امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 28 مايو, 2016 (معدل) جاء في كتاب (( الجواب الكافي )) لابن القيم الجوزية رحمه اللَّه ما مختصره : وللمعاصي من الآثار القبـيحة المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا اللَّه . 1- فمنهـــا : حرمان العـلم ، فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب ، والمعصية تطفئ ذلك النور ، قال الشافعي : شكوت إلى وكـيــع ســــوء حفظي وقـال : اعلم بـأن العــــلم فـــضل فـــأرشدني إلى تـــــرك المعــاصي وفضـل اللَّــه لا يـؤتـــاه عـاصـــي 2- ومنهـــا : وحشة يجدها العاصي في قلبه بـينه و بـين اللَّه لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلاً ، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة ، وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه ، فقال له : إذا كنت قد أوحشتك الذنوب ، فدعها إذا شئت واستأنس . وليس على القلب أمرّ من وحشة الذنب على الذنب ، فاللَّه المستعان . 3- ومنهــا: الوحشة التي تحصل بـينه وبـين الناس ، ولا سيما أهل الخير منهم ، فإنه يجد وحشة بـينه وبـينهم ، وكلما قويت تلك الوحشة بَعُـدَ منهم ومن مجالستهم ، وحرم بركة الانتفاع بهم ، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن ، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بـينه وبـين امرأته وولده وأقاربه وبـينه وبـين نفسه ، فتراه مستوحشًا من نفسه . وقال بعض السلف : إني لأعصي اللَّه فأرى ذلك في خـُـلـُق دابتي وامرأتي . 4- ومنهــا : تعسير أموره ، فلا يتوجه إلى أمر إلا ويجده مغلقًا دونه ، أو متعسرًا عليه ، وهذا كما أن من اتقى اللَّه جعل له من أمره يسرًا ، فمن عطل التقوى جعل اللَّه له من أمره عسرًا ، 5- ومنها : المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة ، قال تعالى :[ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ] [ طه : 124 ] ، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره ، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه ، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم ، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب 6- ومن عقوباتها : أنها تنسي العبد نفسه ، فإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها ، فإن قيل : كيف ينسى العبد نفسه ؟ وإذا نسي نفسه ، فأي شيء يذكر ؟ وما معنى نسيانه نفسه ؟ [ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ [ الحشر : 19 ] ، فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم ، كما قال تعالى :[ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ] [ التوبة : 67 ] ، فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين : إحداهما : أنه سبحانه نسيه والثانية :أنه أنساه نفسه . ونسيانه سبحانه للعبد إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته ، فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم . وأما إنساؤه نفسه فهو إنساؤه لحظوظها العالية ، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها ، ينسيه ذلك جميعه ، فلا يخطره بـباله ، ولا يجعله على ذكره ، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه ، فإنه لا يمر بـباله حتى يقصده ويؤثره . وأيضًا ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها ، فلا يخطر بـباله إزالتها وإصلاحها . 7- ومنهــا : حرمان الطاعة : فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بدله ، ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ، ثم رابعة وهلم جرا ، فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة ، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها ، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيـب منها ، واللَّه المستعان . 8-أن المعاصي تقصر العمر ، وتمحق بركته ولا بد ، فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه ، وسر المسألة : أن عمر الإنسان مدة حياته ، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه ، والتنعم بحبه وذكره ، وإيثار مرضاته . 9- ومنهــا : أن المعاصي تزرع أمثالها ، ويولد بعضُها بعضًا ، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها ، كما قال بعض السلف * إن من عقوبة السيئة : السيئة بعدها ، * إن من ثواب الحسنة : الحسنة بعدها . 10- ومنهـا : وهو من أخوفها على العبد ، أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى فيه إرادة المعصية ، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا ، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية ، فلو مات نصفه لما تاب إلى اللَّه ، فيأتي بالاستغفار وتوبة الكاذبـين باللسان بشيء كثير ، وقلبه معقود بالمعصية مصرّ عليها ، عازم على مواقعتها متى أمكنه ، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك . 11- ومنهــا : أنه ينسلخ من القلب استقباحها ،فتصير له عادة ، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ، ولا كلامهم فيه ، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ، ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها ، فيقول : يا فلان ، عملت كذا وكذا ، وهذا الضرب من الناس لا يُعافون ، وتسد عليهم طريق التوبة ، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب ، كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم : (( كل أمتي معافى إلا المجاهرون ، وإن من الإجهار : أن يستر اللَّه على العبد ، ثم يصبح يفضح نفسه ، ويقول : يا فلان ، عملت يوم كذا كذا وكذا فيهتك نفسه ، وقد بات يستره ربه )) . 12- ومنهــا : أن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها اللَّه عز وجل ، فاللوطية : ميراث عن قوم لوط ، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص : ميراث عن قوم شعيـب ، والعلو في الأرض والفساد : ميراث عن فرعون وقوم فرعون ، والتكبر والتجبر : ميراث عن قوم هود ، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء اللَّه . وقد روى عبد اللَّه بن أحمد في كتاب (( الزهد )) لأبـيه عن مالك بن دينار قال : أوحى اللَّه إلى نبـي من أنبـياء بني إسرائيل أن قل لقومك : لا تدخلوا مداخل أعدائي ، ولا تلبسوا ملابس أعدائي ، ولا تركبوا مراكب أعدائي ، ولا تطعموا مطاعم أعدائي ، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي . 13- ومنهــا : أن المعصية سبـب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه . قال الحسن البصري : هانوا عليه فعصوه ، ولو عزُّوا عليه لعصمهم ، وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد ، كما قال تعالى :[ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [ الحج : 18 ] ، وإن عظمهم الناس في الظاهر ( لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم ) ، فهم في قلوبهم أحقــر شيء وأهونه . 14- ومنهــا : أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه ،وذلك علامة الهلاك ، فإن الذنب كلما صغــر في عين العبد ، عظـم عند اللَّه تعالى ، وقد ذكر البخاري في (( صحيحه )) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار )) . 16- ومنها : أن المعصية تورث الذل ولا بد ، فإن العز كل العز في طاعة اللَّه تعالى ، قال تعالى : [ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ] [ فاطر : 10 ] ، أي : فليطلبها بطاعة اللَّه فإنه لا يجدها إلا في طاعة اللَّه ، وكان من دعاء بعض السلف : اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك . 17- ومنها : أن المعاصي تفسد العقل ، فإن للعقل نورًا ، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد ، وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص . وقال بعض السلف :ما عصى اللَّهَ أحدٌ حتى يغيـب عقله ، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى ، وتحت قهره ، وهو مطلع عليه ، وفي داره على بساطه ، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه ، وواعظ الإيمان ينهاه ، وواعظ النار ينهاه ، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها ، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم ؟! 18- ومنها : أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها ، فكان من الغافلين ، كما قال بعض السلف في قوله تعالى : [ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ] [ المطففين : 14] ، قال : هو الذنب بعد الذنب . 19- ومنها : أن الذنوب تُدْخِلُ العبد تحت لعنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . 20- ومنها : حرمان دعوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ودعوة الملائكة ، فإن اللَّه سبحانه أمر نبـيه بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، وقال تعالى : [ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ] [ غافر : 7- 9 ] . 21- ومنها : أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن ، قال تعالى : [ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] [ الروم : 41 ] . 22- ومن عقوباتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ... والمقصود : أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على (نفسه وأهله وعموم الناس) ، وقد تضعف في القلب جدًّا ، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبـيح لا من نفسه ولا من غيره ، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك ، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح ، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ، ويدعوه إليه ويحثه عليه ، ويسعى له في تحصيله ، ولهذا كان الدَّيُوث أخبث خلق اللَّه ، والجنة عليه حرام ، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره ، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة . وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له ، فلا دين له . 23- ومن عقوباتها : ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب ، وهو أصل كل خير ، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه ، وفي (( الصحيحين )) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( الحياء خير كله )) . وقال : (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم يستح فاصنع ما شئت )) . رواه البخاري . والمقصود : أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية ، حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه ، بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله ، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء ، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يـبق في صلاحه مطمع . 24- ومن عقوباتها : أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جلَّ جلاله ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد ، شاء أم أبى ، ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه . ومن بعض عقوبة هذا : أنه يرفع اللَّه عز وجل مهابته من قلوب الخلق ، فيهون عليهم ، ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به ، فعلى قدر محبة العبد للَّه يحبه الناس ، وعلى قدر خوفه من اللَّه يخافه الناس ، وعلى قدر تعظيمه للَّه وحرماته يعظم الناس حرماته ، وكيف ينتهك عبد حرمات اللَّه ، ويطمع ألا ينتهك الناس حرماته ؟ أم كيف يهون عليه حق اللَّه ولا يهونه اللَّه على الناس ؟ أو كيف يستخف بمعاصي اللَّه ولا يستخف به الخلق ؟ 25- ومن عقوباتها : أنها تستدعي نسيان اللَّه لعبده ، وتركه ، وتخليته بـينه وبـين نفسه وشيطانه ، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة ، قال اللَّه تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ @ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ] [ الحشر : 18، 19 ] ، فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه ، أي أنساه مصالحها ، وما ينجيه من عذابه ، وما يوجب له الحياة الأبدية . فاللَّه سبحانه وتعالى يعوض عن كل شيء سواه ولا يعوض منه شيء ، ويغني عن كل شيء ، ولا يغني عنه شيء ، ويمنع من كل شيء ، ولا يمنع منه شيء ، ، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء ، وكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه . فيخسرها ويظلمها أعظم ظلم ، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه ، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه . 26- ومن عقوباتها : أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين والمقصود : أن الإيمان سبـب جالب لكل خير ، وكل خير في الدنيا والآخرة فسبـبه الإيمان ، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بـينه وبـينه ، ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين ، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه ، فيخرجه عن الإسلام بالكلية ، ومن هنا اشتد خوف السلف ، كما قال بعضهم : أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر . 27- ومن عقوباتها : أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة ، وتعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير ، فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة ، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه . فالذنب إما أن يميت القلب ، أو يمرضه مرضًا مخوفًا ، أو يضعف قوته ولا بد ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبـي صلى الله عليه وسلم منها وهي : (( الهم ، والحزن ، والعجز ، والكسل ، والجبن ، والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال )) . والمقصود : أن الذنوب هي أقوى الأشياء الجالبة لهذه الثمانية ، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة (( لجهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء )) ، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم اللَّه تعالى وتقدس ، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه . 28- ومن عقوبات الذنوب : أنها تزيل النعم وتحل النقم ، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبـب ذنب ، كما قال علي بن أبـي طالب رضي اللَّه عنه : (( ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع بلاء إلا بتوبة )) . وقد قال تعالى : [ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [ الشورى : 30 ] . 29- ومن عقوباتها : ما يلقيه (( اللَّه )) سبحانه وتعالى من الرعب والخوف في قلب العاصي ، فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا ، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم ، الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ، ومَن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب . 30- ومن عقوباتها : أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب ، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا ، وقد وقعت الوحشة بـينه وبـين ربه ، وبـينه وبـين الخلق ، وبـينه وبـين نفسه ، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين ، وأطيـب العيش عيش المستأنسين . 31- ومن عقوباتها : أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه ، فلا يزال مريضًا معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه ، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان . 32- ومن عقوباتها : أنها تعمي بصر القلب ، وتطمس نوره ، وتسد طرق العلم ، وتحجب مواد الهداية . 33- ومن عقوباتها : أنها تصغر النفس ، وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر من كل شيء وأحقره ، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها . قال تعالى :[ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ] [ الشمس : 9، 10 ] والمعنى : قد أفلح من أعلاها وكبرها بطاعة اللَّه وأظهرها ، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية اللَّه . 34- ومن عقوباتها : أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه ، وسجن شهواته ، وقيود هواه ، فهو أسير مسجون مقيد ، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدى عدو له ، ولا سجن أضيق من سجن الهوى ، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة ، فكيف يسير إلى اللَّه والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد ؟ وكيف يخطو خطوة واحدة ؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ، ومثل القلب مثل الطائر ، كلما علا بعد عن الآفات ، وكلما نزل استوحشته . وأصل هذا كله : أن القلب كلما كان أبعد من اللَّه كانت الآفات إليه أسرع ، وكلما كان أقرب إلى اللَّه بعدت عنه الآفات ، والبعد من اللَّه مراتب ، بعضها أشد من بعض ، فالغفلة تبعد العبد عن اللَّه ، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة ، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية ، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله . 35- ومن عقوباتها : سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند اللَّه وعند خلقه . إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى في نهاية الكلام عن آثار المعاصي : فانظر إلى الآخرة كأنها رأي العين ، وتأمل حكمة اللَّه سبحانه في الدارين ، تعلم حينئذ علمًا يقينًا لا شك فيه ، أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها ، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار من الإيمان والعمل الصالح وضدها ، فمن أعظم الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة ، وباللَّه التوفيق . انتهى كلام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى وأحيطك علمًا بأن تلك النقاط السابقة مجرد عناوين وقليل من الشرح لما في كتاب (( الجواب الكافي )) ، هذا الكتاب القيم لابن القيم الجوزية . منتدى طريق التوبة تم تعديل 28 مايو, 2016 بواسطة امانى يسرى محمد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
*إشراقة فجر* 1396 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 14 يوليو, 2016 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزاك الله خيرا أختي الحبيبة وجعله في ميزان حسناتك رحم الله ابن القيّم رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته () شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 3 يونيو, 2020 حفظك الله من كل شر ، وابعد عنك كل هم ، ورضى عنك وارضاك ، واسعدك ، وازال عنك كل هم ، وثبتك عند الابتلاء شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة الأحد في 21:26 الإصرارُ على المعصيةِمعناهُ: البقاء على المعصيةِ مع العِلمِ بها دونَ استغفارٍ أو توبةٍ . قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135] . قال ابنُ جَريرٍ: (الإصرارُ: الإقامةُ على الذَّنبِ عامِدًا، أو تَرْكُ التَّوبةِ منه) . وقال ابنُ عطيَّةَ: (الإصرارُ معناه: اعتزامُ الدَّوامِ على الأمرِ، وتَرْكُ الإقلاعِ عنه، ومنه صَرُّ الدنانير: أي: الرَّبطُ عليها) . وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، مرفوعًا: ((ارحَموا تُرْحَموا، واغفِروا يُغْفَرْ لكم، وَيلٌ لأقماعِ القَولِ! وَيلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فَعَلوا وهم يَعلَمونَ! )) . قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (أمَّا قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وَيلٌ للمُصِرِّين)) أي: على الذُّنوبِ، أي: عازمينَ على المداومةِ عليها، ويُقيمون عليها فلم يتوبوا ولم يَستَغفِروا، وهم يَعلَمون، أي: يُصِرُّون في حالِ عِلْمِهم بأنَّ ما فعلوه معصيةٌ، أو يَعلَمونَ بأنَّ الإصرارَ أعظَمُ مِن الذَّنبِ، أو يَعلَمونَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه يعاقِبُ على الذَّنبِ) . وعن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ) . قال أبو العبَّاسِ القُرطبي: (من قال بلِسانِه: أستغفِرُ اللهَ، وقَلْبُه مُصِرٌّ على معصيتِه؛ فاستغفارُه ذلك يحتاجُ إلى استِغفارٍ، وصغيرتُه لاحِقةٌ بالكِبارِ؛ إذ لا صغيرةَ مع إصرارٍ، ولا كبيرةَ مع استغفارٍ!) . وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((كُلُّ أمَّتي مُعافاةٌ إلَّا المجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ الإجهارِ أن يعمَلَ العَبدُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثمَّ يُصبِحُ قد سَتَرَه رَبُّه، فيقولُ: يا فُلانُ، قد عَمِلْتُ البارحةَ كذا وكذا. وقد بات يَستُرُه رَبُّه، فيَبيتُ يَستُرُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشِفُ سِتْرَ اللهِ عنه! ))709. قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (هو أن يَعمَلَ الرَّجُلُ معصيةً في خُفيةٍ وخَلوةٍ، ثم يخرجُ يتحَدَّثُ بها مع النَّاسِ، ويجهَرُ بها ويُعلِنُها، وهذا من أكبَرِ الكبائرِ، وأفحَشِ الفواحِشِ، وذلك أنَّ هذا لا يَصدُرُ إلَّا من جاهِلٍ بقَدْرِ المعصيةِ، أو مُستهينٍ مُستهزئٍ بها، مُصِرٍّ عليها، غيرِ تائبٍ منها، مُظهرٍ للمُنكَرِ، والواحِدُ من هذه الأمورِ كبيرةٌ، فكيف إذا اجتَمَعَت؟! فلذلك كان فاعِلُ هذه الأشياءِ أشَدَّ النَّاسِ بلاءً في الدُّنيا، وعقوبةً في الآخِرةِ؛ لأنَّه تجتَمِعُ عليه عقوبةُ تلك الأمورِ كُلِّها) . وحُكمُ المُصِرِّ على المعصيةِ عند أهلِ السُّنَّةِ هو حُكمُ مُرتكِبِ الكبيرةِ. وقد ذكر ابن حجر الهيتمي أنَّ مِن جملةِ الكبائِرِ: فَرَحَ العبدِ بالمعصيةِ، والإصرارَ عليها، ونسيانَ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ، والأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ. فقال: (الثَّالثةُ والثَّلاثون: فَرَحُ العَبدِ بالمعصيةِ. الرَّابعةُ والثَّلاثون: الإصرارُ على المعصيةِ. الخامِسةُ والثَّلاثون: محبَّةُ أن يُحمَدَ بما يفعَلُه مِنَ الطَّاعاتِ. السَّادسةُ والثَّلاثون: الرِّضا بالحياةِ الدُّنيا والطُّمَأنينةُ إليها. السَّابعةُ والثَّلاثون: نسيانُ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ. الثامِنةُ والثَّلاثون: الغضَبُ للنَّفْسِ والانتصارُ لها بالباطلِ) ثم ذكَرَ في التَّاسعة والثَّلاثين: (الأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ بالاسترسالِ في المعاصي مع الاتِّكالِ على الرَّحمةِ) . فاقترافُ المعاصي بمفرَدِه عند أهلِ السُّنَّةِ لا يُخرجُ من دينِ اللهِ، ولا توقِعُ صاحِبَها في الرِّدَّةِ إن لم يَقتَرِنْ بها سَبَبٌ من أسبابِ الكُفرِ كاستحلالِ المعصيةِ أو الاستهزاءِ بحُكْمِها. قال الطَّحاوي: (لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستحِلَّه)، ثم عَقَّب على ذلك بقَولِه: (ولا نقولُ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لِمن عَمِلَه) . وذلك لأنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَرَون أنَّ فِعلَ المعاصي يترتَّبُ عليه العذابُ والعِقابُ الأُخرويُّ الذي أخبر عنه الشَّارعُ لكثيرٍ من المحَرَّمات والمعاصي، وتوعَّد اللهُ به على فِعْلِها في كتابِه وعلى لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّها تؤثِّرُ على الإيمانِ مِن حيثُ زيادتُه ونُقصانُه، لا من حيثُ بَقاؤُه وذَهابُه . وكذلك فإنَّ صاحِبَ المعصيةِ المصِرَّ عليها يُخشى عليه عند أهلِ السُّنَّةِ سُوءُ العاقبةِ؛ لأنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفرِ، والإكثارُ من مقارفةِ المعاصي قد يؤدِّي إلى الوُقوعِ في الكُفرِ والرِّدَّة -والعياذُ باللهِ، فالاستغراقُ في المعاصي أو الإصرارُ عليها قد يجعَلُها تحيطُ بصاحِبِها وتُنبِتُ النِّفاقَ في قَلْبِه؛ حتى يغطِّيَ قَلْبَه الرَّينُ، ويسُدُّ منه كُلَّ منافذِ الخَيرِ دونَما شعورٍ منه حتى يسقُطَ منه إمَّا عَمَلُ القَلبِ، فينتَكِسُ، ويُبَرِّرُ لصاحِبِه كُلَّ ما يفعَلُه من الشَّرِّ حتى يوقِعَه في استحلالِ المعاصي، وإمَّا يَسقُطُ منه قَولُ القَلبِ فيُنكِرُ بعضَ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لتبريرِ مُقتَضَياتِ الهوى والشَّهوةِ . عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم ومحَقَّراتِ الذُّنوبِ؛ فإنَّهنَّ يجتَمِعْنَ على الرَّجُلِ حتى يُهلِكْنَه، وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضرب لهنَّ مثلًا كمَثَلِ قَومٍ نَزَلوا أرضَ فَلاةٍ، فحَضَر صَنيعُ القَومِ، فجَعَل الرَّجُلُ ينطَلِقُ فيجيءُ بالعُودِ، والرَّجُلُ يجيء بالعودِ، حتى جمعوا سَوادًا، فأجَّجوا نارًا، وأنضَجوا ما قَذَفوا فيها )) . وقال ابنُ تيميَّةَ: (قَولُه تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] ؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّنُ الكُفرَ، فيقتضي الحُبوطَ وصاحِبُه لا يدري، والمعنى: كراهيةَ أن يَحبَطَ أو خشيةَ أن يَحبَطَ، فنهاهم عن ذلك؛ لأنَّه يُفضي إلى الكُفرِ المقتضي للحُبوطِ، ولا رَيبَ أنَّ المعصيةَ قد تكون سببًا للكُفرِ، كما قال بعضُ السَّلَفِ: «المعاصي بريدُ الكُفرِ» ، فيُنهى عنها خشيةَ أن تُفضِيَ إلى الكُفرِ المحبِطِ، كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63] -وهي الكُفرُ- أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وإبليسُ خالف أمْرَ اللهِ؛ فصار كافرًا، وغيرُه أصابه عذابٌ أليمٌ) . ومن أخطَرِ الأشياءِ: كراهةُ حُكمِ اللهِ وما شرَعَه، فهو محبِطٌ للعَمَلِ، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: 9] . قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ العَبدَ إذا فَعَل الذَّنبَ مع اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمه عليه، واعتقادِ انقيادِه لله فيما حَرَّمه وأوجَبَه؛ فهذا ليس بكافِرٍ، فأمَّا إن اعتقد أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْه أو أنَّه حَرَّمه لكِنِ امتنع من قَبولِ هذا التحريمِ وأبى أن يُذعِنَ للهِ ويَنقادَ، فهو إمَّا جاحِدٌ أو معانِدٌ؛ ولهذا قالوا: من عصى اللهَ مُستكبِرًا كإبليسَ، كَفَر بالاتِّفاقِ، ومن عصى مُشتَهِيًا لم يَكفُرْ عند أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وإنَّما يُكَفِّرُه الخوارجُ؛ فإنَّ العاصِيَ المستكبرَ وإن كان مُصَدِّقًا بأنَّ اللهَ رَبُّه، فإنَّ مُعاندتَه له ومحادَّتَه تنافي هذا التصديقَ. وبيانُ هذا أنَّ من فعل المحارِمَ مُستَحِلًّا لها فهو كافِرٌ بالاتِّفاقِ، فإنَّه ما آمَنَ بالقُرآنِ من استحَلَّ محارِمَه، وكذلك لو استحَلَّها من غيرِ فِعلٍ، والاستحلالُ اعتقادُ أنَّها حلالٌ له وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حرَّمها، وهذا يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرُّبوبيَّةِ، أو لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ، ويكونُ جَحْدًا محْضًا غيرَ مبنيٍّ على مُقَدِّمةٍ. وتارةً يَعلَمُ أنَّ اللهَ حَرَّمها، ويعلَمُ أنَّ الرَّسولَ إنَّما حَرَّم ما حَرَّمه اللهُ، ثم يمتَنِعُ عن التزامِ هذا التحريمِ، ويعانِدُ المحَرَّمَ، فهذا أشَدُ كُفرًا من قَبْلِه، وقد يكونُ هذا مع عِلْمِه أنَّ من لم يلتَزِمْ هذا التحريمَ عاقبه اللهُ وعَذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناعَ والإباءَ إمَّا لخَلَلٍ في اعتقادِ حِكمةِ الآمِرِ وقُدرتِه، فيعودُ هذا إلى عَدَمِ التصديقِ بصِفةٍ مِن صفاتِه، وقد يكونُ مع العِلمِ بجميعِ ما يُصَدقُ به تمرُّدًا أو اتباعًا لغَرَضِ النَّفْسِ، وحقيقتُه كُفرُ هذا؛ لأنَّه يعترفُ للهِ ورَسولِه بكُلِّ ما أخبَرَ به، ويصَدِّقُ بكُلِّ ما يُصَدِّقُ به المُؤمِنون، لكِنَّه يَكرَهُ ذلك ويُبغِضُه ويَسخَطُه؛ لعَدَمِ موافقتِه لِمُراده ومُشتَهاه، ويقول: أنا لا أُقِرُّ بذلك، ولا ألتَزِمُه، وأبغِضُ هذا الحَقَّ، وأنفِرُ عنه، فهذا نوعٌ غيرُ النَّوعِ الأوَّلِ، وتكفيرُ هذا معلومٌ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، والقُرآنُ مملوءٌ من تكفيرِ مثلِ هذا النَّوعِ، بل عقوبتُه أشَدُّ... وبهذا يظهَرُ الفَرقُ بين العاصي؛ فإنَّه يعتَقِدُ وُجوبَ ذلك الفِعلِ عليه، ويحِبُّ ألَّا يفعَلَه، لكِنَّ الشَّهوةَ والنُّفرةَ منعَتْه من الموافقةِ، فقد أتى من الإيمانِ بالتصديقِ والخُضوعِ والانقيادِ، وذلك قَولٌ وعَمَلٌ، لكِنْ لم يَكمُلِ العَمَلُ) . وقال ملَّا علي القاري: (إنَّ استحلالَ المعصيةِ صغيرةً كانت أو كبيرةً -إذا ثبت كونُها معصيةً بدلالةٍ قطعيَّةٍ- وكذا الاستهانةُ بها: كُفرٌ، بأن يَعُدَّها هَيِّنةً سَهلةً، ويرتَكِبُها من غيرِ مُبالاةٍ بها، ويُجريها مجرى المباحاتِ في ارتكابِها) . وجعَلَ ابنُ الهمامِ مَناطَ التكفيرِ هو: (التكذيبَ، أو الاستِخفافَ بالدِّينِ) . ولما كانت المعاصي عند أهل السُّنَّة بريدَ الكُفرِ؛ فإنَّ كثيرًا من الأئِمَّةِ قد امتنعوا عن إطلاقِ القَولِ بعَدَمِ تكفيرِ أحَدٍ بذَنبٍ؛ خوفًا من أن يَظُنَّ السَّامِعُ أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ لا تؤثِّرُ في الإيمانِ بضَعْفِه ونَقْضِه، فهي قد تؤدِّي إلى سقوطِه جملةً بارتكابِ مَعصيةٍ تتضَمَّنُ إمَّا الإنكارَ لِما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه، وإمَّا الاستكبارَ عنه أو الاستخفافَ والاستهانةَ بأَمْرِه. قال ابنُ أبي العِزِّ: (فطائفةٌ تقولُ: لا نُكَفِّرُ من أهلِ القِبلةِ أحدًا، فتنفي التكفيرَ نفيًا عامًّا، مع العِلمِ بأنَّ في أهلِ القِبلةِ المنافقين الذين فيهم من هو أكفَرُ من اليهودِ والنَّصارى، بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وفيهم من قد يُظهِرُ بعضَ ذلك حيثُ يمكِنُهم، وهم يتظاهرون بالشَّهادتينِ! وأيضًا فلا خلافَ بين المُسلِمين أنَّ الرَّجُلَ لو أظهر إنكارَ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، والمحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، ونحوِ ذلك، فإنَّه يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ كافرًا مرتدًّا، والنِّفاقُ والرِّدَّةُ مَظِنَّتُهما البِدَعُ والفُجورُ... ولهذا امتنع كثيرٌ من الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَولِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقالُ: لا نكَفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ، كما تفعلُه الخوارجُ، وفَرْقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونفيِ العُمومِ، والواجِبُ إنَّما هو نفيُ العمومِ، مناقَضةً لقَولِ الخوارجِ الذين يُكَفِّرون بكُلِّ ذَنبٍ... فإنهم يقولون: نكَفِّرُ المُسلِمَ بكُلِّ ذنبٍ، أو بكُلِّ ذنبٍ كبيرٍ، وكذلك المعتَزِلةُ الذين يقولون: يحبَطُ إيمانُه كُلُّه بالكبيرةِ، فلا يبقى معه شيءٌ من الإيمانِ... وبقَولِهم بخُروجِه من الإيمانِ أوجبوا له الخُلودَ في النَّارِ... إنَّ أهلَ السُّنَّةِ متَّفِقون كُلُّهم على أنَّ مرتَكِبَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ كُفرًا يَنقُلُ عن الملَّةِ بالكليَّةِ، كما قالت الخوارجُ... ومتَّفِقون على أنَّه لا يخرجُ من الإيمانِ والإسلامِ، ولا يدخُلُ في الكُفرِ، ولا يستَحِقُّ الخُلودَ مع الكافرينَ، كما قالت المعتَزِلةُ) . وقال حافظٌ الحكَميُّ: (لا نُكَفِّرُ بالمعاصي التي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وأنَّها لا تُوجِبُ كُفرًا، والمرادُ بها الكبائِرُ التي ليست بشِركٍ، ولا تستَلزِمُه، ولا تنافي اعتقادَ القَلْبِ ولا عَمَلَه... ولكِنْ نقولُ: يَفسُقُ بفِعْلِها، ويُقام عليه الحدُّ بارتكابِها، ويُنقَصُ إيمانُه بقَدْرِ ما تجَرَّأَ عليه منها... عامِلُ الكبيرةِ يَكفُرُ باستحلالِه إيَّاها، بل يكفُرُ بمجَرَّدِ اعتقادِه بتحليلِ ما حَرَّم اللهُ ورَسولُه لو لم يَعمَلْ به؛ لأنَّه حيئنذٍ يكون مُكَذِّبًا بالكتابِ، ومكَذِّبًا بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك كُفرٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، فمن جحد أمرًا مجمَعًا عليه معلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فلا شَكَّ في كُفْرِه) .الدرر السنية شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك