اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

بعض عقوبات المعاصي

المشاركات التي تم ترشيحها

14479586_1130300680379987_3093425750853827877_n.jpg?oh=6129a902f32bb477fa573746160e3a4f&oe=58602FB7

 

 

بعض عقوبات المعاصي

 

فاستحضر بعض العقوبات التي رتبها الله سبحانه وتعالى على الذنوب وجوز وصول بعضها إليك واجعل ذلك داعيا للنفس إلى هجرانها ، وأنا أسوق إليك منها طرفا يكفي العاقل مع التصديق ببعضه .

 

الختم على القلب

ذكرالإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال : القلوب أربعة : فقلب أجرد فيه سراج يزهر : فذلك قلب المؤمن ، وقلب أغلف : فذلك قلب الكافر ، وقلب منكوس : فذلك قلب المنافق ، وقلب تمده مادتان : مادة إيمان ومادة نفاق ، وهو لما غلب عليه منهما .

 

ومنها : التثبيط عن الطاعة ، والإقعاد عنها .

ومنها : جعل القلب أصم لا يسمع الحق ، أبكم لا ينطق به ، أعمى لا يراه ،

فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره ، كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات ، وعين الأعمى والألوان ، ولسان الأخرس والكلام ، وبهذا يعلم أن العمى والصمم والبكم للقلب بالذات : الحقيقة ، وللجوارح بالعرض والتبعية فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [ سورة الحج : 46 ] .

 

خسف القلب

ومنها : الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه ، فيخسف به إلى أسفل السافلين وصاحبه لا يشعر ، وعلامة الخسف به أنه لا يزال جوالا حول السفليات والقاذورات والرذائل ، كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لا يزال جوالا حول العرش .

قال بعض السلف : إن هذه القلوب جوالة ، فمنها ما يجول حول العرش ، ومنها ما يجول حول الحش .

 

مسخ القلب

ومنها : مسخ القلب ، فيمسخ كما تمسخ الصورة ، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته ، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به ، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك ، وهذا تأويل سفيان بن عيينةفي قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [ سورة الأنعام : 38 ] .

فسبحان الله ! كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر ؟ وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به ؟ وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه ؟ ومستدرج بنعم الله عليه ؟ وكل هذه عقوبات وإهانات ويظن الجاهل أنها كرامة .

 

ومنها : مكر الله بالماكر ، ومخادعته للمخادع ، واستهزاؤه بالمستهزئ ، وإزاغته للقلب الزائغ عن الحق .

 

نكس القلب

 

ومنها : نكس القلب حتى يرى الباطل حقا والحق باطلا ، والمعروف منكرا والمنكر معروفا ، ويفسد ويرى أنه يصلح ، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها ، ويشتري الضلالة بالهدى ، وهو يرى أنه على الهدى ، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه ؟ وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب .

 

حجب القلب عن الرب

ومنها : حجاب القلب عن الرب في الدنيا ، والحجاب الأكبر يوم القيامة ، كما قال تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ سورة المطففين : 14 - 15 ] .

 

 

ومنها : المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ ، والعذاب في الآخرة ،

قال تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [ سورة طه : 124 ] .

 

قال حاكيا عنه أنه قال : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ سورة الشعراء : 88 - 89 ] .

والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة ، فسلم من كل آفة تبعده عن الله ، وسلم من كل شبهة تعارض خبره ، ومن [ ص: 122 ] كل شهوة تعارض أمره ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده ، وسلم من كل قاطع يقطع عن الله ، فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا ، وفي جنة في البرزخ ، وفي جنة يوم المعاد .

 

سلامة القلب

ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء : من شرك يناقض التوحيد ، وبدعة تخالف السنة ، وشهوة تخالف الأمر ، وغفلة تناقض الذكر ، وهوى يناقض التجريد والإخلاص .

وهذه الخمسة حجب عن الله ، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة ، تتضمن أفرادا لا تنحصر .

 

الصراط المستقيم

 

ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته ، إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم ، فليس شيء أحوج منه إلى هذه الدعوة ، وليس شيء أنفع له منها .

 

فإن الصراط المستقيم يتضمن : علوما ، وإرادة ، وأعمالا ، وتروكا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت ، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها ، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه ، وما يعلمه قد يقدر عليه ، وقد لا يقدر عليه ، وهو الصراط المستقيم وإن عجز عنه ، وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده كسلا وتهاونا ، أو لقيام مانع وغير ذلك ، وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله ، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم ، وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم ، وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه ، وهذا كله واقع سار في الخلق ، فمستقل ومستكثر .

 

وليس في طباع العبد الهداية إلى ذلك ، بل متى وكل إلى طباعه حيل بينه وبين ذلك كله ، وهذا هو الإركاس الذي أركس الله به المنافقين بذنوبهم ، فأعادهم إلى طباعهم وما خلقت عليه نفوسهم من الجهل والظلم ، والرب تبارك وتعالى على صراط مستقيم في قضائه وقدره ، ونهيه وأمره ، فيهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته ، وجعله الهداية حيث تصلح ، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته ، لعدم صلاحية المحل ، وذلك موجب صراطه المستقيم الذي هو عليه ، فإذا كان يوم القيامة نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إليه ، فهو على صراط مستقيم .

 

ونصب لعباده من أمره صراطا مستقيما دعاهم جميعا إليه حجة منه وعدلا ، وهدى [ ص: 123 ] من يشاء منهم إلى سلوكه نعمة منه وفضلا ، ولم يخرج بهذا العدل وهذا الفضل عن صراطه المستقيم الذي هو عليه ، فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطا مستقيما يوصلهم إلى جنته ، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا ، وأقام عليه من أقامه عليه في الدنيا ، نورا ظاهرا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر ، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه ، وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه ، كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا .

 

وأقام أعمال العصاة بجنبتي الصراط كلاليب وحسكا تخطفهم كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة عليه ، وجعل قوة سيرهم وسرعتهم على قدر قوة سيرهم وسرعتهم في الدنيا ، ونصب للمؤمنين حوضا يشربون منه بإزاء شربهم من شرعه في الدنيا ، وحرم من الشرب منه هناك من حرم الشرب من شرعه ودينه هاهنا .

 

فانظر إلى الآخرة كأنها رأي عين ، وتأمل حكمة الله سبحانه في الدارين ، تعلم حينئذ علما يقينا لا شك فيه : أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها ، وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار في الإيمان والعمل الصالح وضدهما ، وبالله التوفيق .

 

فمن أعظم عقوبات الذنوب - الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة .

 

 

 

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء»

فصل بعض عقوبات المعاصي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
آثار الذنوب
 

إن للمعصيةِ أثرًا يُريهُ الله عِبادَه لعلهم ينتهون:

قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ آثارِ الذنوبِ والمعاصي أنها تُحدِثُ في الأرضِ أنواعا مِنَ الفسادِ في المياهِ والهواءِ والزرعِ والثمارِ والمساكنِ قَالَ تَعالَى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: 41] فالمرادُ بالفسادِ والنقصِ والشرِّ والآلامِ التي يُحدِثُها اللهُ في الأرضِ بِمعاصي العبادِ، فكلَّما أحدثوا ذنْبا أحْدَثَ لهمْ عقوبةً، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلفِ: كُلَّما أحدثتُم ذنبا أحْدَثَ اللهُ لكُم مِنْ سُلطانِهِ عقوبةً، والظَّاهِرُ واللهُ أعْلَمُ أنَّ الفسادَ المرادُ بِهِ الذنوبُ وموجباتِها، ويدُلُّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿ النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ [الروم: 41] فهَذَا حالُنَا، وإنَّما إذاقَنَا الشيءَ اليسيرَ منْ أعمالِنَا، فَلَو أذاقَنَا كلَّ أعمالِنَا لَمَا ترَكَ على ظهرِهَا منْ دابةٍ...
وكثيرٌ مِنْ هذه الآفاتِ أحدَثَها اللهُ سَبحَانَه وتعالى بِما أحدثَ العبادُ مِنَ الذُّنوبِ.اهـ.

وإنَّ مِنْ شؤمِ المعصيةِ على صاحِبِها ما يلي:
1- أنَّ المعصيةَ تُورِثُ صاحِبَها وحشةً في القلبِ، وتَكونُ سببًا في حِرْمانِ العِلْمِ والتوفيقِ:
وذلِكَ أنَّ القَلبَ بيْتُ الربِّ – تعظيما وإجلالًا – فإذا عُمِّرَ بَغيرِ ذِكْرِ مولاه أظلَمَ، وبِقَدْرِ إعراضِ العبدِ عنْ ذِكْرِ اللهِ يكونُ لَديهِ مِنَ الضّنْكِ وضيقِ الصّدرِ وانقباضِ النَّفْسِ، وإنْ انطَلَقَ صاحبُها في الحياةِ فَهُوَ غيرُ سعيدٍ، لأنَّ التّقيَّ هُوَ السعيدُ.
قال ابنُ عباسٍ وأنسُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: إنَّ للحسنةِ نورا في القلبِ، وزينا في الوَجْهِ، وقوةً في البَدَنِ، وَسِعَةً في الرِّزْقِ، وَمحبةً في قلوبِ الخلْقِ، وإنَّ للسيئةِ ظُلمةً في القلْبِ، وشينا في الوَجْهِ، وَوَهنا في البَدَنِ، ونقصا في الرِّزْقِ، وبُغْضَةً في قلوبِ الخلقِ.
 
2- أنَّ صاحِبَ المعصيةِ تَلعنُه حتى البهائمَ، بِخَلافِ صاحِبِ الطاعَةِ:
قَالَ مجاهدٌ في تفسيرِ قَولِه تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]. قَالَ: إنَّ البهائمَ تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أشتدّتِ السنةُ وأمسكَ المطرُ، وتقولُ: هَذَا بشؤمِ معصيةِ ابنِ آدمَ.
أمَّا صاحبُ الطاعةِ فقَالَ فِيهِ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ وملائكتَهُ وأهلَ السماواتِ والأرَضينَ حتى النَّملةَ في جُحرِهَا وحتى الحوتَ لَيُصَلُّون على مُعلِّمِ الناسِ الخيرَ" رَوَاهُ التـرمذيُّ وابنُ ماجه، وهُو حديثٌ صحيحٌ.
وقَالَ صلى الله عليه وسلم لَمّا مُرَّ عليه بجنازةٍ: "مستريحٌ ومُستراحٌ منه" قَالُوا: يا رسولَ اللهِ مَا المستـريحُ والمستـراحُ مِنهُ؟ فقَالَ: "العبدُ المؤمنُ يستـريحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنيا، والعبْدُ الفَاجِرُ يَستـريحُ مِنهُ العِبادُ والبلادُ والشَّجَرُ والدَّوابُ" رواه البخاري ومسلم.
 
3- حِرْمانُ الطاعةِ، وذلك أنَّ الطاعةَ قُربةٌ إلى الملكِ الديَّانِ، فَلا يَجِدُ عبدٌ لذةَ الطاعةِ إلا بابتعادِهِ عنِ المعصيةِ، ولِذَا قَالَ سُبْحانَه في المنافقينَ: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46].
قَالَ الفضيلُ: إذا لمْ تقْدِرْ على قيامِ الليلِ، وصيامِ النهارِ، فاعلمْ أنَّكَ مَحرومٌ مُكبَّلٌ كبَّلتْكَ خطيئتُكَ.
وقَالَ شابٌ للحسنِ البصريِّ: أعياني قيامُ الليلِ، فقَالَ: قيَّدتْكَ خطاياك.
وقَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: إنَّ في الدنيا جَنّةٌ مَنْ لم يَدخلْها لا يَدخلُ جنةَ الآخِرَةِ.
 
4- أنَّ المعاصيَ سببٌ لِهوانِ العبدِ على ربِّه وهوانِه على الناس، فلا عِزّةَ إلا في طاعةِ العزيزِ سبحانَه:
وكتبتْ عائشةُ أمُّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا إلى معاويةَ: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ العامِلَ إذا عَمِلَ بمعصيةِ اللهِ عَادَ حامِدُه مِنَ النَّاسِ ذامًّا.
قَالَ الحسنُ البصريُّ عَنِ العُصاةِ: هانُوا عليهِ فَعَصَوه، ولو عـَزُّوا عَليْهِ لَعَصَمَهُم.
وقَالَ مُحَارِبُ بنُ دِثَارٍ: إنَّ الرَّجُلَ ليَذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَجِدَ لَهُ في قَلْبِهِ وَهْـنا.
وقَالَ الفضيلُ بنُ عِياضٍ: ما يؤمِّنُكَ أنْ تَكونَ بارزتَ اللهَ تعالى بِعَمَلٍ مَقَتَكَ عليه فَأغْلَقَ عَنْكَ أبوابَ المغفرةِ وأنْتَ تَضْحَكَ.
وقَالَ الحسنُ: ما عصى اللهَ عبدٌ إلا أذلَّهُ اللهُ.
وقال المعتَمِرُ بنُ سليمانَ: إنَّ الرّجُلَ ليُصيب الذَّنْبَ في السِّرِّ فيُصبِح وَعَليْهَ مَذلَّتُهُ
 
5- أنَّ المعصيةَ إذا أحاطتْ بصاحبِها أدخَلَتْهُ النارَ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81] وإنَّ الذنوبَ إذا اجتَمَعتْ أهلكتْ صاحِبَها، كَمَا قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إياكُمْ وَمُحقِّراتِ الذنوبِ، فإنَّهنُّ يَجتمعْنَ على الرَّجُلِ حتى يَهلِكْنَهُ". رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ.

قال ابنُ القيِّمِ:
واعلمْ أنَّ العقوباتِ تَختلِفُ فتارّةً تُعَجَّلُ وتَارّةً تؤخَّرُ وتارَّةً يَجمعُ اللهُ على العاصي بينَهما وأشدُّ العقوباتِ العقوبةُ بسلْبِ الإيمانِ ودونَها العقوبةُ بموتِ القلْبِ وَمَحْوِ لَذَّةِ الذِّكْرِ والقِراءةِ والدُّعَاءِ والمناجَاةِ مِنْه وربّما دبتْ عقوبةُ القلبِ فيه دبيبَ الظلمةِ إلى أنْ يمتلئَ القلبُ بِهما فتَعْمَى البصيرةُ وأهونُ العقوبةِ ما كَانَ واقعا بالبَدَنِ في الدنيا وأهونُ منها ما وَقَعَ بالمالِ ورَبما كانتْ عقوبةُ النَّظَرِ في البَصِيرَةِ أو في البَصَرِ أو فيهما. اهـ.
 
6- أنَّ الذنوبَ تخونُ صاحبَها في أحْلَكِ الظروفِ، وأصْعبِ المواطِنِ، خَاصَةً عِنْدَ الموتِ:
قَالَ ابنُ القيِّمِ: وَمِنْ عقوباتِها - أيِ المعاصي - أنَّها تخونُ العبدَ أحوجَ ما يكونُ إلى نفْسِهِ وثُمَّ أمرٌ أخْوفُ مِنْ ذلِكَ وأدْهَى وأمرُّ وهُوَ أنْ يَخونَهُ قلبُهُ ولِسَانُهَ عِنْدَ الاحتضارِ والانتقَالِ إلى اللهِ تعالى، فَربما تعذَّرَ عليه النُّطقُ بالشَّهادَةِ، كَمَا شَاهَدَ الناسُ كثيرا مِنَ المحتضَرينَ أصابَهُم ذلِكَ، حتى قيلَ لِبَعضِهِم: قُلْ لا إلِهَ إلا اللهُ، فقَالَ: آه آه. لا أستطيعُ أنْ أقولَها، وقيلَ لآخَر: قُلْ لا إلَهَ إلا اللهُ، فَجعَلَ يهذي بالغِنَاءِ، وقَالَ: وما يَنْفَعُني ما تَقُولُ، ولَمْ أدَعْ معصيةً إلا رَكِبتُها ثم قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقِيلَ لآخَر ذلِكَ، فقَالَ: وما يُغني عَنِّي، وما أعْلَمُ أنَّي صليتُ للهِ تَعَالى صلاةً، ثُمَّ قَضَى، ولَمْ يَقُلْها، وقيلَ لآخَر ذلِكَ فقَالَ: هُوَ كافِرٌ بِما تقولُ، وَقَضَى، وَقِيلَ لآخَـر ذلِكَ، فقَالَ: كلما أردتُ أنْ أقولَها فلِسَاني يُمسِكُ عَنْها. اهـ.
وَهَلْ تُهزمُ الجيوشُ، وتَذِلُّ الأممُ إلا بالذنوبِ والمعاصِي.
وَهَلْ أصَابَ الصحابةُ مَا أصَابَهم يومَ أُحُدٍ وحُنينٍ إلا بشؤمِ المعْصِيةِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155] ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25] فهؤلاءِ الأخيارُ الأبرارُ أصَابَهم ما أصَابَهم بذنبٍ واحِدٍ، فَمَا بالُ مَنْ جَمَع المئينَ.
 

 

 
7- أنَّ الذنوبَ مِنْ أعظمِ أسبابِ ذهابِ البَرَكةِ مِنَ الأموالِ، بَلْ ومِن حياةِ النَّاسِ عموما:
ففي صحيحِ مسلمٍ مِنْ حَديثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَال: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ وما يَكونُ بَعْدَهُ مِن خُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ، ثمَّ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّون َ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ.
وقد أثَّرتْ المعاصي حتى في الحجَرِ الأسودِ.
وفي الحديثِ: "نَزَل الحجرُ الأسودُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أشدُّ بياضا مِنَ اللبَنِ، فَسَوّدتْهُ خطايا بني آدمَ ". رَوَاهُ الترمذيُّ، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ.
قَالَ ابنُ القيِّمِ: ومِنْ تأثيرِ معاصِي اللهِ في الأرضِ مَا يَحِلُّ بها مِنَ الخَسْفِ والزلازلِ ويَمحَقُ بركَتَهَا، وقَدْ مَرَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على ديارِ ثَمودَ فمَنَعَهُم مِنْ دخولِ ديارِهِم إلا وَهُمْ بَاكُونَ، ومَنْ شُرْبِ مياهِهِم وَمِنَ الاستسقاءِ مِنْ أبيارِهِم، لتأثيرِ شؤمِ المعصيةِ في الماءِ. وكذلِكَ شؤمُ تأثيرِ الذنوبِ في نَقْصِ الثمارِ وما تَرَى بِهِ مِنَ الآفاتِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِهِ في ضِمْنِ حديثٍ قَالَ: وُجِدتْ في خزائنِ بعضِ بَني أميةَ حُنطةٌ الحبةُ بِقَدْرِ نواةِ التمرةِ، وهي في صُرةٍ مكتوبٌ عليها: كَانَ هذا ينبتُ في زَمَنٍ مِنَ العدلِ.
 
8- أنَّ الذنوبَ تُغطِّي القلبَ، حتى تَنقِلَبَ عليه الحقائقُ، فلا يَعْرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا:
قَالَ صلى الله عليه وسلم: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ". رَوَاهُ مُسلِمٌ.
وَضِدُّها التقوى؛ فَبِها تُكشفُ وجوهُ الحقائقِ، ويُميّز المسلِمُ بين الحقِّ والباطِلِ، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29].

والذنوبُ تَكونُ بِمثابةِ الغِطاءِ على القلبِ، فلا يَذكُرُ اللهَ عز وجل، ولا يَتَذَكّرُ الدَّارَ الآخِرَةَ، فيُحْجَبُ قَلبُه في الدُّنيا عَنْ رَبِّه، ثُمَّ يَحجِبُه ربُّهُ جل جلاله عنْ رؤيةِ وجهِهِ الكريمِ: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴾ [المطففين: 14 - 16].
 
9- أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ سَبَبٌ في زوالِ النِّعَمِ:
قَالَ سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ: ﴿ ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].

قَالَ الإمامُ الشافعيُّ:
إذا كَنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها 40.jpg
فإنَّ المعاصيَ تُزيلُ النِّعم 40.jpg
وحُطْها بِطاعةِ ربِّ العبادِ 40.jpg
فَرَبُّ العبادِ سريعُ النِّقَم 40.jpg
 
 
10- وَمِنْ شُؤمِ المعصيَةِ أنَّها تَكونُ سببًا في عذابِ القبرِ، فَقَدْ مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قبـريْنِ فقَالَ: "أمَا إنّـهُما ليُعذَّبَانِ وَمَا يَعذَّبَانِ في كبيرٍ، ثمَّ قَالَ: بَلَى؛ أمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ يَمشي بالنميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَولِهِ " رَوَاهُ البُخاريُّ وَمُسلِمٌ.
 
مِنْ عقوباتِ المعاصي في الآخِرَةِ:
ما يَكونُ مِن عذابِ المتكبّرينَ، قَالَ صلى الله عليه وسلم:* "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُو نَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولِسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ" رَوَاهُ أحمدُ والترمذيُّ، وهُوَ صَحَيحٌ.

وَثَمَّةَ سؤالٌ يَرِدُ أحيانًا:
لماذا يتنعَّمُ الكفّارُ في هذه الحياةِ الدنيا، ولا تُصيبُهم هذه العقوباتُ؟

وجوابًا عنه أقولُ:
أولا: لا يَخفى على كلِّ ذي لُبٍّ ما يُصيبُهم مِنْ كوارِثَ وزلازِلَ وأعاصِيرَ وفيضاناتٍ وغيرِها مِما هُوَ مُشاهَدٌ وواضِحٌ.
 
ثانيًا: أنَّ الكُفَّارَ عُجِّلتْ لهم طيّباتُهم في هذه الحياةِ، قَالَ الحقُّ تَبَارَكَ وتَعَالى: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾ [الأحقاف: 20].
وصحَّ عنِ المعصومِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: "الدُّنيا سِجْنُ المؤمنِ، وَجَنَّةُ الكافِرِ". رَوَاهُ مسلِمٌ.

وإذا كَانَ الأمرُ كذلِكَ فإنَّ الكُفَّارَ يَعيشونَ جَنّتَهُم في هذه الحياةِ الدُّنيا، وما يُصيبُهم مِنْ أمراضٍ وكوارِثَ وغيرِها إنّما هِيَ بَعْضُ عقوباتِهِم، بخلافِ المسلمِ فإنَّ ما يُصيبُهُ في هذه الحياةِ الدُّنيا إنما هو كَفّارةٌ لذنوبِهِ وتمحيصٌ ةرِفْعةٌ لِدرجاتِه.
وقَالَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا". رَوَاهُ مسلمٌ.
واللهُ سُبْحانَهُ وتعالى لا يَظْلِمُ مِثقَالَ حَبةٍ مِنْ خَرْدَلٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [يونس: 44].
وما يُصيبُ الناسُ مِنْ مَصائبَ وكوارِثَ وأمْرَاضٍ إنما هُوَ بِمَا كَسبتْ أيديهِم، وَهُوَ مُؤاخذةٌ لَهم بِبَعْضِ مَا كَسَبوا، قَالَ سُبحانَهُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله السحيم
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×