اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

كلمات الله التامات .. الواقيات المنجيات

المشاركات التي تم ترشيحها

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏زهرة‏‏

"كلمات الله التامات" ..
نور القلوب، وبهجة الأيام، وسر السعادة، ومفتاح الهداية، من تعلق بها أدرك سبل النجاة، ومن استرشد ببركتها لم تلحقه خيبة أبدا، فأكرم بها نعمة من نعم الله تعالى علينا التي لا تعد ولا تحصى. 

وكلمات الله التامات: أي التي لا يعتريها نقص، إذ يتنزه سبحانه أن يكون شيء في كلامه ناقصا أو خللا أو عيبا، كما يكون في كلام البشر. وقيل: معنى التمام: أن ينتفع بها المتعوذ، وتحفظه من الآفات.
قال النووي: "قيل معناه: الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب،
وقيل: النافعة الشافية، وقيل: المراد بالكلمات هنا القرآن، والله أعلم".

 وقال التوربشتي وصفها بالتمام لخلوها عن العوائق والعوارض فإن الناس متفاوتون في كلامهم واللهجة وأساليب القول،‌ فما منهم من أحد إلا وفوقه آخر في معنى أو معان كثيرة،‌ ثم إن أحدهم قلما يسلم من معارضة أو خطأ أو سهو أو عجز عن المراد،‌ وأعظم النقائص المقترنة بها أنها كلمات مخلوقة تكلم بها مخلوق مفتقر إلى أدوات ومخارج، وهذه نقيصة لا ينفك عنها كلام مخلوق،‌ وكلمات الله تعالى متعالية عن هذه القوادح فهي التي لا يتبعها نقص ولا يعتريها اختلال. وكلمات الله التامات اشتملت على العدل والصدق، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام:115]. 


الكلمات الكونية: 

كلمات الله التامات إما أن تكون (كلمات كونية قدرية)، وإما (كلمات شرعية) .. أما الكونية فهي الكلمات التي يدبر بها الله تعالى أمر الخلائق والتي ذكرها عز وجل في قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل:40] فيحمي الله تعالى المؤمن بكلماته الكونية ويدفع عنه ما يضره.

 سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَنْبَشٍ كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: "جَاءَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجِبَالِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَرُعِبَ -قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ- قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ. قَالَ: «مَا أَقُولُ؟» قَالَ: «قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ». فَطَفِئَتْ نَارُ الشَّيَاطِينِ، وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَل". (أحمد والطبرانى، صحيح الجامع74).

 فالكلمات الكونية هي التي يكون الله تعالى بها الأشياء ويقدرها، فهي التي لا يجاوزها بر ولا فاجر.
أما كلماته الدينية الشرعية فإن الفجار يتجاوزونها، يعني: يعصون أوامره، ويرتكبون نواهيه، بخلاف الكلمات الكونية فإنه لا أحد يستطيع أن يتعداها، فالكون كله يسير على وفق تقديره وتكونيه جل وعلا، والعباد كلهم مسخرون تجري عليهم أقداره وقهره، ولا أحد يستطيع أن يخالف قدر الله جل وعلا وتكوينه.

جاء في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية: "والكلِمَاتُ الكونِيَّةُ،
مِثْلُ قَولِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: 
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ، الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ»".
ويقول: "وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا هُوَ الكوني الَّذِي لَا يخرج مِنْهُ شَيْء عَن مَشِيئَته وتكوينه".

 قال ابن القيم: "وقوله صلى الله عليه وسلم: 
«أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق» فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون، ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار". و
عن خولة بنت حكيم السلمية -رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: 
«إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه» (رواه مسلم) 

قال فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ: المقصود بـ «كلمات الله التامات» هنا الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهي المقصودة بقوله جل وعلا: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] وبقوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27] 

قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يضرّه شيء» : أي من المخلوقات؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يضر. و(شئ) نكرة فتعم، ودخل فيه سائر المضرات من الداخل وهو النفس والهوى، ومن الخارج وهو الشيطان وغيره من المؤذيات. ولقد كان في الجاهلية إذا سافر الرجل، وصار بأرض قفر، وخاف على نفسه من الجن، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، فيبيت آمناً في جواره. يعني: الجني المشرك، أو المسيطر على هذا الوادي، فيقول الجن: قد سدنا الجن والإنس، قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] أي شركاً وكفرا.

 وأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة (562) مرسلا .. عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد. قالا: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لدغتني عقرب. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: 
«أما لو أن قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضرك». 

قال المناوي: ويحصل ذلك لكل داع بقلب حاضر وتوجه تام ولا يختص بمجاب الدعوة. وقال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني مذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب ليلا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات .

 قال الزرقاني: (فإنه لا يضره شيء من المخلوقات حتى يرتحل منه): وشرط نفع ذلك الحضور والنية وهي استحضار أنه صلى الله عليه وسلم أرشده إلى التحصن بالله، وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره شيء فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين، وليس ذلك خاصا بمنازل السفر بل عام في كل موضع جلس فيه أو نام، وكذلك لو قالها عند خروجه للسفر أو عند نزوله للقتال.


 الكلمات الشرعية: 

الكلمات الشرعية هي الوحي من القرآن، وفيها وقاية من كل سوء وشر .. وقاية من الشر قبل نزوله وبعد نزوله، أما قبل نزوله فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح» (رواه البخاري) وأما بعد نزوله فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: «أن الفاتحة إذا قرئ بها على المريض فإنه يبرأ بها» (رواه البخاري) حتى إن الصحابي -رضي الله عنه- لما قرأ الفاتحة على سيد القوم الذي لدغ قام كأنما نشط من عقال [يعني: برأ حاله] لأن القرآن شفاء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57]

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: 
«إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». [ (رواه الترمذى). 

قال ابن القيم رحمه الله: 
"فمن التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ .. وحسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها؛ وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه؛ فإنها سلاح. والسلاح بضاربه".

 خالد سعد النجار 
طريق الاسلام

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏زهرة‏‏

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ

 

 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ؛ وَيَقُولُ: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ، وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ» رواه البخاري. كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْقِي ويُعوِّذُ الحسنَ والحُسينَ رضي الله عنهما؛ كما كان الخليلُ إبراهيمُ يُعَوِّذُ إسماعيلَ وإِسحاقَ عليهم السلام.

 

و«كَلِمَاتُ اللهِ»: هِيَ كَلامُ اللهِ مُطْلَقًا، وقيل: هي القرآنُ؛ ولذا كان الإمامُ أحمدُ رحمه الله يستدلُّ بهذا الحديثِ على أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوقٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يَسْتَعِيذُ بِمَخْلوقٍ. ويَدخُلُ في كَلِمَاتِ الله: أسماءُ اللهِ الحسنى، وصفاتُه العُلَى. وقيل: هي أَقْضِيَتُه، وعذابُه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ [الأعراف: 137] والمعنى - كما ذَكَرَ البغويُّ رحمه الله: (وتَمَّتْ كَلِمَةُ اللَّهِ؛ وَهِيَ وَعْدُهُ إِيَّاهُمْ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ).

 

و«التَّامَّة»: أي التَّامُّ فَضْلُها، وبَرَكَتُها؛ لأنها تَمْضِي، وتَسْتَمِرُّ، ولا يَرُدُّهَا شيءٌ البتَّةَ. فهي كاملةٌ لا يَدخُلُها نَقْصٌ، ولا عَيْبٌ، كما يدخلُ كلامَ النَّاسِ، وهي نافِعَةٌ كافِيَةٌ، شافِيَةٌ مُبارَكَةٌ؛ لأنها تَنْفَعُ المُتَعَوِّذَ بها، وتَحْفَظُه من الآفاتِ، وتَكْفِيه الشُّرورَ.

 

قال ابنُ عُثيمينَ رحمه الله: (كَلِمَاتُ اللهِ التَّامَّاتُ؛ هي: التي اشْتَمَلَتْ على العَدْلِ والصِّدْقِ، كما قال تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ [الأنعام:115]. والكلماتُ – هُنَا - تَحْتَمِلُ أنها الكلمَاتُ الكَونِيَّةُ، والقَدَرِيَّةُ، والكَلِماتُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فإنَّ الإنسانَ يستعيذُ بكلماتِ اللهِ الشَّرعيةِ بِالقُرآنِ مَثَلاً؛ كالتَّعوذِ بسورةِ الفَلَقِ، وسورةِ النَّاسِ. ويَتَعَوَّذُ بالآياتِ الكَونِيَّةِ؛ وهي: أنَّ اللهَ عز وجل يَحْمِيهِ بِكَلِمَاتِه الكَونِيَّةِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ). فالاسْتَعاذَةُ تكونُ بِكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، وكَلِماتُ اللهِ تعالى هِيَ مِنْ صِفاتِه العُلَى، والمسلمُ يَسْتَعِيذُ باللهِ، وبأسمائِه، وصفاتِه.

 

عباد الله.. دلَّ الحديثُ على أنَّ النبيَّ اسْتَعَاذَ باللهِ تعالى مِنْ شُرُورٍ ثَلاثَةٍ: (الشَّياطِينُ، والهَوَامُّ، والعَيْنُ) واجتمعتْ - في هذه الشُّرورِ ثلاثةُ أُمورٍ: شِدَّةُ الخُطورَةِ، وشِدَّةُ الخُبْثِ، وشِدَّةُ الخَفَاءِ. قال ابنُ تيميةَ رحمه الله: (فَرَّقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين الشَّيْطانِ، وبين الهَوَامِّ، وبين أَعْيُنِ الإنْسِ، كما يدلُّ ذلك على وُجودِ الضَّرَرِ في هذه الجِهَاتِ الثَّلاثِ: الإنسِ، والجِنِّ، والهَوَامِّ). وتَفْصِيلُها فِيمَا يَلِي:

1- الاسْتِعَاذَةُ باللهِ«مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ»: يَدْخُلُ فيه: شَيَاطينُ الإنْسِ والجِنِّ. وكان مُشْرِكُو العربِ يَتَعوَّذون بالطَّلاسِمِ الشِّرْكِيَّةِ، وأسماءِ الشَّياطين، فقُوبِلَ ذلك بِتَعَوُّذِ المُوَحِّدِينَ بكلماتِ اللهِ الدَّالةِ على تَوحِيدِه، والاسْتِغَاثَةِ به مِنْ شَرِّ الشَّيَاطِينِ. قال ابنُ تيميةَ رحمه الله: (وكُتُبُ السِّحْرِ مَمْلوءةٌ من الأقسام والعزائمِ على الجِنِّ بساداتِهِم الذين يُعَظِّمُونَهُمْ؛ ولذلك كانَتِ الإِنْسُ تَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ؛ كما قال اللهُ تعالى ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ [الجن: 6]، كانوا إذا نَزَلَ الرَّجُلُ منهم بِوَادٍ يقولُ: "أعوذُ بِعَظِيمِ هذا الوادِي مِنْ سُفَهائِه"، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآيَةَ).

 

2- الاسْتِعَاذَةُ باللهِمِنْ كُلِّ «هَامَّةٍ»: والهَامَّةُ: ذَوَاتُ السُّمومِ مِنْ حَشَراتِ الأرض، وجَمْعُها: هَوَامٌّ. وقيل: هي الحَيَّاتُ، وكلُّ ذِي سُمٍّ يَقْتُلُ؛ كالعَقارِبِ والحَيَّاتِ ونَحْوِها.

 

3- الاسْتِعَاذَةُ باللهِ «مِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ»: وهي كُلُّ عَينٍ تُصِيبُ الإنسانَ بِسُوءٍ، وتُلِمُّ به، يُقال: ألْمَمْتُ بِالشَّيْءِ: نَزَلْتُ به. والعينُ مِنْ أَخْطَرِ الشُّرورِ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ؛ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» رواه مسلم. قال ابنُ حجرٍ رحمه الله: (جَرَى الْحَدِيثُ مَجْرَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِثْبَاتِ الْعَيْنِ، لَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدَرَ شَيْءٌ؛ إِذِ الْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، وَهُوَ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ. وَحَاصِلُهُ: لَوْ فُرِضَ أَنَّ شَيْئًا لَهُ قُوَّةٌ، بِحَيْثُ يَسْبِقُ الْقَدَرَ؛ لَكَانَ الْعَيْنُ، لَكِنَّهَا لَا تُسْبَقُ، فَكَيْفَ غَيْرُهَا؟).

 

وعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ [أي: إذا أَصَابَتْهُ مَاتَ، أو أَشْرَفَ على المَوتِ؛ فَذُبِحَ، وطُبِخَ]» حسن – رواه أبو نُعيم في "الحِلية". قال النَّوويُّ رحمه الله: (الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا اللهُ تعالى، وسَبَقَ بها عِلْمُهُ. فلا يَقَعُ ضَرَرُ العَيْنِ، ولا غَيرُه من الخَيرِ والشَّرِّ إلاَّ بِقَدَرِ اللَّهِ تعالى. وَفِيهِ صِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ، وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ).

 

الخطبة الثانية

الحمد لله... أيها المسلمون.. قد يُصِيبُ الإنْسِانُ نَفْسَه أو مَالَه بِالْعَينِ؛ لقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ، أَوْ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ مَالِهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيُبَرِّكْهُ [مِنَ التَّبْرِيكِ، أي: فَلْيَدْعُ له بِالْبَرَكَةِ]؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ» صحيح – رواه أحمد. والشاهِدُ: قولُه صلى الله عليه وسلم: «أَوْ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ مَالِهِ مَا يُعْجِبُهُ».

 

والوَاقِعُ يُصَدِّقُه: قال الْفَضْلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ: (بَعَثَ إِلَيَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: ذَاكَ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَدَعَا بِثِيَابٍ صُفْرٍ، فَلَبِسَهَا ثُمَّ دَعَا بِالْمِرْآةِ فَنَظَرَ، ثُمَّ نَزَعَهَا، ثُمَّ دَعَا بِثِيَابٍ خُضْرٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمِرْآةِ فَنَظَرَ، ثُمَّ قَالَ: "أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ، أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ". ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ، إِذْ عَرَضَتْ لَهُ سَعْلَةٌ، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ مَحْمُومٌ، فَمَا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى حَتَّى دُفِنَ).

 

 

وفي روايةٍ: عن يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: (جَلَسَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي بَيْتٍ أَخْضَرَ على وِطَاءٍ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ فِي الْمِرْآةِ، فَأَعْجَبَهُ شَبَابُهُ وَجَمَالُهُ؛ فَقَالَ: "كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم نَبِيًّا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه صِدِّيقًا، وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه فَارُوقًا، وَكَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه حَيِيًّا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَلِيمًا، وَكَانَ يَزِيدُ صَبُورًا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَائِسًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا، وَأَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ"، فَمَا دَارَ عَلَيْهِ الشَّهْرُ حَتَّى هَلَكَ).

 

والعَيْنُ تَقَعُ مِنَ الإِنْسِ والجِنِّ؛ قال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: (الْعَيْنُ عَيْنَانِ: عَيْنٌ إِنْسِيَّةٌ، وَعَيْنٌ جِنِّيَّةٌ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ [هو نَوْعٌ مِنَ السَّوادِ لَيْسَ بِالكَثِيرِ]، فَقَالَ: «اسْتَرْقُوا لَهَا [أي: اطْلُبُوا مَنْ يَرْقِي]؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» رواه البخاري. قَالَ الحسينُ بنُ مَسْعُودٍ الفَرَّاءُ: وَقَوْلُهُ: «سَفْعَةٌ» أَيْ: نَظْرَةٌ، يَعْنِي: مِنَ الْجِنِّ، يَقُولُ: بِهَا عَيْنٌ أَصَابَتْهَا مِنْ نَظَرِ الْجِنِّ، أَنْفَذُ مِنْ أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ).

 

ومِنْ فَوائِدِ الحديثِ:

1- أنَّ كَلِمَاتِ اللهِ التامَّةَ هِيَ كلماتُه الشَّرعيةِ، وكلماتُه الكونيَّةِ، والقَدَريَّةِ.

 

2- العِنايَةُ بِالأَطْفَالِ؛ بِدَوامِ رُقْيَتِهِمْ، وتَعْوِذِهم بِاللهِ العظيمِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ، ومِنْ كُلِّ سُوءٍ، وضُرٍّ.

 

3- تَعْلِيمُ الأطفالِ التوحيدَ، والاستعانةَ بالله، وعدمُ الاستعانةِ أو الاستعاذةِ بِغَيرِه. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَمَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ فَقَالَ له: «يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» صحيح – رواه أحمد والترمذي.

 

4- الاقْتِدَاءُ بِأَهْلِ العِلْمِ والإِيمانِ والصَّلاحِ.

 

5- بَيَانُ خُطُورَةِ العَينِ، والحَثُّ على الاسْتِرْقَاءِ منها.

 

6- الاسْتِعَاذَةُ باللهِ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ تُصِيبُ الإنسانَ بِالسُّوءِ، سَواءٌ كانَتْ مِنْ أَعْيُنِ الجِنِّ أو الإِنْسِ.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×