اذهبي الى المحتوى
~ أم العبادلة ~

تفريغات مواد المستوى الثالث بالأكاديمية الإسلامية المفتوحة

المشاركات التي تم ترشيحها

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

تيسيرا على الأخوات اللاتي يعانين من صعوبة في تحميل تفريغات الدروس فقد وافقت الإدارة على نشرها في موضوع مستقل

حيث سيتم نشر تفريغات كل مادة بعد الانتهاء من بث وتفريغ جميع محاضرات تلك المادة إسبوعيا

مع العلم أن بعض التفريغات تحتوي على أخطاء إملائية لا يسع الوقت لمراجعتها

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تم تعديل بواسطة ~ أم العبادلة ~

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مادة الفرائض والقواعد الفقهية

د. علاء عامر

الدرس الأول

 

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واهدنا واهدِ بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى.

أما بعد، الإخوة الكرام طلبة العلم، أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لما فيه صلاحنا وخير لديننا ودنيانا.

أما بعد، نستعين الله جل وعلا- ونبدأ سويًا إن شاء الله في بيان موجز حول علم المواريث، وإذا يسر الله -تبارك وتعالى- وقضينا منه ما نريد؛ انتقلنا بعد ذلك إلى بعض المسائل في القواعد الفقهية، سائلًا ربي -جل وعلا- أن ييسر لنا ولكم أمرنا وشأننا كله.

الأمر الثاني: جميعًا تعلمون وأنتم من طلبة العلم، أن طلب العلم يحتاج إلى نية، فقبل الولوج في أي مادة من المواد على طالب العلم أن يستحضر نية صالحة لعل الله -جل وعل- أن يوفقه.

ولا شك أن طلب العلم شأن عظيم من شؤون هذه الأمة، ومما تميزت به أمة الإسلام عن غيرها من الأمم أنها تحض أبناءها وتحثهم دائمًا أبدًا على طلب العلم الشرعي؛ بل وغيره فيما ينفعنا في دنيانا أيضًا.

وهناك قاعدة ثابتة راسخة -وأنا أريد الاختصار والإيجاز نظرًا لقلة عدد الحلقات أو لضيق الوقت حتى ننجز ما نري، فندخل فيما نريد- قاعدة عامة مباشرة جميع طلبة العلم يعلمونها، وأسأل الله أن يوفق الأبناء من طلبة العلم إلى جمعها مني أو من غيري، فهي مشهورة معلومة، وهي التي جمعها أهل العلم في قول بعض شعراء العلم:

إن مبادئ كل علم عشرة **** الحد، والموضوع، ثم الثمرة

ونسبةٌ، وفضْلُهُ، والواضعْ **** والاسم، الاستمداد، حكم الشارعْ

مسائلٌ، والبعض بالبعض اكتفى *** ومن درى الجميع حاز الشرفا

 

إن مبادئ كل علم -كما قال الشاعر- عشرة، وهذه مسألة ينبعي لطالب العلم أن يتحراها قبل أن يلج في العلم الذي يريد، ولعلها قاعدة في عامة أنواع العلوم -إن شاء الله تبارك وتعالى.

يقول:

................ **** الحد، والموضوع، ثم الثمرة

فبعد أن يقول أنها عشرة، يبدأ في عدِّها واحدًا تلو الآخر، فيبدأ بالحد، والحد هو: التعريف. يعني تعريف هذا العلم، ما معنى الحد حينما أقول لك: ما الحد؟

تجيبني مباشرة تقول لي: كذا وكذا وكذا وكذا.

طيب.. أنا الآن لن أعطيك التعريف سريعًا، لأن هذا التعريف يخص علم المواريث، فنؤجله قليلًا حتى ننتهي من المبادئ، ثم اعطيك هذا التعريف لأنه سينفعنا فيما يأتي بعده -إن شاء الله جل وعلا.

الموضوع -وهو الأمر الثاني الذي سنتحرك فيه إن شاء الله تبارك وتعالى- وهو: علم التركات.

الله -جل وعلا- يقول: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]، كلمة {ترك}، {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} ثم بعد ذلك يقول: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ}[النساء: 12]، فكل ما يتركه المرء في دنياه وينتقل هو إلى ربه في علاه يسمى متروكات.

هذه المتروكات تسمى في الجملة: تركة. هذه التركة هي محل عملنا، كيف تقسم؟ ومن المستحقون؟ وما الأسباب التي يُبنى عليها الاستحقاق؟

هو هذا صلب المادة التي معنا، مادة تسمى بعلم المواريث، أو تقسيم التركات، أو الفرائض.

وكل هذه الأسماء لا بأس بها، وكلها صحيحة والحمد لله رب العالمين.

الثالث -كما يقول الشاعر:

.............. **** الحد، والموضوع، ثم الثمرة

ما ثمرة دراسة هذا العلم، هذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى مزيد بيان ولا كثرة خطاب، إيصال الحقوق إلى مستحقيها، نزع الخلافات من بين الناس، أن يعبد الناسُ ربهم -جل وعلا- في الأموال كما يعبدونه في الصلاة وفي الصيام، يعبدونه -سبحانه وبحمده- بإعطاء كل ذي حقٍ حقه، وهذا أمر واضح جلي، والحمد لله رب العالمين فإن أمة الإسلام في الجملة هذا شأن راسخ فيها، بل هي راضخة لهذا الأمر الرباني.

الرابع -كما يقول الشيخ:

................ **** الحد، والموضوع، ثم الثمرة

يقول:

ونسبة....***.................

يعني نسبة هذا العلم إلى غيره، ما نسبته؟ نسبته أنه من العلوم الشرعية، هو علم من العلوم الشرعية، لا من العلوم التي اختلقها البشر أو اجتهدوا فيها أو صنعوها بأيديهم، ولا من العلوم الطبيعية، ولا من علوم الطب، ولا من علوم الهندسة؛ إنما هو علم شرعي يصل العبد بمولاه -جل وعلا.

طيب.. فضل هذا العلم -كما يقول:

ونسبة، وفضله....***............

فضل هذا العلم فيه أحاديث واردة كثرة، وإن كان بالأحاديث مقال؛ إلا أنه مثلًا: «العلم ثلاثة: آية محكمة، سنة قائمة، فريضة عادلة». حينما ننظر إلى الحديث نجده مقسمًا ثلاثة أقسام، فيه جزء اسمه: «فريضة عادلة»، وهذا هو محل الشاهد.

إذن: بالنظر نجد أن الفرائض ثلث العلم، وقال بعضهم: بل هي نصف العلم. لماذا؟

لأنه علم يرتبط بما بعد حياة الإنسان، وكأن حياة الإنسان جزء، وما تركه جزء آخر، فهذا نصف وهذا نصف.

على أية حال؛ هذا العلم علم عظيم، علم شريف، وسيتبين لك مدى شرف هذا العلم حينما تنتقل إلى ما بعد ذلك.

قلنا:

ونسبة، وفضله، والواضع ***......................

من الذي وضع هذا العلم؟ وهذا من أعظم الشرف أن الواضع لهذا العلم هو الله -جل في علاه.

بل كما يقول كثير من العلماء: إن هذا العلم تولى الله -جل وعلا، سبحانه وبحمده- وضعه وبيانه، بل وتفصيله. فإن كثيرًا من العلوم قد جاءت في القرآن، ولكن على التفصيل الدقيق لا؛ جاءت موضحة في السنة، أو استنبطها العلماء أو اجتهد فيها، أو..، أو..، لكن هذا العلم خاصة دون غيره جاء مجملًا ومفصلًا في نصوص القرآن، فهذا يعطيه أعلى الشرف، وأعلى المقامات.

ونسبة، وفضله، والواضع *** ولاسم...........

كما ذكرنا نستطيع أن نقول أن اسم هذا العلم: الفرائض.

لأنه قال -جل وعلا: {فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ} [النساء: 11]، وسيأتينا أن الفرض هو الحز أو القطع، فريضة الله فرضه علينا، يعني كما أن الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة على القادر وهكذا؛ فأيضًا هذا العلم فريضة أن يقوم به جماعة من المسلمين فيكفون المسلمين شأنهم في هذا الأمر.

أو ممكن نسميه: علم المواريث، ما في حرج من هذا الاسم تناقله علماؤنا -رحمهم الله تبارك وتعالى- لأنه دائمًا يتكلم عن القديم، والميراث متعلق بالقديم، انتقل زيد وفاطمة، فما بقي بعده صار قديمًا، فبناءً على ذلك يسمى المواريث.

على أية حال: الأسماء لا مشاحة فيها، لا إشكال؛ إنما المقصود دائمًا معنا إخواني طلبة العلم: المعاني لا المباني.

ربما في بعض البلاد بلاد المغرب مثلًا يتناولون هذا العلم من علمائهم بشكل معين، طلبة العلم في الهند يتناولونه بشكل آخر، في الجزيرة العربية، في مصر، في إفريقيا، كل هذا وارد؛ المهم حينما يسئل عالم في المغرب، أو عالم في إندونيسيا، أو عالم في مصر، أو في دول الخليج، أو في الشام، أو في تركيا؛ يسئل في مسألة فلابد أن تكون الإجابة واحدة في كل هذه الأقطار، لأن الاختلاف في هذا العلم -كما سيأتينا- قليل محصور معدود، وسيأتينا ذلك -إن شاء الله جل وعلا.

.........*** ... الاستمداد..........

أدلته، ادلة هذا العلم ما هي؟ أدلته من الكتاب، ومن السنة، ومما نقل من أقضيات أهل العلم ومن أقوال الصحابة والتابعين، الأدلة عليه كثيرة.

مثلًا في القرآن كماذكرنا، أحد حافظ آيات يا شباب في آيات المواريث؟

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11]، إلى آخر الآية.

الآية التي بعدها: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]، إلى آخر الآية.

الآية الأخيرة في سورة النساء ما هي؟ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} [النساء: 176].

وهذا من عجيب صنع الله طلبة العلم، أن ثلاث آيات محكمات مجملات مفصلات فيها أصل هذا العلم وفروعه، ثم ما بعد ذلك من آيات -كما سيأتينا- ملحق عليها، أن يُجمع علم بكامله في ثلاث آيات؛ هذا من بديع صنع الله -جل وعلا- وهذا من عظيم فضله وامتنانه علينا.

كان عمر يقول: "تعلموا الفرائض وعلموها، فإنها من دينكم".

ابن عباس كان يقول في قوله -تبارك وتعالى: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73]، يقول: "فإن لم تأخذوا أي الميراث" يقصد بذلك الميراث، إذن الأمر كان عظيم.

أبو موسى كان يقول: "مثل الذي يقرأ القرآن ولا يحسن الفرائض كمثل برنس لا رأس له".

برنس: ثوب له رأس، غطاء على الرأس. يقول: "مثل الذي يقرأ القرآن ولا يحسن الفرائض كمثل برنس لا رأس له"، يعني أهم شيء فيه غير موجود.

هذا وذلك وما قبله يدل على مدى اهتمام الجيل الأول بعد النبوة بهذا العلم الكريم، علم المواريث.

يقول:

...............*** والاسم، الاستمداد، حكم الشارع

طبعًا لا شك هذا إجماع أهل العلم قد وقع على أن هذا العلم علم شرعي، وأنه علم يجب تعلمه على فئة من الناس، إلى آخره.

حكم الشارع: يعني هل تعلم هذا العلم واجب، فرض واجب أم على سبيل الكفاية؟

لا شك أنه على سبيل الكفاية، فإن قام به جماعة من العلماء يكفون المسلمين في أسئلتهم ومؤونتهم وحاجتهم إليه؛ سقط الأمر عن الآخرين.

ولكن المشكلة الكبرى -إخواني طلبة العلم- في زماننا المعاصر: أنك تجد قرى كاملة، قرية كاملةو أو ربما مدينة كاملة، وكما جاء في الأثر: "يختلف الاثنان في الفريضة والمسألة فلا يجدا ما يقضي بينهما"، إشكال قرية كاملة، مدينة كاملة ولا تجد أحدًا يفتي أهلها في المواريث، حتى استبدل كثير من الناس هذا العلم الشرعي، استبدلوه بالأعراف، واستبدلوه بالأعراف الريفية أو القبلية، أو المدنية أو الصحراوية، أو سمها أيَّ اسم، وهذا لا شك مخالف لدين الله -تبارك وتعالى.

فلا خلاف أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن كثرة انتشار الجهل بهذا العلم حتى في زماننا المعاصر يبرز بعض الناس ويقولون: كيف تعطون الرجل ضعف الأنثى؟! وينسى أنه يجب عليه -إن كان عاقلًا- ألا يسألني أنا ولا يسألك أنت؛ بل يسأل من؟ يسأل الله.

وهل يجرؤ أحد أن يعقِّب على حكم الله -جل في علاه، سبحانه وتعالى- تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

الشاهد: صارت شائعة -أرجو أن أقدمها لإخواني طلبة العلم- عند كثير من طلبة العلم: أن هذا العلم صعب جدًا، هذا العلم يحتاج إلى نوع من التوضيح العالي، يحتاج إلى كثرة مذاكرة، إلى كثرة متابعة، يحتاج، يحتاج، يحتاج؛ فأعرض عنه كثير من الطلبة.

وهذه إشاعة سوء، وإشاعة خاسرة، وإلا فإن هذا العلم عند الطلب والممارسة له تجده جميلًا، تهواه الأنفس وتحبه وترغب فيه وإليه، بل وعند الوصول إلى هذا الحد تجده سهلًا ميسَّرًا، هذا العلم سهل ويسير على من سهله الله -تبارك وتعالى عليه.

فاستحضر نية صالحة، وأعدَّ نفسك حتى تتمتع وتتلذذ بهذا العلم الجميل، ويكفيك فخرًا وشرفًا انك تدرس أمرًا نصَّ الله -تبارك وتعالى- عليه في القرآن،كما سيأتينا في بعض المسائل التي أفتى فيها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو جاءت في فتاوى الصحابة أو التابعين، أو من الأقضيات التي قضى فيها قضاة وعلماء المسلمين -رحمهم الله أجمعين.

آخر مسألة: يقول:

............*** والاسم، الاستمداد، حكم الشارع

مسائلٌ... ***............................

مسائله ماذا؟ مسائله ستأتي معنا موضحة -إن شاء الله تبارك وتعالى- سنتكلم فيه بالتدرج واحدة واحدة، مسألة مسألة وهكذا، حتى يأتينا -إن شاء الله تبارك وتعالى- ما نستطيع الوصول إليه في هذا العلم الكريم.

طيب.. نرجع الآن إلى أول ما بدأنها وهو الحد، أي تعريف هذا العلم، وأرجو من إخواني الطلبة أن ينتبهوا معي جيدا جدًا فيما أقول، فإن العلماء ربما اختلفوا في التعريفات؛ بل إن بعض أهل العلم وضع كتبًا مستقلة للتعريفات، وربما وضع تعريفًا اختلف فيه عن شيخه، هذا وارد، لكن -كما قلت لك- هذا التعريف هو مبنى، ويهمنا الآن المحتوى المعنى، ما في إشكال يختلف العلماء لا مشكلة، الأمر يسير، المهم أن تفهم القواعد وأن تفهم الأصول التي تبني عليها الفتاوى التي تصدر في هذا العلم الشريف المبارك.

فما مضى مقدمة أولى عن هذا العلم، سنبدأ في المقدمة الثانية الآن -إن شاء الله جل وعلا- ولنعتبر أولها هو تعريف هذا العلم، فأرجو إخواني طلبة العلم في البيوت في المنازل، في أماكنهم أن يكتبوا هذا التعريف الذي سأمليه عليهم إملاءًا، لأن هذا التعريف أنا أعتمده لنفسي ولغيري كما أخذته من شيخي -رحمه الله- حيًّا وميتًا.

أقول: هو علم يبحث في المواريث ومستحقيها لإيصال كل ذي حق إلى حقه.

لو أردنا الآن أن ننظر إلى هذا التعريف على التفصيل لأنه سيكون معتمد معنا، نقل غير ذلك من التعريفات، مثلًا بعض أهل العلم يقول: علم يُعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما يرث كل وارث. جميل هو نفس المعنى، لكن كل عالم يعبر بما يرجح عنده.

أنا أرجو الآن من طلبة العلم أن ينظروا إلى التعريف لو كتبناه على السبورة الآن، ممكن نكتب الآن كلمات محدودات حتى يتابع معنا الطلبة فيها -إن شاءالله تبارك وتعالى.

الأخ مصطفى، أنا قلت النص، ما هو النص أملي عليَّ.

علم يبحث في المواريث.

ممكن تحت نقول: ومستحقيها لإيصال كل ذي حق إلى حقه.

هذا التعريف أنا قسَّمت الكتابة ثلاثة أقسام، واحد، اثنان، ثلاثة. لماذا هذا التقسيم؟

لأن هذا يفيدنا فيما نمضي إليه.

علم يبحث في المواريث: إذن طالب العلم يفهم أننا سنتكلم في المواريث. هذه الأولى، علم التركات.

الثاني: مستحقيها، لابد أن يعرف طالب العلم من المستحقون لهذه التركة، مات زيد، ماتت فاطمة، منيأخذ المال؟ من يأخذ التركة؟

وانتبه للتعريف، يقول: المستحق. ما معنى المستحق؟ سيأتي معنا الكلام بزيادة بيان -إن شاء الله تبارك وتعالى.

الأمر الثالث: لإيصال كل ذي حق إلى حقه. وهذه مسألة فنية في التعريف.

لإيصال كل ذي حق إلى حقه: قسمنا التركة، درسناها وجمعناها وقسمنا، علمنا أن لعمرو مئة.

مهمة المفتى تختلف عن مهمة القاضي.

مهمة المفتي: لإيصال كل ذي حق لحقه. أقول له يا عمرو: لك في التركة مئة. هذا عمل المفتي.

أما القاضي، ماذا يعمل القاضي؟ العكس، يأخذ الحق ويعطيه لمن؟ لعمرو.

هناك فارق بين المفتي وبين القاضي، المفتي يدلك على حقك بالفتوى، لكن ليس ملزمًا بأن يعطيك الحق، هذا أمر من يقوم عليه؟ الحاكم، الحكام هو القاضي، أو من يقوم مقامه.

ثم إذا كانت المسألة معروضة على قاضي؛ القاضي يستطيع أن يأتي بحقه ويسلمه لمن؟ لصاحبه مستحقه.

فنقول مرة أخرى: التركة على ثلاثة أقسام:

- علم يبحث في المواريث.

- ومستحقيها، هذا الثاني.

- الثالث: لإيصال كل ذي حق إلى حقه.

التعريف الذي ذكرته أنا الآخر، ما هو؟ علم يعرف به من يرث ومن لا يرث.

طيب هذا ماذا سمينها عندنا في التعريف الأول؟ المستحقون.

يقول: ومقدار ما لكل وارث. هي نفس المسألة إيصال كل ذي حق إلى حقه.

إذن: الآن الأمور صارت معنا واضحة، علامَ سنقدُم؟ إلى أين سنذهب؟ ولكن أرجو أن الإخوة طلبة العلم أن تسع صدورهم، كان المفروض أننا نعمل مقدمة جيدة عن طريقة التوريث قبل الإسلام لنرى مدى عظمة الإسلام في التوريث.

قبل الإسلام مثلًا سريعًا: كانوا يورثون من يركب الخيل. طيب ومن لا يركب الخيل؟ لا يرث، يعني يركب الخيل يعني يغِير وأن يُقاتل، وأن يأتي بالمال.

طيب من كان لا يستطيع؟ لا يأخذ!

وللأسف بعض الدول إلى الآن طبعًا غير المسلمة تأخذ بتشريعات مشابهة لهذا، وهي تسمى دول متقدمة في العرف الذي يعجب الناس، أنها تورث الكبير ولا تعطي الصغير، يعني كأن الجاهلية لا زالت موجودة، ولكن في دول غير دول المسلمين، وهذا من فضل الله -جل وعلا- علينا.

الإسلام أعطى للمرأة نصف الذكر، هذه الدول وأمثالها الموجودة في زماننا المعاصر -الدول الغربية- تعطي المال كله للكبير. طيب والمرأة؟ لا يوجد، ثم يتبجحون ويقولون: أنتم تعطون المرأة نصف الذكر، طيب جيد، أنتم لا تعطون شيئًا. هذه أمور تحتاج منا إلى مراجعة، لأن مباحث الفرائض تحتاج إلى توضيح الخلفية العلمية للتوريث في الدول الأخرى.

مثلًا في دول مثل الدول الشيوعية ما عندهم توريث، لا يوجد توريث مطلقًا. لماذا؟ لأن المال كله ملك لمن؟ للدولة، هكذا هم الاشتراكية، على قدر الإنتاج تأكل وتشرب وتلبس وتعيش، طيب وإذا مات؟ ما عنده مال، المال كله ملك للدولة.

يعني إذن الإنسان كأنه آلة تعمل ويوضع لها الزيت والبنزين وغيره فإذا خربت الآلة تُرمى في القمامة وانتهت المسألة، هذا طبعًا كلام أحمق لا يدل أبدًا على دين ولا على فهم.

على أية حال: هذا الأمر والحمد لله قد عافا الله -تبارك وتعالى- منه أمة الإسلام بأن أنزل عليهم هذا العلم الشريف، هذا العلم المبارك، وتولى -جل وعلا- بيانه -سبحانه وبحمده- في القرآن الكريم، وعلى إثر ذلك قام علماؤنا -رحمهم الله- بما ورد إليهم من نبينا -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما جاءنا أيضًا عن الصحابة والتابعين ومن أقضيات اهل العلم بالتفصيل والبيان والمزيد حتى صار العلم والحمد لله سهلًا ميسرًا، وهذا من فضل الله -جل وعلا- علينا.

إذا انتقلنا إلى المقدمة الثانية التي ذكرت أن أولها هو تعريف هذا العلم:

مات زيد، ودائمًا -إخواننا الكرام- من بركات علم المواريث أنه يجعلك دائمًا تعيش زاهدًا في الدنيا، لأنه كلما أسألك سأقول لك ماذا؟ مات فلان، ماتت فلانة، هلك فلان، فأنت الآن هذا العلم كله ينقل عن أموال الأموات ودائمًا فيه نوع من التذكير بالآخرة والعاقبة، وهذا من جمال هذا العلم أنك دائمًا ستكون قريب من الله -جل وعلا- وسييسره الله -جل وعلا- عليك.

المقدمة الثانية:

إذا قالوا لنا: مات فلان أو فلانة، هل يذهب طالب العلم سريعًا أو المفتي سريعًا ويجمع المال ويبدأ في التقسيم؟ لا طبعًا.

هناك مقدمة اخرى مهمة جدًا خلاف المقدمة العلمية العامة، فيه مقدمة علمية خاصة بهذا العلم وهي نسميها دائمًا بعبارة اتفق العلماء غالبًا في القول بها: الحقوق المتعلقة بالتركة، يعني إذا بدأنا في تركة وضعوها أمامنا، المفتي أو الشيخ أو العالم بالضبط كطبيب التشريح، الطبيب الذي يفتح البطن والصدر وغيره، قبل ما يفتح يرى تجهيزات، هذه التجهيزات الآن التي بين أيدينا قبل أن نبدأ في التقسيم ننظر في المال الذي تركه هذا الراحل أو هذه الراحلة. أسأل الله أن يخرجنا وإياكم من الدنيا بخير سالمين موحدين جميعًا -إن شاء الله جل وعلا.

 

فالعلماء -رحمهم الله- قالوا: مجموعة من الحقوق لابد اولًا أن نستخرجها من التركة قبل تقسيم التركة.

لذلك يسميها العلماء ماذا؟ حقوق متعلقة بالتركة.

كأن التركة الاسم هكذا، فيه حقوق متعلقة حوله، فقبل أن نبدأ في تقسيم هذه التركة لابد الأول أن نفعل ماذا؟ نسقط هذه الحقوق أولًا، نخرجها، حتى نصل إلى..، مثل شعبي أنا أقوله دائمًا: مثل الموز، تعرفون إصبع الموز، قبل ما الواحد يأكله، تأكله بالقشر أم بدونه؟ أحد منكم اكله بقشره؟ ممكن! لكن صعب جدًا، لابد أولًا أن نمسك الموز ونخرج القشر ثم يدخل اللباب ويأكل.

نفس المسألة: قبل أن نلج في العلم لابد ماذا؟ نخرج القشور التي حوله، القشور هذه ذكرها العلماء في خمسة نقاط، هذه النقاط الخمسة لابد أن نوضحها وأن نبينها قبل أن نلج في التقسيم وكيف نقسم، فنقول وبالله التوفيق:

أول أمر يفعل من يقوم على التركة، وهو الآن أنت طالب العلم أنت المقصود بذلك: مؤنة التجهيز والتكفين -اسمع الشرط الآتي هذا في الكلام- من غير إسراف ولا تقتير، يعني حق الميت على من يقوم على تركته؛ حقه عليه أولًا أن يوصله إلى قبره.

يوصله إلى قبره كيف؟ لابد مما جرت به أعمال المسلمين: التغسيل، التكفين، الحنوط، الحمل، النقل، حتى يدخل القبر.

تكاليف هذه المهمة كلها تستخرج من ماذا؟ من مال الميت، لأنه أحق به من غيره.

ولكن انتبه جيدًا!

أنا وضعت لك شرطًا، أقول: من غير إسراف ولا تقتير.

الإسراف هو: تجاوز الحد.

التقتير: الإمساك.

إذن: لا نكون بخلاء على الميت، وأيضًا لا نكون في حالة من السرف مع الميت، يعني بعض الناس إذا مات لهم كبير من كبار القوم كفَّنوه في الحرير والديباج، ونقلوه في كذا وكذا، إلى آخره، بل ربما جعلوا مقبرته من الرخام، ووضعوه فيها، وجعلوها دور أو دورين أو ثلاثة، هذا موجود.

ربما في بعض البلاد، والحمد لله رحمهم الله لم يروا هذا، لكن نحن نرى هذا في بلاد، لا، التكفين في غير إسراف ولا تقتير.

طيب.. ما هو الضابط بين الإسلاف والتقتير في النفقة؟

الضابط هو هدي النبي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الضابط هو هدي النبي -صلى الله عليه وسلم.

الرجل يكفَّن في ثلاثة قطع من القماش، قماش من المتوسط البسيط العادي، أما التكلف الزائد غير مطلوب.

فيه تفصيل ولكن أنا سأعرض عنه الآن. لماذا؟ أنا أقول لطلبة العلم: أريد أن أختصر، لأني -كما قلت لكم- الوقت محدود والحلقات معدودة.

مثلًا: هل كفن الزوجة ونقلها وغسلها على الزوج أم لا؟ أمر فيه تفصيل، نتركه الآن.

ولكن على أية حال: المروءة تلزم الرجل أن يفعل ذلك مع امرأته، لو أن امراتك ماتت قبلك، مروءتك وشهامتك ورجولتك تلزمك أن تفعل هذا، لكن واحد يحتج: عند مذهب فلان لا. نقول: أين رجولتك؟ أين شهامتك؟

على أية حال: هذا أمر يحتاج إلى تفصيل، ولكن أنا لا أعرضه الآن، وأكتفي فقط بأن أقول ما قلت، ولماذا.

أقول بمنتهى الوضوح: أحيانًا إخواني الشباب وأبنائي الطلبة البعض يتعلق بمسألة تنفعه، فإن علم أنه ليس واجبًا عليه يمسك فيه، ولا يعجبه من المذاهب إلا المذهب الذي يصب في مصلحته هو، وليس هذا من أخلاق طلبة العلم، والحمد لله رب العالمين.

إذن المقدمة الأولى من الحقوق المتعلقة بالتركة هي: مؤنة التجهيز والتكفين من غير إسراف ولا تقتير. واضح الكلاك هكذا يا شباب؟

طيب.. أنتم جئتم معنا اليوم اثنان، المرة القادمة يكون أكثر -إن شاء الله- حتى تكتبون على السبورة معنا -بإذن الله تبارك وتعالى.

الأمر الثاني: إيفاء الحقوق المتعلقة بعين من أعيان التركة.

اكتب عندك: كدين برهن، أو أرش جناية.

باختصار: ما معنى إيفاء الحقوق المتعلقة بعين من أعيان التركة؟ تشبيه قريب: مات زيد أو عمر أو فاطمة، قبل موته -رحمه الله أو رحمها الله- كان مدينًا، مرَّ بظروف مرضية -كما يحدث لنا جميعًا- احتاج إلى مال فاستدان، وضع سيارته الخاصة، ملكه الخاص عند احد بائعي السيارات، قال: هذه السيارة عندك رهن، اعطني خمسين ألفًا، أعطاه الخمسين لأجل محدد اتفقوا عليه.

مات الرجل، يذهب أبناء ورثته إلى صاحب معرض السيارات يقولون له: خذ هذه الخمسين وأعطنا السيارة. ما الذي يترتب على هذا؟ التركة تزيد أم تقل؟ يا شيخ عامر؟ تقل. هم أخذوا من التركة خمسين أعطوها لصاحب المعرض، السيارة تساوي مئة ألف.

إذن المال المتروك زاد أم نقص؟ زاد.

لذلك نقول: إيفاء الحقوق المتعلقة بعين، السيارة عين، أخذنا من التركة مالًا أعطاه مع أنه غير مستحق، وفككنا أسر هذا المال.

عنده عمارة من العمارات، رهنها على مليون، ذهبنا لصاحب الشأن، خذ هذا المليون من المال وفك هذا الرهن، اترك لنا العمارة، أخذنا العمارة بعناها بخمسة مليون.

إذن أدخلنا على التركة كم زيادة؟ أربعة ملايين، فهذا الأمر في صالح الورثة أم على خلاف؟ على العكس؛ بل هو في صالح الورثة، المال سيزيد، المال يزيد.

كدين برهن، أو أرش جناية: هذا كلام يذكره أهل العلم دائمًا، وأنا أذكره للطلبة فقط من باب التعلم، هذا موجود في كتب السلف جميعًا قديمًا طبعًا الرِّق موجود، وربما جنى العبد جناية على أحد من الناس، فيكون رقبة العبد قيمة الجناية، خمسة آلاف، عشرة آلاف، كما يحكم القاضي.

إذا جئنا نبيع على العبد سنقول للمشتري: هذا بمئة ألف، ولكنه -هذا العبد- عليه كم؟ مدين بعشرة آلاف لأسرة أو عائلة فلان، فنقول له: خذه، ولكن ادفع أنت العشرة آلاف.

إذن هذا على عكس الأولى، بدل ما المال يزيد، المال ينقص.

إذن المقصد في الحالين ماذا نفعل؟ ننقي المال من اشتراك من؟ الآخرين فيه؟.

إذن نقول: إيفاء الحقوق المتعلقة بعين من أعيان التركة. واضحة هذه؟

الثالث: إيفاء الديون المرسلة في الذمة، كدين بلا رهن، أو حق من حقوق الله تعالى.

إيفاء الديون المرسلة في الذمة، الديون هذه يقول: في الذمة. يعني ليست كالديون الأولى، الديون الأولى معلقة بماذا؟ برهن من الرهون، {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283]، لا، هذه معاملة من المعاملات بين بعض التجار يأخذ ويعطي بدون أي رهن، قد يكتبون اوراقًا اعتمادًا على قول الله -تبارك وتعالى- {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]، وأحيانًا في الأسواق -وهذا كثير جدًا- يتعاملون بغير أوراق اعتمادًا على مسألة الذمة، هذا له ذمة عند فلان مئة، هذا له مليون، هذا أكثر، هذا أقل، بالذمة.

وأناس معاملاتهم صالحة فيتعاملون سويًا، ياخذون ويعطون بلا أي شيء، وهذا لا حرج فيه، ما فيه أي إشكال مطلقًا، ولكن مات زيد وعليه ألف، عليه مئة لزيد أو عمرو، هذه ليس فيها رهون، أول شيء نفعل ماذا؟ نعطيه ماله وحق. من ماذا؟ من التركة.

طيب.. هذا ماذا سيفعل في التركة؟ عكس الثانية، هنا التركة غالبًا تنقص.

الأول: ننقيها مما لها وما عليها متعلقة بالعيون.

هذه الثالثة ليس فيه عيون، التركة سيحدث لها ماذا؟ نقصان.

لكن أنا أسألك سؤال عقلي: هل التركة تنقص على الحقيقة؟ على الحقيقة تنقص؟ على الحقيقة لا تنقص. لماذا؟

لأن هذا حق –كما قلنا- للآخرين، ولذلك عنونا هذه النقاط وقلنا ماذا؟ الحقوق المتعلقة بالتركة. هذا حق للآخر، فإذن التركة لا تنقص على الحقيقة، ما فيه إشكال.

ولذلك الشيخ يقول: كدين بلا رهن، أو حق من حقوق الله تعالى.

يعني عليه زكاة، فقد وجبت في ماله الزكاة، ولكنه لم يُخرج هذه الزكاة، ماذا نفعل؟ نخرج الزكاة سريعًا.

لي سؤال فقط أطرحه عليكم الآن، هو بعيد عن المواريث قليلًا لكنه يهمنا في الطريق: أنا قلت لك: إيفاء الديون المرسلة في الذمة. ما معنى ذمة؟ إذا أراد زيد يسب عمرو يقول ماذا؟ فلان هذا والله ما عنده ذمة. أليس كذلك؟

ما معنى ذمة؟

عبارة بسيطة اكتبها: صفة بالشخص تقبل الإلزام والالتزام.

وهذا التعريف جميل، يقول: صفة. يعني ليس ورق مكتوب، لا، هي صفة.

حينما نتعامل في الأسواق أو تعطي وتاخذ مع التجار أو أصحاب الأعمال، تعطي له بدون أوراق. لماذا؟ سألك تعطيه لماذا؟ تقول: عنده ذمة. ما معنى عنده ذمة؟ يعني يقبل أن يُلزِم ويلتزم، عليه مئة يدفع، له مئة يأخذ، فهي صفة قائمة لمن؟ للشخص.

حينما أقول لك: إيفاء الديون المرسلة في الذمة، لأنه كان في الغالب يتعامل مع ناس ماذا؟ أصحاب ذمم كهذه، يؤدون ما عليهم، ويأخذون ما لهم، وهو كذلك، وواضح من السياق أنه كان منهم.

طيب.. سؤال يتبادر إلينا قبل أن ننتقل إلى ما بعد ذلك: ربما فككنا أسر المال الذي كان بديون موقوفة على رهون، وانتهينا منها وجمعنا المال الآن تحت أيدينا.

جئنا في الأمر الثالث: بدأن نعطي الديون المرسلة في الذمة.

هذا الرجل مات وعنده مال مئة ألف، أتينا لنعطي أصحاب الحقوق التي هي الديون المرسلة في الذمة وجدنا أن عليه كم؟ أكثر، طبعًا لو وجدنا أن ما عليه من ديون أقل من المئة ألف، لا بأس. قضينا أربعين، خمسين ألف، والباقي يكون هو التركة.

طيب لو كان المال الموجود يساوي الديون بالضبط؟ إذن رحمنا الله. رحمنا الله من ماذا؟ من معارك الورثة، ما في معارك لأن المال كله خرج.

ياتينا الا شكال الثاني: لو أن الديون أكثر من التركة. ماذا سنفعل؟

سنعمل مسألة اسمها المحاصصة، هذه المحاصصة باختصار، نقول تقريبًا مثلًا: من له عشرين يأخذ كم؟ خمسة عشر،اماذا خمسة عشر؟ يأخذ أحد عشر، طيب لماذا عشرة؟ يعني سنضع نسبة معينة، تقسيم حسابي ما بين قيمة التركة وقيمة الديون، ونخصم من كل واحد حسب استحقاقه بحيث أن الخصم على الجميع يكون ماذا؟ سواء. سواء بالنسبة المئوية وليس بالنسبة ماله، سنخصم من الجميع مثلًا عشرين في المئة، لأن المال يكفي هكذا.

طيب ماذا نفعل؟ إذن ذو المئة ألف يخصم منه عشرين.

وذو العشرة آلاف يُخصم من ألفين.

سيأتي من يقول: تخصموا من هذا عشرين ألف وأنا ألفين؟ أنا خُصم مني عشرين ألف وهذا ألفين فقط؟ نقول: كل واحد على قدر الحصة التي تخص ماله.

وهذا -إن شاء الله جل وعلا- يأتينا بالتفصيل -إن شاء الله سبحانه وبحمده.

وطبعًا حديث البخاري: «دين الله أحق بالوفاء، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء»، الله أحق بالوفاء، لا يأتينا أحد الورثة ويقول: يا أخي لماذا أصحاب الديون! نأخذ نحن المال.

لا، أنت تعلم من مات وهو مدين ولم يُقضى عنه الدين، أنت تعلم الرجل لما كان عنده دينا أو اثنين وقضاه عنه أحد الصحابة، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كلما التقاه قال: «هل قضيت الدينارين؟ يقول: لا. حتى قال قضيته» قال: «الآن بردت عليه جلدته، ويعذب بماله» ما بالك وبعض الناس في زماننا المعاصر يعني لا يريد أن يعطي الأصحاب حقوقهم، كل همه أن يأخذ المال جملة وتفصيلًا، هذه مسائل عسيرة في زماننا، لأنها تحتاج إلى بداية تكوين وتنشئة وتربية من جديد في مجتمعنا المسلم، وأن تكونوا أنتم طلبة العلم -جزاكم الله خيرًا- أن تكونوا سببًا في نشر هذا العلم بين الناس بأصوله وقواعده وتفصيلاته، نحن مسلمون جميعًا، وهذا العلم إذا اجتهدنا في نشره رزقكم الله عليه، لا أقول أجرًا؛ رزقكم أجورًا عظيمة، والله على كل شيء قدير.

ذكرنا كم الآن من حق يا أخ مصطفى؟ ثلاثة. ما هي؟ جزاك الله خيرًا.

الرابع: تنفيذ الوصايا من ثلث التركة فما دون لغير وارث.

نكتب: تنفيذ الوصايا من ثلث التركة فما دون لغير وارث. ماذا تعني؟

يعني هو أو هي -رحمنا الله جميعًا- قبل أن يموت كان عنده وصية، قال: أنا كاتب وصية، افتحوا الوصية. فتحنا الوصية فوجدنا فيها أنه -رحمه الله- قد أوصى بماله بقدر كذا من المال، لزيد أو عمرو أو فاطمة، لأي أحد من الناس، أو لجمعية خيرية، أو غيره، أوصى بجزء من المال إلى جهة من الجهات، أو عين من الأعيان. ماذا نفعل في المال هذا؟

ننظر في هذه الوصية، فنقول: أولًا: يلزم تنفيذ الوصايا؟ نقول: نعم، يجب تنفيذ الوصايا، لأن المال ماله -رحمه الله- وهو قد ألزمنا أن نخرج قدرًا محددًا لجهة ما، هو أدرى وأولى بماله، والوصية دائمًا تُكتب في الحياة أم بعد الموت؟ كتبها في حياته، إنما كان أدرى بما ينفعه، يأتي أحدنا بعد موته يقول: لا الوصية لا تصلح، هذا كان وكان!

لا يا أخي الكريم، لا يا أخي -رحمك الله- هو كتب وعلم ما ينفعه وهو في دنياه، علم ما ينفعه عند ربه فكتب، ولكن نقول له: نحن معك في شيء. ما هو؟ الشيء الثاني، ننفذ الوصية، ولكن ننظر في الوصية، هل هي أعلى من ثلث التركة أم لا؟ هذا حاجز حدده النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديثه مع سعد عندما سأله -رضي الله عنه وأرضاه- هل أوصي بمالي كله؟ فنهها النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: بالثلثين؟ فنهاه. قال: بالنصف؟ فنهاه. قال: بالثلث؟ فأجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الثلث والثلث كثير».

إذن: نأخذ هذا الحديث أن أعلى سقف للوصية كم؟ ثلث المال.

بعض الصحابة كان يقول: "لو يغضون من الثلث!" يعني الأولى أن ننزل أيضًا عن الثالث، هل بهذا يعلق أو يستدرك على النبي؟ لا، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الثلث، والثلث كثير»، إذن لو تغضون لكان خيرًا.

أبو بكر أوصى بالخمس، تقريبًا ابن عباس أوصى بالربع، يعني دون الثلث، فضبط الأمر عن الثلث نقول هذا سقف المسألة، أما ما دون ذلك خير. لأنه قال: «لأن تذر ورثتك أغنياء خير وأو أحب إليك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس» يسألون الناس، لا.

إذن: نقول له: نحن معك أخينا الحبيب، ما في إشكال أننا الآن إذا كان التركة صاحبنا أوصى بما يزيد عن الثالث، نقول له: لا، نقف عند الثلث.

ونقف معك أيضًا أيها الوارث في أمر آخر، ما هو؟ هو أوصى لمن؟ هل أوصى لوارث أم لغير وارث؟

إن كان أوصى لغير وارث لا حرج، لابد أن توزع على هذا، لكن لو أوصى لوارث، نقول: لا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الصحيح: «ولا وصية لوارث»، لأنه لو أوصى لوارث -انتبه يا طالب العلم- لجمعنا للوارث أمرين: الإرث الصحيح الشرعي، وزدنا عليه الوصية.

فنقول هذا من الظلم لمن؟ للآخرين، ثم لجلب الجحود والنكران وإلى آخره بين الأطراف جميعًا.

فنقول له: نحن نلتزم بهدي من؟ هدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.

ولكن أعطيك نقطة هنا مهمة جدًا: الاعتبار بقولنا "وارث أو غير وارث في التركة" متى؟ هل يوم أن أوصى أم يوم أن مات؟ يعني هو حينما كتب الوصية كتبها لابن ابنه مثلًا، وصية لابن ابنه، وله ابن أو أبناء أحياء، حينما كتبها كان ابن الابن غير وارث، لأن أعمامه سيحجبونه -كما سيأتينا.

طيب.. يوم أن مات الرجل؛ قبل أن يموت مات أبناؤه جميعًا، لم يبقَ إلى من؟ ابن الابن، طيب.. الآن هو صار وارثًا، يقول: أعطوني الوصية. نقول: لا، الاعتبار حين الموت، حين الموت كنتَ وارثًا، إذن لا وصية لك.

لكنه لو مات على الأولى نقول: نعم أنت يحق لك أن تأخذ الوصية.

إذن الرابع: تنفيذ الوصايا من ثلث التركة فما دون لغير وارث.

انتبه! مسألة مفيدة جدًا -لأننا أوشكنا أن نختم إن شاء الله: وإذا أذن الورثة في تنفيذ الوصايا كلها نُفِّذت ولو زادت على ثلث التركة.

إذا الورثة أذنوا، هو أعطى لواحد معين وهو وريث، والورثة قالوا: لا، لا ميراث له. قلنا: صحيح.

طيب.. اتفق الورثة وقالوا: أعطِ ما في حرج، نقول: أذِنَ الورثة.

ما معنى إذن الورثة؟ افهم جيدًا، معنى إذن الورثة: أنهم كأنهم استلموا أموالهم ثم تنازلوا عنها لصالح من؟ إذن أخذوا وأعطوا، فنحن اختصرنا المسافة وأعطيناه هو مباشرة.

إذن عندي كم أمر الآن؟ أربعة.

الأول: مؤنة التجهيز والتكفين.

الثاني: إيفاء الحقوق المتعلقة بعين من أعيان التركة.

الثالث: إيفاء الديون المرسلة في الذمة.

الرابع: تنفيذ الوصايا من ثلث التركة فما دون لغير وارث.

آخر شيء نختم به هو ماذا؟ تقسيم التركة، وهو محل دراستنا، وهو علم ماذا؟ علم المواريث، شرحنا أربعة، الخامس هو المادة هذه كاملة -كما ستأتينا إن شاء الله تبارك وتعالى.

نتوقف عند هذا ونواصل في الحلقة القادمة.

أسأل الله -جل وعلا- أن ينفعنا وإياكم بما نقول، وأن يجعله في موازين حسناتنا أجمعين، وأخص الإخوة طلبة العلم، أقول لهم: اجتهدوا، ذاكروا، راجعوا، احفظوا، سنبدأ -إن شاء الله- من الحلقة القادمة في طرح بعض أبيات الشعر من منضومة الرحبية للإمام محمد بن علي الرحبي، أرجو أن تقتنوها وتبدأوا معي في حفظ ما أنبهكم إليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأصلي وأسلم وأبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مادة الفرائض والقواعد الفقهية

د. علاء عامر

الدرس الثاني

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرَا.

أما بعد:

تكلمنا في الدرس الماضي على مقدمتين:

- مقدمة حول العلم عمومًا.

- ثم أخرى تخص علم المواريث.

ونبدأ اليوم -إن شاء الله جل وعلا- في تعريفات القواعد، أو مسائل أصولية -سمِّها بهذه أو تلك- لابد لطالب العلم منه، ولابد من معرفتها وتأسيسها.

إذا نظرنا -كما ذكرتُ لك- في منظومة الرحبية سنجد أن الشيخ الرحبي -رحمه الله- تجاوز عن بعض الأشياء فلم يذكرها من هذه التعريفات، ولكن ذكرها غيره، كما ذكرها مثلًا صاحب القلائد البرهانية.

باختصار: حينما نتكلم عن التركة معاشر الطلبة؛ نحن نتكلم عن حقيقة، هذه الحقيقة لابد لها من توفر أركان وتواجد شروط وانتفاء موانع، ثم تحصيل الأسباب.

احفظ هذه الأربعة:

- لابد من وجود الأركان.

- توافر الشروط.

- انتفاء الموانع.

- تحصيل الأسباب.

إذن: عندنا ركن، عندنا شرط، عندنا مانع، عندنا سبب. أربع مصطلحات، هذه المصطلحات تكاد تكون متوفرة في عامة كتب الأصول والقواعد، ولكن دعنا اليوم نتعامل معها بما يخص علم المواريث.

فأقول وبالله التوفيق: للتركة أركان، إن سقط أحدها لم تكن تركة ولم يكن المال ميراثًا.

بمعنى: بعض الناس في زماننا المعاصر يسأل ويقول: أنا أريد أن أقسِّم مالي في حياتي خشية أن تقع خلافات بين الورثة، فيقول لأحد أهل العلم: تعالَ يا شيخ قسِّم لنا المال ويسميه إرثًا.

نقول له: لا، ما دمت في الحياة هذا المال ليس إرثًا، لأنه ليس متروكًا، لأن الآية تقول: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 12]، فالمال ليس متروكًا، إذن هو ليس إرثًا.

الاستئناس في قواعد المواريث شيء، وجعلها قاعدة أصيلة شيء آخر. لماذا؟

التركة لم تتاملأركانه. ما أركان التركة؟

احفظ بسهولة ويسر ثلاثة، أركان التركة ثلاثة:

- مُورِّث.

- وارث.

- مال موروث.

من المورِّث؟ المورِّث هو الميت، أو الملحق به كالمفقود، وانتبه لما أقول لك جيدًا.

من المورِّث؟ الذي مات.

طيب.. هناك أناس لا نعرف هل هم أموات أم من الأحياء، قامت حرب بين دولتين، بعد انتهاء المعارك يقول العسكريون: قُتل لنا 10 آلاف رجل وامرأة مثلًا، أو 10 آلاف رجل، وفقدنا كذا وكذا من الأسلحة.

في آخر الإحصائية يقول ماذا؟ عندنا جنود مفقودون ألف، ألفان، ثلاثة -كما يقول.

فيه شخص في الأخير اسمه مفقود.

إذن الجيش انتهى للآتي: واحد وصل ورجع حيًّا، وواحد مات، وفيه صنف ثالث في النصف، الثالث ما اسمه؟ مفقود.

طيب ما هو المفقود؟ نقول: هو ملحق على الأموات.

ما معنى ملحق على الأموات؟ يعني إذا تغيَّب مدة محددة -كما سيأتينا في بابه ونبيِّنه إن شاء الله- فقضى القاضي بموته؛ نتعامل معه باعتبار أنه ميِّت، لكن المدة الأولى هذه التي سيتبين لنا فيما يأتي -إن شاء الله- هو فيها لا نستطيع أن نجزم لا بحياته ولا بموته.

إذا انقضت المدة وصدر الحكم من القاضي الشرعي باعتباره ميتًا؛ ألحقنا كل الأحكام الشرعية على ذلك، وذلك بأن تعدَّ المرأة عدتها، العدة الخاصة بالمرأة تعدها، يُقسَّم ماله.

طبعًا ستسألني يا طالب العلم، تقول: طيب وافترض أنه رجع ثانية بعد مدة؟

لا أريدك أن تسابق أخي الحبيب في طلب العلم، أنا فقط أعطيك مقدمة افهمها جيدًا، حتى إذا وصلنا لهذا الباب فصل خاص في مسائل المفقود، إذا وصلنا لها -إن شاء الله جل وعلا- أعطيك عليها أمثلة، وكيف نحل المسائل لو أنه رجع أو لم يرجع، إلى آخره كما سيأتينا -إن شاء الله جل وعلا.

إذن: الركن الأول: المورِّث. من المورِّث؟ الذي مات، أو الملحق به كمن؟ كالمفقود.

الركن الثاني: الوارث. من الوارث؟ الحي بعد الميت، الأحياء الموجودن بين ظهرانينا، أو الملحق بالأحياء. كمن؟ كالجنين.

يعني مات زيد، مات عمرو، إلى آخره. نقول هكذا: مات عن زوجة حامل وابنين.

إذا جئنا نقسم المال الآن: هل نعطي الزوجة والابنين الأحياء، وما في بطنها نعطه أم لم نعطه؟

طيب نعطه كم؟ نعطيه على اعتبار أنه ذكر؟ أو اعتبار أنه أنثى؟ على اعتبار ذكرين أو انثيين أو ذكر وأنثى؟

طيب هل نعطيه على اعتبار أنه حي؟ أو هب أنه نزل ميتًا؟

كل هذا له تفصيل سيأتينا أيضًا -إن شاء الله- في باب ماذا؟ مسائل الحمل، مسائل مستقلة أيضًا بمن؟ بالحمل.

ولكن نقول في الجملة: الأجنة ملحقون على من؟ على الأحياء. لأن غالب الظن عندنا أنه ماذا؟ أنه حي.

إذن: عندنا مورِّث، عندنا وارث، وانتبه أنا أقول "وارث"، ما معنى وارث؟ يعني سيكون صاحب مال، ستتوفر فيه شروط الاستحقاق فيأخذ.

لكن مات زيد وزوجة أخيه حامل، مات فلان وعنده زوجة وعنده أبناء، عنده زوجة وعنده ماذا؟ أبناء، وزوجة أخيه حامل، ننتظر حينما تضع زوجة أحيه؟ ما علاقتها بالتركة؟ ما علاقة ما في بطنها بالتركة؟ لا، المسألة متعلقة بمن؟ بالوارث، من يكون وارثًا.

الثالث: وهو الحق الموروث، وهو المال الذي يخص الميت، متروكات الميت.

طبعًا المتروكات هذه متنوعة وكثيرة وتسمى في العرف العام ماذا؟ مال.

المال هذا عندنا نحن في غالب الناس يقتصر دائمًا على ماذا في عموم الناس؟ على السيولة النقدية، وهذا طبعًا من جانب التشريع خطأ، قصر المال على النقد السائل خطأ، وإلا فإن المال نوعان: ثابت ومتحرك.

ثابت: كالعقارات مثلًا، عنده عمارة، عنده اثنين وثلاثة، عنده أرض يملكها، هذه تسمى ماذا؟ ثابتة، عقارات في الأرض، مسكت في الأرض.

المتحرك: كالسيارات وغيره، الأموال المتحركة، التجارات، النقد، السيولة، هذه كلها مقبولة، لا إشكال، كلها مال.

فيه أنواع أخرى من المال منافع وحقوق وارتفاقات، كلها أموال.

على أية حال أقول: المال ليس محصورًا في النقد السائل، يعني لو مات زيد أو ماتت فاطمة وترك بيتًا وترك نقدًا سيولة، نقسم السيولة فقك النقدية ونترك العمارة؟ لا طبعًا، كله سيقسم سويًا.

طيب وملابسه؟ تدخل في قوله {تَرَكَ} أم لا تدخل؟ تدخل.

سيقول زيد أو عمرو: العباءة عباءة أبي يلبسها فلان زوج أختي؟! المسائل القبَليَّة.

نقول: والله لو خرجت من نصيب أختك أخذتها، يلبسها زوجها، تبيعها، هي حرة، ما في إشكال بالنسبة لنا، المهم أن يكون التقسيم يقع على وجه ماذا؟ الشرعي، لكن الأعراف شيء آخر.

تراضينا قبل التركة كل الورثة نخرج العباءة ونعطها لزيد، فلا إشكال، لأنه إذا وقع اطرادي فلا حرج، كأن كل واحد منَّا أخذ قسطه منها ثم أعطاه لمن؟ لزيد، فلا إشكال.

أنا أعلق على هذه لأن هذه أعراف موجودة ومنتشرة في كثير من الناس، يأتون على تقسيم التركات ثم يأتوا عند أشياء معينة ويرفض تقسيمها مطلقًا!

نقول: لا، التركة تشمل كل متروكات الميت، كل ما كان يملكه حيًّا يُعدُّ الآن ماذا؟ تركة، ولو شراك نعل يُقسم نصفان أو أثلاثًا، كما يكون.

إذن: عندنا ثلاثة أركان، ما هي يا أخ مصطفى؟

{مورِّث، والوارث، والموروث}.

مورِّث ووارث.

{الوارث هو المستحق للتركة}.

الحي الذي يستحق المال، ومال الموروث.

قلنا: يُلحق على المورث، يلحق على الأموات من؟

{الأموات يُلحق عليهم الفقيد}.

المفقود. ويُلحق على الوارث من؟ الجنين أو الأجنة. واضح هكذا يا إخواننا الكلام؟ طيب.. جميل.

طيب.. سؤال سريع: مات ولا وارث له؟ مات ولا مال عنده؟ ممكن يقع أم لا؟ يموت أحد من الناس، نذهب فننظر في التركة لا نجد شيئًا، نقول للورثة: انصرفوا راشدين، أراحنا الله نحن، المفتي أراحه الله.

طيب.. مات وعنده مال ولا ورثة عنده، نقول: رحمنا الله، ما في نزاع ولا خلاف، نعطي المال لبيت مال المسلمين بعد أن نبحث عن ورثة أو أرحام، فإن لم نجد فسنعطيه لبيت مال المسلمين، كما سيأتي إن شاء الله جل وعلا.

فقط أنا أؤكد عليك في مسألة الأركان وأنها كم؟ ثلاثة، يعني -كما قلت لك- لو لم يمت أحد نقول لك قسم مال، نقول: هذا تقسيم تعارفي أو ودي أو محبة أو استئناس، لكن ليست تركة.

لابد أن يكون فيه ميت،ولابد أن فيه حي بعد الميت، ولابد أن فيه مال يتم التعامل معه.

إذن: حينما أسألك ما هو الركن؟

تجيب بالآتي تقول: الركن لغة هو جانب الشيء الأقوى.

واصطلاحًا: جزء الماهية، أي ما توجد الحقيقة إلا به، واضح معك الكلام؟

طيب.. أنا سأطلب طلب بسيط من حضراتكم، أريد عامر يقف على السبورة، اكتب بيت شعر أمليه عليك، اكتب هذا البيت بخط كبير:

 

وَوَارِثٌ مُوَرِّثٌ مَوْرُوْثُ ** أَرْكَانُهُ مَا دُونَهَا تَوْرِيْثُ

 

أنا كتبت لكم طلبة العلم هذا البيت لماذا؟ هذا من القلائد البرهانية، هو لا يوجد في الرحبية. لماذا؟ لأنه مهم أن حضرتك تحفظ ما استطعت من كلام من كتبوا هذه المنظومات لأنها توفر عليك كثيرًا جدًا.

ما هي أركان التركة أو أركان الإرث؛ تجيب هذا بسرعة:

 

وَوَارِثٌ مُوَرِّثٌ مَوْرُوْثُ ** أَرْكَانُهُ مَا دُونَهَا تَوْرِيْثُ

وانتهت المسألة.

وارث، مورث موروث **................

هذه هي الثلاثة.

وارث: كما ذكرنا.

مورِّث: كما بيَّنا.

موروث: كما اتضح لنا.

ما دونها: افهم جيدا ما دونها ماذا؟ إن سقط ركن لم تكتمل الحقيقة، إذن ما في توريث. في أمر آخر، لكن نقول فيه توريث؟ لا، ما في توريث. وضحت معك الرؤيا الآن؟ وضحت يا أخ مصطفى؟ طيب.

إذن هذه مجموعة من التعريفات مهمة جدًا نسميها: أركان الإرث. أركان الإرث كم؟ ثلاثة، وذكرناها وبيَّناها ووضحت بهذا البيت، جميل.

ننتقل إلى الثاني: شروط الإرث.

وأنا أتيت بالشروط بعد الأركان لماذا؟ لأنها مرتبة على الأركان.

حضرتك إذا أردت أن تصلي الظهر، العصر، أي فرض من الفروض؛ قبل أن تصلي يلزمك تفعل ماذا؟ تتوضأ.

من شروط الصحة: تتدخل في الصلاة لابد من الطهارة، فلابد من الشروط هذه لأنها مرتبطة مع من؟ مع الأركان.

كما قلنا: لو أن إنسانًا صلى الظهر بدون ركوع، الصلاة لا تصح لأنه أسقط ركنًا.

طيب.. لو أسقط شرطًا؟ يعني صلى بغير وضوء، نقول له ماذا؟ أنت لم تصلِّ أصلًا، لم تتدخل، لم تنعقد لك الصلاة.

إذن الشروط مع الأركان ماذا؟ لابد من التتابع فيه، كذلك نقول في شروط الإرث.

طيب.. دعونا نأخذ أيضًا التعريفات لأنها مهمة جدًا.

لغة ما هو الشرط؟ لغة الشرط هو: العلامة. ومنه: أشراط الساعة، الآية في سورة محمد تقول ماذا؟ {فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها} [محمد: 18]، هكذا الآية في سورة محمد سورة القتال.

فأشراط الساعة هكذا مقدمات بين يدي الساعة، للساعة نفسها.

طيب.. اصطلاحًا؟

بمناسبة الشروط، الشروط: جمع شرط، قلنا هو: العلامة.

تجد إخواننا في الأجهزة الداخلية والشرطة والجيش وما شابه يضعون لبعض الجنود شرطة، وبعدها شرطة ثانية، وثالثة، ورابعة؛ إذا بلغ حد معين، رفعوا هذه الشرط كلها ووضعوا ماذا؟ علامة أخرى وهكذا.

كل شرطة من هذه تدل على ماذا؟ على درجة معينة في التعامل معه، هي شرطة عادية.

أحيانًا في المدارس يأتي الأولاد يعطونهم التطعيم. كيف يعملون التطعيم؟ بشرط شرطة.

كل هذا يفضي إلى ماذا؟ هي علامة في الأخير.

طيب.. اصطلاحًا؟ في الاصطلاحات من جهة المصطلح مهم جدًا، أفهم ما معنى المصطلح.

نقول: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.

واضح الكلام معك؟ اكتب أولًا: هو ما يلزم من عدمه العدم. كتبت هذا؟

ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.

التعريف ثلاثة أقسام، نقول: ما يلزم من عدمه العدم. يعني لو لم يتوضأ، يصح أن يدخل الصلاة؟ لا، إذن نقول: لانعدام الوضوء انعدمت ماذا؟ الصلاة.

الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا أنه لا تصح الصلاة إلا بوضوء، إذن هو لم يتوضأ، إذن يصلي؟ نقول: لا، لم يصلِّ.

طيب.. الجزء الثاني..، هذا ما يلزم من عدمه العدم.

طيب.. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته: هو توضأ، هل مجرد إذا توضأ لزمه أي صار واجبًا عليه شرعًا أن يصلي؟ مجرد كل واحد فينا لما يتوضأ يجب شرعًا أن يصلي؟ لا.

طيب.. هل يجب ألا يصلي؟ لا.

لذلك قال ماذا؟ ولا يلزم من وجوده وجود ما يترتب عليه ولا عدم ما يترتب عليه. ما هو؟ الصلاة.

يقول: لذاته. لأنه ذاته هو لا يترتب عليه حكم شرعي.

واضح معك الكلام.

سيقول بعض إخواننا: طيب..فيه صلاة اسمها سنة الوضوء؟ نقول: اسمها سنة، وأنا أقول يلزم ويجب، السنة شيء، والوجوب والإلزام شيء آخر.

طيب.. ما هي الشروط؟

أنا قبل ما أبينها لك أطلب الآن: أخ مصطفى اكتب لنا تحت كلام عامر بيت آخر أيضًا من البرهانية. لماذا؟ لأن هذا الكلام لم يذكره صاحب الرحبية.

اكتب أيضًا بخط كبير:

 

وَهْيَ: تَحَقُّقُ وُجُودِ الْوَارِثِ ** مَوْتُ الْمُوَرِّثِ ، اقْتِضَا التَّوَارُثِ

 

أريدك أن تفعل الآتي:

 

وَهْيَ: تَحَقُّقُ وُجُودِ الْوَارِثِ **.........

 

بعد "الوارث" ضع خطًا مائلًا.

"موت المورث" بعدها خط مائل.

"اقتضا التورث"، عندنا كم جزء؟ ثلاثة اجزاء. تفضل اجلس.

في الأركان كانت واضحة جدًا، ما هي؟ وارث، المورِّث، الموروث، ثلاثة على تتابع، لكن هنا يحتاج الكلام لتفصيل قليلًا.

يقول ماذا؟ التحقق من وجود من؟ الوارث.

الثاني: موت من؟ المورِّث.

الثالث: اقتضاء التوارث، يعني أن يكون من المستحقين.

لما نركب هذه الثلاثة على ما فوقها، نحن قلنا: تحقق وجود الوارث، الوارث الذي هو عندنا هناك ركن.

موت المورِّث الذي سميناه هناك ركن، في الأركان قلنا: موروث، المال الموروث.

هنا نقول ماذا؟ اقتضا التوارث، يعني يتوفر في هذا الشخص شروط معينة أو صفات معينة تجعله مستحقًّا للأخذ من هذه التركة. واضح معك الكلام الآن؟

نعيد الأبيات مرة أخرى:

 

وَهْيَ: تَحَقُّقُ وُجُودِ الْوَارِثِ ** مَوْتُ الْمُوَرِّثِ ، اقْتِضَا التَّوَارُثِ

 

واضح معك الكلام؟

نبدأ معها واحدة واحدة.

شروط الإرث ثلاثة:

الأول: تحقق موت المورِّث.

طبعًا ربما طالب علم مبتدئ يقول ماذا؟ هل هذه تحتاج شرح؟! واحد مات، نعم هو مات -رحمه الله- ماتت امرأة، لكن أحيانًا تلتبس الأمور علينا، هل مات حقيقة أم لم يمت.

كيف نؤكد أنه مات؟ يتم ذلك بوجوه:

الأول: بالمشاهدة. وهذا المشهور، الناس جميعًا أو الجيران أو الأهل رأوا أن فلان مات، تم تغسيله وتكفينه وحمله ودفنه، إلى آخره.

طيب.. لو كان في مكان بعيد عنا، ما عندنا خبر، هل مات على الحقيقة أم ما زال حيًّا؟ يعرف كيف ذلك؟

يعرف على الأقل بشهادة عدلين، بشهادة من؟ عدلين، يعني غير مجروحين، صادقين مؤتمنين يبلغوننا، نحن كنا في دلوة كذا في الخارج، ومات اخوكم -رحمه الله- في حادثة كذا كذا، وقمنا عليه ودفنًّا وكفنَّاه، إلى آخره.

من الذي يقوم بهذه الأعمال الآن في زماننا مع الشهيدين؟ السفارات، القنصليات الخاصة بالدول تقوم بهذا وتسهل علينا المسألة، والحمد لله رب العالمين.

وجه آخر يُعرف أن فلان مات أو فلانة: كما مرَّ معنا: إلحاقه بالأموات حكمًا، إلحاق زيد أو عمرو بالأموات حكمًا.

انتبه! أنا أقول ماذا؟ حكمًا. ما معنى "حكمًا"؟ حكم القاضي بعد أن نظر القاضي في حاله، وانتهت مدة الانتظار له، وانا أقول: مدة انتظار فقط، لم أقل كم سنة أو غيره لماذا؟ لن المذاهب اختلفت في مدة الانتظار. تخيل أخي الحبيب!

اختلفت في زماننا المعاصر: بعض العلماء يقول: مدة الانتظار للمفقود سنة واحدة، لأن العالم الآن صار ماذا؟ سهل التواصل فيه جدًا، بسهولة نتواصل مع سفاراتنا، مع الدول في الخارج، مع القنصليات إلى آخره، نتواصل بالتليفون، بغيره من أجهزة حديثة، الت، غيره؛ سهل جدًا.

قال: سنة يكفي، ولا نعذب المرأة التي مات زوجها، أو ادُّعيَ أنه مات زوجها أكثر من هذا، سنة واحدة تكفي.

أو ماتت امرأة، إلى آخره.

عند الشافعية: أربع سنين. عند الشافعية كم؟ أربع سنين.

عند الحنبلة يختلف.

عند الأحناف قال: ننتظر به حتى يموت جيله، يا مصطفى اندهشت!

يموت جيله يعني ماذا؟ طيب جيله معمَّر، ننتظره خمسين ستين سنة؟!

قال بعضهم: مئة وعشرين عامًا. موجود في كتب أهل العلم.

ونحن ربما إذا قرأ بعضنا هذا يتعجب، لكن كان لهم -رحمهم الله- في ذلك آثارًا، كان لهم فهم وعقول، لكن في زماننا المعاصر نقول: المسألة طالما أنه ليس فيها دليلًا قطعيًا فنرجع إلى من؟ إلى علمائنا -رحمهم الله وحفظهم الله.

قالوا واتفقوا ووجد هذا عند القاضي الشرعي ننتظره سنة، ننتظر سنتين أو اكثر، حسب المذهب الموجود في الدولة ما في حرج، وامضِ على هذا -إن شاء الله.

طيب.. انقضت مدة الانتظار، يصدر القاضي حكمًا بماذا؟ بأنه قد صار من الأموات.

الرابع في التحقق بالموت: إلحاقه بالأموات تقديرًا لا حكمًا.

امرأة في معركة مع امرأة أخرى، إحداهما حامل، النساء دائمًا المرأة تعرف الذي في بطنها حي أم ميت بماذا؟ بالحركة، الجنين له حركات معينة، أثناء المعركة امرأة من اثنين -ما شاء الله عضلات وقوة- ضربت الأخرى بعصا غليظة على بطنها، أُسكِتَ الجنين لم يتحرك، ما في حركة مطلقًا نهائي.

أهل العلم يقولون: إذا انفصل الجنين عن أمه بسبب جناية أوجبت الغرة، إذا ضربتها أسقطت ما في بطنها فيه غرة، وهي الدية الشرعية، غرة يعني همسة من الجمال على هذه الضاربة.

على أية حال: ألحقنا هذا الساكن بمن؟ لكن ألحقناه ماذا؟ تقديرًا، لأنه ممكن ينزل حي، وارد أم لا؟

إذن إلحاقه بالأموات ماذا؟ تقديرًا.

إذن هذه طرق التحقق من موت من؟ المورِّث.

في الجملة في الأخير: لابد أن نتأكد جميعًا أن من نقسم تركته قد مات، لا مثلًا أن يكون سجينًا، هذا يحدث، فلان في السجن في دولة، أو في دولته أو غيره يقضي حكم طويل، عشرين أو ثلاثين سنة، نقسم ماله أم لا؟ لا يجوز لأنه ما زال حيًّا.

بعض الناس يأتي بشهادة وفاة مزورة ليقسم المال، حرام ولا يصلح هذا.

الرجل ما زال حيًّا، كيف تقسمون ماله وهو حي؟! لابد من التأكد.

الثانيوهو: التحقق من حياة الوارث. التحقق من حياة من؟ انظر إلى السبوة، قال:

 

وَهْـيَ: تَـحَـقُّـقُ وُجُـودِ الْـوَارِثِ ***..........

 

تحقق وجود من؟ الوارث. لابد أن نتحقق من وجود الوارث.

ما معناه؟ نضع هذا القيد: عند موت مورِّثه ولو لحظة، وهذا سيأتينا في مسائل -إن أمدَّ الله في عمرنا إن شاء الله تبارك وتعالى.

مثال سريع يعني: لو أن رجلين في البحر، أحدهما يلبس ملبس أزرق، والآخر أحمر.

نزلا الماء، اشتدت المواج، بدأ في الغرق، كل واحد ينزل ويطلع، أو صالح الفانلة الزرقاء يشير بيده، والحمراء يشير بيده، إلى أن نزل صاحب الزرقاء ولم يخرج مرة أخرى، وما زال صاحب الفانلة الحمراء أمامنا يشير أن أنقذوني.

إذن الحي هذا يرث فيمن؟ فيمنمات قبله ولو لحظة.

سيقول قائل: هو سيموت بعده! نقول: نعم، ولكنه عاش بعده لحظه، إذن هو يستحق ماذا؟

لأن هذا سيأتينا، هل ماتا سويًّا؟ هل مات احدهما قبل الآخر؟ هل جُهِلَ ذلك أم لم يُعلم؟ سيأتي بيانه -إن شاء الله تبارك وتعالى.

على أية حال نقول: تحقق حياة الوارث عند موت مورِّثه ولو لحظة.

الثالث: هو العلم بالجهة المقتضية للإرث، وتعيين جهة القرابة ودرجتها. ما معناه؟

العلم بالجهة المقتضية للإرث: يعني هذا الوارث سيرث في الميت، هل سيرث فيه باعتبار أنه أحد الأبناء؟ فهو من جهة البنوة ابن؟ أو من جهة الآباء فهو أب؟ أو من جهة الإخوة فهو أخ؟ أو من جهة الأعمام، أو ابن العم. ما هي الجهة؟ لابد أن نعرفها، لأن الجهات متفاوتة في درجتها -كما سيأتينا.

الثاني: تعيين الدرجة. بعد ما نعرف الجهة نعيِّن ماذا؟ الدرجة.

هذا الوارث باعتباره أخًا أم ابن أخ؟ عم أم ابن عم؟ ابن أم ابن ابن؟ بنت أم بنت ابن؟ وهكذا نعرف الدرجات.

إذن: لابد أن نعرف الجهة ونعرف ترتيب الجهات، لأن الجهات -كما قلت- متفاوتة، ثم نعرف ماذا؟ الدرجات. والمسألة هذه الثالثة تكاد ما سنمضي فيها -إن شاء الله جل وعلا- هي التي سنمضي فيها، معرفة الجهات، معرفة الدرجات، معرفة ترتيب الجهات -كما ستأتينا في العصبات إن شاء الله جل ولعلا.

إذن: لابد من توفر الشروط.

نعيد العبارة التي قلتها من قليل: كل حكم شرعي لابد لتحققه من توفر شروطه، وانتفاء موانعه. ومنه الميراث ولا ريب.

إذن عندنا الآن توفرت أركان، ثم توفرت شروط، وجهة الأركان، ثم توفرت ماذا؟ الشروط.

طيب.. هذا الذي سيرث قد يكون الشرط توفر فيه،هو يستحق الإرث لكن ممنوع من جهة أخرى.

إذن: لابد أن يتوفر الشرط وينتفي ماذا؟ المانع -كما قلت لك- لابد من انتفاء الموانع.

ما معنى مانع؟ وما معنى عدم الموانع؟

هذا الأمر مهم جدًا أن نعرفه: أنه لابد أن تكون الموانع غير موجودة، لأنها إن وجدت، لأنه إذا اجتمع مانع وشرط نقدم من؟ المانع.

لو اجتمع محظور ومباح يُقدَّم المحظور، لأن هذا الباب تنقية المجتمع.

طيب.. ما هي الموانع التي لو توفرت في الشخص منعته من الإرث رغم أنه يستحق الإرث أصلًا؟ حتى نفهم ما هي الموانع فلابد عندي من أسباب، هو يرث أو لا يرث؟

نحن قلنا: الأركان متوفرة، الشروط متوفرة، وهو حي. هنا الإشكال، هو يرث أو لا يرث؟

إذن: لابد أن تتوفر فيه أسباب الإرث أولًا ونقول: هو وارث على الحقيقة، ثم بعد ننظر في المانع، هل هو ممنوع من جهة أخرى أم لا؟

إذن لابد عندي أن أجمع له الأمرين: السبب، وماذا؟ والمانع.

نحن ذكرنا الركن وذكرنا الشرط، لابد أيضًا أن أعرف ما السبب وما المانع؟

ما السبب؟ ما الذي يجعله يرث؟ ما الذي يجعله يأخذ من التركة ونعده وارثًا؟

ما نسميه: أسباب الميراث.

أسباب الميراث نوعا:

- متفق عليه.

- ومختلف فيه.

كلامنا سيكون في المتفق عليه، ونمرُّ إلمامًا على المختلف فيه.

ونبدأ الآن في أبيات الرحبية، ليت الأخ مصطفى يكتبها، بسرعة أنا أمليها عليك وأنت تكتب.

طبعًا أنا أتمنى على الطلبة أنهم يشتروا المنظومات وهي المنظومة الرحبية، ويا ليت لو أتوا بالبرهانية القواد البرهانية يكون أفضل، نجمع بين منظومتين، ما وجدناه من هنا أخذناه، أو ما تركه الشيخ جمعناه من أخرى، لأن هذا فيه نفع وفائدة لطالب العلم.

يقول الرحبي -رحمه الله تعالى:

 

أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَهْ ** كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ **مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

جزاك الله خيرًا.

الشيخ -رحمه الله- الرحبي يقول ماذا؟

........**مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

يعني لا توجد أسباب أخرى مطلقًا؟ لا، يوجد، ولكن ما بعد هذه الثلاثة -كما قلت لكم- هو ماذا؟ مختلف فيه بين أهل العلم، منهم من يُقرِّه ومنهم من يتركه، ولكن هذه الثلاثة متفق عليها، ما هي:

نكاح، ولاء، نسب.

والشيخ -رحمه الله- قال:

أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَهْ **.........................

حصر.

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ **مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

ولكنه أفاد فقال:

.......................** كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ

أي كل من توفرت فيه هذه الأسباب يرث، يعدُّ وارثًا.

طيب.. لو انتفت عنه الأسباب لا يكون وارثًا.

طيب.. لو توفر فيه السبب ووجد المانع، يكون الحكم للسبب أم للمانع؟ للمانع، المانع هو الذي يحكم، لن يكون وارثًا.

لذلك قلنا: لابد وأن نعلم ما هي الأسباب، ثم بعدها ننتقل إلى ماذا؟ إلى الموانع.

نبدأ في هذه الأسباب.

أسباب طبعًا: جمع سبب، والسبب ما يتوصل به إلى غيره.

اصطلاحًا -مهمة جدًا لابد أن نعرف الاصطلاح- السبب هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. واضحة.

أنا أريد السفر للمكان الفلاني، السيارة السبب، أقدامي السبب أمشي.

طيب.. إن لم يتوفر هذه ولا تلك؟ ما في مشكلة.

ومن عدمه العدم لذاته: أنه وُجود السبب لذاته لا يترتب عليه الحكم -كما ذكرنا.

الله -جل وعلا- يقول في القرآن {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15]، السبب هنا: أن يرتفع مبني أو عمارات أو غيره أو غيره، ولكن الله -جل وعلا- يحدُّه بحدود.

يقول في غيرها: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 84]، ولا شك أن العلم بجملته سبب يتوصل به لإقامة الدين وإقامة الشرع على عباد الله -تبارك وتعالى.

الأسباب -كما ذكرنا- ثلاثة، كل واحد يفيد صاحبه -فيمن توفر فيه السبب- يفيده أن يرث، أي المتصف بها.

اكتب: يرث، وبين قوسين "ما لم يمنعه مانع". واضح الكلام؟

طيب.. نبدأ فيها.

أولًا: النكاح. لابد أن نعرف النكاح المقصود معنا هنا وهو الدين، نعرفه تعريف صحيح شرعًا.

نقول: هو عقد الزوجية الصحيح، يعني ما اكتملت أركانه وتوفرت شروطه، فيه ولي، وفيه الزوج، وفيه شهود، وفيه عقد، وفيه مهر وإعلام، كل ما يتوفر.

يقول: هو عقد الزوجية الصحيح.

انتبه! قولنا: "عقد" خرج به الزنا والوطء بشبهة، فلا إرث فيهما.

يعني هل ابن الزنا يرث؟

انتبه جيدًا! اسمه "ابن زنا" لم يأتِ من زواج شرعي صحيح. فهل يرث؟ نقول: لا يرث، لكن بعض العلماء لهم مقال في إرثه من امه، إرثه من من؟ إرثه من أمه، أو إرث أمه منه، وسيأتي بيانه -إن شاء الله.

ولكن إرثه من الزاني، ولا أقول من أبيه، ممن؟ مَن الزاني؟ مَن أبوه؟ لا نعرف، فهو ابن زنى، فكيف نورِّثه من أبيه؟!

على أية حال: ابن الزنا لا يرث -على الكلام الصحيح.

بقولنا "الصحيح" عقد الزواج الصحيح؛ خرج عقد الزوجية الفاسد، وهو ما اختل أحد شروطه، كنكاح بلا شهود، وقع تزويج ونكاح بلا شهود، نقول: هذا عقد فاسد.

طيب.. يقع به الإرث؟ لا، لا يقع به الإرث، العقد فاسد، لابد أن يكون العقد صحيح.

طيب.. عقد باطل؟ باطل يعني اختلَّ أحد أركانه. يقع به إرث؟ إذا كان الفاسد لا يقع به إرث، فما بالك بالباطل؟!

يعني مثلًا في بعض البلاد -لا حول ولا قوة إلا بالله- بعض البلاد في جنوب الصين فيها مسلمين كثير جدًا، لكن لانتشار الجهل وقلة العلم، وعدم وجود أهل العلم حدث مصائب، منها: أن النصراني يتزوج المسلمة، شيء طبيعي جدًا عندهم، والمسلم يتزوج النصراني.

طيب.. مسلم يتزوج نصرانية هذا على ديننا صحيح بنصوص آيات سورة المائدة.

أما أن نصاري يتزوج مسلمة {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141]، يحرم باتفاق أهل العلم، لا يعلو كافرُ مسلمةً أبدًا، ولكن للأسف وقع وانتشر.

هب أنه وقع. ماتت أو مات، يرث منها أو ترث منه؟ لا، بنصِّ الحديث «لا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ»، انقطاع الديانة بينهما يمنع التوارث مباشرة.

على أية حال نقول في النكاح حتى يقع به الإرث: لابد أن يكون عقد الزوجية عقدًا صحيحًا.

واحدعقد على زوجة، اكتشف العاقد بعد مدة أن صاحبنا هذا عقد على زوجة خامسة، العقد باطل.

طيب.. عقد على أخت زوجته، يعني انتبه! أقول: العقد الفاسد لا يقع به توارث، العقد الباطل لا يقع به توارث، ما الذي يقع به توارث؟ عقد واحد فقط، عقد الزواج الصحيح. واضح معك الكلام.

فالنكاح إذا تمَّ على الوجه الصحيح يُثبت الإرث للجانبين، يرث الزوج من زوجته، وترث الزوجة من زوجها، لا يثبت الإرث من جانب واحد، وسيأتينا في هذا تفصيل.

يوجب الإرث لمن؟ للجانبين.

طيب.. يلحق بهذا الكلام كلام مهم جدًا: إذا طلق رجل امرأته هل ينقطع الإرث؟ بمجرد الطلاق ينقطع الإرث؟ لماذا نقول الطلاق؟ لأن الطلاق مبني على النكاح.

طيب.. إذا تناحكا ثبت الإرث، طيب طلقها، ينقطع الإرث؟ هذه المسألة فيها تفصيل نوجزه.

الطلاق الرجعي لا يمنع التوارث ما دامت في العدة، الطلاق الرجعي لا يمنع الإرث ما دامت في العدة، لا يمنع الإرث لمن؟ للطرفين، لأنه مازال له الحكم عليها ما دامت في عدتها، وهذا يكون في الطلقة الأولى أو الثانية ولها عدة تقضيها، ما دامت في العدة فهي في ملكه يراجعها متى شاء.

إذن الإرث متوفر أيضًا من الطرفين.

طيب.. انقضت العدة؛ انفصلا تمامًا، لا إرث بينهما.

أما الطلاق البائن يمنع التوارث بداية، كأن تكونطلقة ثالثة مثلًا، الطلاق البائن هذا يمنع الإرث.

أو طلقها ولم يدخل بها، يعني لو واحد عقد على امرأة عقد زواج صحيح، ولكن طلقها قبل الدخول، هذا طلاق بتئن. هل ترث وهو يرث؟ لا ترث ولا يرث منها.

انتبه! أقول: هو بداية يمنع الإرث، ولكن بشرط: إذا كان في حال الصحة.

حال الصحة ما معناه؟ إذا كبر الرجل وتزوج فتاة صغيرة حتى تقوم على حاله وخدمته وإلى آخره، وكان عنده أولاد كثير من زوجة أخرى وتزوج هذه في الأخير بعد زوجته التي ماتت، عند موته أو أوشك على الموت، أو ظهرت عليه أمارات أنه سيغادر الدنيا، يأتيه أولاده ويقول: يا أبي طلق هذه المرأة لأنها ستشاركنا في الإرث، وهو في حالة مرض.

طيب.. طلقها في حالة مرضه هذه بغية منعها من الإرث، الطلاق هذا العلماء سموه اسم جميل، ماذا سموه؟ سموه: طلاق الفرار. يطلقها ليفرَّ منها فلا ترث منه.

طيب.. إذا وقع الطلاق على هذه الهيئة -هيئة الفرار هذه، يفر منها، لا يرد أن يعطيها حقها في الميراث- إذا وقع الطلاق على هذا نقول: لا يمنع التوارث حتى ولو انتهت العدة، لأنه يعامل بنقيضماذا؟ قصده.

أنت تريد تهرب، لن تهرب حتى ولو انقضت العدة هي وارثة.

ولكن فيه شرطين عليها هي، يعني اشترطنا عليه شرط شديد جدًا، ولكن بشرطين: ما لم تتزوج أو ترتد.

هب أنه طلقها يريد الفرار منها، بعدما طلقها انقضت عدتتها فتزوجت بآخر، هل نقول: حقها ما زال باقيًا عليه؟ لا، هي تنازلت عن حقها لرغبتها في الزواج بمن؟ بآخر، تأخذ منه، لكن لا تأخذ من هذا.

والشرط الثاني: أو ترتد. لأنها لو ارتدت دخلت في القاعدة العامة "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" انقضت المسألة.

دليل ما ذكرناه: آية القرآن: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]، إلى آخره.

{وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12]، إلى آخره.

الآيات في القرآن حينما نراجعها بدقة ستجد أخي الحبي أو الطالب الكريم كل ما أقوله هذا في ثلاث آيات، ولكن أنا أختصر نريد الوصول إلى مساحة معينة حتى ما يكون من وقت معنا مسموح لنا به نقضي فيه ما نريد -إن شاء الله تبارك وتعالى.

قال الرحبي:

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ **.............

ما الولاء؟ هذا كان حينما كان يوجد العبيد ويوجد الرِّق، العبد إذا حُرِّرَ يكون ولاؤه لمن؟ لسيده الذي أعتقه.

والولاء مأخوذ من الملك ومن القرابة.

وهو اصطلاحًا: عُصُوبة، سببها: نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق. لأنه حينما حرَّره كأنه مدَّ في حياته، اطلقه، فصار له عليه يد، منَّة، نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق. فيرث بها الممُعتِق.

انتبه! من الذي يرث؟ المعتِق والعصبة من أقربائه، من أقرباء المعتق، كأن لها تفصيل.

ولكن هل يرث المعتَق من المعتِق؟ نقول: لا، الإرث يتحقق من جهة ماذا؟ من جهة واحدة، فهو إرث من جهة واحدة، فيرث به المعتِق من عتيقه لا العكس.

طيب.. تفصيل هذا الشأن -شأن الولاء والإرث به- سيأتي في بابه -إن شاء الله تبارك وتعالى.

نختم بأن الرحبي يقول:

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ **................

النسب هذا سيكون محل عمل لنا، محل توضيح -إن شاء الله تبارك وتعالى- ولكن بإذن الله -جل وعلا- يكون ذلك في الدرس القادم.

أسأل الله -جل وعلا- أن يكون ما قدمناه وما ذكرناه صحيحًا موافقًا لما سطره علماؤنا في كتبهم، وأرجو وأسأل الله ألا أكون قد تجاوزت في شيء، وأرجو أيضًا إخواني الطلبة أن يعذروني في التعجل في السرعة في الاختصار، لأني أريد أن أبلغ هدفًا رسَّمه لنا إخواننا الذي وضعوا المنهج.

وأذكر الطلبة أنه على المواقع التي تخص هذه الأكاديمية يوجد خرائط رسمها إخواننا بدقة عما نقول، لو أتيتم هذه الخرائط ووضعتموها أمامكم وسمعتم ما أقول ستجدوا أن ما أقول منطبقًا تمامًا مع هذه الخرائط، فهذه الخرائط ستكون آلة إرشادة لكم للاستعانة بها على ما أذكره وأقوله.

أسأل الله -جل وعلا- السداد والرشاد لي ولكم، ولا تنسوا دائمًا أن تجددوا نيَّاتكم، لعل الله -جل وعلا- أن ينفعنا وإياكم بما نقول.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأصلي وأسلم وأبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تفسير جزء عم

د. محمد الخضيري

الدرس الأول (سورة النبأ)

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوتي الكرام, ومشاهديَّ الفضلاء, أيها الحضور, حياكم الله جميعًا في هذا الدرس الأول من دروس التفسير في هذه الأكاديمية العلمية, وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح, وأن يعيننا على الإخلاص والسداد في القول والعمل.

مقررنا -إن شاء الله- سيكون تفسير جزء عم, ابتداءً من سورة عمَّ التي تسمى سورة النبأ إلى نهاية القرآن الكريم, وهذا سيستغرق منا هذا الفصل الدراسي في قريب من عشرين مجلسًا أو درسًا, نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبل منا فيها العمل, وأن رزقنا الصبر على طلب العلم, وأن ينفعنا بما نعلمه وما نعلمه.

أحبتي الكرام, بادئ ذي بدء نعطي نبذة عن جزء عم.

جزء عم هو الجزء الأخير من هذا المصحف العظيم, وفيه أكثر سور القرآن, وجزء عم يتضمن قسمين من أقسام المفصل, فالمفصل في القرىن الكريم هو الجزء الأخير من كتاب الله -عز وجل- لأن القرآن مقسم إلى أقسام معلومة عند العلماء, وهي:

- السبع المثاني.

- ثم بعد ذلك المئين.

- ثم المثاني.

- ثم المفصل.

فأقسام القرآن أربعة: السبع الطوال, ثم المئين, ثم المثاني, ثم المفصل.

والمفصل يبدأ على الصحيح من أقوال أهل العلم من سورة "ق", وينتهي بسورة الناس.

وسمي مفصلًا لأن فواصله كثيرة, أو لكثرة الفصل بين سورة ببسم الله الرحمن الرحيم.

وقد قسم العلماء هذا المفصل إلى أقسام ثلاثة:

قالوا: طوال المفصل, وأواسط المفصل, وقصار المفصل.

أما طوال المفصل فتبدأ من سورة "ق" إلى نهاية سورة المرسلات.

وأما أوساط المفصل: فتبدأ من سورة عم إلى نهاية سورة الليل.

وأما قصار المفصل: فتبدأ من سورة الضحى إلى آخر القرآن.

فإن قلت: ما الفائدة من العلم بهذا المفصل, ومن العلم بطواله وأوساطه وقصاره؟

قيل: لهذا فوائد, منه أو أهمها: ماذا يقرأ الإنسان في صلاته؟ فنجد أنه في صلاة المغرب يستحب أن تكون قراءته من قصار المفصل.

ما هي قصار المفصل؟ من الضحى إلى الناس.

وأما في الظهر والعصر والعشاء فيستحب له أن يقرأ من أوساط المفصل.

ما هي أوساط المفصل؟ من سورة النبأ التي هي السورة التي معنا اليوم إلى نهاية سورة الليل.

وفي صلاة الفجر يستحب للإنسان أن يقرأ من طوال المفصل, أي من سورة "ق" إلى نهاية سورة المرسلات.

وهذا المفصل غالبه مكي, كما أن سورة النبأ أوسورة عم هي سورة مكية.

والمكي -أيها الأحبة- من كتاب الله -عز وجل- يتميز بانه يركز على الجانب العقدي, فهو يبني العقيدة في نفس الإنسان, وبناء العقيدة في نفس الإنسان أمر ضروري بحيث لا يمكن يعمل الإنسان في الحياة إلا عن عقيدة, فأنت الآن إذا اعتقدت شيئًا ستعمل بناءً عليه في العقيدة, ولذلك جاء المصحف أو المكي يؤسس بهذه العقيدة في النفوس لتكون التصورات صحيحة ثم ينطلق الإنسان في العلمل.

فمثلًا: لو أن الإنسان اعتقد أن هذه الحياة هي نهاية الكون, وأنه لا حياة بعدها, ولا جزاء ولا بعث ولا نشور, ولا جنة ولا نار؛ كيف ستكون تصرفاته في الدنيا؟

تكون تصرفات إنسان يريد أن يعب من الشهوات, وأن يأخذ بكل ما يمليه عليه هواه من دون نظر إلى شيء آخر. لماذا؟

لأنه يرى أن هذه الحياة هي نهاية اللذة, ونهاية الشهوة, وآخر ما في هذا الوجود بالنسبة للإنسان.

أما إذا اعتقد الإنسان أن هذه الحياة مرحلة, مرحلة ابتلاء واختبار, وأنه مأمور فيها بان يون عبدًا لله, وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى أبدية سرمدية فيها جزاء وفيها نشور, وانك ستحاسب على كل شيء تعمله وتجازى على كل شيء تفعله, فهنا تختلف تصرفات الإنسان اختلافًا جذريًا. بناءً على ماذا؟

بناءً على هذه العقيدة, وهكذا المسلم يبني تصوراته من خلال هذا الجزء وهو جزء المفصل من كتاب الله -عز وجل- ومن القرىن كله, لكن هذا الجزء من كتاب الله وهو المفصل ركَّز على الجانب الاعتقادي وهو الإيمان بالله, والإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- والإيمان باليوم الآخر, هذه المسائل الثلاثة, أو الإيمان بالله وتوحيده.

والثانية: الإيمان بالرسول وبالرسالة التي جاء بها وهي القرآن.

والثالثة: قضية اليوم الآخر.

هذه القضايا الثلاث هي غالب ما في هذا الجزء العظيم من أجزاء القرآن الكريم, وسنطبق ذلك -إن شاء الله- في سورة عم, ونرى كيف أن هذه السورة العظيمة الكريمة جاءت لتبين لنا هذه التصورات التي يبني عليها المسلم حياته الدنيا ويستعد فيها للقاء الله -جل وعلا.

سورة عم سورة مكية, والمكي له وصف عند العماء, أو له تعريف عند العلماء, اتمنى لو كان واحد منكم يعرف ما هو المكي, رياض خذ الميكروفون.

{ثمة بعض الأقوال فيما هو المكي والمدني, لكن الذي أذكره من الأقوال الراجحة فيما رأيت: أن المكي هو ما نزل قبل الهجرة}.

جميل, والمدني؟

{والمدني طبعًا ما نزل بعد الهجرة}.

وعليه فلو نزلت آية في مكة بعد الهجرة فيه مدنية, وهكذا لو نزلت آية قبل الهجرة في غير مكة كالطائف أو غيرها فتسمى عند العلماء مكية.

إذن هذا حد زمني لمصطلح مكاني, المصطلح مكاني, مكي ومدني هذه مصطلحات مدنية, ومع ذلك الفاصل فيها هو الزمان, الهجرة, قبل الهجرة وبعد الهجرة.

طيب.. أحسنت, جزاك الله خيرًا.

إذن المكي بجملته يهتم بالاعتقاد وتأسيسه, نلاحظ أنه يتميز أيضًا بقوة أسلوبه, وخطابه الواضح والصرح, وحواره للكفار والمشركين في عقائدهم, وما يتبنونه من أطروحات وعقائد فاسدة يناقشها نقاشًا قويًّا وصريحًا ومباشرًا.

ومن ذلك ما سيأتي معنا في قضية الإيمان باليوم الآخر في هذه السورة.

هناك مسألة يا إخواني قبل أن ندلف إلى السورة العظيمة وهي سورة النبأ, يعني هناك قضية تسمى موضوعات السورة, ما يسمى بمقدمات أو علوم السورة, هذه العلوم, يعني العلوم التي يعرفها الإنسان قبل أن يدخل إلى السورة, منها مثلًا:

- فضل السورة.

- ومنها نزول السورة, نزلت في مكة أو في المدينة.

- ومنها مقصود السورة, ويسمى عمود السورة, أو محور السورة.

- ومنها أيضًا أسباب نزول السورة إذا كان لها سبب نزول.

- ومنها مناسبة السورة لما قبلها.

- ومنها مناسبة أول السورة لآخرها, ومناسبة مقاطع السورة لبعضها, وهكذا.

طبعًا نحن لن نتوسع في هذه الأمور, لكن سنذكر ما يتيسر منها إذا كان هناك مناسبة وكذلك الوقت.

سورة عم سورة مكية تهتم باليوم الآخر, ولعلنا الآن نحاول أن ننظرإلى موضوعات هذه السور, سنجد يا إخواني أن هذه السورة اهتمت اهتمامًا واضحًا باليوم الآخر.

تأماوا معي يا إخواني: هذه موضوعات سورة النبأ:

الأول: أول مقطع فيها سيكون التساؤل عن النبأ العظيم الذي قال الله فيه {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 1-5], هذه الآيات الخمس هذه سمينها بالمقطع "التساؤل عن النبأ العظيم".

بعد ذلك يأتي الموضوع الثاني وهو: قدرة الله. لماذا؟ لأن الكفار أنكروا النبأ العظيم وهو يوم القيامة, أو القرآن الذي جاء بخبر يوم القيامة, فلما أنكروه كان من مقتضى الحديث أن يتحدث عن قدرة الله -عز وجل- وأن الله قادر على كل شيء, فجاء قوله {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} [النبأ 6-16 ], هذه دلائل قدرة الله -عز وجل- وعظمته التي نأخذ منها أن الله سيبعث العباد, فلماذا أيها المشركون ستغربون وتحيلون أن يبعث الله العباد بعد أن أماتهم.

ما هو الشيء الغريب في هذا المر؟ لماذا استنكرتم هذا الأمر؟

ثم يأتي الموضوع الثالث من موضوعات هذه السورة الكريمة: وهو مشاهد الآخرة, قال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} [النبأ: 17], من هنا بدأت مشاهد الآخرة, فيحدثنا عن يوم القيامة وماذا يحدث فيه من الأهوال.

{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ 18-20 ], وهنا ينتهي المقطع الثالث من مقاطه هذه السورة.

يأتي بعد ذلك المقطع الرابع من مقاطع هذه السورة, وهو قوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} [النبأ: 21] لمن؟ {لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ 22-23 ], إلى قوله: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا} [النبأ: 30], وهو الحديث عن جزاء الكافرين بهذا القرآن, الكافرين بهذا اليوم العظيم, الكافرين بهذه الرسالة التي جاء بها رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم بعد ذلك يأتي المقطع الأخير من مقاطع هذه السورة: وهو جزاء المؤمنين المتقين الذي يخافون عذاب الله -عز وجل.

فأصبحت مقاطع السورة بناءً على هذا التفصيل كم؟ خمسة مقاطع.

طبعًا هذه مقاطع تقريبية, وليست تفصيلية دقيقة, ولكن تعطينا تصور عام عن هذه السورة الكريمة.

نأخذ يا إخواني آيات هذه السورة خشية أن يداهمنا الوقت ونحن ما مررنا عليها.

يقول الله -عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1], أي عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون؟

إنهم يتساءلون عن شيء ينكرونه ويكذبون به.

قال: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 2], يتساءلون عن هذا النبأ الذي جئت به يا محمد وهو النبأ العظيم.

والنبأ يقال للخبر المهم, ولذلك عندنا يقال: نشرة الأنباء, أو وكالة الأنباء, يعني الأخبار المهمة التي تشرئب النفوس لسماعها.

ثم وصفه بقوله: {النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 2], واختلف المفسرون ما هو النبأ العظيم؟ هل هو القرآن أو يوم القيامة؟

فمن العلماء من قال: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} هو القرآن, واستدلوا على ذلك بقول الله -عز وجل- في سورة "ص" {قل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} [ص 66, 67].

قالوا: مادام الله وصف القرآن بأنه نيأ عظيم؛ إذن فنحمل هذه الآية على أن المراد بالنبأ العظيم هو القرآن.

والقول الثاني: أن النبأ العظيم هو يوم القيامة. لماذا قالوا يوم القيامة؟ قالوا: لأن السورة الحديث فيها كله -كما شاهدنا- عن ماذا؟ عن يوم القيامة.

ولا شك أن دليل السياق من الدلة القوية التي نستند إليها في ترجح قول على قول.

يبقى أن نخبركم بانه لا مانع أن يكون النبأ العظيم هما جميعًا, ويمكن أن نصوغ هذين القولين بهذه الصياغة, نقول:

النبأ العظيم هو القرآن الذي بيوم القيامة, لأن من أعظم أخبار القرآن التي انكرها المشركون هو خبر يوم القيامة, وبهذا نقول {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} عن القرآن الذي جاء بيوم القيامة.

طيب.. {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ: 3], اختلفوا فيه, فمنهم من يظنه ظنًا, ومنهم من يكذب به, ومنهم من يؤمن به.

قال: {كلا}, "كلا" عندنا كلمة تأتي بمعنيين للقرآن:

المعنى الأول: بمعنى الردع والزجر, لا صحة لما تقولون, ليس المر كما تقولون.

والمعنى الثاني: "كلا" بمعنى حقًا, كما في قول الله -عز وجل- {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى} [العلق: 1-6 ], ما معنى "كلا" هنا؟ حقًا إن الإنسان ليطغى.

فإن قلت: كيف أفرِّق بين "كلا" بمعنى حقًا, و"كلا" بمعنى الردع والزجر؟

أحد يقدر يجيب على هذا السؤال؟ ما الفرق بينهما؟ يعني كيف أعرف أن هذه للردع وهذه بمعن حقًّا؟

أحمد تستطيع الإجابة؟

{نحاول, لعل الجملة التي بعدها هي التي تحدد ذلك}.

أو بالعكس, الجملة التي قبلها, الجملة التي قبله إن كانت تتضمن شيئًا منكرًا يُراد إنكاره؛ إذن "كلا" للردع والزجر.

وإن كانت لا تتضمن شيئًا من ذلك؛ فـ"كلا" تكون بمعنى حقًّا.

ولذلك هنا {الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ: 3], إذن هذا شيء يُنكر, كلا, ليس الأمر كما تقولون.

{كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4] أن هذا حق, وأنه كائن بإذن الله -عز وجل.

{ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 5], تأكيد لهذا الذي ذكر في الآية الأولى من باب التشديد عليهم, كيف تختلفون في أمر واضح الدلالة؟!

لا يمكن أن يكون نهاية ميرنا أن نموت ثم نصبح رميمًا ثم ينتهي أمرنا تمامًا, وفينا الظالم والمظلوم, والمؤمن والكافر, والبر والفاجر, والصادق والكاذب, ثم ستوي النهاية؟! هذا لا يمكن, لابد أن يلقى هؤلاء جزاؤهم, إن خيرًا فخير, وإن شرًّا فشر.

بهذا انتهت المقدمة, مقدمة هذه السورة الكريمة.

قال الله -عز وجل: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} [النبأ: 6], هذه دلائل قدرة الله التي تدل على أن الأمر الذي اختلفتم فيه وكذبتم به ليس كما ذكرتم؛ بل هو أمر ميسور وسهل على الله -عز وجل- {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27], فأنتم إذا كنتم تؤمنون بأن الذي بدأ خلقكم هو الله؛ إذن ما الغريب أن يعيد خلقكم مرة أخرى ربكم -سبحانه وتعالى؟!

بل قال الله لهم {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57], فلماذا أنتم تكذبون بهذا؟!

رأيتم يا إخواني؟ ولذلك جاءت هذه الدلائل.

{أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا} [النبأ: 6], {أَلَمْ} هذا استفهام, ما نوع هذا الاستفهام؟ استفها للتقريظ, أي قد جعلنا الأرض مهادًا, أو للتعجيب, يعني ألا يتعجب منكم؟ فقد جعل الله -عز وجل- الأرض مهادًا.

{مهادا} أي ممهدة للسكنى عليها, والعيش فوقها, والسير على ظهرها.

{وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 7], هذه الجبال العظيمة التي نراها في طول الأرض وعرضها جعلها الله أوتادًا.

ولاحظوا يا إخواني كيف أن القرآن سبق إلى تسمية الجبال أوتاد, طبعًا الوتد هو الذي تثبت به الخيمة, يُضرب في الأرض ثم يُجرُّ الحبل ويُعلَّق بهذا الوتد فيثبت الخيمة, يسمى ماذا؟ وتد.

طيب.. نفهم من هذا يا إخواني أن الجبال مثل هذه الأوتاد, فهي تثبت الأرض, ولولا هذه الجبال لما ثبتت هذه الأرض ولصارت مضطربة

لا يستطيع أحد أن يسكن عليها, ولا نستطيع أن نسير فوق ظهرها, ولا نستطيع أن نبني عليها بناءً أو نقرَّ فوقها.

وهذا التعبير أقول معلن بشيء لم يكتشفه العامل من قبل, إنما عرفوه بعد أن جاءت الحفريات الجديدة والعلم الجديد الذي استطاع أن يصل وأن يسبر أغوار الأرض, فوجودا أن كل جبل في عمقه في الأرض مثلما فوق الأرض, يعني ثلثا الجبل في أسف الأرض, والثالث الآخر هو البادي, وهكذا الوتد, نحن الآن عندما نضرب الوتد هل نجعل طرفه في الأرض؟ طرفه القليل في الأرض أو أكثر الوتد نجعله في الأرض؟

أكثر الوتد نجعله غائص في الأرض, ونجعل الجزء الأعلى, الثلث فأقل هو الخارج حتى نربط به الحبل.

وهذا الأمر لا يعرفه الناس من قبل, إنما عرفوه الآن, ولما رسموا الجبال وجدوا كل جبل ذروته هي في الوقت ذاته هي أقصى نقطة تصل إلى قاع الجبل في الأرض, وأن كل جبل أمامنا إذا كان طوله مثلًا مئة متر, فهناك مئتا متر داخل الأرض, وهذا يدلنا على أن هذا القرآن قد نزل من عند الله { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك: 14].

قال: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا} [النبأ: 8], خلقناكم أنتم أيها الناس على صفة الزوجية, وهي أن تكونوا من ذكر وأنثى, فتتناسلون ويبقى النوع البشري إلى أن يأذن الله -عز وجل- بالزوال.

خلقنا الله على صفة الزوجية ليأنس بعضنا ببعض, ويجعل بيننا مودة ورحمة, ونتعاون, وليظهر بذلك تفرده -سبحانه وتعالى- بانه هو الواحد المستغني عن كل شيء, وكل شيء لا يستغني عن وجود نظير له { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [الذاريات: 49].

فكل المخلوقات تتكون من نوعين, حتى الكهرباء ساب وموجب, الماء تجد أن قطرة الماء تتكون من عنصرين, الهواء يتكون من عنصرين, كل شيء في هذا الكون تجد أنه لابد أن يوجد فيه عنصرين حتى يحيى ويكون, إلا الله -سبحانه وتعالى- هو الواحد الأحد, الغني الصمد, الذي ليس بحاجة إلى أحد, وكل أحد في حاجته -سبحانه وتعالى.

قال الله -عز وجل: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ: 6 – 9], بعد أن ذكر الزوجية ذكرنعمة النوم, وهذه النعمة من الله -سبحانه وتعالى- وهي نعمة تكمل الإنسان, وهي دليل على نقص الإنسان, لأنه يحتاج إلى الراحة, أما الله وحده فليس بحاجة إلى هذا, لأنه -سبحانه وتعالى- لا يمسه نصب ولا يمسه لغوب –جل جلاله وعظمت قدرته.

قال: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ: 9], ما معنى { سُبَاتًا}؟

سباتًا بمعنى: راحة, جعلنا نومكم قاطعًا لأعمالكم فترتاحون به, ومنه سمي يوم السبت, لأن اليهود كانوا يرتاحون فيه من العمل, ولهذا قال { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } أي قاطعًا لأعمالكم وأشغالكم فترتاح أبدانكم.

قال الله -عز وجل: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10], هذا الليل يغشاكم فكأنكم تلبسونه, ولذلك إذا نزل الليل, أو حلَّ الليل يعني اكتفينا بستره عن ستر الثياب.

متى يتجرد الناس من ثيابهم؟ أو يتخلصون من هذه الألبسة التي عليهم؟ عندما يأتي الليل, ولذلك قال الله {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10], يستركم بظلامه.

{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11], جعلنا النهار محلًا لمعاشكم, فأنتم تطلبون الرزق وتضربون في الأرض وتبحثون عن المعاش في وقت النهار.

ولذلك يقول العلماء: هذه سنة الله ينبغي أن تراعى, وهو أن يكون النهار للعمل, والليل للراحة والسكن, متى خالفنا هذه السنة سيصيبنا من البلاء ويحصل فينا من الأدواء والضرر بحسب مخالفتنا لهذه السنة.

قد أثبتت الدارسات الحديثة أن أولئك الذين لا ينامون في الليل وينامون في النهار يصبح عندهم شيء من الأزمات بسبب أنهم خالفوا هذه السنة التي خلق الله -عز وجل- الخليقة.

قال الله -عز وجل: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} [النبأ: 12], انتقل من العالم الأرضي السلفي إلى العالم العلوي, انتقال من الأدنى إلى الأعلى.

قال: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} [النبأ: 12], لم يذكر لنا ما هي السبع! هل هي سبعة نجوم أم أفلاك أم ماذا! ما ذكرها لكنها معلومة ومعروفة في فظرة كل واحد منا, ما هي السبع الشداد؟

{السموات السبع}.

الشيخ:

السماوات السبع, ولذلك ما ذكرها اكتفاءً للعلم بها, لأن كل إنسان يعلم ما هي هذه السبع.

{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا} [النبأ: 12], ثم قال: {شِدَادًا}, يعني أنها شديدة ومتماسكة. ما ترى فيها من فطور, أي من شقوق.

وذكر الله -عز وجل- قال في سورة الذاريات: { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } [الذاريات: 47], أي بقوة, فالسماء محكمة عظيمة الإحكام, وهي قبة واسعة قد رفعها الله -عز وجل- من غير عمد, وهكذا نراها نحن من غير عمد.

قال الله -عز وجل: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} [النبأ: 13], هذه أيضًا لم يذكر الله -عز وجل- ما هو السراج أيضًا للعلم به.

ما هو السراج يا حكمت؟ {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا} [النبأ: 13].

{القمر}.

الشيخ:

هل القمر وهاج؟

{الشمس}.

الشيخ:

الشمس, لاحظ.. قال سراج, لأن السراج يجتمع فيه ماذا؟ شيئان:

الأول: الإضاءة.

والثاني: الحرارة.

وهكذا الشمس, ولذلك وُصِفَ القمر في القرآن بأنه نور, ووصفت الشمس بأنها سراج لكي تتضمن الإضاءة أو الإنارة والحرارة.

أما القمر فجُعل نورًا لأنه يقبس نوره من الشمس, وهو يعكس ضوء الشمس.

قال الله -عز وجل: {وهاجًا} أي متوهجًا ومتوقدًا, وهكذا نرى الشمس, بحيث الإنسان لا يستطيع أن يركز فيها النظر أو يصمد لها, خصوصًا في وقت الحر أو إذا قربت من رؤوس الناس.

قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا} [النبأ: 14], ما هي المعصرات؟ نعم يا رياض.

{المعصرات هي السحاب}.

الشيخ:

السحاب؟

{نعم}.

الشيخ:

أحسنت, صحيح. والقول الثاني: المعصرات هي الرياح, لكن ما ذكره الأخ رياض من أن المعصرات هو السحب هو الصحيح. لماذا؟

إبقاءًا للجملة على تركيبها, لأننا إذا قلنا: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} أي من السحاب {مَاء ثَجَّاجًا}, كان الكلام مستقيمًا.

أما إذا قلنا: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} أي من الرياح, أي أنزلنا بالرياح {مَاء ثَجَّاجًا} غيَّرنا "من" إلى "الباء".

إذن المعصرات هي السحب, يُقال للمرأة التي قد دنا حيضها ولم تحض: مُعصِر, هذه يعني قد قرُبَ الحيض منها ولم تحض بعد, يقال لها: معصر. وهكذا السحاب إذا اجتمع فيه الماء ولم ينزل يُقال له: معصر.

قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا} [النبأ: 14], أي ماءً كثيرًا سيَّالًا منصبًّا.

قال الله -عز وجل: {لِنُخْرِجَ بِهِ} [النبأ: 15], أي بهذا الماء {حَبًّا وَنَبَاتًا}, يخرج الله به الحب والنبات.

أما الحب: فهي الحبوب التي يأكلها الناس ويقتاتون بها مثل الأرز والشعير والذكر والدخن والفول والحمص والعدس, وغيرها من أنواع الحبوب والبقول التييقتات الناس بها.

وأما النبات فهو ما سوى الحبوب من الأشجار التي فيها الفواكه, ومن الأشجار التي فيها الخضار, ومنها أيضًا النباتات الأخرى والبقوليات التي يأكلها الناس ويأتدمون بها. الله -عز وجل- يخرج لنا بالماء هذا وهذا.

قدم الحب لشدة الحاجة إليه, لأن الناس قد يستغنون عن الخضر, قد يستغنون عن الفواكه, لكن لا يستغنون عن الحبوب, فقدمها الله -عز وجل- ليبين عظيم منته علينا بهذه الحبوب والأقوات.

قال الله -عز وجل {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} [النبأ 15, 16], حب ونبات, {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} [النبأ: 16], هناسؤال نحوي, ما أدري إذا كان بالإمكان الإجابة عليه!

يقول: {لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ}, لماذا قال {جناتٍ}, ولم يقل "جناتًا"؟

{جمع مؤنث}.

الشيخ: جمع نعم, {جنات} جمع مؤنث سالم, وجمع المؤنث السالم ينصب وعلامة نصبه الكسرة, فتقول: "جاء المسلماتُ, ورأيت المسلماتِ فـ"جنات" معطوفة على منصوب فهي منصوبة مثله, ولكنها منصوبة وعلامة نصبها ماذا؟ الكسرة, لأنها جمع مؤنث سالم.

قال: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} [النبأ: 16], أي حدائق ملتفة, هذه الحدائق من خلقها؟ من كونها؟ من انبتها؟ من أخرجها من داخل الأرض وباطنها؟ من الذي أنتجها من تلك الحبوب أو البذور وجعلها أشجارًا عظيمة؟ وجعل فيها هذه الفواكه النضرة وهذه الألوان الجميلة؟

الله وحده, الله الذي خلق هذا كله, هل يمكن أن يوصف بأنه عاجز عن إعادتكم بعد موتكم, وبأنه لا يقدر على أن يحي النس بعد أن يموتوا؟ أين هي عقولكم يا أهل مكة؟ أين هي عقولكم يا مشركي العرب؟

قال الله -عز وجل- بعد أن ذكر هذه الدلائل العظيمة الدالة على قدرته وعظمته ونعمته على عباده والقاطعة والمانعة للتكذيب بيوم القيامة, قال: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} [النبأ: 17], المقصود هو الحديث عن يوم القيامة وعن إنكار ذلك اليوم وما سيحدث فيه من الأهوال.

طيب.. سؤال: لماذا لما بدأ بيوم الفصل قال: {إن}, ولم يقل: "يوم الفصل كان ميقاتًا", لماذا جاء بـ "إن"؟

{من باب التأكيد}.

الشيخ:

من باب التأكي. طيب لماذا التأكيد؟ ما الذي يدعو للتأكيد؟ الان هل انا بحاجة إلى أن أقول لك: أقسم لك بالله إن السماء فوق؟ هل أنا بحاجة إلى هذا؟ ما انا بحاجة إلى هذا.

تقول: لماذا تحلف؟ أليس كذلك؟

إذن متى يؤكد الإنسان كلامه؟ يؤكد الإنسان كلامه عندما يكون الطرف الآخر ماذا؟ منكرًا, عندما يكون منكرًا, نعم.

هنا لما كان الحديث مع من ينكرون البعث قال الله -عز وجل- {إن} لتأكيد وقوع هذا اليوم.

{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا} [النبأ: 17], طيب يوم الفصل ما هو؟ شيخ, يوم الفصل ما هو؟ اهطه الميكرفون.

{يوم القيامة}.

الشيخ:

يوم القيامة, طيب سؤال: لماذا سمي يوم القيامة بيوم الفصل؟

{فيها يفصل بين الحق والباطل}.

الشيخ:

يا سلام, وبين المؤمن والكافر, وبين الظالم والمظلوم, وبين الصادق والكاذب, وبين الحق والباطل -كما ذكرت, أحسنت- يفصل فيه بين الخلق, فسمي يوم الفصل لذلك.

{كان ميقاتا}, أي موقتًا محددًا لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده الذي قد قدره الله -عز وجل- ولا يعلمه أحد إلا هو { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [لقمان: 34], علم الساعة عند الله, { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ } [الأعراف: 187], فهذا علم قد اختص الله -سبحانه وتعالى- به فلم يطلع عليه نبيًّا مرسلًا ولا ملكًا مقربًا.

قال الله -عز وجل: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} [النبأ: 18], أي في ذلك اليوم ينفخ في الصور. من هو الذي ينفخ في الصور؟

ملك اسمه إسرافيل.

طيب سؤال: لماذا لم يقل "يوم يَنفَخ إسرافيل في الصور فتأتون أفواجًا"؟ من يجيب على هذا السؤال؟ لماذا آثر صيغة المبني لغير المعلوم؟

{أعتقد بأن هو في سياق بيان خطورة الموقف, وليس ثمة حاجة لذكر أسماء من هو القائم بذلك لخطورة الموقف}.

الشيخ:

نعم, للتكيز على المر المعين, سأعطيكم مثالًا: لو أن إنسانصا جاء وسرق شيئًا, وتريد أن تخبر الناس من أجل أن يستيقظوا لهذه السرقة, فأنت لست بحاجة إلى أن تقول: سرق إنسان طويل أو قصير أو عريض المال من البيت.

فالناس يقولون: إنسان أم ماذا؟ أطول أم ماذا؟ عريض أم ماذا؟ فينشغلون بماذا؟ بالمحدث عن الحدث.

لا, أنت الآن تريد أن تنبههم إلى شيء محدد وتركز إنتباههم إلى أمر معين, فتقول: سُرقَ المال. الناس مباشرة يفزعون لإنقاذ المال من السرقة, أليس كذلك؟

هنا قال: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} [النبأ: 18], ولم يذكر لنا من هو النافخ. لماذا لم يذكر لنا ما هو النافخ؟ لأجل أن يرز على الحدث الذي يُراد إثباته, بغض النظر عن المُحدِث أو النافخ, وهو إسرافيل.

طيب.. { فِي الصُّورِ }, الصور: هو قرن عظيم جدًا خلقه الله -عز وجل- لينفخ فيه إسرافيل, فإسرافيل ينفخ فيه نفخين:

النفخة الأولى: نفخة للصعق, يموت من على وجه الأرض.

والنفخة الثانية: للبعث, كل من مات بالنفخة الأولى أو قبلها يحيى بالنفخة الثانية, فهما نفختان يقوم أو ينفخ فيهما إسرافيل -عليه الصلاة والسلام.

وإسرافيل الآن مستعد للنفخ, قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (كيف انعم), يعني كيف أتنعم وأتلذذ (وصاحب القرن قد التقم القرن, ينتظر أن يؤمر بالنفخ فينفخ), أو كما قال -عليه الصلاة والسلام.

يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتحين الساعة ويتوقع قيامها في وقته -عليه الصلاة والسلام- فحري بنا نحن أن نتسعد.

وعلى كلٍ؛ إن لم ندرك تلك النفخة فسندرك ماذا؟ ما قبلها وهو الموت الذي هو قيامة كل واحد منَّا.

قال الله -عز وجل: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا} [النبأ: 18], سؤال فيه شيء من الذكاء: هل هذه النفخة هي النفخة الأولى أو الثانية؟

{يظهر من السياق أنها النفخة الثانية}.

الشيخ:

نعم, لقوله؟

{{فتأتون فواجا}}.

الشيخ:

{فتأتون أفواجا}, يعني إذا نفخ جئتم أفواجًا إلى أرض المحشر والمنشر.

قال الله -عز وجل: {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ: 19], أي صار لها أبواب يخرج منها أهل السماء.

{وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ: 20], طبعا فيه قراءة {وفُتِّحَت} لكثرة البواب فيها التي ينزل منها أهل السماء, وأهل السماء ليسوا قليلين, كُثُر, مرة كان الصحابة يمشون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسمعوا أطيطًا, الأطيط هو صوت الشيء الذي أُثقل بالحمل, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (أطَّت السماء, وحُقَّ لها أن تئط, ما فيها موضع شبر إلا وملك قائم أو ساجد يصلي لله -عز وجل), أو كما قال -عليه الصلاة والسلام.

طيب.. قال: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ: 20], أي في ذلك اليوم تسير الجبال, كيف تسير الجبال؟ هذا بأمر الله.

هذه الجبال الراسية الضخمة الهائلة العظيمة تُدكّ وتصبح كثيبًا مهيلًا, ثم تكون كالعهن المنفوش, ثم تُسيَّر, {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء} [النمل: 88], ثم تصبح بعد ذلك

{فيذرها قاعا صفصفا *لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا} [طه: 106], فهنا ذكر مرحلة من مراحل تحول الجبال في يوم القيامة, {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ: 20].

هنا انتهت مشاهد يوم القيامة التي تدل على هول ذلك اليوم, وعلى التغير العظيم الذي سيحث في ذلك اليوم.

قال الله -عز وجل: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} [النبأ: 21], أي هذا هو جزاء الكافرين.

وبُدِأَت بقوله {إن} لماذا؟ للتأكيد.

طيب ولمَ التأكيد؟ لأن الذين يُخاطبون بهذه السورة هم من المنكرين, والمنكر يحتاج إلى مؤكدات, بخلاف خالي الذهن الذي لا يحتاج إلى هذه المؤكدات.

{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا} [النبأ: 21], جهنم: اسم للنار التي أعدها الله -عز وجل- للكفار.

{ كَانَتْ مِرْصَادًا }, أي راصدةً ترصدهم, فهي ترقبهم وتبحث عنهم كلما مرَّ واحد منهم أو من أهلها على ظهرها عبر الصراط الذي يضعه الله -عز وجل- أخذته النار, فيها كلاليب مثل شوك السعدان, تخدش هؤلاء وتتلقفهم.

إذن يا إخواني, سميت مرصادًا لأنها ترصد الناس في طريق عبورهم على ظهرها, وهذا يدل على شيء معروف سيكون يوم القيامة وهو ما يسمى بماذا؟ بالصراط الذي يعبر عليه الخلق, وهو أرق من الشعر وأحد من السيف, يمشي عليه الناس جميعًا, فمنهم من يمشي كالبرق, ومنهم كالريح, ومنهم كأجواد الخيل, ومنهم من يهرول, ومنهم من يمشي مشيًا, ومنهم من يحبو حبوًا, ومنهم من يُكردَس في جنهم فتخطفه بكلاليبها وتضعه في قعرها, نسأل الله العافية والسلامة.

قال الله -عز وجل- لمن هذه مرصاد؟ قال: { لِلطَّاغِينَ }, والطاغي هو: الذي تجاوز الحد في المعصية.

{لِلطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ: 22], أي مقرًّا وموئلًا.

{لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: 23], أي ماكثين فيها دهورًا طويلة, قد اختلف السلف في الحُقب ما هو؟ كم مدته؟

منهم من قال: ثلاثمئة سنة.

ومنهم من قال: الحقب الواحد.

المهم أقوال كثيرة مفادها أنهم سيلبثون فيها مدة طويلة لا انتهاء لها.

- فإما أن تكون لا انتهاء لها والمراد بذلك: مددًا غير منتهية فتكون مساوية لقوله { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } [النساء: 169].

- وإما أن يُراد بها أنها لمن طغوا وإن كانوا على غير الشرك, أو لمن كانوا من أهل التوحيد, وهذا قال به بعض العلماء.

والظاهر -والله أعلم- أن هذه الآيات سيقت في حق الكفار, بدليل أنه قال في آخر الآيات {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا} [النبأ: 30].

طيب.. إذن {لابثين فيها أحقابا}, أي مددًا ودهورًا طويلة غير منقطعة, فتكون مساوية لقوله { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }.

قال: {لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا} [النبأ: 24], هذا جواب لبعض أهل العلم, قالوا: إنهم يلبثون فيها أحقابًا لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا.

طيب.. ثم بعد ذلك قال يتغير العذاب, ولكن الظاهر هو ما ذكرناه -والله أعلم.

{لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} [النبأ: 24], ما هو البرد؟ اختلف العلماء فيه على قولين:

منهم من قال: {لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} أي نومًا.

ومنهم من قال: {لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا}, أي هواءً بارد يبرد على أجسادهم, وهذا هو الظاهر.

ونحن يا أحبتي عندنا قاعدة في التفسير مهمة جدًا وهي: أنه إذا حصل عندنا قولان في الآية, فإننا نفسر الآية بالمشهور الظاهر المعروف المتبادر للأذهان من كلام العرب وندع القليل والنادر والمنكر والشاذ والمهجور, ولو كان صحيحًا ندعه, يعنيل كان ثابت أن العرب يقولون هذا هذا لكنه قليل في كلامهم, فإننا لا نفسره به, وإنما نفسره بالظاهر المشهور المتبادر إلى الأذهان من كلام العرب.

قال: {لّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا} أي هواءًا يبرد حر أجسادهم {وَلا شَرَابًا} أي ماءً يبرد حر أجوافهم, فهم لا يذوقون البرد الخارجي ولا البرد الداخلي, نسأل الله العافية والسلامة.

قال: {إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا} [النبأ: 25], العلماء يقولون: أن الواو تدل على ماذا؟ على الاختلاف, وإلا كيف يعطف شيء على نفسه؟!

إذن الحميم مختلف عن الغساق, فالحميم: هو الماء الحار الذي قد بلغ الغاية في حره.

والغساق: هو الشراب البارد الذي هو من صديد الكفار وعرقهم وما ينتج منهم من جراء عذابهم, فهو جامع بين النتن وبين البرودة الشديدة, فهم لا يستسيغونه.

الوقت قد أزف فسنحاول المرور على الآيات مرورصا سريعًا.

قال: {جَزَاء وِفَاقًا} [النبأ: 26], أي موافقًا لأعمالهم.

{إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا} [النبأ: 27], هذه هو سبب عذابهم, والقرآن من عادته أنه إذا ذكر العذاب يبين له السبب, وإذا ذكر النعيم يبين لهم السبب حتى نقتدي ونعمل, ونتقي أسباب العذاب.

{إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا} [النبأ: 27], أي يكذبون بيوم القيامة.

{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} [النبأ: 28], أي كذبوا بهذه الآيات التي نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تكذيبًا من غير حجة ولا بينة.

{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا} [النبأ: 29], قد أحصينا أعمالهم إحصاءًا دقيقًا.

والإحصاء: هو العد الدقيق, فلم يفتنا من أعمالهم شيئًا, كما قال الله { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة 7 , 8].

قال: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا} [النبأ: 30], أي ذوقوا هذا العذاب فن تجدوا بعده إلا عذابًا أزيد منه.

ولذلك قال بعض العلماء: هذه الآية أشد شيء في القرآن.

لماذا؟ لأن العادة أن المسجون لما يُعذب يُبدأ بالعذاب الشديد ثم يخف عليه العذاب شيئًا فشيئًا حتى يفرج عنه, أما في نار جهنم فإنه في كل يوم يُعطى لونًا أزيد من اليوم الذي قبله, نسأل الله العافية والسلامة.

بعد أن ذكر عذاب هؤلاء انتقل إلى نعيم المتقين, بعد أن ذكر الترهيب انتقل إلى الترغيب, من أجل أن النفوس إذا خافت عرفت الطريق ورغبت في هذا المنجا وهذا المكان الذي تحبه النفوس وتحب أن تفوز به.

قال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} [النبأ: 31], ولاحظ أنه علق هذا على صفو قال: {لِلْمُتَّقِينَ}, فإذا كان الإنسان متفيًا حصل هذا المكان.

قال: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} [النبأ: 31], "مفازًا" إما أن تكون مكانًا "فوز", أو فوزًا, والظاهر هو الأول.

يعني إما للمتقين مكانًا يفوزون به.

أو إما للمتقين فوزًا.

قولان لأهل العلم, والظاهر هو الأول لأنه قال بعده {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} [النبأ 32, 33]

ما هي الكواعب؟

الكواعب جمع كاعب, وهي الفتاة الشابة التي تكعَّب ثديها, يعني ثديها في بداية نشوئه, وهذا أطيب ما يكون في الفتاة.

{ترابًا} أي في سنٍ واحدة.

{وَكَأْسًا دِهَاقًا} [النبأ: 34], الكأس يُطلق عند العرب على الخمر.

و{دِهَاقًا} بمعنى ممتلئة.

وق وصفها بعض العلماء قال: ممتلئة وممتابعة وصافية.

{لّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا} [النبأ: 35], أي في الجنة التي فيها الحدائق والأعناب.

{لغواْ أي كلامًا فارغًا. {وَلا كِذَّابًا}.

{جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا} [النبأ: 36], أي كافيًا.

{رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} [النبأ: 37], أي لا يتحدث أحد في ذلك اليوم إلا أن يأذن له الله -سبحانه وتعالى- من هول الموقف.

قال: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا} [النبأ: 38], اختلف في { الرُّوحُ } على أقوال أرجحها أنه جبريل, لأنه ورد في القرآن في مواطن تسمية جبريل بالروح, { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [الشعراء: 193].

يقفون صفوفًا أمام الله -سبحانه وتعالى- لفصل القضاء.

{لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}, أي قال كلامًا حقًا, وأعظمه وأجله "لا إله إلا الله".

{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ} [النبأ: 39], الثابت الواقع الذي لا شك فيه.

{فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}, من شاء اتخذ طريقًا موصلًا إلى الله بالعمل الصالح.

قال الله -عز وجل- في ختام هذه السورة: {إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} [النبأ: 40], أي حذرناكم عذابًا قد أزف, فكل ما هو آتٍ فهو قريب.

{يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}, ينظر إلى عمله الذي قدمه لتلك الدار فإن كان محسنًا فرح بإحسانه, وإن كان مسيئًا استاء لما عمل أو لما قدم من سوء.

{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا}, يعني ليتني لم أُخلَق أصلًا, أو ليتني بعد إذا حُوسبت صرتُ ترابًا كما يرى من حال البهائم عندمايقتص الله لبعضها من بعض ثم يقول لها: كوني ترابًا فتكون ترابًا, فيتمنى الكافر أن يكون مثلها.

بهذا نكون أحبتي وصلنا إلى نهاية المطاف في نفسير هذه السورة وإن كنا اختصرنا في آخرها, لكن لعلنا في المرات القادمة نزن الوقت -إن شاء الله.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

مشاهدينا الكرام إلى اللقاء في حلقة قادمة ودرس جديد مع سورة النازعات, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تفسير جزء عمَّ

د. محمد الخضيري

الدرس الثاني (سورة النازعات)

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مشاهدينا الكرام، في هذا اليوم نأخذ الدرس الثاني من دروس التفسير في هذه الأكاديمية الإسلامية المفتوحة، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا بالقرآن، وأن يجعلنا ممن يتعلمون العلم يبتغون به وجه الله، وممن يعلمونه يريدون ما عند الله.

في هذا اليوم -إن شاء الله- نأخذ سورة النازعات، وهي السورة الثانية من جزء عمَّ.

هذه السورة سورة مكية، وقلنا أن المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وهي بيِّنة بأنها مكية من خلال موضوعاتها وآياتها.

أما الموضوع فهو: الحديث عن القيامة.

وأما الآيات فهي: قصيرة وقوية وذات دلالات واضحة ومناقشات بيِّنة لهؤلاء الذين كذبوا بالدار الآخرة، وكذبوا بالبعث والجزاء والنشور.

قد بيَّنا في المجلس الماضي أن غالب جزء عمَّ يدور حول تأسيس الاعتقاد، الإيمان بالله وتوحيده، الإيمان بالرسول وبالرسالة التي جاء بها هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي القرآن العظيم، الإيمان باليوم الآخر. هذه الأمور الثلاثة هي مرتكز هذه السور العظيمة سور جزء عمَّ.

يقول الله -عز وجل- في بداية هذه السورة {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات 1- 5]، هذه خمسة أشياء أقسم الله -عز وجل- بها في مقدمة هذه السورة.

فما هي النازعات؟ كما يقول الله -عز وجل: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} [النازعات: 1]. ما هي النازعات؟ رياض..

{المراد بالنازعات في الآية هم الملائكة، ملائكة الموت الذين ينزعون أرواح الكفار نزعًا شديدًا}.

الشيخ:

إذن: النازعات وقد عُطف عليها الناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، اختُلِف فيها. لماذا اختلف فيها؟

لاحظوا -يا أحبتي- أن من أسباب وقوع الخلاف بين المفسرين أن يكون الشيء صفة لموصوف، هذا الموصوف لم يُذكر، فعندما تُذكر الصفة يُمكن أن تُركَّب على هذا وعلى هذا وعلى هذا، فكل واحد من السلف يجتهد في أن يبيِّن ما هو هذا الشيء الموصوف.

فمثلًا قول الله -عز وجل- {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور: 26]، {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ}، هل المقصود بها الكلمات الخبيثات للخبيثين؟ أو المقصود بها النساء الخبيثات للخبيثين أي للرجال الخبيثين؟ أقوال لأهل العلم.

سبب هذا الخلاف أنه ذكرت الصفة ولم يُذكر الموصوف، والموصوف يصلح أن يكون هذا، ويصلح أن يكون هذا، ويصلح أن يكون هذا، لكن لا شك أن أحد هذه الأقوال قد يكون أليق في السياق أو أولى بالآية من بقية الأقوال.

وهذه الآية من هذا المعنى أو من هذا القبيل.

فقوله {النَّازِعَاتِ} لم يقل لنا "والملائكة النازعات غرقًا"، لو قال هذا ما اختلف المفسرون في هذه الآية.

لكن لما قال {النَّازِعَاتِ}، هذا الوصف يصلح أن يكون للملائكة، ويصلح أن يكون لغيرها.

وقد ذكر بعض السالف أن النازعات هي النجوم.

وبعضم قال: النازعات هو الموت.

وذُكرت أقوال أخرى، لكن أكثر تفسيرها على أن النازعات -كما أسلف الأخ رياض جزاه الله خيرًا- هي الملائكة تنزع أرواح الكفار نزعًا شديدًا مثلما يفعل الرامي إذا شد القوس من أجل أن يرمي بالسهم.

قال: {غرقًا}، فهي تنزعها نزعًا شديدًا مثلما يجذب الرامي الوتر، أو الحبل المعلق بالقوس حتى يلقي السهم أو يرمي بالسهم، فكذلك تؤخذ أرواح الكفار، فهي تؤخذ أخذًا شديدًا، نسأل الله العافية والسلامة.

لما ذكر هذا ذكر في المقابل أرواح المؤمنين، فماذا قال؟ {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} [النازعات: 2]، يعني هذه الملائكة تأخذ أرواح المؤمنين أخذً سهلًا رفيقًا كالأنشوطة، أو كالشعرة عندما تخرجها من العجينة، لاحظ الشعرة عندما تخرجها من العجينة تسلها سلًّا رفيقًا، لا تسمع لها صوتًا ولا تأخ حتى أثرًا من العجين.

قال: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النازعات 2، 3]، هذا أيضًا صفة لموصوف لا ندري ما هو!

لكن الظاهر أنه موافق لماقبله، وهي الملائكة تسبح في هذا الكون لتنفذ أوامر الله -سبحانه وتعالى.

قال: {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} [النازعات: 4]، أيضًا هذا وصف للملائكة في أنها سابقة تسبق إلى أي شيء؟

إما أن نقول: تسبق بأمر الله ولتنفيذ أوامره وطاعته -سبحانه وتعالى- {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

وإما أن يكون قول {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا} أي أنها تسبق الشياطين إلى تلقي الوحي قبل أن يسترقها هؤلاء السمعَ.

ولكن الأول أولى والعلم عند الله.

قال: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 5]، العجيب -يا إخواني- مما حملنا على ترجيح أن هذه الأوصاف كلها للملائكة قوله {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، لأن السلف لم يختلفوا في أن المدبرات هي الملائكة، اختلفوا في النازعات والناشطات والسابحات والسابقات، اختلفوا فيها. أما المدبرات فلم يختلفوا فيها، فنحن نحتج بإجماعهم على تفسير المدبرات بأنها معطوفة على ما قبلها.

إذن: فالنازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي الملائكة -والله أعلم- وهذا عليه جمهور المفسرين.

يأتي السؤال المهم جدًا لنا في هذه السورة وهو: أين جواب القسم؟

دائمًا إذا جاءنا قسم نبحث عن جوابه، إذا جاءنا مبتدأ نبحث عن الخبر، إذا جاءنا فعل نبحث عن الفاعل، هذه لابد منها.

طيب.. أين جواب القسم؟ جواب القسم في القرآن وفي كلام العرب:

- إما أن يكون مذكورًا مصرحًا به.

- وإما أن يكون محذوفًا مقدرًا.

طيب.. إذا صُرِّح به فالأمر واضح. مثلًا: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد 1-3]، ماذا؟ {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، هذا جواب القسم.

طيب.. إذا لم يُصرَّح به، لماذا لم يصرح به؟ لم يصرح به لشدة العلم به، فلشدة العلم به لا يصرح به، أو لكون النفس تسبح في هيبة ذلك القسم، فهي تترقب ما هو الذي يريد الله -سبحانه وتعالى- أن يقسم عليه، فتصبح هناك هيبة، فكونه لا يذكر أولى من كونه ماذا؟ يذكر.

مثل أن أقول لك: "لو أنك ذهبت معنا إلى الروضة الغناء بالأمس" ثم سكت، طبعًا لم آتي بجواب، يعني "لسعدت، لشقيت" ماندري، لكن لاشك أن الكلام يدل على ماذا؟ على أنك ستلقى شيئًا عجيبًا بهيجًا مهولًا، غاية النفاسة والجمال والروح والراحة. لاحظتم معي؟

فهذا من أساليب القرآن.

مثلًا في قول الله -عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31]، ولم يأتِ بجواب، أي لكان هذا القرآن، يعني لو أن قرآنًا حصلت به هذه الأشياء لحصل بهذا القرآن العظيم.

إذن: هنا حذف القسم. طيب.. ما جوابه؟ ننظر إلى السورة تتكلم عن ماذا؟ إنها تتكلم عن الجزاء والبعث والنشور.

إذن: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات 1- 5]، ماذا؟ لتبعثنَّ ولتجازنَّ بأعمالكم.

قال الله -عز وجل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ} [النازعات: 6]، ما هي الراجفة؟ هي يوم القيامة، وهي الدلالة على النفخة الأولى التي إذا نفخ فيها إسرافيل -كما بيَّنا في الدرس الماضي- لارتجفت الأرض فمات الخلق.

قال: {تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات: 7]، سميت "رادفة" لنها تأتي رديفة للراجفة، وهي تابعة لها، وكما بينهما؟ ورد في الحديث الذي رواه أبو هريرة قال: (بينهما أربعون)، "قيل: يومًا؟ قال: أبيت. قيل: شهرًا؟ قال: أبيت. قيل: عامًا؟ قال: أبيت"، يعني أن أقف عند الذي سمعت، قال: (ما بين النفختين أربعون)، فأنا سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول أربعين، فلا أزيد على هذه الكلمة لا يومًا ولا شهرًا ولا عامًا.

قال الله -عز وجل: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} [النازعات: 8]، كأن المعنى: إذا بعثتم فرجفت الراجفة، وأتبعتها الرادفة؛ سيكون هناك قلوب في هذا اليوم واجفة. ما معنى واجفة؟

الواجفة: مأخوذة من الوجيف وهو شدة الاضطراب، أي خائفة ومترقبة، وأصابها من الذهول والرعب الشيء العظيم.

طيب.. لماذا وصف القلوب بذلك؟ لأن الوجيف يكون أولًا في القلب، ثم يظهر أثره على سائر البدن.

يعني هل البدن يمكن يرتعد من الخوف والقلب لم يحصل به خوف؟ لا يمكن ذلك.

قال الله -عز وجل: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 9]، نسب الأبصار إلى القلوب لأن الأبصار متعلقة بها، فما يكون في القلب يظهر على البصر، ولذلك يقال: "الإنسان عينه فَرَارُه"، يعني عينه تفرُّ عما في نفسه، فتبدي له ما إذا كان الذي أمامه صديق أو عدو، موالي أو معادي.

والنفس تعرف من عينيّ محدّثها *** إن كان من حزبها أو من أعاديها

العينين تنظر إليهاما لأنهما تعبران عما في القلب.

قال: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} [النازعات: 9]، أي ذليلة منكسرة. لماذا ذليلة؟ لأنها تعلم أن المصير شديد وأنها لم تستعد لهذا اليوم، بل قد كذبت به وجاءها البرهان والحجة لكنها كذبت من غير حجة ولا برهان.

قال الله -عز وجل: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ} [النازعات ]، هذا استئناف يبين الله فيه ماذا كانوا يقولون في الدنيا، هذا هو الذي جعلهم يخافون في الدار الآخرة، وجعلهم يرهبون اللقاء ذلك اليوم، لأنهم كانوا في الدنيا يقولون: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ} [النازعات: 10]، يعني أئنا لراجعون إلى الحياة بعد أن متنا؟!

أو: {يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، أي مردودون في النار -كما يقول بعض المفسرين- والقول الأول أولى، يعني هل يمكن ويعقل أن نرجع أحياءً بعد أن متنا وأصبحنا عظامًا نخرة؟!

قال الله -عز وجل {أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً} [النازعات: 11]، سنرد في الحافرة؟! سنعود مرة أخرى إلى حياتنا التي كنا عليها؟! سنكون أحياءًا بعد الموت؟! هذا شيء عجيب! هذا شيء ننكره، شيء نكذب به، لا يمكن أن نصدقه، هذا شيء لا نعقله.

قال الله -عز وجل: {قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} [النازعات: 12]، يعني إن رددنا في ذلك اليوم؛ فتلك الرجعة رجعة خاسرة.

قال الله -عز وجل- مبيِّنًا أن الأمر أيسر ما يكون على الله -جل وعلا- وأن هذا الذي استصحبتموه واستثقلتموه وأنكرتموه سيحدث بلا شك، وأنه ليس شيئًا عزيزًا على الله -عز وجل.

قال {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13]، أي صيحة واحدة يصيحها إسرافيل عندما ينفخ في القرن الذي جعله الله -عز وجل- بنفخة البعث.

{فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14]، فإذا هم فوق الأرض التي جعلها الله أرضًا للمحشر والمنشر.

والساهرة: هي الأرض، سميت ساهرة لأن عليها سهر الناسِ ونومهم.

قال: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} [النازعات: 13]، والزجرة هي: الصيحة العظيمة التي يكون فيها شيء من الغضب.

وقد ذكر بعض السلف أنه ما من يوم يُرى فيه الله -عز وجل- أشد غضبًا من اليوم الذي يبعث فيه العباد.

قال {فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} [النازعات: 14]، فإذا هم قيام ينظرون -كما في الآية الأخرى- فوق هذه الأرض التي جعلها الله -عز وجل- مكانًا وموئلًا لحشر الناس ونشرهم.

هنا انتهى المقطع الأول من السورة.

ينتقل بنا إلى مقطع جديد، قد يستغرب الإنسان لماذا جاء هذا المقطع في ثنايا الحديث عن يوم القيامة، ولكني أظنكم ستكتشفون ذلك، وأريد منكم أن تسألوا أنفسكم.

قال الله -عز وجل: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15]، الآن ترك الحديث عن الآخرة، وعن الجنة، وعن النار، وعن مآل المؤمنين، ومآل الكافرين والمكذبين بالبعث؛ إلى حديث آخر كأنه منقطع تمامًا.

قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} [النازعات: 15]، "هل" هنا استفهام يراد به ماذا؟ يراد به التشويق. هل أتاك قصة موسى عندما دعا فرعون إلى الله -عز وجل؟

قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات 15، 16]،. إذا كلمه الله -عز وجل- على صفة النداء، وقد أخذ العلماء -علماء أهل السنة- بأن كلام الله -عز وجل- لموسى كلام حقيقي، وأنه بصوت يسمع، لأنه ما وصفه بالنداء إلا لأنه يسمع.

قال: {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ} [النازعات: 16]، واختار وصف الرب دون "إذ ناداه الله" ليبين أن هذا النداء كان رحمة، وكان نعمة، فالربوبية دائمًا ملازمة للرحمة والنعمة والعناية والحفظ والرعاية.

{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ} [النازعات: 16]، هذه إشارة إلى ماذا؟ إلى الوادي الذي كلم الله فيه موسى، وهو في جانب الطور الأيمن، في ذلك المكان نودي موسى -عليه الصلاة والسلام.

قال: {طُوًى}، "طوى" هذا ما معناه؟ هذا اسم للوادى، {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}، "طوى" اسم للوادي، فكانه ماذا؟ بدل من قوله "الواد المقدس".

والمقدس بمعنى: المطهر، ومنه "روح القدس" أي روح الطهر.

قال: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ} [النازعات: 17]، هذا هو محتوى النداء.

{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}، أي اذهب مكلفًا من عندي برسالة إلى فرعون تبلغه بهذه الرسالة، وتأتيه بتلك الآية وتقيم عليه الحجة.

{إِنَّهُ طَغَى}، أي عتا وزاد في الكفر. وهذا يدل -يا إخواني- على أن الكفار أنواع:

منهم من هو كافر، لكنه لم يصل إلى المرحلة التي يتعدَّى بكفره حتى يدَّعي أنه هو الله، وأنه ربهم الأعلى، وأنه ما علم لهم من إله غيره، ولا يفعل تلك الأفاعيل العظيمة بالناس فيستحيي نساءهم، ويذبح أبناءهم من غير أن يكون هناك حجة أو برهان أو بيِّنة على هذا العمل الذي يعمله.

قال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل} [النازعات 17، 18]، الله -عز وجل- يبين له طريق الدعوة، كيف تدعو مثل هؤلاء، وإذا كان هذا في حال الطاغية؛ فحال من دونه من باب أولى، هذا الرجل الذي قال ما قال، وفعل ما فعل مما لميفعله أحد قبله قل له هذه العبارات.

في سورة طه قال وبين الوصف: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى} [طه: 44]، يعني طبيعة النفس لا تحب أن يقصرها أحد على الحق ولو كانت تعلم انه حق، وهذا يدلنا على ما اعطيه الإنسان من حب لأن تحترم ذاته وألا يهان أو يشعر بأنه يرغم على الحق إرغامًا.

فقال الله -عز وجل: {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى} [النازعات: 18]، {هل لك} هذه من باب ماذا؟ التودد والترغيب والتحفيز، {هل لك إلى أن تزكى}، تزكي نفسك وتطهرها من الذنوب ومن المعاصي ومن الأعمال السيئة وتسلك الطيق الزاكية التي توصلك إلى الله وإلى جنته وإلى رضوانه.

 

{وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ} [النازعات: 19]، أدلك إلى ربك الذي يربيك وينعم عليك ويعيطك، الذي يرعاك ويحفظ.

{فَتَخْشَى}، يعني إذا هديتك إليه حصلت لك الخشية منه؟

قال: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى} [النازعات: 20]، أي جاء بالبينة الدالة على أنه صاحب رسالة، وهذا يدلنا على أن الداعية يجب أن يكون ماذا؟ معه أدلة إذا دعا الناس إلى الله -عز وجل- ولا يأتي مجرد أن يقول لهم: انا ادلكم على كذا!

طيب.. ما دليلك؟ كيف تجيب على قولهم أو على فعلهم أو على شبهتم الفلامية؟ يقول: لا أدري.

لا، بل ينبغي أن يكون متسلحًا بالحجج والبراهين.

وقد كان من أعظم حجج الله التي يؤتيها للأنبياء هي المعجزات، المعجزات التي تكون براهين تدعوا هؤلاء إلى الله وتدلهم على ان هذه الدعوة الصادرة من الأنبياء ليست دعوة مجردة، لأن هذا الذي ياتون به لا يمكن لبشر بمثله.

ماذا جاء به موسى؟ ما هي الآية التي جاء بها موسى؟ حكمت، ما هي الآية التي جاء بها موسى؟

{العصـا واليد}.

الشيخ: العصا إذا ألقاها انقلبت إلى ثعبان يتحرك وكذا، ثم إذا أمسكها مرة أخرى عادت إلى كونها عصا، وهذه آية عظيمة.

الثانية: اليد، كان يدخلها في درع جيبه ثم يخرجها فتكون بيضاء من غير سوء، عجيبة جدًا، ثم يدخلها مرة أخرى فتعود إلى لونها الأول.

قال: {فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى} [النازعات: 20]، أي اليد والعصا.

لأن الله قال له في الواد المقدس: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه 17، 18].

طيب.. موسى -عليه الصلاة والسلام- كان حصيفًا ذكيًّا، هو قال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}، هذه أول مهمة للعصا، أن أتوكأ عليها عند المشي.

{وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}، ما معنى {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}؟ يعني أحرك أو ماذا؟ أسوق بها غنمي.

لا، ليست بمعنى: أسوق بها غنمي؛ وإنما {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}، أي أضع عصاي على الشجرة فأهز الشجرة لينزل الهشيش وهو ورق الشجر الذي يحتاجه الغنم، وهذا ما يفعله الرعاة عندما يسوقون الغنم، ياتون الأشجار فيهزونها بعصيهم حتى ينزل ورق الشجر فتأكله الغنم.

قال الله -عز وجل: {فَكَذَّبَ وَعَصَى} [النازعات: 21]، كذب بهذه الرسالة فلم يرمن بها، وعصى فلم يطع موسى -عليه الصلاة والسلام- جمع بين التكذيب وبين العصيان.

{ثم أدبر يسعى} [النازعات: 22]، يعني تولى يعمل بنشاط وقوة في مقاومة دعوة موسى -عليه الصلاة والسلام- ومقاومة هذا الحق الذي جاء به نبي الله وكليمه موسى -عليه الصلاة والسلام.

{ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى}، ماذا فعل؟ {فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات: 23].

لاحظوا.. الآن معنا {يَسْعَى} في سورة النازعات، وسيأتي معنا في سورة عبس أيضًا {يَسْعَى}، فهناك سيعي في الباطل، وهناك سعي في الحق والخير، وعلى الإنسان إذا سلك طريق الخير والحق فليسعَ فيه سعيًا ولا يكتفي بأن يمشي فيه مشيًا وئيدًا هيِّنًا متوامتًا؛ بل يكون صادقًا فيما يقوم به من الحق.

قال الله -عز وجل: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى} [النازعات 22، 23]، حشر الناس ونادى فيهم.

{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24]، يقال: أنه قال هذه الكلمة بعد أن قال لهم أول مرة: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

وقال بعض السلف: انه بين الكلمة الأولى والثانية أربعين سنة.

وهذا يدل على أن الطاغية يعني يسلك مسالك في الطغيان يبدأ بكلمة صغيرة ثم تكبر ثم تكبر حتى تصل إلى أن يقول لهم مثل هذه الكلمة التي هو أول من يعلم انه كاذب فيها {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].

قال الله -عز وجل- بعد أن وصل إلى هذه المرحلة العظيمة من الطغيان، قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ} [النازعات: 25]، وهذا يدل على أن عذاب الله ينزل بعد أن يشتد طغيان الناس، إذا اشتدَّ الطغيان وظهر فإن الله -سبحانه وتعالى- يأتي بالعذاب المستأصل الذيث لا يبقي ولا يذر.

قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25]، يعني عقوبة الآخرة أي الحياة الآخرة، وعقوبة الدنيا.

أما الدنيا فهو أغرقه، وأراه نجاة عدوه وغرقه وذهاب ملكه.

وأما الآخرة فله عذاب شديد سواء في قبره وفي آخرته ومنقلبه إذا بُعث يوم القيامة.

قال الله -عز وجل: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25]، الآخرة والأولى وصفان أيضًا لموصوف لم يُذكر، ولذلك اختلف السلف فقيل: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ}، الآخرة بمعنى الحياة الآخرة.

أو {نَكَالَ الآخِرَةِ}، أي الكلمة الآخرة، لأنه قال في المرة الأولى {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وقال في الكلمة الأخيرة: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].

وعلى كلٍّ: أكثر السلف على أن "الآخرة" مستعملة في معناها الذي يدور كثيرًا في القرآن، وهي الآخرة المعروفة التي هي بضد الدنيا.

{فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25]، ثم قال الله -عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} [النازعات: 26]، إن في ذلك الذي حكيناه لكم وحدثناكم به من عقوبة الله العظيمة البالغة على هؤلاء لعبرة أي عظة لمن يخشى، من كان في قلبه خشية يتعظ.وهذه قضية مهمة جدًا، وهي أن الموعظة لا تغير ولا تؤثر إلا فيمن كان في قلبه ماذا؟ خشية. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى} [النازعات: 26].

ثم قال في المقطع الثالث من مقاطع هذه السورة: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء} [النازعات: 27].

طيب.. السؤال الآن: في أول السورة تحدث عن يوم القيامة، وعن المنكرين للبعث، وردَّ عليهم أبلغ الرد، وبيَّن أن ذلك سيكون {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ} [ النازعات ]، ثم جاءت قصة موسى مع فرعون، ثم عاد مرة اخرى ليستدل على البعث، فيقول:{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء} [النازعات: 27].

طيب.. سؤال: كيف جاءت قصة موسى متوسطة بين المقطع الأول والمقطع الثالث؟ هل عندك جواب يا رياض؟

{يبدو أن طبعًا لدى قريش الآن يقدم في ذاكرتهم..، أن قريش كانوا يعرفون من أهل الكتاب قصة موسى مع فرعون، فطبعًا الله -عز وجل- أراد أن يذكرهم بأنه قادر، هو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فكما أغرق الله فرعون وعذبه في الحياة الدنيا، فهو قادر على أن يعيد الكرة، فالتاريخ يعيد نفسه، فأنت أيها قريش تاريخ يشهد بذلك وانتم تعتقدون وعرفتم وسمعتم ذلك من أهل الكتاب، فإياكم إياكم}.

الشيخ: إذن هذا تهديد من الله لهم، وتذكير بأنهم إن كذبوا بالدار الآخرة فعقوبنهم كعقوبة هؤلاء الذين كذبوا بما جاء به موسه -عليه الصلاة والسلام- عندما قال الله {فَكَذَّبَ وَعَصَى} [النازعات: 21]، الله -عز وجل- قال: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25]، احذروا أن يأخذكم الله يا من كذبتم بالدار الآخرة وكذبتم بما جاء به محمد أن يأخذكم الله نكال الآخرة والأولى.

ولذلك جاء بعدها فبسط الحديث عن أدلة البعث، وأدلة القدرة فقال: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء} [النازعات: 27]، يعني عندما أنكرتم البعث ما الذي حملكم على الإنكار؟ هل لصعوبة هذا على الله -عز وجل؟ تعالى الله عما تقولون علوًّا كبيرًا.

{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء}، السماء العظيمة التي خلقها الله، الكبيرة الواسعة البنيان، العظيمة القبة، هذه الساء الله -عز وجل- خلقها وخلقكم أيسر بكثير منها، سواء خلقكم ابتداءً أو خلقكم على وجه الإعادة بعد الموت، فما الذي تستغربونه على الله؟ أو تستنكرونه من فعل الله -عز وجل؟

{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء}، قال مبينًا ماذا حصل للسماء، قال: {بَنَاهَا}، ثم بين ما هو البناء الذي حصل قال: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات: 28]، أي رفع بناءها ومكانها وسواها أي أحكمها حتى أصبحت بناءً محكمًا لا ترى فيها شيئًا من خلل أو عوج أو فطور أو شقوق أو نحو ذلك.

قال: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} [النازعات: 29]، أي أظلم ليلها، جعله مظلمًا.

{وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} [النازعات: 29]، أي جلع لها نهارًا يخرج من رحم الله.

{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، والأرض العظيمة الضخمة الائلة التي نحن نعيش فوقها، الله -عز وجل- هو الذي دحاها.

ما معنى {دَحَاهَا}؟ فُسِّرت بعد ذلك بقوله: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 31].

دحوها هو أن يكون فيها العمل الذي عمل عليها من شق الأنهار والجبال، ونبات الأشجار، وأصول المراعي، هذا هو دحوها، وهذا من تفسير القرآن بالقرآن.

قال: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، هنا يأتي سؤال -يا أحبائي- وهو: إذا كان قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}، أو هل يفيد قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} أن الأرض خُلقت بعد السماء؟ أم الأرض خلقت قبل؟ ما الجواب؟ ما الذي خلق أولًا؟

يقول الله في سورة فصلت: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أو كَرْهًا} [فصلت 9-11].

وقال في سورة البقرة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} [البقرة: 29]

، فدلت الآيات على أن خلق الأرض تقدم خلق السماء، ولكن ماذا حصل؟

خلق الله الأرض، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض، فدحو الأرض جاء بعد خلق السماء.

ولذلك قال هنا: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات 27 - 30 ]، صار دحو الأرض تاليًا لبناء السماء، اما خلق الأرض فهو سابق لبناء السماء.

قال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النازعات 31، 32 ]، ثم بيَّن حكمة ذلك فقال: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33]، أي جعل الله لكم ذلك متاعًا تتمتعون به انتم، وتتمتع به أنعامكم.

ولاحظوا يا إخواني عندما ذكر الماء والمرعى وغيرها سوَّى بيننا وبين الأنعام ليبين أنكم إذا اكتفيتم بذلك فأنتم والأنعام سواء، لكن إن ترفعم فآمنتم وأطعتم واستجبتم لأمر الله فلن تستووا مع هذه الأنعام.

ولذلك قال: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات 31 - 33 ]، فلو اكتفى الإنسان بمجرد المتاع، الأكل والشرب والنكاح وما إلى ذلك فهو بمثابة الأنعام، لكن إن قبل رسالة الله واستجاب لأمر الله، وأطاع الله -جل وعلا- فيما أمره به فإنه يرتفع بذلك إلى الملأ الأعلى.

قال الله -عز وجل: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ} [النازعات: 34]، الآن يبين جزاء هؤلاء وهؤلاء بعد البعث.

قال: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} [النازعات: 34]، ما هي الطامة؟ شيخ، ما هي الطامة؟ القيامة، الطامة هي القيامة.

ولها أسماء في القرآن كثيرة: الصاخة، والطامة، والحاقة، والقيامة، وغيرها من الأسماء، وكلما كان الشيء عظيمًا كثرت أسماؤه.

طيب.. من أين جاءت كلم الطامة؟ قالوا: لأنها تطم ما سواها، أي تغطي على كل شيء سواها من شدة هولها، فلا يسمع لها حس ولا صوت ولا يُرى شيء إلا هي من شدة هولها وعظمتها.

قال الله -عز وجل: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى} [النازعات: 35]، أي في ذلك اليوم يتذكر كل واحد منا سعيه، إن كانخيرًا وإن كان شرًّا.

قال: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى} [النازعات 35، 36]، أي في ذلك اليوم تتذكر سعيك إن كان عملًا صالحًا وإن كان سيئًا، وذلك لشدة الهول، فأنت تنسى ما كنت فيه من النعيم، ما فيه من الرزق، ما عندك من الولاد، ما عندك من الزوجات، أهلك، أقرباءك، كل هذا يُنسى ولا يبقى إلا شيء واحد وهو سعيك، عملك الذي عملته وقدمته.

قال الله -عز وجل: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى} [النازعات 35، 36]، "برزت" بمعنى -يا شيخ أحمد- أُظهِرت وأُبينَت، الجحيم تُرى.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (يؤتى يوم القيامة بجهنم لها سبعون ألف زمام) يعني خطام وحبل تشد به النار، (مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)، إذن عدد الملائكة الذين يجرون جهنم كم؟ من يعرف؟

70 ألف × 70 ألف كم صاروا؟ يصبح 4 مليار و900 مليون ملك يجرون جهنم.

قال: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ} [النازعات: 36]، أي أظهرت وأبينت، {لِمَن يَرَى}، فيعم الخوف أرجاء المكان، ويهاب الناس أن يحصل لهم هذا المصير، أو يكون لهم هذا المآل، نسأل الله العافية والسلامة.

قال: {فَأَمَّا مَن طَغَى} [النازعات: 37]، عاد مرة أخرى إلى ماذا؟ إلى موضوع الطغيان الذي ذكره في قصة فرعون {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [النازعات: 17].

قال: {فَأَمَّا مَن طَغَى} [النازعات: 37]، أي زاد في الكفران والعناد والعصيان والتكذيب.

{وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النازعات: 38]، أي قدمها وقربها، وجعلها مؤثرة عنده، فلم يستعد للآخرة ولم يعمل لها، وإنما جعل المؤثر والمقدم والمقرب هو الدنيا.

{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 39]، أي مأواه يوم القيامة ومآله إلى الجحيم، ولا مآل له سواه.

وبدأ بالترهيب لماذا؟ لأن الواقع، أو لأن السورة تتحدث عن قوم مكذبين، فالأولى أن تذكر عقوبتهم كما في سورة عمَّ لما ذكر يوم القيامة، وأنه النبأ العظيم الذي اختُلِفَ فيه، ذكر دلائل القدرة الإلاهية، ذكر إن يوم الفصل كان ميقاتًا؛ قال: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا} [النبأ 21، 22]، بدأ بهم لأنهم هم المكذبون بالدار الآخرة.

ثم لما انتهى من عقوبة الكفار والمكذبين انتقل إلى جزاء المؤمنين، وهنا كذلك، قال: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 39]، المأوى أي المآل والمثاب الذي يثوب إليه هؤلاء الكفار.

قال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40]، من خاف مقام الله أي صار عنده هيبة من الله -عز وجل- وخوف من لقاء الل -عز وجل- يخاف إذا لقي الله أن يلقاه مكذبًا، وأن يلقاه عاصيًا، وأن يلقاه ساعيًا في الباطل كما حصل من فرعون الذي أدبر يسعى وحشر فنادى من أجل أن يُجلب على الحق بخيله ورجله.

قال الله -عز وجل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40]، ولاحظوا كيف يقدم هذه الصفة وهي صفة قلبية، لأن عمل القلب هو الذي يكون عليه المرتكز، كل أعمال الجوارج مصدرها ومنبعها من القلب، فمن خاف كفَّت يده عن الحرام، وكفَّ لسانه عن الحرام، وكفَّت عينه عن الحرام، لأنه كلما أراد أن يطلق عينه أو لسانه أو يده أو رجله في الحرام تذكر وقوفه بين يدي الله -عز وجل- فخاف من ذلك.

قال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40]، نهى نفسه عما تهواه، طبعًا الذي يهواه الإنسان شيئان:

- إما أن يهوى شيئًا أباحه الله له.

- وغماان يهوى شيئًا قد حرمه الله عليه.

الهوى ليس بذاته مذمومًا، ولكن لكونه كثيرٍ من الهوى مذموم صار إطلاق الهوى في القرآن غالبًا على هذا المذموم، وإلا؛ انا أهوى الطعام، اهوم المنام، أليس كذلك؟ هذا الهوى لا يلام الإنسان عليه، لأنه هوًى يوافق ما أباحه الله وما شرعه رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

 

لكن المقصود هنا: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}، أي الهوى الذي يخالف أمر الله ويكون فيه معصية لله.

وسمي الهوى -كما يقول بعض العلماء- سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في دركات الشقاء والسفول والباء.

قال: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40، 41 ]. إذن: الجنة لها شرطان:

- أن تخاف مقام الله، وإذا خفت مقام الله فإنك لا يمكن أن تتأخر عن أمر أمرت به، ولا يمكن أن تبقى في مكان نهيت عنه.

{وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} يعني لم يجعل ما يسوقه في أعماله هو هواه، وإنما الذي يسوقه هدى الله، المؤمن يتزوج، والزواج من الهوى، لكنه يفعل ذلك طاعة لله، وليس بناء على استجابته لهواه، وإنما لاستجابته لأمر الله.

المؤمن يهوى الطعام ويهوى الشراب، لكن هل يشرب شيئًا قد حرمه الله عليه؟ لا.

هل يأكل شيئًا قد حرمه الله عليه؟ لا.

هل يأكل شيئًا في وقت حرمه الله عليه؟ لا، نحن في نهار رمضان في شدة الحر نريد أن نشرب الماء البارد؛ لكن نفق نقول: لا.

نفوسنا تهوى الماء البارد لكن نحن نحجب هذه النفوس على هواها إيثارًا لمرضات الله وخوفًا من مقامنا بين يدي الله -جل وعلا.

قال الله -عز وجل: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات 40، 41 ]، أي هي المقر والمآل والمآب، أسأل الله أن يجعل ذلك لي ولكم ولمن يسمعون ويشاهدون، إنه جواد كريم.

ثم ختمت السورة بالسؤال أو بطرح مشكلة دائمًا يطرحها الكفار على النبي -عز وجل- عندما يذكرهم بالقيام وبالجزاء والبعث، يقولون له: متى الساعة؟ هل تخبرنا عن القيامة؟ متى الساعة؟ وياتي الجواب صريحًا وواضحًا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [النازعات: 42]، متى موعدها؟ متى تأتي؟

قال الله -عز وجل: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43]، ليس شأن الساعة وقيامها من شأنك.

{فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا} [النازعات 43، 44]، أي مستقرها ومنتهى علمها إلى من؟ إلى الله، لأن الله قال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34]، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187]، والمقصود بالساعة إذا وردت في القرآن: أي وقت قيام الناس من قبورهم.

قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا} [النازعات 42 - 44]، أي علمها إلى الله -عز وجل- هو الذي يعلمها ويعلم متى تقوم.

{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ} [النازعات: 45]، المهمة التي بعثناك بها وأرسلناك لتحقيقها هي النذارة.

فإن قلت: لمَ لم يقل: "إنما أنت منذر ومبشر"؟ لأن الحديث هنا عمن؟ عن قوم يكذبون، وعن قوم قد عصوا وكذبوا ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقدم صفة النذارة وأفردها، وإلا فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نذير وماذا؟ وبشير.

قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]، طيب هنا سؤال، وهو سؤال مهم جدًا: الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذر لكل أحد، للثقيلن الإنس والجن، المؤمن والكافر، فلماذا خصَّ من يخشاها؟ قال: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} [النازعات: 45]؟

{لكون الموعظة تنفع من يتذكر ويخشى الله -عز وجل- بخلاف من لا يتقي ولا يخشى فهو لا تنفعه النذارة ولا البشارة}.

الشيخ:

نعم، وهذا مثل قول الله -عز وجل- في سورة "ق" {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45]، مع العلم أن القرآن يذكَّر به الجميع، لكن الذي يخاف الوعيد هو الذي ينتفع، ولكونه ينتفع قال ذكره بالقرآن، أو انذر بهذه القيامة من يخشى النارو أو من يخشى الله -سبحانه وتعالى.

{نَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا} [النازعات 45، 46]، يصور الله حالهم عندما يرون القيامة التي كذبوا بها، ويرون الساعة التي أنكروها.

{كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} [النازعات: 46]، يقولون وهو يتذكرون ما سلف من حالهم وحياتهم وغناهم وعيشهم الطويل في الدنيا: والله ما لبثنا إلا سويعات، كأننا لبثنا جزءًا من النهار، أوله أو آخره، لأن هذا الذي نمر به يا إخواني كله يصبح شيئًا يسيرًا في عالم الماضي، أو في عالم المتذكر لما وقع منه في الدنيا.

{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أو ضُحَاهَا} [النازعات: 46]، أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعني وإياكم بالقرآن، وأن يجعلني وإياكم جميعًا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

نكون بهذا قد وصلنا إلى نهاية هذا الدرس الثاني من دروس التفسير في الأكاديمية الإسلامية المفتوحة، وإلى لقاء -إن شاء الله- قادم في الدرس الثالث من دروس التفسير، أسأل الله -عز وجل- لي ولكم التوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

العقيدة (المستوى الثاني)

د. عبد الحكيم العجلان

الدرس الأول

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات أسأل الله -جلا وعلا- أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يشرح صدورنا بالعلم، وأن يوفقنا لتحصيله، وأن يجعلنا من المهتدين بسنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأن يفقهنا في دينه، وأن يجعلنا ممن استقاموا على أمر الله -جلا وعلا- واستقاموا على سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وساروا على منهج سلفهم الصالح يقتفون السنن ويطلبون الآثار،

ويسألون الله -جلا وعلا- أن يوفقهم للهدى، وأن يسلمهم من الشر والردى.

أيها الأخوة المشاهدون والمشاهدات، في مثل هذا اللقاء، وفي مثل هذه المجالس، وفي مثل هذه الدروس الطيبة المباركة بإذن الله -جلا وعلا- نلتقي وإياكم لنتواصى على الحق، ولنتزود من العلم، ولنتهدي بالسنن ونطلب ما يكون بإذن الله -جلا وعلا- زادًا لنا في الدنيا وزادًا لنا في الآخرة.

معنا أيها الأخوة في مثل هذه اللقاءات العلمية التي لا يُطلب الاجتماع عليها شهوة لنفوسنا، ولا رغبة في قلوبنا، ولكنها يُطلب بها بإذن الله -جلا وعلا- المشير إلى طريق الله -جلا وعلا- إلى طريق رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلى طلب رضوان الله -سبحانه وتعالى- لنسلك بإذن الله ما يكون سببا لدخولنا الجنان، والنجاة بإذن الله -جلا وعلا- من النيران.

هنيئا لمن ركب هذا الطريق، هنيئا لمن استقام على هذه السنن، هنيئا لمن كبَّد نفسه حتى أثرها على الحق ليحضر في مثل هذه المجالس كما حضر اللأخوة.

أسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم، أو ليكون معنا أمام هذه الشاشات وأمام هذه اللقاءات بإذن الله -جلا وعلا- يطلب بذلك خيرا، ويقتفي بذلك هدى. ويسلك سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم.

لنعلم في مثل هذه البداية وفي مثل هذا اللقاء أننا على خير وفي خير وفي عبادة نتعبد لله -جلا وعلا- لله بها كما يتعبد العباد بذهابهم إلى المساجد، وسلوكهم الطرق إلى أماكن عبادة الله -جلا وعلا.

فكل ما يكون للإنسان في ذلك يكون خير له، وفي ميزان حسناته، وذخرا له بإذن الله -جلا وعلا- يوم لقاء ربه، فهنيئا لنا ما وفقنا الله له من العبادة، وهنيئا لنا ما أعاننا عليه من هذا السبيل والطريق.

أيها الأخوة إذا أردنا أن نبتدئ فليست البداية تتم ولا تكمل ولا تحسن ولا تصلح إلا أن نبتدئ بحمد الله -جلا وعلا- والثناء عليه، فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى.

ونشهد أن لا إله إلا الله شهادة نرجوا بها النجاة يوم لقاه، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لا تتم الشهادة لله إلا بشهادة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرًا- إلى يوم الدين.

إذا أردنا أن نبتدئ فإننا نسأل الله -جلا وعلا- أن يجزي من كان سببًا في مثل هذه اللقاءات، وفي مثل هذه الدروس، وفي مثل هذه الملتقى العلمي الطيب المبارك، فإننا ندعو الله -جلا وعلا- أن يكون ذلك في ميزان حسناتهم، وأن يجزيهم خير الجزاء، كلٌ في مكانه وكلٌ في عمله، إن كان ذلك في إدارة هذه اللقاءات، أو كان ذلك في تصويرها، أو كان ذلك في تهيئتها، أو كان ذلك في المشاركة فيها وحضور مجالسها، فأسأل الله أن لا يضيع أجرنا جميعًا.

أيها الأخوة، بادئ ذي بدء أيضا: فإننا نحمد الله أن منَّ علينا بالإسلام، ونحمد الله أن هدانا لطريق أهل الإيمان، فجنبنا طريق الملحدين، وسلمنا من طريق عباد الأوثان أو الصلبان، أو من سلك طريقة البوذيين، فلله الحمد على ما أنعم به فهدانا فسلمت قلوبنا من التشتت والردى، وسلمت نفوسنا من أن تكون متعلقة بغير الله -جلا وعلا- فإن من تعلق بشيء وُكل إليه، من تعلق بضعيف ومن تعلق بهالك فإنه لا يزيده إلا هلاكًا ولا يزيده إلا ضياعًا.

أما أهل الإسلام فإنهم يتعلقون بالله، يتعلقون برب الأرباب، يتعلقون برب الأرض والسماء، يسألون الله -جلا وعلا- من فضله ويهتدون بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ويستقيمون على أمره رجاء أن تكون لهم السعادة في الدنيا، وأن تكون لهم النجاة يوم لقاء الله -سبحانه وتعالى.

فمن أجل ذلك كانت مثل هذه اللقاءات حلقٌ يتبعها حلق لنستزيد من الخير ونتزود منه الهدى.

وإذا أردنا أن نعلم طريقا يقربنا إلى الله -جلا وعلا- فإنك لن تجد علمًا ولن تجد سبيلًا ولن تجد طريقًا أعظم من العلم بالله جلا وعلا.

تعلم الناس ما تعلموا من أمور الدنيا، وسلكوا ما سلكوا من أشيائها ومكنوناتها وعلوم التقانة أو العلوم الدنيوية أو غيرها؛ فهل يجدون أعظم من العلم بالله -سبحانه وتعالى!

هل يكون شيء أعظم من أن نعلم العلم بما يكون به سلامة لقلوبنا وصلاح لنفوسنا ونجاة لنا يوم لقاء ربنا -سبحانه وتعالى!

ولذلك يقول أهل العلم: "فإن شرف العلم بشرف المعلوم" وليس في الدنيا شرف أعظم من العلم بالله، والعلم بعبودية الله، والعلم بأسماء الله، والعلم بصفات الله، والعلم بسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

فسيروا على بركة الله متعلمين هذا العلم مهتدين بهذا الهدي. وإن الطريق في التعلم والاهتداء بكتاب الله -جلا وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لابد أن يكون على قدم راسخة، وطريق مسلوكة ولأجل ذلك لم يكن علم العقيدة لأن يُؤخذ بشيء من العقول، ولا من الأفكار، ولا من الأطروحات البشرية؛ ولكنه علم بالله -جلا وعلا- فأيسر سبيل وأحسن طريق وأكمل علم هو العلم بالله، بكتاب الله -جلا وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يتجاوز القرآن والحديث.

ولذلك من طلب العلم بالله -سبحانه وتعالى- بشئ من المقدمات العقلية، أو الأفكار البشرية، أو غيرها؛ فإنها لا تورثه إلا بلاءًا ولا تزيده إلا ضلالًا، ويزاد بذلك جهالات كثيرة والغالب أنه يتردى في طرق الهلاك، ولا يهتدي إلى سبيل الخير والنجاة بإذن الله -جلا وعلا.

ولأجل ذلك كان منطلقنا في مثل هذه المجالس هو أن نتعلم كتاب الله -جلا وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من العلم بما يكمل عقيدتنا ويصلح الإيمان بالله ربنا، وتتم به عقيدتنا بالعلم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

وإنما نحن مرحلة من المراحل السابقة وسيعقبها مراحل لاحقة.

أظن أنكم درستم كثيرًا من العلوم والمسائل التي تتعلق بالتوحيد والعلم بما يكون مكملًا لتوحيد العبادة لله -سبحانه وتعالى- والعلم بالله وبوجود الله وبأسماء الله -جلا وعلا- وصفاته.

ولأجل ذلك لما كانت هذه الحلقة حلقة متوسطة بين حلقات سابقة وحلقات لاحقة؛ فإننا نكمل ما بدأه غيرنا ونستمر في مسيرة إخواننا لتكتمل بإذن الله -جلا وعلا- لنا العلوم ولتتسق المسائل، ونخرج بإذن الله -جلا وعلا- بخير وعلى خير وعلى هداية، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

أيها الأخوة إن مما شرفه الله -جلا وعلا- به هذه الأمة أن جعل علمها ميسورًا، والعلم بها سهلًا متقبلًا تجد له نورا إذا وفد على القلب استنار وإذا وصل إلى الصدر أضاء، وإذا وصل إلى النفس أشرقت وذهبت عنها دياجير الظلمات.

فلأجل ذلك سيروا مستضيئين بكتاب الله وبسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولتعلموا أن في ذلك من الخيرات والرحمات التي ضلها كثير من الناس فتخبطوا في الظلمات.

العلم علم بما يكون به -كما ذكرنا- نجاة لنا في الدنيا والآخرة.

وهذه المنظومة بإذن الله -جل وعلا- سننطلق وإياكم من مسائل مهمة، وهي: أركان الإيمان، على ما جاء في حديث جبريل، قال: ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله، وتؤمن باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره».

وأظن أنكم فيما مضى قد أخذتم ما يتعلق بالإيمان بالله -جل وعلا- فمرَّ الإيمان بالله، وانا أقصد كتابتها مع أنها مستقرة في أذهانكم، لن الإنسان إذا كتب الشيء وجد أنه عالمًا به متيقنًا، لأن العلم ليس على حدٍّ سواء، وهذه مسألة مهمة، ومقدمة لازمة لنا.

العلم ليس على حدٍّ سواء، قد أعلم شيئًا ويعلم الآخر، ويعلمه الثالث؛ لكن ليس علمي كعلمك، وليس علم الثاني كعلم الاخر، لأن التصديق له تفاوت، فمن الإنسان من يصدق بالشيء لكن أسهل ما يكون عليه أن يتغيَّر تصديقه أو أن يختلف إيمانه، فلأجل ذلك لابد أن يكون تأكيدونا على مثل هذه الأمور تأكيدًا كاملًا، وعلمنا علمًا تامًّا.

التصديق يختلف الناس فيه اختلافًا كثيرًا، فتجد على سبيل المثال: بعض الناس مثلًا يصدق من أن محمدًا رسول الله، لكنه لا تنتفي عنه كثيرمن الشبه التي يطلقها المغرضون،أو التي يوسوس بها الشيطان، فمن أجل ذلك لا يتم له به الإيمان.

وإن من الناس من يكون مؤمنًا، لكن إيمانه متردد، حتى إذا وقع في مصيبة أو حصل له أمر سرعان ما يتردد في ذلك.

على كل حال لعلنا بإذن الله -جل وعلا- أن ياتينا كثير من هذه المسائل ونعيد الحديث عنها، لكن الإشارة إليها في مثل هذه المقدمة هو أمر لازم مهم.

سنبتدئ كما تعلمون وكما تعرفون وهو منهج مدوَّن عندكم في أركان الإيمان، وهو الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة، بعد ذكر ما يتعلق بالإيمان بالله -جل وعلا.

فلنبدأ بإذن الله -سبحانه وتعالى- بداية من هذه العناصر التي ستكون بإذن الله -جل وعلا- نافعة لنا، مسهلة لهذه العلوم، وهذه المسائل التي نتلقاها وإياكم.

إذا أردنا العلم أو الكلام على الإيمان بالملائكة؛ فأول شيء يتعلق به هو: معنى الإيمان بالملائكة، من هم الملائكة، لأن هذا هو أصل يستهل به الحديث، ويمكن أن تكتمل به المعلومة.

فكما ذكرنا أن الإيمان هو: التصديق.

ولذلك قال أهل العلم هو: التصديق مع القبول والإذعان، فمتى ما كان الإنسان مؤمنًا فهو مصدق، أو متى ما كان مصدقًا فهو مؤمن.

ولذلك قال الله -جل وعلا: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [يوسف: 17]، يعني بمصدق، فإذن حقيقة الإيمان هو: التصديق، فالتصديق هو بالملائكة.

والملائكة: جمع ملك.

معنى الإيمان بالملائكة: يترتب عليه أولًا: العلم بالمعنى اللغوي للملائكة.

الملائكة: جمع ملك، وأصله: مألك. والمألك هو اشتُق من الرسالة، وذلك أن الملائكة هم رسل الله -جل وعلا- هم رسل الله -سبحانه وتعالى.

ولذلك قال الله -جل وعلا- كما سيأتي معنا: {تَنَزَّلُ الْمَلآَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم} [القدر: 4].

بعض أهل العلم يذكر أن الملك هو: مأخوذ من المُلْك، ولذلك يُقال في البشر: ملِك.

وفي الملائكة يُقال: مَلَك، يعني كأنه مَن يلي تصريف بعض الأمور، أو من يوكل إليه تولي بعض المهام، كما أن الملك في الدنيا هو الذي يكون له تصريف أمور الدولة وتسيير شؤونها، فكذلك كان بالنسبة للملائكة لأنهم يلون تصريف كثير من أمور الخلق بما جعل الله لهم -جل وعلا- من الأوامر وجعل لهم من الوظائف والأعمال.

إذن: الإيمان بالملائكة، معنى الإيمان بالملائكة. ما معنى الإيمان بالملائكة؟

كثير من الناس تأتي عليه الآيات، يقرأ قول الله -جل وعلا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285]، لكن لو سألته: كيف تؤمن بالملائكة؟ ما معنى الإيمان بالملائكة؟ لوجدت أنه ربما تلكأ أو تمنى إذا كانوا في مجلس أن غيره يسبقه للحديث لعله يأتي إليه بعبارة تسعفه، أو إذا أخطأ غيره فيكون ذلك عذرًا له أن يُخطئ فيها.

فلأجل ذلك كان من المهم لنا أن الإنسان يكون لديه العلم بالملائكة ومعنى الإيمان بالملائكة حتى يكون إيمانه بذلك صحيحًا.

الإيمان بالملائكة يتعلق به أشياء كثيرة، ومن المهم في هذا المقام أن نقول: أن الإيمان بالملائكة هو إيمان بشيء نشاهده أو بشيء غائب عنا؟

هو إيمان بشيء غائب، وهو داخل في مسألة مهمة وهي: الإيمان بالغيب، وأعظم ما يوصف به أهل الإيمان ويرتقون به في درجات الإيمان هو الإيمان بالغيب.

ولذلك الله -جل وعلا- قال في كتابه {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]. فكان أهل الإيمان يؤمنون بما هو غائب عنهم مما جاء في كتاب الله -جل وعلا- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

فنؤمن بالملائكة مع أننا لم نرهم ولم نسمعهم؛ وإنما هو ما جاء في كتاب الله وجاء في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ولأجل ذلك كان من أول هذه الدرجات هو التصديق بوجودهم، نؤمن أنهم موجودون، وأن الله -جل وعلا- خلقهم وأوجدهم وجعل لهم أعمال -كما سيأتي من الأشياء التي تتدرج في ذلك.

وهذا قد نصَّ عليه كتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتينا بإذن الله -جل وعلا- ذلك في دليل الإيمان بالملائكة.

فإذن: أول أمر: فلابد على كل مسلم ومسلمة، ذكر أو أنثى، كبير أو صغير يقرأ كتاب الله -جل وعلا- أن يؤمن بالملائكة وأنهم موجودون، وهذا ينبه على كلام بعض مثلًا الضلال الذين يقولون: هي أرواح الخير والداعية إلى الخير والفوس الطيبة ونحو ذلك، فإن هذا ليس بكلام صحصح ومخالف لما جاء في كتاب الله، ولما جاء في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

فنؤمن من أنهم موجودون، وانهم مخلوقون، خلق من خلق الله -جل وعلا- خلقهم الله -سبحانه وتعالى- من نور -كما سيأتي ذلك بإذن الله -جل وعلا- في التفصيلات اللاحقة لنا- وأوكل لهم مهام، {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

ومن الإيمان بالملائكة: أنهم خلق لله -جل وعلا- فالموت عليهم جائز وواقع كما أن الموت واقع على بني آدم، وذلك يدل عليه الأدلة الدالة على هلاك الخلق كلهم كما قال الله -جل وعلا- في كتابه {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ ال} [الزمر: 68]، فمن ذلك أهل السماء من الملائكة وغيرهم كما قال الله -جل وعلا- في كتابه {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. لا تنامون، والذين الآن يسمعوننا أمام الشاشات لا ندري هل نائمون أم معنا! إلا أن يكون الحديث يعني قد ثقل عليهم.

طبعًا هذه إيمانيات وأشياء يُعلم يا إخوان أنها أشياء عظيمة، وأن إدراكها ليس بالشيء اليسير، لأنه كلما علمتَ بعظم الملائكة وأنهم خلق من خلق الله -جل وعلا- تأكد إيمانك بهم، وإذا تأكد إيمانك بهم؛ فإن ذلك مما يعظم به إيمانك بالله -سبحانه وتعالى- لأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي اوجدهم، وهو الذي جعل لهم هذه الصفات، وجعل لهم تلك الوظائف.

إذن: كما قلنا أن الإيمان بالملائكة:

- التصديق بوجودهم.

- الموت جائز وواقع عليهم.

- أيضًا إنزالهم منازلهم وعدم الغلوُّ فبها.

ما معنى إنزال الملائكة منازلهم؟ يعني: اننا نعلم أن الله -جل وعلا- جعل للملائكة منزلة لا ننزلهم عنها وقد رفعهم الله -جل وعلا- وأعلى من مكانتهم ورفع ذكرهم، ولأجل ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله -سبحانه وتعالى- تجد أن الله -جل وعلا- يقرنهم بذكره تشريفًا لهم وتعظيمًا {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ} [البقرة: 285]، فجعل الإيمان بالملائكة قرين الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- وعقبه، نعم.

والآيات في ذلك كثيرة جدًا سنأتي بإذن الله على شيء منها، {‏شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم أمر الملائكة.

وأيضًا مما يدل على رفيع منزلتهم: ما جاء في الحديث وسنقف معه بإذن الله -جل وعلا- عند مسلم في صحيحه: «أن الله خلقهم من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وُصف لكم، وهو من طين». إذن عند مسلم في صحيحه، فهذا يدل على ماذا؟ على رفيع منزلتهم.

لما يأتي في قول الله -جل وعلا: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، {يُسَبِّحُوْنَ الْلَّيْلَ وَالْنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]، كل هذه الأدلة تدل على عظيم منزلتهم وما اختصهم الله -جل وعلا- به من خصيصة ومنزلة رفيعة.

ولذلك تعرفون أن اهل العلم اختلفوا في منزلة الملائكة، هل هم أفضل من صالح البشر؟ أم صالح البشر أفضل منهم؟

ولعله بإذن الله في بعض اللقاءات أن يكون في ذلك إشارة الطيف، يعني يستفيد منها الإخوان ولا تكون أيضًا ثقيلة عليهم لأنها من المسائل الواسعة التي كثر فيها الاستدلال والخلاف بين أهل العلم.

فإذن: نحن أمام إنزالهم منازلهم، فهذا ما جاء في كتاب الله -جل وعلا- من بيان رفيع منزلتهم، رفيع درجتهم، كبير قدرهم عند الله -جل وعلا- وعند رسلهو وعند أهل الإيمان، ولكن ذلك لا يعني الغلو فيهم، فلا يُجعل لهم منزلة فوق منزلتهم كما يفعل بعض الضلال حينما يجعلهم بمنزلة الله -جل وعلا- فيتوجه إليهم بالدعاء، أو بالرجاء، أو بغير ذلك.

ولأجل هذا قال الله -جل وعلا- في كتابه {وَلَا يَأْمُركُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْد إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]. فمن جعل الملائكة أربابا ومساويين لله -جل وعلا- هذا أنزلهم منزلتهم أو أنزلهم في غير منزلتهم؟ أنزلهم في غير منزلتهم، خالف أمر الله، وخالف ما جاء في كتاب الله -جل وعلا- وأنزل من قدر الله -جل وعلا- فإن الله -سبحانه وتعالى- لا يساويه أحد، وكل من سوى الله -سبحانه وتعالى- فهم خلق لله -جل وعلا- مربوبون له -سبحانه وتعالى.

إذن: من أهم ما يتعلق بالإيمان بالملائكة هذا العنصر، وهو: إنزالهم منازلهم، فإنزالهم منازلهم لا نرضى لأحد أن ينتقصهم، أو أن يصفهم بما لا يليق من شيء ينزلهم عن منزلتهم أو يصفهم بشي الأشياء التي ننزه عنها البشر أو صالح الناس، فإنهم أرفع من ذلك بكثير، نعم.

ولا يعني ذلك أن نغلوا في درجتهم فنرفعهم عما جعل الله -جل وعلا- من المنزلة والدرجة.

الأمر الرابع الذي في معنى الإيمان بالملائكة: لا يوصفون إلا بما جاء في الكتاب والسنة.

يعني لا نجتهد في وصفهم ولا نبحر بعقولنا وفهومنا في تخيلات أو تصورات كما يفعل بعض الناس مثلًا يقرأ بعض هذه القصص فيظن أن الإيمان بالملائكة كبعض هذه الروايات الساذجة، أو الخيالات الغير حقيقة، أو الأحلام التي يسطرها بعض الكتاب الذي ربما كان في قلوبهم زيغ، أو كان في نفوسهم وعقولهم جهل، فلم يجعلوا لهم درجتهم.

فأهل الإيمان لا يتلقون في الإيمان بالملائكة شيئًا من هذه الأمور، ولا يجعلون ذلك طريقًا لإيمانهم وعقيدتهم، فكما ذكرنا أن طريق الإيمان بالله وبملائكة الله هو ما جاء في كتاب الله، ما جاء في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

وهذه -أيها الإخوة المستمعون أو المشاهدون لنا والإخوة الحاضرون- مسألة مهمة، نحن حينما نتكلم عن مثل هذه المسائل وهي مسائل عظيمة لا نجعل الناس يعتقدون ما تمليه علي نفسي، أو ما أقوله لكم من عندي، أو ما اجتهدت فيه من آائي وتجاربي، ولا نحيل إلى شخص آخر حتى ولو كان رفيع المنزلة؛ وإنما نحيل إلى شيء لا يأتي عليه الخطأ ولا الخلل ولا النقص ولا القصور، وهو كتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ولذلك لا يوصفون إلا بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

لو سألتكم أيها الإخوة المشاهدون أو سألتكم أيها الإخوة الحاضرون: لماذا لا يوصفون إلا بما جاء في الكتاب والسنة؟ فماذا تقولون زيادة على ما ذكرناه قبل قليل؟

{أقول يا شيخ أحسن الله إليك: لأن الكتاب والسنة وصفهم بأكمل صفات}.

الشيخ:

هذا كلام جيد، أن الكتاب والسنة وصفهم بأكمل الصفات وأتمها.

أيضًا من جهة ثانية وهي كلمة يمكن أن تبنى على ما ذكرناه سابقًا، وهو في أول ما ذكرنا، قلنا: التصديق بوجودهم هو إيمان بشيء نراه أو شيء غائب عنا؟ إيمان بشيء غائب عنا، فكيف لنا أن نصفهم وهم عنا غائبون، فنعلم يقينًا أن من وصفهم من عند نفسه أو اجتهد فإنما أتى بخيالات وأشياء لا حقيقة لها، لأنه شيء غائب، شيء لم يُرى ولم يقف عليه الإنسان؛ كيف له أن يصف وأن يجتهد فيه؟! فلا شك أنه يصيبه الخطأ، أو يقارف الخلل.

فبناءًا على ذلك: كان الإيمان أو الوصف لهم بما جاء في الكتاب والسنة هو أتمُّ وأكمل، وهو أيضًا أسلم وأبعد عن الخطأ، لن الله -جل وعلا- هو الذي خلقهم وهو أعلم بهم، ونحن نؤمن بشيء غائب عنَّا، فليس لنا إلا التصديق بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

إذن: لو أردنا أن نجمع هذه المعاني، وهي معنى الإيمان بالملائكة لرأينا أن ذلك شيئًا عظيمًا يزيد من إيماننا، يصلح من نفوسنا، نزداد به علمًا لما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- واجتمع لنا أشياء كثيرة، التصديق بوجودهم، والإيمان بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الإخبار بأسمائهم أو أعمالهم أو وظائفهم، أو أشياء كثيرة تكو الإيمان بوظائفهم، وما جاء في كتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

أيضًا لما نؤمن أن الموت جائز عليهم وواقع لهم فنعلم أنهم خلق من خلق الله -جل وعلا- مربوبون لله -سبحانه وتعالى- وأن ما اختص الله به نفسه من أنه لا يأتي عليه الفناء، {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن: 26 , 27]، منزلة لا تبلغها الملائكة لدلاة هذه الأدلة.

ثم ذكرنا أيضًا طريقة أهل السنة والجماعة، طريقة السلف الصالح اعتبارًا بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من إنزالهم في منزلتهم وعدم الغلو فيهم، فهذا موضوع مهم. ثم أيضًا لا يصفون إلا بما جاء في الكتاب والسنة.

والأخير، أو لو أردنا أن نأتي إلى الأمر الرابع، هو: الإقرار بأن منهم رسلًا يرسلهم الله -جل وعلا- إلى من يشاء من عباده، هذه طبعًا داخلة في وظائفهم، وسيأتينا بإذن الله -جل وعلا- ما يتعلق بالوظائف والأعمال التي جعلها الله -جل وعلا- لبعض الملائكة، واختص كل واحد منهم بعمل بتلك العمال.

حكم الإيمان بالملائكة.

لو أردنا أن نعرف حكم الإيمان بالملائكة، فما حكم؟ هل لأحد من المسلمين أن يقول: أنا لم أرهم فلا أؤمن بهم؟! هل يمكن أن يقول هذا أحد؟ ما تقول يا عبد الحميد؟

{الإيمان بهم فرض عين}.

الشيخ: لماذا تقول من أن الإيمان بهم فرض عين؟

{لأنه ذكر في القرآن، وذكر في حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن من أركان الإيمان: اإيمان بهم}.

الشيخ:

نعم، فبناءًا على ذلك: لمَّا يكون مذكورًا؟

{يجب علينا أن نؤمن به}.

الشيخ: يعني بعبارة ثانية: لما كان قد جاء ذكهرم في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فحقيقة ذلك أن من يؤمن بهم مصدق لكتاب الله، مصدق لسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

وأن من كذب بالملائكة ولم يؤمن بهم فإنه حقيقته أنه ماذا؟ أنه كذب بكتاب الله، وبسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ثم المسألة الأخرى: أنه جاء في حديث أبي هريرة في قصة جبريل لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان؛ جعل له أركانًا ستة لا يصح إيمان الإنان حتى يستكمل هذه الأركان، منها: اإيمان بالملائكة، فإنه قال: «أن تؤمن بالله، ملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

ومما يدل على ذلك أيضًا: ما جاء في قول الله -سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} [النساء: 136]. فجعل التارك للإيمان بالملائكة في ضلال مبين وهو الكفر بالله -جل وعلا- لأن التكذيب بكتاب اللهوالتكذيب بما تواتر في سنة رسوله -جل وعلا- هو معارض لحقيقة الإيمان.

فمن أجل ذلك نقول من أنه ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان الإنسان إلا به.

طبعًا إذا قلنا دليل الإيمان بالملائكة، فالأدلة الآن ذكرت على ما سبق كصيرًا، لكن لعلنا أن نأتي على بعض الأدلة التي جاءت في الإيمان بالملائكة. لو أردنا أن ستذكر شيئًا منها، قبل أن أسألكم، أنا أريد أن أسأل الإخوة المشاهدين ولو لم أسمع إجابتهم فإنهم إذا حركوا شفاههم بذلك يكونوا استحضروا هذه الأدلة، وكان ذلك أبقى للعلم بها، وأيضًا حصل لهم الأجر من الله -جل وعلا- لأنهم شاركوا، فإني وإن لم أسمعهم ولم نسمعهم ونحن في هذا المكان؛ فإن الله -جل وعلا- يسمعهم ويكتب أجرهم في ذلك.

فإذن: ما دليل الإيمان بالملائكة؟ نترك فرصة للإخوة ثم نسمع من الحاضرين، وكأنهم يكونون نائبين عنهم في ذلك.

تأمل وأنا بودي بعض الإخوة الآن استحضر دليل، بعض الإخوة استحضر دليلين، بعض الإخوة استحضر أكثر، فكلما كنت مستحضرًا لأكثر من دليل كان ذلك أحسن لاستحضارك لمثل هذا العلم أو هذه المسائل وأتمَّ بإذن الله -جل وعلا- لهذه المسائل المهمة في العلم بها والفقه فيها.

نعم، أحد يذكر دليل غير الأدلة التي ذكرناها يا عبد الحكيم.

{أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177].}.

الشيخ: هذه آية، وهي آية سوة البقرة، قول الله -جل وعلا: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]. إلى آخر الآية.

إذن آية أخرى كذلك، عندك آية يا عبد الحميد؟

{أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

{مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ} [البقرة: 98].}.

الشيخ:

أحسنت، آية سورة البقرة أيضًا اختصارًا للوقت، {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].

فهذه شيء من أدلة الكتاب، وقد مرَّ بنا بعض الأدلة التي ذكرناها لكم آخر سورة البقرة، {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285].

آية سورة النساء: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [النساء: 136].

فيه آيات كثيرة من كتاب الله -جل وعلا-.

كذلك أدلة السنة أدلة كثيرة جدًا، منها ما جاء في البخاري وفي مسلم وفي السنن، ومن ذلك أدلة كثيرة. هل أحد منكم ستذكر أيضًا دليلًا غير الأدلة التي ذكرناها؟ السؤال موجه حتى للمشاهدين الذي يقفون أمام الشاشات وليس خلف الشاشات، كثير ممن يلقون الدروس ويخرجون في الشاشة يقول: وإلى المشاهدين خلف الشاشات. هم لا يجلسون خلف الشاشة، هم يجلسون امام الشاة، هذا يعني تصحيح لغوي مناسب في هذا المقام.

طيب.. من الأدلة طبعًا: حديث -كما ذكرنا- حديث أبي هريرة وهو في قصة جبريل، وجاء في حديث عمر، هو جاء بالروايتين في أركان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، حديث أيضًا عائشة لما ذكر خلق الملائكة «وخلق الملائكة من نور».

أيضًا من ذلك مثلًا: الأحاديث التي جاء فيها ذكر جبريل لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- خلقه، أو ذكر إتيانه، أو ذكر أنه يعارضه بالقرآن.

أحاديث كثيرة جدًا يعني يمكن أن تبلغ حدَّ التواتر في ذكر الملائكة، وذكر أخبارهم وبعض أعمالهم.

ولذلك كان من استفتاح النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الليل ما هو؟ «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة»، إلى آخر الحديث.

فإذن هذا من ذكر الملائكة في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

إذن -كما ذكرنا- أن الدلة من الكتاب ومن السنة كثيرة جدًا، هذا يعني في أدلة الإيمان بالملائكة من كتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

لعلك قبل أن نأتي في صفات الملائكة تنظر الآن الفرق بين أول كلامنا على الإيمان بالملائكة والآن، في أول الحديث كان الإنسان يؤمن بالملائكة، لكن عنده أن الإيمان بالملائكة مسألة صغيرة، لا تستطيع أن يعرف بعض تفصيلاتها.

الآن أخذ بعض ما يتعلق بالإيمان بها، وتجمعت له معلومات نافعة تزيد من إيمانه، تزيد من إيقانه، تزيد أيضًا من فرحه وانشراح صدره في الإيمان بالملائكة؛ فيكون ذلك أتمَّ لإيمانه.

وانا أظن لو أنني سألت أي واحد الآن يسمعنا لوجدنا لإجابات تكون بالموافقة، حتى ولو كان الإنسان جاء مثلًا عابرًا أو مارًّا ليستمع مثل هذا الكلام فإنه لا يخلو من الفائدة فيه بإذن الله -جل وعلا- لا لأن الكلام كلامي، ولكن لأن الكلام من كتاب الله ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أيضًا صابٌ في اعتقاد كل مسلم ومسلمة يرجو الله والدار الآخرة، ويرجو النجاة عند الله -سبحانه وتعالى.

ننتقل إلى صفة أخرى أو عنوان آخر من الأشياء المهمة في باب الإيمان بالملائكة، وهو: صفة الملائكة.

الكلام على صفات الملائكة نرجع فيه أيضًا إلى ما ذكرنا قبل قليل، وهو أنهم لا يُصفون إلا بما جاء في الكتاب والسنة، فلا يظن أحد ممن يسمعني الآن أنني سأتخيل بعض الخيالات وأمليها عليهم، وتكون خيالاتي أحسن من خيالات الآخرين؛ لا.

خيالاتي وخيالاتك وخيالات كل أحد منا لا تبلغ حقيقة ما خلق الله -جل وعلا- من الملائكة، فلأجل ذلك لنطَّرح هذه الخيالات ولنعرض عن هذه الآراء وما يعرض في الأذهان، ولنقبل على ما جاء في الكتاب، وما جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنرى بذلك شيئًا نافعًا من صفات الملائكة، ويكون بإذن الله -جل وعلا- سليمًا من الإشكال، فلا يرد فيه شيء من الخطأ أو الخلل أو النقص بإذن الله -سبحانه وتعالى.

كما رأيتم في الشاة المعروضة لديكم أن صفات الملائكة صفات خَلقيَّة، وصفات خُلُقيَّة.

ونحن لن نستفيض في مثل هذا حتى نحصرها، لكنناسنذكر ما يدل على عظم هؤلاء الخلق، وأيضًا ما اختصهم الله -جل وعلا- من بعض الصفات الخَلقيَّة أو الخُلُقيَّة.

فنبدأ بالخلقية.

أولًا: أن الله -جل وعلا- شرفهم، رفعهم، أعلى منزلتهم، فجعل خلقهم منور، وكما قلنا من أن هذا جاء في حديث مسلم في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خلقت الملائكة من نور».

أيضًا من الصفات والسمات التي جاءت بها الأدلة: أن لهم أجنحة. وهذا جاء في كتاب الله -جل وعلا- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ألم يقل الله في أول سورة فاطر: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]. فدلَّ إذن كتاب الله -جل وعلا- على أن لهم أجنحة.

وجاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ماذا في ذكر الأجنحة؟ هل تتذكرون في ذلك شيئًا؟

جاء في الحديث أن «جبريل له ستمئة جناح»، ولك أن تتأمل عظم هذا المخلوق الذي خلقه الله -جل وعلا- وله ستمئة جناح، كما جاء ذلك عند البخاري ومسلم، وجاء في بعض الروايات: أن «كل جناح منها يسد الأفق» لعظمه.

فإذا كان هذا واحد من الملائكة، والملائكة خلق كثير، ثم الملائكة أيضًا ليس هم كلهم مخلوقات الله فحسب؛ بل حتى الدنيا والسماء والأرض وما على الأرض، فتعلم بذلك ماذا؟ عظم الله -سبحانه وتعالى- وعظم خلق الله -جل وعلا- ألا يزيدك ذلك إيمانًا بالله وعلمًا بعظمة الله -جل وعلا؟!

ألا يزيدكم -أيها الإخوة المشاهدين والمشاهدات- العلم بضعفنا؟!

يعني ما الإنسان إلا شيء صغير يسير لا يبلغ المترين، ولا يبلغ عرضه 60سم، أو أكثر، يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، ثم هو يرى في نفسه ويكون له من التجبر والتبختر، ويكون له من احتقار الخلق، ويكون له أشياء كثيرة.

فإذا علم الإنسان أنه بهذه المثابة، وأن خلقٌا من خلق الله -جل وعلا- هم أعظم من ذلك بكثير؛ علم الإنسان عظم خلق الله، وعلم مكانته بين هؤلاء الخلق، وأيضًا كان ذلك من أعظم ما يدعوه إلى العلم بالإيمان بالملائكة وتعظيممهم، وإنزالهم منزلتهم.

وهنا إذا تكلمنا عن أن لهم أجنحة فنتكلم عن مسألة مهمة، وهي: أن الله -جل وعلا- قال: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]، في حديث جبريل: «له ستمئة جناح»، مما يدلك على أن خلق الملائكة يتفاوت، وهو المسألة التي بعدها: عظمة خلقهم.

فخلقهم عظيم، وهم مع ذلك أو في ذلك متفاوتون، ولأجل هذا أو مما يدل على ذلك -وهذا من الأدلة العظيمة التي أيضًا تسند ما ذكرناه: ما رواه أبو داوود من حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله أذن لي أن أحدثكم عن ملك من الملائكة من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمئة عام»، جاء في بعض الروايات «تخفق الطير»، يعني سير سرع، ومع ذلك تبقى هذه الطير تسير سبعمئة عام لا تبلغ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه. هذا يدلنا على عظم خلق الملائكة.

ولأجل ذلك أيضًا جاء في حديث جبريل الذي ذكرناه أنه لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- رؤيته لجبريل، فإنه قال: «إنني لم أره على صورته التي خلقه الله عليها إلا مرتين، قال: رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء والأرض».

مما يدل على عظمة جبريل -عليه السلام.

فإذن هذا وصف للملائكة أو لعظم خلقهم كيف -جل وعلا- جعل لهم من الصفات الخلقية ما يُعظم به عظم هؤلاء الخلق.

طبعًا قبل أن ننتقل أظن أنه قد لا يمكننا أن نأخذ الصفات الخلقية فنؤخرها إلى الجلسة أو إلى المجلس القادم بإذن الله -جل وعلا.

نختم: الحقيقة -أيها الإخوة- بأن خلق الملائكة أن الله -جل وعلا- جعل لهم من الخصيصة أنهم ربما يكونون على غير صورتهم، ولأجل ذلك جاء في أدلة كثيرة أنه رمبا كان تصوَّر الملك بصورة بني آدم، وهذا جاء في أدلة كثيرة من كتاب الله ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ألم يقل الله -جل وعلا- في قصة مريم {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17]، فلمادخل عليها الملك دخل عليها في صورة ملك، {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} [مريم 18، 19]، هو جاء على صورة بشر، فدلَّ ذلك إذن على أن الملائكة يتصورون بصورة البشر، وجبريل كان يأتي في صورة دحية الكلبي -كما جاء في بعض الأحاديث.

ولما جاء في صفة المسافر في حديث أيضًا لما جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ركبتاه إلى ركبتيه، ويداه إلى يديه في الحديث المشهور.

أيضًا في قصة إبراهيم وفي قصة لوط لما وفد عليهم الملائكة كانوا في صورة بشر، كما قال الله -جل وعلا- {قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود 69 , 70]، فهو إنما ظنهم بشر لنهم كانوا في صورة البشر، فدلَّ هذا أيضًا على مسألة مهمة من المسائل التي تتعلق بنا في هذا المقام، وهو أن من الإيمان الإيمان بما جعلهم الله -جل وعلا- عليه من الصفات، مما جعل الله -جل وعلا- لهم من الخلق العظيم، وهذا مما يزيدنا إيمانًا.

بإذن الله -جل وعلا- في الحلقة اللاحقة سيكون لنا حديث عن الملائكة في صفاتهم الخُلُقية، وسننطلق من الصفات الخَلقيَّة، أظنه أنه اجتمع للإخوة من الأسئلة ما يحسن الوقوف عليها.

لا أعتبر أو لا أظن أنني سأكون آتٍ على إجابات أسئلتكم، فما أنا إلا طويلب علم، لكن ربما نتشارك في بعض الإجابات ما عرفناه قلنا، وما لا نعرفه فإننا نرجئه حتى نحضر فيه جوابًا صوابًا ثم نقوله، ويجب علينا دائمًا في مسائل العلم -أيها الإخوة- ألا يستعجل الإنسان الجواب، فإنه إذا تكلم فيما لا يحسن فإنه ربما يفتات على ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقد جعل الله ذلك من أعظم المحرمات، {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

أنا ما أدري يمكننا أن نأتي بالأسئلة أو لا، المخرج كأنه يشير إلينا.

طيب.. يقول المخرج من أن الوقت قد فات علينا في الأسئلة.

أستميحكم عذرًا إن كنت قد أخذت من وقت أسئلتكم أيها الإخوة الحاضرون، وأيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات، لكنني أعدكم بإذن الله -جل وعلا- أن يكون في اللقاء القادم من الوقت ما يكون وافيًا لاستقبال استفساراتكم وأسئلتكم.

أسأل الله أن يجزكم خيرًا، أسأل الله أن يثيبكم جميعًا على استماعكم وإنصاتكم، وأسأل الله أن ينفعنا وألا يخذلنا وأن يوفقنا لكل خير وهدى، وأن يجزي خيرًا كل من كان سببًا في مثل هذه المجالس الطيبة المباركة.

إلى لقاء آخر في يوم غدٍ بإذن الله -جل وعلا- نترككم في رعاية الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

العقيدة (المستوى الثاني)

د. عبد الحكيم العجلان

الدرس الثاني

 

أيها الإخوة المشاهدون والمشاهدات، أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لكل خير وهدى، وأن يجعل هذه اللقاءات لقاءات خير وبركة وعلم ننتفع به في أمر الدنيا والآخرة.

الحمد لله حمدًا يليق بجلال الله -جل وعلا- وأصلي وأسلم على نبيه المصطفى، وعلى آله وأصحابه ومن بهديه اقتفى.

ثم أحييكم تحية أهل الجنة، تحية أهل الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في اللقاء الثاني من هذه اللقاءات الطيبة المباركة نتعاون وإياكم على الخير ونتزود من الهدى ونزداد من العلم ومن سنة النبي المصطفى -عليه الصلاة والسلام.

ابتدأنا وشرعنا في أمور طيبة ومسائل مهمة مما يهم كل مسلم ومسلمة، مما جاء به كتاب الله -جل وعلا- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أمرٍ يهمه في دينه ويلزمه أن يعتقده، وأن يستقر في قلبه، وأن يربط على ذلك جنانه، وأن يكون بذلك موقنًا مهتديًا مؤمنًا، لا تغييَّر بذلك إيمانه، ولا ينقدح سواه، ولا يأتي عليه حيرة ولا تردد ولا تغيُّر بإذن الله -جل وعلا- لعلمه بصدق ما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولتمسكه بذلك، ورجائه أن يكون بإذن الله -جل وعلا- سبب نجاته في الدنيا وسعادته في الآخرة.

حديثنا إيها الإخوة عن ملائكة الله -جل وعلا- عن ركن من الأركان الستة التي بها يتمُّ الإيمان، وبها يصلح للعبد الإيقان بكتاب الله -جل وعلا- وسنة رسول -صلى الله عليه وسلم.

نستكمل بإذن الله ما ابتدأناه، ونكمل ما أتينا عليه من المسائل المهم في هذا الباب العظيم،وهو باب الإيمان بملائكة الله -جل وعلا.

كنا في الدرس الماضي ابتدأنا ما يتعلق بالإيمان بالملائكة، ذكرنا معنى الإيمان بالملائكة، ومم خلقت الملائكة، وكيف يؤمن العبد بملائكة الله -جل وعلا- حتى يتمَّ إيمانه وحتى يصلح معتقده.

ثم ذكرنا أصل ذلك في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلم يكن ذلك الكلام من عند أنفسنا ولا من آرائنا ولا من أطروحاتنا واقتراحاتنا، ولكنه هدي يُهتدى به،وسنة تُقتفى من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام.

انتهينا إلى ما جاء في كتاب الله -جل وعلا- من وصف الملائكة وذكر صفاتهم وما جبلهم الله -جل وعلا- عليه من الصفات الخَلقة وعلمنا عِظَم تلك الصفات، وأتينا على ما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- مما يتعلق بذلك.

ولعلنا بإذن الله -جل وعلا- أن نكمل ما أتينا عليه في هذا الباب.

فبعد أن أتينا على الصفات الخَلقية؛ فإننا نأتي على الصفات الخُلُقية، الصفات الخُلُقية التي جبل الله -جل وعلا- عليها الملائكة.

فإذا قلنا صفات الملائكة الخَلقية وصفاتهم الخُلُقلية، فلنبحث في الصفات الخُلُقية ونأتي على هذه الصفات بعد أن أكملنا ما يعلق بالصفات الخَلقية.

قلنا: خلقهم الله من النور، وجعل الله لهم الأجنحة، وبيَّنا عظم الخلق الذي اتَّصف به ملائكة الله -جل وعلا.

إذا تحدثنا عن الصفات الخُلُقية ليكون بإذن الله -جل وعلا- كالأسوة لنا والقدوة لنا في حياتنا، نتأسى بأولئك الملائكة وما جعل الله -جل وعلا- لهم من الصفات.

من أعظم ما جبلهم الله عليه: أنهم لا يملنون ولا يكلون ولا يسأمون من عبادة الله -جل وعلا- وفي ذلك تواترت الأدلة وأتت آيات الكتاب في قول الله -جل وعلا: {يُسَبِّحُوْنَ الْلَّيْلَ وَالْنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20].

وفي الآية الأخرى يقول الله -جل وعلا: {يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38].

ولقائل أن يقول: ما الفرق بين الآيتين {لَا يَفْتُرُونَ} و {يَسْأَمُونَ}؟

الآية الأولى: فيها بيان عدم انقطاعهم عن العبادة، وأن ليلهم مع نهارهم، وأن جميع أوقاتهم ودقائقهم وثوانيهم مشتغلون بعبادة الله -جل وعلا- على حين أنهم إذا أتوا إلى هذه العبادة وشرعوا في هذه الأعمال فأنهم لا يملون، لا يأتي إليهم شيء من الملل أو الضيق أو التململ حتى يريدوا الخلاص من ذلك؛ بل هم بعاها فرحون وبها منشرحون فتأنس نفوسهم وتستقر قلوبهم أو يستقرون على طاعة الله -جل وعلا.

ولأجل ذلك وصفهم الله -سبحانه وتعالى- بهذين الوصفين، لا يفترون، ولا يسأمون. فهذا من أعظم صفات الملائكة الخُلُقية وما جبلهم الله -جل وعلا- عليه من ذلك.

ولأجل هذا قيل في هذه الصفات: كثرة عبادتهم، فهم مستمرون على عبادة الله -سبحانه وتعالى- وجاء ذلك في أحاديث كثيرة تبين عن عظم عبادة الملائكة لله -جل وعلا-

لأجل هذا جاء في الحديث لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- البيت المعمور الذي في السماء الدنيا «أنه يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم»، يعني أنهم يطوفون ويقومون بعبادة الله -جل وعلا.

وفي الحديث الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئطّ، ما من موضع قدم - أو شبر كما في بعض الروايات- إلا وملك ساجد أو قائم لله» -جل وعلا.

إذن: هم لله متعبدون، هم لله -جل وعلا- قائمون بحقه، متوجهون إليه، مخلصون له العبادة، لا يفترون عن ذلك ولا يسأمون.

هم كذلك أعظم ما يكون خشية لله -سبحانه وتعالى- خشية لله -جل وعلا- فهم في خشية، في خوف، في وجل، في إقبال على الله -سبحانه وتعالى.

ولذلك قال الله في آية سورة الأنبياء {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 28]، فهم علموا حق الله -سبحانه وتعالى- وعظم الله -جل وعلا- فلم يزالوا مشفقون من خشيته، خائفون من الله -سبحانه وتعالى- مقبلون على الله -جل وعلا.

هذه وقفة لطيفة ينبغي أن نستشعرها، مع هم فيه من كثرة العبادة وعدم التخلف عن الطاعة فهم دائمي الخشية لله -سبحانه وتعالى.

فما أعظم أن يكون ذلك وازع لنا في نفوسنا أن تزيد خشيتنا لله -جل وعلا- وأن نراقب الله في أنفسنا، وأن نخشى مما اقترفته أنفسنا أو تجرات عليه ألسنتنا، أو انعقد في قلوبنا من سوء، أو مشت إليه جوارحنا من الشر والردى، ما أكثر ذلك عندنا!

فما أحوجنا إذن إلى أن نستغفر الله -سبحانه وتعالى.

وتأمل ما جاء في حديث صفوان لما ذكر صفة الملائكة وما هم عليه من الخشية، أن الله إذا تكلم بالوحي خضعت الملائكة وضربت بأجنحتها خضعانًا وخشية لله وهيبة لله -سبحانه وتعالى- يقول الراي: "كأنها سلسلة على صفوان" يعني سلسلة إذا جُرَّت وسُمِع لها صوتًا بعد صوت؛ كذلك حال الملائكة إذا خضعت بأجنحتها، وذلك قول الله -جل وعلا: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} [سبأ: 23]، آية سورة سبأ.

هذا إذن يبين عن هذه المسألة وهي ما يكون من حال الملائكة -عليهم السلام- في خشيتهم لله -جل وعلا- وكثرة عبادتهم له -سبحانه وتعالى.

ثم هم مع ذلك متأدبون بما جبلهم الله عليه من الآداب العظيمة،الآداب الرفيعة، هم عارفون بحق الله -سبحانه وتعالى- ولذلك كان من حالهم أنهم لا يتقدمون أمر الله -جل وعلا- وليسوا عنه بمتأخرين.

ألم يقل الله -سبحانه وتعالى- في سورة الأنبياء: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 27]، فهم لا يقترحون، لا يتقدمون، لا يسبقون الله -سبحانه وتعالى- بقول أو فعل، أو يتجرؤون على أمر لم يأذن الله -جل وعلا- لهم فيه.

ولأجل هذا جاء في حديث الإسراء والمعراج لما ذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أول من يُفتح له باب الجنة، فإذا طرق الباب قال: مَن،فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «محمد، فيقول: بك أمرت أن أفتح لك، لا أفتح لأحد قبلك»، فتأمل ما كان منهم من عظم الطاعة لله -سبحانه وتعالى- والاستقامة على ما أمرهم الله -سبحانه وتعالى- به.

وجاء ذلك أيضًا في الآية المعلومة المقروءة في كتاب الله -سبحانه وتعالى- لما ذكر أو قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجبريل: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا»، فأنزل الله -جل وعلا: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64].

فإذن: هملا يتأخرون إذا أمرهم الله -جل وعلا- بالنزول أو أرسلهم بالوحي، أو جاءهم أمر من أمر الله -سبحانه وتعالى- لكن لم يكن لهم ليفاتوا، أو لم يكن لهم ليتقدموا أمر الله -سبحانه وتعالى- مهما ظُنَّ فيه من الخير، أو عُلم فيه من الطعاة لله -سبحانه وتعالى.

وكمال ذلك أنهم لا يعصون الله ما أمرهم، فهم مع قيامهم بالأوامر، واستقامتهم واستجابتهم لها؛ فأنهم لا يمكن أن يحصل منه أي عصيان لله -سبحانه وتعالى- لا يكون منهم عصيان لله -سبحانه وتعالى.

وهذا يدل عليه -أيها الإخوة المشاهدون كونوا معنا، لا تغفلوا ولا تسهوا ولا تنشغلوا- أي شيء يدل على ذلك؟ لعلكم أن تحركوا ألسنتكم الآن بالآية الدالة على أن الملائكة لا يعصون الله -سبحانه وتعالى- ما الذي يدل على ذلك؟

يدل على ذلك آية سورة التحريم. عندك شيء يا عبد الحميد؟

{{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].}.

نعم، لماذك الله -جل وعلا- آيةسورة التحريم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ} قال في آخر الآية: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، هذا بيان أنه لا يحصل منهم، فلم يحصل فيما مضى، ولن يحصل فيما بقي انهميتخلفون عن الطاعة، أو أنهم يعصون الله -جل وعلا- أو يجري منهم تأخر عن أمر الله -سبحانه وتعالى- وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم.

إذن هذه من صفاتهم الخُلُقية.

لو أردنا أن نأتي على أعمال الملائكة.

أعمال الملائكة بالنظر إلى ما جاء في الأدلة هي كثيرة جدًا، لو وقفنا معها هذه الحلقة والحلقة التي تليها، والتي بعدها لرأينا أن ذلك ربما يأخذ منا وقتًا كثيرًا، الأحاديث في ذلك متوافرة ومتواردة ومتواترة في أعمال الملائكة وأن لهم وظائف يقومون بها ويؤدونها، ومنهم من يختص بوظيفة، ومنهم من يقوم بأكثر من ذلك -كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا- في بيان أعمال الملائكة.

فمن أعظم أعمالهم: ما وكل الله -جل وعلا- به الملائكة من النزول وبالوحي، فهم يتنزلون بالوحي كما جاء ذلك في كتاب الله -سبحانه وتعالى- لما قال الله في سورة فاطر: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1]. فجعلهم رسلًا يقومون بإنزال الوحي والقيام بإيصال الرسالة.

ولذلك قال الله -جل وعلا- -سبحانه وتعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس 15، 16]، والسفرة هو السفير الذي يأتي إلى..، أو يوصل ويبلغ ما أرسل به.

وهذا جاء في حق جبريل، وهو من أعظم ملائكة الله -جل وعلا- في القيام بهذا.

وأيضًا جاء ذلك في بعض الملائكة فيما أرسلوا به من الوحي، أو بعض الأمور التي نزلوا بها على إبراهيم في تبليغه بعض الأمور، ونزلوا على لوط، وحصل منهم تعذيب قومه لما تنكَّبوا عن طاعة الله -جل وعلا- وعصوا لوطًا -عليه الصلاة والسلام.

إذن: النزول بالوحي من أعظم الأعمال والوظائف التي وكلها الله -جل وعلا- إلى الملائكة.

كما قلت لكم: نحن سنأتي على بعض هذه الأعمال، ولن نأتي على جميعها، لأنه لا يتأتى لنا ذلك إلا في وقت طويل، لكن لعلنا نأتي على أكثر أو بعض هذه الأعمال.

منهم الموكل بالقطر، والأرزاق، وجاء ذلك الأدلة في السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن ميكائيل هو من وكل بالقطر والأرزاق ونحوها، وجاء أيضًا أن بعض الملائكة يُوكَّل خاصة بالسحاب وغيره.

فإذن قد يكون احد الملائكة له وظيفة، وقد يكون أيضًا معه من يعينه ويقوم معه في بعض تلك الأعمال.

أيضًا من اعمال الملائكة العظيمة الجليلة التي جاءت بها السنة: أنهم حملة العرش {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، وجاء ذلك في السنن، وكما مر بنا -وانا أريد الإخوة يتذكروا ولا ينسوا بعض الأحاديث التي جرى شيء من ذكرها فيما يدل على ذلك- فإننا ذكرنا حديث أبي داوود، تذكره يا عبد الحميد؟

{حديث أبي داوود عن عظم خلق الملائكة، معنى الحديث أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة تسعمئة عام}.

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر قال: «أذن ي أن أحدث عن ملك م الملائكة من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقيه مسيرة سبعمئة عام»، ذلك في رواية ابن أبي حاتم «تخفق فيه الطير» يعني ترع في ذلك.

فهذا بيان لحملة العرش وأنهم من الملائكة.

إذن من الأعمال التي يقوم بها الملائكة: أنهم حملة لعرش الرحمن -جل وعلا.

والله -سبحانه وتعالى- ليس بمحتاج إلى أحد من عباده ولا من خلقه، لا من الملائكة، ولا من البشر، ولا من أحد أبدًا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- يجعل ذلك إبانة عن عظمته.

من العمال أيضًا: النفخ في الصور، وهذا وكل الله -جل وعلا- به إسرافيل كما جاء ذلك في الحديث، وهذا جاء في الاستفتاح في صلاة الليل: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل»، قال أهل اعلمك انه جمع أسماء هؤلاء الملائكة الموكلون بأنواع الحياة، حياة الأبدان، وحياة القلوب، الحياة بعد الممات، لأنه من أعظم مايجتمع أو المراد من الإنسان إحياء قلبه بقيام الليل فناسب أن يكون ذلك بالاستفتاح بذكر الملائكة الذي جعلهم الله -جل وعلا- لهذه المهمة، ولذلك الواجب.

أيضًا هم موكَّلون بقبض الروح، وفي ذلك أحاديث يعلمها كثير من الناس،كثير من الإخوان، ما جعله الله -جل وعلا- للملائكة من قبض الأرواح.

وقبضهم للأرواح ليس على هيئة واحدة،بل ذلك يختلف حاله بحال أهل الإيمان من حال أهل الظلم والطغيان، فإن الله -جل وعلا- وصف ذلك في كتابه {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [فصلت 30، 31].

قالوا: حينما تحضر أهل الإيمان سكرة الموت يحضر إليه الملائكة فيبشرونه بروح من الله -جل وعلا- ورحمة ورضوان من الله -سبحانه وتعالى- ومنَّة، فيكون ذلك من أعظم ما يكون من التسهيل والتيسير عليهم، فنعم من كانت هذه نهايته، ومن كانت هذه خاتمته، ومن جعل الله -جل وعلا- له بشارة من ملائكته.

في المقابل لذلك ما يكون من قبض أرواح أهل الظلم، اهل الطغيان، أهل الكفر بالله -جل وعلا- فإن الله وصف ذلك في كتبه في غيرما آية من كتاب الله -جل وعلا- ومن أعظمها ما جاء في قول الله -جل وعلا: {وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]، هذه آية سورة الأنعام في الإبانة عن قبض أرواح الكفرة.

ولك أن تتأمل ما بين هذا وبين تلك من الفرق.

وأيضًا عظم نعمة الله على عباده بأن يسر لهم إذا كانوا من أهل الإيمان به، وعظم حال الملائكة ومحبتها لأهل الإيمان، وقيامها بحقهم، حتى أنهم يكونون ألطف ما يكونوا معهم في قبض أرواحهم وخروجها من أبدانهم.

أيضًا من الأعمال التي جاءت بها أو دلت عليها الدلة في حال الملائكة هو: منهم ما هو موكل بالجبال، وهذا أيضًا فيه بيان عظم الملائكة.

ومما يدل لذلك، ولعلكم تتذكرونه أيها الإخوة في قصة من سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في يوم من أعظم الأيام، وفي حال من أعظم الأحوال التي مرَّ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان يوم العقبة، وكان يعرض نفسه على الناس والناس يعرضون عنه ولا يقبلون منه حتى مشى وهو سائر لا يدري أين طريقه، حتى خرج من مكة إلى قريب من الطائف، فما شعر إلا وسحابة تظله، فنزل عليه جبريل فقال: «إن ملك الجبال معي، فمره بما تشاء، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، يعني الجبلين العظيمين حتى ينتهوا عن بكرة أبيهم، فكان من شفقته النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته التي جبلها الله عليه في كتابه كما قال -سبحانه وتعالى- {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، فقال: «لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا»، يعني يقوم بتوحيده ويحقق الإيمان به ويستقيم على أمره -سبحانه وتعالى.

فهذا هو حال نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو بيان الدليل في ذلك.

على كل حال: أيضًا من الأعمال التي جاءت بها أو دلت عليها الأدلة أعمال كثيرة، منها على سبيل المثال: حراستهم لبني آدم. فإن ذلك جاء في آيات من كتاب الله -جل وعلا- {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله} [الرعد: 11] -سبحانه وتعالى.

فذكر المفسرون، جاء ذلك عن ابن عباس، وجاء عن علي -رضي الله تعالى عنه- أنه أمامه ملك وخلفه ملك يحفظونه، حتى إذا أراد الله -جل وعلا- له شيئًا أو قدَّر عليه أمرًا خلَّوا بينه وبين قدر الله -سبحانه وتعالى.

ففي هذا إبانة لما ذكرنا لكم من أنهم يحفظونه من أمر الله -سبحانه وتعالى- وحراستهم له.

كذلك جاء أيضًا على وجه الخصوص: حراستهم لنبينا -صلى الله عليه وسلم- فإنكم تعلمون ما جاء في السيرة لما أراد المشرون انيتسلطوا على نبينا -صلى الله عليه وسلم- وكان أعظهم في ذلك تسلطًا وأبعدهم شأنًا أبو جهل، لما ذُكرَ له أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يسجد بين أظهرهم، قال: "لئن رأيته لأطأن على عاتقه ورقبته"، فلما ذكر له انه ساجد في ذلك الوقت قائم يصلي جاء أبو جهل ليفعل فعلته الشنعاء والشنيعة والبلية، فما كان منه لما قرُبَ من النبي -صلى الله عليه وسلم- رأوه يرجع وهو رافع يديه، فذكر له ذلك فقال: إني رأيت نارًا أو هولًا عظيمًا وأجنحة.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «لو اقترب لتخطفته الملائكة -أو- لذهب عضوًا عضوًا»، أو كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم.

هذا يدل على حراستهم لنبينا -صلى الله عليه وسلم- على وجه الخصوص.

أيضًا ما ورد في ذلك من حراستهم للمدينة ومكة لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حال الدجال وأنه ياتي إلى كل الأرض يطوف البلدان إلا مكة والمدينة، فإنه على كل نقض منها ملك يحرسها يبعد الدجال ويمنعها من كل شرٍّ وبلاء، وجاء ذلك في غير ما حديث، وذكره أهل العلم في فضائل المدينة ومكة في الكتب المختصة بذلك.

إذن هذا نوع من اعمال الملائكة.

هل تريدون أن نستطرد في بعض هذه الأعمال أو نذكر شيئًا منها غير التي ذكرناها هنا وغير التي سمعتموها في هذا المقام؟

على سبيل المثال أيضًا: ما يحصل من استغفارهم للمؤمنين.

جاء ذلك في كتاب الله، جاء ذلك في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنه كما قال الله {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ} [الشورى: 5]، وكما قال الله -جل وعلا- {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً} [غافر: 7]، فذكر استغفارهم للمؤمنين، وما جاء أيضًا في استغفارهم لبعض أهل الإيمان لما كان منهم مثلًا مَن يبقى في المسجد، «فلا تزال الملائكة تصلي عليه وتدعو له اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث أو يقم من مصلاه».

فهذا أيضًا نوع من أعمالهم -عليهم السلام- وقيامهم بالمهام التي أنيطت بهم ووكلت إليهم في قيامهم بحق أهل الإيمان.

كذلك ما يحصل من -على سبيل المثال- دعاؤهم للمؤمنين، وتأمينهم على دعاء المؤمنين، تعرفون الحديث الذي جاء في ذلك «دعوة المسلم لأخيه في ظهر الغيب مستجابة، فإن معه ملك يؤمن يقول: آمين، ولك بمثل»، فهذا يدل على ما ذكرنا، وأنهم يؤمنون على الدعاء.

فجاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، فهم يؤمنون على الدعاء.

وجاء ذلك أيضًا في قوله «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد. فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنيه». هذه إذن أشياء كثيرة تدل على هذا المعنى وهو مشاركتهم لأهل الإيمان في دعائهم وتأمينهم على ذلك مما يدل على عظم أمر الملائكة وفضلهم -عليهم السلام.

كأني بك يا عبد الحميد عندك سؤال.

{أيضًا من الأعمال: يحفُّون حِلَق الذكر}.

أحسنت أحسنت، هذه وظيفة من وظائفهم وعمل من أعمالهم الذي أفادنا به أخونا عبد الحميد من أنهم يحفون مجالس الذكر، فنرجوا الله -جل وعلا- أن يجعل هذا المجلس من مجالس الذكر التي تحفنا فيها الملائكة وتحفكم أيها المشاهدون والمشاهدات.

وما نحتاج إلا أننخلص النية لله -سبحانه وتعالى- في إرادة التزود من العلم والاقتفاء للسنة حتى ندرك بإذن الله -جل وعلا- تلك المنزلة.

فإن الأحاديث الدالة على ذلك: حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».

وليس ذلك مختص ببيوت الله -جل وعلا- بل جاء في الحديث الآخر: «أن لله ملائكة طوافين يسعون في الأرض، حتى إذا وجدوا مجلس ذكر قالوا: هلموا إلى حاجتكم». فلتفنى المجالس التي لا يُراد بها وجه الله والتي لا يراد بها ذكر الله -جل وعلا.

ولتعلموا أن من جلس على غناء أو طرب أو جلس على بعض المسلسلات، أو جلس مع الأصحاب يقولون أو يتحدثون أو يسمرون أو يسهرون؛ فلن يبلغوا مجلسًا كهذا المجلس، وهو المجلس الذي يُذكر الله فيه، وقد حفت الملائكة ونزلت الرحمة وعظم الخير.

أعمال الملائكة -كما قلنا- هي أعمال كثيرة جدًا، لعلي أن أختصر وأنا أذكر بعض الأعمال على شيء من الاختصار أيضًا، لأن الوقت في ذلك يداهمنا.

لو أردنا أيضًا أنهم كانوا حاثِّين للإنسان في الخير، فتعرفون دعاء الملائكة «اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا»، وما يكون منهم أيضًا من تدوين أعمال بني آدم، {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، يكتبون كل شيء.

وقال المفسرون في هذا: أنهم يكتبون كل شيء، حتى يكتبوا -كما جاء عن ابن عباس- قول القائل: ذهبت، جئت، أكلت، شربت، ظمئت. يقول: حتى إذا جاء الاثنين والخميس في عرض الأعمال نُظر ما كان منها صالحًا فأثبت، ونُظر ما كان منها سيئًا فأثبت، ثم ما كان دون ذلك ألقي، وذلك قول الله -جل وعلا: {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39].

وفي هذا لطيفة جميلة ما احسن إيرادها في هذا الموطن: الإمام أحمد -رحمه الله تعال- لما حضرته الوفاة كان يئن، فبلغه عن طاووس أن الملائكة تكتب الأنين. يقولون: فكتم أنينه حتى قُبضَ ولم يئن بعد ذلك. لعظم خوفه من الله -جل وعلا- أن يُكتب عليه شيء فيكون ذلك تحسرًا وندمًا، أو شيئًا مما يضر بكمال إيمانه ورضاه بقضاء الله -جل وعلا- وقدره.

إذن هذا نوع من اعمال الملائكة -عليهم السلام.

من الأعمال التي تقوم بها الملائكة في البشارة لأهل الخير بالصالحات، ذولك آتٍ في قول الله -جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا} [فصلت: 30]، قال أهل التفسير انها بشارتهم عند مماتهم بما يلقونه من رضوان الله -جل وعلا- ورحمته.

وأيضًا ما جاء في بشارته لخديجة لما بشروها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فبه ولا نصب.

لما بشروا ذلك الرجل الذي زار اخًا له في الله، فكان يمشي فانزل الله في مدرجته ملكًا فسأله: إلى أين تذهب؟ قال: إلى أخي في الله. قال: هل له عليك نعمة فتردها أو دينًا تقضيه أو كذا؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله. فبشره الملك بأن الله يحبه.

إذن هذا من الرسالة.

كما قلت يعني لو ذكرنا العمال التي يعملها الملائكة فهي كثيرة جدًا، ربما يتعثر علينا حصرها، سواء بعض الأعمال لخاصة الملائكة كجبريل في كونه يعارض النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن يعني يدارسه القرآن أو يرقيه، لما قال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك»، المهم أن في ذلك أعمالًا كثيرة جليلة.

نحن قبل هذا المقام، وقبل هذا لحديث لربما سمع الإنسان مثل هذه الأحاديث مفرقة، لكنه لم يجمعها في وحدة كاملة فيعلم عظم هؤلاء الخلق وهم ملائكة الله -جل وعلا- وما جعلهم الله -جل وعلا- لهم من الأعمال ومن الوظائف ومن المهام التي بها تدار الدنيا والآخرة، كلفهم الله -جل وعلا- به من الأعمال.

ومن أعظم ذلك: ما جاء في الحديث العظيم «أن النار لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها»، يعني أربعة ملايين وتسعمئة مليون هؤلاء الذين يجرون النار، نسأل الله السلامة والعافية.

إذا ذكرنا ذلك فنحن في الحقيقة أيها الإخوة نذكر أمرًا مهمًا وهو ما ينغي لنا تجاه ملائكة الله -سبحانه وتعالى- هذه ذكرناها قبل أن ننتهي، ذكرنا حفظهم للعباد، خزنة الجنة وخزنة النار، هذا جاء فإن الملائكة ذكرنا بعض أسمائهم نكملها الآن، وهم:

مالك: من خزنة النار، كما قال الله -جل وعلا: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77].

وخازن الجنة: رضوان. كما جاء ذلك مصرحًا به في بعض الأحاديث.

على كل حال نأخذ هذه على وجه الاختصار أو الإجمال.

ما الذي نبغي لنا تجاه الملائكة؟ مع ما ذكرناه من الإيمان بهم على مامرَّ بنا فيما مضى فإنه مسألة مهمة، وهو: انه جاء عن أهل العلم الإبانة عند قدرهم، وعدم إيذائهم، أو التفريق بينهم، وموالاتهم جميعًا.

لماذا نقول: وموالاتهم جميعًا؟ لأنه جاء عن بعض أهل الفرق كاليهود -نسأل الله السلامة والعافية- يتولون بعض الملائكة ويتبرؤون من بعض، فجاء عنهم أنهم يتولون ميكائيل وتبرؤون من جبريل، فأنزل الله -جل وعلا: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله} [البقرة: 97]، ثم قال الله -جل وعلا: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98]، فأبان بهذا حق الملائكة وقدرهم في ذلك.

ولهذا نقل القرافي، أونقل السيوطي عن القرافي: انه لا يجوز انتقاصهم أو وصمهم بما يكون فيه أذية لهم، وأن ذلك قد يبلغ بالعبد درجة الكفر بالله -سبحانه وتعالى.

وأيضًا مما ينبغي في هذا: العلم بأن الإنسان ينبغي أن يتبرأ من الذنوب والمعاصي، لأن الملائكة -كما جاء ذلك في الأحاديث- أنهم يبعدون عن أماكن المعاصي والقذر والسوء والفحش، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن «الملائكة لا تدخل بيت فيه كلب ولا صورة ولا تمثال».

وجاء في بعض الأحاديث: «أن الملائكة تتأذى مما يتاذى به بنو آدم» من روائح البصل والثوم ونحوها من البقول، فمن أراد درجة في الإيمان يتقرب إلى الله -جل وعلا- فإن من أنواع التقرب عدم أذية الملائكة، وطلب قربهم منه، لأن قربهم من الإنسان حفظ له وحصول للخير ودلالة عليه. هذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام.

لربما أرنا فيما مضى أيها الإخوة إلى مسألة مهمة وهي يعني شائعة فلذلك لابد من الإشارة إليها في هذا المقام، وهو: التفضيل بين الملائكة وصالحي البشر.

هذا الكلام فيه قديم، نقل عن عمر بن عبد العزيز؛ بل نقل عن بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- والكلام في ذلك طويل، لكن نقول: أن من أهل العلم من قال أن صالح البشر أفضل بدلالة أن الله -جل وعلا- خلق بني آدم بيده وجعل منهم الأنبياء والرسل، وأن الله -جل وعلا- أكرمهم بالتكليف، وجعل مآلهم إلى الجنان والرضوان بإن الله -جل وعلا.

ومنهم من فضل الملائكة لأن الله قال في الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»، لكن هذا التفضيل إنما هو محدود بشيء معين، فقد لا يكون ذلك عامًا في كل أمرز

ابن تيمية له طريقة في التوفيق بين القولين، فقال: باعتبار البداية أو الابتداء فإن الملائكة أفضل، فأنهم نزهون عن المعاصي، بعيدون عنها، {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، مستقيمون على طاعة الله -جل وعلا.

باعتبار الانتهاء ودخول المؤمنين الجنان وما آل إليه أمرهم من الاستجابة لله -جل وعلا- مع ما جبلوا عليه من الشهوة ونحوها حتى قوُّوا أنفسهم واستقاموا على طاعة الله -جل وعلا- فأنهم أفضل باعتبار الانتهاء.

هذا التوفيق بين القولين، وابن القيم -رحمه الله تعالى- عرض له بعرض جميل، وصار إلى ما صار إليهشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.

لعلنا أيضًا نشير إلى مسألة مهمة نحتاج إليها في مثل هذا المقام، وهو: ما الفرق بين الملائكة وبين الجن؟

الحقيقة أنه وجه للمقارنة أو المقاربة بينهما سوى أن الجميع عالم غيبي، واما الملائكة فقد سمعنا حالهم وما جعل الله -جل وعلا- لهم من الطاعة والامتثال والوظائف والمهام.

اما الجن فأنهم مكلفون، منهم الصالح ومنه الطالح، ومنهم من يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار، نسأل الله السلام والعافية.

فإذن لا ينفقون مع الملائكة إلا في كونهم خلق من خلق الله -جل وعلا- وهم عنا مُغيَّبون، وإلا فالفرق بينهم كبير.

ثم هؤلاء خلقهم الله من نور، وهؤلاء خلقهم الله من النار -كما جاء ذلك في الحديث الذي معنا.

فإذن لا مقارنة ولا ينبغي أن يُجعل المر في وجه واحد أو في حالواحدة.

بعض الناس يقول يعني الأرواح الطيبة هي الملائكة، والأرواح الخبيثة هي الشياطين، ليس كذلك؛ بل الجن عالم آخر له أحكامه، ولهم تكاليفهم ولهم أمورهم وخصائصهم، والملائكة على ما ذكرنا.

بقي مسألة واحدة مهمة للغاية، أرجو أن يتسع لها الوقت بإذن الله -جل وعلا- قبل أن نأتي إلى الأسئلة.

وهي: أثر الإيمان بالملائكة.

نحن مؤمنون بالملائكة ليس فينا بإذن الله -جل وعلا- أحد يرد إلى قلبه شك أو يزاوره شيء من الحيرة أو التردد أو الاختلاف في الإيمان بالملائكة اعتبارًا بما قلت؟ لا، اعتبارًا بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الأدلة الكثيرة، ونحن بكتاب الله مصدقون، ولسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- متبعون، لا نتأخر، لا نتوانى، لا نتخلف، لا نتقاصر عن الاستجابة لأمر الله، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى وإن كانوا هنا مغيَّبين، حتى ولو لم نرَ لهم أثرًا أو نقع لهم على شيء من الأمور التي تدلنا عليهم، فحسبنا وكفانا كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم.

ما الآثار التي يجعلها أو يبقيها الإيمان بالملائكة في قلوبنا؟

أولًا نقول: أن الإيمان بالملائكة إيمان بالغيب، وحسبنا أن ذلك درجة رفيعة تبلغ العبد بإذن الله -جل وعلا- منزلة، تبلغ الإنسان بإذن الله -جل وعلا- منزلة ودرجة عند الله -سبحانه وتعالى- رفيعة لا يتم إيمان الإنسان حتى يحقق هذه المنزلة.

الأمر الثاني: أن الإنسان في مثل هذا يعلم عظم الله -سبحانه وتعالى- وعظم خلقه، وعظم ما في هذه السماوات وما في هذه الأراضين من الخلق ومن البشر، ومن الإنس ومن الجن، ومن الملائكة، وما صرَّفهم الله -جل وعلا- عليه من التصريفات، فهؤلاء لهم شان، وهؤلاء لهم شان، وهؤلاء لهم أمر، وهؤلاء لهم طريقة، وكل يجري في ميدانه ويعمل في سبيله، والله -سبحانه وتعالى- يتولى أمور هؤلاء الخلق كلهم، كما قال -سبحانه وتعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. سبحانه وتعالى.

إذا أيضًا آمن الإنسان بالملائكة ثمنظر إلى حالهم وإلى استجابتهم لله -جل وعلا- وقع في نفسه من الهوان، ووقع في نفسه من الانكسار والذل لله -جل وعلا- وهو يرى فيها من التقصير، يرى فيها من التخاذل، يرى فيها من التأخر، يرى فيها من التقصير في طاعة الله -جل وعلا- ركعتان في أول اليوم لربما تأخر عنها فنام، وأربع ركعات في وسط النهار لربما تثاقل عنها وبقي في بيته، واجبات يسيرة نتخلف عنها؛ فكيف بأقوام، أو فكيف بملائكة الله الذين لا يتأخرون عن الطاعة وليلهم ونهارهم كله طاعة واستجابة لله -سبحانه وتعالى.

إذا علم أنهم لا يفترون عن الذكر، فمن منا يذكر الله ولو لعشر دقائق في كل يوم، يسبح الله، يذكر الله، يستغفر الله، يقرأ القرآن؟!

إذن مثل هذا يحفزنا، يحثُّنا، يزيدنا من الاستجابة لأمر الله -سبحانه وتعالى.

وفي هذا أيضًا يعلم الإنسان أن الله غني عن عباده، فعني عن عبادتي وغني عن عبادتك، لأن الله -جل وعلا- عنده خلق يعبدونه لا يفترون، فذكرنا من أعدادهم وعظمهم وكثرتهم ما سمعتموه في هذا.

فإذن العبادة ليس لأن الله -جل وعلا- محتاج إليها، ولكن الله يبتلي بها عباده ليرى منهم من يستجيب لأمره ويستقيم على طاعته، ومن يتنكب عن ذلك، فيجازي المطيعين ويعاقب المسيئين -سبحانه وتعالى.

أيضًا من آثار الإيمان بالملائكة: زيادة الإيمان، فإن الإنسان إذا علم انه معه من يكتب قوله، ومن يرصده في خلونه، ومن يكون معه في جلوته، فإن معه من يكتب إن همس همسة أو نظر نظرة أو فعل فعلة، حضره أبوه أو غاب عنه، راقبته أمه أو لم تكن معه،كان في المكان كاميرات أو آلات مراقبة أو تصوير أوغيرها، يعلم أن الله -جل وعلا- مطلع على سريرته، معه من الملائكة من يقومون به، وفي ذلك أيضًا يعلم الإنسان أنه وإن احلولكت به الأمور أو اشتدت به المصابات؛ فإن الله معه، لأن الملائكة يحفظون عباد الله -جل وعلا- كما ذكرنا {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} [الرعد: 11]، فلا يخاف الإنسان حت ولو اشتدت به المور أو عظمة به المصابات.

ولذلك جاء فيما نقله ابن عساكر وغيره في ذلك الرجل الذي كان يكري ويذهب بين المدن، فركب معه شخص حتى إذا كان في البرية أخرج عليه سكينًا فأراد قتله، فقال: خذ بغلتي وخذ مالي واتركني. قال: لا، حتى أقتلك. قال: فدعني أصلي ركعتين، فتذكر قول الله -جل وعلا: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62]، ونسي كل شيء من كتاب الله إلا هذه الآية،فما هو إلا أن دعا دعاءً عظيمًا ذكره ابن القيم وذكره غيره، فقال: "يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني"، فإذا فارس على حصان أبيض جاء فقتل ذلك الرجل فخلصه مما أصابه.

إذن:هذا حفظ الله -جل وعلا- لعباده، فنحن لا نخاف، اشتدت بنا الأمور، عظمت بنا المصابات، تكاتلت علينا الأشياء؛ فإن الإنسان يعلم حفظ الله لعباده.

آثار الإيمان بالملائكة كثيرة، المقام يطول بذلك. إن استطعنا في استهلالة اللقاء بإذن الله -جل وعلا- نثير بعض هذه الآثار، ولكن لعلكم أيضًا أن تتأملوا وتتزودوا وتنظروا في بعض الآثار التي يكون من آثار الإيمان بملائكة الله -جل وعلا.

لعلنا بإن الله أن نأتي على الأسئلة، لأن الأسئلة مهمة،واظن أننا نسيناها في الدرس الماضي.

هذه ندى تقول: ذكرتم في اللقاء الاضي أن من الإيمان بالملائكة أنهم يموتون. فما دليل ذلك -بارك الله فيكم؟

أقول: أولًا شكر الله لها سؤالها، لأنه دليل على اهتمامها، وإن كان أظن أنها قد سهت قليلًا في الدرس الماضي، لأننا ذكرنا الدليل على ذلك، فالأدلة على ذلك مثل قول الله -جل وعلا: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88].

قول الله -جل وعلا: {كل من عليها فان كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} [الرحمن 26، 27]، فدل الاستثناء على أنه لا يبقى إلا الله -سبحانه وتعالى.

أيضًا: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الزمر: 68]، فجاءت الآية بذكر من في السماء ومن في الأرض على حدِّ سواء.

سُليمة من الجزائر تقول: يا شيخ كيف يكون الجمع بين الخوف من الموت والاجتهاد في العلمل في الدنيا؟

أنا بودي أن أنبه الإخوة قدر الاستطاعة أن يكون عملنا أو أسئلتنا منصبة في درسنا حتى يكن ذلك أنفع للإخوة جميعًا.

الخوف من الموت والرجاء هما كجناج طائر، يكون الإنسان دائمًا مستخضرًا لهما على حدٍّ سواء، ثم هو يجتهد في الأعمال، ويرجو الله -جل وعلا- التوفيق والإعانة {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

هل الملائكة تنام؟

لم يأتِ في الدلة ما يدل على شيء من ذلك؛ بل ظاهر الأدلة على أنهم لا يتغوطون ولا يأتي منهم شيء من القذر، وأنهم لا يفترون عن عبادة الله -جل وعلا- ولا يسأمون،فدل هذا على أنهم لا ينامون.

هل تبقى الحفظة مع العبد إذا دخل الخلاء؟

ظاهر الأدلة: أنها لا تفارقه في مكان من الأمكنة {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، لكن هل يكونون خارج الخلاء أو داخله؛ لا يحضرني في ذلك الكلام المحقق عند أهل العلم،لكن لعلنا أن نأتي به.

وعلى كل حال: ذلك لا يؤثر لأنه بلا شك أنهم لا يفوت عليهم شيء، كما قال الله -جل وعلا: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49].

السؤال الأخير وهو مهم: عابد السيد من السعودية، ما الكتاب الذي نتابع منه المنهج. وجزاكم الله خيرًا؟

الحقيقة أن الكتاب يمكن المتابعة في مختصر معارج القبول -هذا سؤال مهم جدًا- كتاب "أركان الإيمان الستة" للشيخ عبد الله القصير كتاب مختصر وفيه حملة من هذه المسائل.

لعلي أيضًا أنا انظر في بعض الكتب التي تكون مناسبة لكم، فيه كتاب أيضًا "أركان الإيمان" للشيخ ابن عثيمين.

وفيه كتب كثيرة، سأنظر في أحسنها، لكن اظن أنه من أوسعها وأبسطها "معارج القبول" وتلخيصه.

أسأل الله -جل وعلا- أن يزيدكم من فضله، وأن يوفقنا وإياكم لطاعته، وإلى لقاء آخر.

أترككم في عناية الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه السيرة

د. عبد العظيم بدوي

الدرس الأول

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، وعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم مرحبًا بكم أيها الحبة الكرام في هذه اللقاءات التي سنتدارس فيها -إن شاء الله تعالى-سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا بهذه الدراسة، وأن يرزقنا التأسي والاقتداء والاهتداء بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم.

فإن هذا -بارك الله فيكم- هو المقصود من دراسة السيرة، المقصود من دراسة السيرة هو حصول التاسي بصاحب هذه السيرة الزكية العطرة -صلى الله عليه وسلم- كما أمر الله -عز وجل- في قوله {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].

إن شاء الله تعالى سنتحدث في هذا الدرس الأول عن نسب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وميلاده، ورضاعه، وكفلائه بعد وفاة أبيه على نبينا -صلى الله عليه وسلم.

وقد يتسع الوقت فتزيد بعض العناصر، وقد يضيق الوقت فتقل بعض العناصر، لكن هذا ما نريد أن نتحدث عنه -إن شاء الله تعالى- في هذا الدرس الأول من هذه الدروس المباركة -إن شاء الله- في سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام.

وقبل أن نبدأ في ذكر العناصر التي أشرنا إليها في هذا الدرس أرى أن نذكر شيئًا من فوائد دراسة السيرة بعد أن لمَّحتُ إلى المقصود الأعظم منها، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

إن خير ما يتدارسه المسلمون ولا سيما الناشئون والمتعلمون، ويُغنَى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية، إذ هي خير معلم ومثقِّفٍ ومُهذِّب ومؤدِّب، وهي آصل مدرسة تخرج فيها الرعيل الأول من المسلمين والمسلمات الذين قلَّما تجود الدنيا بأمثالهم.

ففي السيرة ما ينشده المسلم وطالب الكمال من دين، ودنيا، وإيمان، واعتقاد، وعلم، وعمل، وآداب وأخلاق، وكياسة، وإمامة، وقيادة، وعدل، ورحمة، وبطولة، وكفاح، وجهاد، واستشهاد في سبيل العقيدة والشريعة، والمُثُل الإنسانية الرفيعة، والقيم الخلقية الفاضلة.

لقد كانت السيرة النبوية مدرسة تخرج فيها أمثل النماذج البشرية وهم الصحابة -رضوان الله عليهم اجمعين- فكان منهم الخليفة الراشد، والقائد المحنك، والبطل المغوار، والسياسي الداهية، والعبقري الملهم، والعالم العامل، والفيقه البارع، والعاقل الحازم، والحكيم الذي تتفجر من قلبه ينابع العلم والحكمة، والتاجر الذي يجول أو يجول رمال الصحراء ذهبًا، والزارع والصانع اللذان يريان في العمل عبادة، والكادح الذي يرى في الاحتطاب -أن يحمل الحطب من الصحراء ويبيعه- عملًا شريفًا يترفع به عن سؤال الناس، والغني الشاكر الذي يرى نفسه مستخلفًا في هذا المال الذي بين يديه، ينفقه في الخير والمصلحة العامة، والفقير الصابر الذي يحسبه من لا يعلم حاله غنيًا من التعفف.

وكل ذلك كان من ثمرات الإيمان بالله وبرسول الله -صلى الله عليه وسلم.

وبهذا كانوا الأمة الوسط، وكانوا خير أمة أخرجت للناس.

لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلامية يدركون ما لسيرة خاتم الأنبياء، وسير الصحابة النبلاء من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام والتضحية في سبيلها بالنفس والمال، فمن ثمَّ كانوا يتدارسون السيرة ويحفظونها ويلقنونها للغلمان كما يلقنونهم السور من القرآن، كما رُويَ عن زين العابدين علي بن الحسين -رضي الله عنهما- قال: "كنا نُعلَّم مغازيَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما نُعلَّم السورة من القرآن".

فمااجدر المسلمين في حاضرهم رجالًا ونساءً، وشبابًا وشيبًا أن يتعلموا السيرة ويعلموها غيرهم، ويتخذوا منها نبراسًا يسيرون على ضوئه في تربية الأبناء والبنات، وتنشئة جيل يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بالإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، والتضحية بكل شيء في سبيل سيادته وانتشاره، لا يثينهم عن هذه الغاية الشريفة بلاء وإيذاء، ولا إطماع وإغراء.

ولسنا نريد من دراسة السيرة النبوية، سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسِيَرِ الرعيل الأول وهم الصحابة الكرام؛ لسنا نريد من هذه الداسة أن تكون مادة علمية يجوز بها طلاب العلم في المعاهد والمدارس والجامعات الامتحان، أو الحصول على الإجازات العلمية، أو أن تكون حصيلة علمية نتفيهق بها ونتشدق في المحافل والنوادي وقاعات البحث والدرس وفي المساجد والجوامع؛ كي نحظى بالذكر والثناء، وننزع من السامع مظاهر الرضا والإعجاب، ليس هذا هو المقصود من دراسة السيرة.

ولكنا نريد من هذه الدارسة أن تكون السيرة مدرسة نتخرج فيها كما تخرج السادة الأولون، وان نكون مُثُلًا صادقة لصاحب الرسالة -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم- في إيمانه وعقيدتهم، وفي علمهم وعملهم، وأخلاقهم وسلوكهم، وسياستهم وقيادتهم حتى يعتز بنا الإسلام كما اعتز بالسابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين.

ونكون في حاضرنا كما كانوا هم خير أمة أخرجت للناس بشهادة رب الناس، ملك الناس، إله الناس -سبحانه وتعالى- حيث خاطبهم بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

فهذا هو المقصود أيها الأحبة من دراسة السيرة، أن تعلم وأن نعمل، ونتأدب، وتخلق، وأن نتأسى برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الصغيرة والكبيرة، في عبادته لربه، ومعاملته للناس، ومعاملته لأهله في بيته، ولأطفاله وأحفاده، وللصغير والكبير من عموم الناس أجمعين.

وبعد أن عرفنا هذه الفوائد من دراستنا لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- نبدأ بذكر نسبه الشريف -صلى الله عليه وسلم- فنقول:

ذكر الإمام البخاري -رحمه الله- نسب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف" وعدَّ من آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- نحوَ العشرين أبًا، وانتهى إلى عدنان.

وهذا النسب الزكي متفق عليه بين علماء الأنساب إلى "عدنان".

قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: "أجمع العلماء على أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما انتسب إلى عدنان ولم يجاوزه"، يعني لم يتعداه إلى غيره".

وأما من بعد عدنا من آباء النبي -صلى الله عليه وسلم- مختلف فيهم، وإن كان النسابون اتفقوا على أن عدنان ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام- فإسماعيل هو جد النبي الأعلى، وقد انتقلت إليه منه بعض الصفات الجسمانية.

ففي الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر إبراهيم -عليه السلام- قال: «وإنه لأشبه الناس بصاحبكم»، «وإنه» يعني إبراهيم «لأشبه الناس بصاحبكم».

فالنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- أبوه الأعلى إبراهيم الخليل -عليه السلام.

ولم يزل -صلى الله عليه وسلم- ينتقل من أصلاب الآباء الطيبين إلى أرحام الأمهات الطاهرات، ولم يمس نسبه من سفاح الجاهلية شيء، بل كان بنكاح صحيح على حسب ما تواضع عليه العرب الشرفاءحتى خرج من بين أبويه الكريمين.

وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، ورواه الترمذي في سننه بزيادة في أوله، قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل».

والمراد بالاصطفاء: تخيُّر الفروع الزكية من الأصول الكريمة تخيرًا مبناه الخلاق الكريمة، والفضائل الإنسانية السامية، والطباع الفطرية السليمة، وينضم إلى ذلك بالنسبة إلى إسماعيل والنبي -عليهما الصلاة والسلام- اصطفاء النبوة والرسالة.

وإذا كان الله -سبحانه تعالى- قد جرت سنته ألا يبعث نبيًّا إلا في وسط من قومه شرفًا ونسبًا، فقد كان النبي -عليه الصلاة والسلام- في الذروة من هذا كله، فما من آبائه إلا كان مليًّا بالفضائل والمكارم، وما من ام من امهاته إلا وهي أفضل نساء قومها نسبًا وموضعًا، وتزل الفضائل والكمالات البشرية تنحدر من الأصول إلى الفروع حتى تجمعت كلها في سلالة ولد آدم ومصاصة بني إبراهيم وإسماعيل محمدٍ بن عبد الله الأمين -صلى الله عليه وسلم.

وليس من شك في أن النسب الكريم إذا زانه الحسب العريق؛ كان ذلك من أسباب الكمال ووراثة الصفات الخَلقية والخُلُقية، والخصائص النفسية والعقلية أمر مقرر معلوم، وقد دلَّ على هذه الوراثة قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي جاء يشكو أن امرأته وضعت غلامًا أسود، والرجل -الأب- ليس أسود، فكيف يجئ الولد أسود من أبٍ أبض؟!

فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- للرجل الذي كاد يشك في امراته: «هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: وما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق -الأورق ما لونه مختلط- قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟» إذا كانت إبلك حمر وعندك جمل لونه مخلط أورق، فكيف جاء هذا؟ فقال الرجل: «لعله نزعه عرق. قال -صلى الله عليه وسلم: فلعل ابنك هذا نزعه عرق».

وقد ورث -صلى الله عليه وسلم- من آبائه كل المكارم وكل الفضائل في الجسم والعقل والدين والخلق والنسب ولحسب -عليه الصلاة والسلام.

فهذا ما أردنا تعريفكم به من نسب النبي -صلى الله عليه وسلم.

{بسم الله الرحيم.

بعد أن عرفنا النسب الشريف، نريد نستوضح: هل النسب ينفع صاحبه إن لم يكن معه إيمان أو عمل صالح؟}.

الشيخ:

نعم، النسب له مكانته عند العرب قبل الإسلام، وقد كان النسب والحسب هو المقدم على كل شيء، فلما جاء الإسلام أراد أن ينزع منهم الفخر بالحسب والنسب، وأن يبين لهم أن منزلة الناس عند الله -سبحانه وتعالى- إنما هي بالإيمان والدين.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وبينما النبي -عليه الصلاة والسلام- جالسًا يومًا وعنده رجل مرَّ رجل، فقال -عليه الصلاة والسلام- لجليسه: «ماذا تقول في هذا؟ فقال: هذا رجل من أغنياء الناس، هذا حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفَّع، وإن قال أن يُسمَع لقوله. فسكت -عليه الصلاة والسلام- ثم مرَّ رجل آخر فقال -عليه الصلاة والسلام- لجليسه: ماذا تقول في هذا؟ فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكَح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُسمع لقوله. فقال -صلى الله عليه وسلم مصححًا للمفاهيم- هذا -أي الفقير- خير من ملء الأرض مثل هذا».

فلما نزع النبي -صلى الله عليه وسلم- من قلوب أصحابه الفخر بالحسب والنسب وتقدير الناس وتقييمهم بهذا الميزان، ورسخ الميزان صحيح {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، بعد ذلك بين أن الحسب والنسب لا شك أن له أثر في حياة الناس، وله قيمة في حياة النس إذا صاحبه الإيمان والتقوى.

ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام: «تنكح المراة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها»، فالحسب والنسب مع الدين لا شك أن له قيمة في حياة الإنسان وأثر في سلوكياته.

أما إذا خلا الحسب والنسب من الدين ومكارم الأخلاق والعمل الصالح فلا قيمة له.

ولذلك جاء في الحديث: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101].

ننتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني وهو: ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- فنقول وبالله تعالى التوفيق:

من المعلوم المشهور عند الصغير والكبير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولد عام الفيل، فهذا شيء مشهور عند الصغار والكبار، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ولد عام الفيل، فقبل أن نتحدث عن ميلاده -عليه الصلاة والسلام- ينبغي أن نعرف ما هو عام الفيل؟ وما هو هذا الفيل؟ وما قصته؟ وما الواقعة والحادثة التي نسب إليها هذا العام -عام الفي؟

فنقول وبالله تعالى التوفيق:

قصة الفيل قصة مشهورة أرَّخ بها العرب لدلالتها على مزيد عناية الله تعالى ببيته الحرام، ذلك أن أبرهة الحبشي لما غلب على بلاد اليمن، ورأى الناس يقصدون زرافات ووحدانًا، ورجالًا وركبانًا الكعبةَ البيت الحرام، قال أبرهة: إلامَ يقصدون؟ أين يذهب هؤلاء؟ الناس كل موسم يذهبون، كل شهر مسافرون، أين يذهبون؟

قالوا: إلى الكعبة بمكة يحجون.

قال: مما هو؟

قالوا: بيت من الحجارة.

قال: وما كسوته؟

قالوا: ما يأتي هاهنا من الوصائل.

الوصائل: ثياب مخططة يمانية كانت تُكسى بها الكعبة قديمًا.

قال: لأبنينَّ بيتًا خيرًا من هذا البيت، فأراد أبرهة أن يبني بيتًا يصرف به الناس عن قصد البيت الحرام للحج والعمرة.قال: لأبنينَّ بيتًا خيرًا منه، فبنى لهم كنسية بصنعاء، وتفنن في بنائها وتزيينها، وسمى هذه الكنيسة "القليس"، وقصد بها صرف العرب عن التوجه إلى الكعبة.

فعمد أعرابي من العرب أخذته الغيرة على الكعبة بيت الله الحرام، فذهب إلى هذه الكنيسة فقضى حاجته في داخلها، تغوط فيها، فلما علم أبرهة بهذا الفعل استشاط غضبًا، وعزم على هدم الكعبة، وسار في جيش جرار عظيم لا قِبَل لأهل مكة ولا للعرب كلهم به، أراد أن يهدم الكعبة.

 

فتعرض له في الطريق بعض قبائل العرب، ولكنه تغلب عليهم، غلبهم، فقتل من قتل منهم، وأسر من أسر.

وعند مشارف مكة وجدوا إبلًا لعبد المطلب بن هاشم، فاستاقوها وأخذوها، فذهب عبد المطلب إلى أبرهة، وكان عبد المطلب وسمًا جميلًا تعلوه المهابة والوقار، فأبرهة عظَّم شأنه وقدَّره، وأنزله منزلته وأكرمه.

خير يا عبد المطلب، لماذا جئتَ؟

قال: أنا جئت أقول لك: الجمال التي أخذتها هذه جمالنا، أنت لماذا أخذتها؟

فقال أبرهة لعبد المطلب: أتكلمني في الإبل ولا تكلمني في بيت فيه عزك وشرفك وشرف آبائك؟!

أنا جئت أهدم الكعبة التي تفخر بهاوتعتز بها، تترك هذا الأمر الذي جئتُ له، وتقول: هات جمالنا؟!

فقال عبد المطلب هذه الكلمة التي طارت في الآفاق وسارت مسار الأمثال: "أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه".

أنا رب الإبل، أنا جئت أكلمك فيما أملكه، أما البيت فله رب يحميه.

ثم رجع عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش، وأخذوا يدعون الله تعالى وستنصرونه أن يحمي بيته وأن يهزم أبرهة وجنده.

وكان مما قال عبد المطلب وهو متعلق بأستار الكعبة:

لاهُمّ إنَّ المرءَ يمنَعُ رَحْلَه ** فامْنَعْ رحالك

انصر على آل الصليب ** وعابديهم يوم آلك

لا يغلبَنَّ صليبُهُمْ ** وَمِحَالُهُمْ أَبَداً مِحالَكْ

إنْ كنتَ تاركَهُمْ وَقِبْلَتَنا ** فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ

 

يا رب لسنا قادرين أن ندافع عن البيت، والبيت بيتك، إن تنصره فهو بيتك، وإن كنت ستخلي بين أبرهة وبين البيت فالأمر يا رب لك.

ثم أرسل حلقة البيت وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال، هربوا في الجبال، ينظرون ما أبرهة فاعلٌ بالبيت، وكان في جيش أبرهة فيل عظيم، ولهذا سميت ماذا؟ قصة الفيل، حادثة الفيل.

فصار كلما وجهوه إلى الطريق المؤدي إلى مكة أبى وبرك، كلما وجهوا الفيل حتى يهدم الكعبة يبرك ولا يتحرك، فإذا وجهوه إلى غير طريق مكة مشى وانظلق، ومع هذه الآية العظيمة التي رآها ابرهة أصر أبرهة وجيشه على هدم الكعبة.

فماكان من الله -عز وجل- إلا أن أرسل عليهم طيرًا أبابيل، في مناقيرها وأرجلها حجارة صغار، فصارت ترميهم بهذه الحجارة، ولكنها لم تصيبهم كلهم، فكان من صادفه حجر تمزق جسمه ومات، وخرجوا هاربين يتساقطون بكلطريق ويهلكون بكل مهلك، نكَّل الله بأبرهة وجيشه شر تنكيل.

وقد ذكر الله -سبحانه وتعالى- هذه الحادثة في القرآن الكريم وأفرد لها سورة من قصار السور اسمها سوة ماذا؟ سورة الفيل.

بسم الله الرحمن الرحيم

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [سورة الفيل].

فهذه سورة في القرآن تضمنت القصة وما أصاب هذا الجيش فيها، سورة الفيل.

وقد أشار النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى هذه الحادثة -حادثة الفيل- لما توجه سنة 6 من الهجرة إلى مكة للعمرة، فصدته قريش ومنعته من دخول مكة، فكانت الناقة التي يركبها -عليه الصلاة والسلام- بركت، كلما وجهوها تأبى أن تمشي.

فقالوا: خلأت القصواء -اسم الناقة- قال: «ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل»، ولذلك اجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- قريشًا إلى الصلح، على الرغم من أن الصلح كان فيه شروط الصحابة لم يرضوا عنها، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- راى في بروك الناقة وعدم دخولها مكة آية تقول لها أن عدم الدخول أفضل من الدخول.

هذه هي الحادثة التي أرَّخ بها العرب، فيسمونها عام الفيل، وفي ذلك العام ولد النبي -عليه الصلاة والسلام.

هذه القصة أو هذه الحادثة فيها دوس، دروس وعبر كثيرة جدًا، ما هي الدروس التي نستفيدها من حادثة الفيل؟

أولًا: بيان شرف الكعبة {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96]. وكيف أن مشركي العرب كانت تعظم الكعبة وتقدسها، ولا يقدمون عليها شيء، وتعود هذه المنزلة للكعبة عند العرب إلى بقايا من ديانة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام.

كذلك من الدروس: التضحية في سبيل المقدسات، والحفاظ عليها، فقد خرج كما أشرت بعض ملوك العرب إلى أبرهة ليصدوه، ولكن -كما قلت- غلب من غلب منهم، وأسر من أسر.

فالدفاع عن المقدسات غريزة في النفس، والتضحية عنها فطرة في الإنسان.

كذلك في قول عبد المطلب: "سنخلي بينه وبين البيت، فإن خلى الله بينه وبينه فوالله ما لنا بهم قوة"، هذا تقرير دقيق لحقيقة المعركة بين الله وأعدائه، فمهما كانت قوة العدو وحشوده فإنها لا تستطيع الوقوف لحظة واحدة أمام قدرة الله -سبحانه وتعالى- وبطشه ونقمته، هو سبحانه واهب الحياة وسالبها في أي وقت يشاء، هو المحيي وهو المميت.

كذلك رأينا تعظيم العرب لبيت الله الحرام الذي تكفل بحفظه وحمايته من عبث المفسدين وكيد الكائدين.

قال العلماء:كانت حادثة الفيل من شواهد النبوة، دلالة ن دلالتها، فإنه الله -سبحانه وتعالى- حفظ البيت الحرام من أبرهة أن يهدمه لما اقتربت بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي سينر التوحيد في مكة، وسيرد العرب إلى ما كانوا عليه من دين أبيهم إبراهيم -عليه السلام.

{قد عرفنا أن الله تعالى حفظ البيت الحرام من أبرهة الحبشي، وهناك حديث يقول أن الذي سيخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، فلماذا لن يحفظ الله البيت من هذا الرجل كما حفظه من أبرهة؟}.

الشيخ:

الحديث «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» السويقتان: تثنية ساق، ساق وساق سويقتين.

يقول -عليه الصلاة والسلام: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة»، يعني رجل نحيف جدًا، وساقتيه رفيعة جدًا، حبشي أيضًا، وأبرهة كان جبشي، هذا الرجل يتكن من هدم الكعبة آخر الزمان وينقضها حجرًا حجرًا.

سؤالك: طيب.. أبرهة الحبشي لما قصد هدم الكعبة، الله أهلكه وجنده، وحفظ الكعبة، طيب كيف يُمَكِّن الله -عز وجل- هذا الحبشي الآخر في آخر الزمان من هدم الكعبة؟ لماذا لا يحفظها كما حفظها من أبرهة؟

الجواب: أن الله -سبحانه وتعالى- حفظ الكعبة من أبرهة وجيشه في هذا الزمان لما كان يُنتظر من بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي قال الله فيه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33]، فحظ الله البيت في ذلك الزمان من أبرهة لما أراد بالناس من الخير والرحمة، كما قال في حق النبي -عليه الصلاة والسلام- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

أما ذلك الحبشي الآخر ذو السويقتين الذي في آخر الزمان سيهدم الكعبة، فهدم الكعبة علامة من علامات الساعة الكبرى، وللساعة علامات كبرى يقول العلماء: كالعقد المنظوم. ساعة أن تظهر العلامة الأولى تجد العلامة الثانية والخامسة والسابعة والعاشرة ظهرت، ثم ينفخ في الصور وتنتهي الدنيا.

ففي آخر الزمان لما يقل أهل الخير ويقل أهل التوحيد ويبقى في الأرض شرارها كما قال -عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله، أو يقول: لا إله إلا الله»، فلما لم يبقَ في الأرض من أهل التوحيد أحد، ولم يبقَ فيها إلا شرارها فلم يعد لبقاء الكعبة فائدة، فيسلط الله هذا الحبشي فيهدمها ليزداد إثمًا بتلك الجريمة التي يرتكبها، ويُعذَّب بذلك في النار، والله تعالى أعلم.

ننتقل بعد ذلك، بعد أن عرفنا لماذا سمي عام الميلام عام الفيل، ننتقل بعد ذلك للحديث عن ميلاده -صلى الله عليه وسلم- فنقول:

إذا سألنا صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم، اسم أبي النبي ماذا؟ سيقول: عبد الله بن عبد المطلب.

واسم أمه؟ سيقول: آمنة بنت وهب.

إذن قبل أن نتحدث عن المولود نتحدث عن زواج الوالدين، من هو الوالد؟ ومن هي الوالدة؟ وكيف تم هذا الزواج المبارك الذي نشأ منه خير خلق الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- فنقول:

كان عبد الله بن عبد المطلب شابًا نسيبًا جميلًا وسيمًا، قوي البنيان، فغدا مطمع الآمال، وغاية الأماني من الكواعب الحسان من شريفات قريش.

تطلعت كل امرأة حسيبة نسيبة ذات مكانة في قريش إلى أن تحظى بالزواج من عبد الله بن عبد المطلب.

فرأى أبو عبد المطلب شريف مكة وسيدها أن يزوجه بكرًا من كرائم البيوتات القرشية، وفكر الشيخ ثم فكر حتى هداه تفكيره -وهو العارف بالأعراق والأحساب والأنساب- هداه تفكيره إلى فتاة بني زهرة آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فأخذ بيد عبد الله وذهب به حتى اتى منازل بني زهرة، ودخل وإياه دار وهب بن عبد مناف الزهري، وهويومئذ سيد بني زهر نسبًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا.

وبنى عبد الله بآمنة، ما معنى بنى؟ دخل بهاو البناء معروف.

وبنى عبد الله بآمنة، وبقي في بيت أبيها ثلاثة أيام -على عادة العرب في ذلك، كان العرب إذا زوجوا رجلًا بنوا له بيتًا عند والد امرأته فيقيم ثلاثًا، ثم يأخذ امرأته ويرجع إلى أهله- حتى كان اليوم الرابع انتقل عبد الله بن عبد المطلب بزوجه إلى منازل عبد المطلب.

وعاش الفتى المرموق المحبوب والفتاة الوادعة الجميلة الشريفة أيامًا معدودات، لم تتجاوز عند جمهرة المؤرخين عشرة أيام، يعني عبد الله عاش مع آمنة عشرة أيام فقط، حياته الزوجية مدتها عشرة أيام، وشاء الله أن تكون هذه أيام عمر الحياة الزوجية في هذا الزواج المبارك.

في هذه الأيام المعدودات حملت السيدة الشريفة آمنة بسيد هذه الأمة، وقد ادخرها القدر لأعظم أمومة في التاريخ، وتوالت عليها الرؤى والبشريات بجلال قدر هذا الجنين، فرأت فيما يرى النائم حين حملت أنها خرج منها نور أضاء الأرض، وبدت قصوى بصرى من أرض الشام، ولم يطل المقام بالفتى الشاب عبد الله مع زوجته آمنة بنت وهب خرج في تجارة إلى الشام وترك الزوجة الحبيبة، وهو لا يدري أنها علقت بالنسمة المباركة.

وقضى الزوج المكافح مدة في تصريف تجارته وهو يعد الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها وتهنأ به، فوما أن فرغ من تجارته حتى عاد، وفي أثناء عودته من الشام عرَّج على أخوال أبيه عبد المطلب, وهم بنو النجار في المدينة, فمرض عندهم, فبقي هو عند أخواله, وعاد رفاقه وأصحابه الذين كانوا معه في تلك السفرة.

ووصل الركب إلى مكة, وعلم منهم عبد المطلب بمرض ولده عبد الله، فأرسل أكبر بنيه وهو الحارث بن عبد المطلب ليأتي بأخيه، وما أن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم أن عبد الله قد مات ودفن بالمدينة، فرجع حزين النفس على فقد أخيه، ولك يكن للجنين عند فقد الأب إلا شهران.

ورجع الحارث بدون أخيه عبد الله والد النبي -عليه الصلاة والسلام.

وتقدمت أشهر الحمل بالسيدة الشريفة آمنة بنت وهب وهي تترقب الوليد الذي لم تجد في حمله وهنًا ولا ألمًا، وهتف بها هاتف قائلًا: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي: "أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وسميه محمدًا".

وبلغ الكتاب أجله، وبعد تسعة أشهر أذن الله للنور أن يسطع، وللجنين المستكن أن يظهر إلى الوجود، للنسمة المباركة أن تخرج إلى الكون لتؤدي أسمى وأعظم رسالة عرفتها الدنيا في عمرها الطويل.

وفي صبيحة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، الموافق سنة 570 من ميلاد عيسى بن مريم -عليه السلام- حيث بدأ الصبح يتنفس وآذن نور الكون بالإشراق افتض ثغر الدنيا عن مصاصة البشر وسيد ولد آدم وأكرم مخلوق على الله محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.

فلما وضعته السيدة والدته خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب، حتى رأت منه قصور بصرى بالشام، ووقع جاثيًا على ركبتيه, معتمدًا على يديه, رافعًا رأسه إلى السماء، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها.

وقد روى الإمام أحمد وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين»، وإن أم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام.

وكانت ولادته -صلى الله عليه وسلم- في دار أبي طالب بشعب بني هاشم.

وكانت قابلته: الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف.

ولقد زعمت الأم التي ترملت في شبابها بالوليد الجميل، المشرق الجبين، الذي ملأ البيت من حولها نورًا وسرورًا، ورأت فيه السلوى عن الحبيب الغالي الذي تركه لها وديعة في ضمير الغيب ثم مات.

وما إخالها إلا زرفت الدمع ثخينًا أن لم يرَ الأب الشاب هذا الوليد الذي يملأ العيون جمالًا ومهابة ومحبة.

وكان أول ما فعلته السيدة آمنة أن أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بميلاد الحفيد بن الحبيب، وجاء الجد فرحًا مسرورًا، وضمه إلى صدره ضمات خفق لها قلبه، وخففت من لوعة الحزن على الحبيب المغيب في ثرى المدينة، وذهب به إلى الكعبة، ذهب عبد المطلب بحفيده محمد إلى الكعبة، فقام يدعو الله ويشكره على ما أنعم به عليه وأعطاه، وسماه محمدًا، ولم يكن هذا الاسم شائعًا عند العرب، ولا تسمى به إلا عدد قليل جدًا، ولكن الله -سبحانه- ألهم عبد المطلب ذلك إنفاذًا لأمره، وتحقيقًا لما قدره وذكره في الكتب السماوية التي بشرت به -صلى الله عليه وسلم.

ولما سئل لماذا سميت هذا الولد محمدًا؟

قال عبد المطلب: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض.

ولعل السيدة آمنة اخبرت عبد المطلب بالرؤيا التي رأتها في منامها وما بُشرت به، وأن تسميه محمدًا، فتوافقت الرؤيا مع رغبة عبد المطلب، ورجع شيخ مكة وشريفها عبد المطلب وهو يحمل بين يديه نسمة هي خير الدنيا على الإطلاق.

وفي اليوم السابع -كما هي عادة العرب- نحر الجد الذبائح وأقام الولائم شكرًا لله، واحتفاءً بالوليد الذي رأى في حياته حياةً موصلة لابنه الغالي عبد الله، ومرآة صافية يرى في صفحتها المشرقة النيرة وجه عبد الله كلما أهاجته الذكرى وثار في نفسه الشجن.

وقد شارك البيت الهاشمي في الغبطة بالولد الجديد، فهذه ثويبة الأسلمية جارية أبي لهب بن عبد المطلب لما بشرت سيدها بميلاد ابن أخيه -محمد- أعتقها.

وقد قال الشعراء في ميلاد النبي -عليه الصلاة والسلام- ما قالوا، ومنهم قول شوقي أمير الشعراء:

 

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ ** وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ

 

إلى آخر ما قاله في حق النبي -عليه الصلاة والسلام.

 

من هي المهات اللاتي أرضعن النبي -صلى الله عليه وسلم؟

كانت أولى من أرضعته أمه آمنة بنت وهب، قيل أرضعته ثلاثة أيام، وقيل سبعًا، وقيل تسعًا.

ثم أرضعته ثويبة جارية عمه أبي لهب بلبن ابنها مسروح بضعة أيام قبل قدوم حليمة عليه، وكذلك أرضعت عمه حمزة، ثويبة أرضعت النبي وأرضعت عمه حمزة بن عبد المطلب وابن عمته أبا سلمة المخزومي، فكانوا إخوة من الرضاع.

ثم استُرضِع -صلى الله عليه وسلم- في بني سعد، وراعته حليمة، وكان من عادة أشراف العرب أن يلتمسوا المراضع لأولادهم في البوادي. لماذا؟ كانوا يرسلون الأطفال ينشئون في الصحراء والبادية لماذا؟

ليكون ذلك أنجب للولد، وأصح للبدن، وأصفى للذهن، وأبعد عن الوخم والكسل.

كانوا يقولون: إن المربى في المدن يكون كليل الذهن، فاتر العزيمة، ضعيف البنية، فكانوا يربون الأطفال في الصحراء حتى ينشئوا عندهم جلدوقوة وعزيمة، مع الهواء النقي الصافي البعيد عن وباء وتلوث البيئة الحضرية المدنية.

وفي نشأتهم بين الأعراب من استقامة اللسان بالفصيح من الكلام، والسلامة من اللحن، والبراءة من الهجنة.

ولما قال الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت من هو أفصح منك يا رسول الله!". قال: «وما يمنعني وأنا من قريش، وأُرضِعتُ في بني سعد». فمن ثم كان العرب يرسلون أبناءهم إلى البادية حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة.

ومن القبائل من كان لها في المراضع شهرة، يعني ليس كل القبائل تكون مشهورة بالرضاع، لا، كان فيه قبائل مشهورة أن نساءها يرضعن، كان لها شهرة في الرضاع وشهرة في الفصاحة، ومنها قبيلة بني سعد التي كانت منها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي -صلى الله عليه وسلم.

كيف أخذت حليمة النبي -عليه الصلاة والسلام- وكيف أرضعته، وكيف كانت نشاته عندها؟

لندع حليمة تقص لينا قصتها مع النبي -عليه الصلاة والسلام- لما فيها من العبرة والروعة ورعاية الله لنبيه في صغره، تقول حليمة: "قدمت مكة في نسوة من بني سعد نلتمس الرضعاء في سنة شهباء" يعني سنة جدب وقحط.

"على أتان". ما هي الأتان؟ أنثى الحمار.

"على أتان لي، ومعي صبي لنا، وشارف"، والشارف هي الناقة.

"وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة"، يعني ناقتها ليس فيها نقطة لبن.

"وما ننام ليلنا ذلك مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفنا ما يغذيه"، يعني حليمة لا تأكل، فليس في صدرها لبن، والناقة أيضًا ليس فيها لبن، لأنها سنة جدب وقحط، لا يوجد أكل ولا لبن.

"فقدمنا مكة، قالت: فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتأباه إذا قيل أنه يتيم"، يعني النساء اللاتي جئن من البادية يلتمسن الرضعاء في مكة، كلهن عرض عليهن محمد، يقلن: من هذا؟ من أبوه؟ هذا يتيم، تقول: ماذا سأفعل باليتيم، فالمرضعة أتت لتأخذ رضيعًا ترضعه حتى تأخذ أجرة {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6].

فهذا يتيم، فمن الذي سيعطيها أجرة؟!

"وذلك أنَّا كنَّا نرجوا المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم. ما عسى أن تصنع أمه؟! فكلنا نكره ذلك، قالت: فوالله ما بقيت من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيره"، كل واحدة من النساء اللاتي جئن للالتماس الرضعاء أخذت رضيع، حليمة لم تجد رضيعًا تأخذه، فلم يبقَ أمامها إلا اليتيم.

قالت: "فقلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع"، كيف آتي وأرجع وليسس معي رضيع؟!

"لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليكِ أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فإذا هو مدرج في ثوب" يعني ملفوف "في ثوب أبيض من اللبن، ثوب من الصوف يفوح منه المسك، وتحته حرير أخضر، راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا، وفتح عينيه لينظر إليَّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبَّلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل بما شاء من لبن".

انتبه! قالت أن ابنها لم يرضع لأنه لم يكن به لبن، ساعة أن أرضعت النبي تدفق اللبن من ثدييها.

"فحولته إلى الأيسر فأبى، فكانت تلك حالته" لا يرضع إلا من اليمين، ولذلك كان دائمًا يحب التيمن -عليه الصلاة والسلام.

ونكتفي بهذا في هذا الدرس -إن شاء الله- ونواصل بعد ذلك الحديث في كيف كان النبي مع حليمة؟ وما هي الحوادث التي عرضت له عند بني سعد.

هذا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مهارات التواصل الاجتماعي

د. علي الشبيلي

الدرس الأول

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نببينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل.

أما بعد إخوتي الكرام، أخواتي الفاضلات في شتى بقاع الأرض، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

في هذه الليلة -بإذن الله تعالى- سنتدارس قضية، بل سنبدأ درسًا -إن شاء الله تعالى- من الدروس المهمة جدًا في حياة كل مسلم، كيف لا وهو احد المور التي بُعث من أجلها رسول الهدى -صلى الله عليه وسلم- حينما قال في الحديث الصحيح: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فمرحبًا بكم جميعًا في هذا اللقاء الذي سيحل عنوانًا يتعلق بمهارات التواصل والعلاقات الاجتماعية لنتعلم ونستفيد كيف نستطيع أن نعيش في هذه الحياة ونتواصل مع القريبين، وكذلك البعيدين سواءً أكانوا المقاربين لنا المتواصلين معنا أمامنا جسدًا بجسد وجهًا لوجه، أو كانوا بعيدين عنا. فنسأل الله -عز وجل- أن يبارك في هذه اللقاءات وأن يسددنا فيها، وأن يعننا وإياكم فيها على كل خير.

وأرحب كذلك بإخوتي الكرام الأفاضل في هذ الاستوديو، سائل الموالى -جل وعلا- أن يوفقني وإياكم لكل خير.

أيها الإخوة الأفاضل: من نعم الله -عز وجل- على الإنسان أن يوفقه لطلب العلم، وإذا أطلق العلم في كتاب الله وسنتة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فالمراد به العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة.

ومن المأثور عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- انه كان يقول: "العلم عمائم يسقطها الله على رأس من يشاء"، فهذا العلم -أي العلم الشرعي- هو توفيق محض من الله تعالى، فإذا أراد الله بالعبد خيرًا وفقه للعلم الشرعي، ولذا جاء في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين».

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على هذا الحديث: "وللحديث مفهوم مخالفة، ومفهوم المخالفة أن من لم يرد الله به خيرًا فلا يفقهه في الدين"، فإذت وفق العبد لهذا الأمر وهو أن يكون عالمًا أو طالب علم يستطيع أن يغوص في المسائل ويبحث في بطون الكتب ويخرج هذا العلم ينشره للناس؛ لا شك أن هذا خير عظيم.

ولهذا يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أيضًا في الحديث الآخر: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، فالإنسان يتعلم ويعلم، ولا يقف حده عند التعلم فقط؛ بل ينشره كذلك للآخرين.

لذا؛ نحن في هذا الدرس لا شك أننا سنمر بمواقف كثيرة، وسنستشهد بآيات وأحاديث عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- سواء كانت قولية أو عملية، نستبط من خلالها فقه العلاقات الاجتماعية، كيف نتواصل مع الآخرين، كيف نستطيع أن نكسبقلوب الآخرين، كيف نستطيع أن ننقل المشاعر، المعاني، الكلام الذي نريد أن ننقله للآخرين، ما هو الأسلوب المناسب والجميل الذي يمكن أن نحقق به وصولًَا إلى قلوب الناس بأقل تكلفه، وأيضًا بأجمل صورة وأفضل حلة.

دعوني أبدأ معكم هذا اللقاء بقصة ذكرت في كتب الأدب والتاريخ، وهي:

ان رجلًا -شيخ- كان يعلم مجموعة من الطلاب، تعلموا، ثم كان الشيخ إذا انتهت الدروس قال لهم: اذهبوا فانشروا الدعوة، وفعلًَا ذهبوا في يوم من الأيام مجموعة من لطلاب فدخلوا أحد المساجد، مسجد جامع، وإذا بالخطيب في خطبة الجمعة بأحاديث كلها كذب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فهؤلاء الطلاب الذين جاؤوا ليطبقوا علمهم الذي أخذوه من الشيخ غضبوا من هذا الوضع.

فقال: كيف أن هذا الإنسان يكذب عن النبي -صلى الله عليه وسلم؟ فقاموا بعد انتهاء الصلاة، وقالوا: هذا الرجل هذا الخطيب يكذب عليكم، ويتكلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بكلام لم يقله -عليه الصلاة والسلام.

فقام الناس وغضبوا على هؤلاء الشباب وبدأوا بضربهم في داخل المسجد، لنهم لا يمكن أن يتركوا شيخهم الذي يعلمهم عشرات السنين ويسمعوا لصبية أو لشباب صغار لا يزالون في أول الطلب، فماذا حصل؟

رجعوا إلى الشيخ وهم مضروبين والدماء تسيل منهم، فقالوا له: حصل كيت وكيت وكيت.

فقال الشيخ: دعوني أذهب معكم فثي الأسبوع القادم وأريكم كيف نستطيع أن نصد شر هذا الإنسانولكن بأسلوب أفضل، وفعلًا ذهب الشيخ في الجمعة التالية وحضر الجمعة، وسمع الخطيب وهو يتكلم بأحاديث لم يقلها النبي -صلى الله عليه وسلم- كلها موضوعة ومكذوبة على النبي -عليه الصلاة والسلام.

فلما انتهت الخطبة وانتهت الصلاة وصلى هذا الخطيب بالناس قام هذا الرجل الكبير في السن ومسك الميكروفون وتحدث إلى الناس، وقال:

أيها الناس إن إمامكم هذا رجل صالح تقي، وإن من أراد أن ينال الجنة فليأخذ شعرة من لحيته.

وفعلًا هجم الناس عليه، وبدأوا يأخذون كل شعر وجهه.

الحقيقة تغير الأسلوب فقط، بغض النظر عن الطريقة أو الكلام الذي قاله هذا الرجل، لكن انظر استطاع أن يؤدب هذا الإنسان ولكن بطريقة سهلة.

دعونا نتأمل الآن في هذا الكون:

انظروا أيها الإخوة: وصل الإسلام إلى جنوب الهند وسيلان وجرز المالديف، وإلى التبت وسواحل الصين، ووصل كذلك للفلبين جزر إندونسيا، وشبه جزيرة الملايو، وصل إلى أواسط أفريقيا، والسنغال، ونيجيريا، والصومال، وتانزينا، ومدغشقر، وزنجبار، وغيرها من البلاد، وصل بماذا؟

 

وصل بأخلاق الناس، بسبب تجار مسلمين ودعاة صادقين، لم يملكوا العلم فقط؛ بل ملكوا خلقًا استطاعوا به فتح عقول الناس وقلوبهم، ولكن فتحوا قلوبهم قبل عقولهم، لنك إذا أردت أن يستمع إليك الناس لابد أن تحقق شيئًا مهمًا جدًا وهو: أن يحبوك.

لقد أحب أصحاب محمدٍ محمدًا -عليه الصلاة والسلام- فتغلل حبه في قلوبهم، ومن ثم أصبحت كل عبارة يقولها النبي -عليه الصلاة والسلام- يضعونها على رؤوسهم، على أعينهم، ثم يقومون بتطبيقها. لماذا؟

لأنه ملك قلوبهم -عليه الصلاة والسلام-

ولذا لاحظوا.. عتاة المشركين عندما يأتون ويسلمون، كيف يتعامل معهم النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يسحرهم بتعامله؟

لما أسلم عمرو بن العاص، وعمرو بن العاص أحد جهاة العرب، فلما جاء أسلم بعد ثلاثة أشهر من إسلامه ولَّاه النبي -صلى الله عليه وسلم- غزة ذات السلاسل. ثم ماذا حصل؟

في يوم من الأيام النبي -صلى الله عليه وسلم- جالس، جاء إليه عمرو بن العاص، فقال: يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟

هو يتوقع من هذا التعامل والخلق الحسن ولكلام الذي يجده من النبي -عليه الصلاة والسلام- انه هو أحب إنسان للنبي -عليه الصلاة والسلام.

فقال النبي -عليه الصلاة والسلام: عائشة.

فقال: لستُ عن النساء أسألك، ولكن عن الرجال.

قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال ثم من؟ قال: أبو عبيدة.

قال: فسكت مخافة ألا يسميني.

يعني هذا الرجل الداهية أسر بماذا؟ بحسن تعامل من النبي -صلى الله عليه وسلم.

لهذا نحن حملة شريعة، نحن دعاة، نحن طلاب علم، لا بد أن نظهر أمام الناس ليس بالعلم فقط، بالعلم والأخلاق التي نكسب بها قلوبهم، ثم بعد ذلك نستطيع أن نملك عقولهم بالعلم الذي سنوصله إليهم.

لاحظوا معي أيضًا أيها الإخوة شيء آخر نحتاج فيه إضافة لحسن التعامل، هو: أننا نحن قدرنا كطلاب علم ودعاة وخطباء أن الوسيلة التي ننقل بها للناس هو الكلام، فتجد إما إنسان خطيب، أو شخص مثلًا في مقاعد الدراسة أو في الفصول الدراسية، أو إمام لمسجد يريد أن يلقي كلمة أو درسًا أو نحو ذلك؛ هذا قدرنا نحن كطلاب علم.

إذن: نحن ننقل للناس كلامًا، كيف نوصل للناس هذا الكلام؟

يمكن أن نوصله بأسلوب وناتي بقلوبهم، لأن نحن نريد أن نحقق هدفًا وهو: أن هؤلاء الناس يعودون إلى دين الله.

كيف نستطيع أن نعبِّدهم لكن بأسلوب أفضل؟

دعوني أحكي لكم تجربة شخصية.

بحكم أني إمام مسجد، كنت أمارس أحيانًا جلد الناس، فإذا تأخروا عن صلاة الفجر أمسك الميكروفون في صلاة المغرب أو العشاء وأبدأ بجلدهم، ومن ترك الصلاة فهو منافق، وقد كان لا تفوته الصلاة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا المنافقين -صلاة الفجر وصلاة العشاء- كما قال الصحابي.

وبدات بهذا الأسلوب وكنت في أول تعيني في المسجد، ثم بعد ذلك رأيت أن الناس يفرون مني، يبتعدون عن صلاة الفجر، وينقص العدد.

فاستخدمت أسلوبًا آخر استفدته من أحد الإخوة، أنني استخدمت لغة الترغيب، بدل لغة ماذا؟ الترهيب.

الترغيب لا شك أن يأتي بأشد الناس قساوة، بل ياتي بالحيوانات، أنت ترى أسد تخاف منه جميع الحيوانات، ويهرب منه الرجال، حتى الرجل الذي يحمل سلاحًا لا يستطيع أن يقف أمام الأسد، وفجأة إذا بهذا الأسد أمام الناس في السيرك وهو يلعب امامهم ويلعب بالكرة، ويدخل بين دوائر مليئة بالنار واللهب وغيره. لماذا؟ بالترغيب، لم يأتِ بالضرب، إنما جاء بقطعة لحم كانت تعطى لهذا الأسد وأصبح مهذبًا وجميلًا، ونمور تلعب أمام الناس.

إذن أيها الإخوة: نحن نستطيع أن نحول ليس فقط الوحوش، نستطيع أن نحول الناس.

إذن: عندما نريد أن نتحدث مع الناس نتحدث بأسلوب نفكر فيه قبل أن نلقيه على الأشخاص، ولا تاخذنا العاطفة، ولهذا -إن شاء الله تعالى- نحن سنتحد -بإذن الله- في إحدى الليالي عن كيف نتفاعل بدون انفعال؟ نتفاعل نحن لكن لا ننفعل، لأن هذا الانفعال، لأن هذا الانفعال سيفقد الكلمة صدقها، سيفقد أيضًا المشاعر التي في داخلك صدقها، ومن ثمَّ الناس تهرب منَّا عندئذ.

لإذن: نحن أيضًا في هذا اللقاء -إن شاء الله- سنتعلم ما هو الوعاء الذي نستطيع أن ننقل به العلم للآخرين؟

عندما أريد أن اتحدث عن التقوى، هل أسأل نفسي ليس هناك إلا أسلوب واحد لنقل هذا الموضع؟ أم هناك أساليب أخرى؟ نجد أن لدينا أساليب كثيرة جدًا نستطيع أن نكسب بها قلوب أولئك الأشخاص.

لهذا لا شك أننا نحن فتحنا هذه الدنيا كلها بسبب انه وجد أناس يتقنون فن التعامل، مهارات التواصل مع الآخرين، كسب قلوب البشر كما ذكرت لكم الآن مجموعة كبيرة من الناس كانوا في اول أمرهم كفارًا، ثم بسبب تجار ودعاة صادقين ملكوا قلوب الناس.

يا أيها الإخوة كل هذه البلاد التي ذكرتها لكم قبل قليل لم يكونوا يحسنون العربية، عجم، ومع هذا تحولوا إلى الإسلام بسبب رؤيتهم لحسن تعامل من قبل هؤلاء الأشخاص.

لهذا؛ نقرر مفهو أيضًا مهم جدًا، وهو: أن بعض الأشخاص يقول: يا أخي أنا الله خلقني هكذا عصبي، أنا رجل غضوب اغضب بسرعة، ولذلك لا أستطيع أن اتحمل هذا الكلام.

لا، لقد جاء في الأثر ويُروى حديثًا مرفوعًا أن النيي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما الحلم» بماذا يا إخوة؟ «بالتحلم، والعلم بالتعلم»، يعني الإنسان لا يلد عالمًا، لا يأتي في يوم وليلة ويصبح عالم، لكن في الحقيقة يتعلم.

وإنما العلم كاجتماع النقط، مثل السيل يأتي أول شيء مطر خفيف، ثم بعد ذلك يجتمع هذا السيل ويغرق مدن وبلدان، نفس القضية.

العلم تأتي مسألة ومسألة، وصفحة تقرأ وعشر صفحات، وكتاب ونصف كتاب وعشرة كتب ومئة كتاب، وإذا بهذا صبح ماذا؟ أصبح طالب علم يستطيع أن يعيش في هذه المسائل.

لهذه -نفس القضية- الأخلاق نصل إليها بالتدرج، قد يكون افنسان عصبي لكن يدرب نفسه، يروض نفسه.

ولذا؛ من نعم الله -عز وجل- علينا قدرتنا على التغيير، الله ماذا يقول؟ {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

دعوني أحكي لكم حكاية ونحن في هذا الدرس، هذا اول درس نريد أن يكون لطيفًا، ثم بعد ذلك ندخل -إن شاء الله- في المسائل العلمية التي تتاج منا إلى تأني وكتابة، لكن خذوا مثلًا هذه القصة:

يُحكى أن رجلًا، بل اثنين من الشباب كانوا في قرية من القرى، وكان عندهم مهنة عجيبة وهي سرقة الخراف، فيصبح أهل القرية وإذا بكل الحوش فيه مجموعة كبيرة من الغنم مسروقة، مسروق الخراف، وعندهم سرقة عجيبة أنه يسرقون الخراف بدون صوت، لهذا؛ أهل القرية بدأوا بتتبع هؤلاء السرَّاق حتى يوم من الأيام فعلًا وجود هذين الخصين يسرقون الخراف.

جاؤوا بهم في وسط القرية، الناس كلها اجتمعت القرية بالكامل، جاؤوا بهذين الشابين، قالوا لهم: تسرقون خرافنا؟ وبدأوا بتقريرهم بالتهمة وإذا بهم يعترفون.

ماذا قررت القرية؟ أن تعاقبهم. كيف تعاقبهم؟ جاؤوا بحديدة وضعوا فيها نار، ثم كتبوا على جباههم (س،خ) يعني ماذا؟ سارق الخراف.

أما هذين الشباب خرج من القرية، قال: هؤلاء لا يقدرون أصلًا هذه المهارة العظيمة أنه يسرق بدون صوت، كون أن الإنسان يسرق غنم ثلاث، أربعة، خمس، ويخرجها من حظيرة الغنم دون أن تصدر صوتًا هذا إبداع، لذلك خرج من القرية ولم يعد إليها.

الشخص الآخر ماذا فعل؟ قال: أما أنا فسأحسن من نظرة الناس إلَّ، وستأغير للأفضل.

وفعلًا عاش مع أهل القرية، بدل ما كان سارقًا بدأ يتعامل معهم بالحسنى ويتقرب للصغار والكبار ويحسن التعامل، ويسلم على هذا، ويهدي لهذا، ويفعل تصرفات كثيرة جميلة ورائعة، حتى أصبح شخصًا كبيرًا.

في يوم من الأيام دخل رجل إلى القرية، وإذا به يرى هذا الإنسان، إذا مرَّ بالصغار سلموا عليه، والكبار يحترمونه ويقدرونه ويعودون إليه ويستشيرونه، فمرَّ بهذا الرجل استغرب من وضعه، ثم بعد ذلك وجدوا طاولة فجلسوا عليها، قال يا أخي: كل شانك عجيب، وحب الناس لك، لكن أعجب شيء هو هذا الـ (س، خ) التي في جبهتك.

قال: لا أدري، أنا كبرت وهذا الـ (س،خ) في جبهتي، ما معناه يا إخوة؟ سارق الخراف.

فماذا قال الرجل؟ حقًا، طبعًا قام من عنده بعد ما رأى هذا التصرف ورأى حب الناس له، فخرج من عنده وقال: حقًا أنتَ ساعٍ للخير.

من سارق للخراف إلى ساعٍ للخير.

إذن: نحن لدينا قدرة أن نتحسن، إلى أن تنقلب حالنا من الأقل حسن"ًا أو من السيء إلى الأحسن، ينبغي أن نؤكد على هذه المسألة، أن دعوى الأشخاص، يقول أنا عصبي إذن ستبقى هذه العصبية معي إلى قيام الساعة.

ليس صحيحًا، الأخلاق تؤخذ، كما أن منها شيء جبلي، «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله»، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأحنف بن قيس، قال: أهما فيَّ؟ يعني أجبلني الله عليه؟ قال: «نعم».

لكن هناك نوع من الخلاق ماذا؟ مكتسبة.

ولهذا؛ الأخلاق منها ما هو جبلي يضعه الله في قلب الإنسان، ومنها ما هو مكتسب يكتسبه الإنسان من خلال التعامل ونحو ذلك.

طيب.. تعالوا أيها الإخوة الآن ندخل في تعريف الأخلاق.

عندما نبدأ نعرف الخلق الذي مهارات الاتصال هي جزء منه، جزء من حسن الخلق مهارت التواصل. كيف نعبر عن المعاني، عن المشاعر التي في داخلنا، ما هي القوالب التي نستخدمها؟ هذا جزء كبير من حسن الأخلاق.

لو سألنا الأحبة الكرام: ما المراد بحسن الخلق؟ أحد من الإخوة عنده إجابة؟ تفضل.

{حسن الخلق هو: التعامل الجدي والحسن مع الطرف المقابل سواء كان أبو زوجة، أو ما شابه، يكون فيه نوع من التعامل الراقي -إن صح التعبير-}.

طيب.. هذا جيد،. يعني بعض العلماء قالوا: إن حسن الخلق هو: بذل الندى، وماذا؟ وكف الأذى.

لأن الناس تحتاج منك إلى بذل، وإلى ماذا؟ وإلى كف.

وقبل أن ندخل فعلًا في التعريف الرئيسي أنا أيد أن أركز أيضًا على هذا الأمر: أغلب الناس -إن لم يكن كلهم- يريدون أن يتعامل الناس معه بالأخلاق الحسنة بينما هم لا يمارسونها. صحيح؟

نأخذ أمثلة: الأب يريد أبناءه كلهم مطيعين مؤدبين يستأذنون بينما هو لا يفعل هذا الخلق معم.

نحن ننتهك حرمات أولادنا في غرفنا دون استئذان! أين الدين؟!

الدين -أيها الإخوة- لم يقل بأنه يفرق بين الأب وابنه، ولهذا ستأتينا -إن شاء الله- بعد قليل صفات الأخلاق في الإسلام، عشرة صفات للأخلاق في الإسلام هذه أسس في الأخلاق الإسلامية.

عندما نريد إنسان يتعامل معنا بالكلمة الطيبةبينما نحن نتعامل معه بالكلمة السيئة، عندما نريد إنسان لا يرفع صوته علينا بينما نحن نمارس رفع الصوت عليه.

دعوني أحكي لكم أيضًا حكاية في هذا اللقاء الذي قلنا نحن مقدمة نحتاج فيه إلى نوع من إدخال السرور عليكم وعلى الإخوة أيضًا الذين يشاهدوننا الآن، والذين سيستمعون -إن شاء الله- بعد ذلك:

يُحكى أن رجلًا في يوم من الأيام كان هناك رجل مزارع ليس له في الدنيا إلا بقرة تخرج له حليب، ثم يستخرج من هذا الحليب سمن، ويبيعه في المدينة على تاجر من التجار، كل مرة يأتي له بكرات من السمن، يقول: هذه كرات يا سيدي من السمن أبيعه عليك، كل كرة ألف جرام، يأخذها هذا التاجر ويبيعها على الناس.

في يوم من الأيام التاجر جالس ما عنده أي أشغال فقام وزن الكرات، وزن الكرة الأولى وإذا بها تسعمئة جرام، والكيلو كم جرام؟ ألف. وزن الثانية؛ تسعمئة. وزن الثالثة؛ تسعمئة. وزن الرابع؛ تسعمئة. يالله! كل هذه السنين وهذا المزارع يغشني، لأنتقم من هذا الرجل.

وفعلًا جاء الرجل المزارع بعد فترة، سيدي هذه مجموعة من الكرات أريد أن أبيعها عليك.

قال: تبعها علين، دعنا نزنها. جاء بالكرة الأولى ووزنها وإذا بها كم جرام يا إخوة؟ تسعمئة ليست ألف. وزن الثانية؛ تسعمئة، الثالثة تسعمئة. كل الكرات تسعمئة جرام، تغشني هذه السنين أيها السارق؟

وبدأ هذا التاجر بسب هذا الرجل المزارع الفقير الذي ليس له في الدنيا إلا هذه الكرات التي يبيعها في القرية أو يبيعها في المدينة على هذا التاجر.

فماذا حصل؟ قال: سيدي، صبرًا. تكر الكيلو السكر الذي اشتريته منك قبل سنة؟ قال: نعم. قال: فأنا أزن كرات السمن على الكيلو السكر الذي أعطيتني.

من السارق؟ في الحقيقة هو التاجر الأول. أليس كذلك؟

لو عامل هذا الإنسان بالخلق الحسن والعدل لوجد عدلًا، ولكن غشَّ هنا فغُشَّ هناك.

نفس القضية، حياتنا مبنية على هذا الأمر، الجزاء من جنس العمل، قلوب الناس مثل مكينة الصراف التي يضع الناس فيها فلوسهم، أنت تودع في هذه الماكئن مبلغ كبير تستطيع سحبه بعد ذلك، فإذا إودعنا في قلوب الناس كلمات جميلة، عبارات حانية، هدوء في التعمل، رفق، عدم رفع صوت، غضب. تمر بلإنسان أحيانًا بعض الأشياء التي قد تغضبه، لكن المؤمن رجَّاع للحق.

لهذا ذكر بعض الأشياء والتصرفات أنه التعامل والراقي ونحو ذلك هذا جزء من الأخلاق بلا شك.

بعضاالعلماء يقولون: بذل الندى وكف الأذى.

يمكن أن نعرف الأخلاق عمومًا: هي التحلي بالأخلاق أو بالفضائل، التحلي بالفضائل والتخلي عن القبائح أو الرذائل، على هدي الإسلام وشرعه القويم.

إذن يتحلى الإنسان بالفضائل، وأن يتخلى عن الرذائل، لكن على ماذا؟ على هدي الإسلام وشرعه القويم، هذا الضابط مهم جدًا يا إخواني.

على هدي الإسلام وشرعه القويم. كيف؟ لماذا أصلًا ذكرنا هذا الضابط؟ لماذا قيل: على هدي الإسلا؟

لأن هناك مسألة مهمة جدًا وهي: ما ه منبع الخلاق ومقياسها؟ إذا أردنا أن نقيس أخلاق الناس نحاكمهم إلى ماذا؟ إلى عقولهم؟ إلى ضمائرهم؟ أم إلى شرع الله -عز وجل؟

هذه المسألة بحثها كتَّاب الأخلاق، وتحدثوا معها بعمق. لماذا؟ لأن هناك شيء مطروح سواء من قديم أو حتى بعد سقوط الكنسية -كما سيأتينا بعد قليل.

في العالم الغربي أرادو أن يستبدلوا شيئًا يجعلوه ضابطًا لأخلاق الناس بدلًا عن الكنيسة بعد سقوطها.

تعالوا ننظر في ما هي أقوال العلماء أو المدارس في الدنيا في منبع الأخلاق ومقياسها؟

جعلوا منبع الأخلاق أو المقياس الذي يمكن أن تقاس عليه أخلاق الناس لرنى هل هذا الخلق حسن أوغير حسن، خمسة أمور:

أما أولها: قالوا لكي نعرف هذا الخلق حسن أو غير حسن ننظر إلى أعراف المجتمع، إن كان موافق والله لأعراف المجتمع وما اتفق عليه الناس فبها ونعمت.

إن كان يخالف أعراف المجتمع فنقول هنا: فإنه لا يكون خلقًا حسنًا.

طيب.. ما المراد بأعراف المجتمع؟

المراد بأعراف المجتمع: هي مجموعة القواعد التي رج الناس عليه جيلًا عبد جيل، أنت تلاحظ أحيانًا في بعض البلدان مثلًا إفريقيا أو غيرها، أو في غابات الأمازون تجد أن هناك عندهم نظام تعارفوا ليه في هذه القبيلة، يعني دعونا نذكر مثالًا:

أهل بورنو -منطقة من المناطق موجودة على الكرة الأرضية- لا يمكن أن يتزوج الشخص -عرف عندهم- إلا أن يأتي بجمجمة لفتاته، جمجمة إنسان، من أين ياتي بجمجمة؟!

هناك أناس أيضًا آخرون وهم أهل سيريالون، إذا أرادوا انتخاب ملك ماذا يفعلون به؟ ياتون بع في ساحة كبيرة، ثم يضربونه كلهم، فإن تحمل أصبح ملكًا، وإن لم يتحمل وسقط لا يجعلونه ملك؟!

من يتحمل ضرب ألف شخص؟! ألفين شخص يجتمعون على شخص ثم يضربونه!

هذا عرف الآن عندهم، هل نقول للعالم كله لا بد أن يكون هذا العرف سائدًا.

كان في الجاهلية مثلًا عرف وأد البنات، شرب الخمور، الربا، وكان عرفًا عنجهم، ولهذا لا يمكن أن نقيس الناس على سب الأعراف. لماذا؟ لأن الأعراف تختلف باختلاف الزمان وكذلك المكان، فأعراف الناس الآن في قبيلة أفريقية بعيدة عنا، أو في غابابت الأمازون عند أولئك الناس الذين ليس لديهم حتى ملابس تسترهم، في الغابات الأفريقية المكتشفة في غابات الأمازون، هؤلاء لهم أعراف خاصة بهم، هل نقول لابد أن تعمم على الناس كلهم؟

لا شك أن هذا ليس بصحيح، والناس تختلف، والبشر كذلك يختلفون.

بل هذا يؤدي إلى ماذا؟ الجمود وعدم التقدم، فالناس تتطور ولا تبقى على أخلاق وأعراف أمم سابقة، ولذلك الله -سبحانه وتعالى- يقول: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، فالله -عز وجل- عاب على كفار قريش وعلى الجاهلية كيف انهم عرف الشرك الذي تعارفوا عليه سنين عددًا أصبح هو الأصل عندهم في حياتهم، ويريدون أن يحاكموا الناس إلى هذا ولا يرجعون إلى شرع الله.

الأمر الثاني أو المنبع الثاني، أو المقياس الثاني: قالوا: لكي ننظر إلى أخلاق الناس نحاكمهم إلى الضمير الإنساني. ما معنى الضمير؟ قالوا: هو قوة خفية تنبع من نفس الإنسان توضح له طريق الخير، وتبين له أيضًا سبيل الشر وتحذره منه، شيء في داخل الإنسان.

طيب.. نقول لهم الآن، نسألألهم سؤالًا هؤلاء الذيقولون الضمير، نقول: نحتكم إلى ضمير من؟ قد يكون بعض الناس ضميرهم يتفيصبح عنده القتل مثل شرب الماء، بينما أشخاص ضميرهم حي ورقيق. فماذا يحصل؟ تجد أن فيه تناقض كبير جدًا في مسألة الضمير، لأنه لا يمكن أن يكون الضمير موحدًا عند هؤلاء الخلق.

ثم هناك شيء آخر: أن الضمير شيء مبهم في داخل النفس، ليس له قاعدة شرعية، أو قاعدة وتجربة وخبرة يمكن أن تحاكم الناس إليها. هذه الأشياء المبهمة لا يمكن إعادة الناس عليها.

ثم هي -قضية الضمير- نحتاج أن ننتبه لها يا إخوة، هي فكر غربية مولدًا ومنشأ وتربية وكل شيء.

لما سقطت الكنيسة أراد الغربيون أن يجعلوا بديلًا يرجع الناس إليه في اخلاقهم وتعاملاتهم اليومية، فقالو: الضمير الإنساني.

ولا شك أن هذا لا يمكن الرجوع إليه، لأن الضمير ذو الخمسين سنة غير ضمير ذي الثامنة عشر سنة، عشرين سنة، ضمير صاحب المئة سنة الذي لديه حكمة وتجربة وحنكة في الحياة لا يمكن أن يكون مثل هذا الشخص، لذلك لا يمكن أن تحاكم إلى الصغير ولا الكبير.

وبالمناسبة، هذا جاء الحقيقة خاطر في ذهني الآن على قضية كبر السن، دائمًا الكبير لديه الخبرة والمعرفة ما لا يوجد عند الصغار، لهذا تعجبني أحد الأدباء المشهورين في مصر، ذهب مرة إلى السيرك وكان معه أحد الطلاب في الجامعة. فماذا حصل؟

كانوا في السيرك ويضحك الرجل، يضحك الشاب، والأستاذ هذا الكبير في السن ما يضحك، سات، فيقول له الطلبة: لماذا لا تضحك يا سيدي ألا ترى كيف تفعل الفيلة؟

ترى ماذا قال له الرجل؟ خبرة السنين يا بني.

خبرة السنين، هذا صحيح أن الإنسان كلما كبر كلما زاده الله -عز وجل- حنكة وتجربة وخبرة ورزان وهدوءًا، ولذلك الشريعة لا تجعل النبياء يبعثون إلا على رأس كم؟ أربعين سنة. لماذا؟ نضج {حَتّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15]، قمة العقل والرزانة.

ولهذا؛ ستلاحظون يومًا ما يا شباب وحتى الإخوة الذين يسمعوننا الآن والأخوات، ان الإنسان في سن الأربعين تكون لديه من القواعد الاجتماعية والرزانة ما لا توجد عند الشخص الصغير، ويعبر عن الأمور بأقل ما يمكن التعبير عنها، بخلاف الشخص الآخر.

هناك مقياس ثالث، وهو: اللذة والمنفعة.

إذن المقياس الثاثل قلنا ما هو؟ أعراف المجتمع.

والثاني: الضمير الإنساني.

والثالث الذي الآن: اللذة والمنفعة. قالوا ماذا؟ ما يحقق لك المنفعة المادية يكون خيرًا، وما يحقق لك ألمًا وضررًا مادية يكون شرًا.

وهذا غير صحيح، هذا المذهب أيها -الإخوة- الأشياء الغير مادية لا يعتني بها، فمثلًا الإيثار، الكرم، التعاطف، هذه الأخلاق لا يعترف بها هذا المذهب. لماذا؟ لأنه عندما تكرم إنسانًا وتدفع له مبلغ كبير من مالك، في الحقيقة أنت تتضرر ماديًّا صحيح، لأنه ينقص المال الذي لديك، على هذا المذهب يقول لا تكرم احد.

وابن القيم -رحمه الله- له عبارة جميلة يقول: أصول الأخلاق أربعة إذا اجتمعت في الإنسان تأتي بقية الأخلاق طواعية. من يعرفها؟ أعطونا شيئًا منها؟ ماذا تتوقعون؟ ما هي أصول الأخلاق؟ تفضل يا شيخ.

الصدق -يقول الأخ-، الأمانة.

ابن القيم يقول: "الكرم والصبر، والصدق، والعفة"، إذا توفرت في الإنسان جاءت بقية الأخلاق طواعية.

إذن: اللذة والمنفعة لا يمكن أن تكون أبدًا مقياسًا لأخلاق الناس، لن هناك أناس عظماء ضحوا بأنفسهم من أجل شعوبهم ولم تتحقق لهم أي فائدة مادية في الدنيا.

أيضًا هناك مذهب رابع جعلوه مقياسه العقل البشري، قالوا: ما يراه العقل خيرًا فهو خير، وما يراه العقل شرًّا فهو شر.

ونسألهم السؤال التالي: إلى عقل من نحتكم؟ إذا كان العقل هو مقياس الأخلاق، طيب.. عقل من نحتكم؟

هل عقل الأب أو الجد أو جد الجد؟ أو العقل الشاب أو العقل الفتاة؟ أو العقل المرأة الكبيرة في السن أو عقل القبيلة أو إلى السيد؟ لا أحد يعرف!

لذلك كان المذهب الخامس هو الصحيح. إذن كم ذكرنا من مذاهب؟ أربعة:

- أعراف المجتمع.

- والضمير الإنساني.

- واللذة والمنفعة.

والعقل البشري.

- أما الخامس فهو: الإسلام، وهذا هو المنبع الصحيح، ولهذا الله -سبحانه وتعالى- قال عنا {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، الله -سبحانه وتعالى- يعرف النفس البشرية ويعرف أسراراها، ويعرف عيوبها، يعرف ما فيها من نقاط قوة ونقاط ضعف كذلك، ولذلك عمل سياجًا من الأخلاق يتحاكم إليه الناس كلهم.

ولذا؛ ما الذي جعل الناسيسلمون على مرِّ العصور؟ هذه الأخلاق الإسلامية التي لا يمكن يختلف فيها اثنان، لا يمكن أحد يختلف في الأخلاق الإسلامية التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعض هذه الخلاق أصولها موجودة في الجاهلية.

ولهذا ماذا تقول عائشة؟ "إن نبينا -صلى الله عليه وسلم- بُعثَ وفي العرب بضع وستون خصلة من خصال الخير زادها الإسلام قوة"، ثم جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فزاده، ولهذا جاء في الحديث: «إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

طيب.. دعونا الآن نقف وقة يسيرة يا إخوة، وهي: الواقع اليوم اليوم عندما نجلس فب أي مجتمع تجد أن الناس يشكون من ضعف الأخلاق. صحيح؟

سوء تعامل الزوج مع زوجته والعكس، سوء تعامل الأب مع أولاده والعكس، سوء تعامل الرئيس مع مرؤوسيه العكس أيضًا، تعامل الهل مع الخادم أو الخادمة، تعامل الناس بعضهم مع بعض.

دعوني أضرب لكم مثال:

تصور لو أن إنسان الآن عند الإشارة، والإشارة مضيئة بالضوء الأحمر، ثم أضاءت بالضوء الأخضر، ثم هو واقف في مكانه لم يتحرك، والناس من ورائه ماذا يفعلون؟ هل يمكن لإنسان أن يصبر وراءه؟ مستحيل.

إذا كان الناس الآن خاصة مع الأرقام التي تأتي على الإشارة إذا بقي ثلاث، اثنين، واحد يسابقونه حتى يطير الإنسان ويخرج من دائرة الإضاءة الحمراء.

أعطيكم أنا موقف الحقيقة حصل لي في أحد البلدان: كنت عند الإشارة وكنا نسأل الشخص الذي بجوارنا، نقول له:يا أخي المكان الفلاني، بدأ يصف لنا، الإشارة حمراء، خضرت الإشارة ونحن في مكاننا وهو يصف لنا ولم نتحرك حتى انتهت وأصبحت حمراء، والناس من ورائنا لم نسمع ولا بوق واحد من الخلف.

تصور في بعض البلاد الإسلامية توقع أي شيء ممكن يأتيك، أي شيء غير طبعًا السب والشم وهذه الأشياء هذه مفروغ منها، لكن هل سيأتي حجر؟ تأتي قارورة مثلًا قارورة عصير على رالسيارة؟ لا أحد يدري. لماذا؟ عندنا أزمة أخلاق، أزمة أخلاق عالية جدًا.

ولهذا نحتاج أن نسلط الضوء، لأن مهارات التواصل الاجتماعي التي نتحدث عنها والعلاقات الاجتماعية لماذا ضعفت في الناس؟ بسبب أن هناك أزمة أخلاق على مستوى العالم العربي، والعالم الإسلامي، على مستوانا الشخصي، ونحن الآن نبدأ بدوائر ضيقة ثم نتوسع يا إخوان.

طيب.. لو سألت الإخوة الكرام: ما هي الأسباب التي أدت إلى ضعف العلاقة الأخلاقية؟ أو ضعف العلاقات الاجتماعية بين الناس؟ أو ضعف التواصل؟ أو ضعف حسن الخلق بين الناس؟ دعوني أسمع منكم يا شباب.

لماذا ضعف الاعتناء بالجانب الأخلاقي؟ تفضل يا أنس.

{الابتعاد عن هدي النبي -عليه الصلاة والسلام}.

الشيخ:

الابتعاد عن هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- جميل.

إذن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه أرسى الكثير من الأخلاق؛ بل أرسى الأخلاق كلها، وكان -عليه الصلاة والسلام- قرآنًا يسير في الأرض، أي أنه يخلَّق بخلاق القرآن، ولهذا لما سئلت عائشة عن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: "كان خلقه القرآن".

يعني كفار قريش، الصباح يقولون له ساحر، كاهن، كذاب، شاعر. صحيح؟

وفي المساء يأتون بأموالهم ويضعونها عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، قمة التناقض!

في الصباح يسبونه، ثم يأتون بأموالهم إليه، لأنهم لا يجدون أحد يمكن أن يستأمنه على هذه الأموال إلا النبي -صلى الله عليه وسلم.

طيب.. كلامكم في الصباح! سبكم للنبي -صلى الله عليه وسلم!

هم يعرفون في دواخلهم أنه نبي صادق -عليه الصلاة والسلام.

إذن: القضية الأولى: ابتعاد الناس عن الهدي النبوي، لو تمسك الناس بخلق النبي -عليه الصلاة والسلام- نضرب مثالًا في هذه القضية: كنت أقول دئمًا في أكثر من حلقة أن الإنسان كل واحد عنده أسنان، صحيح؟ أسألكم أنتم: هل أسنانكم عورة؟

وأنتم أيها الإخوة والأخوات في كل مكان تسمعونني الآن، هل أسنانكم عورة؟ طبعًا لا، ليست بعورة.

لكن تصوروا أن بعض الإخوة الذين يدخلون إلى بيوتهم، أول ما يدخل تغلق مباشرة دونما شيء. لماذا؟ أسناننا ليست عورة، نتاج إلى ابتسامة.

لماذا ذكرت هذا المثال؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- تقول عائشة: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بسَّامًا ضحَّاكًا" يعني مع أهله في داخل البيت، «خيركم خيركم لأهله» -عليه الصلاة والسلام.

إذن هذه ممارسة يومية كان يفعلها النبي -عليه الصلاة والسلام- هل نحن نطبقها؟ هل نحن نتعامل بها مع ناس؟

النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «الكلمة الطيبة صدقة»، وفي أناس ليس لديهم أموال كي بيذلوا، يمكن أن يبنوا مسجدًاو يمكن أن يعمروا مدرسة، يمكن أن يكفلوا أيتامًا، يمكن أن يطبعوا مصاحف أو غيرها، لكن الكلمة الطيبة؟!

ولهذا دائمًا أقول للإخوة والأخوات: الكلمة الطيبة عطر اللسان، أنت عندما تذهب تشتري عطر تقول له: أعطني عطر يدوم ورائحته نفاذة. صحيح؟

الكلمة الطيبة هي التي يجتمع فيها هاتين الخصلتين، تدون في قلب الإنسان، ورائحتها جميلة، فواحة رائعة تبقى في نفسه تشع عليه بمجرد أن يراك يعرف أنك أنت صاحب تلك الكلمة الجميلة. تصوروا!

بل دعونا نعمل اختبار على أنفسنا، الأربعة وعشرين ساعة السابقة كم كلمة طيبة نطقت بها لإخواننا وأهلينا وأقاربنا؟بل خذ شيئًا آخر: كم كلمة طيبة وجهناها لأنفسنا نحن؟ نحن نجلد انفسنا من الصباح للمساء؟ كم نحمل من السموم في دواخلنا؟

هذه السموم ماذا تقول؟ تقول أننا فاشلين لا نستطيع أن نقدم شيء، نحن غير ناجحين، لا يمكن ننجح في الحياة، حتى متى سنخاطب أنفسنا بهذا الخطاب؟!

أنفسنا بحاجة إلى كلمة طيبة، بحاجة إلى حسن تعامل.

قبل أن نذهب للناس لا بد أن تكون نفوسنا مستقرة هادئة مرتاحة، حسنة الظن بالله -سبحانه وتعالى- ثم نتعامل مع الآخرين.

كم كلم طيبة نستخدمها في تويتر، في الفيس بوك، في التعليق على بعض...، تأتي مثلًا مقالات، تاتي أخبار في بعض المواقع، انظر للتعليقات في الأسفل، تعرف أن الناس فقدوا جانبًا كبيرًا من الأخلاق الشرعية، لا تجد إلا السب والشتم واللعن للكاتب والجد السادس عشر له أيضًا والسابع عشر والثامن عشر. لماذا؟!

أين الأخلاق الإسلامية عند هؤلاء الأشخاص؟!

إذن: أول قضية ما تفضلتم به وهو: ضعف الارتباط بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم.

أما الأمر الثاني، دعوني أقوله ثم الثالث آخذه منكم -إن شاء الله: سلبية المؤسسات الفاعلة في المجتمع.

الآن لدينا كم مؤسسة في المجتمع تعمل على الناس؟ ثلاث، هذه المؤسسات الكبيرة جدًا: المدرسة والإعلام والأسرة. هذه مؤسسات تصنع أجيال، تنبي أخلاق، تبني قيم.

فإذا وجدت هذه المؤسسات في تناقض أنت تبني في البيت والإعلام يهدم!

أنت تصنع خلقًا في المنزل، ويذهب الطفل إلى الدرسمة ينهدم هذا الخلق كله بالكامل.

الإعلام أيها الإخوة يقدم صورة مشوهة للأخلاق الإسلامية، أنت تحدث ولدك عن العفة مثلًا، ثم تجد في الإعلام في مقاطع اليوتيوب أو غيرها شيء يندى له الجبين، فيديو كليب، ماذا يفعلون في الفيديو كليب؟ يسلطون هذه الكاميرات وزوم على ماذا؟ على مفاتن الفتاة، على مفاتن هذه المغنية.

انظر لمقاطع اليوتيوب، انظر للأفلام والمسلسلات وغيرها التي تهدم الأخلاق تمامًا، تتحدث عن العفة وهم يتحدثون عن الخيانة الزوجية، ويرون أن المراة التي تخون وتتفنن في هذه الخيانة وتستطيع أن تعاشر عشرات الأشخاص دون علم زوجها -وهي البطلة بالمناسبة- لأنه بطولة فلانة التي تفعل هذه الأفعال السيئة.

البطل من هو؟ الكذاب المجرم السارق الذي يضرب الناس، الذي يستطيع أن يتحايل على كثير من الخلق ويأخذ موالهم.

هل هذه هي أخلاق الإسلام؟ لا شك أن الإعلام قدَّم صورة نمطية سيئة عن كثير من الخلاق، ولهذا دائمًا نحن نقول: افهم ولا تذوب، افهم الناس، استفد منهم، لكن لا تذب في أخلاقهم، لا تحمل أشياء هي ليست لك، ولا تليق بك أيضًا كمسلم، وما صنع في الصين لا يصلح لشباب المسلمين، ليس بالضررة أن تكون تلك الأخلاق تصلح لبلادنا، نعم هناك قدر مشترك قد تكون في بعض الأخلاق، لكن كثير من الأخلاق لا تتناسب معنا أبدًا.

إذن: لدينا أمران:

- البعد عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم.

والمر الثاني: سلبية المؤسسات الفاعل في المجتمع، المدارس والإعلام، والمساجد أيضًا تقدم فعلًَا طرحًا تستطيع انتكسب به قلوب الخلق إضافة إلى الأسرة.

أعطونا أيضًا شيئًا آخر يا شباب، الثالث. تفضل يا شيخ، كان عندك مداخلة

تفضل.. ما هو الثالث؟

{التعلق بالدنيا}.

الشيخ: التعلق بالدنيا، جميل.

التعلق بالدنيا، يعني تصبح الدنيا هي ماذا؟ أسمعنا الإجابة مرة أخرى حتى يسمعها الإخوة من بعيد.

{التعلق بالدنيا}.

الشيخ:

جميل، التعلق بالدنيا، إذا تعلق الناس بالدنيا ويبحثون عن المال والمال فقط، إذن الغاية تبرر الوسيلة، يمكن للإنسان أن يكذب، يمكن للإنسان أن يفعل اي شيء، أو يتنازل عن كثير من أخلاقياته، المهم أن يصبح صاحب مال.

خذو مثال مثلًا: شخص مسلم وتقي وصلى الفجر في ذلك اليوم، ثم تعرض إلى عملية رشوة، هنا ستظهر الأخلاق، هل هذه الصلاة تؤثر فعلًا فيه وتجعله مسلمًا حقًا؟ أم هو إنسان والله ما دام جاءت رشوة مرة واحدة وتب إلى الله!

لكن قد تكون هذه المرة هي القاضية التي تفضح بها في الدنيا، والتي أيضًا ستجد عذابك فيها في الاخرة.

لهذا لا يمكن أن تصلح الدنيا إلا بصلاح الدين، ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول على المنبر: «اللهم أصلح لي ديني » ماذا؟ أكملوا يا شباب «الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخر التي إليها مادي».

وإن شاء الله في يوم من الأيام سنتحدث عن مسألة مهمة جدًا ولعلي أشير إليها إشارة سريعة: أي مجتمع مسلم، أي دولة مسلمة, أي إنسان مسلم، أي أسرة مسلمة لا بد أن يضبطوا خمسة أمور في حياتهم، إذا ضبطت هذه الخمسة أشياء يستطيعوا أن يعيشوا في هذه الدنيا بتوافق مع مبدائهم وقيمهم وأخلاقهم -بإذن الله تعالى.

ما هي هذه الخمسة؟

أما أولها أيها الإخوة فهو: أول هذه الأشياء: من أنا؟

الثاني: أشبه من أنا؟

الثالث: من أتبع؟

الرابع: ماذا أفعل؟

الخامس: ما قيمة ما أفعله؟

نأخذها لكن بطريقة أخرى:

"من أنا؟" تحديد الهوية.

"أشبه من أنا؟" تحديد الانتماء.

"من أتبع؟" تحديد المرجعية.

"ماذا أفعل؟" تحديد الأهداف المرحلية.

"ما قيمة ما أفعله؟" تحديد الهدف الاستراتيجي.

نعيد الخمسة، لكن سأسمعها منكم، أول شيء: "من أنا؟" المراد بها ماذا؟

{تحديد الهوية}.

الشيخ:

تحديد الهوية. جميل، إذن أي أمة لابد أن تكون لها هوية، ولذلك نحن لا نذوب في الآخرين -كما ذكرنا قبل قليل.

كيف نشكِّل الهوية؟ بثلاثة أشياء، إذا أردت أن تشكل هوية مجتمع أو أمة لابد أن تشكلها بثلاثة أمور:

- عقيدة.

- ولغة،

- وتاريخ.

الآن ديننا أليس دين عالمي؟ الله يقول {وما أرسلناك إلا رحمة} [الأنبياء: 107]، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28]، لكي يفهموا الدين لابد من ماذا؟ إبصال اللغة العربية إليهم حتى يستطيعوا استيعاب هذه النصوص الشرعية الموجودة في الكتاب والسنة. أليس كذلك؟

الثاني: أشبه من أنا؟ تحدي ماذا؟

{تحديد الانتماء}.

تحديد الانتماء، أحسنت.

الإنسان لابد أن يكون له انتماء، انتماء مصغر، وانتماء كبير، وانتماء للأمة يضًا، لذلك من الخطا الذي يمارس الآن هو محاولة بتر للناس عن أمتها، بلد آخر فيه قتل، ما دخلك؟ المهم أنت تجلس في بيتك، عش حياتك مع أسرتك. وهذا غير صحيح {نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، كما جاء في الحديث الآخر: «يسعى بذمتهم أدناهم».

الثالث: "من أتبع؟" تحديد المرجعية، أمة بدون مرجعية تعيش في هواء، الله -عز وجل- يقول: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]، إذن لابد للإنسان من مرجعيةو ما هو المرجعية؟

هم يقولون مثلًا هؤلاء الغربيون: أن المرجعية في الأخلاق هي ماذا؟ الضمير الإنساني، العقل، اللذة والمنفعة، أعراف المجتمع.

نحن نقول: لا، أن المرجعية دائمًا ما هي؟

{الإسلام}.

الشيخ: الكتاب والسنة، لكن في قضايا الأخلاق لابد لنا من مرجعيتين، وهذه مسألة مهمة جدًا لابد للإخوة والأخوات أن ينتبهوا لها.

أما الأولى: فهي مرجعية معصومة، لا بد من مرجعية معصومة.

واما الثانية: مرجعية غير معصومة.

ما الفائدة إذا كان عندي أنا معصوم؟ ما الحاجة إلى غير معصومة؟

نأخذ مثال: الآن أب مثلًا في المنزل، عنده مجموعة من الأبناء لكن يدخن، فيأتي الأبناء ويقولون: أنت تدخن يا أبي، نحن سندخن مثلك. فيقول لهم: حرام.

يقولون له: طيب.. أنت لماذا تدخن إذا كان حرام. فماذا يفعل؟

يقول لهم: يا أبنائي أنا ابتليت، وانا مرجعية غير معصومة، لكن المرجعية المعصومة التي هي لي ولكم.

لهذا الله -عز وجل- ربطنا دائمًا بالمرجعية المعصومة، إذا حصل خلل من الناس نرجع إلى الأصل الذي يمنعنا من الإنحراف أو الإنجراف في أي شيء.

ولذلك المرجعية الغير معصومة فائدتها في أمر مهم جدًا وهو ماذا؟ القدوة، أن المرجعية غير المعصومة تمثل الصورة الحقيقة للإسلام على حسب قدرها وجهدها.

الأمر الرابع: ماذا أفعل. تحديد ماذا؟ لا، تحديد الهدف المرحلي.

طيب.. لو سألتكم يا شباب: ما هي أهداف الإنسان في الدنيا؟ تفضل يا أسامة.

{طاعة الله -عز وجل- فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-}.

الشيخ:

لا، هي الحقيقة ثلاثة أهداف، لعلي لأن بقي معنا وقت يسير، إذا لم تأتِ أسئلة فلا بأس.

الأهداف ثلاثة، أهداف المؤمن في الدنيا ثلاثة أهداف، هي:

أولًا: إصلاح الدين.

- إصلاح الدنيا.

- إصلاح الآخرة.

«أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معادي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي»، هذه مسألة مهمة جدًا.

لهذا؛ اليوم الإسلام لا شك أنه قوي في ذاته، ولكن م يجد حملة له. لماذا؟ لأنه أخطأنا في مسألة مهمة جدًا أرجو أن تنتبهوا لها كثيرًا يا شباب: الإسلام له خطان متوازيان، جانب عبادي وجانب حضاري.

نحن الآن تجد عندنا جانب عبادي، ناس كثير يصلون، لكن ليس عندنا جانب حضاري، بناء الأرض، عمارة الأرض، الممارسات اليومية، الأخلاق، أن تكون لدينا ثقافة مجتمعية يومية تمارس، هذا ليس موجد للأسف الشديد.

في بعض البلدان التي أعاطاها الله -عز وجل- الدنيا عندهم ثقافة مجتمعية يومية، ثقافة النظافة، النظام، إدارة الوقت, احترام النظام، تطبيق النظام، أشياء كثيرة جدًا في حياتهم قمة هم فيها، كما قال الله -عز وجل- عنهم {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غافلون} [الروم: 7].

لهذا؛ نحن نحتاج أن ننتبه إلى هذهين الأمرين، الجانب العبادي والجانب الحضاري، أننا كما نحرص على عبادتنا نحرص على ممارستنا اليومية وأخلاقياتنا في التعمل مع الاخرين.

ولهذا -إن شاء الله- في هذا الدرس بإذن الله تعالى نقف وقفات كثيرة في مسألة العلاقات الاجتماعية، سنتحدث عن أهميتها، وعن كيق يمكن أن نزرعها، كيف مهارات التواصل مع الزوجة، ومع الوالدين، مع الخدم، مع الأبناء، كل هذه الأمور -إن شاء الله- سيكون لها لقاءات قادمة بإذن الله تعالى.

كان من عاء النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول:«اللهم اهدني لأحسن الأخلاق»، ونحن نقول في ختام هذه الحلقة: اللهم اهدنا لأحسن الخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

سعدت بكم أيها الإخوة في هذا للقاء وكذلك أنتم أيها الإخوة والأخوات خلف الشاشة، أسأل الله -عز وجل- أن يوفقني وإياكم لكل خير.

على أمل اللقاء بكم -إن شاء الله تعالى- في لقاءات أخرى متجددة حول هذا الموضوع مهارات التواصل في العلاقات الاجتماعية، شكر الله للجميع حسن استماعهم وإنصاتهم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تفريغات الاسبوع الثاني

 

تفسير جزء عم

د. محمد الخضيري

الدرس (3) سورة عبس

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مشاهديَّ الكرام وإخواني الحضور، حيَّاكم الله جميعًا في درس جديد من دورس التفسير في هذه الأكاديمية الإسلامية المفتوحة.

ومقرر التفسير هو جزء عمَّ، وقد أخذنا بحمد الله تفسير سورة النبأ، وتفسير سورة النازعات، واليوم معنا تفسير سورة عبس.

هذه السورة الكريمة سورة مكيَّة، يتضح لنا ذلك من خلال أسلوبها، وقصر آياتها، ويتضح لنا ذلك أيضًا من خلال قصتها وسبب نزولها.

هذه السورة مقدمتها له سبب نزول. فمن يعرف سبب النزول؟

تفضل يا شيخ عبد الملك.

{يُروى أنها نزلت في ابن أم مكتوم، لما أراد أن يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- مايزكي به نفسه، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يود لو أنه تأخر عن هذا الوقت لانشغاله -صلى الله عليه وسلم- بأمر الدعوة -أو رُوي- يدعو أبيَّ بن خلف، وقيل ثلاثة من بني العباس}.

جميل، أحسنت.

كما ذكر الأخ عبد الملك -جزاه الله خيرًا- سبب نزول هذه السورة، أو مقدمة هذه السورة هو هذه القصة، وهو: أن عبد الله بن أم مكتوم كان ممن أسلم قديمًا، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يتزكى، ويريد أن يتعلم دينه،وجاء مقبلًا وهو أعمى.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان مشغولًا بدعوة آخرين من كفار مكة، سواء واحد أو ثلاث.

المهم: في تلك اللحظة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو هؤلاء وهم معرضون عنه، وكان -عليه الصلاة والسلام- يتمنى لو أن عبد الله بن أم مكتوم لم يأتِ في هذا الوقت, لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا يمكن أن يحقر أحدًا من المؤمنين، أو يتأخر عن إجابة طلبه، ولكن الموازنة كانت عند رسول الله في تلك اللحظة تقتضي بمتقضى من عنده من الحكمة أن يقدِّم شأن هؤلاء الذي يرجو بدخولهم إلى الإسلام نفع الإسلام، وعز المسلمين.

ولكن الله عاتبه وقال: يا محمد أن تُقبل على من أعرض عنك، وتدع من أقبل إليك.

وهذا هو الدرس الذي يجب علينا أن نفهمه من هذه القصة، وهي أن الإنسان ما يذهب إلى من يعرض عنه في الوقت الذي يترك فيه من يُقبل عليه.

فالذي يُقبل هو الأحق، ولا تنظر يا محمد إلى المقاييس البشرية الأرضة، أن هؤلاء ذوو عزة وأصحاب مكانة ورفعة، هذا لا مكانة له عندنا. العز كله عند الله {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اجتهد، ولكن الله عاتبه على ذلك، ولما عاتبه ربَّانه -سبحانه وتعالى- على كيف، أو ما هو مقام محمد -صلى الله عليه وسلم- عنده، فلمَّا عبر بالعبارات التي قد يستوحش منها قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبَّر بعبارت لطيفة على قلبه، وخفيفة على نفسه. فماذا قال؟

قال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1]، الحديث هنا مع مَنْ؟ مع رسول الله، يعني الحديث هنا عن رسول الله.

فـ{عَبَسَ}: أي قطَّب وجهه.

و{وَتَوَلَّى}: أي أعرض عن هذا الذي جاءه يريد أن يسترشده ويسأله.

عبَّر بضمير الغائب لماذا؟

لماذا لم يقل: "عبست وتوليت"؟ قال: {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1]. نعم يا عبد الملك.

{لها احتمالان:

إما أخذًا بالأسلوب العربي وهو الالتفات.

والثاني: كأنه كما يثقال: ما كان ينبغي مثل هذا}.

نعم، أحسنت، نقول الجواب على هذا: هو أنه أراد ألا يوحش صدره بالخطاب، لأن الخطاب له هجوم على النفس، وأثر ثقيل عليها.

فكأنه يتحدث عن خص غائب فيقول: عبس هو، وتولى هو، أن جاءه الأعمى.

فلما ذهبت هذه الوحشة بدأ بالخطاب، فقال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس 3، 4].

طيب.. {عَبَسَ}: أي قطَّب بوجهه

و{وَتَوَلَّى}: أي أعرض ببدنه.

لأنه لما أقبل ابن أم مكتوم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كره النبي -صلى الله عليه وسلم- مجيئه، ولما جاء يسأل أو يريد من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرشده إلى ما أراده أعرض عنه وانشغل بهؤلاء من صناديد قريش، فعاتبه الله -عز وجل.

ثم قال: {أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 2]: أي بسبب أن جاءه الأعمى.

طيب.. هنا سؤال: لماذا عبَّر عن هذاالرجل أو الصحابي بالأعمى؟ أليس في هذا تعييرًا لهذا الرجل؟

لماذا لم يقل: "أن جاءه عبد الله بن أم مكتوم" مثلًا؟ أو: "أن جاءه ابن أم مكتوم"؟

الجواب؟ نعم يا رياض.

{ربما لكون الناس ينتقصون أصحاب الخِلقية وغيرها، وليس المهم الاسم هنا في هذا المقام وفي هذا السياق، وإنما المراد في ضوء السياق أن يبيِّن بأن رجلًا ذا عاهة وعيب؛ فالناس في الغالب يتنقصون هؤلاء، فكان المقام أولى بان يركِّز على العاهة، أو صاحب العاهة، وليس على الاسم}.

جميل، أنت حولها تدندن.

نقول: لأسباب، منها:

أولًا: ليبيِّن عذر هذا الرجل الذي جاء إلى رسول الله، هذا الرجل الذي جاء إليك يا محمد له عذر، وهو أنه أعمى، هو لا يدر أنت مشغول أو غير مشغول، وهو صاحب حاجة، فكان ينبغي لك أن تقضي حاجته وأن تعذره لأنه لم يطلع على ما أنت مشغول به. هذا أولًا.

ثانيًا: ليرقق قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه وعلى نظرائه. وهذه الآيمة ممكن نجعلها ماذا؟ حجة في التلطف مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعطائهم من الرفق واللين والرحمة أكثر مما يُعطى غيرهم بسبب ما هم فيه من البلاء، فصاحب البلاء يُرحم أكثر من صاحب العافية، أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعافينا جميعًا.

قال: {أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس: 2]، طيب هل هذا يعتبر تعيير؟ لا، ليس تعييرًا، ما دام يُراد بهذا الوصف معنى لطيف وجيد، ولا يراد به العيب والتعيير؛ فإنه لا يعاب ذلك أبدًا.

ومثل ذلك: لو أنك أردت أن تميز بين رجلين باسمين متحدين، احدهما عنده عاهة معينة يتميز بها، والثاني ليس عنده ذلك، فلا بأس أن تصف أحدهما بتلك العاهة من أجل التمييز وليس من أجل التعيير.

ولكن لو قل لإنسان وأنت تعييره: يا أعمى، أو يا أعرج، أو يا أعور. فهذا مذموم ويأثم الإنسان عليه، ويعتبر من الشتم الذي لا يليق بالمسلم أن يتبلس بشيء منه.

قال الله -عز وجل- معاتبًا رسوله بعد أن كان بأسلوب الغيبة جاء إلى أسلوب الخطاب، قال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 3].

طيب.. يا إخواني قبل أن نتجاوز هذا احب أن أرجع مرة أخرى إلى قوله {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1]، هذا التلطف من الرب -سبحانه وتعالى- مع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- يربينا فيه ربنا على مكانة رسول الله عند الله، وأن له منزلة عالية، والله -عز وجل- يبين لنا عظم هذه المنزلة التي لرسول الله فيقول: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الأَعْمَى} [عبس 1، 2]، لو قال له: "عبست وتوليت" ما ضرَّ ذلك ربنا -سبحانه وتعالى- ولكن الله أراد أن يبين لنا كيف يكون الأدب مع الكبار، مع ذوي الشرف والمنزلة، مع ذوي المكانة، مع ذوي الفضل على أهل الإيمان، والفضل على الخلق.

وما يخفاكم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم الناس حقًّا علينا، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن به -عليه الصلاة والسلام- ويحبه أشد من نفسه.

ومن نظائر هذا الأسلوب في القرآن -وهي كثيرة بالمناسبة، ادعوكم لتتبعها- قول الله -عز وجل- في سورة التوبة{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، من يعرف ما هو العجيب في هذه الآية؟{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، ما هو العجيب في هذه الآية؟

نعم يا شيخ عبد الملك.

{فهمي أنا: النبي -صلى الله عليه وسلم- كبشر يجتهد ويصيب، ولكن رؤية المولى -سبحانه وتعالى- في كلا الحالتين لبيان العذر في تلك القصة، وبيان العذر لابن أم مكتوم لأنه أعمى. على أن اجتهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- على ظاهره صحيح، لأن ابن أم مكتوم معذور لأنه أعمى لم يدرك موازنة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمفاضلة بين الأمرين، فكان هذا مثل ذاك أو قريب منه}.

طيب.. عندك جواب يا رياض؟

{أعتقد أن الله -عز وجل- أراد طبعًا أن يتلطف إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيهيئ الأجواء، يهيئ نفسية النبي -صلى الله عليه وسلم- لتلقي العتاب عليه، قدَّم العفو والمغفرة عنه ثم جاء بالعتاب}.

السر هو: أنه قدَّم العفو قبل ذكر ما حصل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم.

العادة أن أقول: أنت يا فلان أخطأت، وهذا لا يليق بك، ولكن عفا الله عنك. هذا الأصل، أن تذكر الذنب، أو الخطأ الذي وقع ممن تريد التصحيح له، ثم تذكر العفو.

في الآية قدَّم العفو. لماذا قدم العفو؟ لئلا يستوحش قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويصيبه جائحة من الخوف، لأنه -عليه الصلاة والسلام- يريد أن تكون الصلة بالله -عز وجل- أعظم صلة، ولا يرتاح -عليه الصلاة والسلام- أن يكون التأنيب نازلًا عليه من السماء، ولذلك طمانه الله.

{عَفَا اللَّهُ عَنْكَ}، طيب عفا عن ماذا؟ {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، وهذا من الدلائل على مقام رسول الله عند ربه -صلوات ربي وسلامه عليه- لاحظتم؟

وأمثلة ذلك كثيرة جدًا، لو أردنا أن ناخذها لطال بنا المقام.

قال الله -عز وجل:{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس: 3]: أي شيء يدرك لعل هذا الأعمى الذي جاءك يتزكى.

وقوله {زكى} أدغمت التاء في الزاي فصارت {يَزَّكَّى}، وأصلها: يتزكى.

{أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس: 4]: هنا ذكر شيئين:

الأول: يزكى.

الثاني: يذكر.

قال العلماء: إن هذا من باب تقديم النخلية على التحلية، فإما أن يتطهر من ذنوبه {يَزَّكَّى}، وإما أن ينتفع بشيء مما جئت به من الوحي والخير والعلم النافع. إما أن يحصل له هذا أو يحصل له هذا.

{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى} [عبس 3، 4 ].

قال الله -عز وجل:{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس 5، 6]: اما هذا المستغني الذي لا يرغب في سماع ما عندك يا محمد، وليس عنده الرغبة في أن يؤمن، ولا أن يتلقى؛ بل إنه راغب في فراقك، فما الذي يحملك على أن تتصدى له؟!

{فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [عبس: 6]: أصله: تتصدى، حذفت التاء الأولى تخفيفًا، وهذا سائغ في لغة العرب؟، خصوصًا إذا كان فيها شيء من الثقل على اللسان.

قال: {وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} [عبس: 7]: معناها يختلف باختلاف ما، دعونا ننظر إلى كلمة "ما" يا إخواني.

"ما" هذه يمكن أن تكون ماذا وماذا ليتغير بها المعنى؟

{وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} [عبس: 7]، "ما" ما معناه في اللغة؟ هذا يبين لنا أهمية تعلم معاني الأدوات التي يتغير بها المعنى.

{وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى} [عبس: 7]، يمكن أن تكون "ما" نافية، أي: ليس عليك شيء في "ألا يزكى"، في "ألا يتزكى".

يعني: إذا لم يتزكى يا محمد فليس عليك شيء، لن ينالك من الله -عز وجل- لا عقوبة ولا عتاب، لنك قد أديت ما عليك، وهو الذي أعرض بنفسه، فليس عليك شيء إذا لم يتزكى.

المعنى الثاني: أن تكون "ما" ماذا؟ استفهامية.

ماذا يكون المعنى؟ أي شيء عليك إذا لم يتزكى؟

الآن "ما" جاءت نافية واستفهامية، ولكن المعنى في النهاية ماذا؟ واحد، أي شيء عليك إذا لم يتزكى؟ لا شيء عليك، لا شيء عليك إذا لم يتزكى.

طيب.. قال: {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى} [عبس: 8]: من هو الذي جاءك يسعى؟ عبد الله بن أم مكتوم.

لاحظ كيف وصفه؟ وصفه بانه قال: {جَاءَكَ}، فجاء بنفسه. أما أولئك فأنت جئت إليهم، وذهبت إليهم، وتصديت لهم.

هذا جاءك طالبًا للهدى، فالحق أن يُقبل على مَن أقبل، وألا يؤبه بمَن أعرض، هذا هو الأصل، العدل أنك مَن أقبل عليك تُقبل عليه، ومن أعرض فلست محاسبًا لو أنه أعرض، وتركته.

قال {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ} [عبس: 8]، هو جاءك.

الثاني:{يَسْعَى}، أيضًا هذا المجيء مجييء بإقبال ورغبة، ليس عبد الله بن أم مكتوم كان يمشي ثم سمع صوت النبي قال: تذكرت، فيه سؤال يا رسول الله؛ لا، جاء قاصدًا.

لأن السعي هنا لا ينبغي حمله على سعي البدن، بمعن الركض أو الشدة في الجري، لأن ابن أم مكتوم ماذا؟ اعمى، ومثل هذا لا يتصور منه أن يمشي في الأسواق وفي الشوارع بماذا؟ بقوة أو بسرعة.

إذن: ما هو المعنى؟ {جَاءَكَ يَسْعَى}، أي جاء مهتمًّا حريصًا مقبلًا.

قال:{وَأَمَّا مَن جَاءَكَ} [عبس: 8]، السعي يا إخواني فضيلة ينبغي للمسلم أن يتصف بها، وهي أنه إذا شرع في أمر من الخير يُقبل عليه ويحرص عليه.

ماذا وصف الله المنافقين في أمر الصلاة؟ قال:{وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ} [النساء: 142].

ووصف المؤمنين في آية أخرى قال:{وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء: 19].

فحري بالمؤمن دائمًا إذا أقدم على عمل من الخير أن يُقدم عليه بهمَّة وبحرص وإرادة تامة دون تردد.

قال الله -عز وجل:{وَهُوَ يَخْشَى} [عبس: 9]: هذه الصفة الثالثة.

{جاء}، و{يسعى}، وأيضًا عنده خشية حملته على أن يسأل، وليس سؤال مجرد ماذا؟ استعلام أو تزود مثلًا من العلم فقط، أو لمجرد تزجية الوقت، أو لأجل الكلام مع رسول الله فقط -كما يفعل بعض المحبين لرسول الله، يريد أن يتحدث مع رسول الله بأي كلام، مثل ما يرى بعض الشباب العالمَ، فيأتي ليسلم عليه، كيف حالك يا شيخ؟ ما هو أحسن كتاب في التفسير؟ هو يسأل هذا السؤال من أجل أن يتلذذ بسماع صوت الشيخ وإجابته له، وإلا لا حاجة له بهذا السؤال- لا، هذا حمله على السؤال خشيته من الله -عز وجل- يريد أن يعمل، ويريد أن ينفذ.

فإن قلت: ما الفرق بين الخشية والخوف؟ أيها أشد؟ رياض، أيها أشد: الخوف أو الخشية؟

{لستُ أدري}.

لستَ تدري، نعم، عبد الملك.

{الخشية عمل قلبي}.

طيب والخوف؟

{ما أدري}.

ما تدري، خذ الميكرفون يا شيخ.

{الخشية أعلى من الخوف}.

طيب.. كيف؟

{يعني الخوف من البشر}.

طيب..{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] ؟

{يعني عام يا شيخ، الخوف أعم، أما الخشية{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏} [فاطر: 28]}.

نعم،{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏} [فاطر: 28]، هل تستنبط منها معنًى في الفرق بين الخوف والخشية؟

{أعتقد أن الخشية هي الخوف مع التعظيم}.

يا سلام، يعني محاولة جميلة جدًا.

الخشية: خوف بعلم.

الأخ عبَّر عنها بتعظيم، يعني التعظيم ما يكون إلا بعلم.

أما الخوف فيكون خوفًا، يعني أن تخاف من شيء، عامةً أن تسمع صوت مفزع تخاف، ما تدري ما هذا الصوت، هل هو صوت رعد يأتي بعده المطر، أو صوت قنباة أو تفجير، ما تدري.

أما الخشية فتكون لمن علم.

ولذلك جاء في الآية:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ‏} [فاطر: 28].

ومادة خشي «الخاء والشين والياء» في اللغة العربية دائمًا تدل على الشيء الأكثر، الأبلغ أو الأقوى في المعنى.

مثلًا خذ تصاريفها: خشِي - وعندك «شيخ»، الشيخ من هو؟ إما أن يكون الكبير في السن أو الكبير في العلم.

لو قلبتها مرة ثانية: "خيش" هو الكيس الذي يكون قويًّا فتوضع فيه الحبوب والأشياء الثقيلة، وهكذا.

طيب.. قال: {يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس 9، 10]: كيف هذا؟ جاء ويسعى، وهو يخشى، ومع ذلك تلهيت عنه.

وسمى إعراض النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه ماذا؟ تلهيًا، لأنك تركت ما يليق بك مع من أقبل عليك، وذهبت إلى من أعرض عنك، وليس مستمعًا لك، ولا منتفعًا بما عندك، فسمَّه "تلهيًا".

قال:{فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى} [عبس: 10]، و{تَلَهَّى} هذه أصله: تتلهى، لكن حذفت التاء تخفيفًا.

ما هو الدرس الذي نأخذه من هذا؟

يا إخواني، في تقديمنا للدعوة، وبذلنا للعلم وللدين؛ ما ننظر إلى قضية مراتب الناس الأرضية، هذا فلان ابن أمير، أم ابن غني، أم ابن وزير، أم ابن فقير؟ بل من أقبل على العلم، أقبل على الدعوة، جاء إلينا؛ يجب علينا أن نقدم له هذه الدعوة، وأن نمد له يد العون والمساعدة، وأن نهديه سبيل الرشاد، وألا ننظر إلى أصله أو فصله، أو نسبه، أو غناه، أو حاله، أو جاهه، أو سمعته، أو أي شيء من هذه الموازين الأرضية. هذه فائدة عظيمة جدًا ينبغي أن نستفيدها من هذه الآيات.

{عندي سؤال}.

تفضل، لكن بشرط ألا يكون طويل على أساس وقت البرنامج.

{نلاحظ الآن أن الآيات تعذر النبي -صلى الله عليه وسلم- في اجتهاده من خلال وصف أن النبي -صلى الله عليه وسلم-{تَلَهَّى}، فجانب صواب الأمر، وصف ابن أم مكتوم بأنه اعمى، كذلك وصف ابن أم مكتوم بصفات معية قد لا يدركهاالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سعى، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه محدود بما هومحيط به، ويخشى أمر معين مبني على علم، أليس فيها عذر للنبي -صلى الله عليه وسلم- نفهم منه باجتهاده -صلى الله عليه وسلم- بمخاطبة أولئك القوم؟}.

لا، يا عبد الملك نحن نقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما فعل الذي فعل عن هواه، هذا ما عندنا شك فيه -ولله الحمد- بل الذي حمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن يُقبل على أولئك ويدع ابن أم مكتوم؛ أنه كان يريد مصلحة الدعوة، ولكن جاءه التصحيح من الله.

يا محمد من أقبل عليك فأقبل عليه، ومن أعرض عنك فلست محاسبًا ولا مسؤولًا عنه، وإياك أن تدع ذلك الذي أقبل في مقابل أن تذهب إلى ذلك الذي أعرض.

وحال رسول اللهأولًا كانت مزيد الحرص على الدعوة، ولذلك هو معذور فيما فعل -عليه الصلاة والسلام.

لكن الدرس يأتي لنا نحن هذه الأمة، ولرسول الله من بعد تلك الحادث، إن جاءك أصغر الناس وأقلهم وأحقرهم في نظر الناس يريد أن يسأل قدِّمه، ولا تقل: احتمال يسلم ذاك الرجل ويكون لها شأن في دعوة الإسلام ونصرة للدين، هذا الأمر ليس إليك، هذا إلينا نحن.

قال الله -عز وجل:{كَلاَّ}، "كلا" هنا قلنا بالأمس أنها تأتي بمعنيين:

- إما أن تكون بمعنى الردع والزجر، وقد يعبر عنها بعض العلماء كابن جرير الطبري -رحمه الله: "ليس الأمر كذلك"، كتعبير أخف من كلمة الردع والزجر.

- وإما أن تكون بمعنى: حقًّا.

قلنا: تكون بمعنى "حقًّا" إذا لم يسبقها كلام يُردُّ عليه، وتكون بمعنى الردع والزجر أو النفي إذا كان قبلها كلام ينفى، أو كلام يُرد على صاحبه.

فهنا قوله{كَلاَّ} يراد بها: رد هذا الأمر، يعني ليس الأمر كما فعلت.

وممكن أو تتحمل أن تكون بمعنى" حقًّا" لتكون متصلة بما بعدها، "حقًّا إنها تذكرة".

طيب..{إِنَّهَا} ماهي؟ يعود على الآيات السابقة أو القصة، هذه القصة القصة تذكرة وعظة لك يا محمد ولأمتك من بعدك.

{فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} [عبس:12]: إما أن يكون الضمير هنا عائد على "الله"، فمن شاء ذكر الله.

وإما أن يكون عائد على القرآن الذي منه تلك القصة، أو منه تلك الآيات. وهذا أولى -أن يعود على القرآن- لأن الحديث بعد هذه الآية هو عن القرآن.

قال الله -عز وجل- {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} [عبس: 13]: ما هو الذي في صحف مكرمة؟ هو الذي جاء في قوله {إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ} [عبس 11، 12]. أي هذا موضوع في صحف مكرة قد أعلى الله شأنها وكرَّمها.

{مَّرْفُوعَةٍ} [عبس: 14]: أي قد رفعت رفعًا حسيًّا، ورفعًا معنويًّا. ولذلك يستفيد العلماء من هذا أن كتاب الله ينبغي أن يكون دائمًا ماذا؟ مرفوعًا. لما يكون مع الكتب يُرفَع. لما يكون في الأدراج، يوضع في الرفِّ الأرفع تقديرًا له وتعظيمًا، كما أنه في اللوح المحفوظ أيضًا مرفوع فوق كل كلام، وكل شيء موجود في ذلك اللوح.

{مُّطَهَّرَةٍ}: أي لا يصيبها شيء من الدنس، ولا يصيبها شيء من الزيادة أو النقص أو التحريف أو التبديل أو التغيير.

ثم ذكر مَن هم الذي يلون هذه الصحف المكرمة، قال:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس 15، 16]. من هم السفرة هؤلاء؟ نعم يا شيخ عبد الملك.

{الملائكة}.

الملائكة، هذا قو جمهور المفسرين. لأن هذا الوصف قد جاء بهذه الصورة للملائكة في الحديث النبوي، قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران».

وقال بعض العلماء: إن السفرة هم أصحاب رسول الله، أو كتَّاب الوحي.

والظاهر: هو الأول، لمجيء هذا الحديث الذي يدل على ذلك، وأيضًا لأن المؤمنين إذا وصفوا في القرآن لا يوصفون بقوله{بَرَرَةٍ}، وإنما يوصفون بماذا؟ الأبرار. أما "البررة" فهي خاصة بالملائك.

طيب.. قال الله -عز وجل:{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 15]، سمي الملائكة سفرة لأنهم يقومون بالسفارة بين الله وبين خلقه، فكل الأعمال توكل إلى الملائكة حتى قبض الأرواح، والنزول بالوحي الذي ينزل به الملائكة، ورفع الأعمال إلى الله -عز وجل- الذي يرفعها ويقوم بذلك هم الملائكة، فسموا من أجل ذلك: سفرة.

قال:{كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 16]: سموا كرام أو وصفوا بانهم كرام لأن الكريم في لغة العرب هو الشريف في جنسه، أي شيء شريف في جنسه يسمى كريمًا، حتى الأحجار منها كريمة وغير كريمة، إذا كانت شرفة في جنسها عالية القدر قيل كرام، وقيل: هذه أحجار كريمة.

كذلك بنت الرجل يقال: كريمة فلان. لماذا؟ لعلوها عنده، وحظوتها لديه، وحرصه عليها، يقال: كريمة فلان.

والعين تسمى كريمة أيضًا لنفاستها في بدن الإنسان.

فالملائكة لكرمهم، وعظم منزلتهم، ونفاستهم في مخلوقات ربهم -سبحانه وتعالى- قيل: كرام، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

{بَرَرَةٍ} [عبس: 16]: أي كثير البر والإحسان وفعل الخير.

فالبر مأخوذ من السعة، ولذلك يُقال للبادية أو يقال لغير المدن: بر. لماذا؟ لأنها متسعة.

وكذلك من يُكثر من فعل الخير يقال له: برٌّ، ويقال لهم: أبرار، لأنهم يتوسعون في فعل الخير.

بعد أن انتهى من هذا بدأ في ذكر أمر وهو كيف أن الإنسان يجحد هذا الخير، ويكفر به من دون حجة ولا برهان. فقال: {قُتِلَ الإِنسَانُ} [عبس: 17]، طبعًا{الإِنسَانُ} هنا لا يمكن أن يحمل على جنس الناس، وإنما يُراد به الكافر.

ونستدل على ذلك بان هذه الآيات آيات مكيَّة، غالب ما يرد من وصف{الإِنسَانُ} في الآيات المكيَّة إنما يراد به الكافر، {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14]، {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1]، وآيات كثيرة من هذا القبيل إذا ذكر الإنسان في الغالب يراد به: الإنسان الكافر.

وليس هذا شيئًا لازمًا، ولكنه يختلف باختلاف السياق.

قوله: {قُتِلَ}، العلماء يقولون: {قُتِلَ} دعاء عليه بالقتل، وهي بمعنى: لُعِن عند كثير من المفسرين.

{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، اليوم معنا أكثر من مثال لـ "ما" وما يتصل بها.

طيب.. {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، لاحظوا معي يا شباب.. {مَا أَكْفَرَهُ}.. جميل؟

"ما" هذه أي نوع منها؟ نحن هنا قلنا: إما أن تكون نافية أو تكون ماذا؟ استفهامية.

وهنا: {مَا أَكْفَرَهُ}، "ما" ماذا؟

"قتل الإنسان الذي أكفره"؟

{استفهامية}.

استفهامية، أي شيء أكفره؟ قتل الإنسان أي شيء أكفره؟ نعم، تصح أن تكون استفاهمية.

{قُتِلَ الإِنسَانُ}، ما الذي جعله يكفر؟ أي شيء جعله يكفر؟ قد قامت عليه الحجج، وأقام الله -عز وجل- له البينات، أرسل له الرسل، أنزل عليه الكتب، جعل له عينين، ولسان، وشفتين، ما الذي جعله يكفر؟

إذن: احتمال تكون استفهامية.

{تعجبًا من حاله}.

لا، صبرك، أنت الآن تخلط بين نوعين من "ما".

الثانية يا شيخ ما هي؟ تعجبية.

{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، "ما" هنا تعجبية، يعني: عجبًا له، كيف يكفر؟!

والتعجب هنا أليق بالسياق، ما أكفره يعني ما أشد كفره؟!

وبالفعل، الإنسان إذا كفر لا شيء من المخلوقات يمكن أن يزيد عليه في الكفر.

قال الله -عز وجل:{مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [عبس: 18]: يبين الله حقيقة هذا الإنسان الذي كفر، وأنه ضعيف، وأن إمكاناته محدودة، وأنه محتاج إلى الله، ومع ذلك يمفر ويستعلي ويكذب بالله وبرسله، ويرد آيات الله -سبحانه وتعالى.

قال:{مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [عبس: 18]، ما هي مكونات هذا المخلوق الذي استعلى واستكبر وتجبر وبطر؟

{مِن نُّطْفَةٍ} [عبس: 19]، هذا الإنسانمخلوق من نطفة، والنطفة هي: الماء القليل، وهو هذا الماء الذي خلق منه الإنسان، وهو ماء قليل، أيضًا ماذا؟ قذر، خُلق الإنسان منه، فما الذي جعله يتكبر؟!

{مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [عبس: 19]، لاحظوا جاء بالفاء ليدل على أن النطفة من حين ما تقع في الرحم تبدأ عملية ماذا؟ التقدير، الفاء هنا للدلالة على الترتيب والتعقيب.

قال: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20]، جاء بـ "ثم" لأن بين التقدير وبين الخروج من بطن الم فنرة زمنية تستحق "ثم" الدالة على التراخي.طيب.. ما هو السبيل؟

السبيل: اسم لأكثر من معنى، يمكن أن يكون طريق الخير والشر، ويمكن أن يكون طريق الخروج، ويمكن أن يكون الطريق العادي، ولأجل ذلك اختلف العلماء في قوله {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20]، هل معناها:

يسر له طريق الخير والشر؟ فالإنسان يرى من نفسه الآن طريق الخير والشر أمامه مفتوحانو يفعل ما يشاء.

-ويمكن أن يكون{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} [عبس: 20]، ثم طريق خروجه من بطن أمه يسره.

أي المعنيين في نظركم؟ رياض ما هو المعنى الذي ترى أنه أصوب؟

{يظهر من السايق أن الراجح من أقوال المفسرين أن الله -عز وجل- يسر طريق خروجه من بطن أمه}.

لماذا؟

{لأنه ذكر قبل ذلك النطفة}.

جميل، هل هناك مانع من أن تحتمل الآية المعنيين؟

{ليس ثمة أي مانع، ليس ثمة تعارض بينهما}.

ولذلك نحن نقول: كلا القولين مقبول، لكن أليقهما بالسياق، ولذلك نجد الشوكاني -رحمه الله- في تفسيره يعبر دائمًا بعبارة "والأول والأولى".

لماذا يقول "أولى"؟ لأن القول الثاني لا يمكن نفيه، الآية تحتمله ويكن تستوعبه.

فنحن نقول: هذا القول صحيح وهذا القول صحيح، لكن أليقهما بالسياق وبالدلائل التي تحف هذا المعنى هو القول الأول.

{ثُمَّ السَّبِيلَ} [عبس: 20] أي طريق خروجه من بطن أمه{يَسَّرَهُ}.

{ثُمَّ أَمَاتَهُ} [عبس: 21]، لأن بين خروجه من بطن أمه وموته في العادة وقت طويل، عشر، أو عشرين، أو ثلاثين، أو ستين سنة.

{أَمَاتَهُ} أي قدر عليه الموت.

{فَأَقْبَرَهُ}، لماذا عبر بعد الموت بالفاء، قال{فَأَقْبَرَهُ}؟

ليبين أن الإقبار يكون بعد الموت مباشرة، ولهذا ممكن ناخذ من هذه حكم شرعي وهو استحباب الإسراع بدفن الميت وتجهيزه بعد موته، وعدم التأخر بذلك كمايفعل الناس فيهذا المان.

قال{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21]،{أقبره} ما معناها يا إخواني؟ ليس معناها قَبَرَه، لأن الله لا يقبرالناس، وإنما أقبره: هيأ له مكانًا يُقبر فيه،{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21].

قال:{ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ} [عبس: 22]، لاحظ! لما كان ما بين القبر والنشر وقت طويل لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- جاء بماذا؟ بـ " ثُمَّ ".

وهذا يدلنا على أن القرآن لا يمكن أن يضع حرفًا أو كلمة إلا في مكانها، ومتى وجدت حرفًا أو كلمة لم تحملها على المعنى الذي يريده الله -سبحانه وتعالى- وسويت بينها وبين غيرها مما هو قريب منها؛ فأنت لم تفهم المراد.

لاحظ هنا!{ثُمَّ} ما جاءت هكذا عبثًا، جاء كل واحد منها في مكانه، كا بالإمكان أن يسوِّي فيقول: "خلقه من نطقة ثم قدره ثم السبيل يسره ثم أماته ثم أقبره ثم إذا شاء أنشره"، ويكون المعنى المراد به التعاطف.

لكن الآيات تأتي مرة بهذا، ومرة بهذا، ومرة بهذا، وفي الآية الواحدة قد تجد الاثنين، "ثم" و "الفاء"، لماذا؟

ليبين لك أن كل حرف استُعمل في مكانه، وهكذا سائر القرآن.

قال الله -عز وجل: {كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} [عبس: 23]، {كلا} ردع لهذا الإنسان الكافر.

{لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} يعني لم يفعل ما أمر به.

قال مجاهد: "يعني ما من أحد يمكن أن يفعل كل ما أُمرَ به؛ بل لابد أن يُقصِّر الإنسان، وهذا من طبع الإنسان «كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون»".

قال الله -عز وجل: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24]، هنا بعدما انتهى من ذكر كفر الإنسان بالرسالة التي أوحيت إليه وأنزلت عليه، انتقل إلى ذكر دلائل القدرة، وأيضًا دلائل النعمة، نعمة الله على عبده التي تدعوه إلى أن يدعهذا الكفر.

وأيضًا دلائل القدرة التي تدل الإنسان على أن الله قادر على الشيء الذي ينكره الإنسان، وهو البعث بعد الموت، لأن هذه قضية قلنا أنها من أهم قضايا جزء عمَّ.

قال الله -عز وجل:{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} [عبس: 24]، يعني لينظر كل واحد منكم أيها الناس إلى هذا الطعام الذي بين يديه، من أين هو؟ ما هو دورك في هذا الطعام الذي عند؟ الأرز الذي تأكله صباح مساء، ما هو دورك فيه؟ القمح، الفول، الجزر، الخس، إلى آخره.

هل أنت صنعته وكوَّنته؟ هل أن أخرجته وفعلت به هذه الصفهة التي هو عليها؟ وضعت فيه هذا الطعم الذي هو فيه؟

لا والله، إنما أنت فعلت شيئًا أمرك الله به، وليس هو في الحقيقة هو المؤثر؛ بل التأثير كله من قبَل الله.

قال: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا} [عبس 24، 25]، نحن اأنزلنا الاء مصبوبًا من السماء.

{ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا} [عبس: 26]، شققنا الأرض بالنبات، تكون البذرة داخل جوف الأرض، ثم ما تزال بضعفها تقاوم وتدخل وتدخل حتى تخرج على ظهر الأرض.

{ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} [عبس 26، 27]، بدأ بالحب كما في سورة عمَّ.

ماذا قال في سورة عمَّ؟

قال:{وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً} [النبأ 14، 15]، لماذا قلنا بدأ بالحَبِّ هناك؟

{لشدة حاجة الناس للحَبِّ قبل النبات}.

نعم، لشدة حاجة الناس إلى الحَبِّ لأن به أقواتهم، فقوتنا نحن بهذا الحب، يعني تستطيع أن تستغني أن عن الخس والكراث، والجزر، والبرتقال، والتفاح؛ لكن يشق عليك أن تستغني عن القمح، والأرز، والذرة، والدخن، وغيرها من الحبوب التي هي أقوات لبني آدم.

قال: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا} [عبس 27، 28]، ذكر العنب، لماذا العنب يثنِّي به؟ لأنه من أحسن الفواكه وأعظمها أثرًا على صحة الإنسان، وأكثرها لذة، واكثرها أيضًا سهولة في جنيه وفي أكله، فكروم العنب عندما تأتي إليها تقطفها هكذا ثم تضعها في فمك مباشرة، وتجد حلاوتها من أيسر ما يكون، وطعمها من ألذِّ ما يكون، ومضغها واستساغتها من أيسر ما يكون.

فالله -عز وجل- يبين لك كيف أن الله يسر لك هذه النعمة، وهيَّأ لك هذا الطعام، فما الذي يدعوك إلى الكفر؟ ما الذي يجعلك تستكبر وتستعلي؟

قال الله -عز وجل:{وَعِنَبًا وَقَضْبًا} [عبس: 28].{وَقَضْبًا} ما معناها؟{وَعِنَبًا وَقَضْبًا}.

العلماء يقولون: القضب هو ما يُقضَب يعني يُقطَع، فكل النباتات التي تُقطَع ثم تعود تسمى قضب.

فمنه مثلًا: الخس، والكراث، والقت الذ يُوضع للبهائم يسمى القت أيضًا، كله من القضب.

كلمة "قضب" معروفة في العربية بمعنى القطع.

«كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرى شيئًا فيه تصليب إلى قضبه». ما معنى قضبه؟ قطعه، يعني ما يرى مكان فيه صليب ظاهر إلا قطع ذلك الصليب، لأنه شعار النصارى.

{وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا} [عبس 28، 29]، الزيتون معروف، سواء الزيتون في حَبِّه، أو الزيتون فيما يُعصَر منه ويخرج من زيت.

{وَنَخْلًا} [عبس: ]، هذه النخلة المعروفة التي فيها هذه الثمرة العجيبة، التي تجمع بين خمسة أشياء: فهي حلوى، وغذاء، وقوت، وفاكهة، ودواء. وهذا قلَّ أن يجتمع في شيء من النبات.

إما أن تجد النبات طعام مثلًا، وإما أن يكون دواء، وإما أن يكون غذاء، وإما أن يكون قوت.

أما التمرة أو ما يخرج من النخلة فهو يجمع هذه الخمسة أشياء، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتحدث عن أثر هذه التمرة يقول: «بيت ليس فيه تمر أهله جياع»، لأن التمرة تغني عن كثير من حاجات الإنسان، أو عن كل حاجات الإنسان إلا ما ندر.

قال:{وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا} [عبس 29، 30]، الحدائق: جمع حديقة، والحديقة عند العرب هي ما يحدق بالشيء، يعني يطيف به ويحوِّط عليه فتسمى حديقة.

الحديقة عن العرب هي: ما أُحدِقَ عليه بشجر أو شيء يحوطه.

{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} [عبس: 30]، أي وأشجار غلب.

يقول العلماء: الغلب: هي ذات الجذوع العريضة، والأفنان الملتفة، تسمى غلب، يعني الأشجار العظيمة.

{وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً} [عبس 30، 31]، هذا يدخل فيه جميع ما يتفكَّه به الإنسان، برتقال، والموز، والتفاح، وغيرها.

{وَأَبًّا} [عبس: 31]، قال العلماء: الأبُّ هو ما تنبته الأرض من الكلأ مما ترعاه البهائم.

وقد ورد عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "قد عرفنا الفاكهة فما الأب"، ثم قال: "إن هذا لهو التكلُّف يا عمر".

وثبت هذا عن عمر بإسناد صحيح. فعلى أي شيء نحمله؟

قال العلماء: يحمل على أن عمر أراد أن يعرف أي نوع من الأب، وإلا معنى الأب معروف عند العرب، لا يخفى على عربي أصلًا.

فقال: "إن هذا لهو التكلُّف" يعني يكفيك أن تفهم المعنى العام يا عمر دون أن تعرف عينَ أو شيئًا معيّنًا من هذا الكلأ.

قال الله -عز وجل:{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، أما ما رُويَ عن أبي بكر أنه لما سئل عن الأب، قال: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، فهذا إسناده ضعيف عن أبي بكر -رضي الله تعالى عنه.

بعد أن بيَّن هذه الدلائل انتقل إلى ذكر يوم القيامة الذي سيقت هذه الدلائل من أجل بيان أن ذلك اليوم هو حاصل ولا مشقة فيه على الله -سبحانه وتعالى- الذي خلق كل شيء، وبيده كل شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].

قال:{فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} [عبس: 33]، ما هي الصاخة يا شيخ؟

{من أسماء يوم القيامة}.

أحسنت، الصاخة من أسماء يوم القيامة، وقد سُميَت في القرآن بالحاقة، والطامة، الصاخة، وغيرها من الأسماء.

طيب.. ولماذا سميت بالصاخة؟ نعم رياض.

{أليس معناه الصارخة؟}.

نعم، بمعنى تصخ آذان وتصمُّها من شدة صريرها وقوَّة صوتها.

قال:{فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} [عبس: 33]، في ذلك اليوم الذي يُسمع فيه صوت القيامة بشدة{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} [عبس: 34]، من شدة الهول يفر الإنسان من كل أحد حتى من أقرب الناس إليه.

قال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} [عبس 34 - 36]، فهؤلاء هم أقرب الناس إلى الإنسان، أخوك، وأمك، وأبوك، وصاحبتك، وبنوك، فأنت تفر منهم.

إذن فرارك من غيرهم من باب أولى، لأن هؤلاء أن تدلي عليهم، تقول: يا أخي، يا أبي، يا أمي، يا زوجتي، يا أولادي، نفعتكم، أعطيتكم، حبوتكم؛ ومع ذلك هو يفر منهم لئلا يطلبوا منه شيئًا، ولئلا يسألوه شيئًا.

قال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]: أي كل واحد منهم مشغول بنفسه قد اغتنى بما عنده من الحال، فهو مذهول، ولذلك لما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أهل القيامة ياتون حفاة عراة غرلًا، قالت عائشة وهي تتخوف على عورتها، لأنها امرأة عفيفة طاهرة، قالت: "يا رسول الله، الرجال والنساء ينظربعضهم إلى بعض!" قال: «يا عائشة الأمر أعظم من ذلك». يعني كل واحد مشغول بنفسه.{لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37].

قال الله -عز وجل:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} [عبس: 38]، سأسأل سؤالًا: لماذا لم يذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين إلا الوجوه؟

{لأنه يظهر من الإنسان أكثر ما يظهر هو الوجه}.

طيب لماذا اختار في هذه السورة الوجه، بينما اختار في سورة أخرى أحوال أخرى؟

{ذكر الأول في النشأة، في الخلقة}.

لا، ليس في الخلقة؛ وإنما أول السورة كانت عن ماذا؟

عن الوجه، {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1]، فناسب أن يذكر من أحوال الناس في يوم القيامة هذا الوجه الذي يعبر عن سرور الإنسان وفرحه ونعمته وابتهاجه ونضرته، وعن بؤسه وعذابه وألمه.

قال:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} [عبس: 38]، أي مضيئة ضاحكة، لأنه مقبلة على خير، مستبشرة يعني قد استبشرت به بما بشرت به من فضل الله ونعمته.

{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} [عبس: 40]، قد علتها هذه الغبرة التي أظلمت وجوهها.

{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس: 41]، أي ظلمة وكلوح، نسأل الله العافية والسلامة.

{أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [عبس: 42]، أي هؤلاء أصحاب هذه الوجوه كفرة فجرة.

والفرق بين الوصفين: أن الكفر قلبي، والفجور عملي.

فجمع لهم بين الوصفين فقال:{أولئك هم الكفرة الفجرة} [عبس: 42].

إلى هذا الحد انتهى درس هذا اليوم.

نلقاكم -إن شاء الله- في درس قادم، ومع سورة أخرى.

نسأل الله أن يجعلنا جميعًا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تفسير جزء عمَّ

د. محمد الخضيري

الدرس (4) سورة التكوير

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

مشاهديَّ الكرام، وإخواني الحضور؛ حيَّاكم الله جميعًا في مجلس جديد ودرس جديد من دروس التفسير في هذه الأكاديمية الإسلامية المفتوحة.

هذا المجلس هو المجلس الرابع، نسأل الله أن ينفعنا به، ونحن ما زلنا في جزء عمَّ وقد وصلنا إلى سورة التكوير.

هذه السورة -سورة التكوير- سورة مكيَّة، وهذا ظاهر من أسلوبها وموضوعاتها وقِصَر آياتها، ولم يختلف العلماء في كونها من السور المكية التي نزلت قبل الهجرة.

هذه السورة ورد في فضيلتها حديث، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما روة الترمذي قال: «من أراد -أو من أحب- أن يرى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ}».

يعني ثلاث سور من سور القرآن قد اهتمَّت وعُنيت بيوم القيمة، فمن قرأها كأنما يشاهد يوم القيامة ويعلم ما يحدث فيه من الهول العظيم.

هذه السورة سنلاحظ أنها في بدايته تحدثت عن يوم القيامة، وفي ختامه تحدَّثت عن موضوع آخر لكن له صلة.

في أول هذه السورة كان الحديث عن يوم القيامة، وعن أحواله وأهواله، وما يحدث فيه.

فلما كانت هذه أمور غيبية لا طاقة للبشر بمعرفتها، ولا سبيل لهم إلى علمها، بيَّن لهم مَن هو الذي جاء بها، وأنها قد جاءتكم على وجه حقيقي صادق لا لبس فيه ولا غموض.

وأن ما جاء لم يتعرَّض لأي نوع من أنواع الشك أو الخلل في الرواية.

ولذلك أول السورة في ذكر يوم القيامة، وآخرها في ذكر القرآن وسنده. من أين جاءكم هذا القرآن؟

ولذلك انظروا {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير 1-4 ]. إلى أن قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]، ثم قال: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير 15-18]، ماذا؟ {إِنَّهُ} [التكوير: 19]، أي القرآن الذي جاءكم بهذه المغيبات وبهذه الأخبار {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}[التكوير: 19]، وهو جبريل.

طيب مَن هو جبريل؟ {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير 20، 21]، انتهى منه.

{وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22]، هذا الآن الدرجة الثانية من درجات الإسناد التي عن الله -عز وجل.

{وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير 22، 23]، الإسناد متصل وليس منقطعًا، يعني مجرد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى في المنام أو كذا.

ولذلك ليس شيء من كتاب الله قد تلقاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن الرؤيا، كله قد تُلقِّيَ بالإسناد المتصل إلى جبريل إلى رب العزة والجلال.

قال: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} [التكوير 22، 23]، يزكي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنه ليس ببخيل على الغيب، ولا متهم عليه.

{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير 24 -26]، ما الذي يمنعكم من الإيمان بهذا الكتاب؟ لا حجة لكم في ذلك.

ولذلك قال مبينً أن الإنسان إنما يذهب إلى الهدى أو يدع طريق الهداية بنفسه، هو الذي يختار ذلك، ليس لأنه لم تتأخر حجة من الله بالغة.

ولذلك قال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير 27-29]

نبدأ السورة من أولها:

يقول الله -عز وجل: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، "إذا" تحتاج إلى جواب، وجوابها قثد جاء بعد انتهاء "إذا" في اثني عشر موضعًا.

يعني اثني عشر موضع جاء فيها: إذا، إذا، إذا، إذا، إذا، إذا؛ بعدها جاء الجواب {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14].

فلو قلت لك: ما جواب{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1] ؟

تقول: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14].

ما جواب{وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير: 2] ؟

{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14].

قال الله مبينًا أمر الشمس، لماذا بدأ بالشمس؟

لأنها من أجلِّ الآيات وأظهرها، وأعظمها أثرًا في حياة الناس، وعلى وجودها ينبني الليل وينبني النهار، متى طلعت جاء النهار، ومتى غابت جاء الليل، وهي آية عظيمة، والله حقًّا عظيمة.

يقول العلماء المعاصرون: إنها أكبر من الأرض بمليون مرة، وقد يزيدون في الرقم على هذا.

ويقولون: أنها تبعد عن الكرة الأرضية مئة وخمسين مليون كيلوا متر.

إذن: هذا الضوء يأتينا من مسافة هائلة وبعيدة جدًا، ومع ذلك يأتي هذا الضوء مع هذه النار الهائلة، بدليل أننا مع هذه الأضواء التي نراها في حياتنا في الليل، وهذا الكشَّافات العظيمة إذا طلع نور الشمس ماكأن شيئًا منها موجودًا. اليس كذلك؟

وهذا يدلك على عظمة هذه الآية.

{إِذَا الشَّمْسُ} هذه الشمس التي ترونها في يوم القيامة يتغيَّر حالها، وتتبدل صفاتها.

{كُوِّرَتْ}. ما معنى{كُوِّرَتْ}؟

{لُفَّت}.

نعم، أي لُفَّت، من تكوير العمامة أي لفُّها.

قال بعض السلف: {كُوِّرَتْ} هنا سنلاحظ فيها أمر -وهو مهم جدًّ كطلاب في علم التفسير- سنلاحظ أن{كُوِّرَتْ} يا إخواني الآن جاءت عند السلف بثلاث معاني، ما هي المعاني الثلاث؟

لاحظوا معي.

المعنى الأول: {كُوِّرَتْ} كما قال الشيخ رياض: لُفَّت.

المعنى الثاني: {كُوِّرَتْ} بمعنى: ذهب ضوءها.

المعنى الثالث: ألقيت في النار.

ستلاحظون -يا إخواني- أن هذه المعاني الثلاثة يمكن أن تكون يعني مختلفة، ولكن الحقيقة -وهذا ما يجب على طالب التفسير أن يفهمه وأن يتعلمه- وهو أن أقوال السلف وإن بدت أحيانًا مختلفة؛ إلا أنك تجد أنها ليست متضاربة، نعم هي مختلفة، لأن معنى لُفَّت ليس بمعنى ذهب ضوؤها، وذهب ضوؤها ليس بمعنى ألقيت في النار.

طيب.. إذن كيف نتعامل مع هذه الأقوال؟

هذا هو الذي يجب على طالب علم التفسير، كيف يتعامل مع الأقوال في الآية.

فنحن نقول دائمًا: إن الخلاف في التفسير أكثره ومعظمه هو اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد.

طيب.. دعونا نطبق.

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، لُفَّت.

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، ذهب ضوؤها واضمحلت، وانطفأت.

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير: 1]، ألقيت في النار.

هذه ثلاثة أقوال، هل هي متضادة؟ لا.

ستلاحظون أن كل واحد من السلف قد أشار إلى شيء من هذا المعنى الذي يحصل للشمس يوم القيامة. فهي أولًا تُلف، فإذا لفَّت ذهب ضوؤها.

ثم يأتي موضوع آخر قد يكون في الآية دليل عليه، وقد يكون مأخوذًا من شيء آخر، وهذا لابد أن نفهمه في تفسير السلف، فإنهم قد يفسرون الآية بمعنًى ليس من لفظ الآية؛ وإنما مما جاء في السنة أو جاء في آيات أخرى.

فقولهم: ألقيت في النار، يقولون: لأن الشيء إذا كوِّر فتكوَّر تدحرج فتذهب إلى النار.

ولأنه ورد في السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الشمس والقمر ثوران مكوَّران في النار».

إذن هذه الأقوال الثلاثة هي الأقوال المذكورة في قوله{كُوِّرَتْ}، وليس بينها تضاد نعم، وإن كانت مختلفة فهذا الاختلاف من باب اختلاف التنوع.

وهكذا ينبعي -يا إخواني- أن نفهم أقوال السلف، فغالب خلافهم ليس كخلاف في الأحكام، غالب خلافهم في الأحكام هو اختلاف تضاد، هذا يقول: واجب. وهذا يقول: محرم. وهذا يقول: سنة. وهذا يقول: مكروه.

أما في التفسير فالغالب هو اختلاف التنوع وقليل منه ما يكون من اختلاف التضاد، وسيتبين لنا ذلك بامثلة كثيرة جدًا، وهذه الحقيقة أنا أؤكد عليها ليفهمها أيضًا إخواني المشاهدون، ويعلمون أن ما يقرؤونه من كلام السلف في التفسير ليس هو متضاربًا؛ لكن عليك أيها القارئ أن تفهم المعنى من خلال أقوالهم، وتحيط بكل دلالات هذا المعنى من خلال ما يذكر السلف من الأقوال، فهي تعينك على مزيد من الفهم، وليست تشتتك أو تصرفك عن معنى الآية.

قال الله -عز وجل: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} [التكوير: 1]، ما معنى{انكَدَرَتْ}، طبعًا بعد ما انتهى من الشمس انتقل إلى ماذا؟ للنجوم، لأنها من أجلِّ الآيات وأظهرها، فهي آيات عظيمة قد ملأت عنان السماء، يراها الناس، ويرون أفقها البعيد وكثرته. ماذا سيحصل لهذه النجوم؟

سيحدث لها شيء مهول. ما هو؟ الانكدار أو الكدرة.

اختلف السلف في{انكَدَرَتْ} على قولين، ستلاحظون تطبيق آخر لنفس القاعدة.

{انكَدَرَتْ} بمعنى ماذا؟ إما أن تكون بمعنى ماذا؟

{انطفأ ضوؤها}.

انطفأ ضوؤها، إذن{انكَدَرَتْ} بمعنى: انطفأت، احسنت.

وإما أن تكون بمعنى: تساقطت.

طيب.. دعونا ننظر يا إخواني إلى هذين المعنيين:

{انكَدَرَتْ} بمعنى تساقطت، طيب.. إذا تساقطت انطفأ ضوؤها، فكأن هذا من لازمها.

علمًا بأننا في كلمة{انكَدَرَتْ} نجد أنهم اختلفوا فيها بناءً على التصريف، هل أصلها من الانكدار؟ أو من الكدرة؟

فإن كانت من الانكدار؛ فهي بمعنى السقوط.

وإن كانت من الكدرة؛ فهي بمعى الانطفاء والظلمة.

وهذا ما سيحصل للنجوم يوم القيامة، فإنها ستتساقط وينطفئ ضوؤها. هذه الثانية.

الثالثة: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3]، يذكر أشياء موجودة امام الناس جميعًا، في أروبا، وفي السعودية، وفي شرق الأرض، وفي غربها، وفي كل مكان، وهي أمور ظاهرة، الشمس، النجوم، الجبال.

قال{وَإِذَا الْجِبَالُ} [التكوير: 3]، هذه الجبال الضخمة الراسية التي لا نستطيع أن نشقها إلا بشق الأنفس في يوم القيامة تسير.

وقد بيَّنا في سورة عمَّ أن الله قال هناك ماذا؟ {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً} [النبأ: 20].

وذلك أن الجبال في يوم القيامة تدك، وتصبح كثيبًا مهيلًا، ثم تكون بعد ذلك كالعهن المنفوش، ثم تسيَّر {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]، ثم تكون بعد ذلك كما قال -عز وجل- {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه 105-107].

فإن قلت: كيف نجد مرة وصف الجبال كذا، ووصف الجبال كذا في يوم القيامة؟

نقول: هذا ذكر لمراحل هذه الجبال يختلف باختلاف الآيات، وليس بين هذه المراحل تعارض.

قال: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير 3، 4]، ما هي العشار؟

{الجمال التي كبُرَ حملها}.

نعم، الجمال، هي النوق التي بلغت الشهر العاشر فينتظر نتاجها، وذلك لأنها تعتبر في هذه اللحظة من انفس أموال العرب، فالرجل ينتظر الآن أنها تنتج مثلها.

هذه العشار في ذلك الوقت، العربي عادة أو مَن يرعى بهيمة الأنعام تجده يترقب ساعة ولادتها وينتبه لها؛ بل إنه أحيانًا يقدمها على أهل بيته من شدة محبته ورعايته لها.

في ذلك اليوم يذهل صاحب العشار عنها ولا يلتفت إليها من شدة الهول الذي يصيب الناس في ذلك اليوم.

قال: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير: 4]، لم يلتفت إليها أصحابها.

{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]، ما هي الوحوش؟

الوحوش هي الحيوانات ماذا؟ المفترسة، أو نقول: الحيوانات المتوحشة التي لا تأنس بالناس.

لأن الحيونات نوعان: مستانس، ومتوحش.

فالمستأنس: هو الذي يأنس بالناس ويعيش معهم، مثل الدجاج، ومثلًا البط، والغنم، والبقر، وغير ذلك.

والمتوحش: هو الذي يفر من الناس ويستوحش منهم.

هذه الحيوانات المتوحشة تحشر -أي تجمع- فتلتقي، وتلتقي حتى مع الناس، لأنه من شدة الهول الكل مذهول من بشر وغير البشر، حتى من الحيوانات.

{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} [التكوير: 5]، أي جمعت، فأنت تمشي يوم القيامة من شدة الهول، ومن عظم الصدمة، ومن الصاخة والطامة، والأسد بجوارك، والنمر بجوارك، والحمار الوحشي بجوارك، ما تلتفت إلي شيء من ذلك.

قال الله -عز وجل: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6]، هذا أيضًا مشهد من مشاهد يوم القيامة، وهو مشهد البحار.

البحار ماذا سيحصل لها؟ هذه البحار التي أخذت من الكرة الأرضية أكثر من الثلثين، أكثر من سبعين بالمئة من مساحة الكرة الأرضية هي بحار، هذه البحار -يا إخواني- في يوم القيامة تسجر.

ما معنى تسجر؟ اختلف السلف فيها على أقوال:

منهم مَن قال: غنها بمعنى{سُجِّرَتْ} بمعنى امتلأت.

وقيل: {سُجِّرَتْ} بمعنى فاضت.

وقيل: {سُجِّرَتْ} بمعنى احترقت والتهبت، واضطرمت نارًا.

وقيل: بمعنى يبست.

وأقرب هذه المعاني إلى المعنى الغوي الدقيق: أم{سُجِّرَتْ} بمعنى ماذا؟ التهبت واضطرمت نارًا. هذا هو أقربها.

لكن كل واحد من السلف أشار إلى شيء من المعنى، سواء من المدلول اللغوي، أو من الأحاديث الواردة فيما سيحصل للبحار يوم القيامة.

ماذا سيحصل للبحار؟ الذي يظهر -والله أعلم- من مجموع كلامهم أن البحار ستمتلئ، فإذا امتلأت فاضت والتقى بعضها مع بعض، ثم اضطرمت نارًا، ثم يبست.

هذا البحر العظيم الذي نراه أمامنا مليئًا بالماء يحترق؟ نعم يحترق.

لماذا يحترق؟ لأن الله يريد أن يبين لنا -يا إخواني- أن هذا الكون على هذا النظام سيتغيَّر تمامًا، وأن الذي سيغيِّره هو الذي أوجده أول مرة، وأنه قادر على كل شيء، وأن كل شيء بيده.

أنت الشمس الآن تراها مضيئة، وتقوم بهذا الدور الهائل في هذه الحياة سيأتي عليها يوم تلف ويذهب ضوؤها ثم ترمى في النار.

هذه الجبال التي إذا أردنا أن نشق فيها طريقًا جلسنا سنة وسنتين وثلاث، سيأتي يوم تدك فتصبح كثيبًا مهيلًا، وكالعهن المنفوش، ثم تراها تسير أمام عينيك تمر مرَّ السحاب، سبحان الله!

إذن الأشياء كلها ستتغير؟ نعم، وهذا نموذج لما سيتغيَّر، هذا البحر الذي أمامك مليئ بالماء لا تكاد تشعل فيه شعلة من نار سيكون محلًا للنار، بضد ما هو عليه الآن، ثم إذا أوقدت فيه النار تبخَّر في مكانه، وبقيت هذه البحار عبارة عن ماذا؟ عن أماكن يابسة.

بصنع مَن؟ بفعل مَن؟ بقدرة مَن؟ بقدرة الله الذي بيده كل شيء، ليبين لك الله أن هذه الحياة قد انتهت بكل ما فيها، وستبدأ حياة أخرى مختلفة عنها تمامًا.

ستلاحظون -يا إخواني- أننا بعد الآية السادسة يختلف الأمر، وهذا ما أشار إليه أبي بن كعب -رضي الله تعالى عنه- فإنه بيَّن -رضي الله تعالى عنه- أن هذه الآيات، أو هذه المشاهد منقسمة إلى قسمين:

- قسم قبل فناء العالم.

- وقسم بعد بعث العالم.

فالذي قبل فناء العالم هو قوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير 1- 6]، ستة أشياء.

والتي بعد فناء العالم، يعني بعد بعث العالم هي قوله: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} [التكوير 7-13].

فستة قبل فناء العالم، وستة بعد بعث العالم.

فإن قلت: من أين أخذ أبي بن كعب هذا؟ ومن أين جاء به؟

نقول: هذا شيء غيبي، لعلَّ أيًّا غنما قال به لأنه تلقاه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأن الصحابة في العادة لا يتكلمون في الغيبيات إلا بما تلقوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

ثم إن هذا هو الذي يظهر، لن تسعير النار، وإزلاف الجنة، وتوزيع الصحف، هذا لا يكون إلا بعد البعث.

فالذي يظهر -والله أعلم: أن أبيَّ بن كعب إنما تلقى ذلك من رسول الله، فلمثل هذا حكم الرفع -والعلم عند الله.

طيب.. ما هي الآيات الستة الباقية؟

قال: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]، يعني إذا جمع الناس يوم القيامة ستزوَّج النفوس. ما معنى تزويجها؟ نعم رياض.

{الاجتماع}.

اجتماعها، جُمعت، لكن ما المقصود بالنفوس هنا؟ عبد الملك.

{الأرواح تعود إلى أجسادها}.

هذا قول من أقوال المفسرين، أن النفوس بمعنى الأرواح تعود إلى أجسادها فيحيا الناس بعد موتهم.

والقول الثاني: أن المقصود بها: كل جماعة من الناس كانوا مجتمعين على مذهب أو دين يلتقون، كما قال الله في سورة الصافات {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات 22، 23]، لاحظتم؟

وهذا هو الأصوب -والعلم عند الله- وهو: أن كل جماعة من الناس على دينٍ أو عقيدةٍ ونحوها يلتقون مع بعضهم، أهل الإيمان، أهل النفاق، اليهود، النصارى، المجوس، البوذيون، كل ناس يلتفون مع جماعتهم.

وهذا يؤكد عليَّ وعليك وعلى كل واحد أن تكون دائمًا مع أهل الإيمان، مع أهل التقوى، حتى إذا جاء يوم القيامة توضع مع مَن كنتَ معهم في الدنيا، فتُقرن نفس المؤمن بنفوس المؤمنين، ونفس الكافر بنفوس الكافرين، ونفس المنافق بنفوس المنافقين، وهكذا.

{ألا يدل ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] ؟}.

بلى، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} [الجاثية: 28]، فهذه كلها تدل على أن الأممم في يوم القيامة، أو أن الناس في يوم القيامة يكونون جماعات، كل إنسان يُقرن مع جماعة، أو يُزوَّج بالجماعة التي كان معها في الدنيا.

قال الله -عز وجل: {إِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير: 8]، سؤال الموؤودة يكون بعد البعث وليس قبل.

وما هي الموؤودة؟ الموؤودة مَن هي؟

البنت التي دُفنت وهي حيَّة، وهذا كان يفعله بعض العرب، بعض قبائل العرب، خلافًا لمن يقول: إن العرب كانوا يئدون بناتهم في الجاهلية. هذا غير صحيح؛ وإنما بعض قبائل العرب كان عندها هذا المذهب -وهو وأد البنات- لشيئين:

- منهم من يئد خشية الفقر.

- ومنهم مَن يئد خشية العار.

وهذا الوأد ليس خاصًا بهم؛ بل هو موجود إلى اليوم، فعمليات الإجهاض المنظمة في العالم، والتي تسعى الآن مؤتمرات المرأة العالمية لإقرارها وللضغط على الدول الإسلامية في تقنينها هي عمليات وأدٍ محرمة.

يقال: دعوا الفتاة تفعل ما تشاء، تسرح، وتمرح، وتصادق، ويفترشها مَن يفترشها من الرجال؛ فإذا حملت يُخرج هذا الطفل، سواءًا كان في شهره الأول، أو في شهره السابع أو الثامن، حتى لا ترتبط بأطفال لا يُعرف أباهم.

فهناك عمليات منظمة وضخمةجدًا للوأد.

إذن: الوأد العربي على ظلمه وعلى ما فيه من البغي والعدوان أهون من الوأد الجاهلي المعاصر. لماذا؟

لأن هذا نتاج للعار، نتاج للخروج عن الفطرة.

وأما ذاك خوف من العار، يعني أولئك كانوا يخافون من العار، أو يخافون من الفقر، طبعًا نحن لسنا هنا نبرر لما يفعلون، كل ما فعلوه محرم وظلم، لكن الذي يفعله المعاصرون أسوأ من الذي فعله الأولون.

قال الله -عز وجل: {إِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8، 9]، سؤال: في هذا الموقف، الأولى أن يُسأل الموؤودة أو الوائد؟ من الذي يُسأل؟ الأولى أن يُسأل الوائد الظالم؟ أو الموؤودة المظلومة؟

الوائد. طيب لماذا تُسأل الموؤودة؟

تنبهوا يا إخواني! تُسأل الموؤودة:

أولًا: لبيان هول ذلك اليوم، وأن كل أحد يُسأل، حتى الأنبياء يُسألون {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 8]، حتى الصادق يُسأل عن صدقه، فكيف بالكاذب؟!

فهو لبيان هول ذلك اليوم.

وثانيًا: لتبكيك ذلك الوائد، لأنه إذا عرف أن الموؤودة سُئلت؛ فهو سيعلم أنه سيتعرض لمسألة أشد.

قال: {إِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير 8، 9]، وفي قراءة{قُتِلْتِ}.

{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير: 10]، صحف العمال تُنشر ذلك اليوم {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].

فهي في ذلك اليوم تنشر، ويطلع كل إنسان على ما عمل من قليل أو كثير، من صغير أو كبير.

فالمجرمون يقولون في ذلك اليوم {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49].

قال الله -عز وجل: {وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ} [التكوير: 11]، هذه السماء تكشط كما يكشط الجلد، يعني تُنزع وتُزال كما يزول الجلد.

كما قال الله -عز وجل:{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104]، وهذه السماء تتعرض لعمليات أيضًا متعددة، في سورة عمَّ مرَّ بنا أنها ماذا؟ تُفتَّح. قال: {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً} [النبأ: 19]، وفي قراءة {وفُتِّحَت السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَاباً}.

وفي هذه السورة قال: {وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ} [التكوير: 11]، أي أزيلت كما يُزال جلد الذبيحة.

قال: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التكوير: 12]، كأنه ماذا؟ يتنقل من مرحلة إلى مرحلة إلى أن يصل إلى المراحل النهائية، وهي إما الجحيم وإما الجنة.

طيب..{سُعِّرَتْ} أي وُقدَت وألهبت.

طيب.. أليست مسعرة قبل؟ نعم هي كانت تستعر، لكن إذا أُريد ات تُقدَّم لأصحابها وتُفتَح لأهلها فغنه يُزاد في تسعيرها وإيقادها وإلهابها.

قال الله -عز وجل: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} [التكوير: 13]، ما معنى الجنة أزلفت؟ قُرِّبت وأُدنيت إكرامًا لأهلها، فأهلها لا يُقال لهم: انظروا إلى الجنة إنها تبعد عنكم مثلًا ألف أو الفين كيلو متر، اذهبوا إليها.

لو قيل لأهل الجنة ذلك سيذهبون؟ سيذهبون، لأنهم سيعلمون أنه سيدخلون دارًا لا يمكن أن توصف بما فيها من اللذة والنعمة.

ومع ذلك ربنا -سبحانه وتعالى- يكرمهم، ويدني الجنة إليهم، حت تنفتح أبوابها بين أيديهم.

قال: {وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ} [التكوير: 13]، طيب.. ما هو الجواب لـ "إذا" في هذه المواطن الاثني عشر؟ ما هو الجواب؟

قال: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ} [التكوير: 14]، يعني أي نفس ستعلم علم يقين ماذا معها من العمل، وماذا قدمت لهذا اليوم إذا حصلت هذه الأهوال.

فإن قلت: أليس الإنسان يعلم قبل ذلك؟

قلنا: نعم، ولكن غالب الناس لا يصحو إلا عندما تقع الواقعة.

الآن يا شيخ هذه بداية الدراسة. أليس كذلك؟ ومع ذلك نحن نعلم أنه بعد أربعة أشهر سيكون عندنا اختبارات. أليس كذلك؟

متى ترتجف قلوبنا من الاختبارات؟ ومتى ننظر إلى ما خلَّفنا أو إلى ما تقدَّم من الفصل الدراسي؟ هل كنا مجتهدين؟ هل كنا عاملين؟ أو كنا مقصرين؟ متى نرى ذلك رؤية حقيقية؟ في ليلة الامتحان تجد الإنسان يضرب بيده على الطاولة، ويقول: ليت الفصل يبدأ من أوله لأعمل عملًا غير الذ عملت، ألست تعلم أن الاختبار سيكون في هذا اليوم؟ نعم. ولكنك كنت تقصر، وتسوف، وتحاول أن تتعامى أن ذلك اليوم.

متى تعلم علم يقين أن الذي قدمته شيء جيد أو شيء رديء؟ إذا وقعت الواقعة، وهكذا كل الناس سيعلمون ماذا قدموا عندما تق الواقعة، عندما تُكوَّر الشمس، تنكدر النجوم، تُسيَّر الجبال، تُنشر الصحف، تُسعَّر النار، تُزلَف الجنة.

وقوله{عَلِمَتْ نَفْسٌ}، "نفس" نكرة في سياق الإثبات، والعادة أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم.

لما تقول: "جاء رجل" هذا لا يدل على العموم، لكن سياق الآية يدل على العموم؛ وإلا فالأصل أن النكرة إنما تدل على العموم في سياق ماذا؟ في سياق النفي أو الاستفهام، أو الشرط، أو غيرها من الأشياء التي ذكرها أهل اللغة.

بعد أن انتهى من هذه المشاهد وبيَّن هول يوم القيامة، ماذا يحصل للشمس، وماذا يحصل للنجوم، ماذا يحصل للجبال، ماذا يحصل للسماء، ماذا يحصل للصحف، ماذا يحصل للموؤودة، لما ذكر ذلك كله أراد أن يبين لنا مَن الذي جاء بها، وهل هذا حق يمكن التصديق به؟ هل هذه المعلومات الغيبية التي ستحدث في آخر العالم هل هي حق؟ بدأ يُثبت لنا أنها حق، ولا يمكن أن يمتري فيها أحد.

فقال: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير 15 - 19]، أقسم بكم؟ أقسم بالخنس، الجوار الكنس، والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس. ثلاثة أقسام.

على ماذا؟ على أن هذا القول من عند الله -عز وجل.

طيب.. دعونا ننظر للقسم.

قال: {فَلا أُقْسِمُ} [ التكوير: 15]، قوله{فَلا أُقْسِمُ} يا إخواني، هل هو نفي للقسم أو إثبات له؟

{أسلوب من أساليب العرب في القسم}.

أحسنت، "لا" تأتي عند العرب ويُراد بها التأكيد، مثل قول الله -عز وجل- {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]، أصل الكلام: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أي: أن تسجد إذا أمرتك.

كذلك في آخر سورة الحديد {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الحديد: 29]، المعنى: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله، فـ "لا" تُزاد للتاكدي.

فمعنى{لا أُقْسِمُ} يعني: أؤكد القسم، وعلى هذا جرى عامة السلف، وأنا من خلال تتبعي اليسير لم أجد من السلف مَن قال بخلاف هذا، وأما مَن جاء بعدهم من المفسرين فإن من المفسرين المتأخرين مَن قال: "لا" هنا نافية.

طيب نافية لأي شيء؟ اختلفوا.

فمنهم مَن قال: نافية للقسم، لأن الأمر لا يحتاج إلى قسم -يقولون.

ومنهم مَن قال: نافية لكلام متقدم أو مقدر، ثم جاء القسم.

يعني: لا، ليس الأمر كما تزعمون، أقسم بالخنس.

والذي يظهر -والله أعلم- وعليه جمهور السلف أو علي عامة السلف حتى لا أكاد أجد منهم مَن خالف: أن أسلوب "لا أقسم" بمعنى: أقسم.

بدليل، أحد يعرف دليلًا من القرىن على هذا؟

بدليل قوله -عز وجل: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة 75، 76]، فبيَّن ان هذا قسم وليس نفيًا للقسم.

قال الله -عز وجل: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير 15، 16]، الخنَّس، والجوار، والكنَّس، هذه صفات لموصوف.

والعادة أنه إذا جاءت صفة لموصوف لم يُذكر؛ يقع الخلاف ما هو هذا الموصوف؟ وهذا من أسباب الخلاف السائغة.

مثل قول الله -عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26]، هذه صفة لموصوف لم يُذكر، ومثله -بالأمس درسه أو الدرس الماضي- لما قلنا: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} [النازعات: 1]، هذه صفة، لم يقل: "والملائكة النازعات". ولم يقل: "والرياح النازعات".

فلما لم يذكر الموصوف يقع الخلاف بين المفسرين، لن هذه الصفة تصلح لهذا الموصوف، ولهذا الموصوف، ولهذا الموصوف.

فاختلف السلف في الخنَّس على قولين مشهورين:

القول الأول: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [التكوير: 15]، هي بقر الوحش، بقر الوحش أو الظباء تتميز بأنها تختفي عن الأعين، خنَّس، معنى "خنَّس" أي مختفية، خَنَسَ الشيء أي اختفى.

الجوار: تجري للبحث عن رزقها، أو للهرب من عدوها.

الكُنَّس: التي تأوي إلى خِناسُها وهو بيتها التي تذهب إليه وتأوي إليه. واضح؟

إذن: هذا الوصف صالح لبقر الوحش، لأنه فيها هذه الصفات الثلاث.

طيب.. قال بعض العلماء: الخنس، الجوار، الكنس، هي النجوم، لن هذا الوصف ينطبق عليها.

طيب.. كيف يكون؟