اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

المشاركات التي تم ترشيحها

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [البقرة: 208]

السؤال الأول:

لِمَ قال تعالى: ﴿ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ﴾ ولم يقل: سالموا بعضكم، مثلاً؟

الجواب:

الدخولُ يدل على العمق، ومن دخل المنزلَ صار داخله وفي عمقه ومحاطاً ببنائه، ولذلك من دخل السِّلم صار في أقصى غاية المسالمة وليس مسالماً فقط.

السؤال الثاني:

ما الفرق بين: السِّلْم ـ والسَّلْم ـ والسَّلَم في الاستعمال القرآني ؟

الجواب:

1 ـ السِّلْم - بكسر السين وتشديدها وسكون اللام هو الإسلام، وكلُّ الناس مأمورون بالدخول فيه كافة، وهو السلام . وقد وردت مرة واحدة في القرآن في قوله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ﴾  [ البقرة : 208 ] .

2 ـ السَّلْم: بفتح السين وتشديدها وسكون اللام ، يُذكّر ويؤنث، هو الصلح أو هو الميل إلى الاستسلام والمسالمة وترك القتال والحرب، وهذه دعوة موجهة إلى الكفار ليجنحوا إليه. وقد وردت مرتين في القرآن في سياق القتال بين المسلمين والأعداء في قوله تعالى:

﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلمِ فَٱجنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61] أي إذا استسلم الكفار فلا مانع .

 

﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعلَونَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ﴾ [محمد: 35] في الآية نهي عن الوهن والضعف .

3 ـ السَّلَم: بفتح السين وتشديدها وفتح اللام هو السّلف عند أهل العراق وهو أحد البيوع الجائزة ، وهو أيضاً الاستسلام الذليل المهين حيث يُلقي الكفار للمسلمين السَّلَم في الدنيا. وقد وردت خمس مرات في القرآن في قوله تعالى :

آ ـ في سياق الحرب بين المسلمين والكفار :

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَومِۢ بَينَكُمۡ وَبَينَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَومَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلقَواْ إِلَيكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيهِمۡ سَبِيلٗ﴾ [النساء: 90].

﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأمَنُوكُمۡ وَيَأمَنُواْ قَومَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلفِتنَةِ أُركِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعتَزِلُوكُمۡ وَيُلقُوٓاْ إِلَيكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقتُلُوهُمۡ حَيثُ ثَقِفتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلنَا لَكُمۡ عَلَيهِمۡ سُلطَٰنا مُّبِينٗ﴾ [النساء: 91].

ب ـ استسلام الكفار الذليل يوم القيامة ، وعند الاحتضار :

﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعمَلُ مِن سُوٓءِۢۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعمَلُونَ﴾ [النحل: 28].

﴿وَأَلقَواْ إِلَى ٱللَّهِ يَومَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنهُم مَّا كَانُواْ يَفتَرُونَ﴾ [النحل: 87].

ج ـ عمن يخضع لغير الله :

﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلا سَلَما لِّرَجُلٍ هَلۡ يَستَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلحَمدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكثَرُهُمۡ لَا يَعلَمُونَ﴾ [الزمر: 29].

السؤال الثالث:

ما أهم توجيهات هذه الآية  ؟

الجواب:

1 ـ لما دعا اللهُ الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم حذّرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان ، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان إمّا هدى وإمّا ضلال ، فينبغي أن يدرك المسلمُ موقفه فلا يتردد بين شتى السبل وشتى الاتجاهات .

2 ـ أصعب الحرام أوله، ثم يسهل ، ثم يستساغ ، ثم يؤلف ، ثم يحلو، ثم يطبع على القلب ، ثم يبحث القلب عن حرام آخر ، حتى يعاقب فلا يجد له لذة، ولا هو يستطع تركه.

3 ـ الخطوة مسافة يسيرة ،  تبدأ بمعصية صغيرة حتى تألفها النفس وتزيد خطوة أخرى وقوله :(خطوات) أي أن الشيطان لن يقف عند خطوة واحدة.

4 ـ قوله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ﴾  لمّا كان الدخول في السلم كافة لا يمكن أن يتصوَّر إلا بمخالفة الشيطان قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيطَٰنِۚ﴾  .

5 ـ قال أبو حامد الغزالي : الذين ذهبوا إلى كسرى لم يذهبوا إليه باسطوانات المصحف المرتل، ولا بطبعة جديدة من المصحف، إنما ذهبوا بدرجة كبيرة من الوعي والطهر والعدل! وقف ربعي بن عامر يعرض الإسلام خُلقًا وسلوكًا، ويعرضه نظام حياة وأمل جماهير.. إنّ القرآن قد بدأ بسورة العلق، وختم بسورة المائدة وسورة النصر؛ ليقال لنا: هذا هو الخط السماوي الذي يجب أن يعيش الناس به!

والله أعلم .

 

﴿فَإِن زَلَلتُم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209]

السؤال الأول:

ما الفرق من الناحية البيانية بين ﴿جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران:105] و ﴿جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة:209] في القرآن الكريم؟

الجواب:

1ـ كلمة (البيّنات) ليست مؤنثاً حقيقياً، لذا يجوز تذكيرها وتأنيثها.

2ـ هناك حكم نحويٌّ مفاده أنه يجوز أنْ يأتي الفعل مذكراً والفاعل مؤنثاً مع المؤنث غير الحقيقي .

3ـ والسؤال ليس عن جواز تذكير وتأنيث البيّنات؛ لأنّ هذا جائز كما قلنا، لكن السؤال: لماذا جاء بالاستعمال فعل المذكر ﴿جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران:105] مع العلم أنه استعملت في غير مكان بالمؤنث ﴿جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة:213]؟

والجواب:

آـ عندما تكون ﴿ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ بمعنى العلامات الدالة على المعجزات والنبوءات يؤنث الفعل .

ب ـ وعندما تكون ﴿ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ بمعنى الأمر والنهي يذكر الفعل .

 

 شواهد قرآنية على التأنيث، أي: بمعنى المعجزات والنبوءات:

 ـ ﴿فَإِن زَلَلتُم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:209] .

 ـ ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ‍نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱختَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ بَغيَا بَينَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلحَقِّ بِإِذنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّستَقِيمٍ﴾ [البقرة:213].

ـ ﴿تِلكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُمۡ عَلَىٰ بَعضٖۘ مِّنهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَينَا عِيسَى ٱبنَ مَريَمَ ٱلبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدنَٰهُ بِرُوحِ ٱلقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعدِهِم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱختَلَفُواْ فَمِنهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:253] .

﴿ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلعِجلَ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَعَفَونَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَينَا مُوسَىٰ سُلطَٰنا مُّبِينا﴾ [النساء:153] .

شواهد قرآنية على التذكير، أي: بمعنى الأمر والنهي:

ـ ﴿كَيفَ يَهدِي ٱللَّهُ قَوما كَفَرُواْ بَعدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران:86].

ـ ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱختَلَفُواْ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [آل عمران:105] .

ـ ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعبُدَ ٱلَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرتُ أَنۡ أُسلِمَ لِرَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾ [غافر:66] .

السؤال الثاني:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلتُم﴾ ؟

الجواب:

 1ـ قوله: ﴿فَإِن زَلَلتُم﴾ معناه: انحرفتم عن الطريق الذي أُمرتم به، ويدخل في ذلك الكبائر والصغائر، وفي ذلك زجر للمؤمن كي يتحرز عن الذنوب كبيرها وصغيرها . قال ابن عباس : السّلم الإسلام ، والزلل ترك الإسلام .

 2ـ دلت الآية على أنّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد حصول البيان للمكلف لا حصول اليقين .

3ـ يحكى أنّ قارئاَ قرأ (غفور رحيم) في هذه الآية، فسمعه أعرابي فأنكره، وقال له: الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه .

والله أعلم .

 

 

﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ وَٱلمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرَعُ ٱلأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

 

السؤال الأول:

الإنسان عادة ينتظر ما يعلم أو يظن وقوعه، والقوم لم يكونوا كذلك؛ لأنهم لم يصدقوا، فكيف يُفهم ذلك ؟

الجواب:

لما كان واقعاً لا محالة، كانوا في الحقيقة كالمنتظرين له في المعنى، ولذلك جاء تهديداً لهم.

ومعنى ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون.

 

السؤال الثاني:

ما دلالة هذه الآية ؟

الجواب:

1 ـ هذه الآية نوع من النداء لحث الذين تركوا الدخول في السلم والإسلام ، الذين يتبعون خطوات الشيطان ، للساعين في الفساد في الأرض ، فكأنه يقول لهم : ماذا تنتظرون !!!؟  قيام الساعة ، حين يأتي الله في ظلل من الغمام ، حين تطوى السماوات والأرض ، وتأتي الملائكة صفوفاً تحيط بالخلائق ، حين توضع الموازين ، حين تبيض وجوه وتسود وجوه !!! لماذا تترددون !! وماذا تننظرون !!

2 ـ  ( الظُلل ) جمع ظُلّة بضم الظاء ، وهي كل ما أظلك .

3 ـ في قوله تعالى : ﴿فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ﴾ مجازٌ مرسلٌ علاقته السببية ، لأنّ الغمامَ مظنة الرحمة أو العذاب وسببهما .

4ـ  قوله تعالى : ﴿أَن يَأتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ﴾    صفة مجيء الله سبحانه لا يعلمها إلا الله ، فليس كمثله شيء، وهذه الصفة مع الصفات الأخرى كالاستواء والنزول هي صفات ثابتة لله على وجه يليق بجلاله وكماله .

5ـ قوله تعالى : ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ لمّا حكى الله عن عنادهم وتوقفهم في قبول دين الله جاء مجرى التهديد .

والله أعلم .

 

﴿سَلۡ بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَينَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۢ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾  [البقرة: 211]

 

السؤال الأول:

ما الفرق بين فعل الأمر: اسأل وسل؟

الجواب:

سل: إذا بدأنا بالفعل مباشرة فالعرب تخفف وتحذف كما في هذه الآية211 من سورة البقرة . وإذا تقدمها أي شيء يؤتى بالهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَينَا مُوسَىٰ تِسعَ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۖ فَس‍َٔلۡ بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ﴾ [الإسراء:101] .  

وهذه قاعدة عند أكثرية العرب أنه إذا سبقها شيء يبدأ بالهمزة ( اسأل ) وإذا بدأنا بها يحذفها؛ أي يبقى ( سل ) .

 

السؤال الثاني:

ما الفرق بين النعمة والنعيم ؟

الجواب:

النعمة في القرآن هي لنعم الدنيا وتستعمل مفرداً وجمعاً، كما في الآيات: [البقرة 211 آل عمران 103ـ ابراهيم 6].

وأما النعيم فخاص بنعيم الآخرة، وقد وردت كلمة (النعيم) 16 مرة في القرآن .

 

السؤال الثالث:

قوله تعالى في آية البقرة: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [البقرة:211] بينما أكدها بـ (اللام) في آية الرعد6 بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [الرعد:6] فما سبب تخفيف أو زيادة التوكيد ؟

الجواب:

أولاً ـ القاعدة اللغويـــة:

 يستعمل القرآن الكريم تخفيف التوكيد أو زيادته حسب مقتضى الحال فيقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [المائدة:2] مع التخفيف ، ويقول : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] مع زيادة التوكيد بزيادة اللام .

ثانياً ـ البيـــان:

قال في آيات البقرة (211) والمائدة (2) والأنفال (13): ﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [المائدة:2] مؤكداً بإنّ وحدها، بينما قال في سورة الرعد (6): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ فأكد بإنّ واللام؛ وذلك أنه:

في سورة الرعد ورد قبل الآية 6 من ذكر العقوبات، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبلِهِمُ ٱلمَثُلَٰتُۗ﴾ وذكر من عقوبات الكافرين في الآية 5 ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلأَغلَٰلُ فِيٓ أَعنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [الرعد: 5] فاقتضى ذلك زيادة توكيدها .

وليس السياقُ كذلك في الآيات الأخرى ولا شيء فيه، فلمّا كان السياقُ في الرعد سياقَ العقوبات اقتضى زيادة توكيدها.

والله أعلم .

 

 

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا وَيَسخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوقَهُمۡ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيرِ حِسَابٖ﴾ [البقرة: 212]

 

السؤال الأول:

ما دلالة التذكير في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ ولم يقل: زينت، مع أنّ الدنيا مؤنث؟

 

الجواب:

 1ـ من حيث الحكم النحوي: يجوز وليس فيه إشكال؛ لأنّ الحياة مؤنث مجازي، والمؤنث المجازي هو الذي ليس له مذكر من جنسه، فمثلاً: (البقرة) مؤنث حقيقي؛ لأنّ الثور ذكر من جنسها، و(النعجة) لها كبش من جنسها، وكلمة (سماء) ليست مؤنثاً حقيقياً، وكذلك (الشمس) مؤنث مجازي و(القمر) مذكر مجازي، فإذا كان هنالك مذكر من جنس الكلمة فإنها مؤنث حقيقي، إذن كلمة ﴿ٱلحَيَوٰةُ﴾ مؤنث مجازي يجوز تذكيره وتأنيثه، هذا لغوياً .

2ـ ثم هنالك فاصل بين الفعل والفاعل ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا﴾ [البقرة:212] والفاصل حتى في المؤنث الحقيقي يمكن تذكيره . تقول مثلاً: (أقبلت فاطمة) بالتأنيث، وتقول: (أقبل اليومَ فاطمةُ) طالما فصلنا بين العامل والمعمول؛ لذلك يجوز تذكيره وتأنيثه.

3ـ إذن من حيثُ النحوُ ليس فيه إشكالٌ:

آ- لكون الفاعل مجازيَّ التأنيثِ .

ب - لوجود فاصلٍ بين العامل والمعمول، لكن لماذا اختار التذكير؟

ومما يجدر ذكره أنّ هنالك قراءة أخرى، وهي: (زَيَّنَ للذين كفروا الحياةَ الدنيا) بالبناءِ للمعلومِ والفاعلُ الشيطانُ ضميرٌ مستترٌ، والحياةَ: مفعول به، وهذه القراءة لا يمكن أنْ يقول فيها: زَيَّنت، لذا التذكير صار واجباً.

إذن في الآية قراءتان: قراءة (زَيَّنَ) بالبناء للمعلوم، و يلزم فيها تذكير الفعل (زين)، وقراءة ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للمجهول، ويحسن فيها تذكير الفعل. ولذلك قال تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ ولم يقل: (زينت) لأنه فصل بين (زُين) والحياة الدنيا بفاصل وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإذا فصل بين الفعل والفاعل حَسُنَ تذكير الفعل؛ لأنّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث.

 

السؤال الثاني:

لِمَ اختار الله تعالى في الآية صيغة الماضي للتزيين ﴿زُيِّنَ﴾ وصيغة المضارع للسخرية ﴿وَيَسخَرُونَ﴾ ؟

 

الجواب:

أتى فعلُ التزيين ماضياً ليدلَّنا على أنّ التزيينَ أمرٌ مستقرٌ في الكافرين، فهم أبد الدهر يعشقون الدنيا ويكرهون الموت، وأتى بفعل السخرية مضارعاً ﴿وَيَسخَرُونَ﴾ ليبيّن لنا ربُّنا سبحانه وتعالى أنّ الكافرين يسخرون من الإيمان وأهله بشكلٍ متجددٍ متكررٍ، وفي ترتيب الفِعلَينِ دلالةٌ منطقيةٌ لأنَّ السُّخريةَ مبعَثُها حُبُّ الدنيا والشهواتِ ، والتزيينُ سابقٌ للسخريةِ فعبَّرَ عنه بالماضي، والسخريةُ ناشئةٌ من تعلُّقِ القلب بالدنيا، فعبّر عنها بالمضارع.

 

السؤال الثالث:

ما الدلالة البيانية لمجيء الفعل ﴿زُيِّنَ﴾ مبنياً للمجهول ؟

 

الجواب:

هناك خطٌّ عامٌّ واضح في القرآن الكريم، أنه في آيات التزيين فإنّ الله ينسب الخيرَ إلى نفسه، وأمّا تزيينُ القبيحِ فيبنيه للمجهولِ أو ينسِبُه إلى الشيطانِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيطَٰنُ أَعمَٰلَهُمۡ ﴾ [الأنفال:48] وقوله : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيطَٰنُ أَعمَٰلَهُمۡ﴾ [العنكبوت:38].

وقد تجد في القرآن: ﴿زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعمَٰلَهُمۡ﴾ [النمل:4] لغرض إقامة العقيدة الصحيحة، ولكن لا تجد مطلقاً (زينا لهم سوء أعمالهم) بذكر السوء، والفرق ظاهر بين الأمرين .

 

السؤال الرابع:

ما دلالات استخدام التعابير ﴿ٱلدُّنيَا﴾ ، ﴿ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا﴾ ، ﴿ٱلأٓخِرَةُ﴾ في القرآن الكريم؟

 

الجواب:

أولاً ـ معلومات عددية:

1ـ وردت كلمة (الدنيا) في القرآن الكريم 165 مرة.

2ـ ورد تعبير (الحياة الدنيا) 68 مرة.

3ـ وردت كلمة (الآخرة) في القرآن الكريم 115 مرة.

4ـ ورد التعبير (الدار الآخرة) 9 مرات.

5ـ تعبير (الدار الدنيا) لم يرد مطلقاً.

6ـ تعبير (الحياة الآخرة) لم يرد مطلقاً.

7ـ وردت التعابير (ثواب الآخرة) (عذاب الآخرة) (لقاء الآخرة) (حرث الآخرة) ولم يرد مثل هذه التعبيرات للدنيا.

ثانياً ـ المعـــــاني:

الدنــيا:

عندما تكون مفردةً تدل على الحياة التي نحياها في هذه الأرض دون أية ظلال أو إيحاءات أخرى، وهي المسافة الزمنية الممتدة من خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة.

والدنيا على صيغة فعلى، وهي مؤنث: أدنى، وهي مشتقة من الدنوِّ، أي: الأكثر قرباً إليك، نحو: [الجار الأدنى ـ السماء الدنيا ـ العُدوةِ الدنيا] أو مشتقة من الدناوة.

الآخــــرة:

هي عَلَمٌ على الحياة الثانية التي سيحياها الإنسان بعد هذه الحياة الدنيا.

الحياة الدنيــــــا:

وهي تعني في القرآن الكريم استغراق الإنسان في هذه الحياة وانغماسه وانشغاله فيها وانصرافه عما بعدها، فكأنّ تعبير الحياة الدنيا صورة لانصراف الإنسان عن ربه وغفلته عن الآخرة.

 

 شواهد قرآنية:

[ البقرة 212 ـ القصص 79 ـ إبراهيم 3 ـ الأنعام 29 ].

والحياة الدنيا حياة مؤقتة لا بدّ لها من زوال، أمّا الآخرة فهي حياة دائمة خالدة إمّا في نعيم الجنة وإمّا في شقاء النار.

لذلك قال الله: (ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا) ولم يقل: (الحياة الآخرة)؛ لأنّ الحياة الدنيا فانية زائلة، والحياة في الآخرة خلود لا يزول، لذلك عبّر عنها بالدار الآخرة؛ لأنّ الدار تحمل معنى الاستقرار والثبات والبقاء، والإنسان لا يشعر بالاستقرار إلا في داره، قال تعالى: ﴿يَٰقَومِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلقَرَارِ﴾ [غافر:39] .

وقال: ﴿تِلكَ ٱلدَّارُ ٱلأٓخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي ٱلأَرضِ وَلَا فَسَاداۚ وَٱلعَٰقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾ [القصص:83] .

وقال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلأٓخِرَةِ خَيرٞۚ وَلَنِعمَ دَارُ ٱلمُتَّقِينَ﴾ [النحل:30] .

 

السؤال الخامس:

قوله تعالى في الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوقَهُمۡ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِۗ﴾ [البقرة:212] ولم يقل: والذين آمنوا فوقهم، فلماذا؟

 

الجواب:

قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوقَهُمۡ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِۗ﴾ ولم يقل: والذين آمنوا فوقهم؛ وذلك ليعزل الاسم عن الوصف، فكم من مدعٍ الإيمان، والله يريد أنْ نأخذ الإيمان بالالتزام بمنهج السماء وليس بالاسم فقط، ولذلك لا تحصل السعادة في الآخرة إلا للمؤمن التقي.

وهذه الفوقية للمؤمنين هي بالمكان؛ لأنّ المؤمنين في عليِّين والكافرين في سجّين، وهي فوقية بالكرامة، وهي فوقية بالحجة.

 

السؤال السادس:

ما أهم الدروس في هذه الآية ؟

 

الجواب:

1ـ خَلَقَ اللهُ الإنسانَ سيدَ هذا الكون وسخّر له الحيوان والنبات والجماد ليخدمه .

وكان مقتضى العقل أنْ يبحث هذا السيدُ عن جنس أعلى منه، ولن يجد حوله من هو أعلى من جنسه الذي ينتسب إليه، فكان من المفروض أنْ يقول الإنسان: أنا أريد جنساً يعلِّمُني عن نفسي، فأرسل الله سبحانه الرسل وقالوا: أيها الإنسان إنّ الذي أعلى منك هو الله وهو ﴿لَيسَ كَمِثلِهِۦ شَيءٞ﴾ [الشورى:11] وهو قد وضع لك منهجاً لسعادتك ومصلحتك، وكان على الإنسان أنْ يفرح بمجيء الرسل وخصوصاً أن الله تعالى لا يريد خدمة منه بل الإنسان يحتاج لعبادة الله .

لذلك فالإنسان مخيَّرٌ بين خادمٍ له مسخَّرٍ من الجماد والحيوان والنبات، ومُعطٍ مُتفضِّلٍ عليه مختارٍ وهو أعلى منه ، إنه هو الله، وهو يقول للإنسان: خذ الأعلى لتسعدَ.

2ـ عندما يقول الحق: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا﴾ فهو يريد أنْ يلفتنا إلى أنّ مقاييس الكافرين مقاييس هابطة، ومن خيبة الإنسان أنْ يأخذ الأدنى ويفضله على الأعلى وهو دليل على حمقه، ومن العجيب أنكم فعلتم ذلك وأنتم في الأدنى وتسخرون من الذين التفتوا إلى الأعلى!!.

3ـ كلمة ﴿زُيِّنَ﴾ من الزينة، وهي مؤقتة لا تلبث أنْ تزول.

4ـ قول الحق: ﴿وَٱللَّهُ يَرزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيرِ حِسَابٖ﴾ ؛ لأنّ خزائنه لا تنفد ويرزق بغير حساب؛ لأنه لا يحكمه قانون وإنما يعطي بطلاقة القدرة، فيعطي المؤمن وحتى الكافر، والله تعالى لا يُسأل عن حكمه فالحكم لله وحده ﴿لَا يُسَٔلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُمۡ يُسَٔلُونَ﴾ [الأنبياء:23] .

وعلى الإنسان أنْ يعمل في الأسباب، لكن لا يأخذ حساباً من الأسباب ويظن أنّ ذلك هو رزقه؛ لأنّ الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل في حسابك ولا في حساباتك.

5ـ النعمة لا تكون إكراماً من الله إلا إذا وفقك الله في حسن التصرف في هذه النعمة، وكذلك لا تكون النعمة إهانة إلا إذا لم يوفقك الله في أداء حق النعمة بشكر المُنعِمِ وعدمِ الانشغال بها عمن رزقك إياها.

6ـ قوله: ﴿زُيِّنَ﴾ ولم يقل: (زينت) لأنه فصل بين زُين والحياة الدنيا بفاصل، وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وإذا فصل بين الفعل والفاعل حَسُنَ تذكير الفعل؛ لأنّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث.

7 ـ جاء قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا وَيَسخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ﴾ بالصيغة الفعلية إشارة على الحدوث ، وأنه أمر طارئ لا يلبث أن يزول ، وجاء قوله تعالى : ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوقَهُمۡ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِۗ﴾   بالصيغة الاسمية الدالة على الاستمرار والديمومة لا يطرأ عليها تبديل  .

 

السؤال السابع:

ما معنى قوله تعالى في الآية : ﴿وَٱللَّهُ يَرزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيرِ حِسَابٖ﴾  ؟

 

الجواب:

إنّ لهذا التعبير أكثر من دلالة وكلها صحيحة، ومن ذلك : 

1.      أنه لا يُسأل عما يفعل ولا يحاسبه أحد .

2.    وانه يرزق من غير تقتير وبلا نهاية لما يعطيه ، فهو لا يخشى أن تنفد خزائنه كما يفعل المخلوقون فإنهم يحسبون حساباً لما عندهم .

3.   وأنه لا يحاسب المرزوق فيرزقه على قدر طاعته أو معصيته وإنما يمد من يشاء من هؤلاء وهؤلاء على ما تقتضيه حكمته ، كما قال تعالى : ﴿كُلّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحظُورًا﴾ [الإسراء: 20] .

4.    و يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه ، ولا يفعل ذلك من غير حكمة .

5.   هو يرزق من يشاء من غير حساب من العبد ، فقد يرزق العبد وهو لا يعلم ولا يحسب لذلك حساباً ، كما قال تعالى : ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجٗ * وَيَرزُقهُ مِنۡ حَيثُ لَا يَحتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2-3]   .

والله أعلم .

 

1441686555.png&key=82d8c19562473eb6dd500

 

 

 

﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ‍نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱختَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ بَغيَا بَينَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلحَقِّ بِإِذنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّستَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]

 

السؤال الأول:

ما معنى قوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ وبما أنّ الناس أمة واحدة فما الغرض من بعث النبيين مبشّرين ومنذرين؟

 

الجواب:

1ـ قوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ أي: متفقين على التوحيد مقرّين بالعبودية.

2ـ السؤال: إذا كانوا كذلك لم أرسلَ الرُّسلَ؟ نقرأ الآية: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ‍نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ﴾  [البقرة:213].

 إذن كانوا أمة واحدة فاختلفوا، كما في آية أخرى ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱختَلَفُواْۚ﴾ [يونس:19] ولمّا قال: ﴿لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ﴾ إشارة إلى أنهم اختلفوا، وهذا اقتضى إرسال النبيين والمرسلين.

 

السؤال الثاني:

ما معنى كلمة (أمّة) في القرآن الكريم ؟

 

الجواب:

كلمة (أُمَّة) جاءت في القرآن الكريم بأربعة معانٍ، هي:

1ـ الأمّة بمعنى المِلّة: أي: العقيدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱختَلَفُواْۚ وَلَولَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَينَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَختَلِفُونَ﴾ [يونس:19] ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعبُدُونِ﴾ [الأنبياء:92] .

2ـ الأمّة بمعنى الجماعة: كما في قوله تعالى: ﴿وَمِن قَومِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهدُونَ بِٱلحَقِّ وَبِهِۦ يَعدِلُونَ﴾ [الأعراف:159] ﴿وَمِمَّنۡ خَلَقنَآ أُمَّةٞ يَهدُونَ بِٱلحَقِّ وَبِهِۦ يَعدِلُونَ﴾ [الأعراف:181].

3ـ الأمّة بمعنى الزَّمَن: كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَخَّرنَا عَنهُمُ ٱلعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَومَ يَأتِيهِمۡ لَيسَ مَصرُوفًا عَنهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَستَهزِءُونَ﴾ [هود:8] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأوِيلِهِۦ فَأَرسِلُونِ﴾ [يوسف:45] .

4ـ الأمة بمعنى الإمامِ: كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتا لِّلَّهِ حَنِيفا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلمُشرِكِينَ﴾ [النحل:120] أي: القُدوةُ.

وقوله تعالى: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ‍نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱختَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ بَغيَا بَينَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلحَقِّ بِإِذنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّستَقِيمٍ﴾ [البقرة:213] في آية سورة البقرة ، الأمة هنا بمعنى العقيدةِ الواحدةِ والمِلّة الواحدةِ.

 

السؤال الثالث:

يقولون إنّ هذه الآية لخَّصت تاريخ البشريةِ من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة، فكيف؟

 

الجواب:

 هذه الآية لخّصت تاريخ البشرية من عهد آدم إلى أنْ تقوم الساعة، ومعناها أنّ الناسَ كانوا على عقيدةٍ واحدةٍ من عهد آدم إلى زمن ما قبل نوح حيث بدّلوا عقيدتهم، فالدين واحد والعقيدة هي الإيمان بالله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسلَٰمُۗ وَمَا ٱختَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلعِلمُ بَغيَا بَينَهُمۡۗ وَمَن يَكفُرۡ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلحِسَابِ﴾ [آل عمران:19] ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ ٱلإِسلَٰمِ دِينا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي ٱلأٓخِرَةِ مِنَ ٱلخَٰسِرِينَ﴾  [آل عمران:85] . وكأنّ في الآية جملةً مقدّرةً : (كان الناس أمة واحدة فضلُّوا وتفرَّقوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) .

 

السؤال الرابع:

لم أفرد الله عز وجل( الكتابَ) في الآية وجمعَ (النبيين) ؟

 

الجواب:

بعث الله تعالى الأنبياء فعبّر عنهم بصيغة الجمع ﴿ٱلنَّبِيِّ‍نَ﴾ ولكنه قال: ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ﴾ ولم يقل: الكُتُب، مع أنهم جمعٌ متتابعٌ ولم يكن للكلِّ كتابٌ واحدٌ، فلِمَ أفرده تعالى؟

أفرده ليعلِّمَنا أنّ الحقَّ الذي نزل به الأنبياء واحدٌ، ولكنه نزل على فترات، وكلُّ واحد منهم متمِّمٌ لما قبله.

 

السؤال الخامس:

لماذا أنَّثَ (البينات) فقال: ﴿جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ ؟

 

الجواب:

انظر الجواب في السؤال الأول من آية البقرة 209.

 

السؤال السادس:

ما أهم دلالات هذه الآية ؟

 

الجواب:

1 ـ هذه الآية تبيّن أنّ البشرَ بحاجة إلى تشريعٍ إلهي وبشكل مُلِّح ، لأنّ حبَ الدنيا عندهم حبٌ قديم، أدى بهم إلى الكفر والتفرق والبغي ، وبدأ ذلك من عهد نوح عليه السلام حيث عبَدَ الناسُ الأصنام ( ود ـ سواع ـ يغوث ـ يعوق ) بعد حوالي ألف سنة من زمن آدم عليه السلام ،  لذلك بعث الله الأنبياء بالكتب لهداية البشرية .

2ـ ( الكتاب ) يُطلق على جميع الكتب السماوية ﴿لِيَحكُمَ﴾   هؤلاء الرسل بين الناس فيما اختلفوا فيه  من الشرك والتوحيد بمقتضى ما جاء فيها .

3 ـ ( البغي ) هو أعمال الحسد بالقول والفعل ، والحرصُ على طلب الدنيا بغير حق ،  وكذلك التعدي والتجاوز بأشكاله المختلفة .

4 ـ قوله تعالى : ﴿وَمَا ٱختَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ بَغيَا بَينَهُمۡۖ﴾ هم اليهود والنصارى الذين اختلفوا فيما بينهم في شأن محمد عليه السلام  من باب البغي والحسد  والظلم  من بعد أن رأوا العلامات الدّالة على صدقه ، وكان هذا من باب الحسد  لانتقال الرسالة منهم إلى العرب .

5 ـ كان ممّا اختلفوا فيه أيضاً: شأن عيسى عليه السلام ـ شأن إبراهيم عليه السلام أيهودي أم نصراني ـ في شأن القبلة ـ  في شأن يوم الجمعة ، فاختار اليهود السبت واختار النصارى الأحد ـ في شأن مدة الصيام ـ في شأن الرسول محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .

6 ـ قوله تعالى : ﴿فَهَدَى ٱللَّهُ﴾  في إسناده إلى اسم الجلالة إعلام بأنّ الهدى من الله بعونه وتوفيقه .

والله أعلم .
 
1441686555.png&key=82d8c19562473eb6dd500

 

 

﴿أَمۡ حَسِبتُمۡ أَن تَدخُلُواْ ٱلجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبلِكُمۖ مَّسَّتهُمُ ٱلبَأسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214]

 

السؤال الأول:

قال تعالى: ﴿أَمۡ حَسِبتُمۡ أَن تَدخُلُواْ ٱلجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَواْ مِن قَبلِكُمۖ مَّسَّتهُمُ ٱلبَأسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ [البقرة: 214] وفي رواية ورش جاء (يقولُ) بالضَّمِّ فما دلالة الضمِّ؟

 

الجواب:

1ـ ما الفرق اللغوي في المعنى بين الفعل المنصوب والفعل المرفوع بعد (حتى) ؟

والجواب:

آـ القاعدة أنّ الحرفَ (حتى) قد يأتي بعده الفعل مرفوعاً وقد يأتي منصوباً، و(حتى) لا تَنصب إلا إذا كان الفعل بعدها مستقبل الوقوع، مثل: سأدرسُ حتى أنجحَ؛ لأنَّ النجاح يكون مستقبلاً، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُواْ لَن نَّبرَحَ عَلَيهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرجِعَ إِلَينَا مُوسَىٰ﴾ [طه:91].

ب ـ إذن النصبُ يفيدُ الاستقبالَ، ولذلك هم قالوا: إذا قلت: جئتُ حتى أدخلَ المدينةَ، يعني أنت لم تدخلها بعد، وإنْ كان قد دخلها يقول: جئتُ حتى أدخلُ المدينةَ . لا تقولها بالرفعِ إلا وأنت في سِكَكِها، فلو سمعناها بالنَّصبِ (حتى أدخلَ) نفهَمُ أنه ما دخلها.

مثال آخر: أنت تقول: ما الذي جاء بك؟ يقولُ: جئت حتى أزورَ فلاناً، أي: يعني أنه لم يزره بعدُ، أمّا إذا قال: جئتُ حتى أزورُ فلاناً، يعني: زاره.

ج ـ لذلك نؤكِّدُ على القاعدة في المعنى: إذا كانت بالرفع تدل على فعل حدث، وإذا كانت بالنصب يعني أنّ الفعل لم يحدث بعدُ.

2ـ في الآية يتكلم القرآن عن جماعةٍ مضوا ﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ﴾ بالنَّصبِ، إذن هذا بعد إصابة البأساء والضراء والزلزال ثم قال الرسول، فهو إذن استقبالٌ لما بعد الإصابةِ، أي: هذا مستقبَلٌ بالنسبة لإصابةِ البأساءِ والضراءِ، ونفهم من ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم ما قالها إلا بعد البأساءِ والضراءِ والزلزلة النفسيةِ، إذن هذه منصوبة؛ لأنَّ القول يكون بعد البأساء والضراء.

3ـ (حتى يقولُ) بالرفعِ هذا ماضٍ بالنسبة للإخبارِ عنهم؛ لأنّ الإخبارَ كُلَّه وقع، فأنت الآن تخبِرُ عن أمر ماضٍ وقعَ، فالبأساءُ حدثت والرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلامَ وأنت تتكلَّمُ عن تاريخٍ، لذلك قوله تعالى: (حتى يقولُ) بالرفعِ، هذا إخبارٌ عما وقع عن حادثةٍ ماضيةٍ، فيقوله بالرفع.

 إذن هناك أمران: إذا كان الاستقبالُ لما بعد الإصابةِ يقول: (حتى يقولَ) بالنصب، وإذا كان إخباراً عن كلِّ الحوادثِ يقولها بالرفع (حتى يقولُ).

4ـ قد يقول قائل: ألا يتعارض هذا بعضه مع بعض؟ والقرآنُ ماذا يريد أنْ يقول؟ هل قالها الرسولُ قبل البأساء أو بعد؟

 والجواب: أنّ في الآية جانِبَينِ: الأول أنه ذكر حالة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل القولِ فنصبَ، والثاني أنه ذكر حالَ الإخبار عنها بعد القول فرفع، ولا يوجد تعارض بين القراءتين وإنما ذكر حالتين: حالة قبل القول وحالة إخبار بعد القول.

5ـ نلخص ما سبق:

في الآية قراءتان متواترتان هما:

آـ حتى يقولَ ـ بالنصب.

ب ـ حتى يقولُ ـ بالضم.

والقاعدة النحوية كما ذكرنا أنه إذا كان الفعل مستقبلاً بعد (حتى) نصبتَ ، وإذا كان حالاً محكية رفعتَ فقولك: أسيرُ حتى أدخل البلدةَ، إذا لم يتم الدخول نصبتَ الفعلَ، وإذا حصل الدخول رفعت.

(حتى يقولَ) بالنصب:

أي: يقول الرسول مستقبلاً بعد الإصابة بالبأساء والضراء والزلزلة، أي بتقدير: وزلزلوا إلى أن يقولَ الرسول.

(حتى يقولُ) بالرفع:

إخبار عما وقع في الماضي، كأنه تاريخ عن الإصابة بالبأساء والضراء والزلزلة.

فكأنّ القراءتين شملتا الحالتين، قبل القول وبعد القول .

والأكثرية اختاروا النصب؛ لأنّ قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكايةً عمن يخبر عنها حال وقوعها، أمّا قراءة النصب فلا تحتاج إلى هذا الفرض، لذا كانت قراءة النصب أولى.

والله أعلم .

 

السؤال الثاني:

ما دلالة الفعل ﴿وَزُلزِلُواْ﴾ في الآية؟

 

الجواب:

انظر أخي المؤمن كيف عبّر الله عن شدة المصاب بقوله ﴿وَزُلزِلُواْ﴾ وهذا الفعل يدلُّكَ على شدة اضطراب نظام معيشتهم؛ لأنّ الزلزلة تدل على تحرك الجسم في مكانه بشدة، والتضعيف في الفعل زلزلوا يدل على تكرر هذا الحدث. والفعل ﴿وَزُلزِلُواْ﴾ معناه أنهم فتنوا من أكثر من جهة ، وليس من جهة واحدة، وهو أبلغ في التعبير.

 

السؤال الثالث:

ما الفرق بين المسِّ واللمس ؟

 

الجواب:

اللمس: يكون باليد خاصةً ليُعرف اللين من الخشونة والحرارة من البرودة، والمسُّ: يكون باليد وبغيرها.

قال تعالى: ﴿مَّسَّتهُمُ ٱلبَأسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ﴾ [البقرة:214] وقال: ﴿وَإِن يَمسَسكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ﴾ [الأنعام:17] ولم يقل: يلمسك.

 

السؤال الرابع:

ما الفرق بين البأساء والضراء ؟

الجواب:

البأساء: لغة هي الشدة عموماً والمشقة والبؤس والفقر والحرب، ولكنْ أكثر ما تستعمل في الأموال والأنفس.

الضراء: لغة هي المرض في الأبدان وما يصيب الأموال.

ونقل عن ابن تيمية رحمه الله تعالى : البأساء في الأموال، والضراء في الأبدان، والزلزال في القلوب.

 

السؤال الخامس:

ما المعلومات النحوية عن الحرف (حتى) باختصار ؟

 

الجواب:

 مقدمة نحوية:

الحرف (حتى) يدخل على الفعل المضارع فينتصب بعده أو يرتفع، فهو ينصب بعده إذا كان مستقبلاً، وأمّا إذا كان حالاً أو قولاً عن الماضي فيرفع.

وتأتي (حتى) في معانٍ ثلاث مع النصب:

آ ـ انتهاء الغاية بمعنى: (إلى أنْ) نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَرجِعَ إِلَينَا مُوسَىٰ﴾ [طه:91].

ب ـ التعليل بمعنى: (كي) كقوله تعالى: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ﴾ [المنافقون:7] وكقولك: أطعتُ الله حتى أدخلَ الجنة.

ج ـ مرادفة لمعنى: (إلا أنْ) في الاستثناء.

 

السؤال السادس:

ما المعنى العام لهذه الآية ؟

 

الجواب:

ذكر الله تعالى في الآية التي سبقتها أنّ الله يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة، فبيّن الله تعالى في هذه الآية للمؤمنين أنّ هذه الفضيلة من الهداية لا يستحقونها إلا بتحمل المحن كما تحملها المؤمنون مع الأنبياء السابقين.

 

السؤال السابع:

ما دلالة حرف الاستفهام (أم) في الآية ؟

 

الجواب:

( أمْ ) حرفُ استفهام نحو: أزيد أفضل أمْ خالد؟

آ ـ وقد تأتي بمعنى (بل) والهمزة ، كما في قوله تعالى ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلمُصَيطِرُونَ﴾ [الطور: 37] والمعنى: بل أعندهم خزائن ربك .

ب ـ وقد يكون الاستفهام بها حقيقياً نحو: هذا المنطلق أحمد أم هو إبراهيم ؟

فقد بنيت كلامك على اليقين أنه أحمد، ثم أدركك الشك وسألت: بل أهو إبراهيم ؟

ج ـ وقد يكون الاستفهام بها غير حقيقي، فيراد به الإنكار والتوبيخ نحو قوله تعالى: ﴿أَمۡ لَهُ ٱلبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] .

د ـ وكذلك فإنّ (أم) المنقطعة تفيد الإضراب بل قد تتجرد له كما في قوله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ يَستَوِي ٱلأَعمَىٰ وَٱلبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَستَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ﴾ [الرعد: ١٦]. 

 

السؤال الثامن:

كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله أن يقول على سبيل الاستبعاد ﴿مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ﴾ ؟

 

الجواب:

إنّ كونه رسولاً لا يمنع من أنْ يتأذى من كيد الأعداء، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ نَعلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحِجر:97] وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤمِنِينَ﴾ [الشعراء:3] وقوله:

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱستَئَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ [يوسف:110] .

وعلى هذا إذا ضاق قلبه وقلت حيلته وهو يعلم أنّ نصر الله آتٍ- وإنْ كان لا يعرف وقته تحديداً- فماذا عليه لو سأل عن موعد ذلك النصر؟ ﴿مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ﴾ حتى إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب قلبه كما قال في الجواب: ﴿أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ فتضمن الجواب ذكر القرب؛ لأنّ السؤال كان عن قرب النصر، ولو كان السؤال عن وجود النصر من عدمه لما كان الجواب مطابقاً لذلك السؤال.

 

السؤال التاسع:

قوله تعالى: ﴿مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ﴾ إلى من يعود ؟

 

الجواب:

قوله تعالى: ﴿مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ﴾ هو قول الذين آمنوا، وقوله تعالى : ﴿أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنْ يكون جواباً من الله تعالى لهم تثبيتاً لقلوبهم.

 

السؤال العاشر:

إنْ قيل إنّ قولَه تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ يوجب في حقِّ كل من لحقته شدة أنْ يعلم أنه سيظفر بزوالها وذلك غير ثابت، فكيف ؟

 

الجواب:

آـ لا يمنع أنْ يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام.

ب ـ أو يكون ذلك عاماً؛ لأنّ الإنسان في البلاء إمّا أنْ يتخلص منه أو يموت، وإنْ مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً؛ لأنّ الموت قريب.

ج ـ هذه الآية: ﴿مَتَىٰ نَصرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ﴾ فيها استبطاءٌ ، وفيها بشرى بالنصر القريب.

والله أعلم .

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 

﴿يَسَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقتُم مِّنۡ خَيرٖ فَلِلوَٰلِدَينِ وَٱلأَقرَبِينَ وَٱليَتَٰمَىٰ وَٱلمَسَٰكِينِ وَٱبنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفعَلُواْ مِنۡ خَيرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 215]

 

السؤال الأول:

ما دلالة الآيات التي بدأت بقوله تعالى: ﴿يَسَٔلُونَكَ ؟

الجواب:

انظر الجواب في آية البقرة 189.

 

السؤال الثاني:

كرر القرآن لفظة (ماذا) في الإنفاق مرتين، فقال: ﴿ يَسَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ في آيتي البقرة 215، 219  فما دلالة هذا التكرار ؟

الجواب:

قال تعالى: ﴿ يَسَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ   فجاء بـ(ماذا)، وهذا يدل على المبالغة في الاستفهام؛ ولذلك ـ والله أعلم ـ كرّر السؤال مرتين، مرة في الآية 215، ومرة في الآية 219، فمرة أجاب عن السؤال ببيان أوجه الإنفاق المشروعة، ومرة أجاب عنه بنوع المال الذي ينفق، فكرر السؤال مرتين، وأجاب عنه مرتين، لأهمية السؤال؛ ولذا جاء بـ (ماذا) بدل (ما) لأنّ (ماذا) أبلغ وأقوى مِن (ما).

 

السؤال الثالث:

 قوله تعالى في الآية: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ما الفرق بين: عالم وعلّام وعليم؟

 

الجواب:

  كلمة (عالم)  في القرآن لم ترد إلا مع (عالم الغيب) مفرداً أو (عالم الغيب والشهادة) عِلماً أنها وردت في (14) موضعاً في القرآنِ ولم تَرِد بمعنىً آخر، و ( عالم )  اسم فاعل لا يدل على الكثير عادة، فاستعملها بالمفرد الذي لا يدل على التكثير.

شواهد قرآنية: مقترنة بالغيب أو بالغيب والشهادة:

ـ ﴿ عَٰلِمُ ٱلغَيبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَىٰ غَيبِهِۦٓ أَحَدًا [الجن:26] .

ـ ﴿ عَٰلِمُ ٱلغَيبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلحَكِيمُ ٱلخَبِيرُ [الأنعام:73] .

 

(علّام )خصّصها للغيوبِ، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلغُيُوبِ [التوبة:78] ولا تجد كلمة (علّام )في القرآن في غير ﴿ عَلَّٰمُ ٱلغُيُوبِولم ترد إلا مع الغيوبِ ـ جمع الغيب  ـ مجموعةً، والعلاّم كثرة والغيوبُ كثرة .

ومثل ذلك (سمّاع وسميع) في القرآن:

آ ـ سمّاع، استعملها في الذمِّ، كقوله تعالى:

ـ ﴿ سَمَّٰعُونَ لِلكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأتُوكَۖ [المائدة:41] .

ـ ﴿ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ [التوبة:47] .

ب ـ و(سميع) استعملها تعالى لنفسه ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ [البقرة:224] واستعملها في الثناء على الإنسان ﴿ إِنَّا خَلَقنَا ٱلإِنسَٰنَ مِن نُّطفَةٍ أَمشَاجٖ نَّبتَلِيهِ فَجَعَلنَٰهُ سَمِيعَا بَصِيرً [الإنسان:2] وسمّاع لم يستعملها إلا في الذم، إذن القرآن يخصص في الاستعمال.

 

لفظة ( عليم) مطلقة، ويستعملها في كل المعلومات:

آـ على سبيل الإطلاق ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٞ [البقرة:29] يستعملها إما للإطلاق على الكثير.

ب ـ أو يطلقها بدون تقييد ﴿ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ [البقرة:247] .

ج ـ أو يستعملها مع الجمع أو فعل الجمع.

 شواهد قرآنية: قوله تعالى:

 ـ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلقٍ عَلِيمٌ [يس:79] هذه مطلقة و(كل ) تدل على العموم .

 ـ ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٞ [البقرة:29] هذا إطلاق أو على العموم.

 ـ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ [البقرة:115] ﴿ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ [البقرة:247] ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَلِيمُ ٱلحَكِيمُ٣٢ [البقرة:32] .

 ـ ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ [البقرة:95] ﴿ فَإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلمُفسِدِينَ [آل عمران:63] ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلمُتَّقِينَ [آل عمران:115] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ [آل عمران:119] مع الجمع نحو (المتقين، المفسدين، الظالمين، بذات الصدور) .

ـ ﴿ وَمَا تَفعَلُواْ مِنۡ خَيرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ [البقرة:215] بفعل الجمع، فلم يقل مثلاً :  (وما تفعل من خير).

ـ ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعمَلُونَ [يوسف:19] ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٞ [النور:28] للجمع أو فعل الجمع.

 

إذن كلمة ( عليم) لم تحدد بشيء معين، إمّا للعموم أو كونها مطلقة من كل شيء أو مع الجمع أو مع فعل الجمع، ولم يأت مع متعلق مفرد مطلقاً في القرآن، لذلك لا تجد: عليم بفلان، أو بفعل فلان.

بينما (علاّم) محددة، و(عالِمٌ) محددة. وإذا أراد أحدهم أنْ يدرس هذه الاستعمالات تدرس في باب تخصيص الألفاظ القرآنية، وهذه ظاهرة في القرآن .

 

السؤال الرابع:

  ما دلالة هذه الآية ؟  

 

الجواب:

  هذه الآية نزلت في نفقة الرجل على أهله وأرحامه ، وهو سؤال عن المُنفَق والمُنفَق عليه ، ونزلت في الصدقة يُتصدق بها على المحتاجين .

 

  عمرو بن الجموح كان رجلاً كبيراً كثير المال ، فسأل النبي عليه السلام بماذا نتصدق ؟ وعلى من نُنفق ؟ وقد تكرر هذا السؤال من قبل بعض الصحابة ، فأنزل الله سبحانه  مبيناً الأَوْلى بالنفقة فالأَوْلى ، وأنّ النفقة تكون بما تيسر لهم من الخير من أصناف المال الحلال الطيب .

 

3 ـ راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدّم الوالدين لعظم حقهما ، ثم ذكر الأقربين ، ثم اليتامى والمسكين وابن السبيل .

 

4 ـ قوله تعالى : ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في الإنفاق، لأنّ تباهي النفس بالإنفاق يفسد الصدقة حيث لا بدّ معها من الإخلاص  . والله أعلم .

 

 

1441686555.png&key=82d8c19562473eb6dd500

 

 

الحُكم التشريعي الحادي عشر في السورة : حُكم القتال في سبيل الله

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ٢١٦﴾ [البقرة: 216]

 

السؤال الأول:

جاء الفعل (كُتِبَ) في الآية بصيغة المبني للمجهول. فما دلالة ذلك ؟

 

الجواب:

استعمال (كُتِبَ) فيه شدة ومشقة وما يستكره من الأمور عموماً؛ ولذلك عندما يقول: كُتب عليكم، يكون أمر فيه شدة ومشقة وإلزام، والقتال كله شدة وكره فناسب المبني للمجهول، وهذا هو خط القرآن في ذلك . [راجع الآية 183 ].

 

السؤال الثاني:

ما الفرق بين كلمة الكَره - بفتح الكاف- والكُرهِ بضمها- ؟

 

الجواب:

  الكَره - بفتح الكاف- هو ما يأتي من الخارج، ويقابله الطوع، كما في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ١١) [فُصِّلَت:11] .

﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ١١﴾ [فصلت: 11]

 

أما الكُره - بضم الكاف - فهو ما ينبعث من الداخل، كما قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ٢١٦) [البقرة:216] جاءت كلمة الكُره؛ لأنّ الإنسان بطبيعته يكره القتال، وكذلك في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا  حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا  ) [الأحقاف:15] الحمل في نفسه ثقيل وكذلك آلام الوضع والحمل، وأي إنسان لا يريد المشقة لنفسه أصلاً.

 

السؤال الثالث:

ما دلالة الفعل (عسى) في القرآن؟

 

الجواب:

 آـ عسى في القرآن: للترجي وللتوقع، ومن معناها أيضاً الطمع فيما يستقبل والإشفاق ألا يكون، والفيصل في تحديد المعنى هو السياق.

والكثير في خبرها أنْ يكون فعلاً مضارعاً مقترناً بأنْ، وذلك أنها لمّا كانت للاستقبالِ جاؤوا بأنْ الدالة على الاستقبال فأدخلوها على الخبر، فإذا أرادوا أنْ يقربوها من الحال حذفوا (أنْ)، وهو قليل.

ولذلك يفهم أنّ الحرف (أنْ) مؤذن بتراخي الفعل .

 

واستعملت عسى على وجهين:

فعل ماض جامد مسند إلى اسم ظاهر، كقوله تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ  ) [الإسراء:8] وهنا للترجي، أو إلى ضمير بارز، كقوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) [محمد:22] وهنا للتوقع.

 

فعل ماض جامد مسند إلى( أنْ والفعل) كقوله تعالى: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  ) [البقرة:216] .

ب ـ وقال بعضهم: في القرآن الكريم بشكل عام تأتي (عسى) من الله بمعنى الحصول والتأكيد

كما في قوله تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ٢٢) [القصص:22]،

ج ـ و عندما تأتي ( عسى )  للطمع فيما يستقبل والإشفاق ألا يكون كما في سورة البقرة: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ  وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ  ) [البقرة:216] فينبغي أنْ تتوقع فيما تحب أنْ يكون فيه شر، وأن تتوقع أنه قد يكون خير فيما يكره.

د ـ وقد تأتي للتوقع كما في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ٢٢) [محمد:22] . والفيصل في تحديد المعنى هو السياق، والمعجم يعطي معنى الكلمة مفردة، ولا يصح الاستناد إلى المعجم وحده للفهم .

 

السؤال الرابع:

كلمة (الْقِتَالُ) في الآية هي إحدى كلمات منظومة الجهاد في القرآن. فما كلمات تلك المنظومة ؟

الجواب:

كلمات منظومة الجهاد الواردة في القرآن هي:

 

الحرب: 

 تعني الجهاد العسكري بهدف الاستيلاء على ثروات الآخرين، والحرب الإسلامية لا تكون إلا عند الاعتداء على العقيدة أو الأرض أو العِرض أو الممتلكات .

 

* شواهد قرآنية :

 (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) [البقرة:279].

(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ  ) [المائدة:33].

(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ )  [الأنفال:57].

وآية المائدة 33 في قطاع الطرق الذين يسلبون أموال الناس وممتلكاتهم فاستعمل (يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولو قال:(يقاتلون) بدل (يحاربون) لشملت الآية كل من يخيف المارة.

وآية البقرة (279) هي آية الربا فقال: (بِحَرْبٍ)  ، ولم يقل: بقتال؛ لأنهم سلبوا ما في أيدي الناس من مال.

 

القتال:

وهي الحرب بقصد إزهاق أنفس العدو.

* شواهد قرآنية :

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ) [البقرة:216].

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ  ) [الأنفال:65].

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الأحزاب:25].

(فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ)[محمد:20].                                                                                                                                                                                                     

 البأس:

هو الحرب بقصد التمكن الكامل بالعدو والانتقام الشديد وكسر النفس.

* شواهد قرآنية:

(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ  ) [البقرة:177].

 (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ  ) [الحشر:14].

 

الزحف:

هو الجيش المتثاقل البطيء لضعفه وقلة قدرته على قتال العدو، والهروب في هذه الحالة من الكبائر.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ١٥) [الأنفال:15].

 

الغزو:

إذا كنت في أرضك فأنت مقاتل مدافع، ولكن عندما تضطر لنقل المعركة إلى العدو يُسمى هذا غزواً.

(  إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى) [آل عمران:156].

 

النفير:

هو جيش النجدة لمساعدة الجيش الأصلي، وهو فرض على النساء والأطفال والشيوخ.

والنفرة مأخوذة من سرعة الهجوم، ولذلك سُمِّيَ الخروجُ من عرفاتٍ إلى المزدلفة نفرةً.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا٧١) [النساء:71].

(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) [التوبة:41].

 

البغي:

هو الحرب غير المشروعة، والتي ليس لها سبب.

(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ٣٩) [الشورى:39].

(فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ  ) [يونس:23].

 

الجهاد: ويشمل كل ما سبق، وهو عام.

 

* شواهد قرآنية :

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) [التوبة:16].

 (  أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) [التوبة:24].

 (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا) [النحل:110].

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنفال:74].

(  وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ٣٥) [المائدة:35].

 

السؤال الخامس:

ما دلالة هذه الآية ؟

 

الجواب:

فرض الله القتالَ على المسلمين بهذه الآية بعد الهجرة للمدينة ، بعد أن قوي المسلمون واشتد عُودهم ، وبعد أن كان غير مأذون به في مكة ،  وأخبر سبحانه أنّ القتال مكروه للنفوس لما فيه من المخاوف والمخاطر ، ولكنه في الواقع خيرٌ محض ، لما فيه من عظيم الثواب والنصر على الأعداء .

 

قد تكرهون شيئاً وهو خير لكم ، وقد تحبون شيئاً بسبب الراحة أو اللذة العاجلة وهو شر لكم ، والله يعلم ما هو خيرٌ لكم وأنتم لا تعلمون ذلك ، لذا بادروا إلى الجهاد .

 

3 ـ ( عسى ) فعل ماض جامد لإنشاء الترجي ، وهي هنا تامة ، وذلك مطرد مع عسى وأوشك إذا وليتها (أن) .

 

4 ـ في الآية طباق بين الحب والكُره ، وبين الخير والشر .

 

5 ـ الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة ، وهو ذروة سنام الإسلام . قال عليه الصلاة والسلام : ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ) [صحيح البخاري 2783] .

 والله أعلم .

 

 

 

1441686555.png&key=82d8c19562473eb6dd500

 

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 217]

 

السؤال الأول:

ما دلالة الآيات التي بدأت مثل هذه الآية بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ ؟.

 

الجواب:

انظر الجواب في آية البقرة 189.

 

السؤال الثاني:

ما دلالة قوله تعالى في الآية: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ؟

 

الجواب:

أثير انتباهك أخي المؤمن إلى هذه اللفتة الإلهية، فالله تعالى أخبرنا بأنّ الكافرين مستمرُّون على زعزعةِ إيماننا وإخراجِنا من دوحةِ الإسلام ما قُدِّر لهم ذلك، ولاحظ قوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا فقد قيّد قُدرَتهم على إخراجِكَ من الدين، بقوله: ﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا وهذا احتراسٌ لئلا يظنَّ السامع أنّ المؤمن سهلٌ إخراجُه عن إيمانِه، فاستعملَ تعالى حرفَ الشَّرطِ ( إنْ ) وهو يدلُّ على الشَّكِّ لا اليقينِ ليطمئن أنّ استطاعتهم في ذلك ولو على آحاد المسلمين أمر بعيد المنال لهم؛ لقوة الإيمان التي تتغلغل في القلب فلا يفارقه.

 

السؤال الثالث:

قوله تعالى في الآية: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ  لِمَ استعمل (الفاء) بدل (ثم)؟

 

الجواب:

استعمل حرف العطف (الفاء) في قوله: ﴿فَيَمُتْ وهو حرف يفيد الترتيب والتعقيب ولم يستعمل (ثم) التي تفيد التراخي والمهلة في الزمن؛ أي قال: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ولم يقل: (ثم يمت وهو كافر). فما السبب؟ ونحن نعلم أنّ معظم المرتدين لا تحضر آجالهم عقب الارتداد بل قد يعمّر المرتد طويلاً، والفاء تفيد الترتيب، والتعقيب: أنْ يقع الأمران متعاقبين متتاليين، فما وجه استعمال الفاء إذن؟ في هذا ارتباط بديع يتمثل في أنّ المرتد يُعاقب بالموت عقوبة شرعية، فإنْ ارتدّ يُقتل حدّاً. والله أعلم .

 

السؤال الرابع:

لماذا جاءت ﴿يَرْتَدِدْ بفك الإدغام؟

 

الجواب:

فكّ الإدغام يكون مع الجزم، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217] وهذا يسري على جميع المضعّفات في حالة الجزم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر.

 

السؤال الخامس:

كلمة (قتال) تعرب بدلاً في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [البقرة:217]، فهل البَدَل يفيد التوكيد؟

 

الجواب:

للبدل أنواع منها: الاشتمال والتخصيص والمدح والذمّ والتوكيد والتفخيم والإيضاح و غيره.

وفي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ    [البقرة:217] ( قتال )    تُعرب بدل اشتمال، ولا يجوز إعرابها عطف بيان، لأنهما اختلفا تنكيراً وتعريفاً وفُقِد الشرط.

 

السؤال السادس:

هل كل ما جاء عطف بيان يُعرب بدلاً؟

 

الجواب:

عطف البيان هو قريب من البدل، تقول مثلاً: أقبل أخوك محمد، (محمد) يمكن أنْ تُعرب بدلاً أو عطف بيان.

 لكنْ هنالك مواطن ينفرد فيها عطف البيان عن البدل، وقسم من النحاة يذكرون الفروق بين عطف البيان والبدل، ثم يقول أشهر النحاة بعد ذكر هذه الفروق:" لم يتبين لي فرق بين عطف البيان والبدل".

عطف البيان على أي حال قريب من البدل، ويصح أنْ يُعرب بدلاً إلا في مواطن:

آـ عطف البيان لا يمكن أنْ يكون فعلاً، بينما البدل قد يكون فعلاً.

ب ـ عطف البيان لا يمكن أنْ يكون مضمراً أو تابعاً لمضمر (ضميراً أو تابعا لضمير)، بينما البدل يصح أنْ يكون كذلك.

ج ـ عطف البيان لا يمكن أنْ يكون جملة ولا تابعاً لجملة، بينما البدل يمكن أنْ يكون كذلك.

وهناك مسألتان أساسيتان يركزون عليهما:

1.    البدل على نيّة إحلاله محل الأول.

2.   البدل على نية تكرار العامل أو على نية من جملة ثانية.

فإذا قلنا: (يا أيَّها الرجلُ غلامُ زيد) لا يمكن أنْ يكون (غلام) بدلاً، لأننا لو حذفنا (الرجل) تصير الجملة: يا أيها غلام زيد، وهذا لا يصحّ.

 

السؤال السابع:

قال هنا في الآية 217: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وقال في الآية 191: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ  

فما سبب ذلك؟ وما دلالته ؟

 

الجواب:

انظر الجواب في آية البقرة 191.

 

السؤال الثامن:

ما الدروس المستفادة من هذه الآية باختصار ؟

 

الجواب:

الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم هم المشركون ليعيِّروه بذلك بأنهم استحلوا القتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، وهذا هو قول الأكثرية من المفسرين.

وقيل: إنهم المسلمون سألوا الرسول عن ذلك ليعلموا الحكم، فأخبرهم الله أنّ الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة في الدين أكبر من القتل والقتال في الشهر الحرام وفي الحرم.

المعنى المختصر للآية: لمّا كان الأمر بالقتال في الآية السابقة شاملاً عاماً لجميع الأشهر دون تحديد ، بيّن الله سبحانه في هذه الآية أنّ القتال في الشهر الحرام على سبيل الدفع جائز.

قوله تعالى في آية البقرة 217: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا أي: سوف يبقون محاولين ردكم عن الإسلام، وقوله: (إنْ استطاعوا) استبعاد لاستطاعتهم.

لما بيّن تعالى غرضهم من تلك المقاتلة وهو أنْ يرتد المسلمون عن دينهم، ذكر بعده وعيداً شديداً على الردة، فقال في نفس الآية217: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ.

 

السؤال التاسع:

نكّرت كلمة ﴿قِتَالٞفي الآية مرتين فما دلالة ذلك؟ وما إعراب ﴿قِتَالٖ؟

 

الجواب:

قوله تعالى: ﴿قِتَالٖ بدل اشتمال، وخفض على البدل من الشهر الحرام، ومثله قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج:4-5].

قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ فيه مسألتان:

آـ قتال مبتدأ وهو نكرة خُصصت بقوله ﴿فِيهِ و ﴿كَبِيرٞۚ خبر ومعنى كبير هنا هو عظيم.

ب ـ نكّر القتال في المرتين، واللفظ النكرة إذا تكرر كان المراد بالثاني غير الأول، نحو: رأيت رجلاً وأكرمت رجلاً، فالرجل الثاني غير الأول.

والقوم أرادوا بسؤالهم ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ أي ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش فقال الله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وفيه تنبيه على أنّ القتال الكبير ليس هو الذي سألتم عنه؛ لأنّ هذا القتال كان الغرض منه نصرة الإسلام وإذلال الكفر، بل هو قتال آخر يهدف لهدم الإسلام وتقوية الكفر، فعبّر سبحانه بالتنكير في المرتين ليبين الفرق بين القتالين وأنهما ليسا متماثلين، ولو عرف الثاني لبطلت هذه الفائدة الجليلة.

وقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ كلها مرفوعة بالابتداء، والخبر: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ .

والمعنى أنّ القتال الذي سألتم عنه وإنْ كان كبيراً إلا أنّ هذه الأشياء أكبر منه.

 

السؤال العاشر:

على أي شيء عطف قوله تعالى ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ في الآية ؟

 

الجواب:

عَطْف قوله تعالى ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ذكروا فيه وجوهاً:

آـ عطف على الهاء في ﴿ بِهِۦ .

ب ـ عطف على ﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ وهو قول الأكثرية، وهذا متأكد بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ ٢٥[الحج: 25].

ج ـ عطف على ﴿ٱلشَّهرِ ٱلحَرَامِ بتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام.

د ـ بتقدير إضمار حرف جر، أي بتقدير: وكفر به وبالمسجد الحرام .

وعند البصريين وهو ما اختاره الزجاج أنّ قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ كلها مرفوعة بالابتداء، والخبر ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ .

والمعنى: أنّ القتال الذي سألتم عنه وإنْ كان كبيراً إلا أن هذه الأشياء أكبر منه.

 

السؤال الحادي عشر:

ما الصدُّ؟ وما الفتنة المذكورة في الآية ؟

 

الجواب:

الصد: هو الصد عن الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو صدّ المسلمين بشكل عام.

الفتنة: هي الكفر أو ما كانوا يفتنون به المسلمين عن دينهم بالشبهات والتعذيب والإشاعات.

 

السؤال الثاني عشر:

قوله تعالى في الآية: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ما أصل الحبط في اللغة ؟

 

الجواب:

أصل الحبط في اللغة: أنْ تأكل الإبل شيئاً يضرها فتهلك، والمراد من إحباط العمل، أي: بطلانه لفساده.

 

السؤال الثالث عشر:

ما دلالة الصيغة الاسمية في قوله تعالى في الآية: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ؟

 

الجواب:

جاء بالصيغة الاسمية للعذاب في الآخرة للدلالة على الاستمرار والثبات، وقال تعالى: ﴿هم لتخصيصهم ولتأكيد خلودهم في النار. والله أعلم.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: 218]

 

 السؤال الأول:

قال تعالى عن المهاجرين: ﴿ هَاجَرُواْ ولم يقل: (هجروا) مثلاً فهل من فرق بين اللفظين؟

 

الجواب:

استعمل القرآن كلمة (هاجروا) دون (هجروا)؛ لأنّ (هاجر) تنشأ عن عداوة بين الجانبين، فكلٌّ من المنتقِل وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والمنتقَل عنهم وهم المشركون في مكة، كلٌّ قد هجر الآخر وقلاه وطلب بُعده.

 

السؤال الثاني:

ما دلالة قوله تعالى في الآية: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ؟

 

الجواب:

عددت الآية ثلاثة أصناف من الناس:

1- ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ  2- ﴿ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ   3- ﴿ وَجَٰهَدُواْ .

والذين آمنوا إيماناً خالصاً لوجه الله وهاجروا لنصرة الدين وجاهدوا لإعلاء كلمة الإسلام، هؤلاء قد فعلوا كل ذلك وهم يرجون رحمة الله .ولا شك أنّ هذه الأمور الثلاثة هي مدار العبادة وعُنوان السعادة .

ولقائل يسأل: أليست الرحمة مسألة يقينية عندهم؟

والجواب: ليس للعبد عند الله أمر متيقن، فما أدراك أنك لم تُحسن التوبة أو أنك لم تتيقن من استحضار نية الإخلاص لله في عملك ، أو حدثتك نفسك بشيء أفسد عليك عملك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وسيد الموصولين بربهم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يُرفع ودعاء لا يُسمع».[ رواه النسائي في صحيحه 5470 ] .وعظمة الرب أنك تدعوه خوفاً وطمعاً، إنْ رغبت فيه ولم ترهبه فأنت ناقص الإيمان، وإنْ رهبت فيه ولم ترغب فإيمانك ناقص أيضاً، لذلك لا بدّ من تلازم الرهبة والرغبة.

 

ولقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ دخول الجنة لا يكون بالأعمال وحدها ولكن بفضل الله ورحمته ومغفرته، فهو يقول: « لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ قالوا: ولا أنْتَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ منه بفَضْلٍ ورَحْمَةٍ ». [ صحيح مسلم 2816] .

لذلك فالمؤمن يرجو رحمة ربه، ولا يشترط على الله وهو يتجه بعمله خالصاً لله ويرجو التقبل والمغفرة والرحمة.

 

السؤال الثالث:

ما دلالة الفرق في رسم كلمتي : ﴿ هَاجَرُواْ بالألف الصريحة و﴿ وَجَٰهَدُواْ بحذف الألف الوسطية  في الآية ؟

 

الجواب:

ورد الفعل  ﴿ هَاجَرُواْ ﴾ و﴿ يُهَاجِرُواْ     وملحقاته في القرآن الكريم (17) مرة كلها بالألف الصريحة ، ويوحي وجود الألف الوسطية في الفعل أنّ الهجرة تستلزم الانتقال والانفصال عن المكان ، فكأنّ وجود الألف الوسطية الفاصلة في منتصف الكلمة تعبر عن هذا الانفصال .

 

أمّا الفعل﴿ وَجَٰهَدُواْ  و﴿ يُجَٰهِدُواْ  وملحقاته فقد ورد في القرآن الكريم حوالي (27) مرة كلها بدون ألف ، و يوحي عدم وجود ألف وسطية في الفعل بأنّ الجهاد لا يعني فقط القتال والانتقال إلى مكان المعركة ، إنما يعني في الدرجة الأولى قرب وارتباط فريضة الجهاد إلى قلب المؤمن  ، إضافة إلى جهاد النفس ، الذي بينه حديث الرسول عليه السلام في جهاد النفس ، والله أعلم .

 

السؤال الرابع:

ما دلالة رسم كلمة ﴿ رَحمَتَ الواردة في الآية بالتاء المفتوحة ، علماً أنها رسمت بالتاءالمربوطة

 ﴿ رَحمَةًۚ ﴾ في مواضع أخرى من القرآن الكريم ؟   

 

الجواب:

وردت كلمة﴿ رَحمَةًۚ   بالتاء المربوطة (72) مرة في القرآن الكريم ، ووردت ﴿رَحمَتَ بالتاء المفتوحة (7) مرات فقط في القرآن الكريم في الآيات :[ البقرة 218 ـ الأعراف 56 ـ هود 73 ـ مريم 2 ـ الروم 50 ـ الزخرف 32 (مرتان ) ] .

وعندما ترد﴿ رَحمَتَ  بالتاء المفتوحة ، فإنّ ذلك يعني خصوصية هذه الكلمة وأهميتها ودلالتها غير العادية حين تدبر الآية التي وردت بها والسياق المحيط بها  وتعني الرحمة الخاصة لبعض الخلق ،وهم الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ، والمحسنون ، وأهل البيت ، وزكريا ، وإحياء الأرض بعد موتها . أمّا بالتاء المربوطة﴿ رَحمَةًۚ    فهي توحي بالرحمة العامة .

ومن الجدير بالذكر أنّ جميع السور التي جاءت فيها كلمة بالتاء المفتوحة ﴿ رَحمَتَ   يوجد في أولها الحروف المقطعة ، وكأنّ هذه الحروف المقطعة قد يكون من ضمن معانيها الرحمة الخاصة لعباد الله المؤمنين .

وللعلم فإنّ كلمتي : ﴿ رَحمَتَ ٱللَّهِۚ﴾ و﴿ رَحمَتِ رَبِّكَ    معاً  عددها (7) في القرآن الكريم كله ، وهو يساوي عدد كلمة ﴿ رَحمَتَ   بالتاء المفتوحة .

وشبيه بهذا  رسم كلمة: [﴿لَعنَةَ ﴿ لَّعنَتَ ] و كلمة: [﴿ٱمرَأَةٞ ﴿ ٱمرَأَتُ ] و كلمة: [﴿كَلِمَةٞ ﴿ كَلِمَتُ ]. والله أعلم .

 

 

الحكم التشريعي الثالث عشر : التدرج في تحريم الخمر

الحكم التشريعي الرابع عشر : إصلاح مال اليتيم

 

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ 219 فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ220 [البقرة: 219-220]

 

السؤال الأول:

 ما أهم دلالات هاتين الآيتين ؟

 

الجواب:

في الآية ( 219 ) قرأ حمزة والكسائي ( إثم كثير ) بالثاء المثلثة ، والكثرة باعتبار الآثمين من الشاربين والمقامرين ، وقرأ الباقون ( إثم كبير ) بالباء الموحدة .

2 ـ هذه الآية هي سؤال الصحابة الرسول عليه السلام عن الخمر شرباً وبيعاً وشراء وتعاطياً.

3 ـ الخمر من المخامرة وهي المخالطة ، وسُميت الخمر خمراً لأنها تخالط العقل وتستره وتخفيه ، وكأنّ الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من الإنسان وبهيميته العجماء ،  وأمّا اشتقاق الميسر فهو من اليسر في كسب المال من غير كدّ ولا تعب ، أو هو من اليسار وهو الغنى .

4 ـ  تحريم الخمر كان على سبيل التدرج ، ونزل تحريم الخمر في أربع آيات تمثل أربع مراحل في طريق التحريم :

آ ـ قوله تعالى : ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ٦٧ [النحل: 67] فوصف الرزق بأنه حسن ، فأثنى عليه ، وسكت عن الخمر ، وفي هذا تعريض بالذم غير مباشر

ب ـ قوله تعالى : ﴿ يَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ٢١٩ [البقرة: 219] فبيّن الله سبحانه أنّ في الخمر والميسر منافع دنيوية ، لكنه كسب حرام غير مشروع ، والإثم أكبر من النفع .

ج ـ قوله تعالى : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ [النساء: 43] فمنع شرب الخمر في الصلاة ، والصلوات الخمس تتخلل الليل والنهار .

د ـ قوله تعالى : ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ٩٠إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ٩١ [المائدة: 90-91]   فلمّا نزلت هذه الآية قال الصحابة وفيهم عمر : انتهينا ربنا انتهينا . وكان ذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام  ، وتركوا الخمر من فورهم .

5 ـ وقد لعن الإسلام في الخمر عشرة : عاصرها ، ومعتصرها ، وشاربها ، وساقيها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وبائعها ، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها .

6 ـ الآية ( 220 ) : فيها أمر من الله أن يفعل المسلمون الخير للأيتام  دائماً، وأن يصلحوا أموالهم : حفظاً وصيانة واستثماراً  وتنمية.

7 ـ قوله تعالى : ﴿ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ الإعنات الحملُ على مشقة لا تطاق ، أي : ولو شاء الله لكلّفكم ما يشتد عليكم

8 ـ قوله تعالى ﴿ والله يعلم ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ ﴾ فيه وعيد لمن يفسد أموال اليتامى وأوضاعهم وشؤونهم .

 

السؤال الثاني:

 لِمَ قال تعالى: ﴿ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ ولم يقل: إصلاحهم في الآية ؟

 

الجواب:

انظر إلى عظيم عناية الله تعالى ولطفه بعباده الضعفاء. ويتجلّى هذا اللطف في قوله تعالى: ﴿ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ حيث قال: ﴿ لَّهُمۡ ولم يقل: إصلاحهم، لئلا يظن الإنسان أنه ملزم بإصلاح جسده ورعاية جسمه والعناية به وحسبُ ثم يهمل ما عداه، لا. فأنت أيها الكافل اليتيم مأمور بإصلاح ذاته وروحه وعقيدته وخلقه وكل ما يتعلق به.

 

السؤال الثالث:

 قوله تعالى: ﴿ ٱلۡعَفۡوَۗ جاء فيه قراءتان، بالنصب وبالرفع، فما إعراب كل حالة ؟ وهل الفعل ( يسألونك ) يتعدى إلى مفعولين أم إلى مفعول واحد؟

 

الجواب:

1ـ الفعل ( يسألونك ) قد يتعدى لمفعولين إذا كان السؤال بمعنى طلب المال ، نحو : (من سأل الله شيئاً أعطاه ) ، وأما إذا كان السؤال استفهاماً فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، كما في قول الله : ( يسألونك عن الساعة ).

 

2 ـ قرأ أهلُ الحرمين وأهلُ الكوفة بالنصب ، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر وابن أبي اسحاق ( قل العفوُ ) بالرفع. قال أبو جعفر: إنْ جعلتَ "ذا" بمعنى (الذي) كانَ الاختيارُ الرفعَ وجاز النصبُ، وإنْ جعلتَ (ما) و(ذا) شيئاً واحداً كان الاختيارُ النصبَ وجاز الرفعُ، وحكى النحويون: ماذا تعلمتَ أنحواً أم شعراً؟ بالنصب والرفع على أنهما جَيدانِ حَسَنانِ ، إلا أنّ التفسير في الآية يدلّ على النصب. قال ابن عباس: (العفو) ما يفضل عن أهلك، فمعنى هذا: ينفقون العفو، وقال الحسن: المعنى: قل أنْفقُوا العفو.

 

فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ ، و(ذا) اسم موصول بتقدير : ما الذي ينفقونه ؟ والجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأمّا النصبُ فعلى تقدير: (ماذا) اسم استفهام في محل نصب (مفعول به مقدم) بتقدير: ( أي شيء ينفقون ) ، فتكون كلمة ( العفوَ ) تعني : (قل أنفقوا العفوَ) ، أو: (قل تنفقون العفوَ) ، أي أنّ الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها، لأنّ الجواب مبني على السؤال ، فهنا كلمة: (ما) مفعولية أو استفهامية، وهي التي فُسرت بكلمة (العفو) ،  فالسؤال كان : ما الذي ينفق ؟ وكان الجواب : ( العفو) ، فلما كانت تفسيراً لها كان لها حكمها في الإعراب ، فإنْ نَصبتَ ( ماذا ) فانصب ( العفوَ ) وإنْ رَفعتَ ( ماذا ) فارفع ( العفوُ ) ، وباختصار: إمّا مفعول به منصوب على قراءة الفتح ، أو خبر مرفوع على قراءة الرفع ، والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحكم التشريعي الخامس عشر : زواج الوثنيات واهل الكتاب

 

﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)﴾ [البقرة: 221]

 

السؤال الأول:

ماذا تفيد اللام في قوله تعالى في الآية ﴿ وَلَأَمَةٞ  ﴿ وَلَعَبۡدٞ ؟

 

الجواب:

قد تدخل اللام على المبتدأ وتسمى لام الابتداء وهي تفيد التوكيد كما في هذه الآية.

 

السؤال الثاني:

قوله تعالى في الآية: ﴿ ءَايَٰتِهِۦ وفي آيات أخرى يقول: ﴿ ٱلۡأٓيَٰتِ [البقرة:118] فما الفرق ؟

 

الجواب:

كلمة (الآيات) عامة من حيث اللغة ، وأمّا (آياته) فخاصة حيث الإضافة إلى ضمير الله سبحانه وتعالى فيها تشريف وتعظيم.

لمزيد من التفصيل انظر الجواب في السؤال الرابع في آية البقرة 187 .

 

السؤال الثالث:

ما دلالات هذه الآية  ؟

 

الجواب:

تحدثت سورة البقرة في اثنتين وعشرين آية ابتداء من هذه الآية وحتى الآية ( 243 ) عن بعض أحكام الزواج والمعاشرة والإيلاء والطلاق والعِدّة والنفقة والرضاعة وغير ذلك من شؤون الأسرة ، وبدأ الحديث عن موضوع الزواج .

كان المسلمون مختلطين مع المشركين الوثنيين آنذاك في المدينة ، ولربما رغب أحد المسلمين بالزواج منهم أو العكس ، فنزلت هذه الآية لتبين الحكم .

3 ـ النكاح في الأصل هو الوطء ، ثمّ غلب على عقد النكاح .

4 ـ هذه الآية تحرم زواج المسلم من الوثنية ومن في حكمها ، كالبوذية  والسيخية وعابدة البقر، ونحو ذلك ممن لا يؤمنون برسالة سماوية ، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر .

هناك فرق بين الوثنية وأهل الكتاب ، وكلاهما يُوصف بالشرك والكفر .

6 ـ خصصت آية المائدة في إباحة الزواج من نساء أهل الكتاب ، بقوله تعالى : ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ [المائدة:5] .

7 ـ قوله تعالى في الآية : ﴿ وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ   بفتح التَّاء هنا، وبضمها في قوله: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ   [البقرة: 221]   لأنّ الأول من ( نَكَحَ ) وهو يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، والثاني من ( أنْكَحَ ) وهو يتعدَّى إلى اثنين، الأول في الآية ( المشركين )، والثاني محذوفٌ وهو ( المؤمنات )، أي لا تنكحوا المشركين النساء المؤمنات حتى يؤمنوا.

8 ـ بشكل عام يحرم على المسلمة أن تتزوج المشرك ، ويحرم على المسلم أن يتزوج مشركة ، وأباح له الزواج  بنساء أهل الكتاب .

9 ـ  قوله تعالى ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ٢٢١   فالله يدعو عباده إلى الدين الحق المؤدي بهم إلى مغفرة الذنوب وإلى الجنة . والله أعلم .

 

1441686555.png&key=82d8c19562473eb6dd500

الحكم التشريعي السادس عشر : تجنّب النساء في المحيض

 

﴿وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ [البقرة: 222 ]

 

السؤال الأول:

ما الوجه البلاغي لكلمة (أذى) في الآية: ﴿وَيَسۡ‍َٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى ؟

 

الجواب:

انظر إلى هذه الدقة والإعجاز العلمي، فقد أطلق الله سبحانه وتعالى الأذى ولم يقيّده، فقال (هو أذى) ولم يقل (هو أذى لكم) أو (لهنّ) فهل لهذا التعبير من سبب؟ نعم لأنّ جماع المرأة أثناء حيضها أذى للرجل يسببه الدم الفاسد، وفيه أذى للمرأة ومرض، وفيه أذى للطفل، والأطباء يقولون: إنّ الجنين إذا تكوّن بجماع خلال الحيض قد يصاب بمرض الجذام.

 

السؤال الثاني:

ما دلالة المتطهّرين في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ ؟

 

الجواب:

الذي يبدو والله أعلم أنّ ﴿ ٱلۡمُطَهَّرُونَ٧٩ [الواقعة:79] هم الملائكة؛ لأنه لم ترد في القرآن كلمة (المطهرين) لغير الملائكة، (والمُطهّر) اسم مفعول وهي تعني: مُطهّر من قِبَل الله تعالى.

 وبالنسبة للمسلمين يقال لهم: (متطهرين أو مطّهّرين) كما في هذه الآية، و(متطهرين) هي بفعل أنفسهم، أي: هم يطهرون أنفسهم.

 

السؤال الثالث:

قال تعالى في هذه الآية البقرة: 222 ﴿ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ بالتاء، وقال في آية التوبة: 108 ﴿ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ١٠٨ بالتشديد. فما الفرق؟

 

الجواب:

قال في آية البقرة: ﴿ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ وفي آية التوبة ﴿ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ١٠٨ وذلك:

1 ـ آية البقرة 222:

 آ ـ هي في الطهر من الحيض والتطهر منه وهو متكررٌ متطاولٌ في العمر، فجاء به على صيغة الفك لأنها أطول.

 ب ـ كذلك التطهر هنا أمر بدني للنساء والرجال، فالنساء ينبغي أن يتطهرن من الحيض والرجال ينبغي أن يعتزلوا النساء حتى يتطهرن .

 ج ـ الآية في عموم المؤمنين والمؤمنات إلى يوم الدين.

2ـ آية التوبة 108:

 آ ـ التطهر فيها منظور به إلى التطهر القلبي؛ لأنها نزلت في المنافقين الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وهذا من فساد الباطن وسوء السريرة ودنس القلب، كما قال الله ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ [البقرة:10] وأمر الله رسوله بترك ذاك المسجد .

ثم ذكر بإزاء أولئك المنافقين أصحاب القلوب الدنسة رجالاً آخرين هم أصحاب القلوب الطاهرة، فقال فيهم: ﴿ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ١٠٨ ومعناه: أنه يحب الذين يبالغون في التطهر .

 ب ـ الآية هي في صحابة رسول الله .

3ـ لذلك استعمل الصيغة الطويلة في المدة المتطاولة فاستعمل ﴿  ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ للبدن ، بينما استعمل ﴿ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ١٠٨ للقلب، وهو أبلغ وخاصة مع الصحابة؛ لأنهم أكمل الناس طهارة ظاهراً وباطناً.

4 ـ قد تقول: ولكنّ الله قال: ﴿ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ  [التوبة:108] فجاء بالفك ولم يقل (يطّهروا)؟ والجواب: أنّ الله جمع لهم بين التطهُّرَين القلبي والبدني، وذلك أبلغ وأمدح من أنْ يذكرهما بنوع واحد فإنه يحب المتطهرين جميعاً.  

 

السؤال الرابع:

من الذين يحبهم الله تعالى؟

 

الجواب:

من يحبهم الله تعالى:

1ـ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ [البقرة:222].

2ـ ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ٧٦ [آل عمران:76].

3ـ ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ١٣٤   [آل عمران:134].    

4ـ ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ١٤٦ [آل عمران:146].

5ـ ﴿   إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ١٥٩ [آل عمران:159].

6ـ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢ [المائدة:42].

7ـ ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ١٠٨ [التوبة:108].

8ـ ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ٤ [الصف:4].

اللهم اجعلنا ممن تحبهم يا رب العالمين، وكذلك كل من يقول: آمين .

 

السؤال الخامس:

ما دلالة هذه الآية؟

 

الجواب:

1ـ كان اليهود يعزلون النساء إذا حاضت ويعتبرونها نجسة ، فلا يخالطوها ولا يأكلون أو يشربون معها مدة الحيض ، وكان النصارى لا يفرّقون بين المرأة وهي حائض أو غير حائض ، فيفعلون معها كل شيء حتى الجماع ، وحيث كان المسلمون قد امتزجوا باليهود في المدينة المنورة فقلدوهم في كثير من الأشياء ، فأنزل الله تعالى يبيّن أنه لا يحرم على الحائض إلا الجماع فقط ، كما حرّم الإسلام إتيان المرأة في دبرها .

2ـ يحرم على الحائض والجنب والنفساء : الصلاة والصوم ، ودخول المسجد ومس المصحف وحمله ، والطواف بالبيت ، وتفعل المرأة كل هذه الأمور بعد أن تطهر وتغتسل ، والصلاة لا تُقضى تخفيفاً ورحمة من الله لها لتكررها كل شهر ، والصوم يُقضى لأنه يأتي مرة واحدة بالعام .

3ـ  ختم الله الآية بقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ أي يحب كثيري التوبة والاستغفار، وجاء بالتشديد لاحتمال تكرر المخالفات  ، ويحب أيضاَ المتطهرين الذين يبتعدون عن الفواحش والأقذار .

4 ـ يستنتج من قوله تعالى : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢ أنه ليس هناك نظام أرضي اهتم كل هذا الاهتمام بجمال الجسم وطهارته مثل الإسلام! وإنّ نقاء المسلمين البدني شارة تميزوا بها بين الشعوب الأخرى.( الغزالي ) .

5 ـ قال النبي عليه السلام في حديث ابن عمر : ( مَنْ توضَّأَ فأحْسَنَ الوضوءَ ، ثُمَّ قال : أشهَدُ أن لَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لَا شريكَ لَهُ ، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ، اللهمَّ اجعلْنِي مِنَ التوَّابينَ ، واجعلْنِي منَ المتطهِّرينَ ، فُتِحَتْ لَهُ ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ ، يدخلُ مِنْ أيِّهَا شاءَ) [ أخرجه مسلم  234 ] .

6 ـ ما أجمل صوت أنين التائبين وما أعظم دموعهم على خدهم، يكفي التائبين فخراً قول الله فيهم : ﴿  إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢   والله أعلم .

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحكم التشريعي الثامن عشر : أحكام الأيْمَان

﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 224]

السؤال الأول:

ما دلالات هذه الآية ؟

الجواب:

المعنى العام : أيها المسلمون لا تجعلوا حَلفكم بالله مانعاً لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس ، فتحتجوا أنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه ، بل على الحالف أنْ يعدل عن حلفه ، ويفعل أعمال البر ، ويكفّر عن يمينه .

2 ـ القسم يعني تعظيم المقسم به ، وتأكيد المقسم عليه . وقد أمر الله في هذه الآية بحفظ الأيْمَان وعدم ابتذالها في كل صغيرة أو كبيرة ، وألا تحلفوا عن الامتناع عن أعمال البر والتقوى .

3 ـ ﴿ عُرْضَةً    بالضم ، هو ما يُعرض ويُنصب ،ويُقال : هو عُرضة لكذا .

4 ـ قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ   أي لجميع الأصوات ﴿ عَلِيمٌ      بالمقاصد والنيات ، ومنه سمعه وعلمه بمقاصد الحالفين ، أخير أم شر ، وفي هذا تحذير بأنّ أعمالكم ونيّاتكم قد استقر علمها عند الله . والله أعلم .

image.png

 

الحكم التشريعي التاسع عشر : الإيلاء

﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 226-227]  

السؤال الأول:

قوله تعالى في الآية: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) الإيلاء أريد به الحلف، فلِمَ قال تعالى: ﴿يُؤلُونَ ولم يقل: (يحلفون) أو (يقسمون)؟

الجواب:

لأنّ الإيلاء هو حلف ويمين، ولكنه يقتضي التقصير في حق المحلوف عليه، وهو مشتق من (الألو) وهو التقصير، والإيلاء فيه إجحاف وتقصير في حق المرأة التي حلف زوجها أنْ لا يقربها.

السؤال الثاني:

لِمَ عدّى الفعل ﴿يُؤلُونَ بـ (من) فقال: ﴿مِن نِّسَآئِهِمۡ فلِمَ لمْ يقل: (يؤلون على نسائهم)؟

الجواب:

لأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أنْ يضعك في صورة مشهد هذا اليمين، فالرجل حلف أنْ يبتعد عن زوجه؛ ولذلك عدّى الفعل (يؤلون) بحرف جرٍّ يناسب البُعد وهو (من)، وتفهم معنى الابتعاد فكأنه قال: للذين يؤلون متباعدين عن نسائهم. والإيلاء هو حلف ويمين ولكنه يقتضي التقصير في حق المحلوف عليه، وهو مشتق من (الألو) وهو التقصير، والإيلاء أيضاً فيه إجحاف وتقصير في حق المرأة التي حلف زوجها أن لا يقربها.

 

السؤال الثالث:

ما المعنى العام للآيتين ؟

الجواب:

الإيلاء مثل اليمين أو القسم أو الحلف، ويقصد صاحبها يميناً على ترك الوطء والمجامعة لزوجته.

وقد كان الإيلاء في الجاهلية طلاقاً، ثم إنّ أهل الإسلام فعلوا ذلك فأزال الله تعالى ذلك وأمهل الزوج مدة أربعة أشهر ليتروى ويتأمل، فإنْ رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها وإلا فارق المرأة.

قال: ﴿ مِن نِّسَآئِهِمۡ وفيها معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن فَآءُو  أي: إنْ رجعوا، فالفيء هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود: فيءٌ .

ولذلك معنى ﴿ فَإِن فَآءُو  أي: رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماع نسائهم. والرجوع يكون بالقول باللسان أو الجماع ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ     لما وقع من الحلف رحيم بهم حيث لم يؤاخذهم على سوء فعلهم ، ولا كفارة عليه بسبب ذاك اليمين .

4 ـ قوله تعالى : ﴿ وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ   أي عقدوا عزمهم على الطلاق والاستمرار في اليمين ، وامتنعوا عن الرجوع لعدم رغبتهم مع ترك الجماع ، وهذه تعتبر الطلقة الثانية ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ  لأقوالهم ﴿ عَلِيمٞ   بمقاصدهم وسيجازيهم على ذلك ، وفي هذا تهديد ووعيد لمن قصد بذلك  المضّارة .

5 ـ قوله تعالى : ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ٢٢٧   فإن قلتَ: عزمُهم الطَّلاق ممَّا يُعلم لا ممَّا يُسمع، فكيف قال: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ  ؟ قلتُ: العازم على الشيء يُحدِّث به نفسه، وحديث النَّفس ممَّا يسمعه الله ويسمع وسوسة الشيطان، مع أنّ الغالب في عزم الطلاق المقاولة والتحدث مع الزوجة. والله أعلم .

السؤال الرابع:

ما دلالة رسم كلمة ﴿  فَآءُو    بدون ألف في القرآن الكريم ؟   

الجواب:

وردت كلمة﴿ فَآءُو   مرة واحدة في القرآن الكريم بدون ألف في هذه الآية ، والنقص يشير إلى الإسراع في العودة عن الإيلاء ، وألا يكون هناك طلاق كما في الآية اللاحقة (البقرة : 227 ) . والله أعلم

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [البقرة: 208]

السؤال الأول:
لِمَ قال تعالى: ﴿ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ﴾ ولم يقل: سالموا بعضكم، مثلاً؟

الجواب:
الدخولُ يدل على العمق، ومن دخل المنزلَ صار داخله وفي عمقه ومحاطاً ببنائه، ولذلك من دخل السِّلم صار في أقصى غاية المسالمة وليس مسالماً فقط.

السؤال الثاني:
ما الفرق بين: السِّلْم ـ والسَّلْم ـ والسَّلَم في الاستعمال القرآني ؟

الجواب:
1 ـ السِّلْم - بكسر السين وتشديدها وسكون اللام هو الإسلام، وكلُّ الناس مأمورون بالدخول فيه كافة، وهو السلام . وقد وردت مرة واحدة في القرآن في قوله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ﴾ [ البقرة : 208 ] .
2 ـ السَّلْم: بفتح السين وتشديدها وسكون اللام ، يُذكّر ويؤنث، هو الصلح أو هو الميل إلى الاستسلام والمسالمة وترك القتال والحرب، وهذه دعوة موجهة إلى الكفار ليجنحوا إليه. وقد وردت مرتين في القرآن في سياق القتال بين المسلمين والأعداء في قوله تعالى:
﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلمِ فَٱجنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61] أي إذا استسلم الكفار فلا مانع .

﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعلَونَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ﴾ [محمد: 35] في الآية نهي عن الوهن والضعف .
3 ـ السَّلَم: بفتح السين وتشديدها وفتح اللام هو السّلف عند أهل العراق وهو أحد البيوع الجائزة ، وهو أيضاً الاستسلام الذليل المهين حيث يُلقي الكفار للمسلمين السَّلَم في الدنيا. وقد وردت خمس مرات في القرآن في قوله تعالى :
آ ـ في سياق الحرب بين المسلمين والكفار :
﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَومِۢ بَينَكُمۡ وَبَينَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَومَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلقَواْ إِلَيكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيهِمۡ سَبِيلٗ﴾ [النساء: 90].
﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأمَنُوكُمۡ وَيَأمَنُواْ قَومَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلفِتنَةِ أُركِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعتَزِلُوكُمۡ وَيُلقُوٓاْ إِلَيكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقتُلُوهُمۡ حَيثُ ثَقِفتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلنَا لَكُمۡ عَلَيهِمۡ سُلطَٰنا مُّبِينٗ﴾ [النساء: 91].
ب ـ استسلام الكفار الذليل يوم القيامة ، وعند الاحتضار :
﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعمَلُ مِن سُوٓءِۢۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعمَلُونَ﴾ [النحل: 28].
﴿وَأَلقَواْ إِلَى ٱللَّهِ يَومَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنهُم مَّا كَانُواْ يَفتَرُونَ﴾ [النحل: 87].
ج ـ عمن يخضع لغير الله :
﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا رَّجُلا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلا سَلَما لِّرَجُلٍ هَلۡ يَستَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلحَمدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكثَرُهُمۡ لَا يَعلَمُونَ﴾ [الزمر: 29].

السؤال الثالث:
ما أهم توجيهات هذه الآية ؟

الجواب:
1 ـ لما دعا اللهُ الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم حذّرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان ، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان إمّا هدى وإمّا ضلال ، فينبغي أن يدرك المسلمُ موقفه فلا يتردد بين شتى السبل وشتى الاتجاهات .
2 ـ ‏أصعب الحرام أوله، ‏ثم يسهل ، ‏ثم يستساغ ، ‏ثم يؤلف ، ‏ثم يحلو، ‏ثم يطبع على القلب ،‏ ثم يبحث القلب عن حرام آخر ، ‏حتى يعاقب فلا يجد له لذة، ولا هو يستطع تركه.
3 ـ الخطوة مسافة يسيرة ، تبدأ بمعصية صغيرة حتى تألفها النفس وتزيد خطوة أخرى وقوله (خطوات) أي أن الشيطان لن يقف عند خطوة واحدة.
4 ـ قوله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدخُلُواْ فِي ٱلسِّلمِ كَآفَّةٗ﴾ لمّا كان الدخول في السلم كافة لا يمكن أن يتصوَّر إلا بمخالفة الشيطان قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيطَٰنِۚ﴾ .
5 ـ قال أبو حامد الغزالي : الذين ذهبوا إلى كسرى لم يذهبوا إليه باسطوانات المصحف المرتل، ولا بطبعة جديدة من المصحف، إنما ذهبوا بدرجة كبيرة من الوعي والطهر والعدل! وقف ربعي بن عامر يعرض الإسلام خُلقًا وسلوكًا، ويعرضه نظام حياة وأمل جماهير.. إنّ القرآن قد بدأ بسورة العلق، وختم بسورة المائدة وسورة النصر؛ ليقال لنا: هذا هو الخط السماوي الذي يجب أن يعيش الناس به!
والله أعلم .

 


﴿فَإِن زَلَلتُم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209]

السؤال الأول:
ما الفرق من الناحية البيانية بين ﴿جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران:105] و ﴿جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة:209] في القرآن الكريم؟

الجواب:
1ـ كلمة (البيّنات) ليست مؤنثاً حقيقياً، لذا يجوز تذكيرها وتأنيثها.
2ـ هناك حكم نحويٌّ مفاده أنه يجوز أنْ يأتي الفعل مذكراً والفاعل مؤنثاً مع المؤنث غير الحقيقي .
والسؤال ليس عن جواز تذكير وتأنيث البيّنات؛ لأنّ هذا جائز كما قلنا، لكن السؤال: لماذا جاء بالاستعمال فعل المذكر ﴿جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ﴾ [آل عمران:105] مع العلم أنه استعملت في غير مكان بالمؤنث ﴿جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة:213]؟

والجواب:
آـ عندما تكون ﴿ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ بمعنى العلامات الدالة على المعجزات والنبوءات يؤنث الفعل .
ب ـ وعندما تكون ﴿ٱلبَيِّنَٰتُ﴾ بمعنى الأمر والنهي يذكر الفعل .

شواهد قرآنية على التأنيث، أي: بمعنى المعجزات والنبوءات:
ـ ﴿فَإِن زَلَلتُم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتكُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:209] .
ـ ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّ‍نَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱختَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ بَغيَا بَينَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱختَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلحَقِّ بِإِذنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّستَقِيمٍ﴾ [البقرة:213].
ـ ﴿تِلكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُمۡ عَلَىٰ بَعضٖۘ مِّنهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَينَا عِيسَى ٱبنَ مَريَمَ ٱلبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدنَٰهُ بِرُوحِ ٱلقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعدِهِم مِّنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱختَلَفُواْ فَمِنهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:253] .
﴿ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلعِجلَ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُ فَعَفَونَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَينَا مُوسَىٰ سُلطَٰنا مُّبِينا﴾ [النساء:153] .
شواهد قرآنية على التذكير، أي: بمعنى الأمر والنهي:
ـ ﴿كَيفَ يَهدِي ٱللَّهُ قَوما كَفَرُواْ بَعدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران:86].
ـ ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱختَلَفُواْ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [آل عمران:105] .
ـ ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعبُدَ ٱلَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرتُ أَنۡ أُسلِمَ لِرَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾ [غافر:66] .

السؤال الثاني:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلتُم﴾ ؟

الجواب:
1ـ قوله: ﴿فَإِن زَلَلتُم﴾ معناه: انحرفتم عن الطريق الذي أُمرتم به، ويدخل في ذلك الكبائر والصغائر، وفي ذلك زجر للمؤمن كي يتحرز عن الذنوب كبيرها وصغيرها . قال ابن عباس : السّلم الإسلام ، والزلل ترك الإسلام .
2ـ دلت الآية على أنّ المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد حصول البيان للمكلف لا حصول اليقين .
3ـ يحكى أنّ قارئاَ قرأ (غفور رحيم) في هذه الآية، فسمعه أعرابي فأنكره، وقال له: الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه .
والله أعلم .

 


﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ وَٱلمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرَعُ ٱلأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

السؤال الأول:
الإنسان عادة ينتظر ما يعلم أو يظن وقوعه، والقوم لم يكونوا كذلك؛ لأنهم لم يصدقوا، فكيف يُفهم ذلك ؟

الجواب:
لما كان واقعاً لا محالة، كانوا في الحقيقة كالمنتظرين له في المعنى، ولذلك جاء تهديداً لهم.
ومعنى ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون.

السؤال الثاني:
ما دلالة هذه الآية ؟

الجواب:
1 ـ هذه الآية نوع من النداء لحث الذين تركوا الدخول في السلم والإسلام ، الذين يتبعون خطوات الشيطان ، للساعين في الفساد في الأرض ، فكأنه يقول لهم : ماذا تنتظرون !!!؟ قيام الساعة ، حين يأتي الله في ظلل من الغمام ، حين تطوى السماوات والأرض ، وتأتي الملائكة صفوفاً تحيط بالخلائق ، حين توضع الموازين ، حين تبيض وجوه وتسود وجوه !!! لماذا تترددون !! وماذا تننظرون !!
2 ـ ( الظُلل ) جمع ظُلّة بضم الظاء ، وهي كل ما أظلك .
3 ـ في قوله تعالى : ﴿فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ﴾ مجازٌ مرسلٌ علاقته السببية ، لأنّ الغمامَ مظنة الرحمة أو العذاب وسببهما .
4ـ قوله تعالى : ﴿أَن يَأتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلغَمَامِ﴾ صفة مجيء الله سبحانه لا يعلمها إلا الله ، فليس كمثله شيء، وهذه الصفة مع الصفات الأخرى كالاستواء والنزول هي صفات ثابتة لله على وجه يليق بجلاله وكماله .
5ـ قوله تعالى : ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ لمّا حكى الله عن عنادهم وتوقفهم في قبول دين الله جاء مجرى التهديد .
والله أعلم .


 

﴿سَلۡ بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَينَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۢ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعدِ مَا جَآءَتهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [البقرة: 211]

السؤال الأول:
ما الفرق بين فعل الأمر: اسأل وسل؟

الجواب:
سل: إذا بدأنا بالفعل مباشرة فالعرب تخفف وتحذف كما في هذه الآية211 من سورة البقرة . وإذا تقدمها أي شيء يؤتى بالهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَينَا مُوسَىٰ تِسعَ ءَايَٰتِۢ بَيِّنَٰتٖۖ فَس‍َٔلۡ بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ﴾ [الإسراء:101] .
وهذه قاعدة عند أكثرية العرب أنه إذا سبقها شيء يبدأ بالهمزة ( اسأل ) وإذا بدأنا بها يحذفها؛ أي يبقى ( سل ) .

السؤال الثاني:
ما الفرق بين النعمة والنعيم ؟

الجواب:
النعمة في القرآن هي لنعم الدنيا وتستعمل مفرداً وجمعاً، كما في الآيات: [البقرة 211 آل عمران 103ـ ابراهيم 6].
وأما النعيم فخاص بنعيم الآخرة، وقد وردت كلمة (النعيم) 16 مرة في القرآن .

السؤال الثالث:
قوله تعالى في آية البقرة: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [البقرة:211] بينما أكدها بـ (اللام) في آية الرعد6 بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [الرعد:6] فما سبب تخفيف أو زيادة التوكيد ؟

الجواب:
أولاً ـ القاعدة اللغويـــة:
يستعمل القرآن الكريم تخفيف التوكيد أو زيادته حسب مقتضى الحال فيقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [المائدة:2] مع التخفيف ، ويقول : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦] مع زيادة التوكيد بزيادة اللام .
ثانياً ـ البيـــان:
قال في آيات البقرة (211) والمائدة (2) والأنفال (13): ﴿إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ [المائدة:2] مؤكداً بإنّ وحدها، بينما قال في سورة الرعد (6): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلعِقَابِ﴾ فأكد بإنّ واللام؛ وذلك أنه:
في سورة الرعد ورد قبل الآية 6 من ذكر العقوبات، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبلِهِمُ ٱلمَثُلَٰتُۗ﴾ وذكر من عقوبات الكافرين في الآية 5 ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلأَغلَٰلُ فِيٓ أَعنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [الرعد: 5] فاقتضى ذلك زيادة توكيدها .
وليس السياقُ كذلك في الآيات الأخرى ولا شيء فيه، فلمّا كان السياقُ في الرعد سياقَ العقوبات اقتضى زيادة توكيدها.
والله أعلم .

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحكم التشريعي الرابع والعشرون : عَضْلُ الزوج للمرأة

 

﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 231]

 

السؤالالأول:

مادلالاتهذهالآية؟

الجواب:

  لايجوزللزوجأنيُضارالمرأة، فلايُسرّحهاولايمسكها، ولايُحسنمعاملتها، ولايُنفقعليهاحتىيُلجئهاإلىطلبالطلاق، أولدفعشيءمنمالهالتفدينفسهابه.

لذاعليكمأيهاالأزواجإذاطلقتمالنساءطلاقاًرجعياً، فقاربنَانتهاءالعدة، فإمّاأنتراجعوهنمعالقيامبحقوقهنّوالإحسانلهنّ، وإمّاأنْتتركوهنّبلارجعةولاضرر.

2 ـجعلاللهالطلاقحلاًلحياةتستحيلفيهاالعشرةبينالأزواج، وهذامننعماللهعلىعباده، وخصّبهاهذهالأمةدونغيرها. والطلاقمنآياتاللهوقدنهاناسبحانهأننتلاعببالطلاقأوالرجعةعلىوجهغيرصحيح.

قولهتعالى:﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ أيلاتتلاعبوابأحكامالله، وتتهاونوافيأوامرهونواهيهفتظلمواأنفسكموغيركمفتتعرضوالعقابالله.

جاءفيالموطأأنّرجلاًقاللابنعباس: إنيطلقتامرأتيمئةطلقة، فقاللهابنعباس: طُلقتْمنكلثلاث، وسبعوتسعوناتخذتَبهاآياتاللههزواً.

4 ـ قوله تعالى :﴿ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ     تربية قرآنية تؤكد على أنّ الاعتداء على الآخرين هو ظلم للنفس ؛ بتعريضها لسخط الله وغضبه .

 

السؤالالثاني:

ماهوالفرقبين(استهزأبـ)،و(سخرمن)؟

الجواب:

الاستهزاءأعممنالسخرية، والسخريةخاصةبالأشخاصولمتردفيالقرآنإلاللأشخاص،أماالاستهزاءفعامٌّ،وردفيالأشخاصوغيرالأشخاص.

شواهدقرآنية:

 ـ﴿ وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ [المائدة:58] الصلاةليستشخصاً،وإنماأقاويلوأفاعيل.

ـ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا [البقرة:231] .

ـ﴿ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ٦٥ [التوبة:65] إذنالاستهزاءعامفيالأشخاصوفيغيرالأشخاص.

أمّاالسخريةففيالأشخاصتحديداًولمتردفيالقرآنإلافيالأشخاصكقولهتعالى:

﴿ وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ٣٨ [هود:38].

إذنالاستهزاءعام،ومعنىالاستهزاءهوالسخرية،هميقولون: المزاحفيخفيةوهوجانبمنالسخرية.

 

السؤالالثالث:

ما دلالة رسم كلمة ﴿ نِعۡمَتَ الواردة في الآية بالتاء المفتوحة ، علماً أنها رسمت بالتاء المربوطة

﴿ نِعۡمَةَ  في مواضع أخرى من القرآن الكريم ؟

الجواب:

وردت كلمة﴿ نِعۡمَةَ   بالتاء المربوطة (25) مرة في القرآن الكريم ، ووردت ﴿ نِعۡمَتَبالتاء المفتوحة (11) مرة فقط في القرآن الكريم في الآيات :[ البقرة 231 ـ آل عمران 103 ـ  المائدة11 ـ إبراهيم 28 ـ 34 ـ  النحل 73 ـ 83 ـ 114 ـ لقمان 31 ـ فاطر3 ـ الطور 29] .

وعندما ترد﴿ نِعۡمَتَ  بالتاء المفتوحة ، فإن ذلك يعني خصوصية هذه الكلمة وأهميتها ودلالتها غير العادية حين تدبر الآية التي وردت بها والسياق المحيط بها ، والنعم الخاصة التي وهبها الله للمؤمنين ، كما تدل على النعم المفتوحة التي لا يمكن إحصاء عددها . أمّا بالتاء المربوطة فهي تتحدث عن النعم العامة الظاهرة للبشر جميعاً .

وشبيه بهذا كلمة: [﴿لَعۡنَةُ﴿لَّعۡنَتَ] و كلمة: [﴿ٱمۡرَأَةٌ﴿ٱمۡرَأَتَ]و كلمة: [﴿كَلِمَةٞ﴿كَلِمَتُ].

والله أعلم .

 

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿وَمِنهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

السؤال الأول:

 

 قال تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ﴾ [البقرة:201] ما حسنة الدنيا؟ وما حسنة الآخرة؟ ولِمَ كانت هذه الآية من أحب الدعاء لقلب النبي ؟

الجواب:

 

لا شك هي من الآيات الجامعة، ونحن نقرؤها قبل السلام في الصلاة دائماً، وثبت أنّ النبي كان يقول بهذا الدعاء في الطواف بين الركن اليماني والحَجر الأسود.

وحسنة الدنيا هي: الصحة والأمن والكفاية والولد والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء وفهم كتاب الله، وما أشبه ذلك.

وأمّا حسنة الآخرة فهي: الفوز بالثواب والخلاص من العقاب والجنة ونيل رحمة الله سبحانه. والآية كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة.

السؤال الثاني:

 

ما دلالة هذا التقسيم في الدعاء المذكور في الآية؟

الجواب:

 

بيّن الحق سبحانه وتعالى أنّ الذين يدعون الله فريقان:

 

1ـ من يكون دعاؤهم لطلب الدنيا فقط، وهم الكفار أو المؤمنون، لكنهم يسألون الله لدنياهم فقط.

2ـ والذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة.

وقد كان في التقسيم نظرياً قسم ثالث وهو من يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة، واختلف العلماء هل هو مشروع أم لا؟ والأكثرون على أنه غير مشروع؛ وذلك أنّ الإنسان خُلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بمتاعب الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى أنْ يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة.

وجاء في الحديث عن أنس أنّ النبي دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض، فقال: "ما كنت تدعو الله به قبل هذا؟" قال: كنت أقول: اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبي : "سبحان الله إنك لا تطيق ذلك، ألا قلت: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِقال: فدعا له رسول الله فشُفِيَ" (رواه أنس بن مالك في صحيح مسلم)

3 ـ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا﴾ استعمل الفعل (أتى) ولم يستعمل الفعل (أعطى) والفعلان أتى وأعطى لهما معنى متقارب معجمياً لكن ليس مترادفاً. وفعل أتى أصله (أتي) والفعل أعطى أصله (عطو) ونجد أنّ العين والطاء والواو أقوى من الهمزة والتاء والياء، وهذا معناه أنّ العطاء أو الإعطاء فيه نوع من القوة وليس فيه هذا اللين والرقة مثل الإتيان، لذلك كثيرون من أهل اللغة قالوا: إن الإعطاء فيه تمليك والإيتاء ليس شرطاً أن يكون فيه تمليك.

السؤال الثالث:

 

جاءت لفظة ﴿حَسَنَةٗ﴾ نكرة مرتين في الآية فما دلالة ذلك؟ وما دلالة الآية؟

الجواب:

 

1ـ كلمة ﴿حَسَنَةٗ﴾ جاءت نكرة في الموضعين، وهي في الحقيقة وصف لموصوف محذوف، وهذا الموصوف المحذوف هو على إطلاقه بما يفكر به الانسان، نحو: آتنا في الدنيا عطايا حسنة بتفاصيلها، وفي الآخرة عطايا حسنة أيضاً بتفاصيلها، فحذف الموصوف وأبقى الصفة، وجعلها بصيغة النكرة؛ حتى تشير إلى العموم والكثرة فتعني شيئاً عاماً، والله أعلم.

2ـ والهدف والمعنى والقصد من هذه الآية ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ﴾ [البقرة:201] أي: كونوا كهؤلاء، وهنا ذكر الوصف للموصوف المحذوف، يعني هم يريدون في الدنيا لكن بالوصف الحسن، ولم يقفوا عند هذا وإنما قالوا: ﴿وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ﴾ [البقرة:201] أيضاً بكل ما يتصور من العطايا الموصوفة بأنها حسنة في الآخرة، ثم زاد عليهم في دعائهم وهذا تدريب ودعاء أنْ ادعوا هكذا ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة:201]؛ لأنّ الإنسان لا ينبغي أنْ ينسى أنّ هناك ناراً.

 وعمر رضي الله عنه يقول لجلسائه: يا فلان عِظنا، قال: يا أمير المؤمنين تزفر النار زفرة يوم القيامة (هذا الزفير النفخ)، فلا يبقى ملك ولا شهيد ولا نبي ولا صالح إلا ويجثو على ركبتيه، ولو كان لك عمل سبعين نبياً ما ظننتَ أنك ناج منها. يعني هذه الزفرة مخيفة من بعد ذلك وحتى عندما ينجي الله الذين اتقوا يحسّون بهذه اللذة لذة النجاة من هذه النار.

3ـ ولمّا كان هؤلاء المؤمنون على منهج الرسل، فعبدوا الله أولاً كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث، نارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه فتأهلوا بذلك الدعاء فكان دعاؤهم كاملاً.

السؤال الرابع:

 

ما الدروس المستفادة من الآية؟

الجواب:

 

آـ لماذا لم ننس الدنيا هنا؟ لأنّ الدنيا مزرعة للآخرة، والحسنة هنا جاءت بصيغة النكرة مرتين وهي وصف لموصوف محذوف، أي: أنه أطلقها لتكون عامة وشاملة، فكأننا نقول: يا رب أعطنا كل ما يُحسّن الدنيا عندك لنا، أي: أعطنا في الدنيا عطايا حسنة وأعطنا في الآخرة عطايا حسنة أيضاً.

ب ـ وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة:201] فيها نعمتان:

1ـ مجرد الزحزحة عن النار فيها نعيم، ويقول: الحمد لله أنْ أنجاني من النار.

2ـ فإذا ما دخل الجنة ورأى نعيمها يحمد الله مرة ثانية.

ج ـ قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ هو تأكيد لعدم دخول النار مطلقاً، لأنّ بعض الموحدين العاصين يدخلون النار ثم يدخلون الجنة،فكأنه طلب مؤكد يتوجه به المؤمن إلى الله تعالى أن لا يدخله النار ولو كان عاصياً.

السؤال الخامس:

 

ماذا يُسمى هذا الدعاء ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾؟

الجواب:

 

هذا الدعاء يسمى عند أهل العلم بـ(تاج الدعاء)، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يردده دائماً.

وذكر بعض العلماء أنّ التيجان سبعة وهي:

 

1ـ تاج الذكر: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).

2ـ تاج التسبيح: (سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته).

3ـ تاج الدعاء: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ).

4ـ تاج الاستغفار: (اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

5ـ تاج التحصين: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم).

6ـ تاج تفريج الكروب: قوله تعالى: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء:87].

7ـ تاج راحة البال: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

 والله أعلم.

 

﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ [البقرة: 202]

 

السؤال الأول:

 

قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ﴾ إلى من يرجع الضمير في لفظة (أولئك)؟

الجواب:

 

أنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، وقيل: إنه راجع إلى الفريقين كل حسب نصيبه من العمل.

السؤال الثاني:

 

ما المراد من قوله تعالى: ﴿لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ﴾؟

الجواب:

 

 1ـ في (من) ثلاثة أقوال، أحدها: أنها للتبعيض، أي: نصيب من جنس ما كسبوا. والثاني: أنها للسببية، أي: من أجل ما كسبوا. والثالث: أنها للبيان.

2ـ الآية تدل على أنّ الجزاء من جنس العمل، ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي.

السؤال الثالث:

 

ما الكسب؟

الجواب:

 

 1ـ الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون مكسبه ومكتسبه.

 2- الاكتساب فيه افتعال ولا يكون إلا في الشر، كأنّ الذي يفعل الشر يتكلف فيه.

3ـ وفي الآية ﴿كَسَبُواْۚ﴾ أي: من الأعمال الصالحة وأعمال الخير والعبادة بأنواعها، والآية تتحدث عن أولئك.

السؤال الرابع:

 

 ما دلالة قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلحِسَابِ﴾ في الآية؟

الجواب:

 

قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلحِسَابِ﴾ لأنّ الله يفعل بـ (كن) ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، فهو إذن سريع الحساب؛ ولأنه لا يشغله شأن عن شأن؛ وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث.

ولذلك سئل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كيف يحاسب الله الخلائق جميعاً في لحظة واحدة؟ فقال: كما يرزقهم في ساعة واحدة، فهو الذي يرزقهم وهو الذي يحاسبهم. والله أعلم.

 

 

<<<<<<<<<<<<<<

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ٢٦٤ [البقرة: 264]

السؤال الأول:

قال: في آية البقرة 264: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وقال في آية إبراهيم 18 ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ  [إبراهيم:18] فما الحكمة ؟

الجواب:

في آية البقرة المثل للعامل، فكان تقديم نفي قدرته وصلتها أنسب؛ لأنّ (على) من صلة القدرة .

وأيضاً في آية البقرة السياق في الإنفاق والصدقة، والمنفق معطٍ وليس كاسباً ولذلك أخّر الكسب .

في آية سورة إبراهيم ـ عليه السلام ـ  المثل للعمل لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ [إبراهيم:18] وتقديره: مثل أعمال الذين كفروا  ، والسياق هنا في العمل، والعامل كاسب فقدّم الكسب .

فكان تقديم (مما) تقديم نفي ما كسبوا أنسب؛ لأنه صلة (شيء)، وهو الكسب.

السؤال الثاني:

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ٢٦٤ كيف نوفق هذه الآية ونحن رأينا أنّ الله هدى خلقاً كثيراً من الكفار من قريش وغيرهم ؟

الجواب:

المراد بذلك ممن سبق علمه عند الله بأنه لا يؤمن، وأنه يموت على كفره فهو عام مخصوص، أو أنه غير مهدي في حال كذبه وكفره . والله أعلم .

السؤال الثالث:

 لم ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ٢٦٤ ولماذا لم يقل مثلاً: (الظالمين)؟

الجواب:

السبب أنّ الله ذكر في الآية ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أي أنه كافر، فناسب ذكر الكافرين في ختامها .

 ولو قال: ظالم، فالظالم ليس بالضرورة كافراً ؛ فقد يكون ظالماً غيره، ومن المعلوم أنّ كل كافر ظالم، ولكن ليس كل ظالم كافراً .

السؤال الرابع:

 ما دلالات هذه الآية ؟

الجواب:

لفظة ﴿رِئَاءَ مصدر : راءى مراءاة ورئاء ، والأصل : رياياً  ، فالهمزة الأولى بدل من ياء عين الكلمة ، والثانية بدل من ياء لام الكلمة ، لأنها وقعت طرفاً بعد ألف زائدة ، والمفاعلة فيها من المشاركة ، لأنّ المرائي يري الناسَ أعماله حتى يريه الناس الثناء عليه والاحترام له .

2 ـ  ﴿صَفْوَانٍ الحجر الأملس الكبير.

3 ـ ﴿وَابِلٌ الوابل : المطر الكثير . قال الأصمعي : أخف المطر وأضعفه الطّل ، ثم الرذاذ ، ثم نضح ونضخ ، ثم هطل وتهتان ، ثم وابل وجود .

4 ـ ﴿صَلْدًا الصلد : الصلب الأملس الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه .

4 ـ هذه الآية قد بيّنت أنّ من مبطلات الصدقة : المنّ والأذى والرياء .

والله أعلم .

 

 

<<<<<<<<<<<<<<

﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۢ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَ‍َٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ٢٦٥ [البقرة: 265]

السؤال الأول:

ما معنى الطَّلِّ في الآية ؟

الجواب:

 الطَّلُّ هو الندى، والوابل : المطر الشديد ، والرذاذ أقوى من الطل .

السؤال الثاني:

ما الفرق بين (خبير) و(بصير) في فاصلة الآيتين البقرة 265 ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ٢٦٥ [البقرة:265] والنساء 94 ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا٩٤ [النساء:94]؟

الجواب:

البصير: من البصر، والبصرُ: يأتي بمعنيين في اللغة، إمّا البصر وهو الحاسة الباصرة التي ينظر بها، وإمّا (البصيرة) من الإبصار في القلب.

إذن كلمة (بصير) فيها أمران: بصير ضد الأعمى ﴿ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ [الرعد:16] من ناحية الرؤية، وبصير لمن كان قلبه بصيراً (ذا معرفة).

والنظر هو طلب الاستدلال والهدى وطلب ظهور الشيء، والنظر يشاهد بالعين فيفرق بين نظر الغضبان ونظر الراضي، فصح بهذا أنّ النظر تقليب لعينٍ حيال مكان المرئي طلباً لرؤيته .

ولمّا كان الله يرى الأشياء من حيث لا يطلب رؤيتها صح أنه لا يوصف بالنظر، وأما الرؤية فهي إدراك المرئي .

والعين آلة البصر وهي الحدقة ، والبصر اسم للرؤية.

الخبير هو العليم ببواطن الأمور، فربنا عندما يقول: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ٣١ [فاطر:31] يعني: محيط ببواطن الأمور وظواهرها، أي: خبير ببواطن الأمور وبصير بظواهرها .

3 ـ هذه الآية تبين مثل المُخلص في صدقته .

4 ـ في الآية شبّه إنفاق الأموال الخالص من الرياء في سبيل الله وابتغاء مرضاته بالبستان الوريف فوق ربوة عالية يكفيها القليل من المطر لتربو وتخصب وتزدهر . والله أعلم .

 

<<<<<

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧﴾ [البقرة: 267]

السؤال الأول:

ما دلالة الاختلاف في نهايات آيات البقرة [ 263ـ 267ـ 268]؟

الجواب:

فاصلة الآية 263 ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ٢٦٣ لمّا ذكر الأذى ناسب ذكر الحلم؛ لأنّ الحليم لا يعجل بالعقوبة ولا يغضب سريعاً إذا أُوذي، فلمّا ذكر الأذى ناسب ذكر الحِلم.

فاصلة الآية 267 ﴿أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧ هذه ليس فيها ذكر أذى وإنما إنفاق ما هو خِلاف الأَوْلى، أنت إذا أنفقت من الخبيث فالله غني عن هذا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]؛ لذا يجب أنْ تنفق الطيب وليس الخبيث الرديء، فإذا أنت أنفقت الخبيث في سبيل الله فالله غني عن هذا.

فاصلة الآية 268 ﴿ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ٢٦٨ الله واسعٌ بالرحمة والفضل، وهو واسعُ المغفرة والفضل، عليم بما تنفقون، فيجازيكم على ما تنفقون، فهو واسع العطاء واسع الخير واسع الرحمة، وعليم بما تفعل فيجازيك، فلماذا تخشى الفقر؟ الشيطان يعدكم الفقر والله تعالى واسع العطاء وواسع المغفرة وواسع الرحمة، فلماذا تخشى الفقر.

السؤال الثاني:

ما دلالات هذه الآية ؟

الجواب:

هذه الآية تحث على الإنفاق من المال الحلال الطيب .

2 ـ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ  أي لا تقصدوا الخبيث في العطاء.

 3 ـ  قوله تعالى : ﴿تُغۡمِضُواْ  الإغماض : غض البصر ، والمُراد به هو التجاوز والتسامح والمساهلة .

4 ـ قوله تعالى : ﴿مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِ‍َٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ   هو استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمِنهُ تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه ، ولو أهدي إليكم لما أخذتموه إلا على استحياء وإغماض !!؟

5 ـ قوله تعالى : ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧   أي : الله الذي رزقكم (غني) عن صدقاتكم ، مستحق للثناء عليه  ( حميد ) محمود في كل حال .

6 ـ  إنّ الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يكون الإنفاق من رُذَال وردِيء المال، ولا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء الكسب وخبيثه ؛ لأنّ الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله ﴿ وَلَسۡتُم بِ‍َٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧ أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث إلا إذا أغمضت عينيك عنه لخبثه وكراهة أخذه... والله أعلم .

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧﴾ [البقرة: 267]

السؤال الأول:

ما دلالة الاختلاف في نهايات آيات البقرة [ 263ـ 267ـ 268]؟

الجواب:

فاصلة الآية 263 ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ٢٦٣ لمّا ذكر الأذى ناسب ذكر الحلم؛ لأنّ الحليم لا يعجل بالعقوبة ولا يغضب سريعاً إذا أُوذي، فلمّا ذكر الأذى ناسب ذكر الحِلم.

فاصلة الآية 267 ﴿أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧ هذه ليس فيها ذكر أذى وإنما إنفاق ما هو خِلاف الأَوْلى، أنت إذا أنفقت من الخبيث فالله غني عن هذا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267]؛ لذا يجب أنْ تنفق الطيب وليس الخبيث الرديء، فإذا أنت أنفقت الخبيث في سبيل الله فالله غني عن هذا.

فاصلة الآية 268 ﴿ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ٢٦٨ الله واسعٌ بالرحمة والفضل، وهو واسعُ المغفرة والفضل، عليم بما تنفقون، فيجازيكم على ما تنفقون، فهو واسع العطاء واسع الخير واسع الرحمة، وعليم بما تفعل فيجازيك، فلماذا تخشى الفقر؟ الشيطان يعدكم الفقر والله تعالى واسع العطاء وواسع المغفرة وواسع الرحمة، فلماذا تخشى الفقر.

السؤال الثاني:

ما دلالات هذه الآية ؟

الجواب:

هذه الآية تحث على الإنفاق من المال الحلال الطيب .

2 ـ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ  أي لا تقصدوا الخبيث في العطاء.

 3 ـ  قوله تعالى : ﴿تُغۡمِضُواْ  الإغماض : غض البصر ، والمُراد به هو التجاوز والتسامح والمساهلة .

4 ـ قوله تعالى : ﴿مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِ‍َٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ   هو استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمِنهُ تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه ، ولو أهدي إليكم لما أخذتموه إلا على استحياء وإغماض !!؟

5 ـ قوله تعالى : ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧   أي : الله الذي رزقكم (غني) عن صدقاتكم ، مستحق للثناء عليه  ( حميد ) محمود في كل حال .

6 ـ  إنّ الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولا يكون الإنفاق من رُذَال وردِيء المال، ولا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء الكسب وخبيثه ؛ لأنّ الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله ﴿ وَلَسۡتُم بِ‍َٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ٢٦٧ أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث إلا إذا أغمضت عينيك عنه لخبثه وكراهة أخذه... والله أعلم .

 

>>>>>>>>>>

﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]

 

السؤال الأول:
جاء فعل الشرط ﴿أَنفَقۡتُم﴾ بصيغة الماضي، فما دلالة ذلك ؟

 

الجواب:
الفعل الماضي ﴿أَنفَقۡتُم﴾ هو إخبار بأنّ ما فعلته أو حصل منك قد علمه الله. ولو جاء بصيغة المضارع (تنفقوا) لدلّ على التجدد والتكرار .

 

السؤال الثاني:
ما دلالات هذه الآية ؟

 

الجواب:
1ـ هذه الآية تبين الحكم التشريعي الخامس والثلاثين ، وهو ما يتعلق بالنَّذر .
2 ـ ( النَّذر ) ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه ، يُقال : نذر ينذر ، وأصله من الخوف ، و( الإنذار ) الإبلاغ ولا يكون إلا في الإنذار ، والاسم ( النُذُر) بضمتين ، و( النَّذر ) واحد النذور ، وقد ( نذَر) لله كذا .
3 ـ ( النَّذر ) على ضربين :
   آ ـ مفسر : أن يقول مثلاً : لله عليّ صدقة أو صوم أو نحوه ، وهذا يجب الوفاء به كما نذر وألزم نفسه .
   ب ـ غير مفسر : هو أن يقول مثلاً : نذرت لله ألا أفعل كذا ثم يفعله ، وكلٌ منهما في طاعة الرحمن ، فهذا النذر لا يلزم الوفاء به ، وفيه كفارة يمين .
أمّا النذر في المعصية فلا يلزم الوفاء به ، سواء كان مفسراً أم لا .
والنذر كان معروفاً في الأمم السابقة ، كقول مريم : ﴿ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا ﴾ [مريم:26] وكقول أمها : ﴿ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا ﴾ [آل عمران:35].
4 ـ قوله تعالى : ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ﴾ أي: من منع حق الله فهو ظالم ، والظالمون ليس لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله .
5 ـ قال الحرالي : ومفهوم الآية: أنّ الله آخذٌ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر يجد له نصيراً، ولا يجد الظالم - بوضع القهر موضع البر- ناصراً. والله أعلم .

 

<<<<<<<<<<

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271]

السؤال الأول:

إلى من يعود الضمير في قوله تعالى في الآية ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ؟

الجواب:

قد يتقدم معنى المفسر ولا يتقدم لفظه صراحة، وفي الآية الضمير في ﴿ فَهُوَ عائد على الإخفاء ولم يتقدم ذكره بل تقدم فعله . والله أعلم .

السؤال الثاني:

في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ   لماذا قدّم العمل على الخبرة ؟

الجواب:

القاعدة في القرآن أنه إذا كان الكلام عن عمل الإنسان فإنه يقدم العمل على الخبرة، وإذا لم يكن الكلام عن العمل وإنما في أمر قلبي أو عن الله تعالى فإنه يقدم الخبرة .

وفي الآية الصدقة هي عمل فقدّمه فقال: ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، وفي الآية إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية .

السؤال الثالث:

جاء فعل الشرط بصيغة المضارع ﴿ تُبْدُوا ﴿ تُخْفُوهَا فما دلالة ذلك ؟

الجواب:

التعبير بفعل الشرط المضارع يفيد تكرار الحدث وتجدده، كما هو في هذه الآية حيث تتجدد الصدقات دائماً .

السؤال الرابع:

ما فوائد الصدقة ؟

الجواب :

الصدقة تقود إلى باب من أبواب الجنة .

الصدقة من أفضل الأعمال الصالحة ، وأفضل الصدقة إطعام الطعام .

3 ـ الصدقة تظل صاحبها يوم القيامة ، وتفكّ صاحبها من النار .

4 ـ الصدقة تطفئ غضب الرب وحرَّ القبور .

  الصدقة خير ما يُهدى للميت  ، وأنفع ما تكون له.

الصدقة تطهير وتزكية للنفس ، ومضاعفة للحسنات .

7 ـ الصدقة سبب سرور المتصدق ونضرة وجهه يوم القيامة .

8 ـ الصدقة أمان من الخوف يوم الفزع الأكبر .

9 ـ الصدقة سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات .

10 ـ الصدقة من المبشرات بحُسن الخاتمة ، وسببٌ لدعاء الملائكة .

11 ـ المتصدق من خيار الناس ، والصدقة ثوابها لكل من شارك فيها .

12 ـ صاحب الصدقة موعود بالخير الجزيل والأجر الكبير .

13 ـ المنفقون من صفات المتقين ، والصدقة سبب لمحبة عباد الله للمتصدق .

14 ـ الصدقة سبب في استجابة الدعوة وكشف الكربة .

15 ـ الصدقة تدفع البلاء وتسد سبعين باباً من السوء في الدنيا .

16 ـ الصدقة تزيد في العمر ، وتزيد في المال .

17 ـ الصدقة علاج ودواء وشفاء .

18 ـ الصدقة تمنع الحرق ، والغرق ، وتمنع ميتة السوء .

19 ـ الصدقة أجرها ثابت ولو كانت على البهائم والطيور .

20 ـ الصدقة من أمارات الجود ، وعلامة من علامات الكرم والسخاء .

21 ـ البذل الواسع عن إخلاص ورحمة يغسل الذنوب ، ويمسح الخطايا. 

وبشكل عام لو علم المتصدق حق العلم أنّ صدقته تقع في ( يد الله ) قبل يد الفقير لكانت لذة المعطي أكبر من لذة الآخذ . والله أعلم .

 

 <<<<<<<<<<

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277]

 

السؤال الأول:

ما أهم الدلالات في الآية ؟

الجواب:

عطَفَ عمل الصالحات على الإيمان.

استعمل كلمة ﴿أَجۡرُهُمۡ ليدل على أنه لا يوجد مخلوق يملك سلعة إنما كلنا مستأجرون.

فالمخ والعقل مخلوقان من الله ونشغلهما في المادة المخلوقة لله، ولذلك ليس للإنسان إلا عمله وبالتالي أجره، وهذا الأجر هو عند ربه الذي لا يضيِّع له شيئاً، وقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أقوى من قوله (على ربهم أجرهم)؛ لأنّ الأول يجري مجرى إذا باع بالنقد، وذاك النقد جاهز متى شاء البائع أخذه، وأمّا الثاني فيجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أنّ الأول أقوى.

قول الحق: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  أي: لا من أنفسهم على أنفسهم ولا من أحبابهم عليهم، وكذلك لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة.

قول الحق: ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ؛ لأنّ أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه محضراً أمامهم فلا يحزنون على ما تركوه وراءهم في الدنيا.

في هذه الآية بيّن اللهُ الوجهَ المقابلَ للربا ، ومقتضاه الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأداء الصلاة ، وإخراج الزكاة ، فإنّ المتصفين بهذه الصفات الأربع لهم ثوابٌ عظيم ، ورزقٌ واسع ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس . والله أعلم .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [البقرة: 279]

السؤال الأول:

 قوله تعالى: ﴿ فَأْذَنُوا [البقرة:279] هل هناك أكثر من قراءة لهذه اللفظة ؟ وما دلالة هذه الآية ؟

الجواب:

 1 ـ قوله: ﴿ فَأْذَنُوا [البقرة:279] هناك قراءة ﴿فآذنوا؛ أي فاعلموا، وفي الآية مبالغة في التهديد.

2 ـ هذه الآية تهديد ووعيد شديد لا يوجد مثله في القرآن، هذه حرب أعلنها الله على الفرد والمجتمع الذي يُصرّ على التعامل بالربا، ولم يتبْ إلى الله منه، ولم ينزجرْ بموعظة الله ، فاستحق إعلان الحرب عليه .

3 ـ هذه الحرب لها صور متعددة: جوع وقلق وخوف ـ هزائم ـ انهيار الاقتصاد ـ حرمان السعادة وعدم الطمأنينة ـ الجدب والقحط ـ المقت والغضب من الله.

4 ـ لمّا نزلت هذه الآية كان هناك نوع من الربا بين بني ثقيف وبني المغيرة، فتنازلوا عن فوائدهم التي يتعاطونها ، واكتفوا برؤوس الأموال وحسب ، وقالوا : لا طاقة لنا في حرب الله ورسوله ، ومن الذي في استطاعته حرب الله ورسوله!! ؟

4 ـ قال ابن قيم الجوزية : المرابي محاربٌ لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه، ولم يجئ هذا الوعيد في كبيرة سوى: الربا وقطع الطريق والسعي في الأرض بالفساد؛ فاحذر هذه الصفات.

5 ـ  قوله تعالى : ﴿ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ الدواوين التي تتحدث عن حقوق الفرد والناس ، تُغني عنها هذه الكلمات .

والله أعلم.

<<<<<<

﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 280]

السؤالالأول:

مانوعالفعل (كان) فيالآية؟

الجواب:

قولهتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ فيها﴿ كَانَ تامةبمعنى: وجدأوحدث.

السؤالالثاني:

مادلالةقولهتعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ؟

الجواب:

العسرةمنالإعساروهوتعذروجودالمال.

قولهتعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ  [البقرة:280] الميسرةمناليسرواليسار،وفيالآيةحذفبتقدير،فالحكمإنظارالمعسر،أي: إمهاله. و( نَظِرَة) مصدربمعنىالتأخير.

3 ـالفعل( كان) هنافيالآيةفعلماضتامبمعنىحدثووجد( ذو) فاعلمنالأسماءالخمسة  مرفوعبالواو.

4 ـالإسلاملايكتفيبإنظارالمعسر، بلمنأنظرمعسراًأوتجاوزعنهفلهأجرعظيممناللهتعالى. والحكمعاميتناولكلمعسرعليهحق، فيدَيْنحلالأوغيره.

السؤالالثالث:

قولهتعالى: ﴿تَصَدَّقُواْ ولميقل: تتصدقوا،فلماذا؟

الجواب:

قوله: ﴿تَصَدَّقُواْ فيهحذفوتخفيفالتاء،والأصل(تتصدقوا)،والحذفهنالندرةالحالةوهوالتصدقبدينالمعسر،فحذفالتاءلمالميكنكالصدقةالمعتادةلكونهاأقل.

السؤالالرابع:

 مادلالةهذهالآية؟

الجواب:

 قولهتعالى: ﴿إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ أي: جعلالعملمنلوازمالعلموفيهتهديدللعصاة.

كلتطوعكانمحصّلاًللمقصودمنالفرضبوصفالزيادةكانأفضلمنالفرض،كماأنّالزهدفيالحرامفرضوفيالحلالتطوع،والزهدفيالحلالأفضلكمافيالآية﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ  [البقرة:280].

3 ـ قوله تعالى : ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ      ( خيرٌ لكم ) أي من إنظار المعسر، فإنْ قلتَ: إنظارُ المعسِر واجبٌ، والتصدُّق عليه تطوُّعٌ، فكيف يكون خيراً من الواجب؟ قلتُ: التَّطوعُ المحصِّل للواجب، لِمَا اشتمل عليه من الزيادةِ كما هنا أفضلُ من الواجب، كما أنّ الزُّهد في الحرام واجب، وفي الحلال تطوُّعٌ، والزهد في الحلال أفضل.

السؤالالخامس:

مادلالةكلمة﴿ مَيْسَرَةٍ فيالآية؟ "

الجواب:

اليسارهوالغنىالمؤقت،كالفقيرإذاجاءهمالفعليهأنْيؤديدينه،وهذايفسّرأنْيُنظرالمعسرحتىيزولعذره،وقديكونالفقيرموسراًبينساعةوساعةولايصبحغنياًبينساعةوساعة،وقولنا: ذوسعة،بمعنىموسّععليه،وقولهتعالى:﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ بمعنىإنوُجِد، وقد جرت سنة الله أنّ العسر راحل لا يدوم فأمر الله الدائن بالانتظار فقط حتى يرحل.

والميسرةمصدرميميبمعنىاليساروالسعة، أواسمزمان، أيوقتاليسار. والله أعلم .

 

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]

 

السؤال الأول:

ما الفرق بين ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾ و ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾ [البقرة:281] ؟

 

الجواب:

في سياق الأموال يقول القرآن الكريم ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾ وفي سياق العمل يقول القرآن الكريم ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾.

 

* شواهد قرآنية:

آ ـ آية آل عمران 161: الغل هو الأخذ من الغنائم قبل اقتسامها وهو متعلق بالمال فقال: ﴿ مَّا كَسَبَتۡ﴾.

 

ب ـ البقرة 281: قبلها آيات فيها أمور مادية من ترك الربا، والصبر على المعسر وآية المداينة، فهي في سياق الأموال فناسب ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾.

 

ج ـ آية النحل 111: ليس فيها ذكر للأموال ولا الكسب، وإنما سبقها في الآية 110 الفتنة والجهاد والصبر، وهي أمور غير مادية فقال: ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾.

 

والله أعلم .

 

السؤال الثاني:

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان:33] وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281] الآيتان جملتان وصفيتان، فلماذا الحذف (فيه) في إحداهما والذكر في الأخرى؟

 

الجواب:

السبب أنّ التقدير حاصل (يجزي فيه)، لكن لماذا الحذف؟ الحذف يفيد الإطلاق ولا يختص بذلك اليوم، فالجزاء ليس منحصراً في ذلك اليوم وإنما سيمتد أثره إلى ما بعد ذلك اليوم، وكلما يذكر الجزاء يحذف (فيه) (لا تجزي) و(لا يجزي).

 

أمّا في الآية الثانية البقرة 281 فذكر ﴿ فِيهِ ﴾ لأنه منحصر فقط في يوم الحساب وليس عموماً، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور:37] ؛ لأنّ ذلك اليوم منحصر في يوم القيامة والحساب ؛ لذا في آيتي البقرة والنور ذكر ﴿ فِيهِ ﴾ وحذف ( فيه ) في آية لقمان عندما كان اليوم ليس محصوراً بيوم معين. والله أعلم .

 

السؤال الثالث:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ في هذه الآية ؟

 

الجواب:

1ـ هذه آخر آية نزلت على الرسول محمد ﷺ وعاش بعدها أياماً معدودة اختلف في عددها من 7 أيام إلى 81 يوماً، والله أعلم.

2ـ الرجوع إلى الله ليس المراد منه المكان والجهة، وإنما الرجوع إلى علمه وحسابه فتوفى كل نفس ما عملت من مكتسب، وفي هذا وعيد للفساق والفجار والكفار، ويتم ذلك بتمام العدل والبعد عن الظلم.

3 ـ قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ يومٌ واحد فقط جدير بالعناية والاهتمام ، وكلُ الأيام الأخرى لا تستحق لحظة قلق.

 

السؤال الرابع:

على أي شيء نصبت كلمة ﴿ يَوۡمٗا ﴾ في الآية ؟

 

الجواب:

يوماً: منصوب على المفعول به لا على الظرفية، والمعنى تأهبوا لذلك اليوم، واليوم عبارة عن زمان مخصوص وذلك لا يتقى، وإنما يتقى أحداث وشدائد ذلك اليوم .

 

السؤال الخامس:

قوله تعالى في الآية: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ ﴾ ماذا عن النفس والروح وتعلقهما في الجسد ؟

 

الجواب:

يكثر السؤال عن الفرق بين النفس والروح، وفيما يلي نوضح المتعلقات بين الروح والجسد ومراحلهما:

 

1ـ مرحلة عالم الذَّرِّ: خلق الله الأرواح قبل خلق الأجساد، فهي مرحلة الروح بلا جسد ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ [الأعراف:172].

2 ـ مرحلة عالم الأجنة: الروح والإنسان في بطن أمه وهو جنين، وهي مرحلة الروح غير الكاملة، حيث الروح متعلقة بالجنين تعلق حياة لا تعلق إدراك ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل:78] .

3 ـ مرحلة الإنسان السوي: هنا الإنسان مدرك عاقل بالغ، والنفس هنا هي تعلق الروح بالإنسان السوي، فالنفس هي روح وجسد، بدليل أنّ الروح عندما تصعد يصبح الجسد جثة، وهذه النفس هي التي عليها التكاليف الشرعية بعكس ما سبق من المراحل .

4 ـ مرحلة النوم: الإنسان النائم تصعد روحه، لكنها لا تنفصل عن الجسد انفصالاً تاماً ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزُّمَر:42] فالنوم هو الموتة الصغرى، وليس على الإنسان حرجٌ في هذه المرحلة؛ لأنه غير مدرك إدراكاً تاماً وهو نائم .

5 ـ مرحلة البرزخ: هنا تبقى الروح في عالم البرزخ، وهو العالم الذي يفصل بين الدنيا والآخرة إلى أنْ يأذن الله تعالى بيوم البعث، فتعود كل روح إلى جسدها الخاص بها استعداداً ليوم البعث والحساب، وهذه المرحلة تبدأ عند الموت حيث ينتهي عمل الإنسان .

 

خصائص الروح والجسد:

1ـ الروح له نزوع للأعلى والجسد له نزوع للأسفل، وكلّما سمت الروح يكون الإنسان روحانياً ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ [مريم:57] وكلما نزع الجسد للأسفل يكون الإنسان مادياً ﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:176] بمعاصيه وشهواته ﴿ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ [البقرة:61] فالهبوط هنا دلالة على الهبوط والسفلية.

2 ـ كلّما اهتممنا بالروح وأهملنا متطلبات الجسد المادية ارتفعت بنا الروح وسمت، وهذا ما نشعر به في شهر رمضان مع تلاوة القرآن وحلاوة العبادات .

3 ـ أخطر مرحلة والتي يحاسب عنها الإنسان هي مرحلة النفس في الإنسان السوي كما هو مبين في الآيات أعلاه .

وقد ورد ذكر النفس في القرآن الكريم مرات عديدة لأهميتها وللدلالة على أنّ معظم ذنوب ابن آدم من هوى النفس البشرية : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38] ـ ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ [يوسف: 53] ـ ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ [طه: 96 ] .

لذلك فإنّ معظم الذنوب هي من هوى النفس وليس من وساوس الشيطان.

4 ـ كيف نعرف الفرق بين هوى النفس ووساوس الشيطان ؟

الشيطان يجعل الإنسان يقع في الذنب ناسياً للذنب وعقوبته، أمّا إذا علم الإنسان أنّ هذا الذنب حرام وعليه عقاب ثم يقع في الذنب فهذا يكون من وساوس النفس .

كما أنّ الشيطان يوسوس للإنسان بأي طريق في صلاته وعبادته ليحاول أنْ يوقع الإنسان في الذنب بغض النظر عن الذنب؛ لأنه يريد فقط أنْ يعصي الإنسان ربه، أمّا هوى النفس فهو ما ترغب به النفس البشرية وقد يكون ذنباً واحداً متكرراً .

لذلك على الإنسان أنْ ينتبه لنفسه من نفسه قبل الشيطان، كما قال البوصيري:

 

وخالف النفسَ والشيطانَ واعصِهِم

*** وإن هما مَحضاك النُّصحَ فاتَّهِمِ

 

5ـ علاج الشيطان الاستعاذة ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف:200-201] .

6ـ أمّا علاج النفس فالعزم على مخالفة ما تدعو إليه النفس، والانتباه إلى أنّ النفس تطمع ولا تشبع أو تقنع، فمخالفتها هو العلاج «حُفت النار بالشهوات وحُفت الجنة بالمكاره».[ صحيح مسلم 2822 ] .

 

أنواع النفس:

1ـ النفس المطمئنة: وهي أرقى الأنواع؛ لأنها مطمئنة بذكر الله وعبادته وتكون مطمئنة بالآخرة.

2 ـ النفس اللوامة: وهي التي تلوم صاحبها دائما على المعاصي والذنوب، وكأنها تعمل رقيباً ومحاسباً على الأعمال والأقوال، وقد أقسم الله بها فقال: ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة:2] .

3 ـ النفس الأمّارة بالسوء: وهي أسوأ الأنفس؛ لأنها تأمر صاحبها بارتكاب الذنوب والمعاصي دون تورع أو خشية من الله تعالى، بل على العكس تزين لصاحبها المعصية.

لذلك فتطويع النفس ضروريٌّ للإنسان حتى يتغلب على أهوائه ونوازعه، ولعلّ من أهم الأسباب التي يعين الله تعالى عباده بها على أنفسهم هو إخلاص النية له تعالى، فلو علم الله صدق العبد لأعانه على نفسه ومقاومة إغرائها وشهواتها .

 

اللهم اجعلنا ممن أخلص النية لك في كل أمر وأعنا على مقاومة هوى أنفسنا واعصمنا من الزلل والذنوب ومن عذاب الآخرة، اللهم آمين. والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القسم الأول

 

الحكم التشريعي السابع والثلاثون : أحكام الدَّيْن وكتابته

 

الحكم التشريعي الثامن والثلاثون : التجارة الحاضرة

 

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡ‍َٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 282]

 

السؤال الأول:

ماذا عن دلالة(إذا) و( إنْ ) في هذه الآية، وفي القرآن الكريم ؟

 

الجواب:

(إذا) تستعمل فيما هو كثير وفيما هو واجب، و(إنْ) لما هو أقلّ في عموم الشرط؛ وتفصيل ذلك:

 

1ـ ( إنْ 😞 تستعمل في القرآن الكريم في المعاني المحتملة الوقوع أو المشكوك في حصولها أو المستحيلة أو المفترضة:

     - شواهد للمعاني المشكوك في حصولها: الأعراف 143.

     - شواهد للمعاني المحتملة: البقرة 191ـ المائدة 6.

     - شواهد للمعاني المستحيلة: الزخرف 81 ـ الرحمن 33 .

     - شواهد للمعاني المفترضة: القصص 71 .

 

2ـ (إذا): تستعمل للمقطوع بحدوثه والكثير الوقوع، كما في الآيات:[ البقرة 180 النساء 6 ـ الجمعة 10 ـ النساء 86 ـ الأعراف 204].

 

شواهد مشتركة تتضمن إذا وإنْ معاً:

[التوبة 5 ـ البقرة 196 ـ البقرة 239 ـ البقرة 282 ـ النساء 25 ـ البقرة 180].

 

السؤال الثاني:

ما اللمسة البيانية في الآية: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ ولماذا ذكر الله والرب في الآية نفسها ؟

 

الجواب:

1ـ لفظ (الله) غير لفظ (الرب)، لفظ الجلالة (الله) هو اسم العلم من العبادة وهو الإله المعبود، وأمّا (الرب) فهو المربي والموجه والمرشد والمعلّم والقيّم، ولذلك يصح أنْ تقول عن إنسان: هو رب الدار، رب الشيء.

 

2ـ في قوله تعالى: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ ما سبب الاختيار وجمع لفظ الجلالة والرب فيها؟

 

هذه الآية جزء من آية الدَّين ﴿وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ ﴾ ويتكلم فيها عن الدائن والمدين، والدائنُ أحسَنَ إلى المدين وأجرُه أعلى من أجر المتصدق؛ لأنّ المتصدق أجره عشرة أضعاف والدائن ثمانية عشر كما في الحديث؛ لأنه أخرج المحتاج من حاجته، إذن الدائنُ أحسَنَ إلى المدين، فعلى المدين ألا يبخس حق من أحسَنَ إليه، والربُ أحسن إلى العبد في تعليمه وتوجيهه، إذن الدائن هو الذي أحسن إلى المدين، والله هو الذي أحسن إلى الدائن فمكَّنَ له، وقال في ختام الآية: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ والمعلم مربٍّ، أي: رَبٌّ، فناسب رَبّاً من ناحية الإحسان ومن ناحية التعليم.

 

3ـ لو قال فقط: (وليتق الله) لن يكون فيها معنى الإحسان والإفادة، وهذا أحسَنَ إليك كما أحسن الله إليك، وقد آتاك المال وجعل يدك أعلى.

و لو قال: (ليتق ربَّه) فإن كلمة (رَبٍّ) لا تعني الله بالضرورة؛ لأنَّ الرب قد يكون رَبَّ الدَّيْنِ، فأراد أنْ يجرّدها لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ .

 

السؤال الثالث:

قوله تعالى في الآية: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ ﴾ والبخس هو النقص، فهل اختيار البخس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ﴾ لغاية وسبب؟

 

الجواب:

نعم، فالبخس وإن كان بمعنى النقص إلا أنه يدل على الإنقاص بخفاء وغفلة عن صاحب الحق، لذلك كان اختيار هذا اللفظ دون غيره.

 

السؤال الرابع:

ما دلالة (أنْ) فى الآية ﴿ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ ؟

 

الجواب:

ـ (أنْ) هنا تفيد معنى: كراهة أنْ تضل إحداهما، أو لئلا تضل، وكما في قوله تعالى: ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمۡ﴾ [النحل:15] يقولون: كراهة أنْ تميد بكم، أو لئلا تميد بكم وقوله تعالى في آية هود 46 ﴿إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ يعني: لئلا تكون من الجاهلين.

 

السؤال الخامس:

في قوله تعالى في الآية: ﴿أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ ما فائدة تكرار إحداهما في الآية ؟

 

الجواب:

تكررت كلمة (إحداهما)؛ لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير، وتكرار كلمة ﴿إِحۡدَىٰهُمَا﴾ مع الضلال ومع التذكير لئلا يُتوَهَّم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلا مذكِّرةً للأخرى.

 

السؤال السادس:

ما الفرق بين (استَشهِدوا) و(أشهِدُوا) في آية البقرة ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ وفي نفس الآية ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ ؟

 

الجواب:

1ـ الفعل (استشهد) على وزن (استفعل) والهمزة والسين والتاء تأتي للطلب، وله معنيان:

 

     آـ اطلبوا شهيدين .

     ب ـ أو اطلبوا ممن تكررت منه الشهادة وممن تعلمون قدرته وعلمه على أدائها، أي: بقصد المبالغة.

 

2ـ وأما الفعل (أشهِدوا) فليس فيه هذا الأمر، وإنما يدل على مجرد الشهادة .

ومعنى ذلك أنَّ ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ معناها أقوى .

 

3ـ علينا أن نلاحظ السياق الذي وردت فيه كلمة (استشهِدوا)، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ ﴾ ، وجاءت مع تقييدات في حفظ الحقوق ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ والذي لا يستطيع أن يحفظ حقه قال: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ إذن في هذا الموقف نطلب ممن يستطيع أنْ يتحمل الشهادة ويكون أميناً قادراً على أنْ يتحمل أداءها، فقال: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ .

أمّا في القسم الثاني من الآية: ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ فهذا في البيع الذي ليس فيه أحد قاصر ولا يستطيع أنْ يُمِلَّ ما عليه الحق وما إلى ذلك وإنما حالة اعتيادية، من أجل هذا قال: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾ لأنّ البيع لا يحتاج.

إذن الحالة التي تستدعي دعوة الأمين والقوي والمقتدر والعالم بالشهادة ذكرها في موطنها، والتي لا تحتاج لم يقل فيها (اكتبوها)، بل قال: ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ﴾ .

ولذلك فيما هو أهم جاء بالفعل الذي يدل على الأهمية في الطلب والمبالغة ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ ، وفي الأمر الاعتيادي الذي يحصل في الأسواق قال: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾ فوضع كل فعل في الموضع الذي ينبغي أن يوضع فيه.

 

فانظر إلى هذا التصوير البديع الذي ترسمه زيادة السين والتاء في قوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ تجد هذه الكلمة تدل على طلب شهادة الشاهدين وتكليف بالسعي للإشهاد، وهذا ما لا يفيده لفظ (وأشهدوا) الذي يدل على مجرد الشهادة. والله أعلم .

 

القسم الثاني ( الأخير ) من آية البقرة 286


﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡ‍َٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ[البقرة: 282]

 

السؤال السابع:
في قوله تعالى في الآية: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ هل (لا) هنا نافية أم ناهية ؟

 

الجواب:
1ـ فى قوله تعالى ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ و ﴿ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ ﴾ هذا حكم شرعي.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ (لا) هنا ناهية وليست نافية بدليل الراء في ﴿ يُضَآرَّ ﴾ مفتوحة، وأصلها (لا يضارَر) أي: لا يضره أحد، أو (لا يضارِر) ومحتملٌ أنّ الكاتب والشهيد يُضغط عليه ويُضر به ويُهدَّد فيغيَّر من شهادته، فيحتمل هذا المعنى، أو أنّ الشهيد لا يريد أنْ يشهد لأسباب في نفسه فيغير في الشهادة، أي أن المعنى: (لا يضارَر أو لا يضارِر).


2ـ ولو أراد أنْ يقيّد لقال: ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل)، ولو أراد أنّ الكاتب هو الذي يُضِرُّ يقول: لا يضارِر.


3ـ ولذلك بدل أنْ يقول: ولا يضارِر أو ولا يضارَر، جاء بتعبير يجمعهما معاً ويريد كليهما، ويسمى هذا بالتوسع في المعنى.


4ـ ونحو ذلك قوله تعالى في القرآن: ﴿ وَمَن يَرۡتَدِدۡ[البقرة:217] في مكان وقال: ﴿ مَن يَرۡتَدَّ[المائدة:54] في مكان آخر، وكذلك ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ[الأنفال:13] و ﴿ وَمَن يُشَآقِّ[الحشر:4].


5ـ وكذلك نجد مثل ذلك في قوله: ﴿ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ [البقرة:233] ما المقصود من الآية؟ المعنى أنه لا يوقع عليها ضرر بحيث يضرها الأب إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع ابنها، والمعنيان مرادان، وكلاهما منهي عنه.


6ـ هذا بابٌ اسمه التوسع في المعنى، وهناك دلالة قطعية ودلالة احتمالية، وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها، فإذا أريد بعضها أو كلها سميت بالتوسع في المعنى.

 

السؤال الثامن:
ما أهم الوقفات الأخرى في الآية والتي لم تذكر؟

 

الجواب:
1ـ في الآية حث على الاحتياط في أمر الأموال، خاصة بعد أنْ سبقها طلب الإنفاق وترك الربا، وهذه الأمور لا تحصل إلا بوجود المال، ولذلك أمر بحفظ الأموال عن طريق الكتابة وغيرها.


2ـ التداين تفاعل من الدَّيْنِ، ومعناه داين بعضكم بعضاً، أي: أنّ البيع هنا بالدين.


3ـ (إذا) تأتي للكثير الوقوع و(إنْ) في الآية لقليل الوقوع.


4ـ قوله: ﴿ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ﴾ ليكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والشهر واليوم، ولا تجوز التسمية على الحصاد أو إلى قدوم الحاج.


5ـ قوله: ﴿ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ ﴾ فيه إشارة إلى كتابة التفاصيل التي تمنع النزاع، ولا يكتب الألفاظ المجملة، فالكاتب يجب أنْ يكون فقيهاً عارفاً أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة.


6ـ قوله: ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ ﴾ الفعل (تكون) يمكن أنْ يكون تاماً أو ناقصاً.
وهذا الجزء من الآية يمثل الحكم التشريعي الثامن والثلاثين من الأحكام في سورة البقرة .


7ـ قوله: ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾ المقصود فيه الإرشاد إلى طريق الاحتياط.


8ـ كلمة (الكتابة) ومادتها: (الكاف والتاء والباء) تكررت مرات كثيرة في هذه الآية، وقد ورد حرف الكاف فيها: 23 مرة، وحرف التاء: 30 مرة، وحرف الباء 23 مرة.


9ـ قوله تعالى: ﴿ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ﴾ هذا أمر للمُملِي الذي عليه الحقُّ بأنْ يُقِرَّ بمبلغِ المال الذي عليه ولا يُنقِص منه شيئاً.
والرَّبُ: هو المربِّي والقيم والمشرف، واسم الله هو علم على واجب الوجود الذي يستحق العبادة، وقد جمع الله بين الاسمين مبالغة في الحث على التقوى.


فالدائن أحسَنَ إلى المدين بإقراضه المال وهو أعلى أجراً من المتصدق، وهذا من فضل الله على الدائن من حيث الإحسان، حيث جعل يده أعلى من يد المدين، وهذا يستحق منه شكر الله ربه وتقواه أنْ أعطاه هذا الفضل.
كما أنّ المدين بعد أن أحسن الدائن إليه من واجبه ألا يبخس من حق الدائن، وعليه أنْ يتق الله في أداء الدين بأكمله في وقته المحدد.

 

السؤال التاسع:
في قوله تعالى: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ﴾ ما فائدة الباء هنا في الآية ؟

 

الجواب:
ذكر كلمة ﴿ بِدَيۡنٍ ﴾ بعد كلمة ﴿ تَدَايَنتُم ﴾ ليرجع إليها الضمير في ﴿ فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ وللتأكيد ولتخصيص أحد المعنيين من التداين، وهو التداين بالمال؛ لأنّ المعنى الآخر هو المجازاة من قولهم: كما تدين تدان.

 

السؤال العاشر:
قوله تعالى: ﴿ شَهِيدَيۡنِ ﴾ ولم يقل: شاهدين، فما دلالة ذلك ؟

 

الجواب:
قوله تعالى: ﴿ شَهِيدَيۡنِ ﴾ بمعنى (شاهدين)، واستعمل صيغة فعيل بمعنى فاعل؛ لأنّ مطلق شاهد قد يكون زوراً، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة، كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيداً.
وكلمة (شهيد) بمعنى شاهد، مثل: بديع بمعنى مبدع، وأليم بمعنى مؤلم، وحكيم بمعنى محكم، غير أنّ في وزن (فعيل) مبالغة، وهو أنه يدل على استحقاق الصفة، كأن من شأنه الإبداع أو النبل أو الشهادة.

 

السؤال الحادي عشر:
في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ ﴾ زيدت ( ما ) فما دلالة ذلك، علماً أنها لم تأت في جزأين آخرين من نفس الآية ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ و ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾؟

 

الجواب:
يستعمل القرآن الكريم الحروف الزائدة بهدف التوكيد، فيضعها في المكان الذي يحتاج إلى توكيد.
وهنا زيدت (ما) في جزء من الآية وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ ﴾ ولم تأتِ في جزأين آخرين من نفس الآية، والسبب هو أنه زيدت ( ما ) مؤكدة على الشهداء حضور الشهادة عند الدعوة إليها، بخلاف موضعين اثنين في نفس الآية ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ و ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾ والسبب أنّ الشاهد قد يتباطأ أو يتكاسل أو ينكص عن الشهادة؛ لأنه ليست له مصلحة خاصة به، أو قد تلحق به ضررا فاحتاج إلى التوكيد . والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحكم التشريعي التاسع والثلاثون: الرهن عند تعسر الكتابة
الحكم التشريعي الأربعون: النهي عن كتمان الشهادة

 

﴿۞وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 283]

 

السؤال الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ ولم يقل: (إذا)، فما دلالة ذلك؟

 

الجواب:
استعمل ﴿وَإِن﴾ للدلالة على العدد القليل لهذه الحالة بعكس استعمال (إذا).

 

السؤال الثاني:
في قوله تعالى في الآية: ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ لِمَ أطلق على الرهان اسمَ الأمانة؟


الجواب:
كل من يقرأ هذه الآية يعلم أنّ الأمانة في قوله تعالى: ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ يُراد بها الرهان الذي سبق ذكره ﴿فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ ﴾ وسمّى ربنا سبحانه وتعالى الدَّيْنَ في الذمة أو الرهنَ أمانةً؛ لتعظيم الحق عند المدين، فاسم الأمانة له مهابة في نفس الإنسان لا تضفيه كلمة الرهان، وفيها تهويل من عدم الوفاء بالاتفاق لئلا يُسمى ناكث العهد خائناً.

 

السؤال الثالث:
في قوله تعالى: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ لِمَ ذكر ربنا تعالى كلمة ﴿ٱللَّهَ﴾ وكلمة ﴿رَبَّهُۥۗ﴾ وهما اسمان لمسمّى واحد؟

 

الجواب:
ذكر اسم الجلالة ﴿ٱللَّهَ﴾ في الآية مع أنه يمكن الاكتفاء بقولنا (وليتق ربه)؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السامع ولغرس المهابة في قلبه ليكون حذراً من الإخلاف، فاسم الجلالة ﴿ٱللَّهَ﴾ [البقرة:283] له وقع في نفس السامع يشعرك بالمهابة والتعظيم.
انظر الجواب بالتفصيل في الآية السابقة 282.

 

السؤال الرابع:
لماذا لم يكتف بقوله: ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ ﴾ وإنما أسند الإثم إلى القلب ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ ؟

 

الجواب:
لم يكتف بقوله ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ ﴾ وإنما أَسند الإثمَ إلى القلب؛ وذلك أنّ الشهادةَ محلُّها القلب، وكتمانها هو أنْ يبقيها في قلبه، فنسب الإثمَ إلى القلب، وهو تعبيرٌ بديعٌ؛ لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ.
ألا ترى أنك إذا أردت التوكيد قلت: هذا مما أبصرته بعيني، ومما سمعته بأذني، ومما عرفه قلبي.
والقلب هو رئيس الأعضاء، وهو المضغةُ التي إنْ صلحت صلح الجسدُ كلُّه وإنْ فسدت فسد الجسد كلُّه، فكأنه قيل: قد تمكّن الإثمُ في أصل نفسه ومَلَكَ أشرفَ مكانٍ فيه، ولئلا يُظنَّ أنّ كتمان الشهادة من آثام اللسان فقط .

 

السؤال الخامس:
ما أهم الوقفات في الآية ؟

 

الجواب:
1ـ حروف كلمة (السفر) اشتقت من الظهور والكشف، والسِّفْر: هو الكتاب؛ لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السَّفَرُ سَفَراً؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال، أو أنه لما خرج إلى الصحراء فقد انكشف للناس، وأسفرت المرأة عن وجهها، أي: كشفت.

 

2ـ أصل الرهن من الدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، ونعمة راهنة، أي: دائمة ثابتة.

 

3ـ في الآية حذف، والتقدير: فرهان مقبوضة بدلاً من الشاهدين أو ما يقوم مقامهما.

 

4ـ قوله: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ هو بيع الأمانة بدون كتابة ولا شهود، وعلى المدين أنْ يتقي الله ولا يجحد، وقد يكون خطاباً للمرتهن بأنْ يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده.

 

5ـ إنّ جواز الرهن لا يختص بالسفر، ولم يذكره هنا في الآية لتخصيص الحكم به، لكنْ لمّا كان السفر مظنة عوز الكاتب والشاهد الموثوق بهما أمر الله تعالى على سبيل الإرشاد ولحفظ مال المسافرين بأخذ الرهان.

 

6ـ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ لأنّ الإثم مقترن بالقلب، ولأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما يقال: أبصرته بعيني، وسمعته بأُذني، ووعاه قلبي. والله أعلم.

 

<<<<<<<<<


علم الله محيط بالسرائر والعلانية

 

﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]

السؤال الأول:
في قوله تعالى في بداية الآية: ﴿لِّلَّهِ﴾ علام يدل تقديم الجار والمجرور ؟

 

الجواب:
قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ﴾ قدّم الجار والمجرور لإفادة الحصر والقصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله وحده فقط وليس لأحد غيره، وهذا يدل على كمال المُلك مُلْكاً ومِلْكاً.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة تقديم السماوات على الأرض في الآية؟

 

الجواب:
قدّم السماوات على الأرض لأسبقيتها في الخلق.

 

السؤال الثالث:
ما دلالة تقديم وتأخير كلمة ﴿تُخۡفُوهُ﴾ على الإبداء في آية سورة البقرة 284، وسورة آل عمران 29؟

 

الجواب:
قوله تعالى: في آل عمران 29: ﴿ قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 29].
المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يُبدي الإنسان وليس ما يُخفي، ففي سياق المحاسبة قدّم الإبداء، أمّا في سورة آل عمران فالآية في سياق العلم؛ لذا قدّم الإخفاء؛ لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى.

 

السؤال الرابع:
ما القواعد العامة في القرآن في تقديم أو تأخير السر، وكذلك في الإعلان والإخفاء والجهر ؟

 

الجواب:
1ـ في القرآن الكريم قد يقدم السر على العلن، كما في آية يس ﴿ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ [يس:76] وذلك:
     آـ لأنّ مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن.
     ب ـ كما أنّ السر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها، فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى.

 

2ـ الملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر، فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء، كما في قوله تعالى:
﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ﴾ [الأعلى:7].
﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾ [البقرة:284] .
﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾ [الأنبياء:110] .

 

3ـ وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر، فيكتفي بذكر الإسرار دون الإعلان كما في قوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26].
وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع، كقوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾ [الحُجُرات:18] وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ﴾ [النور:30] وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام.

 

4ـ وكذلك في القرآن الكريم نلاحظ أنه إذا تقدم الكلام عن المنافقين أو الكفار قدّم الإخفاء، وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدّم الإبداء، بناء على سلامة بواطنهم وتنزههم عن صفة المنافقين، وهذا مُطَّرد في جميع القرآن الكريم.
غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية.

 

وبيان ذلك من الشواهد القرآنية:
أولاً: في مواضع تقديم السر على العلن:
     آـ ﴿ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ البقرة 77ـ هود 5ـ النحل 23ـ يس 76، وهذه المواطن الأربع هي خاصة بذكر الكافرين.

     ب ـ ﴿ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ [النحل:19] بصيغة الخطاب في موطنين: [النحل 19ـ التغابن 4] وهما ليسا مختصين بالكافرين، وإنما هما من المواطن العامة التي تشمل عموم بني آدم، وإنْ كان قد جرى فيها ذكر للكافرين.
مع ملاحظة أن آية النحل قد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان، والسورة بدأت في الكلام عن الشرك والمشركين ثم عن الكفار، ولم يرد في سياق آية النحل ذكر للمؤمنين.
وأمّا آية التغابن فالسياق فيها لم يختص بالكلام عن الكافرين، إلا أنه جرى بعدها مباشرة في الآيات ( 5ـ7 ) ذكر للكافرين، فتكون آية التغابن قد وقعت في سياق الكافرين، سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها.
وعلى أية حال فالقاعدة صحيحة، فكل ما تقدم فيه السر على الإعلان كان في سياق الكلام عن الكافرين، سواء تقدم الآية أم كان في عقبها.

 

ثانياً: في مواضع تقديم العلن على السر:
﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ [البقرة:284] والخطاب فيها للمؤمنين.
﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة:99] وهو خطاب للمؤمنين.

 

ثالثاً: حسب سياق الآية:
ـ_ ﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ﴾ [الأعلى:7] قدّم الجهر؛ وذلك لتقدم قوله تعالى: ﴿ سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ [الأعلى:6] والإقراء لا يكون إلا جهراً، بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً، فناسب تقديم الجهر.
_﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾ [الأنبياء:110] قدّم الجهر على الكتمان؛ لتقدم قوله تعالى: ﴿ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ ﴾ [الأنبياء:109] والإيذان هو الإعلام والإشهار، وذلك لا يكون إلا جهراً .
رابعاً ـ الاكتفاء بأحدهما دون الآخر:
﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26] ولم يقل: وجهرهم؛ لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم:
﴿ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ ﴾ [محمد:26] ولم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26] أي لا يخفى عليه ما أسروه.
والله أعلم.

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

 

السؤال الأول:

ما نوع (لا) في قوله تعالى: في الآية ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ ؟

 

الجواب:

في قوله تعالى: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ (لا) هي النافية لا تجزم ولا تؤثر على الفعل، إنما نفي فقط للفعل الذي يليها.

 

السؤال الثاني:

قوله تعالى: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ ما الفرق بين المغفرة والغفران في القرآن الكريم؟

 

الجواب:

1ـ كلمة (غفران) لم ترد إلا في موطن واحد، وهو في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ وهي في طلب المغفرة من الله تعالى. إذن كلمة (غفران) مخصّصة بطلب المغفرة من الله تعالى، وهذه دعاء أي: نسألك المغفرة ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ إذن (غفران) تستعمل في طلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.

 

2ـ (المغفرة) لم تأت في طلب المغفرة أبداً، وإنما جاءت في الإخبار وفي غير الطلب، كما في الآيات: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ ﴾ [البقرة:268] ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ ﴾ [الرعد:6] . وقد تأتي من غير الله سبحانه وتعالى كما في قوله: ﴿ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ﴾ [البقرة:263] فقد تأتي من العباد.

 

إذن (المغفرة) ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى ولها أكثر من جهة، ولم يستعملها القرآن في طلب المغفرة، بينما كلمة (الغفران) مختصة بطلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.

 

السؤال الثالث:

ما أهم اللفتات في الآية؟

 

الجواب:

لمّا بيّن تعالى في الآية المتقدمة كمال المُلك وكمال العلم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى ( وذلك يوجب كمال صفات الربوبية) أتبع ذلك بأنْ بيّن كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع، وذلك هو كمال العبودية. لذلك فالمرجو من عميم فضل الله وإحسانه أنْ يحفنا بكمال العناية والرحمة والإحسان، اللهم حقق هذا الرجاء والأمل يا ربنا يا رحمن يا رحيم.

 

وفي الآية مسائل:

1ـ ذكر الله إيمان الرسول ﷺ أولاً ثم ذكر إيمان المؤمنين بالرسالة بناء على توزيع الفاعل في الفعل (آمن) بين الرسول والمؤمنين .

 

2ـ ثم جمعهما الله بقوله: ﴿ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ ﴾ فجمعهم في كُلِّيَّةٍ كأن قلوبهم قلب واحد فقال: كُلٌّ .


 

ثم فصّل بعد الإجمال فقال: ﴿ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ ﴾ وهذه الأربعة من ضرورات الإيمان، وفائدة هذا الجمع أنْ يبين زيادة شرف الإيمان حيث مدح به خواصّه ورسله.

 

3ـ قوله: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ بتقدير فعل محذوف، أي: يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله.

 

وكلمة ﴿ أَحَدٖ ﴾ هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد، كقوله تعالى: ﴿ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ﴾ [الحاقة:47] وحاجزين جمع، فكأنه يقول: لا نفرق بين آحاد من رسله، ولأنّ أحداً يصلح للمفرد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما نفياً وإثباتاً، تقول: ما رأيت أحداً إلا بني فلان أو إلا بنات فلان، وتقول: إنْ جاءك أحد بكتابي فأعطه المال، ويستوي فيه الكل، فالمعنى لا نفرق بين اثنين منهم أو بين جماعة منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ ﴾ [الأحزاب:32] .

 

4ـ قوله: ﴿ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ ﴾ يعني: الجمع بين العلم والعمل.

 

5ـ قوله: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فيه إشارة أنّ المؤمن خائف من التقصير لذلك يلتمس المغفرة، والمصدر (غفرانك) وقع موقع الفعل، وقد قُرن هذا الغفران بأمرين: أحدهما الإضافة، أي: إلى الضمير في غفرانك، والثاني: (ربنا) وكأنّ المؤمن يقول لله: أنت الكامل في هذه الصفة وأنت غافر الذنب وأنت الغفور.

 

فقوله: ﴿ غُفۡرَانَكَ ﴾ أي: أطلب يا رب الغفران الكبير، فإنْ كان جرمي كبيراً لكنّ غفرانك أعظم من جرمي، أي: عاملنا بما أنت له أهل لا بما نحن أهل له.

 

6ـ وقوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ اعتراف بالربوبية لله، أي ربيتني في الماضي فاجعل عملي في الماضي شفيعي إليك في أنْ تربيني في المستقبل، فتمم هذه التربية بفضلك وكرمك.

 

وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يُجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداءَ بُعدٍ قَطُّ.

 

7ـ قوله: ﴿ وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فيه إقرار بالمعاد إلى الله وحده، حيث قدّم الجار والمجرور فأفاد القصر والحصر أي لا إلى غيرك.

 

8 ـ ذكرت هذه الآية أربعةً من أركان الإيمان وهي:

آ ـ الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له.

ب ـ الإيمان بالملائكة الكرام.

ج ـ الإيمان بالكتب المنزلة من الله تعالى وهي: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وكذلك صحف إبراهيم وموسى، وأنّ القرآن لم يُحرّف ولم يُبدّل.

د ـ الإيمان بجميع رسل الله تعالى، لا نفرّق بين أحد منهم بالإيمان بهم.

 

والله أعلم

 

>>>>>>>>

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]

 

السؤال الأول :

ما الفرق بين آية البقرة 286 ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ و آية الطلاق 7 ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ ﴾ ؟

 

الجواب :

1ـ لو نظرنا في الآيتين سنجد السبب واضحاً. آية البقرة تتكلم عن التكاليف عموماً وفي أمور الحياة وفي العمل، وأنه من عمل خيراً كان له ومن عمل سوءاً كان عليه، وهذا في عموم التكاليف، فقال الله عز وجل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ فهو كسبٌ واكتساب.

 

وفي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ جمهور العلماء قال كما قال: الرسول «وما أمَرْتُكم به فَأْتُوا منه ما استطَعْتُم» [صحيح ابن حبان 18] أي: بقدر طاقتكم.

 

وقالوا أيضاً في معناها: إنّ جميع التكاليف هي في وسع البشر؛ لأنه سبحانه وتعالى لم يكلّف البشر شيئاً لا يطيقونه ولم يكلفهم ما لا يطيقونه، فإذا كانوا لا يطيقون يخفف عنهم.

 

2ـ لكن آية الطلاق 7 وهي قوله تعالى: ﴿ لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا﴾ الإيتاء هنا هو الإعطاء. وعندما ننظر في سياق الآية نجد الكلام عن المال، أي: ما آتى الله للإنسان من مال، والكلام في الآية عن الإنفاق والمنفق عليه، والكلام أيضاً هو عن المطلَّقات، أي: ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير أنْ ينفق ما ليس في وسعه، بل لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من حيث المال، وعندما يكون هناك إنفاق فبقدر ما عندك تُنفِق، أي بمقدار ما آتاك الله، فقال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ ﴾ [الطلاق:7].

 

السؤال الثاني :

لماذا نكّر كلمة (نفس) في الآية فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ ؟

 

الجواب :

في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ﴾ دلالة التنكير للأنفس، أي: هي للعموم والشمول، أي: جنس النفس، وأيُّ نفس لا يكلفها الله تعالى إلا وسعها وإلا ما تطيقه، والرسول ﷺ عندما يقول: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعْتُم وإن نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنِبوه» [البخاري 7288 ومسلم 1337] ففي مسألة النهي نقطع، فلمّا نُهينا عن الربا انتهى الأمر، وإذا أمرنا بأمر نأتي منه بقدر طاقتنا، أمرنا بالصيام فنصوم فإذا كان الإنسان مريضاً يخفف عنه.

 

وقوله تعالى : ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ يعني أنّ الأمر الذي تظن أنّه فوق طاقتك؛ تأكد أنّ الله لن يضعه أمامك إلا وجعل بيديك القدرة على تجاوُزه ، وهذه مواساة ربانية، فلن يحمّلك الله سبحانه أكبر من طاقتك فكن على يقين واطمئن واصبر ... وكثيرون يُقْصِرون دلالةَ هذه الآية على الترخص فقط ، بينما هي من أدلة الأخذ بالعزيمة أيضاً ، في حدود الوسع دون تكلف.

 

السؤال الثالث :

ما الفرق بين (كسبت واكتسبت)؟

 

الجواب :

هناك رأيان :

1ـ اكتسب على وزن (افتعل) وفيها تمهّل، مثل: اصبر واصطبر وجهد واجتهد. واصطبر هو صبر طويل شديد، فصيغة (افتعل) فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ .

و كلمة (الاكتساب) فيها تمهل واجتهاد وليست (اكتسب) عامة؛ لأنها في الشر، بينما (الكسب) يكون في الخير والشر، لكنّ الكسب أسرع والاكتساب فيه تمهّل واجتهاد، واكتساب السيئات يحتاج إلى مشقة، أمّا الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، فقد يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً.

 

2ـ هناك رأي آخر في الفرق بين: كسب واكتسب، فالكسب هو أمر طبيعي، لذلك نجد أنّ أفعال الخير تأتي كسباً لا اكتساباً، بينما الفعل: (اكتسب) على وزن (افتعل) فيه تكلف؛ لأنّ صاحب الشر يتكلف الفعل فيحاول أنْ يستر نفسه، مثل السارق للبستان أو سارق النظرة من المرأة الأجنبية، بعكس نظر الرجل إلى زوجته فيتم بدون تكلف، فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال.

والمرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر؛ لأنّ في نفوسهم بقايا خير، لكنْ عندما يعتبرون الشر حرفة ومَلَكَة فهنا المصيبة إذ تحيط بكل منهم خطيئته، فلا تجعل له منفذاً إلى الله ليتوب، كما قال تعالى: ﴿ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة:81] فالمصيبة الكبرى عندما يصل المرء إلى مرحلة لا يحتاج الشر عنده إلى افتعال ويسقط في بلادة الحس الإيماني وتكون الشرور عليه سهلة لأنه تعود عليها.

 

3ـ ونلاحظ أن كل ﴿ لَهَا ﴾ في القرآن جاءت مع ﴿ كَسَبَتۡ ﴾ وكلمة ﴿ وَعَلَيۡهَا ﴾ جاءت مع ﴿ ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ إلا في آية واحدة في سورة البقرة 81 ﴿ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ .

 

السؤال الرابع :

ما الفرق بين الإنساء والنسيان، وما علاقة النسيان بالشيطان؟

 

الجواب :

1ـ النسيان: خلقه الله في الإنسان، لذلك ينسى الشخص من تلقاء نفسه، ويكون عما كان، أمّا السهو فيكون عما لم يكن.

2ـ الإنساء: من أنسى، مثل: أكرم إكراماً.

3ـ لا النسيان ولا الإنساء يتعلقان بالشيطان، فقد تستطيع أن تُنسي شخصاً أمراً ما بإلهائك إياه ببعض الأمور الأخرى.

4ـ الله تعالى ينسب الإنساء لنفسه كما في قوله تعالى: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ ﴾ [الحشر:19] .

 

* شواهد قرآنية:

ـ آية طه 52 ﴿ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ لا ينسى من تلقاء نفسه.

ـ آية الكهف 63 ﴿ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ ﴾ فتى موسى يتكلم عن نفسه، وعن أن وساوس الشيطان ألهته فنسي.

ـ آية يوسف 42 ﴿ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ ﴾ هذا سرد لما حدث، يتكلم عن الشخص الذي ظن أنه ناج، أي: أنّ الشيطان بسبب وساوسه وإلهائه له جعله ينسى موضوع يوسف عليه السلام.

ـ آية البقرة 286 ﴿ إِن نَّسِينَآ ﴾ عامة من تلقاء أنفسهم.

ـ آية المؤمنون 110 ﴿ حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي ﴾ أي: أنّ انشغالكم بسخرية المؤمنين أنساكم ذكر الله والإيمان به.

ـ آية البقرة 106 ﴿ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا ﴾ متعلقة بالله تعالى.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تناسب خواتيم سورة البقرة مع أوائل سورة آل عمران

 

1 ـ قال الله في خواتيم البقرة:
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة: 284].

وقال في أوائل آل عمران:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ٥هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 5-6].

فقوله في سورة البقرة: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) [البقرة: 284] يناسب قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5]
فالملك ملكه وهو يعلم ما فيهما لا يخفى عليه شيء فيهما، وأثبتَ له المشيئةَ في المغفرة والتعذيب، وأثبتَ له المشيئةَ في التصوير في الأرحام، فهو - سبحانه - على كل شيء قدير.


2ـ قال الله في خواتيم البقرة:
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) [البقرة: 285].
وقال في مفتتح آل عمران: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ) [آل عمران: 3-4].
فذكر في خواتيم البقرة من آمن بالله والملائكة والكتب والرسل ، وذكر في أول آل عمران الكتب وذكر التوراة والإنجيل وذكر أنّ القرآن مصدق لما بين يديه.


3ـ ذكر دعاء المؤمنين في خواتيم البقرة: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285] (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: 286].
وذكر دعاء الراسخين في العلم في مفتتح آل عمران: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ٨رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 8-9].


4ـ قال في خاتمة البقرة على لسان المؤمنين: (أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286].
وقال في أوائل آل عمران(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران: 12].
كما ذكر نصر المؤمنين في معركة بدر: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) [آل عمران: 13].
فكأن ما ذكره في آل عمران استجابة لما دعا به المؤمنون في أواخر البقرة: (أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286].
جاء في «البحر المحيط»: مناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه لما ذكر آخر البقرة: (أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286] ناسب أنْ يذكر نصره تعالى على الكافرين حين ناظرهم رسول الله  ورد عليهم بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة.
ولمّا كان مفتتح آخر آية البقرة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) [البقرة: 285] فكان في ذلك الإيمان بالله وبالكتب ، ناسب ذكر أوصاف الله تعالى وذكر ما أنزل على رسوله وذكر المنزّل على غيره صلى الله عليهم.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

هدف سورة آل عمران: الثبات


كل سورة من سور القرآن الكريم لها وحدة موضوع، واسم كل سورة مستوحى من هذا الموضوع. وهدف سورة آل عمران: الثبات، فبعد أنْ عرض الله تعالى لنا المنهج الذي يجب علينا أنْ نتبعه في سورة البقرة جاءت سورة آل عمران لتدلنا على الطرق التي تعيننا على الثبات على هذا المنهج، سواء كنا من حديثي العهد بالمنهج أو قديمي العهد، فكلُ المؤمنين يحتاجون إلى الثبات على المنهج؛ حتى لا يتخاذلوا ولا يخافوا أنْ يزيغوا أو يضلوا.


وسورة آل عمران تنقسم قسمين اثنين:
1. القسم الأول من الآية (1- 120)، هذه الآيات تدلنا على كيفية الثبات فكرياً في مواجهة الأفكار الخارجية.
2. القسم الثاني من الآية (121- إلى نهاية السورة)، وفيها كيفية الثبات داخلياً.

وقد بدأت سورة آل عمران بالثبات فكرياً من الخارج لتجهيز البيئة المحيطة ، ثم انتقلت للثبات الداخلي للفرد، وسورة آل عمران تتمحور حول حادثتين:
آـ حادثة وفد نصارى نجران الذي يمثل أول حوار للأديان في التاريخ، وكيف نثبت في مواجهة الأفكار الخارجية من خلال المناقشة مع وفد نصارى نجران، وهي تعلمنا فكرة مناقشة أهل الكتاب عامة.
ب ـ والحادثة الثانية: غزوة أحد، لتدلنا على كيفية الثبات العملي، ورغم أنّ غزوة أحد وقعت قبل حادثة وفد نجران، إلا أنّ ورودها بعدها إنما هو لتحقيق فكرة الثبات الخارجي أولاً، ثم الداخلي.
وبداية السورة ونهايتها تدلان على أنّ الحق معنا وعلينا أنْ نتمسك به: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 3]. و: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}


ونستعرض سورة آل عمران ومحاورها:
1ـ الثبات على الحق: والآيات كثيرة في الثبات لكل الطبقات وكل الناس:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].


2ـ عقبات الثبات: نحو قوله تعالى:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].


3ـ عوامل الثبات:


آـ اللجوء إلى الله تعالى:
ـ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
ـ {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 192-193-194].
وكذلك دعوة سيدنا زكريا: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ} [آل عمران: 38 - 39].
وسورة آل عمران هي أكثر السور التي ورد فيها دعاء؛ لأننا إذا أردنا الثبات على المنهج علينا أنْ ندعو الله تعالى ونلجأ إليه حتى يعيننا على الثبات؛ لأننا بأمسّ الحاجة إلى عون الله تعالى على الثبات.


ب ـ العبادة: وهذه السورة مليئة بنماذج عُبّادٍ.
السيدة مريم وعبادتها:
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
وسيدنا زكريا: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39].


ج ـ الدعوة إلى الله: لأنه عندما يدعو أحدُنا غيرَه إلى الله تعالى فهذا يعين على الثبات: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
[آل عمران: 104] و {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].


د ـ وضوح الهدف: يجب أنْ يكون الهدفُ واضحاً في الحياة : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}  [آل عمران: 191].


هـ ـ الأخوّة: تركيز على الأخوّة في الدين بشكل شديد؛ لأنها من أهم ما يُعين على الثبات.: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].
والنصف الأول من سورة آل عمران يدعو للثبات فكرياً، ويتمثل في مناقشةٍ راقيةٍ للرسول  مع أهل الكتاب ليعرض معهم أين الحق، وقد أقام وفدُ نجران في مسجد الرسول  وناقشهم فيه أيضاً، وعلينا أنْ نتخذ هذه التعاليم لمحاورة الذين اختلفوا معنا في المعتقد ونقتدي بالرسول .


كيف تثبّت سورةُ آل عمران المؤمنين؟


1ـ تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 18-19-20].


2ـ إيجاد نقاط اتفاق بين المسلمين وأهل الكتاب:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].


3ـ الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت:
ـ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].
ـ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}  [آل عمران: 65].


4ـ تحذير أهل الكتاب من التكذيب:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 70-71].


5ـ التحدّي الشديد: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].


6ـ العدل في النظرة إلى أهل الكتاب: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75].
{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].


7ـ الثناء على الأنبياء الذين أُرسلوا إلى اليهود والنصارى:
ـ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33]
ونلاحظ أن القسم الأول من السورة اختتمت فيه الآيات بآية تتكلم عن الثبات: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] واختتمت آيات القسم الثاني بآية تتكلم عن الثبات أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].


النصف الثاني من السورة:
يتحدث هذا القسم عن غزوة أحد؛ لأنها تركت في نفوس المسلمين أثراً شديداً من جرّاء عصيانهم لأوامر الرسول ، ونلاحظ أن تسلسل قصة غزوة أحد وأن تثبيت المسلمين جاء على سياق غاية في الحكمة.


1ـ أولاً يذكر الله تعالى فضله على المسلمين: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 121-122-123-124].


2ـ ثم يرفع من روحهم المعنوية فيخفف عنهم، ثم يلوم المخالفين لوماً رقيقاً: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152].


3ـ ثم يرفع روحَهم المعنوية مرة أخرى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154].


4ـ ثم يذكر أسباب الهزيمة والمعصية (الآية 152) رابطاً ببدايات السورة في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران: 14] وهذه الشهوات هي التي تدفع للمعصية، وكذلك الربا يؤدي إلى الخلافات، ولهذا وردت آية الربا في سورة آل عمران أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].


تسمية السورة:
أمّا تسمية السورة بـ (آل عمران) فهي إكرامٌ لزوجة عمران والسيدة مريم ابنة عمران، فالسيدة مريم عليها السلام كانت رمزاً للثبات في العبادة والعفّة، وزوجة عمران كانت رمزاً للثبات بنصرة الإسلام.
وكذلك سورة آل عمران فيها نظرةٌ عاليةٌ للمرأة بذكر زوج عمران ومريم عليها السلام، التي رفعت من الروح المعنوية لدى سيدنا زكريا فدعا ربه أنْ يهب له ذرية صالحة، وفي هذا إشارة أنّ رمز الثبوت هم النساء، ولذا جاء ترتيب سورة النساء مباشرة بعد سورة آل عمران. والله أعلم.


السمة التعبيرية للسورة:
هناك سمة تعبيرية لكل سورة، حيث تكثر فيها كلمات معينة، مثل كلمة (الله) في سورة البقرة، وكلمة (الرب) في سورة آل عمران، و(الرحمن والرحمة) في سورة مريم، فهي أكثر سورة في القرآن تردد فيها الرحمة والرحمن.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿الٓمٓ * ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 1ـ2 ]


السؤال الأول:
ما دلالة الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم؟

 

الجواب:
انظر الجواب في الآية الأولى في آية البقرة.


السؤال الثاني:
لماذا لم يلتزم القرآن بنفس الأحرف المقطعة في كل السور؟ وهل هناك مناسبة بين تلك الأحرف والآية التي تليها حيث ذكر الكتاب أو القرآن؟

 

الجواب:
انظر الجواب في آية البقرة 2.

السؤال الثالث:
(الحي القيوم) هما اسمان من أسماء الله الحسنى، فما معناهما ودلالتهما؟

 

الجواب:


1ـ الحيّ معرّفة، والقيّوم معرّفة. والحيّ: هو الكامل الاتصاف بالحياة ولم يقل: (حيّ) لأنها تفيد أنه من جملة الأحياء.
والتعريف بـ (ال) هي دلالة على الكمال والقصر؛ لأنّ مَنْ سِواه يصيبه الموتُ. والتعريف قد يأتي بالكمال والقصر، فالله وحده له الكمال في الحياة، وكل من عداه يجوز عليه الموت، وهو الذي يفيض على الخلق بالحياة، فالله هو الحيُّ لا حيَّ سواه على الحقيقة؛ لأنّ من سواه يجوز عليه الموت.


2ـ القيّوم: من صيغ المبالغة، على وزن(فيعول)، وهي ليست من الأوزان المشهورة، ومن معانيها القائم في تدبير أمر خلقه في إنشائهم وتدبيرهم، ومن معانيها القائم على كل شيء، ومن معانيها الذي لا ينعس ولا ينام، لأنه إذا نعس أو نام لا يكون قيّوماً، ومن معانيها القائم بذاته، وجاء بصيغة التعريف (القيوم)؛ لأنه لا قيّوم سواه على الأرض أو الكون حصراً. والله أعلم .

 

<<<<<<<<<<

 

﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]

 

السؤال الأول:
ما الفرق بين دلالتي كلمتي (الكتاب والقرآن)؟

 

الجواب:
من ناحية اللغة : كلمة (قرآن) هي في اللغة مصدر الفعل (قرأ) مثل: غفران وعدوان، ثم استعملت عَلَماً للكتاب الذي أُنزل على الرسول ﷺ (القرآن).
أمّا (الكتاب) فهو من الكتابة، لأنّ الكتاب متعلق بالخط، وأحياناً يطلق عليه الكتاب وإن لم يُخطّ، فقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ لم يُنزّل مكتوباً وإنما أُنزل مقروءاً، ولكنه كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أنْ ينزّل على رسول الله ﷺ.
أما من ناحية الاستعمال: فيلاحظ أنه عندما يبدأ بالكتاب يتردد في السورة ذكر الكتاب أكثر بكثير مما يتردد ذكر القرآن، وقد لا تذكر كلمة القرآن مطلقاً في السورة. أمّا عندما يبدأ بالقرآن فيتردد في السورة ذكر كلمة القرآن أكثر من الكتاب، وقد لا يرد ذكر الكتاب مطلقاً في السورة، وإذا اجتمع القرآن والكتاب فإنهما يترددان في السورة بشكل متساو تقريباً.

 

السؤال الثاني:
ما القواعد العامة لذكر الكتاب والقرآن في أوائل السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة؟
وهل هناك جدول إحصائي يربط بين التناسب في ذكر الكتاب أو القرآن في أول السورة وما يتردد من نفس الألفاظ في نفس السورة ؟

 

الجواب:

 

أولا ً: القواعد العامة لذكر الكتاب والقرآن في أوائل السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة هي:


1ـ إنّ كل سورة يلي فيها الأحرف المقطعة ذكر (الكتاب) وحده ولم يذكرْ معه (القرآن) فإنه تتردد فيها لفظة (الكتاب) أكثر من لفظة (القرآن) وربما لا ترد فيها لفظة (القرآن).

 

2ـ وكل سورة يلي فيها الأحرف المقطعة ذكر (القرآن) وحده ولم يذكر معه لفظة (الكتاب) تتردد فيها لفظة (القرآن) أكثر من لفظ (الكتاب)، وربما لا يرد فيها لفظ (الكتاب).

 

3ـ وكل سورة اجتمع فيها ذكرهما، تردد ذكرهما بصورة متقاربة بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر بأكثر من لفظ واحد.
وهذا النهج لم يختلف في أية سورة من السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة.

 

ثانياً ـ الجدول الإحصائي هو:

اللفظ السورة تردد لفظ الكتاب تردد لفظ القرآن
الكتاب البقرة 47 مرة 1 مرة واحدة
الكتاب آل عمران 33 مرة -
القرآن طه 1 مرة واحدة 3 مرات
القرآن ق 1 مرة واحدة 2 مرتان
الكتاب والقرآن الحجر 2 مرتان 3 مرات
القرآن والكتاب النمل م مرات 4 مرات

 

 

ثالثاً ـ الملاحظات:


1 ـ الكتاب: من الكتابة ومشتقاتها.
2 ـ القرآن: مشتق من القراءة.
3ـ الفرقان: هو الفرق بين الحق والباطل.
4ـ الذكر: هو ذكر الآيات، وذكر آلاء الله، وذكر الحلال والحرام.
5 ـ في سورة آل عمران تردد لفظ الكتابة ومشتقاتها 33 مرة.
6ـ لم يجتمع لفظ الكتاب والقرآن معاً إلا في مطلع سورة الحجر وسورة النمل.
7 ـ لم يحصل أنْ زاد لفظ القرآن على لفظ الكتابة أو العكس في هذا النوع إلا في (سورة ص) فإنّ ذكر القرآن والكتاب تساويا، حيث ورد كل منهما مرةً واحدةً مع أنّ مطلع السورة هو ﴿صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ﴾ [ص:1].

 

السؤال الثالث:
ما أسماء القرآن التي وردت في القرآن؟

 

الجواب:
هي كثيرة منها:
1ـ الكتاب.
2ـ القرآن.
3ـ الفرقان.
4ـ الذكر.
5ـ التنزيل.
6ـ الحديث.
7ـ الموعظة.
8ـ الحُكم والحكمة والحكيم ﴿يسٓ * وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [يس:1-2] والمُحكَم ﴿كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ﴾ [هود:1].
9ـ الشفاء.
10ـ الهدى والهادي: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ﴾ [الإسراء:9].
11ـ الصراط المستقيم.
12ـ الحبل.
13 ـ الرحمة.
14ـ الروح: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ﴾ [الشورى:52] .
15ـ القصص.
16ـ البيان: ﴿هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران:138] والتبيان: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النحل:89] .
17ـ البصائر: ﴿هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ﴾ [الأعراف:203].
18ـ الفصل: ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ﴾ [الطارق:13].
19ـ المثاني: ﴿سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحِجر:87] .
20ـ النعمة.
21ـ البرهان.
22ـ البشير والنذير.
23ـ القيم: ﴿قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا﴾ [الكهف:2].
24ـ المهيمن: ﴿وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ﴾ [المائدة:48].
25ـ النور.
26ـ الحق.
27ـ العزيز ﴿وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ﴾ [فُصِّلَت:41].
28ـ الكريم.
29ـ العظيم: ﴿سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحِجر:87].
30ـ المبارك: ﴿وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء:50].

 

السؤال الرابع:
ما الفرق بين ﴿نَزَّلَ﴾ و﴿أَنزَلَ﴾ في الاستعمال القرآني، وكلاهما وردا في هذه الآية الكريمة؟

 

الجواب:

1ـ لقد عبّر السياق القرآني عن نزول الكتب السماوية بالفعلين: ﴿نَزَّلَ﴾ لمّا ذكر القرآن و﴿أَنزَلَ﴾ لمّا ذكر التوراة والانجيل، ألا يشعرك ذلك بمعنى جليل يريد الله تعالى أنْ يقذفه في قلبك في هذا التغاير بين الفعلين؟ نعم، عندما استخدم الله تعالى فعل ﴿نَزَّلَ﴾ بالتضعيف أشعرك هذا التضعيف بالقوة والشدة زيادة عن الفعل (أنزل)، وهذه الشدة تؤذن بقوة نزول القرآن في كيفيته وكمّيته، وهذا تعظيم لقدر القرآن وشأنه.

 

2ـ إنّ فعل ﴿نَزَّلَ﴾ يفيد التدرج والتكرار لأجل التضعيف، وفعل ﴿أَنزَلَ﴾ للإنزال العام الذي يفيد مرةً واحدةً ويحتمل الزيادة، وقيل: إنّ ذلك هو الأكثر وليس نصاً في أحد المعنيين .
ولذلك سُمِّيَ الكتاب تنزيلاً؛ لأنه لم ينزّل جملة واحدة بل سورةً سورةً وآيةً آيةً، وليس نصاً فيه .
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [آل عمران:3] يشير إلى تفصيل المُنزّل وتنجيمه حسب الدواعي وأنه لم ينزل دفعة واحدة .
أمّا لفظ ﴿أَنزَلَ﴾ فلا يعطي ذلك إعطاء ﴿نَزَّلَ﴾ وإنْ كان محتملاً، وكذلك جرت أحوال الكتب السماوية أيضاً، فإنّ التوراة إنما أوتيها موسى عليه السلام جملةً واحدة في وقت واحد، أمّا القرآن فنزل مقسّطاً من لدن ابتداء الوحي، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ [النساء:136] وهو القرآن، ثم قال: ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ﴾ [النساء:136] والمراد التوراة .

 

السؤال الخامس:
هل من فرق في المدلول بين التعبيرين (نزّله إليك) و (نزّله عليك)؟

 

الجواب:
1ـ التعبير (نزّله إليك) لم يستعمل إلا مع العاقل، كما جاء في القرآن للتعبير عن الرسول ﷺ.
2ـ أمّا (نزّله عليك) فيستعمل للعاقل وغير العاقل، كقوله تعالى: ﴿نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ﴾ [البقرة:97] ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ﴾ [الحشر:21].
3ـ وفي العقوبات لم يستعمل إلا (على).

 

السؤال السادس:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [آل عمران:3] في الآية؟

 

الجواب:
قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [آل عمران:3] انظر إلى هذا التعبير وما يضفيه من تعظيم لقدر القرآن، فقوله تعالى: ﴿بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ [آل عمران:3] فيه استعارة لفظية، فكأنه جعل القرآن أمام الكتب السابقة جميعها، وجعلها في شرفه وضيافته، ألا تجد نفسك تقول إذا أردت تعظيم شخص ما: جلس الناس بين يدي فلان؟!
والله أعلم.
 
<<<<<<

﴿مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4]

 

السؤال الأول:
ما معنى ﴿ٱلۡفُرۡقَانَۗ﴾ [آل عمران:4] في الآية ؟

 

الجواب:
قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ﴾ [آل عمران:4] فيه أقوال:
1ـ أنه الزبور: وهذا بعيد؛ لأن الزبور ليس فيه شرائع بل مواعظ فقط، والزبور من زبرت، أي: كتبت.
2ـ أنه القرآن وإنما أعاد ذكره؛ ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً فيما اختلف عليه اليهود والنصارى.
3ـ أنّ الكتب الثلاثة جعلها الله فارقة بين الحلال والحرام.
4ـ الفرقان هو المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب التي تدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب الوضعية المختلفة.

 

السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية: ﴿مِن قَبۡلُ﴾ [آل عمران:4] بُني على الضم، فلماذا؟

 

الجواب:
الظرف ﴿مِن قَبۡلُ﴾ [آل عمران:4] بني على الضم لانقطاعه عن الإضافة، بخلاف (جئت قبلَه) أو (جئت من قبلِه)، وهذا شبيه بقوله تعالى في آية الروم 4 ﴿مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ﴾ [الروم:4].

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى : ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ في الآية ؟

 

الجواب:
ختام الآية ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ﴾ أي لا يُغلب على أمره، وانتقامه لن يستطيع أحدٌ أن يرده، ومادام القرآنُ فرقاناً فلابدّ أن يفرق بين حقٍ وباطل، والحقُ له جنوده المؤمنون، والباطلُ له جنوده الكافرون الذين تكلم عنهم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ﴾ والعذابُ إيلام ويختلف قُوّة وضعفاً، فإذا كان العذابُ صادراً من قوة القوي وهو الله، فلابدّ أنه لا يطاق. والله أعلم.
 
>>>>>>>>
 

﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 6]

السؤال الأول:
عند التأمل في الآيات في سورة آل عمران التي تختم بـ ﴿ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:6] نجد أنّ السياق قد يكون للمستقبل، فهل هذا صحيح؟

 

الجواب:
1ـ هذا التأمل في مكانه في سورة آل عمران، لكنّ هذا الكلام ليس مطلقاً في كل القرآن الكريم، وإنما الذي نجده أنه قد يكون للمستقبل، وقد يكون للأمر الثابت حينما يكون وصفاً لله سبحانه وتعالى كهذه الآية: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:6] لأنّ تصوير الله عز وجل للناس في الأرحام ليس مستقبلاً وإنما هو دائم ثابت.
2ـ في سورة البقرة ست آيات كلها للمستقبل (الآيات: 129-209-220-228-240-260).
3ـ في آل عمران أربع آيات كلها للدائم (الآيات: 6-18-62-126) نحو قوله تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [آل عمران:18]؛ لأنّ العزيز الحكيم قيامه بالقسط هو ليس للمستقبل وإنما هو ثابت دائم.
4ـ في النساء (الآيات 56-158-165) آية واحدة للمعنى الثابت.
5ـ في المائدة مرة للمستقبل ومرة حكم عام (الآيات: 38-118).
6ـ في الأنفال أربعة مواضع للدوام (الآيات: 10-49-63-67).
7ـ وفي التوبة موضعان للمستقبل والدوام (الآيات: 40-71).
8ـ في باقي السور: إبراهيم الآية 4 ـ النحل آية 60 ـ النمل الآية 9ـ العنكبوت الآية 26 و 42 ـ الروم 27 ـ لقمان 9 و 27 ـ سبأ 27 ـ فاطر 2 ـ الزمر 1ـ غافر 8 ـ الشورى 3 ـ الجاثية 2 و 27ـ الأحقاف 2ـ الفتح 7 و 19 ـ الحديد 1ـ الحشر 1 و 24ـ الممتحنة 5 ـ الصف 1 ـ الجمعة 1 و 3 ـ التغابن آية 18.
9ـ حتى يكون الحكم عاماً ينبغي أنْ نمر بكل الآيات؛ لأنّ هذا كلام الله عز وجل، ولذلك ينبغي أنْ يكون هناك استقصاء وإحاطة بما في السور. والله أعلم.

 

السؤال الثاني:
ما دلالات هذه الآية؟

 

الجواب:
1ـ لعلّ من أسرار تصدير سورة آل عمران بقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ التمهيد لذكر قصة خلق عيسى عليه السلام بلا أب.
2 ـ قوله تعالى : ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ﴾ : نفذ علمُه وقدرته إليك بعد السموات السبع في ظلمات ثلاث؛ فهل ستخفى عليه وأنت فوق الأرض وتحت السماء !!؟.
3 ـ سورة آل عمران هي سورة التوحيد وتكرر فيها {لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} في أول عشرين آية أربع مرات. والله أعلم.

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وجوب التلقي عن الله تعالى في المُحكم والمُتشابه


﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

السؤال الأول:
ما دلالة ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ﴾ و ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية في القرآن الكريم؟

 

الجواب:
1ـ هذه الآيات المتشابهة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد تكون متعلقة بالله تعالى أو بالقدَر أو بأمور أخرى لسنا مكلّفين بها ولا نعلمها، أمّا الآيات المحكمات فهي التي تكون متعلقة بالبشر، فعلينا اتّباع المحكمات والإيمان بالمتشابهات، وقيل: إنّ ثلثي القرآن فيه متشابه.
علماً بأن الأحكام تعدل ثلث القرآن، وهي تخص الآيات التي لا يوجد فيها تشابه، لكنّ التشابه في هذا الكتاب هو في الآيات المتشابهة.
وقوله تعالى: ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] هذه الآيات منها تستنبط الأحكام: الحلال والحرام، والمواعظ والنصائح، وكل شيء؛ لأنّ القرآن منهج حياة وكل ما يتعلق بمنهج الحياة يُستنبط من هذه الآيات، فهي أمُّ للكتاب كله.

 

2ـ وأما قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] فهي الآيات التي فيها مساحتان: مساحة للفهم العام شأنها شأن المحكمات، ومساحة لما اختصّ الله عز وجل ذاته بعلمه، ولذلك أتبع الله ذلك بقوله: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾ [آل عمران:7] ولا يخوضون فيه؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم لن يصلوا فيه إلى نتيجة؛ لأنّ هذا مما اختص الله عز وجل به نفسه (الماهيّات)، لكنّ المعنى العام مفهوم.
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء رجل تحققت فيه هذه الآية ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران:7] يريد أنْ يحدث فتنة فبدأ يسأل عن الآية ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:49] وبدأ يثير بلبلة بين المسلمين عن الماهية و الكيفية فرُفِع الأمر إلى عمر فقال: هذا نحن نؤمن به فأخذ الدِرّة وصار يضربه بها.

3ـ أين يكون الوقف السليم في الآية؟ بالطبع عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]، وهنا نقول إنّ قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ لأنه ما الفائدة من مدحهم إذا لم يكونوا مؤمنين هذا الإيمان؟ فإذا كان الراسخون في العلم يقولون هذا الكلام، فمن باب أولى يجب على الذين هم أقلّ علماً أنْ يقولوا هذا في المساحة الثانية من المتشابه مما سُمِّيَ متشابهاً. والله أعلم.

 

4 ـ من فوائد المتشابه:
آ ـ الإيجاز والاختصار في الكلام.
ب ـ اشتغال أهل العلم بردّ المتشابه إلى المُحكم.
ج ـ بيان فضل العالم على الجاهل.
د ـ اختبار أذهان المتعلمين في معرفة الأمور الغامضة والدقيقة، إعمالاً للفكر .
هـ ـ اختبار إيمان المؤمن، وإظهار ارتياب المنافق في المتشابه.
و ـ القرآن شريعة دائمة، يفتح أبواب النظر في الفروع لأهل الاجتهاد، ويعوّدهم البحث والتنقيب لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين.

 

السؤال الثاني:
ما معنى (التأويل) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]؟

 

الجواب:
التأويل له معنيان: التفسير والبيان، ويشمل جميع القرآن أو حقيقة الشيء ومآله ويشمل القسم الثاني من المتشابه، وهذا مما اختص الله عز وجل به نفسه.
فإذن سيكون معنى الآية: أنّ كتاب الله عز وجل كل آياته محكمة والمتشابه منها فيه مساحة.

 

السؤال الثالث:
إذا كانت الوقفة على كلمة ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية فكيف يكون تفسير الآية؟

 

الجواب:
1ـ علامات الوقف ليست توقيفية، وإنما من خلال ما كتبه علماء الوقف والابتداء ومما أخذ، لكنْ هنا يوجد رواية وهي أنه هناك وقف على كلمة العلم ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]، ونُسِب إلى ابن عباس أنه قال: والراسخون يعلمونه وأنا أعلمه وأنا من الراسخين الذين يعلمونه.
والكلام في هذه الآية وما ورد به رواية لا يُردّ، لكننا نختار ما عليه جمهور المسلمين وما يوافق سياق الآية.

 

2ـ علامة الوقف في المصحف على كلمة ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] في الآية ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] وليس هناك علامة على كلمة العِلم، لكنْ في الروايات موجود هنا وقف، واللجان العلمية اختارت الوقف على لفظ الجلالة.


3ـ وقسم رفض أنْ تكون الواو هنا عاطفة، وإنما قال: هي استئنافية حتى في الوقف: يعني وما يعلم تأويله إلا الله؛ لأنه حصر، ثم قال: استأنف كلاماً: والراسخون في العلم يعلمونه أيضاً ويقولون.


4 ـ قوله تعالى: ﴿مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ تبين أنّ الاعتماد على المتشابهات وإغفال المحكمات أصل من أصول الضلال ولا تجد صاحب الهوى إلا كذلك ، وصاحب الهوى هو من يبحث في الأدلّة عما يناسب هواه ورأيه وإن أساء فهم الدليل وجانب الحق؛ قال تعالى : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ ﴾.

 

السؤال الرابع:
ما الفرق بين الاجتهاد والتأويل والتفسير والشرح والتفصيل؟

 

الجواب:
1ـ الاجتهاد: هو بذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح عن طريق القياس في رد الأمر إلى الكتاب والسنة، مثل قضيةٍ تعرض للفقيه الذي يفتي فيها فيردها عن طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولا يقول من رأيه ويقول بعدها: أنا اجتهدت، وللاجتهاد شروط.


2 ـ التأويل: من آل يؤول، وله معنيان:
آـ بيان ما يؤول إليه اللفظ من معنى، أي: نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى، مثل سورة النصر، سميت سورة التوديع وتأويلها عند ابن عباس رضي الله عنه أنها نعي لرسول الله ﷺ، فهذا أمر غير مصرح به في الآية، وإنما ينقله إلى معنى آخر لسبب من الأسباب.
ومن ذلك أيضاً تأويل الأحلام المُرمَّزةِ، ويسمى تأويلاً كما في سورة يوسف، سبع بقرات، أي: سبع سنين.
ب ـ بيان حقيقة الشيء أو ماهيته، وهذا لا يكون في كل موضع، فأحياناً بيان الماهية غير ممكن كما في موضوع عذاب القبر والآيات المتشابهات. وتأويل الأحلام يسمى تأويلاً، نحو آية يوسف 100.


3ـ التفسير: هو كشف المراد من اللفظ أو المفردات، أي: تفسير عبارة غير واضحة لشخص تفسرها له.


4 ـ إعمال العقل: أنْ يُعمِلَ الإنسان عقله في الاستنباط.


5 ـ القول بالرأي: أنْ تبدي رأياً وفق ضوابط.


بالطبع هناك ضوابط لكل واحد من هذه التعبيراتِ، ومن أولها: التبحُّرُ في علم اللغة، وكذلك التبحر بالعلم الشرعي المتعلق بالحديث والسنة وأسباب النزول وغيرها، والله أعلم.

 

السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:7] وفي آيات أخرى يقول (يتذكر) فما الفرق بين ﴿يَذَّكَّرُ ﴾ و ﴿ يَتَذَكَّرُ ﴾ ؟

 

الجواب:
بشكل عامٍّ عندما يحتاج الوضع إلى وقت طويل للمحاكمة العقلية والنظر الطويل والتدرج في المعرفة، يستعمل (يتذكر) وهي الصيغة الأطول، وعندما يحتاج الوضع إلى هزة نفسية قوية، وإلى يقظة قلبية وإلى شفاء يشفي ما في القلب يستعمل (يذّكر) التي فيها شدة وتضعيف.

 

والأمثلة التالية توضح الأمر:
1ـ في آية آل عمران ( 7) ذكر القرآن فيها أناساً في قلوبهم زيغٌ يبتغون الفتنةَ ولا يريدون الوصول إلى الحقِّ، وهؤلاء نظيرُ مرضى القلوب يحتاجون إلى يقظةٍ قلبيةٍ وإلى شفاءِ يشفي ما في قلوبهم مما ألمَّ بها من داءٍ، وحاجتهم إلى إصلاحِ قلوبِهم أكثَرُ من إصلاحِ عقولهم؛ فاستعمل (يذّكر).


2ـ آية فاطر (37) معناها أنكم بقيتم في الدنيا مدة طويلة فيها كفاية للتذكر لكنكم لم تتذكروا، فجاء بصيغة الفك الطويلة ﴿ أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ [فاطر:37].


3ـ آية الرعد ( 19) ومعناها: أفمن يعلم كمن لا يعلم؟ وهو تذكر يقوم على المحاكمة العقلية، وهذا يحتاج إلى وقت طويل فاستعمل ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].


4ـ آية الزمر (9) نظيرة الآية السابقة في المفاضلة بين الذي يعلم والذي لا يعلم، وهو أمر عقليٌّ يقوم على العلم الذي يحتاج إلى النظر الطويل والتدرُّجِ في المعرفة فجاء بـ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].


5ـ آية ابراهيم (25) هي للاستفادةِ من المَثَلِ إلى موطنِ الحكمةِ والاتعاظِ وعقد الصلة بين المثل والواقع، كل ذلك يحتاج إلى طول تذكر وتأمل ومحاكمة عقلية فاستعمل ﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].


6ـ آية الأنفال (57) هم مرضى قلوب يعاهدون ثم ينقضون في كل مرة، فهم يحتاجون إلى هزة قلبية عنيفة، وإلى سوط يقرعهم، وإلى عمل يذكرهم، ويبالغ في تذكيرهم ليرتدعوا.
وهؤلاء لم ينتفعوا بالعقل؛ لأنهم أبطلوا عقولهم، ألا ترى أنه سماهم دواباً، بل سماهم شر الدواب؟ فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57] الدال على المبالغة في التذكر والعمق فيه.


7ـ وفي آية التوبة (126) نظيرة الآية السابقة هم مرضى قلوب ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ ﴾ [التوبة:125].
وذكر أنّ الآيات المنزلة تزيدهم رجساً إلى رجسهم، فهم محتاجون إلى هزة نفسية شديدة وإلى يقظة قلبية وإلى تذكر قلبي عميق يوقظهم، فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57].


8 ـ في آية الإسراء (41) نظير ذلك: ألا ترى أنه ذكر أنّ القران ما يزيدهم إلا نفوراً كما زاد أولئك رجساً إلى رجسهم؟ وهذا أمر قلبي فاستعمل ﴿لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ [الإسراء:41].


9ـ في آية الزمر (27) نظيرة آية إبراهيم ( 25) إذ إنّ فيه من المثل ما يحتاج إلى محاكمة عقلية وطول نظر، ولذا عقّب بعد ضرب المثل بقوله: ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:75] فنفى العلم عن أكثرهم، والعلم أمر عقلي يكون بالتعلم والنظر فاستعمل﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].

 

السؤال السادس:
لِمَ قال ربنا تعالى في الآية: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] ولم يقل: هُنّ أصل الكتاب أو أساسه علماً أنّ أمّ الشيء أصله؛ لأنّ الأم هي الوالدة وهي أصل المولود؟

 

الجواب:
في هذا التعبير القرآني ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] تصوير عميق لآيات القرآن، وهو أسمى معنى مما لو قلنا: هنّ أصل الكتاب، فقد جعل الله تعالى في هذا التعبير آيات القرآن كلاماً لا يمكن فصله، فلا يمكنك أن تتصور آيات الله جميعها بمعزل عن الآيات المحكمات، كما لا يمكن لذي عقل أنْ يتصور مولوداً دون والدة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ [آل عمران:7] الرسوخ هو الثبات والتمكن في المكان، تقول: رسخت القدم، أي: لا تزلُّ، وجبلٌ راسخ، أي: لا يتزحزح، والراسخ في العلم هو الذي تمكن من علم كتاب الله، وقامت عنده الأدلة بحيث لا تزحزحه الشُّبَه.
فانظر لو جاء البيان القرآني بقوله: والعلماء، هل كان سيعطي القوة ذاتها التي جاءت بها هذه الاستعارة: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]؟ تأمل واعرف الجواب بنفسك. والله أعلم


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وجوب التلقي عن الله تعالى في المُحكم والمُتشابه


﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

السؤال الأول:
ما دلالة ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ﴾ و ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية في القرآن الكريم؟

 

الجواب:
1ـ هذه الآيات المتشابهة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد تكون متعلقة بالله تعالى أو بالقدَر أو بأمور أخرى لسنا مكلّفين بها ولا نعلمها، أمّا الآيات المحكمات فهي التي تكون متعلقة بالبشر، فعلينا اتّباع المحكمات والإيمان بالمتشابهات، وقيل: إنّ ثلثي القرآن فيه متشابه.
علماً بأن الأحكام تعدل ثلث القرآن، وهي تخص الآيات التي لا يوجد فيها تشابه، لكنّ التشابه في هذا الكتاب هو في الآيات المتشابهة.
وقوله تعالى: ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] هذه الآيات منها تستنبط الأحكام: الحلال والحرام، والمواعظ والنصائح، وكل شيء؛ لأنّ القرآن منهج حياة وكل ما يتعلق بمنهج الحياة يُستنبط من هذه الآيات، فهي أمُّ للكتاب كله.

 

2ـ وأما قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] فهي الآيات التي فيها مساحتان: مساحة للفهم العام شأنها شأن المحكمات، ومساحة لما اختصّ الله عز وجل ذاته بعلمه، ولذلك أتبع الله ذلك بقوله: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾ [آل عمران:7] ولا يخوضون فيه؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم لن يصلوا فيه إلى نتيجة؛ لأنّ هذا مما اختص الله عز وجل به نفسه (الماهيّات)، لكنّ المعنى العام مفهوم.
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء رجل تحققت فيه هذه الآية ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران:7] يريد أنْ يحدث فتنة فبدأ يسأل عن الآية ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:49] وبدأ يثير بلبلة بين المسلمين عن الماهية و الكيفية فرُفِع الأمر إلى عمر فقال: هذا نحن نؤمن به فأخذ الدِرّة وصار يضربه بها.

3ـ أين يكون الوقف السليم في الآية؟ بالطبع عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]، وهنا نقول إنّ قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ لأنه ما الفائدة من مدحهم إذا لم يكونوا مؤمنين هذا الإيمان؟ فإذا كان الراسخون في العلم يقولون هذا الكلام، فمن باب أولى يجب على الذين هم أقلّ علماً أنْ يقولوا هذا في المساحة الثانية من المتشابه مما سُمِّيَ متشابهاً. والله أعلم.

 

4 ـ من فوائد المتشابه:
آ ـ الإيجاز والاختصار في الكلام.
ب ـ اشتغال أهل العلم بردّ المتشابه إلى المُحكم.
ج ـ بيان فضل العالم على الجاهل.
د ـ اختبار أذهان المتعلمين في معرفة الأمور الغامضة والدقيقة، إعمالاً للفكر .
هـ ـ اختبار إيمان المؤمن، وإظهار ارتياب المنافق في المتشابه.
و ـ القرآن شريعة دائمة، يفتح أبواب النظر في الفروع لأهل الاجتهاد، ويعوّدهم البحث والتنقيب لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين.

 

السؤال الثاني:
ما معنى (التأويل) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]؟

 

الجواب:
التأويل له معنيان: التفسير والبيان، ويشمل جميع القرآن أو حقيقة الشيء ومآله ويشمل القسم الثاني من المتشابه، وهذا مما اختص الله عز وجل به نفسه.
فإذن سيكون معنى الآية: أنّ كتاب الله عز وجل كل آياته محكمة والمتشابه منها فيه مساحة.

 

السؤال الثالث:
إذا كانت الوقفة على كلمة ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية فكيف يكون تفسير الآية؟

 

الجواب:
1ـ علامات الوقف ليست توقيفية، وإنما من خلال ما كتبه علماء الوقف والابتداء ومما أخذ، لكنْ هنا يوجد رواية وهي أنه هناك وقف على كلمة العلم ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]، ونُسِب إلى ابن عباس أنه قال: والراسخون يعلمونه وأنا أعلمه وأنا من الراسخين الذين يعلمونه.
والكلام في هذه الآية وما ورد به رواية لا يُردّ، لكننا نختار ما عليه جمهور المسلمين وما يوافق سياق الآية.

 

2ـ علامة الوقف في المصحف على كلمة ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] في الآية ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] وليس هناك علامة على كلمة العِلم، لكنْ في الروايات موجود هنا وقف، واللجان العلمية اختارت الوقف على لفظ الجلالة.


3ـ وقسم رفض أنْ تكون الواو هنا عاطفة، وإنما قال: هي استئنافية حتى في الوقف: يعني وما يعلم تأويله إلا الله؛ لأنه حصر، ثم قال: استأنف كلاماً: والراسخون في العلم يعلمونه أيضاً ويقولون.


4 ـ قوله تعالى: ﴿مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ تبين أنّ الاعتماد على المتشابهات وإغفال المحكمات أصل من أصول الضلال ولا تجد صاحب الهوى إلا كذلك ، وصاحب الهوى هو من يبحث في الأدلّة عما يناسب هواه ورأيه وإن أساء فهم الدليل وجانب الحق؛ قال تعالى : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ ﴾.

 

السؤال الرابع:
ما الفرق بين الاجتهاد والتأويل والتفسير والشرح والتفصيل؟

 

الجواب:
1ـ الاجتهاد: هو بذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح عن طريق القياس في رد الأمر إلى الكتاب والسنة، مثل قضيةٍ تعرض للفقيه الذي يفتي فيها فيردها عن طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولا يقول من رأيه ويقول بعدها: أنا اجتهدت، وللاجتهاد شروط.


2 ـ التأويل: من آل يؤول، وله معنيان:
آـ بيان ما يؤول إليه اللفظ من معنى، أي: نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى، مثل سورة النصر، سميت سورة التوديع وتأويلها عند ابن عباس رضي الله عنه أنها نعي لرسول الله ﷺ، فهذا أمر غير مصرح به في الآية، وإنما ينقله إلى معنى آخر لسبب من الأسباب.
ومن ذلك أيضاً تأويل الأحلام المُرمَّزةِ، ويسمى تأويلاً كما في سورة يوسف، سبع بقرات، أي: سبع سنين.
ب ـ بيان حقيقة الشيء أو ماهيته، وهذا لا يكون في كل موضع، فأحياناً بيان الماهية غير ممكن كما في موضوع عذاب القبر والآيات المتشابهات. وتأويل الأحلام يسمى تأويلاً، نحو آية يوسف 100.


3ـ التفسير: هو كشف المراد من اللفظ أو المفردات، أي: تفسير عبارة غير واضحة لشخص تفسرها له.


4 ـ إعمال العقل: أنْ يُعمِلَ الإنسان عقله في الاستنباط.


5 ـ القول بالرأي: أنْ تبدي رأياً وفق ضوابط.


بالطبع هناك ضوابط لكل واحد من هذه التعبيراتِ، ومن أولها: التبحُّرُ في علم اللغة، وكذلك التبحر بالعلم الشرعي المتعلق بالحديث والسنة وأسباب النزول وغيرها، والله أعلم.

 

السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:7] وفي آيات أخرى يقول (يتذكر) فما الفرق بين ﴿يَذَّكَّرُ ﴾ و ﴿ يَتَذَكَّرُ ﴾ ؟

 

الجواب:
بشكل عامٍّ عندما يحتاج الوضع إلى وقت طويل للمحاكمة العقلية والنظر الطويل والتدرج في المعرفة، يستعمل (يتذكر) وهي الصيغة الأطول، وعندما يحتاج الوضع إلى هزة نفسية قوية، وإلى يقظة قلبية وإلى شفاء يشفي ما في القلب يستعمل (يذّكر) التي فيها شدة وتضعيف.

 

والأمثلة التالية توضح الأمر:
1ـ في آية آل عمران ( 7) ذكر القرآن فيها أناساً في قلوبهم زيغٌ يبتغون الفتنةَ ولا يريدون الوصول إلى الحقِّ، وهؤلاء نظيرُ مرضى القلوب يحتاجون إلى يقظةٍ قلبيةٍ وإلى شفاءِ يشفي ما في قلوبهم مما ألمَّ بها من داءٍ، وحاجتهم إلى إصلاحِ قلوبِهم أكثَرُ من إصلاحِ عقولهم؛ فاستعمل (يذّكر).


2ـ آية فاطر (37) معناها أنكم بقيتم في الدنيا مدة طويلة فيها كفاية للتذكر لكنكم لم تتذكروا، فجاء بصيغة الفك الطويلة ﴿ أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ [فاطر:37].


3ـ آية الرعد ( 19) ومعناها: أفمن يعلم كمن لا يعلم؟ وهو تذكر يقوم على المحاكمة العقلية، وهذا يحتاج إلى وقت طويل فاستعمل ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].


4ـ آية الزمر (9) نظيرة الآية السابقة في المفاضلة بين الذي يعلم والذي لا يعلم، وهو أمر عقليٌّ يقوم على العلم الذي يحتاج إلى النظر الطويل والتدرُّجِ في المعرفة فجاء بـ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].


5ـ آية ابراهيم (25) هي للاستفادةِ من المَثَلِ إلى موطنِ الحكمةِ والاتعاظِ وعقد الصلة بين المثل والواقع، كل ذلك يحتاج إلى طول تذكر وتأمل ومحاكمة عقلية فاستعمل ﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].


6ـ آية الأنفال (57) هم مرضى قلوب يعاهدون ثم ينقضون في كل مرة، فهم يحتاجون إلى هزة قلبية عنيفة، وإلى سوط يقرعهم، وإلى عمل يذكرهم، ويبالغ في تذكيرهم ليرتدعوا.
وهؤلاء لم ينتفعوا بالعقل؛ لأنهم أبطلوا عقولهم، ألا ترى أنه سماهم دواباً، بل سماهم شر الدواب؟ فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57] الدال على المبالغة في التذكر والعمق فيه.


7ـ وفي آية التوبة (126) نظيرة الآية السابقة هم مرضى قلوب ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ ﴾ [التوبة:125].
وذكر أنّ الآيات المنزلة تزيدهم رجساً إلى رجسهم، فهم محتاجون إلى هزة نفسية شديدة وإلى يقظة قلبية وإلى تذكر قلبي عميق يوقظهم، فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57].


8 ـ في آية الإسراء (41) نظير ذلك: ألا ترى أنه ذكر أنّ القران ما يزيدهم إلا نفوراً كما زاد أولئك رجساً إلى رجسهم؟ وهذا أمر قلبي فاستعمل ﴿لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ [الإسراء:41].


9ـ في آية الزمر (27) نظيرة آية إبراهيم ( 25) إذ إنّ فيه من المثل ما يحتاج إلى محاكمة عقلية وطول نظر، ولذا عقّب بعد ضرب المثل بقوله: ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:75] فنفى العلم عن أكثرهم، والعلم أمر عقلي يكون بالتعلم والنظر فاستعمل﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].

 

السؤال السادس:
لِمَ قال ربنا تعالى في الآية: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] ولم يقل: هُنّ أصل الكتاب أو أساسه علماً أنّ أمّ الشيء أصله؛ لأنّ الأم هي الوالدة وهي أصل المولود؟

 

الجواب:
في هذا التعبير القرآني ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] تصوير عميق لآيات القرآن، وهو أسمى معنى مما لو قلنا: هنّ أصل الكتاب، فقد جعل الله تعالى في هذا التعبير آيات القرآن كلاماً لا يمكن فصله، فلا يمكنك أن تتصور آيات الله جميعها بمعزل عن الآيات المحكمات، كما لا يمكن لذي عقل أنْ يتصور مولوداً دون والدة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ [آل عمران:7] الرسوخ هو الثبات والتمكن في المكان، تقول: رسخت القدم، أي: لا تزلُّ، وجبلٌ راسخ، أي: لا يتزحزح، والراسخ في العلم هو الذي تمكن من علم كتاب الله، وقامت عنده الأدلة بحيث لا تزحزحه الشُّبَه.
فانظر لو جاء البيان القرآني بقوله: والعلماء، هل كان سيعطي القوة ذاتها التي جاءت بها هذه الاستعارة: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]؟ تأمل واعرف الجواب بنفسك. والله أعلم



<<<<<<<<

﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]

 

السؤال الأول:
قوله تعالى في هذه الآية 9: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ [آل عمران:9] وقوله في نفس السورة في الآية 194 ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ [آل عمران:194] بدون ذكر لفظ الجلالة، فما الدلالة؟

 

الجواب:
1ـ الآية 9: جاءت في مقام الهيبة الإلهية في يوم القيامة حيث الحشر والنشر والحساب والعقاب وإنصاف المظلومين، فكان ذكره باسمه الأعظم وهو الله أولى في هذا المقام.

 

2ـ أمّا قوله في آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ [آل عمران:194]، فذاك مقام طلب العبد من ربه أنْ يُنعم عليه بفضله، وأنْ يتجاوز عن سيئاته، فلم يكن المقام مقام هيبة وإنما مقام الدعاء والتضرع، فالمناسب أن يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ [آل عمران:194].

 

3 ـ قوله تعالى : ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ في أول السورة وفي آخرها قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ فَعَدَل من الخطاب إلى لفظ الغيبة في أول السورة واستمر على الخطاب في آخرها ، لأنّ ما في أول السورة لا يتصل بالكلام الأول كاتصال ما في آخرها، فإنّ اتصال قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ بقوله : ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ معنوي ، واتصال قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ بقوله: ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] لفظي ومعنوي معاً لتقدم لفظ الوعد ، ويجوز أن يكون الأول استئنافاً والآخر من تمام الكلام.( كتاب أسرار التكرار للكرماني ) .

 

السؤال الثاني:
الخلف في ميعاد الله محال، فكيف طلبوا من ربهم ألا يخلف الميعاد، مع يقينهم بأنه لن يخلفه؟

 

الجواب:
آـ أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ﴾ [الأنبياء:112] وقوله: ﴿فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ [غافر:7].

 

ب ـ أنه تعالى وعد المؤمنين بأنْ ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم فهم طلبوا تعجيل ذلك . والله أعلم.

 

 
<<<<<<<
 

مصير الكفّار ـ قديماً وحديثاً ـ في الدنيا والآخرة


﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 10]

السؤال الأول:
ما فائدة الضمير ﴿هُمۡ﴾ [آل عمران:10] في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران:10] ؟

 

الجواب:
في هذه الجملة من الآية القرآنية لطائف عدة تجعلك تقف أمامها وقفة التأمل:


أولاً: قال تعالى ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران:10] فأتى بالضمير ﴿هُمۡ﴾ بين المبتدأ والخبر، ولو حذف الضمير (هم) لتمّ المعنى: أولئك وقود النار. وفائدة الضمير هنا تأكيد وقصر العذاب عليهم.


ثانياً: جاءت الجملة بتعبير ﴿وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران:10]، وهذا تصوير وتمثيل للكافرين حيث آلوا إلى وقود للنار، وهذا التعبير جاء ليسلب الكافرين كل خصائص الإنسان ومميِّزاته ويصوِّرُهم في صورةِ الحطبِ والخشبِ الذي تُشعِلُ به النار، فانظر كيف شمل هذا التصوير القرآني شدة العذاب مع شدة الإهانة للكافرين.


ثالثاً ـ لمّا حكى الله في الآيات السابقة حال المؤمنين دعاءهم وتضرعهم، حكى هنا حال الكافرين وشديد عقابهم.


رابعاً ـ كمالُ العذاب هو أن يزول عن الكافر كل ما كان منتفعاً به ، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة ، وهذا المُراد من قوله تعالى : ﴿لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ﴾ .
خامساً: قوله تعالى : ﴿مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ﴾ أي بتقدير : من عذاب الله ، أو : لن تغني عند الله شيئاً . والله أعلم.


السؤال الثاني:
ما دلالة حذف الألف الوسطية في كتابة ﴿أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم﴾ في الآية ؟


الجواب:
وردت كلمة ( أموال) بصيغها المختلفة في القرآن الكريم في (61) موضعاً في (55) آية ، وكذلك وردت كلمة ( أولاد ) بصيغها المختلفة في (23) موضعاً في (22) آية ، وكلتا الكلمتين جاءتا بدون الألف الوسطية في جميع القرآن الكريم .
وحذف (الألف) في بعض الكلمات يوحي بقرب هذه الأمور من النفس، وأنها أكثر التصاقاً بها من غيرها، وهذا واضح في علاقة الناس مع أموالهم وأولادهم بشكل عام.
ومن هذا نستشعر من شكل الكتابة أنّ هذه الكلمات قد تحولت إلى صور مرئية يحس بها من نظر في كلمات القرآن الكريم، وأمعن فيها النظر، فيستقبل قلبه هذه الصور فيشعر بهذه المعاني في لسانه ونظره وقلبه، فسبحان الله العظيم.
والله أعلم.

 

<<<<<<<<<<

 

القسم الأول من أسئلة آية آل عمران 11


﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]

 

السؤال الأول:
ما الفرق بين الآيات ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11] و ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] و ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأنفال:54]؟ أي ما الفرق بين (كذبوا بآياتنا) و(كفروا بآيات الله) و (كذّبوا بآيات ربهم)؟

 

الجواب:
1ـ لا شك أنّ الكفر أعمّ من التكذيب؛ لأنّ التكذيب حالة من حالات الكفر.
2ـ ننظر كيف يكون التعبير مع (كذّبوا) وكيف يكون التعبير مع (كفروا) ولمَ اختار هنا (كذّبوا) وهناك (كفروا)؟
في آل عمران قال تعالى: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11] وفي الأنفال قال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] أكّد بـ ﴿إِنَّ﴾ وأضاف كلمة ﴿قَوِيّٞ﴾ ؛لأنه لمّا كان الكفر أعمّ وأشدّ، شدّد وأكّد فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] وهناك قال: ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11].
فلمّا قال في الأنفال: ﴿كَفَرُواْ﴾ [الأنفال:52]، و(كفروا) أعمُّ من (كذّبوا) في آل عمران عمَّمَ فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] فأكّد قوته وشدّد عقابه، ولو أنه قال: (شديد العقاب) في آل عمران، فإنها لا تدل على أنه قوي، فقد يكون شديد العقاب ولكنه غير قوي.

 

السؤال الثاني:
لماذا اختار في آية عمران 11 قوله: ﴿كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا﴾ [آل عمران:11] ولم يقل مثلاً: كفروا بآياتنا ؟

 

الجواب:
ذكر في آية آل عمران رقم 10 حالة جزئية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ﴾ [آل عمران:10] فذكر أمرين: الأموال والأولاد، ولكن هل الإغناء مقصور على الأموال والأولاد ؟بالطبع: لا، فهناك الأتباع، والآلهة، والسلطان، والله تعالى ذكر كثيراً من حالات الاستغناء كما في الآيات:
ـ ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [إبراهيم:21] هذا غير الأولاد.
ـ ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ﴾ [الحاقة:28-29] فذكر السلطان.
ـ ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ﴾ [هود:101] فذكر الآلهة .
ـ ﴿لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡ‍ًٔا﴾ [النجم:26] فذكر الشفعاء .
إذن ذكَر حالة جزئية في الآية العاشرة، فلما ذكر حالة جزئية ذكر حالة جزئية من الكفر وهي التكذيب فقال في الآية 11 ﴿كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا﴾ [آل عمران:11].

 

السؤال الثالث:
ذكر الله تعالى دأبين في أول كلٍّ من آيتي الأنفال 52 و 54، فلماذا اختار في آية الأنفال52 قوله: ﴿كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال:52] وفي آية الأنفال 54 قوله: ﴿كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] ؟

 

الجواب:
1ـ ذكرنا أنّ القاعدة العامة في ذلك هي أنّ الكفر أعم من التكذيب والتكذيب حالة جزئية من حالات الكفر.
2ـ في سورة الأنفال، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ * كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 50- 51 - 52].
في الآية 52: حيث ذكر الله الدأب الأول، والدأب - بسكون الهمزة - العادة والشأن، فهذه حالة عامة ليس فيها ذكر حالة جزئية فناسب ﴿كَفَرُواْ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال:52].
ولمّا كان الكفر أعم وأشد شدَّده، وأكد بإنَّ وبكلمة (قوي) فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52].
3ـ وأمّا في الآية 54 فذكر القرآن الدأب الثاني، وهو هنا حالة جزئية، فقد ذكر في الآية 53 ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ وذكر مثلاً من الذين فعلوا ذلك، فقال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ [الأنفال:54].
فلمّا ذكر حالة جزئية ذكر حالة جزئية من الكفر، وهي التغيير في النفوس، قال: ﴿كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] وذكر كلمة ﴿رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] أي: هو مربيهم المنعم عليهم، وجاءت بعد ذكر النعم في الآية 53؛ لأنّ الرب هو المربي والمنعم
وختم هنا في الآية 54، بقوله: ﴿وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأنفال:54] والظلم حالة خاصة من الكفر، والكفر أعم من الظلم.
4ـ من دراسة الآيتين 52ـ54 نلاحظ ما يلي:
آ ـ الآيتان تتحدثان عن مشابهة مشركي مكة لآل فرعون.
ب ـ الدأب: هو المداومة والمواظبة على عملهم وعاداتهم، وشأنهم وصنعهم.
ج ـ في الدأب الأول: المشابهة بين الطرفين هي في الكفر، فكلاهما كافر.
د ـ في الدأب الثاني: المشابهة بين الطرفين هي في تغيير النعم والأحوال حيث جاء كليهما رسلٌ فكذبوا الرسل فزادوا بها على كفرهم السابق، وجمعوا بين الكفر والتكذيب وتغيرت حالتهم من سخط إلى أسخط، فغيّر الله تعالى ما أنعم عليهم، وعاجلهم العقوبة بالإغراق.
وفي هذا رسالة قوية لمشركي مكة مفادها: إنْ لم يؤمنوا فسوف يصيبهم ما أصاب أقرانهم من آل فرعون.
هـ ـ ذكر لفظ الله في الآية 52، وذكر لفظة (الرب) في الآية 54؛ ليدلّ على أنّ الرب هو الله وليس غيره .
و ـ باختصار: الكفر أعظم من التكذيب ـ الأنفال 52 ـ ، والتكذيب (بآيات ربهم) ـ الأنفال 54 ـ أعظم من (التكذيب بآياتنا) ـ آل عمران 11 ـ والدليل الوعيد في كل آية .

 

السؤال الرابع:
قال في آية الأنعام 33 ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:33]، فهل التكذيب غير الجحود ؟

 

الجواب:
في قوله تعالى في آية الأنعام 33 ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ

نجد أنّ الجحود غير التكذيب، فهناك جحود وهناك تكذيب وهناك كفر، فمثلاً شخص لا يكذّب ولكنْ يرى أن لله ولداً !.
فهناك فرق بين الكلمتين والحالتين، انظر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل:14] فناسب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:33]، لأنّ التكذيب هو حالة جزئية من الكفر .

 

السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ [آل عمران:11] فرعون واحد من جمهرة كبيرة من المكذبين والجاحدين المتألهين في التاريخ الذين ذكر بعضَهم القرآنُ، فهل من سبب في تخصيصه هنا دون غيره من أمثال عاد وثمود؟

 

الجواب:
نعم، هذا التخصيص يناسب ثقافة المخاطَبِ بهذه الآية، وهم اليهود والنصارى؛ لأنهم أعلم وألصق بأخبار فرعون كما أنّ العرب أعلم وألصق بأخبار عاد وثمود، وهلاك فرعون معلوم لليهود بخلاف هلاك عاد وثمود. والله أعلم.
 
<<<<<<<
 

القسم الثاني ( الأخير ) من أسئلة آية آل عمران 11


﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]
 

السؤال السادس:
جاء في الآية قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ﴾ فما منظومة الإثم والذنوب؟

 

الجواب:
كلمات منظومة الإثم والذنوب هي: الذنب ـ الإثمـ الخطأ والخطيئة ـ الفحشاء ـ السوء والسيئات ـ المعصية ـ الفسق ـ الفجور ـ الضلال ـ الكفر ـ الجُرم ـ المنكر ـ الظلم ـ اللمم ـ الزلل.

 

1ـ الذَّنبُ :
(الذَّنْبُ) هو ما يتبعه الذم، والأصل في الذَّنْبِ : الرذل من الفعل ، كالذَنَبِ الذي هو أرذل ما في صاحبه ، ويستعمل في كل فعلٍ يُستوخم عقباه، ولهذا قد يُسمى الذنب تبِعة، اعتباراً لما يحصل من عاقبته، وهو مشتق من الذَنَب وهو أخسّ شيء في الحيوان . قال تعالى :
﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾[آل عمران:11] .
﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40] .

2ـ الإثم :
قال الرسول عليه السلام : (الإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ) [صحيح مسلم 2553] ، وهو الذَّنْبُ الذي يجعلك تشعر بالنقص والخِسّة ; كشهادة الزور، فبعد أن يرجع شاهد الزور إلى بيته ونفسه ويُفكّر فيما أقدم عليه، يشعر بالحقارة وفي منتهى السوء، وأنه أقل قيمة من غيره مع نفسه ، قال تعالى : ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ [البقرة:283] .وقيل : إنّ الإثم في أصل اللغة هو التقصير ، أثم يأثم إذا قصّر ، ومن ثم سُميت الخمر إثماً لأنها تقصر بشاربها لذهابها بعقله . والأثيم المتمادي في الإثم، والآثم فاعل الإثم، ولا يكون الإثم إلا تعمداً. و(الأثام ) جزاء الإثم ، قال تعالى : ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا﴾ [الفرقان:68] .
والإثم أيضاً هو الإقصاء والتبديل، قال تعالى: ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة:181] .
والكذب فرع من الإثم، ويُسمى الكذبُ إثماً لكونه من جملة الإثم . والإثم شعور خفي، قال تعالى:
﴿أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ﴾ [البقرة:206] .

3ـ الخطأ والخطيئة :
هي كل عمل قبيح يصدر عن عمل مُباح في الغالب، وأكثر ما تقال الخطيئة فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه، بل يكون القصد سبباً لتولّد ذلك الفعل منه، كمن يرمي صيداً فيصيب إنساناً، قال تعالى: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ﴾ [الأحزاب:5] ، ويُسمى الذَّنْبُ : خاطئة، قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة:9] بمعنى الذنب العظيم.
والخطأ نوعان:
آـ خطأ مقصود عندما تريد شيئاً غير صحيح، فهذا هو الخطأ التام وهو المأخوذ به الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡ‍ٔٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء:31] و ﴿وَإِن كُنَّا لَخَٰطِ‍ِٔينَ﴾ [يوسف:91] .
ب ـ وهناك خطأ في التنفيذ عندما يصيب الإنسان في الإرادة ويخطأ في الفعل، كأنْ يريد إنسان أْنْ يضرب عصفوراً فيصيب به إنساناً خطأ، وهذا النوع من الخطأ معفو عنه بنسب معينة، قال تعالى:
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَ‍ٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ﴾ [النساء:92]
﴿نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ﴾ [البقرة:58]
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة:286]
وجاء في الحديث الشريف: [رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان] [الجامع الصغير 4445] و [وإن اجتهد فأخطأ فله أجر] [نيل الأوطار 186/9] و [كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون] [أخرجه الترمذي (2499)، وأحمد (13049) واللفظ لهما، وابن ماجه (4251)].
وللعلم فإنّ كلمة (خطايا) هي جمع كثرة، بينما كلمة (خطيئات) جمع قلة.

 

4ـ الفحشاء:
هو كل فعل من الأفعال يترك في القلب والنفس شعوراً بالتدني كالقتل والزنى وما إلى ذلك. والفحشاء هي أكثر من الفاحشة. وأعمال الفحشاء التي وردت في القرآن الكريم ثلاثة:
آ ـ الزنى، قال تعالى : ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا﴾ [الإسراء:32] .
ب ـ اللواطة، قال تعالى: ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف:80].
ج ـ إتيان المحارم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:22] .

 

5ـ السوء والسيئات:
هو المُستقبح إمّا طبعاً أو عقلاً أو شرعاً. وهو كل ما يُغمّ الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجية. والسيئة هي أفعال قبيحة تَترك للإنسان سمعة سيئة عند الناس، وهي ضد الحسنة، قال تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ﴾ [النساء:79] .
والحسنة والسيئة نوعان :
آـ أحدهما باعتبار العقل والشرع كما في قوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا﴾ [الأنعام:160] .
ب ـ و هناك حسنة وسيئة بحسب اعتبار الطبع، وذلك ما يستخفّه الطبع وما يستثقله قال تعالى :
﴿فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ﴾ [الأعراف:131] وقوله تعالى : ﴿ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ﴾ [الأعراف:95] .

 

6ـ المعصية:
وهي ما يقع من فاعله على وجه قد نُهي عنه أو كُره منه، وهي نوعان: إمّا أنْ لا تفعل أمراً فتتمرد عليه: ﴿وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا﴾ [الكهف:69] وإمّا أنْ ترتكب أمراً منهياً عنه ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ﴾ [طه:121] وهذه تحصل ساعة صدور الأمر بـ(افعل أو لا تفعل)، نحو أن يقال لك مثلاً : افعل فلا تفعل ، أو يقال لك لا تفعل فتفعل. ولا تُسمى عاصياً إلا إذا لم تُطبق الأمر ساعة صدوره إليك. قال تعالى : ﴿لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ﴾ [التحريم:6] ـ﴿فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ﴾ [الشعراء:216] .

 

7ـ الفسق:
هو الخروج عن طاعة والدخول في كبيرة، كالذي كان يصلي ثم توقف عن الصلاة، أو لم يكن زانياً فأصبح زانياً. وهناك فسق عمل وفسق عقيدة. قال تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [الأعراف:145] .

8ـ الفجور:
إذا صار الفسق ديدناً يُسمى فجوراً. أي إذا أصبح الفسق فيه إدمان صار فاجراً، كالذي يشرب الخمر بشكل مستمر، ولو شربه مرة واحدة وتاب يُعاقب وينتهي الأمر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا﴾ [نوح:27] لأنهم اعتادوا على الفسق.

 

9ـ الضلال :
هو كل طريق لا يؤدي إلى المقصود كالذي يدور في حلقة مفرغة، قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ﴾ [مريم:75] ومتى ما سلك الإنسان سبلاً أخرى غير السبيل الصحيح فلن يصل إلى المقصود فهو ضالّ، لأنه لا بدّ من الاتجاه نحو الهدف عن طريق السبيل الصحيح ، قال تعالى : ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ﴾ [يوسف:108] ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ [الأنعام:153] .
والضلال أنواع :
آـ نسبي : قد يُصاب به الصالحون، كما جاء على لسان موسى : ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الأنعام:77] .
ب ـ مطلق: وهو ضلال العقيدة كعبادة الأصنام ونحوها، ويُطلقها تعالى على الكافرين غير الموحّدين : ﴿وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء:86] .
ج ـ وقد تأتي ضلّ بمعنى تاه: ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ [الكهف:104] لأنه لم يكن سعيهم في الطريق المرسوم.

10ـ الكفر والشرك والنفاق والإلحاد:
آـ الكفر: أصل كلمة (الكفر) هو التغطية .
والكفر: اسم يقع على ضروب من الذنوب، فمنها الشرك بالله، ومنها الجحد للنبوة، ومنها استحلال ما حرم الله، وغير ذلك مما يطول الكلام فيه. وهناك كفر لا يُخرج من المِلة، كما جاء في بعض الأحاديث عن الرسول عليه السلام"اثْنَتانِ في النَّاسِ هُما بهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ والنِّياحَةُ علَى المَيِّتِ" [صحيح مسلم 67 ] و "من حَلَف بغيرِ اللهِ كَفَر". [أخرجه أبو داود (3251) باختلاف يسير، والترمذي (1535) ] (يُرجع في هذا إلى الفقه لفهم الموضوع).
وهناك (كفر النعمة) بأن لا تشكرها لكنك لا تعتدي بها على غيرك، بينما (بطر النعمة) هو أن لا تشكر النعمة وأن تعتدي بها على غيرك من الناس لتأخذ حقوقهم، والمطلوب هو (شكر النعمة) بأن تشكر الله تعالى عليها قولاً وعملاً.
ب ـ الشرك: هو أن تجعل لله نداً وهو خالقك.
ج ـ النفاق: فهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، إمّا خوفاً أو جبناً نحو : (أن لا يصلي شخص إلا إذا رأى الناس) فهذا المنافق يصلي لغير الله تعالى.
د ـ الإلحاد : أصل الإلحاد الميل ، ومنه سُمي اللحد لحداً ، لأنه يحفر في جانب القبر. وهو نوع من النفاق الصادق من وجهة نظر صاحبه ، كالمسلم الذي يُصلي ويصوم ولكنه يُحب الشيوعية، فهو إذن اعترف بالشيء الصواب لكنه أضاف عليه ما ينافي العقيدة، قال تعالى : ﴿وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۢ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الحج:25] وعليه لا يُقال للمسيحي الذي يُثلّث أو اليهودي أنه ملحد وإنْ كان كافراً ، قال تعالى : ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف:180] هؤلاء يؤمنون بالله لكنهم يجعلون له أسماء غير التي هي له.

 

11ـ الجَرَم والجُرْم :
آ ـ قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [النحل:109] .
كلمة (لا جَرَمَ) تأتي بمنزلة: حقاً أو لا محالة أو قطعاً بمعنى القسم، والقطع نوعان : قطع فرعي يمكن أن يلتحم بعده المقطوع ، وهناك قطع نهائي لا يمكن أن يلتحم ويعود كما كان.
ب ـ أما الجُرم والمجرم والجريمة:
فالمجرم هو الذي بفعله انقطع عن مجتمعه انقطاعاً كاملاً فهو منذ وجوده يسعى لأن يكون هو في ناحية والمجتمع كله في ناحية أخرى بحيث أنّ كل سعيه ينحصر بأن يتميّز عنهم، ولا يكون بينهم وبينه صلة، بل يقضي عمره كله في مكره بهم.
والجريمة: قيل : من بعض معانيها النواة ، فالإنسان عندما يأكل التمرة يرمي بالنواة ولا يبقى بينه وبينها صلة.
هناك إجرام نسبي : لا يأخذ الحد الكبير في الإجرام لكنه ذنب لا يمحوه الصلاة والصوم ، ومن الإجرام النسبي تعسّف بعض الأزواج مع زوجاتهم أو أبنائهم بضربهم إلى حد العوَق والضرر فهذا مجرم قطع ما بين نفسه وبين زوجه وأولاده، ويوم القيامة يعاقبه الله تعالى على ذلك إنْ شاء.
وهناك إجرام مطلق : كالحاكم الذي عزل نفسه عن شعبه وكان ماكراً بهم ويتسلط عليهم فهو مجرم جبار متكبر ظالم متسلط ، و هذا سوف يعامله الله تعالى بصَغَار إضافة إلى العذاب الشديد ، قال تعالى : ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ﴾ [الأنعام: 124] .

 

12ـ المنكر:
هو الذي ينكره المجتمع، أو ينكره العُرف الصالح، وهو عكس الحسن، وهذا يتغير من جيل إلى جيل، ولهذا يُراعى العُرف ما دام صالحاً. والمنكر أيضاً هو الأمر الذي تُقبّحه الشريعة، وهناك ذنوب تُقبّحها الشريعة لكنها في عرف الناس أخفّ والعكس صحيح.
و(النُكْر) بسكون الكاف هو المنكر، وقد يُحرك بالضم (نُكُر) مثل عُسْر وعُسُر.

 

13 ـ الظلم والبغي والتعسف:
الظلم: هو أخذ حق الغير بدون قهر.
البغي: أخذ حق غيرك بالقوة.
والتعسّف: كأن يكون للشخص نفوذٌ وقوة فيأخذ بها حقوق الآخرين.

 

14ـ اللمم:
(اللمم ) هو الصغير من الذَّنْبِ، من ( ألمّ) إذا نزل نزولاً من غير لبث طويل، وقيل : اللمم هو المتقارب من الذنوب الصغيرة ، قال تعالى:﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ﴾ [النجم:32] .

 

15ـ الزلل:
يقال: زلّ يزلّ زَلولاً وزلزالاً، ويقال لمن زلّ في حالٍ كان عليها: زلت به الحال، ويسمى الذنب زلّة، ويعني الانحراف عن الطريق الذي أمره الله، لذلك يجب الاحتراز منه، قال تعالى: ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة:209] .


( يفضل في هذا الموضوع الرجوع إلى كتب الفقه والأحكام الفقهية المتعلقة بها ) والله أعلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12]

 

السؤال الأول:
ما دلالات هذه الآية ؟

 

الجواب:
1 ـ قرأ حمزة والكسائي وخلف (سيُغلبون و يُحشرون ) بياء الغيبة ، وقرأ الباقون بتاء الخطاب فيهما ، والمعنى : قل لهم يا محمد : سيُغلبون ...


2 ـ قوله تعالى : ﴿سَتُغۡلَبُونَ﴾ إخبار عن الغيب يحصل في المستقبل ، وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى :
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ٢فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3].


3 ـ دلت الآية على حصول البعث في يوم القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأنّ مردّ الكافرين إلى النار.


4 ـ ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ هكذا المستقبل الذى ينتظر الكفار دائماً : خيبة في الدنيا وخيبة في الآخرة، ولكن بضعف التقوى مع التفرق والاختــلاف يُسـلـط علينـا العـدو.


5 ـ قوله تعالى : ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ﴾ المهاد الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش .


6 ـ المُراد بالكفار في الآية هم يهود المدينة، لكنّ الآية عامة في حكمها في الكفار الذين عَلِمَ اللهُ أنهم يموتون على كفرهم، وهذه الآية من قبيل الإخبار بالغيب، والله أعلم.


<<<<<<<

 

مَثلٌ تاريخيٌ لانتصار المسلمين على عدوهم يوم بدر


﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران: 13]

 

السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13]؟

 

الجواب:
1 ـ عادة في القرآن الكريم يستعمل البصر وسيلة للاعتبار؛ لأنّ المرء يشاهد ويحاسب نفسه، أمّا السمع فهو وسيلة العقل والفهم والتعلم والتكلم .
وجاء قوله تعالى في هذه الآية وفي آية النور 44 ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13] ؛ لأنّ الآيتين تعرضان مشاهد يراها المرء بعينيه كفئتين تقتتلان يؤيد الله بنصره إحداهما كما في آية آل عمران، وكتعاقب الليل والنهار كما في آية النور، وهذا كله من آيات الله التي تستدعي التفكر والاعتبار .


2ـ إنّ العبرة هنا لأولي الأبصار ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ وليس لأولي البصائر، لأنّ الأمر الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي، أمر محسوس، فمن له عينان عليه أن يبصر بهما، فإذا كان التفكير والتدبر ليس أمراً موهوباً لكل مخلوق من البشر، فإنّ البصر موجود للغالبية من الناس، وكلٌ منهم يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي. وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليلَ الكامل على صدق العبارة؛ فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود، وعتادهم قليل، ولم يخرجوا بقصد حرب، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضاً عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة، ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيماً بالدرجة التي كان عليها؛ لأنّ العِير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط، ولكنّ الله يريد لهم النصر على ذات الشوكة، أي الطائفة القوية المسلحة.

3 ـ نصَرَ الله المسلمين يوم بدر مع اختلاف العدد والعُدّة، ليبيّن للناس إلى يوم القيامة أنّ النصر بيد الله وحده ، وليس بالمقياس المادي فقط ، مع ضرورة الأخذ بأسباب النصر وإعداد العدّة اللازمة للمعركة .


4 ـ الله هو القادر على نصر الفئة المؤمنة القليلة الصابرة والثابتة على غيرها من الفئات ، وفي هذا درس ألا يغترّ القويُّ بقوته ، فإنّ قوانين الله تخرق الأمور المعتادة حتى يعتبر المعتبرون .


5 ـ ﴿فِئَةٞ﴾ الجماعة أو الفرقة، وليس لها واحد من لفظها ، وجمعها : فئات ، وإنما سُميت فئة لأنه يُفاء إليها في وقت الشدة .


6 ـ ﴿لَعِبۡرَةٗ﴾ ( العبرة 😞 الاتعاظ ، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه .
7 ـ في قوله تعالى: ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ﴾ ما يسمى احتباك ، وهو الحذف من كلامين متقابلين ، وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر ، وتقدير الآية : فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني ، وحذف من الثاني ما يفهم من الأول .والله أعلم .


السؤال الثاني:
ما أحوال تأنيث الفعل وتذكيره مع كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ ؟


الجواب:
عندما تكون كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الدليل والبرهان تكون بمعنى مذكر، فيأتي الفعل بالتذكير كما هو في هذه الآية ﴿كَانَ﴾ وليس ( كانت ) .
وأمّا إذا كانت كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الآية القرآنية فيؤنث الفعل، كما في آية الأنعام 124 (وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ﴾ [الأنعام:124].

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى : ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ ؟


الجواب:
جاء في كتاب ( فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ) :
قوله تعالى: ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ أي ترى الفئةُ الكافرةُ الفئةَ المسلمةَ بمثليْ عدد نفسها، أو بالعكس على الخلاف. فإنْ قلتَ: هذا ينافي قوله في الأنفال: ﴿ وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ﴾ [الأنفال: 44] إذ قضيَّتُه أنّ كُلّاً منهما ترى الأخرى قليلة؟ قلتُ: التقليلُ والتَّكثيرُ في حاليْنِ: قلَّلَ اللهُ المشركين في نظر المؤمنين، وعكسه أولاً، حتى اجترأت كلٌّ منهما على قتال الأخرى، ثمَّ كثّر اللهُ المؤمنين في نظر المشركين لما التقتا، حتى جَبُنوا وفَشِلوا، وكثّر الله المشركين في نظر المؤمنين، وأراهم إيَّاهم على ما هم عليه - وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين - ليعلموا صدق وعد الله في قوله: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ [الأنفال: 66] فإنّ المؤمنين غلبوهم في هذه الغَزَاةِ وهي ( غَزَاةُ بدرٍ ) مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين. والله أعلم .
 
<<<<<<

مَثلٌ تاريخيٌ لانتصار المسلمين على عدوهم يوم بدر


﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران: 13]

 

السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13]؟

 

الجواب:
1 ـ عادة في القرآن الكريم يستعمل البصر وسيلة للاعتبار؛ لأنّ المرء يشاهد ويحاسب نفسه، أمّا السمع فهو وسيلة العقل والفهم والتعلم والتكلم .
وجاء قوله تعالى في هذه الآية وفي آية النور 44 ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13] ؛ لأنّ الآيتين تعرضان مشاهد يراها المرء بعينيه كفئتين تقتتلان يؤيد الله بنصره إحداهما كما في آية آل عمران، وكتعاقب الليل والنهار كما في آية النور، وهذا كله من آيات الله التي تستدعي التفكر والاعتبار .


2ـ إنّ العبرة هنا لأولي الأبصار ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ وليس لأولي البصائر، لأنّ الأمر الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي، أمر محسوس، فمن له عينان عليه أن يبصر بهما، فإذا كان التفكير والتدبر ليس أمراً موهوباً لكل مخلوق من البشر، فإنّ البصر موجود للغالبية من الناس، وكلٌ منهم يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي. وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليلَ الكامل على صدق العبارة؛ فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود، وعتادهم قليل، ولم يخرجوا بقصد حرب، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضاً عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة، ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيماً بالدرجة التي كان عليها؛ لأنّ العِير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط، ولكنّ الله يريد لهم النصر على ذات الشوكة، أي الطائفة القوية المسلحة.

3 ـ نصَرَ الله المسلمين يوم بدر مع اختلاف العدد والعُدّة، ليبيّن للناس إلى يوم القيامة أنّ النصر بيد الله وحده ، وليس بالمقياس المادي فقط ، مع ضرورة الأخذ بأسباب النصر وإعداد العدّة اللازمة للمعركة .


4 ـ الله هو القادر على نصر الفئة المؤمنة القليلة الصابرة والثابتة على غيرها من الفئات ، وفي هذا درس ألا يغترّ القويُّ بقوته ، فإنّ قوانين الله تخرق الأمور المعتادة حتى يعتبر المعتبرون .


5 ـ ﴿فِئَةٞ﴾ الجماعة أو الفرقة، وليس لها واحد من لفظها ، وجمعها : فئات ، وإنما سُميت فئة لأنه يُفاء إليها في وقت الشدة .


6 ـ ﴿لَعِبۡرَةٗ﴾ ( العبرة 😞 الاتعاظ ، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه .
7 ـ في قوله تعالى: ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ﴾ ما يسمى احتباك ، وهو الحذف من كلامين متقابلين ، وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر ، وتقدير الآية : فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني ، وحذف من الثاني ما يفهم من الأول .والله أعلم .


السؤال الثاني:
ما أحوال تأنيث الفعل وتذكيره مع كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ ؟


الجواب:
عندما تكون كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الدليل والبرهان تكون بمعنى مذكر، فيأتي الفعل بالتذكير كما هو في هذه الآية ﴿كَانَ﴾ وليس ( كانت ) .
وأمّا إذا كانت كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الآية القرآنية فيؤنث الفعل، كما في آية الأنعام 124 (وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ﴾ [الأنعام:124].

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى : ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ ؟


الجواب:
جاء في كتاب ( فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ) :
قوله تعالى: ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ أي ترى الفئةُ الكافرةُ الفئةَ المسلمةَ بمثليْ عدد نفسها، أو بالعكس على الخلاف. فإنْ قلتَ: هذا ينافي قوله في الأنفال: ﴿ وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ﴾ [الأنفال: 44] إذ قضيَّتُه أنّ كُلّاً منهما ترى الأخرى قليلة؟ قلتُ: التقليلُ والتَّكثيرُ في حاليْنِ: قلَّلَ اللهُ المشركين في نظر المؤمنين، وعكسه أولاً، حتى اجترأت كلٌّ منهما على قتال الأخرى، ثمَّ كثّر اللهُ المؤمنين في نظر المشركين لما التقتا، حتى جَبُنوا وفَشِلوا، وكثّر الله المشركين في نظر المؤمنين، وأراهم إيَّاهم على ما هم عليه - وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين - ليعلموا صدق وعد الله في قوله: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ [الأنفال: 66] فإنّ المؤمنين غلبوهم في هذه الغَزَاةِ وهي ( غَزَاةُ بدرٍ ) مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين. والله أعلم .
 
<<<<<<

القسم الثاني من أسئلة آية آل عمران 14

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ﴾ [آل عمران: 14]


السؤال السادس:
ما دلالة مفهوم المال في القرآن؟


الجواب:


معلومات لغوية:
1ـ المال في الأصل ما يُملك من الذهب والفضة، ثم أُطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان.
وأكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم.


2ـ ورجلٌ مالٌ، أي: كثير المال، وتموّلَ الرجلُ صار ذا مال، وموّل غيره تمويلاً.

 

معلومات عددية:
وردت كلمة ـ مال ـ في القرآن الكريم بصيغ مختلفة نحو: مالاً ـ الأموال ـ أموالهم ـ أموالكم ـ أموالاً ـ ماليه ـ في حوالي ـ 86ـ موضعاً.
كما وردت كلمة (دراهم) في موضع واحد، وكلمة (الذهب) في ثمانية مواضع، وكلمة (الفضة) في ستة مواضع.

 

المال في القرآن:
1ـ الإسلام يعتبر المال قوة كبيرة وعنصراً فعالاً في كل جهد من جهود المجتمع سلماً أو حرباً، ولهذا قدّم المال على النفس في كل أنواع الجهاد.


2ـ وكذلك في القرآن الكريم حيثما اجتمع ذكرُ المال والبنين قدّم المال على البنين؛ وذلك لأن:
آ ـ المال أظهر من الأولاد، فالمال يفخر به صاحبه، ولكن قد لا يفخر بأولاده إذا كانوا سيئين.
ب ـ المال هو الزينة أكثر من الأولاد، وزينة المال أوضح للناس من زينة الأولاد فهم يرون القصور والمراكب والمزارع والأنعام وغيرها أكثر مما يرون الأولاد.
ج ـ المال هو اللازم للزواج وتكاليفه، والزواج هو قبل الأولاد، فالمال أسبق.


3ـ لكنْ في آية التوبة111، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ [التوبة:111] قدّم الأنفس على المال؛ لأن بذل النفس أعز من بذل المال.


4ـ وضع الإسلام الأسس الواضحة في طرق اكتساب المال وفي طرق إنفاقه، وطلب منا أنْ يكون الكسب حلالاً طيباً، وألا يدخله الخبث حتى يبارك الله لنا في الكسب الطيب المبارك.


كما طلب في الإنفاق البعد عن التبذير والإسراف وإتلاف المال، بل طلب وحث على استعمال المال في أمور الخير المختلفة والصدقة والإنفاق في سبيل الله ومساعدة الفقراء والمحتاجين.


وهناك محطة لكل فرد في الآخرة يُسأل فيها عن موضوع كسب المال وطرق إنفاقه، كما ورد في الحديث الشريف «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: ... وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه»[الترمذي 2417].


والتجارة إحدى الوسائل الرئيسة في اكتساب المال، لذلك مطلوب أنْ تجعلها نظيفة حرة بعيدة عن الشبهات، بعيدة عن الربا، والاحتكار والغش والغبن والتغرير والخداع، وجاء في الحديث «أفضل الكسب كسب التجار، وهم الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا».


5ـ ذكر الله تعالى في آية آل عمران سبعة من المشتهيات للناس وسماها زينة، وهذه الأمور السبعة قال الله عنها: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [آل عمران:14] أي: أنها مذمومة، لكنّ المطلوب الانتفاع بها على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة، وذلك هو الممدوح، ولا ننسى أنّ الزينة تتصف بسرعة الزوال.


6ـ المال مال الله: المال في القرآن الكريم وصف بأنه مال الله ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ [النور:33] وسمى الله المال الذي في أيدي الناس مال الله، وعندما يقول المرء (مالي ) كأنه يقول: ليس لي.


7 ـ المال أداة استخلافٍ، وسماه أيضاً أداة استخلاف للإنسان قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ﴾ [الحديد:7].


8ـ سمي المال في القرآن الكريم خيراً، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا﴾ [البقرة:180].
وقد امتدح النبي المال فقال ﷺ: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» .[البخاري 299 وأحمد 17763]

 

وقد نُقل عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أنّ أحدهم قال: حبذا المال أصون به عرضي، و أتقرب به إلى ربي .


9ـ الشكر: هل من علاقة بين الرزق و الشكر؟ الجواب: نعم، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ﴾ [إبراهيم:7]


10ـ الصدقة: هل من علاقة بين الرزق والصدقة؟ نعم يقول الرسول ﷺ: «استنزلوا الرزق بالصدقة» .[أخرجه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (2/412) واللفظ له، والديلمي في ((الفردوس)) (281)]


11ـ إتقان العمل: هل من علاقة بين الرزق وإتقان العمل؟ نعم، قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه».[السلسلة الصحيحة 1113].


والملاحظ أنّ المتقنين من أصحاب الحرف هم وحدهم الذين يعملون في أيام الكساد، والأقل إتقاناً لا يجدون عملاً إطلاقاً، من أجل ذلك كان كل من الإتقان والأمانة والصدقة وصلة الرحم والشكر والاستغفار والصلاة والإيمان والتقوى أحد أسباب زيادة الرزق في القرآن والسنة.


12ـ من الأمثلة: الذين طبقوا هذا الكلام الصحابة رضوان الله عليهم ومن الذين طبقوه كذلك أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، الفقيه الكبير أكرم علمه و نفسه، وحزم أمره على أنْ يأكل من كسب يمينه، وهذه بطولة، أبو حنيفة النعمان الفقيه الكبير حزم أمره على أن يأكل من كسبه الحلال، وأنْ تكون يده هي العليا دائماً، وقد أيقن أنه ما أكل امرؤ لقمة أزكى ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده؛ لهذا خصص شطراً من وقته الثمين لكسب رزقه فاتجر بالخَزِّ؛ أي: بالقماش، و كان له متجر معروف يقصده الناس، فيجدون فيه الصدق في المعاملة، والأمانة في الأخذ والعطاء، وكانوا يجدون فيه أيضاً الذوق الرفيع، وكان يأخذ المال من حلِّه، ويضعه في محله، وكان كلمّا حال عليه الحول أحصى أرباحه من تجارته، واستبقى منها ما يكفيه لنفقته، ثم يشتري بالباقي حوائج القُراء وحوائج المحدِّثين، وحوائج الفقهاء وطلاب العلم وأقواتهم وكسوتهم .


أبو حنيفة النعمان الفقيه الكبير الذي ضرب للناس مثلاً أعلى في كسب الرزق، لذلك كان الإسلام عظيماً؛ لأنه منهج واقعي، ومنهج يتماشى مع الفطرة، ومنهج فيه عزة وكرامة.


السؤال السابع:
ما أهم الوقفات في هذه الآية وخاصة حول المشتهيات السبعة؟


الجواب:
1ـ قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ﴾ [آل عمران:14] من الزينة، أي: حُسِّنَ حُبُّ الشهوات؛ والزينة عادة مؤقتة تزول بسرعة.
والمعنى بشكل عام أنّ الله تعالى زين للناس حب الشهوات الجسمانية واللذات الدنيوية، لكنّ الشهوات فانية منقضية تذهب لذاتها وتبقى تبعاتها.
والله سبحانه لم يُسمِّ فاعل ﴿زُيِّنَ﴾ [آل عمران:14] ليرشدنا أنه لم يحدد عُمُراً للزينة يموت بعده الإنسان، وإنما لكل إنسان عمره الخاص به وهو مبهم، وإبهام الموت هو البيان الكافي، ولذلك علينا ألا ننخدع بالدنيا .
من جهة أخرى علينا أنْ نعلم أنّ منهج الله يريد أنْ يُصعّد الخير لكل مؤمن، وإمكانات الإنسان في النعيم الدنيوي محدودة على قدر الإنسان، أمّا إمكانات النعيم في الآخرة فهي على قدر قدرة الخالق، لذلك من المنطقي أنْ يقول لنا: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ﴾ [آل عمران:14].


2ـ قوله: (لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:14] هو لفظ عام معرّف يفيد الاستغراق؛ لذلك هو حاصل لكل الناس.


3 ـ المشتهيات سبعة؛ وهي:
آ ـ ﴿ٱلنِّسَآءِ﴾: وبدأ بهن؛ لأنّ الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم، وأخفى فتنةَ النساء بالرجال ستراً لهن، كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم فقال: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ﴾ [طه:121].
ب ـ حب الولد: وخص الذكور ﴿وَٱلۡبَنِينَ﴾ لأن التمتع بهم ظاهر.
ج ـ ﴿ٱلذَّهَبِ﴾ .
د ـ ﴿وَٱلۡفِضَّةِ﴾ .
والثالث والرابع محبوبان؛ لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كمالك جميع الأشياء، والقنطار كان في القديم علامة الثراء، وهو ملء جلد الثور ذهباً حجماً، وبعد ذلك جعلوه وزناً.
وقول ﴿ٱلۡمُقَنطَرَةِ﴾ أي: المضاعفة، وهي أيضاً للتأكيد كقولك: ألف مؤلفة، وظل ظليل.
هـ ـ ﴿وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ﴾ أي: المعلمة المدربة ذات الهيئة الحسنة، والخيل لفظ لا مفرد له، وسميت الخيل لخيلائها .
و ـ ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾: وهي جمع نَعَم، وهي الإبل والبقر والغنم.
ز ـ ﴿وَٱلۡحَرۡثِۗ ﮰ﴾: الزرع وأرض الزرع لأنها أصل.
وهذه الأمور السبعة قال الله عنها: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ أي: أنها مذمومة، لكنّ المطلوب الانتفاع بها على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح.


4ـ قوله: ﴿وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ﴾ المآب هو المرجع، وقيل هو قسمان: الجنة وهي غاية في الحُسن، والنار وهي خالية من الحُسن .


السؤال الثامن:
ما الارتباط بين هذه الآية وما سبقها من آيات تتحدث عن الجهاد في سبيل الله؟


الجواب:
هذه الآية جاءت بعد الآية التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله، وهي قوله تعالى: ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13].


وذلك ليرشدنا إلى أنّ الإنسان المؤمن لا يصح أنْ يضحي بشهوته الحقيقية، وهي إدراك الشهادة في سبيل الله أو النصر على العدو بسبب شهوات زائلة مثل المذكورة أعلاه.


والذين يدخلون على الناس ليُزينوا لهم غير منهج الله يأتون لهم بالمفتاح المناسب لشخصيتهم، فهذا تغريه امرأة، وهذا يغريه المال أو الذهب، وذاك يغلبه حب الأولاد، وهكذا لكل هوى مفتاح.


السؤال التاسع:
كيف وصف الله تعالى في هذه الآية المآب المطلق بالحسن؟


الجواب:
المآب المقصود هنا بالذات الجنة، وأمّا النار فهي المقصود بالغرض؛ لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب.


والجنة مراتب ارتقائية على قدر موقف الإنسان من منهج ربه، تقول رابعة العدوية:

كلهم يعبــدون من خوف نـــــار ** ويرون النجــاة حظـــاً جزيـــلا
إنني لست مثـــلهم ولهـــــــــذا ** لستُ أبــغي بمن أُحِبُّ بديـــــلا


والله سبحانه يقول: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ﴾ [الكهف:110] ولم يقل: (جنة ربه) حتى لا تشغلنا النعمة (الجنة) عن المنعم وهو الله سبحانه .
والله أعلم .

 
 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أصول المتاع الأخروي ثلاث


﴿۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]

السؤال الأول:
في قوله تعالى: ﴿أَؤُنَبِّئُكُم﴾ في الآية، ما دلالة الاستفهام بالهمزة ؟


الجواب:
آـ الهمزة أوسع أدوات الاستفهام استعمالاً، فهي تستعمل للتصور والتصديق. والتصور هو ما يُجاب عليه بالتعيين نحو: أمحمد عندك أم خالد؟ فتجيب: محمد.
والتصديق هو ما يجاب عنه بـ: نعم أو لا، نحو: أحضر القاضي؟ فتقول مثلاً: نعم.


ب ـ وقد تخرج الهمزة إلى معانٍ بلاغية؛ من أهمِّها:
1ـ التسوية: ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ﴾ [الأعراف:193].
2ـ الإنكار: ﴿أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ﴾ [الإسراء:40] .
3ـ التقرير: ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ ﴾ [الزُّمَر:36].
4ـ التهكم: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ﴾ [هود:87].
5ـ الأمر: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّ‍ۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ﴾ [آل عمران:20] أي: أسلموا.
6ـ الاستبطاء: ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد:16].
7ـ الاستبعاد: ﴿أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ﴾ [البقرة:75].
8ـ التعجب: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ﴾ [ص:5].
9ـ التحذير: ﴿أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ﴾ [آل عمران:144] .
10ـ التنفير: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُ ﴾ [الحُجُرات:12].
11ـ التشكيك: ﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ﴾ [ص:8].
12ـ التشويق: ﴿قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ﴾ [آل عمران:15].
13ـ النفي: ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ﴾ [ق:15]، والنفي هنا مشوب بالإنكار والتعجب.


ج ـ قد تحذف همزة الاستفهام إذا دلّ عليها دليل.


السؤال الثاني:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1ـ ذكرت هذه الآية أصول المتاع الأخروي وهي ثلاثة:
آ ـ الجنة تجري من تحتها الأنهار، وهو وصف لطيب الجنة، ويدخل تحت ذلك المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر، وكل الطلبات الأخرى.
ب ـ أزواج مطهرة من الدنس الحسي والمعنوي.
ج ـ رضوان من الله، وهو النعيم الروحي المعنوي، وهو فوق نعيم الجنة وأكبر منه.


2 ـ قوله تعالى : ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ أي عالم بمصالحهم ، فيجب عليهم أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره الله لهم من نعيم الآخرة ، وأن يزهدوا فيما زهّدهم فيه من أمور الدنيا .والله أعلم .


3 ـ ﴿جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾: ثلاث آيات في آل عمران بزيادة (خالدين فيها ) كلها في سياق أهل التقوى والمتقين وذلك لفضلهم .انظر الآيات ( 15 ـ 136 ـ 198 ) .
بينما هناك آية وحيدة في آل عمران خلت من الزيادة ، في شأن من أُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في الله .قال تعالى : ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ﴾ [آل عمران:195 ].

 
<<<<<<<<
 

وصفُ المتقين في الآيتين التاليتين بستة أوصاف


﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 16]


السؤال الأول:
ما محل إعراب جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ في الآية؟


الجواب:
محل إعراب جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ فيها وجوه:
آـ صفة لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ في الآية السابقة.
ب ـ صفة للعباد في آخر الآية السابقة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ .
ج ـ نصب على المدح.


السؤال الثاني:
ما دلالة ارتباط قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ مع قوله في نفس الآية ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ؟


الجواب:
اعلم أنّ الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران:16]، ثم إنهم قالوا بعد ذلك: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فدلّ على أنّ العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله سبحانه.
إنّ قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ دليل على أنهم علموا أنّ الإيمان مطلوباته صعبة فقد رتبوا طلب غفران الذنب على الإيمان. لماذا؟ لأنه مادام الحق سبحانه وتعالى قد شرع التوبة، وشرع المغفرة للذنب، فهذا معناه أنه سبحانه قد علم أزلًا أنّ عباده قد تخونهم نفوسهم، فينحرفون عن منهج الله.
وصفة (الإيمان) في هذه الآية هي الصفة الأولى من صفات المتقين.


﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]


السؤال الأول:
لماذا نصب الصفات الخمسة في الآية؟


الجواب:
1ـ ذكر سبحانه في الآية "17" صفاتٍ خمسة كلها منصوبة على المدح، بتقدير: أعني أو أمدح، وهذه الصفات هي:


آـ كونهم صابرين في أداء الواجبات وفي ترك المحظورات وفي كل ما ينزل بهم من المحن.
ب ـ كونهم صادقين في القول والعمل والنية.
ج ـ كونهم قانتين مداومين على العبادة.
د ـ كونهم منفقين في الزكاة والجهاد وسائر وجوه الخير، ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وأرحامه.
هـ ـ كونهم مستغفرين بالأسحار، والمقصود من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار.


2ـ هذه الصفات الخمس إشارة إلى تعدد الصفة لموصوف واحد، فكان الواجب حذف واو العطف عنها، إلا أنّ الله سبحانه ذكرها هنا بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وكل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب الثواب الجزيل.


السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ تُرى ألا يستقيم المعنى إذا أغفلنا حرف العطف (و) بين الصفات؟

 

الجواب:
الأصل في تعدد الأخبار ترك العطف، فنقول مثلاً: هذا هو المسلم الصدوق الأمين المخلص، فلِمَ ورد حرف العطف بين الصفات؟ لقد اختاره الله سبحانه وتعالى لبيانه الجليل إيذاناً بمعنى خاص ما كان ليتحصّل لو حُذِف حرف العطف، وهذا القصد هو الإشارة إلى كمال الموصوف، وهو قوله ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ، فهذا في كل صفة بحيث تنزل كل صفة منزلة مستقلة، وما ذاك إلا لقوة الموصوف في تلك الصفة، وكأنه يقول: والله بصير بالعباد الصابرين، والله بصير بالعباد الصادقين، والله بصير بالعباد القانتين، وهكذا. هذا هو المعنى الذي نستفيده من تكرار حرف العطف بين هذه الصفات.


السؤال الثالث:
قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ لِمَ خصّ الله سبحانه وتعالى الاستغفار بوقت معين ولم يخص الصفات الأخرى بقيد أو صفة؟ فلِمَ لم يقل مثلاً: الصابرين في الأسحار؟ وما فضائل الاستغفار؟

 

الجواب:
آ ـ إنّ تخصيص وقت الاستغفار بالسَّحَر لأمر أراده الله تعالى لك أيها المؤمن، وهو أنّ هذا الوقت فيه من الهدوء ما يجعل العابد أشد إخلاصاً وخشوعاً لله تعالى، وفيه بُعدٌ عن الرياء أمام الناس، فلا يراك في هذا الوقت إلا من تقصده وهو الله عز وجل.
ب ـ إنّ الصبر يُحمد في كل وقت، وليس للصبر وقت يفضّل فيه عن غيره وكذلكم الصدق.
ج ـ فضائل الاستغفار كثيرة وعظيمة ومنها:


1ـ إنه طاعة لله عزّ وجلّ.
2 ـ إنه سبب لمغفرة الذنوب.
3ـ سبب نزول المطر: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:11].
4ـ الإمداد بالمال والبنين: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح:12].
5ـ دخول الجنات.
6 ـ زيادة في القوة: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:52].
7ـ المتاع الحسن : ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود:3].
8ـ دفع البلاء : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:33].
9ـ الاستغفار سبب نزول الرحمة: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:46].
10 ـ هو لإيتاء كل فضل فضله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ [هود:3].
11 ـ حاجة العباد إلى الاستغفار لأنهم يخطئون بالليل والنهار، فإذا استغفروا غفر الله لهم.
12 ـ هو كفارة المجلس.
13 ـ هو اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يستغفر الله أكثر من 70 مرة في اليوم .


السؤال الرابع:
ما دلالة الصيغة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ ولم يقل هنا: (أنفق) أو (ينفق)؟

 

الجواب:
1ـ استعمل القرآن الفعل (أنفق) و(ينفق) بصيغه المختلفة حوالي 70 مرة جميعها بالصيغة الفعلية؛ لأنّ الإنفاق أمر يتكرر ويتجدد ويحدث باستمرار؛ ولأنّ الفعل يدل على التجدد والحدوث.
2 ـ لم ترد بالصورة الاسمية إلا في آية واحدة في آل عمران 17، وهو في سياق أوصاف المؤمنين الدالة على الثبات، أي: أصحاب هذه الصفات. والله أعلم.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×