امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 15 اكتوبر, 2019 (معدل) إنَّ الله تبارك وتعالى هو خالِقُ كلِّ شيء، والألمُ شيءٌ من الأشياء، ومن صفاته سبحانه أنه حكيم وخبير، ومقتضى حكمة الله ألاَّ يَخلُقَ الشيءَ عبثاً دون نفعٍ أو جدوى؛ فمِنَ المُؤكَّد أنَّ ثمَّة منفعةً من ورائه للبشر، عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلها. وما علينا إلاَّ أنْ نتأمَّل هذه الآلام، وندرُسَها بشيء من التعمُّق؛ لِنَعرِف ثمارَها وفوائدَها، أو الحكمةَ منها. ومن أبرز فوائد الألم:1- أنَّ فيه وقايةً من آلامٍ أكبر: فبالرغم من أنه إحساسٌ غير مرغوب فيه؛ لكنه يُشبه ناقوس الخطر، ويؤدي إلى أعمال عصبية انعكاسية تهدف إلى حماية الجسم، فالإحساس بالألم يُجبر الإنسانَ على الراحة واستشارةِ الطبيب؛ مما لا يترك الفرصة للمرض حتى يستفحل، فيصعب علاجه. وكذا الحال بالنسبة للألم النفسي، فإنَّ الألم النفسي - الناشئ عن خوف العبد من عذاب الله تعالى - يقيه من الوقوع في العذاب الأليم في الدنيا أو الآخرة؛ وقد وُصِفَ العذابُ بكلمة "أليم" في القرآن الكريم في اثنين وسبعين موضعاً. 2- تطهير المسلمِ من الآثام والذنوب: فالألم ذو فائدة عظيمة؛ فهو ابتلاء من الله تعالى، والابتلاء مع الصبر نعمةٌ تستوجب الشكر، واللهُ تعالى إذا أحبَّ عبداً ابتلاه، وأشدُّ الناس بلاءً هم الأنبياء؛ فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا؛ اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ؛ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» صحيح - رواه الترمذي وابن ماجه. فالألم يصهر مَعْدِن المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خُلُقُه، وتَطْهُر نفسه؛ فألم الابتلاء سبيلٌ إلى لذةِ التَّقوى ونعيمِ القرب من الله، وهل يبرق الذهبُ إلاَّ إذا ذاق آلامَ النار؟ 3- الألم يُصحِّح مسار المسلم، ويُفيقُه من غفوته: فيرجع عن سالف عهده من الذنوب والمخالفات، فمِنْ رحمة الله تعالى أنه جعل الآلامَ نذيراً لخطر داهمٍ وعقوبة شديدة. فإذا أفاق العبدُ وتضرَّع إلى الله رَفَعَ عنه الضر. قال سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ [الأعراف: 94]. 4- الآلام تُنمِّي نِعمةَ الإحساسِ بالآخَرين: فنُقَدِّم لهم يدَ العون والمساعدة، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعي؛ فالغني يتألَّم للفقير فتكون الصدقة والزكاة، والمُقتدِر يتألَّم للمعوزين فتكون المشروعات الخيرية، والقوي يتألم للضعيف فيكون العون والمساعدة. 5- الآلام تُقوِّي العزيمةَ والإرادة: فيكتسب المرءُ حصانةً من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوةً وصلابةً يستطيع بها مواجهة صعوباتِ الحياة وظروفِها القاسية؛ فألم الإخفاق يُبَصِّر صاحبَه بطريق النجاح، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغِنى والثراء. الخطبة الثانيةعباد الله .. ولا يكون الألمُ نعمةً حتى تتوفَّرَ فيه عِدَّة شروط: 1- الإيمان بالقضاء والقدر: وبأنَّ هذه الآلام من قضاء الله وقَدَره، قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11]. 2- التَّحلي بالصبر: قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17]. ولمَّا صبر أيوب - عليه السلام - على الآلام المرض والابتلاء؛ جعل اللهُ تعالى عاقبته خيراً، وتأمَّلْ كيف امتَدَحه اللهُ تعالى بقوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 44]. 3- احتساب الأجر عند الله تعالى: فالألم والوجع والتَّعب يُصيب المسلمَ والكافرَ، ويتألَّم منه الجميع؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104]. فالمُسلمَ له مَزِيَّةٌ، فهو يرجو ثوابَ الله، ويحتسب الآلامَ التي تُصيبه عند الله تعالى، ويرجو من اللهِ الرحيمِ سبحانه أن يُكفِّر بها عن سيئاته، أو يرفعه درجات في جنات النعيم، فلا يصح أنْ يكون المسلمُ أضعفَ من الكافر - وهو يؤمن بالله تعالى، ويرجو ثوابَه، ويخاف عقابه. 4- قوة الإرادة: حتى يمكن تحمُّل الآلام؛ فلو استسلم لآلامه لَدَبَّ اليأسُ في قلبه، وتحوَّل الألمُ إلى نِقمة عليه، فنراه يقنط من رحمة الله، وتُثبَّط همته. فيجب على المرء أنْ يعتني بتقوية إرادته، وتدريب نفسِه على تحمُّل آلامِ الحياة وصعابِها، ثم عليه أنْ يتخطى هذه الآلام ويتناساها؛ لِيَتَّجِهَ إلى العمل النافع، والإنتاج المُثمر. 5- الأخذ بالأسباب في معالجة الألم، والتخلُّصِ من أسبابه: فإهمال الألم يؤدِّي إلى اشتداده واستفحاله، وحينئذٍ قد لا يُجدي معه علاج، ولا تنفع معه أيَّة مقاومة، فتَخُور القُوى، ويتحوَّل المرء إلى طاقة مُعطَّلة، فيعجز عن مواصلة الكفاح في هذه الحياة. 6- حُسن التقديرِ، وُبعد النظر: فينبغي على المسلم أنْ يُحسن تقديرَ آلامِه وتشخيصَها، وكذا تقدير الوسيلة والوقت اللاَّزِمَين لعلاج الألم ومقاومته، والإنسانُ من طبعِه التَّعجُّل: ﴿ خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء: 37]. ثم عليه أنْ يتحلَّى بِبُعْدِ النظر؛ فالشفاء من الآلام بقَدَرٍ معلوم، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قَدْراً؛ فعلى المرء أنْ يسعى، وليس عليه إدراكُ النجاح. فإذا ما توافرت هذه الشروط فعندئذ يكون الألمُ نعمةً، يُثاب عليه المسلم، ويُصبح باعثاً للهِمَم، ومُحرِّكاً للطاقات البنَّاءة، ومُثيراً للعقول المُبدِعة، فهو نِعمةُ من الله تعالى، وسِرٌّ من أسرار النجاح في الحياة، نسأل اللهَ تعالى العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة[1]. [1] للاستزادة من هذه الموضوع الهام؛ انظر: نعمة الألم: د. ماهر عباس جلال، مجلة البيان، عدد (172) د. محمود بن أحمد الدوسري شبكة الألوكة تم تعديل 15 اكتوبر, 2019 بواسطة امانى يسرى محمد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 7 سبتمبر نعمـة الألم بسم الله الرحمن الرحيم لقد أنعم الله على الإنسان بنعمه الوفيرة، فقال - سبحانه - : {وَإِن تَعُدٌّوا نِعمَةَ اللّهِ لاَ تُحصُوهَا} [إبراهيم: 34]. وقد يكفر الإنسان ببعض هذه النعم جاهلاً أو غافلاًº إذ قد يبدو الشيء في ظاهره نقمة لكنه في حقيقته نعمة. ومن الألم ما له وجهان، ونحن قد لا نرى إلا وجهاً واحداً منهما فقط، وهو جانب الشقاء والعذاب. تعريف الألم: يعرّف أهل اللغة الألم بأنه الوجع(1)، أما عند الفلاسفة فهو «حالة نفسية يصعب تعريفها، وتتميز بإحساس مادي أو معنوي بعدم الراحة أو بالضيق أو بالمضض»(2). ويرجع السر في تعريف حالة الألم إلى كون الألم إحساساً شخصياً إلى حد كبيرº فالإصابة مثلاً التي تسبب ألماً حاداً لأحد الأشخاص قد تسبب ألماً أخف لشخص آخر(3). وأحياناً يكون الألم عند بعض الناس متضخماً، فيبدو أكبر من أسبابه(4). والألم في الطب «إحساس مرهق يتسبب عن تنبيه نهايات عصبية ميكروسكوبية تختلف عن سواها من النهايات الحساسة بكونها عارية»(5). أسباب الألم: تتنوع أسباب الألمº فبعضها بدني مادي، والآخر نفسي. أما الأسباب الجسمية المادية فنحو: الجوع، والعطش، والجروح، والحروق.... إلخ. والأسباب النفسية مثل: القلق، والهم، والمخاوف... إلخ(6). والناس عادة ما يقرنون الألم بالإصابات البدنية أو المرض متناسين أن الأحاسيس أو العواطف يمكن أن تسبب ألماً أيضاً، فالإزعاج ـ على سبيل المثال ـ يمكن أن يسبب توتراً مؤلماً في عضلات الرقبة(7). وأحياناً تبدو بعض الآلام مجهولة السبب، مثل: الألم العصبي، والألم العضلي للالتهاب الدماغي النخاعي(8). ولا شك أن تحديد سبب الألم ومعرفة مصدره بدقة من الأمور الضرورية لعلاج الألم أو الوقاية منه مستقبلاً، وإن كان يصعب أحياناً تحديد مصدر الألم، وأحياناً يلتبس على المريض تحديدهº فالمريض مثلاً بالذبحة الصدرية لا يشعر بالألم في قلبه، بل يشعر به في ذراعه اليمنى أو في رقبته أو مقدم صدره(1). وهذه الآلام المجهولة السبب أو المصدر من أخطر أنواع الآلامº فقد تتحول إلى آلام مزمنة تهدد راحة الإنسان زمناً طويلاً. أنواع الآلم: تتنوع الآلام حسب شدتها أو ضعفها، وكذلك حسب مدتها الزمنية. (أ) أنواع الآلام حسب الشدة والضعف: تنقسم الآلام حسب شدتها وضعفها إلى آلام ضعيفة، وآلام متوسطة، وأخرى حادة. (ب) أنواعها من حيث المدة الزمنية: تنقسم الآلام حسب المدة الزمنية إلى آلام قصيرة الأجل، وهذه تزول بمجرد زوال السبب أو المؤثر، وغالباً ما تكون حادة(2)، وآلام مزمنة تدوم وقتاً طويلاً وتعاود صاحبها كل فترة زمنية. وهذا النوع الأخير من الآلام يعد من أخطر أنواع الآلامº وذلك لأنه يصعب علاجه بصورة نهائية، مثل أنواع معينة من السرطان، والتهاب المفاصل، كما أنه يقاوم العلاج، وقد يؤدي إلى انهيار عقلي وإدمان العقاقير المخدرة. وحتى التدخل الجراحي في مثل هذه الآلام قد لا يكتب له النجاح(3). ويدخل المريض الذي يعاني من هذه الآلام المزمنة في دوامة ودائرة متصلة من الآلامº فتوقعه للآلام وانتظاره لها يسبب له آلاماً نفسية ريثما تعاوده الآلام المزمنة مرة أخرى، وهكذا تصبح حياته عبارة عن سلسلة من الآلام المتصلة يسلم بعضها إلى بعض. هل الألم شَرُّ خالص؟ يقرن كثير من الناس الألم بالشر والإحساس بالبغض أو الكُره، ويتضح هذا في تعريف التهانوي للألمº حيث يقول: «الألم إدراك ونَيل لما هو عند المدرك آفة، وشر من حيث هو كذلك»(4). ويعرف بعضهم الألم بأنه إحساس مرهق(5)، أو بأنه إحساس بغيض(6). فهل يعني هذا كله أن الألم في جميع أحواله شر خالصº فلا يرتجى من ورائه نفع أبداً؟ إن النظرة العجلى والتفكير السطحي يمكن أن يسلما إلى إجابة متسرعة وهي أن الألم فعلاً شر خالصº لكن النظرة المتأنية والتفكير العميق الذي يقلب الأمور على جميع أوجهها، ويبحث عن الحقيقة من جميع وجوهها - يثبتان عكس ذلكº فالله - سبحانه - هو خالق كل شيء. والألم شيء من الأشياء، ومن صفاته - سبحانه - أنه حكيم وخبير، ومقتضى حكمة الله ألا يخلق الشيء عبثاً دون نفع أو جدوىº فمن المؤكد إذن أن ثمة منفعة من ورائه للبشر عَلِمَها مَن عَلِمَها وجَهِلَها مَن جَهِلها. وما علينا إلا أن نتريث ونتأمل هذه الآلام، وندرسها بشيء من المثابرة والتعمق لنعرف ثمارها وفؤائدها أو الحكمة منها. فوائد الألم: إن الحديث عن فوائد الألم متشعبº وذلك أن فوائد الألم متنوعة، بعضها مادي، وبعضها نفسي معنوي، وبعضها يتحقق للفرد، وبعضها يتحقق للجماعة أو الأمة. وأبرز هذه الفوائد: 1 - الألم ذو فائدة بيولوجيةº فهو بالرغم من أنه إحساس غير مرغوب فيه يشبه ناقوس الخطر، ويؤدي إلى أعمال عصبية انعكاسية تهدف إلى حماية الجسم من المؤثر الخارجي أو الداخلي الذي قد يتلف الأنسجة، فضلاً عن أن الألم يجبر الإنسان على الراحة وعلى استشارة الطبيبº مما لا يترك الفرصة للمرض حتى يستفحل وحينئذ يصعب علاجه(1). فبذا يكون الألم وقاية للإنسان من آلام أكبر. هذا بالنسبة للألم المادي. وكذلك الحال بالنسبة للألم النفسي، فإن الألم النفسي الناشئ عن خوف العبد من عذاب الله يقيه من وقوع العذاب الأليم به في الدنيا أو الآخرةº ومن ثم فإننا نرى أن العذاب وُصِف بكلمة (أليم) في القرآن الكريم في اثنين وسبعين موضعاً(2). 2 - الألم ذو فائدة دينية عظيمةº فهو ابتلاء، والابتلاء مع الصبر نعمة تستوجب الشكر، فيطهِّر الله به الإنسان من الآثام والذنوب، بل إن الله إذا أحب عبداً واصطفاه ابتلاه، وأشد الناس بلاءً هم الأنبياءº فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل ُ على حسب دينهº فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤُه، وإن كان في دِينه رِقَّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركهُ يمشي على الأرض ما عليه خطيئة»(3). فالألم يصهر مَعدِن الإنسان المسلم، فتصفو رُوحه، ويزكو خلقه، وتَطهُر نفسهº فألم الابتلاء سبيل إلى لذة التقوى ونعيم القرب من الله، وهل يبرق الذهبُ إلا إذا ذاق آلام النار؟! 3 - الآلام قد تصحح مسار المسلم، وتفيقه من غفوته، فيرجع عن سالف عهده من الذنوب والمخالفات، فمن رحمة الله أنه جعل الآلام نذيراً لخطر داهم وعقوبة شديدة. فإذا أفاق العبد وتضرع إلى الله رفع عنه الضر. قال - سبحانه ـ: {وّمّا أّرسّلنّا فٌي قّريّةُ مٌَن نَبيَُ إلاَّ أّخّذنّا أّهلّهّا بٌالبّأًسّاء والضَرَاء لعلَهٍ,م يضَرَعٍ,ون} [الأعراف: 94]. فإذا لم يفقه المسلم حكمة الله في هذا الابتلاء، وتمادى في غيه حقت عليه كلمة العذاب. قال ـ عز من قائل ـ: {وَلَقَد أَرسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ, مِّن قَبلِكَ فَأَخَذنَاهُم بِالبَأسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ {42} فَلَولا إِذ جَاءهُم بَأسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـكِن قَسَت قُلُوبُهُم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ {43} فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحنَا عَلَيهِم أَبوَابَ كُلِّ شَيءٍ, حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذنَاهُم بَغتَةً فَإِذَا هُم مٌّبلِسُونَ {44} فَقُطِعَ دَابِرُ القَومِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالحَمدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الأنعام: 42 - 45]. 4 - الألم قرين الإحساس، والإحساس آية الحياة، ولا يمكن أن تُتصور حياة خالية من الإحساسº فأنا أتألم إذاً أنا موجود. فمن أراد أن يعيش بلا ألم ومعانــاة فقـــد اختار لنفســه الموت لا الحياةº فأنا موجود إذاً لا بد أن أتألم، وقد خلق الإنسان في كبد ونصب كما قال - سبحانه - مقسماً: {لَا أُقسِمُ بِهَذَا البَلَدِ {1} وَأَنتَ حِلُّ بِهَذَا البَلَدِ {2} وَوَالِدٍ, وَمَا وَلَدَ لَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ, }. [البلد: 1 - 4]. 5 - الآلام تربي فينا نعمة الإحساس بالآخرين، فنقدم لهم يد العون والمساعدة، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعيº فالغني يتألم للفقير فتكون الصدقة والزكاة، والمقتدر يتألم للمعوزين فتكون المشروعات الخيرية، والقوي يتألم للضعيف فيكون العون والمساعدة، والعالم أو المخترع يتألم لمأساة مجتمعه ومعاناته فتكون الاختراعات والاكتشافات العلمية، وهكذا. 6 - الآلام تقوي العزيمة والإرادة، وتثبت دعائم الرجولة الحقة، فيكتسب المسلم حصانة من آلام الحياة، ويستمد من مقاومتها قوة وصلابة يستطيع بها مواجهة صعوبات الحياة وظروفها القاسيةº فألم الإخفاق يبصر صاحبه بطريق النجاح، وألم القهر والتسلط يدفع صاحبه إلى البحث عن طريق الحرية، وألم الندم على المعصية يقود إلى لذة الطاعة، وألم الفقر يخطو بصاحبه صوب الغنى والثراء. ولا غرو إذا علمنا أن الأعمال الشاقة تزيد المرء قوة وقدرة على تحمل الأعباء، ولنا في أنبياء الله أسوةº فإدريس - عليه السلام - كان خياطاً(1)، ونوح كان نجاراً(2) وداود كان حداداً(3)، وموسى كان راعياً للغنم(4)، وكان محمد - صلى الله عليه وسلم - راعياً للغنم كذلك، مع ما في الرعي من تعلم الصبر وتعوٌّد حسن سياسة الرعية. قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أبــو هـريرة ـ رضي الله عنه ـ: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»(5). 7ـ تسهم الآلام في صنع مستقبل الشعوب وقيام حضاراتهاº فكثير من الأمم عانت آلام التخلف والفوضى ردحاً من الزمان، فما كان منها إلا أن تحسست خطاها نحو العلم والحضارة، مثل أوروبا كانت تعيش في ظلام دامس في العصور الوسطى، ثم ما لبثت أن قامت الثورة الصناعية ثم الحضارة الغربية التي يزهو العالم بها اليوم، وكثير من الدول عانت آلام الذل والاستعمار، فكان ذلك سبباً في سعيها لاسترداد حريتها ونيل استقلالها، مثل جنوب أفريقيا في ظل الحكومة العنصريةº فهي حرية حمراء مقرونة بدماء الشعوب كما قال شوقي: وللحريـــة الحمــراء بـــابٌ بكلِّ يــدٍ, مُضَرَّجــةٍ, يُـدَقٌّ(6) وعندما تعاني الشعوب ويلات الحـروب وآلامهــا، تسعى جاهدة إلى السلام والوئامº فإذا كان الإيلام لطرفي النزاع معاً، كان السلام رغبة مشتركة بينهما، أما إذا كان السلام مـن طرف واحـد وهـو الذي يحـس بالإيلام الحقيقـي، فهو استسلام وإذعـان. متى يكون الألم نعمة؟ الألم يمكن أن يكون نعمة لصاحبه، كما يمكن أن يكون نقمة عليهº شأنه في هذا شأن كثير من الأحاسيس والمشاعرº فمتى يكون الألم نعمة؟ يمكن للألم أن يكون نعمة إذا توافرت فيمن ابتلي به بعض الشروط الضرورية، وهي: 1ـ الإيمان بالقضاء والقدر، وبأن هذه الآلام من قضاء الله وقدره. قال - تعالى - : { مَا أَصَابَ مِن مٌّصِيبَةٍ, إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ وَمَن يُؤمِن بِاللَّهِ يَهدِ قَلبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ, عَلِيم} [التغابن: 11]. وقال - سبحانه - : {وَإِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـذِهِ مِن عِندِكَ قُل كُلًّ مِّن عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء القَومِ لاَ يَكَادُونَ يَفقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]. 2ـ التحلي بالصبرº فإن ذلك من عزم الأمور. قال - سبحانه - على لسان لقمان واعظاً ولده: {وَاصبِر عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِن عَزمِ الأُمُورِ } [لقمان: 17]. والصبر على آلام البلاء عاقبته خيرº فها هو موسى يوصي قومه بالصبر على أذى فرعون وآله ليورثهم الله الأرض من بعدهم. قال - سبحانه - : {قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ استَعِينُوا بِاللّهِ وَاصبِرُوا إِنَّ الأَرضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِن عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ } [الأعراف: 128]. وأيوب - عليه السلام - لما صبر على الآلام والمـــرض والابتـــلاء جعـل الله عـاقبته خــيراً. قال - سبحانه - : {وَاذكُر عَبدَنَا أَيٌّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصبٍ, وَعَذَابٍ, {41} اركُض بِرِجلِكَ هَذَا مُغتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ {42}وَوَهَبنَا لَهُ أَهلَهُ وَمِثلَهُم مَّعَهُم رَحمَةً مِّنَّا وَذِكرَى لِأُولِي الأَلبَابِ} [ص: 41 - 43]. وقـــد مدحــه - سبحانه - بقوله: {إِنَّا وَجَدنَاهُ صَابِرًا نِعمَ العَبدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 44]. 3 - قوة الإرادة، حتى يمكن تحمل الآلامº فلو استسلم لآلامه لدب اليأسُ في قلبه، وتحول الألم إلى نقمة عليه، فنراه يقنط من رحمة الله، وتُثبَّط همته. ولذا على المسلم دائماً العناية بتربية إرادته وتقويتها، وتدريب نفسه على تحمل آلام الحياة وصعابها، ثم عليه أن يتخطى هذه الآلام ويتناساها ليتجه إلى العمل النافع والإنتاج المثمر. 4 - الأخذ بالأسباب في معالجة الألم والتخلص من أسبابه إذا استطاعº وذلك للحيلولة دون استفحال الألمº فإهمال الألم سيؤدي حتماً إلى اشتداده واستفحاله، وحينئذ قد لا يجدي معه علاج، ولا تنفع معه أية مقاومة، فتخور قوى المسلم، ويتحول إلى طاقة معطلة فيعجز عن مواصلة الكفاح وأداء رسالته في الأرض. 5 - حسن التقدير وُبعد النظرº فينبغي على المسلم أن يحسن تقدير آلامه وتشخيصها، وكذا تقدير الوسيلة والوقت اللازمين لعلاج الألم ومقاومتــه، والإنســـان مــن طبعــه التعـجــل. قال - سبحانه - : {خٍ,لٌقّ الإنسّانٍ, مٌنً عّجّلُ} [الأنبياء: 37]. ثم عليه أن يتحلى ببعد النظرº فالشفاء من الآلام بقدر معلوم، وقد جعل الله لكل شيء قدراًº فعلى المرء أن يسعى، وليس عليه إدراك النجاح. فإذا ما توافرت هذه الشروط فعندئذ يكون الألم نعمة، ويثاب عليه المسلم، ويصبح الألم باعثاً للهمم، ومحركاً للطاقات البناءة، ومثيراً للعقول المفكرة المبدعة، ويصير أداة بناء في المجتمع الإسلامي لا معول هدم، وسيوصف حينئذ بأنه نعمة الحياة وسر من أسرار النجاح فيها. -------- (*) جامعة الإمارات العربية المتحدة. (1) المعجم الكبير، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، (1/436). (2) المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، المطابع الأميرية ببولاق، 1979م، ص2. (3) الموسوعة العربية العالمية، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، السعودية، 1996م، طبعة أولى، 2/581. (4) المعجم الكبير (1/437). (5) المعجم الكبير (1/436). (6) المعجم الكبير (1/436، 437). (7) الموسوعة العربية العالمية (2/581). (8) الموسوعة العربية العالمية (2/582). (1) الموسوعة العربية الميسرة، دار الشعب، القاهرة، طبعة أولى، 1965م، (1/208). (2) الموسوعة العربية العالمية (2/581). (3) الموسوعة العربية العالمية (2/582). (4) المعجم الكبير (1/437). (5) الموسوعة العربية الميسرة (1/208). (6) الموسوعة العربية العالمية (2/581). (1) الموسوعة العربية الميسرة (1/208). (2) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 47 ـ 49. (3) الجامع الصحيح للترمذي، تحقيق كمال يوسف الحوت، كتاب الزهد، باب (ما جاء في الصبر على البلاء)، دار الكتب العلمية، بيروت، دون تاريخ، (4/520). (1) تاريخ الطبري، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، طبعة أولى، 1985م، (1/88). (2) المرجع السابق (1/93). (3) المرجع السابق (1/242). (4) قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، دار الفكر عمَّان، طبعة أولى، دون تاريخ، ص276. (5) صحيح البخاري، كتاب (الإجازة في الإجارات)، باب (رعي الغنم على قراريط)، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة أولى، 1992م، (3/67). (6) الشوقيات، أحمد شوقي، شرح وتعليق د. يحيى شامي، دار الفكر العربي، بيروت، طبعة أولى، 1996م، (2/401). موقع مـداد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك