُ العَبدَ ويُبلِّغُه مَنازِلَ المُؤمِنينَ، وإنَّما يصحَبُه إيمانٌ يَثبُتُ على البَلاءِ والعافيةِ؛ فالابتِلاءُ كِيرُ العَبدِ ومحَكُّ إيمانِه .
      5- أن يعلمَ أنَّ ما أصابَه مُقدَّرٌ مِنَ اللهِ:
      قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22 - 23] .
      6- أن يتَذَكَّرَ أعظَمَ المَصائِبِ التي حَلَّت بالأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وهي مَوتُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
      قال الشَّاعِرُ:
      اصبِرْ لكُلِّ مُصيبةٍ وتَجَلَّدِ
      واعلَمْ بأنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
      وإذا ذَكَرتَ مُصيبةً تَسلو بها
      فاذكُرْ مُصابَك بالنَّبيِّ محمَّدِ .
      7- أن يتجنَّبَ الجزَعَ فهو لا ينفَعُه، بل يزيدُ من مُصابِه:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الجَزَعَ يُشمِتُ عَدوَّه، ويسوءُ صَديقَه، ويُغضِبُ رَبَّه، ويَسُرُّ شَيطانَه، ويُحبِطُ أجرَه، ويُضعِفُ نَفسَه، وإذا صَبرَ واحتَسَبَ أنضى شَيطانَه، ورَدَّه خاسِئًا، وأرضى رَبَّه، وسَرَّ صَديقَه، وساءَ عَدوُّه، وحَمَلَ عن إخوانِه، وعَزَّاهم هو قَبلَ أن يُعزُّوه؛ فهذا هو الثَّباتُ والكَمالُ الأعظَمُ، لا لطمُ الخُدودِ، وشَقُّ الجُيوبِ، والدُّعاءُ بالوَيلِ والثُّبورِ، والسَّخَطُ على المَقدورِ) .
      8- أن يتَسَلَّى المُصابُ بمَن هم أشَدُّ مِنه مُصيبةً:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (ومِن عِلاجِه أن يُطفِئَ نارَ مُصيبَتِه ببَردِ التَّأسِّي بأهلِ المَصائِبِ، وليَعلَمْ أنَّه في كُلِّ وادٍ بَنو سَعدٍ ، ولينظُرْ يَمنةً فهل يرى إلَّا مِحنةً؟! ثُمَّ ليَعطِفْ يَسرةً فهل يرى إلَّا حَسرةً؟! وأنَّه لو فتَّشَ العالمَ لم يرَ فيهم إلَّا مُبتَلًى إمَّا بفواتِ مَحبوبٍ أو حُصولِ مَكروهٍ، وأنَّ شُرورَ الدُّنيا أحلامُ نومٍ أو كظِلٍّ زائِلٍ؛ إن أضحَكت قَليلًا أبكت كثيرًا، وإن سَرَّت يومًا ساءَت دَهرًا، وإن مَتَّعَت قَليلًا خيرةً إلَّا مَلأَتْها عَبرةً، ولا سَرَّته بيومِ سُرورٍ إلَّا خَبَّأت له يومَ شُرورٍ) .
      9- أن يتَسَلَّى المُصابُ بأنَّه للهِ، وأنَّ مَصيرَه إليه:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بأنَّه للهِ وأنَّ مَصيرَه إليه تَسَلَّى عن مُصيبَتِه، وهذه الكَلِمةُ مِن أبلغِ عِلاجِ المُصابِ وأنفعِه له في عاجِلتِه وآجِلتِه؛ فإنَّها تَتَضَمَّنُ أصلينِ عَظيمَينِ إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بمَعرِفتِهما تَسَلَّى عن مُصيبَتِه: أحَدُهما: أنَّ العَبدَ وأهلَه ومالَه مِلكٌ للهِ عَزَّ وجَل حَقيقةً... الثَّاني: أنَّ مَصيرَ العَبدِ ومَرجِعَه إلى اللهِ مَولاه الحَقِّ، ولا بُدَّ أن يُخلِّفَ الدُّنيا وراءَ ظَهرِه، ويجيءَ رَبَّه فرَدًا كما خَلقَه أوَّلَ مَرَّةٍ بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عَشيرةٍ، ولكِنْ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فإذا كانت هذه بدايةَ العَبدِ وما خُوِّله ونِهايتَه، فكيف يفرَحُ بمَوجودٍ أو يأسى على مَفقودٍ؟!) .
      10- أن يعلمَ أنَّ ابتِلاءَ اللهِ له هو امتِحانٌ لصَبرِه:
      يقولُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزيَّةِ في ذلك: (إنَّ الذي ابتَلاه بها أحكَمُ الحاكِمينَ أرحَمُ الرَّاحِمينَ، وإنَّه سُبحانَه لم يُرسِلْ إليه البَلاءَ ليُهلِكَه به ولا ليُعَذِّبَه به ولا ليجتاحَه، وإنَّما افتَقدَه به ليمتَحِنَ صَبرَه ورِضاه عنه وإيمانَه، وليسمَعَ تَضَرُّعَه وابتِهالَه، وليراه طَريحًا ببابِه لائِذًا بجَنابِه، مَكسورَ القَلبِ بَينَ يدَيه رافِعًا قِصَصَ الشَّكوى إليه) .
      11- أن يعلمَ أنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي حَلاوةُ الآخِرةِ:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي بعَينِها حَلاوةُ الآخِرةِ، يَقلِبُها اللهُ سُبحانَه كذلك، وحَلاوةُ الدُّنيا بعَينِها مَرارةُ الآخِرةِ، ولأن ينتَقِلَ مِن مَرارةٍ مُنقَطِعةٍ إلى حَلاوةٍ دائِمةٍ خَيرٌ له مِن عَكسِ ذلك؛ فإن خَفيَ عَليك هذا فانظُرْ إلى قَولِ الصَّادِقِ المَصدوقِ: "حُفَّت الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهَواتِ" . وفي هذا المَقامِ تَفاوتَت عُقولُ الخَلائِقِ، وظَهَرَت حَقائِقُ الرِّجالِ، فأكثَرُهم آثَرَ الحَلاوةَ المُنقَطِعةَ على الحَلاوةِ الدَّائِمةِ التي لا تَزولُ، ولم يحتَمِلْ مَرارةَ ساعةٍ لحَلاوةِ الأبَدِ، ولا ذُلَّ ساعةٍ لعِزِّ الأبَدِ، ولا مِحنةَ ساعةٍ لعافيةِ الأبَدِ؛ فإنَّ الحاضِرَ عِندَه شَهادةٌ، والمُنتَظَرَ غَيبٌ، والإيمانَ ضَعيفٌ، وسُلطانَ الشَّهوةِ حاكمٌ، فتَولَّدَ مِن ذلك إيثارُ العاجِلةِ ورَفضُ الآخِرةِ) .
      12- التَّفكُّرُ في ثَوابِ المُصيبةِ التي نَزَلت واليقينُ بحُسنِ الجَزاءِ.
      قال السَّمَرقَنديُّ: (ينبغي للعاقِلِ أن يتَفكَّرَ في ثَوابِ المُصيبةِ فتَسهُلَ عليه المُصيبةُ؛ فإنَّ ثَوابَ المُصيبةِ إذا استَقبَله يومَ القيامةِ يودُّ أن يكونَ جَميعُ أقارِبِه وجَميعُ أولادِه ماتوا قَبلَه لينالَ الأجرَ وثَوابَ المُصيبةِ.
      وقد وعَدَ اللهُ تعالى في المُصيبةِ ثَوابًا عَظيمًا إذا صَبَرَ واحتَسَبَ) .
      وعنِ الحَسَنِ البَصريِّ أنَّ رَجُلًا جَزِع على ولَدِه، وشَكا ذلك إليه، فقال الحَسَنُ: كان ابنُك يغيبُ عنك؟ قال: نَعم، كانت غَيبَتُه أكثَرَ مِن حُضورِه، قال: فاترُكه غائِبًا؛ فإنَّه لم يغِبْ عنك غيبةً الأجرُ لك فيها أعظَمُ مِن هذه، فقال: يا أبا سَعيدٍ، هَوَّنتَ عنِّي وجدي على ابني .
      13- أن يذكُرَ المُصابُ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عليه.
      (جاءَ رَجُلٌ إلى يونُسَ بنِ عبيدٍ فشَكا إليه ضِيقًا مِن حالِه ومَعاشِه، واغتِمامًا بذلك، فقال: (أيسُرُّك ببَصَرِك مِئةَ ألفٍ؟ قال: لا. قال: فبسَمعِك؟ قال: لا. قال: فبلسانِك؟ قال: لا. قال: فبعَقلِك؟ قال: لا... في خِلالٍ. وذَكَّرَه نِعَمَ اللهِ عليه، ثُمَّ قال يونُسُ: أرى لك مئينَ أُلوفًا وأنت تَشكو الحاجةَ؟!) .
      ولمَّا قُطِعَت رِجلُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وماتَ أحَدُ أبنائِه قال: (اللَّهمَّ كان لي بنون سَبعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ لي سِتَّةً، وكان لي أطرافٌ أربَعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ ثَلاثةً، ولئِن ابتَلَيتَ لقد عافَيتَ، ولئِن أخَذتَ لقد أبقَيتَ) .   ج- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على ما يُصيبُ المَرءَ بغَيرِ اختيارِه مِنَ المَصائِبِ بفِعلِ النَّاسِ في مالِه أو عِرضِه أو نَفسِه:
      1- أن يشهَدَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى خالقُ أفعالِ العِبادِ، حَرَكاتِهم وسَكناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا يتَحَرَّكُ في العالمِ العُلويِّ والسُّفليِّ ذَرَّةٌ إلَّا بإذنِه ومَشيئَتِه، فالعِبادُ آلةٌ، فانظُر إلى الذي سَلَّطَهم عَليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بك، تَستَرِحْ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ.
      2- أن يشهَدَ ذُنوبَه، وأنَّ اللهَ إنَّما سَلَّطَهم عليه بذَنبِه، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] .
      3- أن يشهَدَ العَبدُ حُسنَ الثَّوابِ الذي وعَدَه اللهُ لمَن عَفا وصَبَرَ، كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40] .
      4- أن يشهَدَ أنَّه إذا عَفا وأحسَنَ أورَثَه ذلك مِن سَلامةِ القَلبِ لإخوانِه، ونَقائِه مِنَ الغِشِّ والغِلِّ وطَلبِ الانتِقامِ وإرادةِ الشَّرِّ، وحَصَل له مِن حَلاوةِ العَفو ما يزيدُ لذَّتَه ومَنفعَتَه عاجِلًا وآجِلًا.
      5- أن يعلمَ أنَّه ما انتَقَمَ أحَدٌ قَطُّ لنَفسِه إلَّا أورَثَه ذلك ذُلًّا يجِدُه في نَفسِه، فإذا عَفا أعَزَّه اللهُ تعالى، وهذا مِمَّا أخبَرَ به الصَّادِقُ المَصدوقُ؛ حَيثُ يقولُ: ((وما زادَ اللهُ عَبدًا بعَفوٍ إلَّا عِزًّا)) .
      6- أن يشهَدَ أنَّ الجَزاءَ مَن جَنَّسَ العَمَلِ، وأنَّه نَفسَه ظالمٌ مُذنِبٌ، وأنَّ مَن عَفا عنِ النَّاسِ عَفا اللهُ عنه، ومَن غَفرَ لهم غَفرَ اللهُ له.
      7- أن يعلمَ أنَّه إذا اشتَغَلت نَفسُه بالانتِقامِ وطَلبِ المُقابَلةِ ضاعَ عليه زَمانُه، وتَفرَّقَ عليه قَلبُه، وفاتَه مِن مَصالحِه ما لا يُمكِنُ استِدراكُه.
      8- إن أوذيَ على ما فعَله للهِ، أو على ما أمَرَ به مِن طاعَتِه ونَهى عنه مِن مَعصيتِه، وجَبَ عليه الصَّبرُ، ولم يكُنْ له الانتِقامُ؛ فإنَّه قد أوذيَ في اللهِ، فأجرُه على اللهِ.
      9- أن يشهَدَ مَعيَّةَ اللهِ مَعَه إذا صَبَرَ، ومُحبَّةَ اللهِ له إذا صَبَرَ ورِضاه. ومَن كان اللهُ مَعَه دَفعَ عنه أنواعَ الأذى والمضرَّاتِ ما لا يدفعُه عنه أحَدٌ مِن خَلقِه؛ قال تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46] ، وقال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] .
      10- أن يشهَدَ أنَّ صَبرَه حُكمٌ مِنه على نَفسِه، وقَهرٌ لها وغَلَبةٌ لها، فمتى كانت النَّفسُ مَقهورةً مَعَه مَغلوبةً، لم تَطمَعْ في استِرقاقِه وأسْرِه وإلقائِه في المَهالكِ، ومتى كان مُطيعًا لها سامِعًا مِنها مَقهورًا مَعَها، لم تَزَلْ به حتَّى تُهلِكَه، أو تَتَدارَكه رَحمةٌ مِن رَبِّه.
      11- أن يعلمَ أنَّه إن صَبَرَ فاللهُ ناصِرُه ولا بُدَّ، فاللهُ وكيلُ مَن صَبَرَ، وأحال ظالِمَه على اللهِ، ومَن انتَصَرَ لنَفسِه وكَلَه اللهُ إلى نَفسِه، فكان هو النَّاصِرَ لها.
      12- أنَّ صَبرَه على مَن آذاه واحتِمالَه له يوجِبُ رُجوعَ خَصمِه عن ظُلمِه، وندامتَه واعتِذارَه، ولومَ النَّاسِ له، فيعودُ بَعدَ إيذائِه له مُستَحييًا مِنه نادِمًا على ما فعَله، بَل يصيرُ مواليًا له .
      13- أن يتَأسَّى بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه؛ قال السَّمَرقَنديُّ: (الواجِبُ على العَبدِ أن يصبرَ على ما يُصيبُه مِنَ الشِّدَّةِ، ويعلمَ أنَّ ما دَفعَ اللهُ عنه مِنَ البَلاءِ أكثَرُ مِمَّا أصابَه، ويحمَدَ اللهَ تعالى على ذلك.   وينبَغي للعَبدِ أن يقتَديَ بنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وينظُرَ إلى صَبرِه على أذى المُشرِكينَ...
      وكان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شِدَّةٍ مِن أذى الكُفَّارِ ومِنَ الجوعِ، فصَبَروا على ذلك حتَّى فرَّجَ اللهُ عنهم، وكُلُّ مَن صَبرَ فرَّجَ اللهُ عنه؛ فإنَّ الفرَجَ مَعَ الصَّبرِ، وإنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا. وكان الصَّالحونَ رَحِمَهم اللهُ يفرَحونَ بالشِّدَّةِ؛ لِما يرجونَ مِن ثَوابِها) .
      وقال السُّيوطيُّ: (ما كان كبيرٌ في عَصرٍ قَطُّ إلَّا كان له عَدوٌّ مِنَ السِّفلةِ؛ إذ الأشرافُ لم تَزَلْ تُبتَلى بالأطرافِ) .
      14- الاستِعانةُ باللهِ تعالى وكثرةُ دُعائِه:
       قال اللهُ تعالى حِكايةً عن يعقوبَ عليه السَّلامُ: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] ، المَعنى: أنَّ إقدامَ يعقوبَ عليه السَّلامُ على الصَّبرِ لا يُمكِنُ إلَّا بمَعونةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ الدَّواعيَ النَّفسانيَّةَ تَدعوه إلى إظهارِ الجَزِع، وهي قَويَّةٌ، والدَّواعيَ الرُّوحانيَّةَ تَدعوه إلى الصَّبرِ والرِّضا، فكأنَّه وقَعَت المُحارَبةُ بَينَ الصِّنفينِ، فما لم تَحصُلْ إعانةُ اللهِ تعالى لم تَحصُلِ الغَلبةُ، فقَولُه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يُجري مَجرى قَولِه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتِحة: 5] ، وقَولُه: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ يُجري مَجرى قَولِه: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] .
      ولمَّا هَدَّدَ فِرعَونُ موسى عليه السَّلامُ وقَومَه قال موسى عليه السَّلامُ لقَومِه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا؛ لذا يقتَرِنُ الصَّبرُ بالتَّوكُّلِ، كما في قَولِه تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وقَولِه: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
      ولما هَدَّدَ فِرعَونُ السَّحَرةَ حينَ آمَنوا قالوا: قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، ثُمَّ دَعَوا اللهَ تعالى قائِلينَ: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف: 125-126] .


       
    • صُورُ الصَّبرِ ومَجالاتُه
      إنَّ صَورَ الصَّبرِ ومَجالاتِه كثيرةٌ في حَياةِ الإنسانِ، فلا يستَغني عنه أحَدٌ بحالٍ مِنَ الأحوالِ، يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الإنسانَ لا يستَغني عنِ الصَّبرِ في حالٍ مِنَ الأحوالِ؛ فإنَّه بَينَ أمرٍ يجِبُ عليه امتِثالُه وتَنفيذُه، ونَهيٍ يجِبُ عليه اجتِنابُه وتَركُه، وقدَرٍ يجري عليه اتِّفاقًا، ونِعمةٍ يجِبُ عليه شُكرُ المُنعِمِ عليها، وإذا كانت هذه الأحوالُ لا تُفارِقُه فالصَّبرُ لازِمٌ له إلى المَماتِ، وكُلُّ ما يلقى العَبدُ في هذه الدَّارِ لا يخلو مِن نَوعَينِ: أحَدُهما: يوافِقُ هَواه ومُرادَه، والآخَرُ: يُخالفُه، وهو مُحتاجٌ إلى الصَّبرِ في كُلٍّ مِنهما) .   فمِن صُورِ الصَّبرِ:
      1- الصَّبرُ على بَلاءِ الدُّنيا مِن آلامٍ وأمراضٍ وفِقدانٍ للأقارِبِ والأصدِقاءِ وفَقرٍ، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155] .
      2- الصَّبرُ عن شَهَواتِ النَّفسِ.
      3- الصَّبرُ على الطَّاعةِ؛ قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] ، وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] .
      4- الصَّبرُ في الدَّعوةِ إلى اللهِ وتَحمُّلُ مَشاقِّها، فقد تَجِدُ مِنَ النَّاسِ إعراضًا عن دَعوتِك، وقد تَجِدُ مِنهم أذًى قَولًا أو فِعلًا فلا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ.
      وقد قَرَنَ اللهُ تعالى الصَّبرَ في بَعضِ الآياتِ بالأذى الذي يحتاجُ تَحَمُّلُه إلى عَزيمةٍ وإرادةٍ، ومِن ذلك: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم: 12] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: 177] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ [الحج: 35] .
      5- الصَّبرُ عِندَ مُلاقاةِ الأعداءِ والجِهادِ في سَبيلِ الله:
      وقد قَرَنَ اللهُ تعالى في كِتابِه بَينَ ذِكرِ الجِهادِ وذِكرِ الصَّبرِ؛ لأنَّ في الجِهادِ مَشَقَّةً تَستَلزِمُ العَزيمةَ، ومِن ذلك قَولُه تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: 250] ، وقَولُه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 110] ، وقَولُه عَزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْ [الأنفال: 65] .
      وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدوِّ، وسَلوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتُموهم فاصبِروا)) .
      6- الصَّبرُ على الزَّوجةِ والأولادِ.
      7- الصَّبرُ على الإخوةِ في اللهِ.
      8- الصَّبرُ على طَلَبِ العِلمِ؛ قال موسى عليه السَّلامُ للخَضِرِ لمَّا أرادَ أن يصحَبَه ليأخُذَ العِلمَ عليه: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: 69] .
      9- الصَّبرُ على أذى النَّاسِ.   ومِنَ المَجالاتِ التي ينبَغي للإنسانِ أن يضبِطَ نَفسَه عِندَها ويصبرَ عليها:
      1- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الضَّجَرِ والجَزَعِ عِندَ حُلولِ المَصائِب ومَسِّ المَكارِه.
      2- ضَبطُ النَّفسِ عنِ السَّأمِ والمَللِ لدى القيامِ بأعمالٍ تَتَطَلَّبُ الدَّأبَ والمُثابَرةَ خِلالَ مُدَّةٍ مُناسِبةٍ.
      3- ضَبطُ النَّفسِ عنِ العَجَلةِ والرُّعونةِ لدى تَحقيقِ مَطلبٍ مِنَ المَطالبِ المادِّيَّةِ أو المَعنَويَّةِ.
      4- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الغَضَبِ والطَّيشِ لدى مُثيراتِ عَوامِلِ الغَضَبِ في النَّفسِ.
      5- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الخَوفِ لدى مُثيراتِ الخَوفِ في النَّفسِ.
      6- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الطَّمَعِ لدى مُثيراتِ الطَّمَعِ فيها.
      7- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الاندِفاعِ وراءَ أهوائِها وشَهَواتِها وغَرائِزها.
      8- ضَبطُ النَّفسِ لتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشَقَّاتِ والآلامِ الجَسَديَّةِ والنَّفسيَّةِ .

      الدرر السنية
    • الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والتَّصَبُّرِ، والاصطِبارِ والمُصابَرةِ:

      (الفرقُ بَينَ هذه الأسماءِ بحَسبِ حالِ العَبدِ في نَفسِه وحالِه مَعَ غَيرِه:
      - فإن حَبسَ نَفسَه ومَنعَها عن إجابةِ داعي ما لا يحسُنُ، إن كان خُلُقًا له ومَلكةً سُمِّي صَبرًا.
      - وإن كان بتَكلُّفٍ وتَمَرُّنٍ وتَجَرُّعٍ لمَرارَتِه سُمِّي تَصبُّرًا.
      كما يدُلُّ عليه هذا البناءُ لُغةً؛ فإنَّه مَوضوعٌ للتَّكلُّفِ، كالتَّحَلُّمِ والتَّشَجُّعِ والتَّكرُّمِ والتَّحَمُّلِ ونَحوِها، وإذا تَكلَّفه العَبدُ واستَدعاه صارَ سَجيَّةً له.
      كما في الحَديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ)) . وكذلك العَبدُ يتَكلَّفُ التَّعَفُّفَ حتَّى يصيرَ التَّعَفُّفُ له سَجيَّةً، كذلك سائِرُ الأخلاقِ...
      - وأمَّا الاصطِبارُ فهو أبلغُ مِنَ التَّصَبُّرِ:
      فإنَّه افتِعالٌ للصَّبرِ بمَنزِلةِ الاكتِسابِ؛ فالتَّصَبُّرُ مَبدَأُ الاصطِبارِ، كما أنَّ التَّكسُّبَ مُقدِّمةُ الاكتِسابِ، فلا يزالُ التَّصَبُّرُ يتَكرَّرُ حتَّى يصيرَ اصطِبارًا.   - وأمَّا المُصابَرةُ فهي مُقاوَمةُ الخَصمِ في مَيدانِ الصَّبرِ:
      فإنَّها مُفاعَلةٌ تَستَدعي وُقوعَها بَينَ اثنَينِ، كالمُشاتَمةِ والمُضارَبةِ؛ قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فأمرهم بالصَّبرِ: وهو حالُ الصَّابرِ في نَفسِه، والمُصابرةِ: وهي حالةٌ في الصَّبرِ مَعَ خَصمِه، والمُرابَطةِ: وهي الثَّباتُ واللُّزومُ والإقامةُ على الصَّبرِ والمُصابَرةِ؛ فقد يصبرُ العَبدُ ولا يُصابرُ، وقد يُصابرُ ولا يُرابطُ، وقد يصبرُ ويُصابرُ ويُرابطُ مِن غَيرِ تَعَبُّدٍ بالتَّقوى، فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ مِلاكَ ذلك كُلِّه التَّقوى، وأنَّ الفلاحَ مَوقوفٌ عليها، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فالمُرابطةُ كما أنَّها لُزومُ الثَّغرِ الذي يُخافُ هجومُ العَدوِّ مِنه في الظَّاهرِ، فهي لُزومُ ثَغرِ القَلبِ؛ لئَلَّا يدخُلَ مِنه الهَوى والشَّيطانُ فيُزيلَه عن مَملكتِه) .     الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والاحتِمالِ:   (أنَّ الاحتِمالَ للشَّيءِ يُفيدُ كَظمَ الغَيظِ فيه، والصَّبرُ على الشِّدَّةِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عنِ المُقابَلةِ عليه بالقَول والفِعل، والصَّبرُ عنِ الشَّيءِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عن فِعلِه، وصَبَرتُ على خُطوبِ الدَّهرِ، أي: حَبَستُ النَّفسَ عنِ الجَزَعِ عِندَها، ولا يُستَعمَلُ الاحتِمالُ في ذلك؛ لأنَّك لا تَغتاظُ مِنه)   الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ:   (الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ: أنَّ الصَّبرَ ثَمَرةُ الحِلمِ وموجَبُه، فعلى قَدرِ حِلمِ العَبدِ يكونُ صَبرُه، فالحِلمُ في صِفاتِ الرَّبِّ تعالى أوسَعُ مِنَ الصَّبرِ؛ ولهذا جاءَ اسمُه الحَليمُ في القُرآنِ في غَيرِ مَوضِعٍ، ولسَعَتِه يَقرُنُه سُبحانَه باسمِ العَليمِ، كقَولِه: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) .  
    • وقفات تربوية مع قصة الأعمى في سورة عبس   د. أحمد عبد المجيد مكي  
      بسم الله الرحمن الرحيم
       - عَبَس: اسم سورة من سور القرآن الكريم، وهي السُّورة الثمانون في ترتيب المصحف، وهي مكِّيَّة بالاتفاق، عدد آياتها اثنتان وأربعون آية.
       - ومعنى عبَس: قطَّب ما بين عينيه وتجهَّم لإبداء الاستياء وعدم الرِّضا، وتولى: أي أعرض ولم يهتم بسؤال سائل وإقبال الزائر.
       - والمراد ب(الأعمى) هو ابن أم مكتوم. أسلم بمكة وهو ضرير البصر، وهاجر إلى المدينة، وكان يُؤَذِّنُ للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مع بلال ابن رباح. وكان رسول الله –إذا خرج في غزوة- يستخلفه على المدينة يصلي بالناس.
      - و سبب نزول صدر هذه السورة أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فَكَرِهَ رسول الله أن يقطع عليه ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ كلامه، فعبس وأَعْرَضَ عنه فَنَزَلَتْ الآيات. فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟.
             - تجدر الإشارة إلى أنَّ ذِكْره بلفظ الأعمى ليس لتحقير شأنه، ولكن للإشعار بعذره في الإقدام على قطع الكلام، فكأنه قيل: إنه بسبب عماه استحق مزيد الرفق والرأفة والتقريب والترحيب، فكيف يليق بك يا محمد أن تَخُصَّه بالعبوس والإعراض!!
       
      وفي هذه الآيات دروس ووقفات تربوية كثيرة، وفي السطور التالية اشارة إلى أبرز هذه الوقفات.

      الوقفة الأولى- مناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك:
           مناط العتاب- الذي تؤتيه لهجة الآية - إنما هو عتاب على العبوس والتولي، وليس على ما حَفَّ بذلك من المبادرة بدعوة، وتأخير إرشاد، لأن ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا، إذ ما سلك إلا سبيل الاجتهاد المأمور به فيما لم يوح إليه فيه. وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة: فاتقوا الله ما استطعتم [التغابن: 16] ... فلا قِبَل له بعلم المغيبات إلَّا أن يطلعه الله على شيء منها، فلا يعلم أن هذا المشرك مُضْمر الكفر والعناد، وأن الله يعلم أنه لا يؤمن، ولا أن لذلك المؤمن في هذا الوقت- صفاء نفس وإشراق قلب -لا يتهيآن له في كل وقت... فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم([1]).
      وقد أشار الفخر الرازي (ت 606هـ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأذونا له في تأديب أصحابه، لكن هاهنا- لما أوهم تقديم الأغنياء على الفقراء وانكسار قلوب الفقراء، وكان ذلك مما يوهم ترجيح الدنيا على الدين- فلهذا السبب جاءت هذه المعاتبة ([2]).

      الوقفة الثانية- التنويه بسمو منزلة المؤمنين وعلو قدرهم:
         من المقاصد الأساسية لسورة عبس: التنويه بضعفاء المؤمنين، وعلو قدرهم، ووقوع الخير من نفوسهم والخشية، والحث على الترحيب بهم والإقبال عليهم وقضاء حوائجهم، وعدم إيثار الأغنياء عليهم([3]).
          ويُروى أنه صلّى الله عليه وسلّم ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدّى لغني. وقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا. فعن مسروق قال: دخلت على عائشة ، وعندها رجل مكفوف تَقْطَعُ له الفاكهة وتُطْعِمُهُ إِيَّاها ، فقلت: من هذا يا أم المؤمنين؟ فقالت: ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم([4]).
          وفي السورة أيضا كما يقول البقاعي (ت: 885هـ)  إشارة إلى أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم القابلية والتهيؤ للكفر والفجور، وإلى أن المصائب (إشارة إلى عمى ابن أم مكتوم) أمارة للطهارة والإقبال واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف الأعمال، فكل من كان فيها أرسخ كان قلبه أرق وألطف فكان أخشى، فكان الإقبال عليه أحب وأولى ([5]). 

      الوقفة الثالثة- اجتهاد النبي جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين:
      في هذه الآيات" أعْلَمَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ذلك المشرك الذي مَحَّضَه نُصْحه لا يرجى منه صلاح، وأن ذلك المؤمن -الذي استبقى العناية به إلى وقت آخر- يزداد صلاحا تفيد المبادرة به، لأنه في حالة تلهفه على التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد استعدادا منه في حين آخر....
       وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوعه، وأنه جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين بحسب الظاهر، لأن السرائر موكولة إلى الله تعالى، وأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يخطىء بحسب ما نصبه الله من الأدلة، ولكنه قد يخالف ما في علم الله، وأن الله لا يقر رسوله صلى الله عليه وسلم على ما فيه مخالفة لما أراده الله في نفس الأمر([6]).
         فالنبي عليه الصلاة والسلام -كما يقول بن حزم (ت 456هـ) - اشتغل بما خاف فوته من عظيم الخير، عما لا يخاف فوته. وهذا غاية النظر في الدين والاجتهاد في نصرة القرآن- في ظاهر الأمر- ، ونهاية التقرب إلى الله، الذي لو فعله اليوم منا فاعل، لأُجِر. فعاتبه الله عزّ وجلّ على ذلك، إذ كان الأولى عند الله تعالى أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي([7]).
       
      الوقفة الرابعة - دلالة القصة على صدق الرسول في تبيلغ الوحي:
          بَلَّغَ النبي- صلى الله عليه وسلم- رسالة ربه أتم البلاغ وأكمله، فكان يقرأ على الناس ما أنزل إليه من ربه -كما هو- مهما بلغت شدة العتاب فيه.
       يقول القاسمي (ت 1332هـ): في هذه الآيات ونحوها، دليل على عدم ضَنِّه صلى الله عليه وسلم بالغيب. قال بعض السلف: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم من الوحي شيئا، كتم هذا عن نفسه([8]).
            ويقول محمد بن عبد الله دراز (ت 1377هـ) في بيان مصدر القرآن: وكأني بك ها هنا تحب أن أقدم لك من سيرته المطهرة مثلًا واضح الدلالة على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي الذي نحن بصدده، وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه، من ذلك:
      مخالفة القرآن لطبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعتابه الشديد له في المسائل المباحة: حيث كانت تنزل به نوازل ، وكان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. فيخطئه في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالعتاب، حتى في أقل الأشياء خطرًا ... أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره- حين بدا له خلاف ما يرى- أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟ ... ([9]).

      الوقفة الخامسة- العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب:
      لو نظرت أخي الكريم" في الأمور التي عوتب فيها النبي لوجدتها تنحصر في شيء واحد، وهو أنه عليه السلام كان إذا ترجح بين أمرين- ولم يجد فيهما نص- إنما اختار أقربهما إلى رحمة أهله، وهداية قومه، وتأليف خصمه، وأبعدهما عن الغلظة والجفاء، وعن إثارة الشبه في دين الله، فلم يكن بين يديه نص فخالفه عن قصد، بل هو مجتهدٌ بذل وسعه في النظر، ورأى نفسه مخيرًا فتخير، ... على أن الذي اختاره كان هو خير ما يختاره ذو حكمة بشرية، وإنما نبهه القرآن إلى ما هو أرجح في ميزان الحكمة الإلهية. هل ترى في ذلك ذنبًا يستوجب هذا العتاب؟ أم هو مقام الربوبية ومقام العبودية، وسنة العروج بالحبيب في معارج التعليم والتأديب؟([10]).
            فقد كان صلى الله عليه وسلم في حِجْر (أي في كَنَف وحماية) تربية ربه، لكونه حبيبا. فكلما ظهرت نفسه بصفة حَجَبَتْ عنه نور الحق، عوتب وأُدِّب إلى أن تخلق بأخلاقه تعالى ([11]).

      الوقفة السادسة- صلاح الفرد وسيلة لصلاح الأمة:
      نحن أمام حالين : "حال مؤمن هو مظنة الازدياد من الخير، وحال كافر مصمم على الكفر، تؤذن سوابقه بعناده، وأنه لا يفيد فيه البرهان شيئا.
        وإن عميق التوسم في كلا الحالين قد يكشف للنبي صلى الله عليه وسلم -بإعانة الله- رجحان حال المؤمن المزداد من الرشد والهدي ، على حال الكافر الذي لا يغر ما أظهره من اللين -مصانعة أو حياء من المكابرة-، فإن كان في إيمان الكافر نفع عظيم عام للأمة بزيادة عددها ونفع خاص لذاته. وفي ازدياد المؤمن من وسائل الخير وتزكية النفس نفع خاص له، والرسول مخاطب بالحفاظ على مصالح المجموع ومصالح الآحاد، بيد أن الكافر صاحب هذه القضية تنبىء دخيلته بضعف الرجاء في إيمانه لو أطيل التوسم في حاله، وبذلك تعطل الانتفاع بها عموما وخصوصا، وتمخض أن لتزكية المؤمن صاحب القضية نفعا لخاصة نفسه، ولا يخلو من عود تزكية بفائدة على الأمة بازدياد الكاملين من أفرادها... فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة، للتنبيه إلى الاهتمام بتتبع تلك المراتب، وغرس الإرشاد فيها على ما يرجى من طيب تربتها، ليخرج منها نبات نافع للخاصة وللعامة([12]).

      الوقفة السابعة- غاية الدين تزكية النفس بمعرفة الله وعبادته:
      التزكية: معناها تطهير النفس. يقال : زكا الزَّرعُ: نما وزاد ، وزكا الشَّخصُ وتزكَّى: اهتدى وصلُح وتطهّر.
      وقد اهتمت الآيات الكريمة بموضوع التزكية، يشير إلى ذلك قوله تعالى : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس: 3-4].
      والمعنى: وما يدريك إذا أقْبَلْتَ على الأعمى بالإرشاد، فإنه قد يتزكى تزكية عظيمة كانت نفسه متهيئة لها ساعتئذ، إذ جاء مسترشدا حريصا. إذ الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالا في درجات الإيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان، لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة ...
      وجملة (أو يذكر) عطف على (يزكى)، أي ما يدريك أن يحصل أحد الأمرين وكلاهما مهم، أي تحصل الذكرى في نفسه بالإرشاد لما لم يكن يعلمه، أو تذكر لما كان في غفلة عنه ([13]).
      كما أشارت الآيات إلى التزكية في قوله تعالى : وما عليك ألا يزكى [عبس: 7]. أي: لا بأس ولا شيء عليك في ألا يسلم ولا يهتدي، ولا يتطهر من الذنوب، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فلا تهتم بأمر من كان مثل هؤلاء من الكفار.
      فدل ذلك على أن من المقاصد الأساسية للدين : تزكية النفس بمعرفة الله وعبادته، وما شرعه من الأعمال والأخلاق والآداب. فهذا نبي الله موسى عليه السلام يقول لفرعون: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى [النازعات: 19 - 18]. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاها، وَزَكِّها أنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أنْتَ وَلِيُّها وَمَوْلاها ([14]).
        نسأل الله أن يثبتنا على دينه، ويميتنا ويحيينا عليه، إنه جواد كريم. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
       

      ----------------------------------------
      ([1]) التحرير والتنوير (30/ 114).
      ([2]) تفسير الرازي (31/ 53).
      ([3]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 325).
      ([4]) بوب الإمام النووي في كتابه النافع (رياض الصالحين) بابين متتابعين، الأول: باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين. والثاني : باب ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين..... وذكر تحتهما كثير من الآيات والأحاديث.
      ([5]) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (21/ 249).
      ([6]) التحرير والتنوير (30/ 112).
      ([7]) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 18).
      ([8]) تفسير القاسمي ( محاسن التأويل) (9/ 406).
      ([9]) النبأ العظيم (ص: 54).
      ([10]) النبأ العظيم (ص: 54).
      ([11]) تفسير القاسمي ( محاسن التأويل) (9/ 406).
      ([12]) بتصرف من التحرير والتنوير (30/ 110).
      ([13]) التحرير والتنوير (30/ 107).
      ([14]) رواه مسلم رقم (2722). صيد الفوائد    
    • المَبحَثُ الرَّابعُ: طاعونُ عَمْواس

      عَن عَوفِ بن مالِكٍ رَضيَ اللهُ عَنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((اعْدُدْ سِتًّا بينَ يَدَيِ السَّاعةِ)) فذَكَرَ مِنها: ((ثُمَّ مَوتانٌ يأخُذُ فيكُم كَقُعاصِ الغَنَمِ )) .

      قال القُرطُبيُّ: (عَوفُ بن مالِكٍ الأشجَعيُّ: شَهِدَ مَوتَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وحَضَرَ فتحَ بَيتِ المَقدِسِ مَعَ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخَطَّاب، فتَحَه صُلحًا لِخَمسٍ خَلونَ مِن ذي القَعدةِ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ الهجرةِ، ثُمَّ حَضَرَ قِسمةَ كُنوزِ كِسرَى على يَدِ أميرِ المُؤمِنينَ عُمَرَ، ثُمَّ شاهد قِتالَ الجَمَلِ وصِفِّينَ، وشاهدَ عَوفٌ رَضِيَ اللهُ عَنه أيضًا المَوتانَ الَّذي كانَ بالشَّامِ قَبلَ ذلك، وهو المُسَمَّى بطاعونِ عَمْواس، مات يومَئِذٍ سِتَّةٌ وعِشرونَ ألفًا. وقال المَدينيُّ: خَمسةٌ وعِشرونَ ألفًا... وعَمواس: قَريةٌ بينَ الرَّملةِ وبَيتِ المَقدِسِ، مات فيه أمينُ هَذِه الأمَّةِ أبو عُبيدةَ بنُ الجَرَّاحِ، والأميرُ الفقيهُ أبو عَبدِ الرَّحمَنِ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ. قال الإمامُ أحمَدُ بن حَنبَلٍ في «تاريخِه»: كانَ طاعونُ عَمْواس سَنَةَ ثَماني عَشرة. أخرجه عَن أحمَدَ أبو زُرعةَ الرَّازي... وموتانِ: بضَمِّ الميمِ هيَ لُغةٌ، وغَيرُهم يَفتَحونَها، وهو اسمُ الطَّاعونِ والمَوتِ. و قَولُه: ((كَقُعاصِ الغَنمِ)): هو داءٌ يأخُذُها لا يُلْبِثُها، قاله أبو عُبيدةَ؛ لِأنَّ القعاصَ: المَوتُ العَجِلَ، ويُقالُ بالسِّينِ، وقيلَ: هو داءٌ يأخُذُ في الصَّدرِ كأنَّه يَكسِرُ العُنُقَ) .

      وقال الكرمانيُّ: ( ((الموتانُ)) بضَمِّ الميمِ لُغةُ تَميمٍ، وأمَّا غَيرُهم فيَفتَحونَها، وهو الوَباءُ، وفي الأصلِ هو مَوتٌ يَقَعُ في الماشيةِ واستِعمالُه في الإنسانِ تَنبيهٌ على وُقوعِه فيهم وُقوعَه في الماشيةِ؛ فإنَّها تُسلَبُ سَلْبًا سَريعًا، وكانَ ذلك في طاعونِ عَمْواس زَمَنَ عُمرَ، مات مِنه سَبعونَ ألفًا في ثَلاثةِ أيَّامٍ، و((القُعَاصِ)) بضَمِّ القافِ وخِفَّةِ المُهمَلةِ وبالمُهمَلةِ: داءً يأخُذُ الغَنَمُ فلا يُلبِثُها أن تَموتَ، وقيلَ: هو الهلاكُ المُعَجَّلُ) .

      ومِن أقوالِ أهلِ العِلمِ في هَذِه العَلامةِ:

      1- قال ابنُ تيميَّةَ: (آياتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَدِ استَوعَبَت جَميعَ أنواعِ الآياتِ الخَبَريَّةِ والفِعليَّةِ. وإخبارُه عَنِ الغَيبِ الماضي والحاضِرِ والمُستَقبَلِ بأمورٍ باهرةٍ، لا يوجَدُ مِثلُها لِأحَدٍ مِنَ النَّبيينَ قَبلَه، فضلًا عَن غَيرِ النَّبيِّينَ... ورَوى البُخاريِّ عَن عَوفِ بن مالِكٍ قال: ((أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غَزوةِ تَبوكَ، وهو في قُبَّةٍ مِن أدَمٍ، فقال: اعدُدْ سِتًّا بينَ يَدَيِ السَّاعةِ: موتي، ثُمَّ فتحُ بَيتِ المَقدِسِ، ثُمَّ مَوتانٌ يأخُذُ فيكُم كَقُعاصِ الغَنَمِ...))، قُلتُ: ففُتحَ بَيتُ المَقدِسِ بَعدَ موتِه في خِلافةِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ، ثُمَّ بَعدَ ذلك وقَعَ الطَّاعونُ العَظيمُ بالشَّامِ، طاعونُ عَمْواس في خِلافةِ عُمرَ أيضًا، ومات فيه مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجَرَّاحِ، وخَلقٌ كَثيرٌ، وكانَ ذلك أوَّلَ طاعونٍ وقَعَ في الإسلامِ، فكانَ ما أخبَرَ به؛ حَيثُ أخذَهم طاعونٌ كَقُعاصِ الغَنَمِ) .

      2- قال ابنُ كَثيرٍ: (دَخَلَت سَنَةُ ثَماني عَشرة. المَشهورُ الَّذي عليه الجُمهورُ أنَّ طاعونَ عَمْواس كانَ بها، وقَد تَبَّعْنا قَولَ سَيفِ بنِ عُمرَ، وابنِ جَريرٍ في إيرادِه ذلك في السَّنةِ الَّتي قَبلَها، لَكِنَّا نَذكُرُ وفاةَ مَن مات في الطَّاعونِ في هَذِه السَّنَةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى... هَذا الطَّاعونُ مَنسوبٌ إلَى بُليدةٍ صَغيرةٍ يُقالُ لَها: عَمْواس. وهيَ بينَ القُدسِ والرَّملةِ؛ لِأنَّها كانَ أوَّلُ ما نَجمُ هَذا الدَّاءَ بها، ثُمَّ انتَشَرَ في الشَّامِ مِنها، فنُسِبَ إلَيها، فإنَّا لِلَّه وإنَّا إلَيه راجِعونَ. قال الواقِديُّ: تُوفِّي في عامِ طاعونِ عَمواس مِنَ المُسلِمينَ بالشَّامِ خَمسةٌ وعِشرونَ ألفًا، وقال غَيرُه: ثَلاثونَ ألفًا) .

      3- قال ابنُ حَجَرٍ: (يُقالُ إنَّ هَذِه الآيةَ يَعني المَوتانَ الَّذي يأخُذُ في النَّاسِ كَقُعاصِ الغَنَمِ ظَهَرَت في طاعونِ عَمْواس في خِلافةِ عُمرَ، وكانَ ذلك بَعدَ فتحِ بَيتِ المَقدِسِ... ووقَعَ في رِوايةٍ لِلحاكِمِ مِن طَريقِ الشَّعبيِّ عَن عَوفِ بن مالِكٍ في هَذا الحَديثِ أنَّ عَوفَ بنَ مالِكٍ قال لِمُعاذٍ في طاعونِ عَمْواس: إنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لي: اعدُدْ سِتًّا بينَ يَدَيِ السَّاعةِ، فقَد وقَعَ مِنهنَّ ثَلاثٌ، يَعني: موتَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفتحَ بَيتِ المَقدِسِ، والطَّاعونَ. قال: وبَقيَ ثَلاثٌ، فقال لَه مُعاذٌ: إنَّ لِهَذا أهلًا .

      4- قال البَرزنجيُّ: (هَذا وقَعَ في زَمَنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنه في طاعونِ عَمواس، وبَعدَ ذلك في طاعونِ الجارِفِ، وفي الطَّواعينِ والوَباءاتِ الواقِعةِ في أقطارِ الأرضِ) .

      5- قال ابنُ بازٍ مُعَلِّقًا على حَديثِ ((ثُمَّ مَوتانٌ يأخُذُ فيكُم كَقُعاصِ الغَنَمِ...)): (هو الطَّاعونُ عَمْواس) .

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183254
    • إجمالي المشاركات
      2539111
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×