دَخَلت سلمى دارَ التَّحفيظِ ، فإذا بها ترى صديقتَها سارة التي لم تُقابِلها مُنذُ فترةٍ .
سلَّمَت عليها ، وجلَسَت مُمسِكةً بمُصحفِها ، تُراجِعُ حِفظَها .
جاء دَوْرُ سارة لتقرأ على المُحَفِّظَة ، فتُراجِعُ حِفظَها ، وتُصَحِّحُ تِلاوتَها .
وبدأت سارة في القِراءةِ ، والمُحَفِّظَة تُصَحِّحُ لها أخطاءَها برِفقٍ .
المُحَفِّظَة : هذا الحَرفُ يُنطَقُ هكذا ...
سارة : نعم ، أعرِفُ ذلك ، فوقَه فَتحة .
المُحَفِّظَة : أقصِدُ أنَّه حَرفٌ مُفَخَّمٌ ، فلا تُرَقِّقيه .
فأخبرتها بانشغالِها ببعض الأمور ، وأنَّها لا تَجِدُ وقتًا لحِفظِ القُرآن ،
أو للذهاب لدار التَّحفيظِ .
سلمى : تعرفين يا سارة ؟ لقد تعلَّمتُ أشياء كثيرة مُنذُ التحاقي بدَار التَّحفيظِ
تعلَّمتُ كيف أقرأ القُرآنَ بشكلٍ صحيحٍ .
ضَبطتُ كثيرًا مِن مَخارج الحُرُوفِ التي لم أكن أضبِطها .
تعلَّمتُ كيف أتَهَجَّى أيَّ كلمةٍ تَمُرُّ بي في القُرآنِ ولا أستطيعُ قِراءَتها ،
فأقرؤها بفضل اللهِ بسُهولةٍ .
اكتسبتُ صداقاتٍ جديدةً ، وتعرَّفتُ على أخواتٍ أحببتُهُنَّ في اللهِ
تعلَّمتُ مِنهُنَّ كثيرًا مِن أُمور دِيني ودُنيايَ .
وجودي بينهُنَّ في مَجلِس ذِكرٍ تَحُفُّه الملائكةُ ، وتغشاه الرَّحمةُ ،
وتنزلُ عليه السَّكينةُ ، يُنسيني الدُّنيا بما فيها .
وأرجو مِن كُلِّ ذلك رِضا اللهِ سُبحانه ، وجَمْعَ الجِنان ()"
يا سارة، لقد فاتَكِ خَيرٌ كثيرٌ حِين غِبتِ عن دار التَّحفيظِ ،
حين انشغلتِ عن القُرآنِ بأمور دُنياكِ ، حِين لم تتعبَّدي للهِ
تعالى بحِفظِكِ لكتابِهِ وتصحيحكِ لتِلاوتِهِ .
لقد فاتَكِ خَيرٌ كثيرٌ حِين فرَّطتِ في صُحبةٍ ما ابتغَت مِن وراءِ صُحبتِها
إلَّا وَجهَ اللهِ ، وما اجتمَعَت في ذاك المكانِ إلَّا لأجلِ اللهِ .
لقد فاتَكِ خَيرٌ كثيرٌ .
لم تتمالَك سارة نفسَها وهِيَ تسمعُ كلماتِ صَديقتِها سلمى ،
فأخَذَت تبكي وتقولُ : لقد فاتني خَيرٌ كثيرٌ ، لقد فاتني خَيرٌ كثيرٌ :"""
سلمى : لكنَّ الفُرصةَ ما زالَت أمامَكِ .
جَدِّدي نِيَّتَكِ ، وأقبِلي بعَزمٍ وصِدقٍ .
تواضَعي للعِلم تكسبيه .
ضَعِي مُؤهِّلاتِكِ وشهاداتِكِ في كِفَّةٍ والقُرآنَ في كِفَّةٍ أُخرى ،
وسترجَحُ كِفَّةُ القُرآنِ ، وستكونينَ بإذن اللهِ مِن أهلِهِ .
أقبِلي لنتعلَّمَ القُرآنَ سَويًّا ، ونعيشَ بين آياتِهِ مُتأمِّلينَ ، ونمضِيَ بِهِ عامِلينَ ؛
لنلقاه لنا في الآخِرةِ شفيعًا ، ولنرتقِيَ بِهِ في الجِنان .
وَدِّعي الكَسْلَ ، ولا تَدَّعِي الانشغالَ ، فانشغالُكِ بالقُرآنِ هو الفَلاحُ والنَّجاحُ .
سارة : كَفَى يا سلمى ، لقد تَعِبَ قلبي :"/
كلماتُكِ آلَمتني ، وأدمَعَت عيني :"""
سأُقبِلُ على القُرآنِ مُستعينةً باللهِ
وسأتشبَّثُ بصُحبةِ الخَير التي رَزَقني اللهُ بها ولم أُعِرها اهتمامًا
فانتظريني في دار التَّحفيظِ .
كَتَبَهُ : بسمَة
السَّاعة الثَّانية والرُّبع صباح الثلاثاء .
10 صفر 1436 هـ / 2 ديسمبر 2014 م