اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مراتب الصابرين خمسة واقسام الصبر ثلاثة

المشاركات التي تم ترشيحها

الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة. وجهنم محفوفة بالذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار.إن الدنيا لا تخلو أبدا من الآلام والأحزان ،وأنها دار ابتلاء وامتحان ،ومن أجل ذلك فنحن نحتاج إلى صبر جميل.....بشرط

أن يكون هذا الصبر ليس به سخط على قضاء الله عز وجل ولا ضيق.

الصبر منزلة من منازل السالكين، ومقام من مقامات الموحدين، وبه يصبح العبد في سلك المقربين ويصل إلى جوار رب العالمين. (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ )السجدة:24 وقال سبحانه: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا )الأعراف:137 وقال: (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا )القصص:54.
فما من فضيلة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولذا قال تعالى: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )الزمر:10،ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46). وعلق النصر على الصبر فقال: ( بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ)آل عمران:125، وجمع للصابرين الصلوات والرحمة والهدى فقال: ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )البقرة:157 .
والآيات الواردة في مقام الصبر خارجة عن حد الاستقصاء، والأخبار المادحة له أكثر من أن تحصى.

مراتب الصابرين خمسة : صابر ، ومصطبر ، ومتصبِّر ، وصبور ، وصبَّار :

فالصابر : أعمها
والمصطبر : المكتسب الصبر ، المليء به .
والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه .
والصبور : العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره .
والصبار : الكثير الصبر ، فهذا في القدْر والكم ، والذي قبله في الوصف والكيف .
" مدارج السالكين " 2 / 158 .

وقد قسم العلماء الصبر إلى ثلاثة أقسام:-
1- الصبر على الطاعة: كالصلاة والصيام والحج وإيتاء الزكاة والخمس وما شابه.
2- الصبر على المعصية: كأن يصبر نفسه على اقتراف المحرمات وأن يخرج ولا يعمل عملا ينافي الشرع المقدس.
3- الصبر على المصيبة: ومعناه أن يصبر الإنسان على المحن والمصائب التي يتعرض لها في الحياة الدنيا. إن الصبر والظفر صديقان من القدم، ففي اثر الصبر يأتي الظفر، حيث قال عز وجل: (ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور).

وهذا الأمور بالإضافة إلى ما لها من الثواب توجب خير الدنيا والسعادة فيها. فالصبر عند الغيض والمصيبة، يوجب مهابة الإنسان في النفس والصبر من أهم أسس النجاح في الدنيا والآخرة، فعلى الإنسان المسلم أن يهتم لتحصيل هذا الفضيلة أولاً ثم إنماؤها حتى يأتي بأحسن الثمار وأجمل الأثر والله الموفق وهو المستعان.

يا صاحب الهم إن الهم منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطـع أحيانـا بصاحبه لا تيـأس فإن الكافي الله
إذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى الله
الله يُحـدث بعد العسر ميسرة لا تجزعن فإن الصانع الله

ولرُبّ نازلةٍ يضيق بها الفتى *** ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فُرجت وكنت أظنها لا تفرج
فالصبر الصبر تؤجروا ... وتنجحوا ... وتفلحوا ....

· وأخيرا .. فالله قد بشّر الصابرين بثلاث بشارات في قوله تعالى :" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " ( سورة البقرة من آيه 55 - إلى آية 57 )

منقولة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جزاك الله خيرا يا رفيقه 

ذكرتينى بحديث كنت ادرسه اليوم وهو حديث "الطهور شطر الايمان"وفيه 

"والصبر ضيآء" 

بارك الله فيك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والتَّصَبُّرِ، والاصطِبارِ والمُصابَرةِ:

(الفرقُ بَينَ هذه الأسماءِ بحَسبِ حالِ العَبدِ في نَفسِه وحالِه مَعَ غَيرِه:
- فإن حَبسَ نَفسَه ومَنعَها عن إجابةِ داعي ما لا يحسُنُ، إن كان خُلُقًا له ومَلكةً سُمِّي صَبرًا.
- وإن كان بتَكلُّفٍ وتَمَرُّنٍ وتَجَرُّعٍ لمَرارَتِه سُمِّي تَصبُّرًا.
كما يدُلُّ عليه هذا البناءُ لُغةً؛ فإنَّه مَوضوعٌ للتَّكلُّفِ، كالتَّحَلُّمِ والتَّشَجُّعِ والتَّكرُّمِ والتَّحَمُّلِ ونَحوِها، وإذا تَكلَّفه العَبدُ واستَدعاه صارَ سَجيَّةً له.
كما في الحَديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ)) . وكذلك العَبدُ يتَكلَّفُ التَّعَفُّفَ حتَّى يصيرَ التَّعَفُّفُ له سَجيَّةً، كذلك سائِرُ الأخلاقِ...
- وأمَّا الاصطِبارُ فهو أبلغُ مِنَ التَّصَبُّرِ:
فإنَّه افتِعالٌ للصَّبرِ بمَنزِلةِ الاكتِسابِ؛ فالتَّصَبُّرُ مَبدَأُ الاصطِبارِ، كما أنَّ التَّكسُّبَ مُقدِّمةُ الاكتِسابِ، فلا يزالُ التَّصَبُّرُ يتَكرَّرُ حتَّى يصيرَ اصطِبارًا.
 
- وأمَّا المُصابَرةُ فهي مُقاوَمةُ الخَصمِ في مَيدانِ الصَّبرِ:
فإنَّها مُفاعَلةٌ تَستَدعي وُقوعَها بَينَ اثنَينِ، كالمُشاتَمةِ والمُضارَبةِ؛ قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فأمرهم بالصَّبرِ: وهو حالُ الصَّابرِ في نَفسِه، والمُصابرةِ: وهي حالةٌ في الصَّبرِ مَعَ خَصمِه، والمُرابَطةِ: وهي الثَّباتُ واللُّزومُ والإقامةُ على الصَّبرِ والمُصابَرةِ؛ فقد يصبرُ العَبدُ ولا يُصابرُ، وقد يُصابرُ ولا يُرابطُ، وقد يصبرُ ويُصابرُ ويُرابطُ مِن غَيرِ تَعَبُّدٍ بالتَّقوى، فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ مِلاكَ ذلك كُلِّه التَّقوى، وأنَّ الفلاحَ مَوقوفٌ عليها، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فالمُرابطةُ كما أنَّها لُزومُ الثَّغرِ الذي يُخافُ هجومُ العَدوِّ مِنه في الظَّاهرِ، فهي لُزومُ ثَغرِ القَلبِ؛ لئَلَّا يدخُلَ مِنه الهَوى والشَّيطانُ فيُزيلَه عن مَملكتِه) .
 
 
الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والاحتِمالِ:
 
(أنَّ الاحتِمالَ للشَّيءِ يُفيدُ كَظمَ الغَيظِ فيه، والصَّبرُ على الشِّدَّةِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عنِ المُقابَلةِ عليه بالقَول والفِعل، والصَّبرُ عنِ الشَّيءِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عن فِعلِه، وصَبَرتُ على خُطوبِ الدَّهرِ، أي: حَبَستُ النَّفسَ عنِ الجَزَعِ عِندَها، ولا يُستَعمَلُ الاحتِمالُ في ذلك؛ لأنَّك لا تَغتاظُ مِنه)
 
الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ:
 
(الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ: أنَّ الصَّبرَ ثَمَرةُ الحِلمِ وموجَبُه، فعلى قَدرِ حِلمِ العَبدِ يكونُ صَبرُه، فالحِلمُ في صِفاتِ الرَّبِّ تعالى أوسَعُ مِنَ الصَّبرِ؛ ولهذا جاءَ اسمُه الحَليمُ في القُرآنِ في غَيرِ مَوضِعٍ، ولسَعَتِه يَقرُنُه سُبحانَه باسمِ العَليمِ، كقَولِه: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
صُورُ الصَّبرِ ومَجالاتُه

إنَّ صَورَ الصَّبرِ ومَجالاتِه كثيرةٌ في حَياةِ الإنسانِ، فلا يستَغني عنه أحَدٌ بحالٍ مِنَ الأحوالِ، يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الإنسانَ لا يستَغني عنِ الصَّبرِ في حالٍ مِنَ الأحوالِ؛ فإنَّه بَينَ أمرٍ يجِبُ عليه امتِثالُه وتَنفيذُه، ونَهيٍ يجِبُ عليه اجتِنابُه وتَركُه، وقدَرٍ يجري عليه اتِّفاقًا، ونِعمةٍ يجِبُ عليه شُكرُ المُنعِمِ عليها، وإذا كانت هذه الأحوالُ لا تُفارِقُه فالصَّبرُ لازِمٌ له إلى المَماتِ، وكُلُّ ما يلقى العَبدُ في هذه الدَّارِ لا يخلو مِن نَوعَينِ: أحَدُهما: يوافِقُ هَواه ومُرادَه، والآخَرُ: يُخالفُه، وهو مُحتاجٌ إلى الصَّبرِ في كُلٍّ مِنهما) .
 
فمِن صُورِ الصَّبرِ:

1- الصَّبرُ على بَلاءِ الدُّنيا مِن آلامٍ وأمراضٍ وفِقدانٍ للأقارِبِ والأصدِقاءِ وفَقرٍ، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155] .
2- الصَّبرُ عن شَهَواتِ النَّفسِ.
3- الصَّبرُ على الطَّاعةِ؛ قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] ، وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] .
4- الصَّبرُ في الدَّعوةِ إلى اللهِ وتَحمُّلُ مَشاقِّها، فقد تَجِدُ مِنَ النَّاسِ إعراضًا عن دَعوتِك، وقد تَجِدُ مِنهم أذًى قَولًا أو فِعلًا فلا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ.
وقد قَرَنَ اللهُ تعالى الصَّبرَ في بَعضِ الآياتِ بالأذى الذي يحتاجُ تَحَمُّلُه إلى عَزيمةٍ وإرادةٍ، ومِن ذلك: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم: 12] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: 177] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ [الحج: 35] .
5- الصَّبرُ عِندَ مُلاقاةِ الأعداءِ والجِهادِ في سَبيلِ الله:
وقد قَرَنَ اللهُ تعالى في كِتابِه بَينَ ذِكرِ الجِهادِ وذِكرِ الصَّبرِ؛ لأنَّ في الجِهادِ مَشَقَّةً تَستَلزِمُ العَزيمةَ، ومِن ذلك قَولُه تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: 250] ، وقَولُه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 110] ، وقَولُه عَزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْ [الأنفال: 65] .
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدوِّ، وسَلوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتُموهم فاصبِروا)) .
6- الصَّبرُ على الزَّوجةِ والأولادِ.
7- الصَّبرُ على الإخوةِ في اللهِ.
8- الصَّبرُ على طَلَبِ العِلمِ؛ قال موسى عليه السَّلامُ للخَضِرِ لمَّا أرادَ أن يصحَبَه ليأخُذَ العِلمَ عليه: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: 69] .
9- الصَّبرُ على أذى النَّاسِ.
 
ومِنَ المَجالاتِ التي ينبَغي للإنسانِ أن يضبِطَ نَفسَه عِندَها ويصبرَ عليها:
1- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الضَّجَرِ والجَزَعِ عِندَ حُلولِ المَصائِب ومَسِّ المَكارِه.
2- ضَبطُ النَّفسِ عنِ السَّأمِ والمَللِ لدى القيامِ بأعمالٍ تَتَطَلَّبُ الدَّأبَ والمُثابَرةَ خِلالَ مُدَّةٍ مُناسِبةٍ.
3- ضَبطُ النَّفسِ عنِ العَجَلةِ والرُّعونةِ لدى تَحقيقِ مَطلبٍ مِنَ المَطالبِ المادِّيَّةِ أو المَعنَويَّةِ.
4- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الغَضَبِ والطَّيشِ لدى مُثيراتِ عَوامِلِ الغَضَبِ في النَّفسِ.
5- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الخَوفِ لدى مُثيراتِ الخَوفِ في النَّفسِ.
6- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الطَّمَعِ لدى مُثيراتِ الطَّمَعِ فيها.
7- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الاندِفاعِ وراءَ أهوائِها وشَهَواتِها وغَرائِزها.
8- ضَبطُ النَّفسِ لتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشَقَّاتِ والآلامِ الجَسَديَّةِ والنَّفسيَّةِ .


الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ

قال الغَزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ الذي أنزَل الدَّاءَ أنزَل الدَّواءَ، ووعَدَ الشِّفاءَ، فالصَّبرُ وإن كان شاقًّا أو مُمتَنِعًا فتَحصيلُه مُمكِنٌ بمَعجونِ العِلمِ والعَمَلِ؛ فالعِلمُ والعَمَل هما الأخلاطُ التي مِنها تُرَكَّبُ الأدويةُ لأمراضِ القُلوبِ كُلِّها، ولكِن يحتاجُ كُلُّ مَرَضٍ إلى عِلمٍ آخَرَ وعَمَلٍ آخَرَ، وكما أنَّ أقسامَ الصَّبرِ مُختَلفةٌ فأقسامُ العِلَلِ المانِعةِ مِنه مُختَلفةٌ، وإذا اختَلفت العِللُ اختَلف العِلاجُ؛ إذ مَعنى العِلاجِ مُضادَّةُ العِلَّةِ وقمعُها)

أ- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ والصَّبرِ على الطَّاعةِ :
1- مِمَّا يُعينُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ عِلمُ العَبدِ بقُبحِها ورَذالتِها ودَناءَتِها، وأنَّ اللهَ إنَّما حَرَّمَها ونَهى عنها صيانةً وحِمايةً عنِ الدَّنايا والرَّذائِلِ، كما يحمي الوالِدُ الشَّفيقُ وَلَدَه عَمَّا يضُرُّه.
2- الحَياءُ مِنَ اللهِ سُبحانَه؛ فإنَّ العَبدَ متى عَلِم بنَظَرِه إليه ومَقامِه عليه وأنَّه بمَرأًى مِنه ومَسمَعٍ، وكان حَييًّا، استحيا مِن رَبِّه أن يتَعَرَّضَ لمساخِطِه بتَركِ طاعَتِه أو ارتِكابِ مَعاصيه.
3- مُراعاةُ نِعَمِه عَليك وإحسانِه إليك؛ فإنَّ الذُّنوبَ تُزيلُ النِّعَمَ ولا بُدَّ، فما أذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا إلَّا زالت عنه نِعَمُه مِنَ اللهِ بحَسبِ ذلك الذَّنبِ، ومَن أطاعَه وشَكرَه زادَه مِن نِعَمِه وآلائِه.
4- خَوفُ اللهِ وخَشيةُ عِقابه، ورَجاءُ ثَوابِه ومَغفِرَتِه، وهذا إنَّما يَثبُتُ بتَصديقِه في وعدِه ووعيدِه، والإيمانِ به وبكِتابِه وبرَسولِه.
5- محبَّةُ اللهِ، وهي أقوى الأسبابِ في الصَّبرِ عن مُخالفتِه ومَعاصيه؛ فإنَّ المُحِبَّ لمَن يُحِبُّ مُطيعٌ، وكُلَّما قَوِيَ داعي المَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه.
6- شَرَفُ النَّفسِ وزَكاؤُها وفضلُها وأنَفَتُها وحَميَّتُها أن تَختارَ الأسبابَ التي تَحُطُّها وتَضَعُ مِن قَدْرِها وتُخَفِّضُ مَنزِلتَها وتُحَقِّرُها وتُسَوِّي بَينَها وبَينَ السِّفلةِ.
7- قوَّةُ العِلمِ بسوءِ عاقِبةِ المَعصيةِ وقُبحِ أثَرِها والضَّرَرِ النَّاشِئِ مِنها؛ مِن سَوادِ الوجهِ، وظُلمةِ القَلبِ وضيقِه، وغَمِّه وحُزنِه، وألمِه وانحِصارِه، وشِدَّةِ قَلقِه واضطِرابِه، وتَمَزُّقِ شَملِه، وضَعفِه عن مُقاومةِ عَدوِّه، وتَعَرِّيه من زينتِه، والحَيرةِ في أمرِه، وتَخَلِّي وليِّه وناصِره عنه، وتَولِّي عَدوِّه المُبينِ له، وقوَّةِ العِلمِ بحُسنِ عاقِبةِ الطَّاعةِ وأثَرِها الطَّيِّبِ على النَّفسِ.
8- قِصَرُ الأمَلِ، وعِلمُه بسُرعةِ انتِقاله، وأنَّه كمُسافِرٍ دَخل قَريةً وهو مُزمِعٌ على الخُروجِ مِنها، أو كراكِبٍ قال في ظِلِّ شَجَرةٍ ثُمَّ سارَ وتَركها، فهو لعِلمِه بقِلَّةِ مُقامِه وسُرعةِ انتِقالِه حَريصٌ على تَركِ ما يَثقُلُه حَملُه ويضُرُّه ولا ينفعُه، حَريصٌ على الانتِقالِ بخَيرِ ما بحَضرَتِه، فليسَ للعَبدِ أنفعُ مِن قِصَرِ الأمَلِ ولا أضَرُّ مِنَ التَّسويفِ وطولِ الأمَلِ.
9- مُجانَبةُ الفُضولِ في مَطعَمِه ومَشرَبِه ومَلبَسِه ومَنامِه واجتِماعِه بالنَّاسِ.
10- ثَباتُ شَجَرةِ الإيمانِ في القَلبِ، فصَبرُ العَبدِ عنِ المَعاصي إنَّما هو بحَسبِ قوَّةِ إيمانِه، فكُلَّما كان إيمانُه أقوى كان صَبرُه أتَمَّ، وإذا ضَعُف الإيمانُ ضَعُف الصَّبرُ، وكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه، وهذا السَّبَبُ جامِعٌ للأسبابِ كُلِّها.
قال ابنُ القَيِّمِ: (والصَّبرُ على الطَّاعةِ ينشَأُ مِن مَعرِفةِ هذه الأسبابِ، ومِن مَعرِفةِ ما تَجلبُه الطَّاعةُ مِنَ العَواقِبِ الحَميدةِ والآثارِ الجَميلةِ، ومِن أقوى أسبابِها: الإيمانُ والمَحَبَّةُ، فكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ والمَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه) .
 
ب – الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على البَلاءِ:
1- أن يعلمَ أنَّ اللهَ قد ارتَضاها له واختارَها وقَسَمَها، وأنَّ العُبوديَّةَ تَقتَضي رِضاه بما رَضيَ له به سَيِّدُه ومَولاه.
2- أن يعلمَ أنَّ هذه المُصيبةَ هي دَواءٌ نافِعٌ ساقَه إليه الطَّبيبُ العَليمُ بمَصلحَتِه الرَّحيمُ به؛ فليصبِرْ على تَجَرُّعِه ولا يتَقَيَّأْه بتَسَخُّطِه وشَكواه فيذهَبَ نَفعُه باطِلًا.
3- أن يعلمَ أنَّ في عُقبى هذا الدَّواءِ مِنَ الشِّفاءِ والعافيةِ والصِّحَّةِ وزَوالِ الألمِ ما لم تَحصُلْ بدونِه، فإذا طالعَت نَفسُه كراهةَ هذا الدَّاءِ ومَرارَتَه فلينظُرْ إلى عاقِبَتِه وحُسنِ تَأثيرِه؛ قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216] ، وقال اللهُ تعالى: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19] .
 4- أن يعلمَ أنَّ اللهَ يُرَبِّي عَبدَه على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والنِّعمةِ والبَلاءِ، فيستَخرِجُ مِن عُبوديَّتِه في جَميعِ الأحوالِ؛ فإنَّ العَبدَ على الحَقيقةِ مَن قامَ بعُبوديَّةِ اللهِ على اختِلافِ الأحوالِ، وأمَّا عَبدُ السَّرَّاءِ والعافيةِ الذي يعبُدُ اللهَ على حَرفٍ، فإن أصابَه خَيرٌ اطمَأنَّ به، وإن أصابَته فِتنةٌ انقَلبَ على وجهِه، فليس مِن عَبيدِه الذين اختارَهم لعُبوديَّتِه، فلا رَيبَ أنَّ الإيمانَ الذي يَثبُتُ على مَحَلِّ الابتِلاءِ والعافيةِ هو الإيمانُ النَّافِعُ وقتَ الحاجةِ، وأمَّا إيمانُ العافيةِ فلا يكادُ يصحَبُ العَبدَ ويُبلِّغُه مَنازِلَ المُؤمِنينَ، وإنَّما يصحَبُه إيمانٌ يَثبُتُ على البَلاءِ والعافيةِ؛ فالابتِلاءُ كِيرُ العَبدِ ومحَكُّ إيمانِه .
5- أن يعلمَ أنَّ ما أصابَه مُقدَّرٌ مِنَ اللهِ:
قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22 - 23] .
6- أن يتَذَكَّرَ أعظَمَ المَصائِبِ التي حَلَّت بالأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وهي مَوتُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
قال الشَّاعِرُ:
اصبِرْ لكُلِّ مُصيبةٍ وتَجَلَّدِ
واعلَمْ بأنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
وإذا ذَكَرتَ مُصيبةً تَسلو بها
فاذكُرْ مُصابَك بالنَّبيِّ محمَّدِ .
7- أن يتجنَّبَ الجزَعَ فهو لا ينفَعُه، بل يزيدُ من مُصابِه:
قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الجَزَعَ يُشمِتُ عَدوَّه، ويسوءُ صَديقَه، ويُغضِبُ رَبَّه، ويَسُرُّ شَيطانَه، ويُحبِطُ أجرَه، ويُضعِفُ نَفسَه، وإذا صَبرَ واحتَسَبَ أنضى شَيطانَه، ورَدَّه خاسِئًا، وأرضى رَبَّه، وسَرَّ صَديقَه، وساءَ عَدوُّه، وحَمَلَ عن إخوانِه، وعَزَّاهم هو قَبلَ أن يُعزُّوه؛ فهذا هو الثَّباتُ والكَمالُ الأعظَمُ، لا لطمُ الخُدودِ، وشَقُّ الجُيوبِ، والدُّعاءُ بالوَيلِ والثُّبورِ، والسَّخَطُ على المَقدورِ) .
8- أن يتَسَلَّى المُصابُ بمَن هم أشَدُّ مِنه مُصيبةً:
قال ابنُ القَيِّمِ: (ومِن عِلاجِه أن يُطفِئَ نارَ مُصيبَتِه ببَردِ التَّأسِّي بأهلِ المَصائِبِ، وليَعلَمْ أنَّه في كُلِّ وادٍ بَنو سَعدٍ ، ولينظُرْ يَمنةً فهل يرى إلَّا مِحنةً؟! ثُمَّ ليَعطِفْ يَسرةً فهل يرى إلَّا حَسرةً؟! وأنَّه لو فتَّشَ العالمَ لم يرَ فيهم إلَّا مُبتَلًى إمَّا بفواتِ مَحبوبٍ أو حُصولِ مَكروهٍ، وأنَّ شُرورَ الدُّنيا أحلامُ نومٍ أو كظِلٍّ زائِلٍ؛ إن أضحَكت قَليلًا أبكت كثيرًا، وإن سَرَّت يومًا ساءَت دَهرًا، وإن مَتَّعَت قَليلًا خيرةً إلَّا مَلأَتْها عَبرةً، ولا سَرَّته بيومِ سُرورٍ إلَّا خَبَّأت له يومَ شُرورٍ) .
9- أن يتَسَلَّى المُصابُ بأنَّه للهِ، وأنَّ مَصيرَه إليه:
قال ابنُ القَيِّمِ: (إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بأنَّه للهِ وأنَّ مَصيرَه إليه تَسَلَّى عن مُصيبَتِه، وهذه الكَلِمةُ مِن أبلغِ عِلاجِ المُصابِ وأنفعِه له في عاجِلتِه وآجِلتِه؛ فإنَّها تَتَضَمَّنُ أصلينِ عَظيمَينِ إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بمَعرِفتِهما تَسَلَّى عن مُصيبَتِه: أحَدُهما: أنَّ العَبدَ وأهلَه ومالَه مِلكٌ للهِ عَزَّ وجَل حَقيقةً... الثَّاني: أنَّ مَصيرَ العَبدِ ومَرجِعَه إلى اللهِ مَولاه الحَقِّ، ولا بُدَّ أن يُخلِّفَ الدُّنيا وراءَ ظَهرِه، ويجيءَ رَبَّه فرَدًا كما خَلقَه أوَّلَ مَرَّةٍ بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عَشيرةٍ، ولكِنْ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فإذا كانت هذه بدايةَ العَبدِ وما خُوِّله ونِهايتَه، فكيف يفرَحُ بمَوجودٍ أو يأسى على مَفقودٍ؟!) .
10- أن يعلمَ أنَّ ابتِلاءَ اللهِ له هو امتِحانٌ لصَبرِه:
يقولُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزيَّةِ في ذلك: (إنَّ الذي ابتَلاه بها أحكَمُ الحاكِمينَ أرحَمُ الرَّاحِمينَ، وإنَّه سُبحانَه لم يُرسِلْ إليه البَلاءَ ليُهلِكَه به ولا ليُعَذِّبَه به ولا ليجتاحَه، وإنَّما افتَقدَه به ليمتَحِنَ صَبرَه ورِضاه عنه وإيمانَه، وليسمَعَ تَضَرُّعَه وابتِهالَه، وليراه طَريحًا ببابِه لائِذًا بجَنابِه، مَكسورَ القَلبِ بَينَ يدَيه رافِعًا قِصَصَ الشَّكوى إليه) .
11- أن يعلمَ أنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي حَلاوةُ الآخِرةِ:
قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي بعَينِها حَلاوةُ الآخِرةِ، يَقلِبُها اللهُ سُبحانَه كذلك، وحَلاوةُ الدُّنيا بعَينِها مَرارةُ الآخِرةِ، ولأن ينتَقِلَ مِن مَرارةٍ مُنقَطِعةٍ إلى حَلاوةٍ دائِمةٍ خَيرٌ له مِن عَكسِ ذلك؛ فإن خَفيَ عَليك هذا فانظُرْ إلى قَولِ الصَّادِقِ المَصدوقِ: "حُفَّت الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهَواتِ" . وفي هذا المَقامِ تَفاوتَت عُقولُ الخَلائِقِ، وظَهَرَت حَقائِقُ الرِّجالِ، فأكثَرُهم آثَرَ الحَلاوةَ المُنقَطِعةَ على الحَلاوةِ الدَّائِمةِ التي لا تَزولُ، ولم يحتَمِلْ مَرارةَ ساعةٍ لحَلاوةِ الأبَدِ، ولا ذُلَّ ساعةٍ لعِزِّ الأبَدِ، ولا مِحنةَ ساعةٍ لعافيةِ الأبَدِ؛ فإنَّ الحاضِرَ عِندَه شَهادةٌ، والمُنتَظَرَ غَيبٌ، والإيمانَ ضَعيفٌ، وسُلطانَ الشَّهوةِ حاكمٌ، فتَولَّدَ مِن ذلك إيثارُ العاجِلةِ ورَفضُ الآخِرةِ) .
12- التَّفكُّرُ في ثَوابِ المُصيبةِ التي نَزَلت واليقينُ بحُسنِ الجَزاءِ.
قال السَّمَرقَنديُّ: (ينبغي للعاقِلِ أن يتَفكَّرَ في ثَوابِ المُصيبةِ فتَسهُلَ عليه المُصيبةُ؛ فإنَّ ثَوابَ المُصيبةِ إذا استَقبَله يومَ القيامةِ يودُّ أن يكونَ جَميعُ أقارِبِه وجَميعُ أولادِه ماتوا قَبلَه لينالَ الأجرَ وثَوابَ المُصيبةِ.
وقد وعَدَ اللهُ تعالى في المُصيبةِ ثَوابًا عَظيمًا إذا صَبَرَ واحتَسَبَ) .
وعنِ الحَسَنِ البَصريِّ أنَّ رَجُلًا جَزِع على ولَدِه، وشَكا ذلك إليه، فقال الحَسَنُ: كان ابنُك يغيبُ عنك؟ قال: نَعم، كانت غَيبَتُه أكثَرَ مِن حُضورِه، قال: فاترُكه غائِبًا؛ فإنَّه لم يغِبْ عنك غيبةً الأجرُ لك فيها أعظَمُ مِن هذه، فقال: يا أبا سَعيدٍ، هَوَّنتَ عنِّي وجدي على ابني .
13- أن يذكُرَ المُصابُ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عليه.
(جاءَ رَجُلٌ إلى يونُسَ بنِ عبيدٍ فشَكا إليه ضِيقًا مِن حالِه ومَعاشِه، واغتِمامًا بذلك، فقال: (أيسُرُّك ببَصَرِك مِئةَ ألفٍ؟ قال: لا. قال: فبسَمعِك؟ قال: لا. قال: فبلسانِك؟ قال: لا. قال: فبعَقلِك؟ قال: لا... في خِلالٍ. وذَكَّرَه نِعَمَ اللهِ عليه، ثُمَّ قال يونُسُ: أرى لك مئينَ أُلوفًا وأنت تَشكو الحاجةَ؟!) .
ولمَّا قُطِعَت رِجلُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وماتَ أحَدُ أبنائِه قال: (اللَّهمَّ كان لي بنون سَبعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ لي سِتَّةً، وكان لي أطرافٌ أربَعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ ثَلاثةً، ولئِن ابتَلَيتَ لقد عافَيتَ، ولئِن أخَذتَ لقد أبقَيتَ) .
 
ج- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على ما يُصيبُ المَرءَ بغَيرِ اختيارِه مِنَ المَصائِبِ بفِعلِ النَّاسِ في مالِه أو عِرضِه أو نَفسِه:
1- أن يشهَدَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى خالقُ أفعالِ العِبادِ، حَرَكاتِهم وسَكناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا يتَحَرَّكُ في العالمِ العُلويِّ والسُّفليِّ ذَرَّةٌ إلَّا بإذنِه ومَشيئَتِه، فالعِبادُ آلةٌ، فانظُر إلى الذي سَلَّطَهم عَليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بك، تَستَرِحْ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ.
2- أن يشهَدَ ذُنوبَه، وأنَّ اللهَ إنَّما سَلَّطَهم عليه بذَنبِه، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] .
3- أن يشهَدَ العَبدُ حُسنَ الثَّوابِ الذي وعَدَه اللهُ لمَن عَفا وصَبَرَ، كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40] .
4- أن يشهَدَ أنَّه إذا عَفا وأحسَنَ أورَثَه ذلك مِن سَلامةِ القَلبِ لإخوانِه، ونَقائِه مِنَ الغِشِّ والغِلِّ وطَلبِ الانتِقامِ وإرادةِ الشَّرِّ، وحَصَل له مِن حَلاوةِ العَفو ما يزيدُ لذَّتَه ومَنفعَتَه عاجِلًا وآجِلًا.
5- أن يعلمَ أنَّه ما انتَقَمَ أحَدٌ قَطُّ لنَفسِه إلَّا أورَثَه ذلك ذُلًّا يجِدُه في نَفسِه، فإذا عَفا أعَزَّه اللهُ تعالى، وهذا مِمَّا أخبَرَ به الصَّادِقُ المَصدوقُ؛ حَيثُ يقولُ: ((وما زادَ اللهُ عَبدًا بعَفوٍ إلَّا عِزًّا)) .
6- أن يشهَدَ أنَّ الجَزاءَ مَن جَنَّسَ العَمَلِ، وأنَّه نَفسَه ظالمٌ مُذنِبٌ، وأنَّ مَن عَفا عنِ النَّاسِ عَفا اللهُ عنه، ومَن غَفرَ لهم غَفرَ اللهُ له.
7- أن يعلمَ أنَّه إذا اشتَغَلت نَفسُه بالانتِقامِ وطَلبِ المُقابَلةِ ضاعَ عليه زَمانُه، وتَفرَّقَ عليه قَلبُه، وفاتَه مِن مَصالحِه ما لا يُمكِنُ استِدراكُه.
8- إن أوذيَ على ما فعَله للهِ، أو على ما أمَرَ به مِن طاعَتِه ونَهى عنه مِن مَعصيتِه، وجَبَ عليه الصَّبرُ، ولم يكُنْ له الانتِقامُ؛ فإنَّه قد أوذيَ في اللهِ، فأجرُه على اللهِ.
9- أن يشهَدَ مَعيَّةَ اللهِ مَعَه إذا صَبَرَ، ومُحبَّةَ اللهِ له إذا صَبَرَ ورِضاه. ومَن كان اللهُ مَعَه دَفعَ عنه أنواعَ الأذى والمضرَّاتِ ما لا يدفعُه عنه أحَدٌ مِن خَلقِه؛ قال تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46] ، وقال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] .
10- أن يشهَدَ أنَّ صَبرَه حُكمٌ مِنه على نَفسِه، وقَهرٌ لها وغَلَبةٌ لها، فمتى كانت النَّفسُ مَقهورةً مَعَه مَغلوبةً، لم تَطمَعْ في استِرقاقِه وأسْرِه وإلقائِه في المَهالكِ، ومتى كان مُطيعًا لها سامِعًا مِنها مَقهورًا مَعَها، لم تَزَلْ به حتَّى تُهلِكَه، أو تَتَدارَكه رَحمةٌ مِن رَبِّه.
11- أن يعلمَ أنَّه إن صَبَرَ فاللهُ ناصِرُه ولا بُدَّ، فاللهُ وكيلُ مَن صَبَرَ، وأحال ظالِمَه على اللهِ، ومَن انتَصَرَ لنَفسِه وكَلَه اللهُ إلى نَفسِه، فكان هو النَّاصِرَ لها.
12- أنَّ صَبرَه على مَن آذاه واحتِمالَه له يوجِبُ رُجوعَ خَصمِه عن ظُلمِه، وندامتَه واعتِذارَه، ولومَ النَّاسِ له، فيعودُ بَعدَ إيذائِه له مُستَحييًا مِنه نادِمًا على ما فعَله، بَل يصيرُ مواليًا له .
13- أن يتَأسَّى بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه؛ قال السَّمَرقَنديُّ: (الواجِبُ على العَبدِ أن يصبرَ على ما يُصيبُه مِنَ الشِّدَّةِ، ويعلمَ أنَّ ما دَفعَ اللهُ عنه مِنَ البَلاءِ أكثَرُ مِمَّا أصابَه، ويحمَدَ اللهَ تعالى على ذلك.
 
وينبَغي للعَبدِ أن يقتَديَ بنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وينظُرَ إلى صَبرِه على أذى المُشرِكينَ...
وكان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شِدَّةٍ مِن أذى الكُفَّارِ ومِنَ الجوعِ، فصَبَروا على ذلك حتَّى فرَّجَ اللهُ عنهم، وكُلُّ مَن صَبرَ فرَّجَ اللهُ عنه؛ فإنَّ الفرَجَ مَعَ الصَّبرِ، وإنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا. وكان الصَّالحونَ رَحِمَهم اللهُ يفرَحونَ بالشِّدَّةِ؛ لِما يرجونَ مِن ثَوابِها) .
وقال السُّيوطيُّ: (ما كان كبيرٌ في عَصرٍ قَطُّ إلَّا كان له عَدوٌّ مِنَ السِّفلةِ؛ إذ الأشرافُ لم تَزَلْ تُبتَلى بالأطرافِ) .
14- الاستِعانةُ باللهِ تعالى وكثرةُ دُعائِه:
 قال اللهُ تعالى حِكايةً عن يعقوبَ عليه السَّلامُ: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] ، المَعنى: أنَّ إقدامَ يعقوبَ عليه السَّلامُ على الصَّبرِ لا يُمكِنُ إلَّا بمَعونةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ الدَّواعيَ النَّفسانيَّةَ تَدعوه إلى إظهارِ الجَزِع، وهي قَويَّةٌ، والدَّواعيَ الرُّوحانيَّةَ تَدعوه إلى الصَّبرِ والرِّضا، فكأنَّه وقَعَت المُحارَبةُ بَينَ الصِّنفينِ، فما لم تَحصُلْ إعانةُ اللهِ تعالى لم تَحصُلِ الغَلبةُ، فقَولُه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يُجري مَجرى قَولِه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتِحة: 5] ، وقَولُه: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ يُجري مَجرى قَولِه: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] .
ولمَّا هَدَّدَ فِرعَونُ موسى عليه السَّلامُ وقَومَه قال موسى عليه السَّلامُ لقَومِه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا؛ لذا يقتَرِنُ الصَّبرُ بالتَّوكُّلِ، كما في قَولِه تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وقَولِه: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
ولما هَدَّدَ فِرعَونُ السَّحَرةَ حينَ آمَنوا قالوا: قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، ثُمَّ دَعَوا اللهَ تعالى قائِلينَ: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف: 125-126] .



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×