اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن"

المشاركات التي تم ترشيحها

عملُ الخير والشر سببٌ لمحبة الله وبُغضه ، وثوابه وعقابه

 

﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]


السؤال الأول:
هل أُفردت الرأفةُ عن الرحمة في القرآن؟


الجواب:
أُفردت الرأفةُ عن الرحمة في القرآن الكريم في موطنين فقط: آية البقرة 207، وآية آل عمران 30.
انظر الجواب في آية البقرة 207.


السؤال الثاني:
ما دلالة قوله تعالى في الآية ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ وما دلالة تعريف العباد بأل في الآية؟


الجواب:
1 ـ قوله تعالى في الآية ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَاد﴾ آية توقظ القلبَ المستنيرَ وتنبه الضميرَ الحي ، وتشحذ الهمم ، وتأخذ بمجامع العبد المنيب فيبصر بذلك الطريقَ المستقيم، وحتى عند التحذير تظهر رحمته الواسعة ورأفته بعباده.


2 ـ لاحظ لو قلت: والله رؤوف بعباده، ألا تجد أنّ المعنى سيكون مقصوراً على فئة من العباد دون غيرها؟
إنّ التعريف في كلمة ﴿بِٱلۡعِبَادِ﴾ بـ (أل) أفاد الاستغراق، فرأفة الله تعالى شاملةٌ لكل الناس مسلمهم وكافرهم.


السؤال الثالث:
قوله تعالى في الآية: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ﴾ ما الفرق بين الروح والنفس ؟


الجواب:
انظر الجواب في آية البقرة 281.


السؤال الرابع:
ما فائدة تكرار التحذير في آيتي آل عمران 28و 30؟


الجواب:
انظر الجواب في آية آل عمران 28.


السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ﴾ وتعني الزمن، فما كلمات منظومة الزمن في القرآن الكريم ؟


الجواب:
هذه كلمات منظومة الزمن، وهي مكونةٌ في القرآن الكريم من إحدى عشرة كلمة؛ وهي:
1ـ الزمن: هو سر الخلود وهو أعظمُ وأكرمُ ما يملكه الإنسان على هذه الأرض، ودقائق معدودة بالتوبة قبل الموت ستسببُ له الخلود في الجنة، والزمنُ يعني البداية والنهاية.


2ـ الأبد: كقوله تعالى: ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ﴾ [النساء:57] أي: زمنٌ ممتدٌ طويلٌ لآلاف السنين بدون فترة استراحة.


3ـ الأمد: هو بداية النهاية، والمدى آخر المطاف. والفرق بين الأمد والأبد أنّ الأمد مدة محدودة من الزمن ، وإنْ يكن الحدّ مجهولاً ، أمّا الأبد فهو مدة من الزمن غير محدودة .


4ـ السرمد: الزمن الذي يختص بنوع واحد مثل ليل دائم أو نهار دائم، كما في آية القصص 71 ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا﴾ .
فالسرمد هو المستقبل المطلق، والأزل هو الماضي المطلق الذي لا بداية له، فالله سرمدي أزلي.


5ـ الدهر: الدهرُ هو زمن الدنيا منذ خلقها الله تعالى إلى قيام الساعة، والآخرة ليس فيها زمن وكذلك البرزخ، لذلك الذي مات قبل مليون سنة والذي سيموت قبل القيامة بدقائق لهما نفس الشعور كما في قوله تعالى: ﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:112].


6ـ الوقت: هو الزمنُ المخصصُ لفعلٍ معين، ولكل حدثٍ زمنُه نحو وقت الصلاة أو وقت العمل أو وقت الحج ، قال تعالى :
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء:103]
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ٣٧إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ﴾ [الحجر:37-38] .


ويقسّم اليوم إلى الأقسام التالية:
آـ الفجر: أول بداية النهار: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَيَالٍ عَشۡرٖ﴾ [الفجر: 1-2].
ب ـ الصبح: أول احمرار الشفق بعد الفجر بحوالي نصف ساعة: ﴿إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ﴾ [هود:81].
ج ـ البكور: قبل طلوع الشمس : ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:42] .
د ـ الغداة: الضوء القوي مع طلوع الشمس.
هـ ـ الضحى: ارتفاع الشمس بمقدار رمح، أي بقدر ربع ساعة بعد طلوع الشمس.
و ـ الزوال: وقت الاستواء.
زـ الظهيرة: بعد الاستواء إلى العصر (الهاجرة) ﴿وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم:18] .
ح ـ الأصيل: قبل غروب الشمس.
ط ـ العصر: أول برد النهار ويمتد حتى الغروب.
ي ـ الغروب: وقت غروب الشمس.
ك ـ المساء: وهو وعاء يشتمل عدة أوقات، فهو من الزوال إلى الفجر.
ل ـ العَشِيِّ: آخر ساعة في النهار.
م ـ العشاء: من صلاة المغرب إلى أول العتمة.
ن ـ السَّحَر: بعد منتصف الليل وحتى الفجر.


7ـ الحِقبة: - بضم الحاء أو كسرها- وتجمع على أحقاب ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾ [النبأ:23] والحِقبة تعني سنة واحدة، والحُقبة تعني ثمانين سنة.


8ـ القرن: القرن مائة عام، وقد تطلق القرون على الأجيال.
والسنةُ اثنا عشر شهراً، والعِقدُ عشرُ سنوات، وكلُ عشرة عقود تصير قرناً، وكلُ عشرة قرون تصير دهراً، والعربُ كانوا يسمون ألف سنة بالدهر.


9ـ الأُمة: الأُمةُ هي مجموعة السنين الحاوية لحدث معين، مثل حدث الحرب العالمية أو عام الفيل .


10ـ العمر: العمر إذا أطلق فهو مرحلة الشباب من خمس عشرة سنة وحتى الأربعين، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [يونس 16].


11ـ الحين: هو وقت حصول الشيء ولا مضمون زمنياً محدِّداً للكلمة، لكنها تضاف للفعل لبيان الدقة، فتقول: حين أضع قلمي أفعل . قال تعالى :
﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ﴾ [الإنسان:1]. والله أعلم.

 

بقلم: مثنى محمد هبيان

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [آل عمران: 31]

القسم الأول


السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى في الآية ﴿قُلۡ﴾ ؟


الجواب:
قوله تعالى: ﴿قُلۡ﴾ دليل على أنّ ما سيأتي بعدها هو بلاغٌ من الرسول ﷺ عن ربه، بلاغٌ للآمر وللمأمور به .
والذين في قلوبهم زيغ يقولون: يمكن حذف كلمة (قل) من القرآن كما في أول سورة الكافرون والإخلاص وفي هذه الآية؛ لأنه لا فائدة منها، ونقول لهؤلاء: إنكم تريدون أنْ يكون الرسولُ قد أدى المأمور به ولم يؤد الأمر .


السؤال الثاني:
قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ هل موقع الحب في القلب ؟


الجواب:
1ـ الحُبُّ موقعه في القلب، ولأنّ القلب في الصدر فجاز إقامة الصدر مقام القلب كقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:5] وقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46].


2ـ إنك قد تحب الله لنعمه عليك، ولكنّ الله أيضاً يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف؛ لأنّ نعمة التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها، والله لا يكلف شططاً أو فوق الوسع.


3ـ لا بدّ أنْ نفرق بين الحب العقلي والحب العاطفي، فالعاطفي لا يقنن ولا قانون له، والإنسان يحب ابنه ولو كان صاحب عاهة أو قليل الذكاء وهو يحبه أكثر من ابن جاره ولو كان الأخير متفوقاً.
والمطلوب هو الحب العقلي وليس الحب العاطفي، وقد يتسامى الحب فيصير بالعاطفة. وهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة، ومن ادعى ذلك دعوى مجردة، فعلامة محبة الله اتباع محمد ﷺ.


4ـ انظر إلى ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما قال رسول الله ﷺ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ» [صحيح البخاري 14] وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال: أمعقولٌ أنْ يكون الحبُ لك أكثر من النفس؟ إنني أحبك أكثر من مالي وولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس منها شيء.
وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من سيدنا عمر، فكررها النبي ثانياً وثالثاً فعرف سيدُنا عمر أنه قد أصبح تكليفاً، وعرف أنه لا بدّ أنْ يكون من الحب المقدور عليه، وهو حب العقل وليس حب العاطفة.
وهنا قال عمر: الآن يا رسول الله. فقال الرسول ﷺ: «الآن يا عمر» أي: كَمُلَ إيمانك الآن.


5ـ الحب يكون في الاتباع والسلوك ، وصدق مدعي الحب الاتباع، وكما قيل: إنّ المحبَ لمن يحب مطيع.


6ـ وهكذا نجد أنّ نِعَم الله هي: نِعَم الإيجاد ـ ونِعَم الإمداد ـ ونِعَم التكليف ـ ودليلُ صدق الحب هو قيام العبد بالتكليف .


7 ـ واعلم أخي المؤمن: أنّ حبك لله لا يقدم له ولا يؤخر، بينما حبُ الله لك يقدم ويؤخر.


8 ـ قال ابن رجب : من أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه، أوجبَ له ذلك أن يحبَّ بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، فإنْ عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك، دلَّ على نقص محبته الواجبة؛ فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل محبته الواجبة.

 

<<<<<<<<<<<<

﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ

 

القسم الثاني

 

السؤال الثالث:
ما كلمات منظومة الحب القلبي في القرآن الكريم؟


الجواب:
كلمات منظومة الحب القلبي في القرآن الكريم هي: الشهوة ـ الهوى ـ الحب ـ الشغف ـ الغرام ـ الهيام ـ الود، إضافة إلى كلمتي: الشوق والعشق، ولكنهما لم يردا في القرآن.


1ـ الشهوة: هي ميل النفس إلى ما تتلذذ به حسياً أو نفسياً، مثل النساء والبنين والذهب والفضة والأنعام والحرث، وكذلك السلطان والجنة والقهر، والشهوة يجب أنْ تكون في محلها.


2ـ الهوى: إذا كانت الشهوة في غير محلها كانت (هوى)، كأنْ تشتهي امرأة لا تحل لك، ولم ترد كلمة (الهوى) في القرآن إلا من باب الذم، وهناك فرق بين ما تشتهيه الأنفس وما تهواه، فما تشتهيه قد يكون حلالاً أو حراماً، وما تهواه لا بدّ أنْ يكون حراماً. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:40].


3ـ الحب: هو تعلق القلب بما هو كريم ومطلوب، وهو ليس مذموماً، وقد ذكر الله في كتابه صفات الذين يحبهم والذين لا يحبهم: [البقرة 195ـ 222، آل عمران31ـ 76ـ 92ـ 134ـ 148 ـ 152، النور 22ـ الصف 13ـ القيامة 20].


4ـ الشغف: عندما ينفذ الحبُ إلى القلب ويستقر به ويملك على الإنسان حواسه وتفكيره يُسمى شغفاً، فكلُ شغفٍ حبٌ وليس كلُ حبٍ شغفاً. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف:30].


5ـ الغرام: بعد أنْ يصل الحبُ إلى مرحلة الشغف، فإذا كان الحبُ قاهراً استولى المحبوبُ على من يحب، وتحول الحبُ إلى فناءٍ في المحبوب فيُسمى غراماً، فالغرام هو حبٌ انقلب إلى أسر .
ولذلك عندما ذكر القرآنُ عن عذاب جهنم ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:65] فيه دليلٌ على أنّ عذابَ جهنم قاهرٌ مذلٌ، كما قال تعالى : ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة:66].


6ـ الهيام: هذا الغرام إذا تطور، والمحبوب تدلل على الحبيب ولم يستجب له واضطرمت النار في أحشاء المحب أدى هذا إلى الهيام.
والهيام لغة مأخوذة من الهِيم، أي: الإبل الشاردة الهائمة على وجهها في الصحراء، كما في قصة قيس وليلى. قال تعالى :
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:225].
﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:55].


7ـ الوُّد: الود هو أعلى وأسمى أنواع الحب، ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:96].
كل الذي ذُكر إذا كان موجوداً بين يديك وتطيقه مع الوصل يسمى حباً وشغفاً وهياماً، أمّا إذا كان مع الهجر فهو الود، فالود هو أمنية؛ تحب بعيداً أو شيئاً تتمناه، والود هو من جهة ميل الطباع فقط، فتقول: أود أنْ ذاك كان لي، وأود الرجل، ولا تقول: أود الصلاة، بل تقول: أحب الصلاة.
انظر الآيات: [البقرة 96ـ 105ـ 109، آل عمران 118ـ النساء 102ـ المعارج 11ـ القلم 9ـ الحجر 2].


8ـ الشوق: يكون لحبيبٍ مسافر أو غائب.


9ـ العشق: هو الحبُ الذي شاع صيته بين الناس.


السؤال الرابع:
ما الفرق بين ﴿يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ [الأحقاف:31] و﴿وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [ال عمران:31] ؟


الجواب:
1ـ (من) تبعيضية، أي: بعض الذنوب، وبدونها يغفر لكم الذنوب جميعاً.


2ـ لم يرد في القرآن كله ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ﴾ [الصف:12] إلا مع أمة الرسول ﷺ إكراماً له ولأمته.
أمّا التعبير: ﴿يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ [نوح:4] فعام ولبقية الرسل عليهم السلام.


3 ـ ورد التعبيرُ بدون (من) ثلاث مرات في القرآن في الآيات التالية :
﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ [ آل عمران :31].
﴿يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ﴾ [ الأحزاب :71].
﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ [ الصف :12].


وورد التعبيرُ مع وجود (من) ثلاث مرات أيضاً في الآيات التالية :
﴿قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ [ إبراهيم :10].
﴿يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ﴾ [ الأحقاف :31].
﴿يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ﴾ [ نوح :4].


والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]

 

السؤال الأول:
قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ كيف جاءت مسألة الطاعة في القرآن؟

 

الجواب:
جاءت مسألةُ الأمر بالطاعة في القرآن الكريم على ثلاثة نماذج:
1ـ أطيعوا الله والرسول.
2ـ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.
3ـ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
فما مسألة هذه الأوامر بالطاعة؟
إنّ الأحكامَ الشرعية المطلوب من المؤمنين إطاعتها مرةً يكون الأمر قد جاء بها من الله، و يكون الرسول قد أكّدها بقوله وسلوكه، وبهذا حين يطيع المؤمن في هذا الأمر فهو يطيع الله ورسوله معاً.
ومرة يأتي الحكمُ من الله إجمالاً، ويأتي الرسولُ ﷺ ليفصّله، مثل: الصلاة، فتفاصيلها من النبي ﷺ وأصل الحكم من الله تعالى، وكذلك الزكاة جاء الأمر من الله بأداء الزكاة، لكن القرآن لم يحدد النصاب، وقد بينه الرسول ﷺ، إذن لله فيها أمرٌ وللرسول أمرٌ، والنبي ﷺ مفوّض من الله تعالى بهذا، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر:7].

 

لذلك تكون مسألة الطاعة في القرآن حسب التالي:
1ـ إذا لم يتكرر لفظ الطاعة، فالسياقُ يكون لله وحده في آيات السورة، ولا يجري ذكرٌ للرسول ﷺ في السياق أو الإشارة إليه.
أو بمعنى آخر، إنْ اتحد المُطاعُ ـ الله والرسول ـ عطف الرسول على لفظ الجلالة فتأتي: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل عمران:32].
* شواهد قرآنية:
ـ آية آل عمران 32 ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ .
ـ آية آل عمران 132﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ .
وهذه الآية جاءت بعد آية تحريم الربا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ * وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران:129-131] .


2ـ وإذا تكرر لفظُ الطاعة فيكون قطعياً قد ذُكر الرسول ﷺ في السياق، أو بمعنى آخر: إنْ كان الأمرُ طاعة الله في الأمر الإجمالي وطاعة الرسول في تفصيل ذلك الأمر تأتي: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ﴾ [النور:54] .

 

* شواهد قرآنية:
ـ ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور:54] .
ـ ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [المائدة:92].
ـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد:33] .
ـ ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن:12].


3ـ إنْ كان الأمرُ طاعة الرسول بتفويض الله له كما في آية الحشر7 ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ يأتي الموضوعُ كما في طاعة أولي الأمر، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء:59] .
فالحق عز وجل لم يورد طاعةَ أولي الأمر مندمجة في طاعة الله ورسوله لتكون طاعة واحدة، لا، وإنما أورد طاعةَ أولي الأمر في الآية التي يفرق فيها بين طاعة الله وطاعة الرسول، ثم من بطن طاعة الرسول تكون طاعة أولي الأمر، لماذا؟ لأنه لا توجد طاعةٌ ذاتية لأولي الأمر، فالرسول ﷺ له الطاعة الذاتية، أمّا طاعة أولي الأمر فهي مستمدة من طاعة أولي الأمر لله ورسوله، ولا طاعة لأولي الأمر فيما لم يكن فيه طاعة لله ورسوله ﷺ.


السؤال الثاني:
قوله تعالى في آية آل عمران 32ـ والآية 132 ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ لماذا لم يكرر لفظ الطاعة فيهما، فيقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؟ بينما كررها في الآيات:[ النساء 59ـ المائدة 92ـ النور 54ـ محمد 33ـ التغابن 12] ؟ وما دلالة هذه الآية؟

 

الجواب:
القاعدة اللغوية:
1ـ يكرر القرآن الكريم لفظاً معيناً بقصد التوكيد، كما تقول محذراً: حذار حذار.


2ـ هنا في آيتي آل عمران لم يكرر لفظ الطاعة، لكنه كررها في الآيات: [النساء 59ـ المائدة 92ـ النور 54ـ محمد 33ـ التغابن 12].
والملاحظ أنّ ما لم يتكرر فيه لفظ الطاعة مع الرسول، فالسياق فيه لله وحده، ولم يذكر فيه لفظ الرسول ولا أية إشارة إليه.
آـ في آية آل عمران 32 ذكر فيها أنّ الأمر كلَّه لله وبيده قال تعالى: ﴿تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [آل عمران:27] وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران:28] وكرّر هذا المعنى فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران:30] إلى أنْ ذكر الآية 32 ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل عمران:32] فأنت ترى أنّ المقام مختصٌ بالله وحده، فذكر طاعة الله وجعل طاعة الرسول تبعاً لها .
ب ـ وكذلك الأمر في آية آل عمران 132، فلم يكرر لفظ الطاعة، إذ قال قبلها: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران:128] في حين كرر لفظ الطاعة في الآيات الأخرى؛ لأنّ السياق يقتضيها .


3ـ في آية النساء 59 جعل طاعة الله وطاعة الرسول أصلية؛ ليفصل بين طاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، فهما ليستا بنفس المنزلة، ثم قال: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59] فالرسول مرجعٌ للفصل، بخلاف أولي الأمر، ثم قال بعدها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا﴾ [النساء:61] فقد جُعِلَ الرسولُ مُرْتَجَعاً كالقرآن، ثم قرّر حكماً ثابتاً فيما بعد، فقال: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء:64] فأنت ترى أنّ المقام ههنا مقام تبيان طاعة الرسول فكررها.


4 ـ في آية سورة النور 54، قد تكرر ذكر الرسول، وذلك في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [النور:50-52] ثم قال بعدها: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور:56] فجعل طاعة الرسول مقترنة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ترى أن السياق يؤكد لفظ طاعة الرسول.


5 ـ وكذلك ما جاء في سورة محمد ﷺ في الآية 32، فقد ورد لفظ الرسول وطاعته وعدم مشاقته فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡ‍ٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد:32] .


6ـ وكذلك ما جاء في آية التغابن 12 فقد ختمها بقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن:12] . والله أعلم.


7ـ المعنى العام لهذه الآية ( آل عمران 32 😞 أطيعوا الله في كتابه، وأطيعوا رسوله عليه السلام في سنته، وطاعة الله متعلقة بطاعة الرسول، وطاعة الله لا تتمّ مع عصيان الرسول.


8 ـ السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وإنكارها كفرٌ مخرجٌ من الملة. والله أعلم.


السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ ؟

 

الجواب:
إنْ قيل: لماذا قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ ولم يقل مثلاً: فإنّ الله يكره الكافرين، فالجواب: نفيُ الحب يجعل الباب مفتوحاً لرجوع الحب! أي: من تاب وأناب إلى الله فسوف يحبه الله، أمّا الكره فهو إغلاقٌ لباب المحبة. والله أعلم.

 

بقلم: مثنى محمد هبيان

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بدءُ قصّة النصارى


(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33]

 

 

السؤال الأول:
ما الفرق بين (اصطفى) و (اختار)؟ وما الفرق بين الاصطفاء والاجتباء؟

 

الجواب:
1ـ الاختيار: هو أن تختار من غير متشابهات، كأن تختار قلماً من بين ورقة وكتاب وقلم، كما في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص: 68].
أمّا الاصطفاء: فهو الاختيار من بين أشياء متناظرة ومتشابهة، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ) [آل عمران: 33] فاصطفاه من متناظرين.

 

2ـ الاصطفاء:
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم حوالي (15) مرة على اختلاف مشتقاتها في الآيات:
[البقرة 130، 132، 247 ـ آل عمران 33، 42 (مرتان) ـ الأعراف 144ـ الإسراء 40 ـ الحج 75 ـ النمل 59 ـ فاطر 32 ـ الصافات 153 ـ ص 47 ـ الزمر 4 ـ الزخرف 16].


وجاءت لفظة (الاصطفاء) على عدة معانٍ في اللغة منها:
آـ (اصطفى) أي اختار، ويُقال على ثلاثة أوجه: صَفوة، وصُفوة، وصِفوة، ومعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يُصفى ويُنقى من الشوائب، كما في الآيات:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33]
(قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) [الأعراف: 144]
(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص: 47]


ب ـ الاصطفاء: بمعنى الاستخلاص، ومأخوذ من الصفوة، والأصل: اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد.


شواهد قرآنية:
ـ قوله تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) [الأعراف: 144]
أي اتخذتك صفوة على الناس، أي فضلتك وذكر السبب (بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) أي خصّه بالرسالة مع الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره، ولمّا ذَكرَ ذلك أَمَرَهُ بالعمل بالرسالة وبشكر الله فقال: (فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، ولم يقل مثلاً (على الخلق) بل قال (عَلَى النَّاسِ) لأنّ الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام.


ـ قوله تعالى: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا) [الإسراء: 47]
أصفاه بالشيء إذا آثر به ، أي أفَخَصّكم أو أخلصَكم. ويُقال للضِياع التي يستخصها السلطان بخاصية الصوافي.


ـ قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص: 47]
أي المختارين من أبناء جنسهم، و(الأخيار) جمع خيرّ أو خيْر كأموات في جمع ميّت أو ميْت، والله قد حكم عليهم بكونهم أخياراً على الاطلاق، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء.


ج ـ الاصطفاء: الاختيار والتفضيل، كما في الآيات:
(وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: 59]
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 132]

 

الاجتباء:
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم حوالي (10) مرات على اختلاف مشتقاتها في الآيات:
[آل عمران 179 ـ الأنعام 87 ـ الأعراف 203 ـ يوسف 6 ـ النحل 121 ـ مريم 58 ـ طه 122 ـ الحج 78 ـ الشورى 13ـ القلم 50].

 

المعنى اللغوي:
ـ جبى: الخراج يجبي جباية، و (الإجباء) بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وفي الحديث (من أجبى فقد أربى) [مجمع الزوائد 78/3] وأصله الهمز (جبأ )، و (الجابية) الحوض الذي يُجبى فيه الماء للإبل أي يجمع، والجمع (الجوابي) ومنه قوله تعالى: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) [سبأ: 13]. و (الجابية) مدينة بالشام، وباب الجابية بدمشق. والاجتباء أن تأخذ الشيء بالكلية. واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، ومنه جبي الخراج وجبي الماء في الحوض.
ـ (اجتباه) أي اصطفاه لنفسه واختاره لأمور عظام وأعطاه معالي الأمور، ومنه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) [يوسف: 6].
ـ (اجتباه): اختلقه وافتعله واخترعه من تلقاء نفسه، كما في آية الأعراف: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: 203]
ـ الاجتباء إذا ذُكِرَ في حق الأنبياء عليهم السلام حُمل على النبوة والرسالة من الله تعالى.
ـ اجتباءُ الله تعالى العبد تخصيصُه إياه بفيض إلهي يتحصل معه أنواعٌ من المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختصٌ بالأنبياء عليهم السلام ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين.

 

أقوال في الفرق بين الاختيار والمفاضلة والاجتباء والانتقاء:

 

آ ـ الاختيار:
ـ الاختيار مأخوذ من الخير، ويكون معناه خير ما في الشيء.
ـ الاختيار هو أن تختار من غير متشابهات كأن تختار بين قلم و ورقة وكتاب، بينما الاصطفاء يكون بين أشياء متشابهة أو متناظرة.
ـ اختيارك الشيء أخذك خير ما فيه في الحقيقة أو خيره عندك، بينما الاصطفاء أخذ ما يصفو منه، ثم كثر حتى استعمل أحدهما محل الآخر.

 

ب ـ المفاضلة:
تكون بين الأشخاص على أساس أنك تفضّل أكثرهم مميزات.

 

ج ـ الاجتباء:
مأخوذ من الخلاصة أو الخالص من الشيء وهو منزلة خاصة للمؤمن الكامل المخلص الورع المستقيم المحب المحسن المنصف الرحيم، وقد ورد في بعض الأحاديث: (إذا أحبَّ اللهُ تعالَى عبدًا ابتلاه فإن صبَر اجتباه فإن رَضِيَ اصطفاه) [البيهقي في شعب الإيمان 10003] وهذه المنزلة كاد أن يحتكرها الأنبياء عليهم السلام إلا حيزاً صغيراً جداً أخلاه الله لثلة من المؤمنين في كل جيل يصدقونه الحب والإيمان والعمل الصالح.
1ـ الفعل (يجتبي) ماضيه: (اجتبى) على وزن افتعل، وهو نفس وزن الفعل: اختار.
2ـ الفعل (اجتبى) من: (جَبَيَ) وهو من الجباية، وهي: الضم والجمع والتقريب، ويعني في الآية شدة القرب من الله تعالى.
3ـ أما الفعل: (اختار) ففيه معنى الانتقاء للأخْيَرِ والأفضل، ولكن ليس فيه معنى الضم والقرب.
4ـ فإذا أراد القرآن الإشارة إلى مجرد الخيرية من غير الضم يستعمل: (يختار)، وإذا أراد معنى الجمع والضم والتقريب يستعمل: (يَجْتَبِي) .

 

د ـ الانتقاء:
المفاضلة بين الأشخاص لأقلهم عيوباً دون النظر إلى المميزات.

 

الخلاصة:
بشكل عام كلمة (الاصطفاء) أعم ويميل معناها إلى الصفاء والاختيار، ويميل استعمالها كذلك إلى النبوة والرسالة، بينما كلمة (الاجتباء) أخصّ، وفيها معنى جمع الشيء النافع والصفات الحسنة الطيبة، ويميل معناها إلى العلم والأخلاق، إضافة إلى التكليف بالرسالة مع الرسل والأنبياء. والله أعلم.

 

 

السؤال الثاني:
قوله تعالى: (وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] مَنْ (عِمْرَان) المذكور في الآية؟

 

الجواب:
هناك اثنان لهما نفس الاسم (عمران):
1ـ عمران والد موسى وهارون، وعمران هذا هو ابن يصهر بن فاهاث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
2ـ عمران: والد مريم عليها السلام.
ومما زاد في الأمر إشكالاً هو وجود أخت لموسى وهارون اسمها: مريم، فكلتاهما اسمهما: مريم بنت عمران، وكانوا يتفاءلون باسم (مريم) لأنّ معناه العابدة.
3ـ يمكن أن نضع للأمر ضبطاً حرفياً، فنقول: (عمعم سدئيّ) ومعناها:
[عيسى بن مريم ـ مريم بنت عمران ـ عمران بن ماثان ـ ماثان بن سليمان ـ سليمان بن داود ـ داود بن أوشي ـ أوشي بن يهوذا ـ يهوذا بن يعقوب ـ يعقوب بن إسحاق].
4ـ لذلك مجيء اسم مريم عليها السلام في القرآن يعني أنه عمران والد مريم.
5ـ للعلم: زكريا عليه السلام، هو ابن آذن، وآذن كان معاصراً لماثان.
ومن جهة أخرى يجب علينا أنْ نفطن إلى أنّ الأنساب بالدم واللحم عند الأنبياء لا اعتبار لها، وإنما الأنساب المعترف بها بالنسبة للأنبياء هي أنساب القيم والدين.

 

 

السؤال الثالث:
وردت كلمة (إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران: 33] في القرآن كله برواية حفص عن عاصم بالياء ، إلا في سورة البقرة بأجمعها فقد جاءت بدون ياء (إِبْرَاهِمَ) فما دلالة ذلك؟

 

الجواب:
انظر الجواب في آية البقرة 124.

 

 

السؤال الرابع:
ما دلالات هذه الآية؟

 

الجواب:
1 ـ هذا المقطع من السورة يتحدث عن ولادة مريم أمّ عيسى عليه السلام، وعن ولادة يحيى بن زكريا عليهما السلام، وعن ولادة عيسى عليه السلام، في إطار الحوار والمناظرة بين الرسول محمدٍ عليه أفضل الصلاة والسلام وبين نصارى وفد نجران لإثبات التوحيد، وأنّ الله واحدٌ أحدٌ، لا والد له ولا ولد، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله.


2 ـ ابتدأ هذا الربع من القرآن بذكر أنّ الله اصطفى رجلين من البشر هما آدم عليه السلام وهو أبو البشر، ونوح عليه السلام وهو الأب الثاني للبشرية.


3 ـ واصطفى من العشائر عشيرتين:
آ ـ آل إبراهيم: وجعل منه أصلاً لشعبتين:
ـ إسماعيل: وهو أصل العرب، وجعل محمداً سيدهم.
ـ إسحاق: وهو أصل بني إسرائيل.
ب ـ آل عمران: وهو والد عمران والد مريم أمّ عيسى عليها السلام. وقيل هو عمران والد موسى عليه السلام، والأول أنسب لسياق الآيات.
وللعلم بين عمران والد موسى، وعمران والد مريم أم عيسى حوالي (1800) سنة كما تقول كتب التاريخ وأسفار اليهود.


4 ـ هذا الاختيار هو من الله تعالى لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران، حيث جعلهم أفضل زمانهم.


5 ـ نوح: علم أعجمي، قيل إنه مشتق من النوح وهو البكاء.


6 ـ عمران: اسم عبري مشتق من العمر، وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والله أعلم.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ولادة مريم وكفالتها وخدمتها لبيت العبادة
(القسم الأول)

 

(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35]


السؤال الأول:
ما الفرق بين (يتقبل من) و (يتقبل عن) في الحديث عن التوبة؟ وهل يأتي الفعل (تُقبِّل) بدون حرف جر وبصيغة المبني للمجهول؟


الجواب:
1ـ القبولُ هو أخذ الشيء برضى، والتوبة هي الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، وكلُ إنسان معرّض للخطأ وخيرُ الخطائين التوابون، فالتوبة هي الكفّ عن المخالفة والعودة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى.


2ـ استعمال (عن) بدل (من):
كلمة (عن) تستعمل حينما يكون الكلام هو عودة إلى الله سبحانه وتعالى، والمتكلِّم المباشر هو الله سبحانه وتعالى، أو هو معلوم عن طريق الغيبة، وعندما يتكلم الله سبحانه وتعالى عن نفسه بضمير الغيبة (هو)، فإن ذلك يدل على تعظيم شأنه جلَّ في علاه.
والفرق بين (عن الشيء) و (من الشيء): عندما نقول: فلان كان يمشي بسيارته وخرج (من الطريق) السريع، معناه وجد منفذاً متصلا بالطريق السريع وخرج. لكن لو قيل لك: فلان بسيارته خرج (عن الطريق) السريع، معناه: انحرف كأنما انقلبت سيارته، هذه الصورة الآن نحن نفهمها بعد ألف عام، فكيف كان العربي يفهم الفرق بين (من) و (عن)؟


3ـ (عن) لمجاوزة الشيء، و (من) لابتداء الغاية كأنه ابتدأ غايته من الطريق.
فمع (من) كأنه تبقى الصِلة، فهناك شيء ولو صلة متخيلة. أمّا (عن) ففيها انقطاع.
فقوله تعالى: (يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [ص: 26] أي: لا تبقى لهم صلة، والتوبة ترتقي إلى الله سبحانه وتعالى، ولو قيل في غير القرآن (يقبل التوبة من عباده) كأنّ الإثم الذي تاب عنه يبقى متصلاً به، وهذه التوبة يتخيل الإنسان معها صورة مادية للصلة بالله سبحانه وتعالى.


4ـ يأتي الفعل (تُقبل) أو (يُقبل) بدون حرف جر معه، ومبنياً للمجهول كما في قوله تعالى في الآيات التالية:
آـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) [آل عمران: 90] فبناها للمجهول ولم يأت بحرف جرّ، وما قال: لم يقبل الله توبتهم؛ لأنهم لا يستحقون أن يذكر معهم اسم الله تعالى، فهذه التوبة لا تقبل لا منهم ولا عنهم ولا لهم؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً.
ب ـ (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85] والذي يصدر عنه أي دين غير الإسلام لا يُقبل منه، ويقال: إنه لا يوجد إنسان بلا دين، حتى الملحد دينه الإلحاد؛ لأنّ الدين هو أن تدين بشيء.
والإسلامُ هو دين الأنبياء جميعاً، لكنْ مع مراعاة أنّ إسلامَ أيِّ نبيٍّ هو لزمانه، فالنبي الذي بعده ينبغي أن يتبعه أتباع النبي السابق، حتى يصل الأمر إلى خاتم الأنبياء ﷺ

ج ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [آل عمران: 91] بناها للمجهول.
5ـ أما قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران: 37] لم يعد الفعل بحرف الجر وإنما تقبلها هي.
لذلك قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35] ليس من كلام الله المباشر على لسان الباري سبحانه وتعالى، وإنما على لسان البشر.


السؤال الثاني:
ما قواعد كتابة لفظة (امْرَأَةُ) علماً أنها وردت في المصحف بالتاء المربوطة "4" مرات وبالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ) "7"مرات؟


الجواب:
لفظة (امْرَأَةُ) وردت في المصحف بالتاء المربوطة "4" مرات في الآيات [النساء 12ـ 128ـ النمل 23ـ الأحزاب 50].


وبالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ)"7" مرات، مع ملاحظة أنّ كلَّ امرأة ذُكرت مضافة لزوجها، جاءت بالتاء المفتوحة، والمواضع السبعة هي:
ـ (امْرَأَتُ عِمْرَانَ) [آل عمران: 35]
ـ (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) [يوسف: 30] و [يوسف: 51]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [القصص: 9]
ـ (امْرَأَتُ نُوحٍ وَامْرَأَتُ لُوطٍ) [التحريم: 10]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [التحريم: 11]


ونلاحظ أنه حينما تأتي كلمة (امْرَأَةُ) نكرة فإنّ آخرها يكون تاء مربوطة، وتعني أي (امرأة) وتوحي بالأهمية العادية، وحينما تأتي بالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ) تكون مضافة على الأغلب فتوحي بامرأة معينة لها أهميتها، وتنسب إلى زوجها، وقد ضربها الله نموذجاً سواء للمرأة الصالحة أو المرأة الفاسقة الخائنة، وبذلك تأتي التاء المفتوحة لتجعل المعنى مفتوحاً وذا أهمية يجب الالتفات إليه وأخذ العبرة منه.
وشبيه بهذا كلمة: [(لَعْنَةَ) (لَعْنَتَ)] و كلمة: [(كَلِمَةٍ) (كَلِمَتُ) ] و كلمة: [(نِعْمَةَ) (نِعْمَتَ) ]. والله أعلم.

 

 


<<<<<<<
 

ولادة مريم وكفالتها وخدمتها لبيت العبادة

(القسم الثاني)


(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35]
السؤال الثالث:
ما الفرق بين دلالة (زوج) و (امرأة) و (بعل) في اللغة؟


الجواب:
استعمل القرآن كلمة (زوج) للدلالة على الرجل أو على المرأة، وهذا هو الأفصح في اللغة.
والزوج هو الذي يشكل مع الثاني زوجين، وتطلق كلمة (الزوج) على الاثنين، ويوحي اللفظ بنوع من المقاربة والتوافق؛ لذلك نجد أنه:


1ـ تأتي كلمة (زوج) في القرآن حين تكون الزوجية هي مناط الموقف كما في آيات [الروم 21، والفرقان 74].
ومع الرسول عليه الصلاة والسلام استعمل القرآن (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ) [الأحزاب: 28] فإنها أُضيفت إلى الضمير، ولعلّ فيها ملمح التقريب وهن أزواجه في الدنيا وفي الآخرة، بينما لا يوجد في القرآن زوج فلان، وإنما امرأة فلان.


2ـ فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة بسبب خيانة أو تباين في العقيدة فامرأة لا زوج، لأنه لم تعد (امرأة فرعون) المؤمنة تشكل زوجاً مع (فرعون الكافر)، وكذلك الحال مع (امرأة نوح) فلم تعد تستحق أن ترتفع بحيث تشكل مع نوح عليه السلام زوجين، كما في آية يوسف 30، والتحريم 10.
حتى (امرأة العزيز) هي أيضاً امرأة، ومن قال تشاطره؟ ربما كان على جانب من القيم والمُثل ، بينما هي تراود فتاها، إذن لا يناسب استعمال زوج في حالة التباين الواسعة بين الطرفين.
وأما كلمة (امرأة) فهي تعني الأنثى لا غير.


3 ـ وإذا تعطلت حكمة الزوجية في البشر بعقم أو ترمل، فامرأة لا زوج كما في آيات [هود 71 ـ والذاريات 29ـ وآل عمران 35].


4ـ وأما (البعل) فلا يطلق على الرجل حتى يدخل بزوجته، وقد يأتي أيضاً بمعنى السيد، قال تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) [الصافات: 125]


السؤال الرابع:
وردت كتابة لفظة (امْرَأَتُ) في الآية بالتاء المفتوحة، فما قواعد رسم تاء التأنيث هاءً (تاء مربوطة )؟


الجواب:
اتفق معظم علماء العربية على أن التاء هي الأصل في علامة التأنيث وأن الهاء تخلفها في الوقف، فجاءت معظم الأمثلة لذلك مرسومة بالهاء.
وروي عن بعض النحويين قولهم: إنّ الهاء في المؤنث هي الأصل في الأسماء؛ ليفرقوا بينها وبين الأفعال، فتكون الأسماء بالهاء والأفعال بالتاء.
وانحصرت تفسيرات علماء السلف في رسم تاء التأنيث بالهاء في أنهم بنوا الخط على الوقف، وفي المواضع التي كتبوها بالتاء بنوا الخط على الوصل.
وقيل: مَن وقفَ على تاء التأنيث ورسمها بالتاء، فهو حسب لغة طيء فهم يقولون: حمزَت وطلحَت.


* شواهد قرآنية:
لفظة (رحمة) وردت في المصحف بالهاء 72 مرة، وبالتاء(رحمت) 7 مرات.
لفظة (سُنّة) وردت في المصحف بالهاء 8 مرات، وبالتاء(سُنّت) 5 مرات.
لفظة (نِعمة) وردت في المصحف بالهاء 23 مرة، وبالتاء(نِعمت) 11مرة.
لفظة (كلمة) وردت في المصحف بالهاء19 مرة، وبالتاء(كلمت) 4 مرات.
لفظة (لعنة) وردت في المصحف بالهاء 7 مرات، وبالتاء(لعنت) في موضعين [آل عمران 61ـ النور 7].
لفظة (ومعصيت) وردت في المصحف بالتاء في موضعين في سورة المجادلة: (8و9).
لفظة (مرضات) أينما وقعت.


لفظة (امرأة) وردت في المصحف بالهاء "4" مرات، وبالتاء(امرأت) "7"مرات، مع ملاحظة أن كل امرأةٍ ذُكرت مضافة لزوجها وردت بالتاء المفتوحة، والمواضع السبعة هي:
ـ (امْرَأَتُ عِمْرَانَ) [آل عمران: 35]
ـ (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) [يوسف: 30] و [يوسف: 51]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [القصص: 9]
ـ (امْرَأَتُ نُوحٍ وَامْرَأَتُ لُوطٍ) [التحريم: 10]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [التحريم: 11]

 

وجاءت بضع كلمات مرسومة بالتاء في موضع واحد وهي المبينة أدناه، وإذا وردت هذه الكلمات في غير هذه المواضع تكتب بالتاء المربوطة، والكلمات هي:
(شَجَرَتُ الزَّقُّومِ) [الدخان: 43].
(قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) [القصص: 9].
(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) [هود: 86].
(وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) [الواقعة: 89] .
(فِطْرَتَ اللَّهِ) [الروم: 30].


وهناك كلمات تُكتب بالتاء المفتوحة حيث وردت وهي ليست تاء التأنيث وهي:
(يَا أَبَتِ) [يوسف4و 100ـ ومريم 42ـ43ـ44ـ45، القصص 26].
(اللَّاتَ) [النجم: 19] .
(هَيْهَاتَ) [المؤمنون: 36].
(ذَاتِ) [الأنفال 7ـ النمل 60].
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) [التحريم: 12].
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) [الأعراف: 137].


السؤال الخامس:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1 ـ (امرأة عمران) واسمها: حنّة بنت فاقوذ، هي أم مريم، وجدّة عيسى عليه السلام، كانت عاقراً لا تلد، وكانت تغبط النساء بالأولاد، ثم قالت: اللهم إنّ لك عليّ نذراّ، إنْ رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس ليكون من سدنته، وهلك زوجها عمران وهي حامل بمريم.


2 ـ النذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه، وكان هذا النذر مشروعاً عندهم، ولم يكن يحرّر إلا الغلمان، لأنّ الجارية لا تصلح لخدمة بيت العبادة، لما ينتابها من الحيض والأذى، إضافة إلى الاختلاط بالرجال، فحررت أم مريم ما في بطنها.


3 ـ (مُحَرَّرًا) معتقاً خالصاً متفرغاً بصورة تامة لخدمة بيت المقدس، وهو منصوب على الحال من (ما). والمحرّر يبقى مقيماً في عمله حتى يبلغ الحلم، ثم يُخيّر، فإنْ اختار الإقامة فيه وإلا ذهب حيث يشاء. والله أعلم.


4 ـ قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يفيد أنهم كانوا يعدّون أبناءهم لحمل هم هذا الدين قبل أن يولدوا! فما عذر من يمضي عمره دون أن يحدد مشروعه في الحياة؟


 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36]


السؤال الأول:
قوله تعالى: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) انظر إلى التوكيد بـ (وَإِنِّي) في (وَإِنِّي أُعِيذُهَا) مع أنّ المقام مستعملٌ في إنشاء الدعاء، فما الظل الذي يلقيه هذا التأكيد على العبارة؟


الجواب:
إنّ مجيء (مريم) بنتاً خلافاً لما كانت ترجو أمها وتأمل، يؤذن بأنها ستُعرِض عنها فلا تشتغل بها، فقالت (وَإِنِّي أُعِيذُهَا) مؤكدة هذا الخبر والدعاء بإظهار الرضى بما قدّر الله تعالى لها، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها تعبيراً عن الرضى والمحبة.


السؤال الثاني:
ما فائدة قوله: ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) وهو معلوم من غير ذِكرٍ؟


الجواب:
1ـ المعنى أنه ليس الذكرُ الذي طلبتْ كالأنثى التي وُهبت لها من الله سبحانه.


2ـ وفائدته: اعتذارها عما قالت ظناً، فإنها ظنت أنّ ما في بطنها ذكراً، ولهذا نذرت أنْ تجعله خادماً لبيت المقدس، وكان من شريعتهم صحة هذا النذر في الذكور خاصة.
فلما وضعت أنثى استحيت، حيث خاب ظنها ولم يُتقبّل نذرها، فقالت ذلك معتذرة: أي أنّ الأنثى ليست بصالحة لما يصلح له الذكر في خدمة المسجد، لا أنها أرادت أنّ الأنثى ليست كالذكر صورة أو قوة أو نحو ذلك.
فلمّا قالت ذلك معتذرة خجلة مَنّ اللهُ عليها بتخصيص مريم بقبولها في النذر دون غيرها من الإناث، فقال الله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) [آل عمران: 37] وكانت كفالة زكريا لها باختيار الله تعالى.


3 ـ قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) بين الذكر والأنثى يوجد تكامل وليس تساوياً، فكل منهما لا يستغني عن الاخر، بعكس التساوي الذي يجعل كلاً منهما في معزل عن الاخر !


السؤال الثالث:
أكد بـ (إنّ) في آيات [غافر27ـ والدخان 20ـ وهود 47ـ ومريم 18ـ وآل عمران 36] ولم يؤكد بـ (إنّ) في آيات [البقرة67ـ والمؤمنون 97ـ والمعوذتين] فلماذا؟


الجواب:
1ـ الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، وكلما زاد الحذر زاد التأكيد بالاستعاذة، فيقول: إني أعوذ، وإلا قال: أعوذ.


2ـ في آية غافر 27: أكّد بـ (إنّ) ؛ لأنّ فرعون هدده بالقتل (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) [غافر: 26].


3ـ في آية الدخان 20: ألمح أنهم هددوه بالرجم وكان المُخوِّف متسلطاً عاتياً، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين مؤكداً ذلك بـ (إنّ).


4ـ وأما آية هود 47فهي على لسان سيدنا نوح عليه السلام، وكان ذلك تعقيباً على قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 46] فلما وعظه بـ (إني أعظك) المؤكدة استعاذ به بقوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) [هود: 47] المؤكدة.


5ـ وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام في آية مريم 18، فقد احتجبت عن قومها لتغتسل، وإذا ببشر أمامها ففزعت وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها وعاذت، فأكدت ذلك بـ (إنّ) بقولها: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) [مريم: 18].
ثم انظر كيف أنها استعاذت بـ (الرحمن) دون غيره من أسماء الله الحسنى، فطلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها، وفي ذلك أيضاً استثارة لعاطفة الرحمة في قلب الشخص الواقف أمامها إنْ كان تقياً.
إضافة إلى أنّ جو سورة مريم تشع فيه الرحمة من أول السورة إلى آخرها.


6ـ وأما ما ورد على لسان امرأة عمران في الآية "36"، فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها كانت قد نذرت أن يكون ما في بطنها خالصاً لله خادماً للكنيسة، راجية أنْ يكون ذكراً فوضعت أنثى، ومن الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من خدمة دور العبادة، فقد تكون وحيدة، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان وبقائها وحيدة بين الرجال، فاستعاذت لها مؤكدة فقالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36].


7ـ أمّا ما لم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر فلا يؤكد، كما في آية سورة البقرة 67، فليس فيها موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإنّ.
ومثل ذلك في آية المؤمنون 97، وما ورد أيضاً في المعوذتين فلا يحتاج إلى تأكيد.


8ـ ونظير ذلك التوكيد وعدمه قوله تعالى:
ـ (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) [القصص: 16] على لسان موسى عليه السلام، فأكد بإنّ.
ـ (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) [النمل: 44] على لسان ملكة سبأ، فأكدت بإنّ.
بينما جاء على لسان آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) [الأعراف: 23] بدون تأكيد بإنّ.
والسبب ـ والله أعلم ـ أنّ موسى عليه السلام قال ذلك بعد قتل القبطي، والقتل معصية كبيرة متعلقة بالعباد، وهي أكبر من معصية آدم فأكد الظلم بإنّ.
وطلب موسى عليه السلام المغفرة؛ لأنّ معصيته تمحى بالتوبة والاستغفار؛ لأنه ليس من القتل العمد، وإنما القتل الخطأ.
وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس فأكدت الظلم بإنّ، وتابت وأسلمت، ولم تقل: فاغفر لي، فالإسلام يجبُّ ما قبله.
ولذلك يتضح أنّ التأكيد بإنّ يكون على قدر المعصية، كما أنّ التأكيد بها هو على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. والله أعلم.


السؤال الرابع:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1 ـ استجاب الله دعاء أمّ مريم فحملت بمريم، ولكنّ المرأة لا تصلح لخدمة بيوت الله كما يصلح الرجل بسبب الحيض والاختلاط بالرجال وغير ذلك.


2 ـ فلمّا وضعتها وجدت المولود أنثى وليس بذكر، والله سبحانه أعلم بما وضعت، فهو لا يحتاج إلى علمها، بل علمُه بها قبل أن تعلم أمُها ما هي، فاعتذرت إلى الله، لأنّ المولود لا يصلح لخدمة بيت المقدس، وكأنها تشوقت أن يكون المولود ذكراً ليكون أقدر على الخدمة، وسمتها: مريم، ومعناه: العابدة، وأعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم.


3 ـ في أمر مريم وأمّها وابنها عيسى عليه السلام وقصة ولادته ردٌ على من ادعى ألوهية عيسى عليه السلام.


4 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (ما من بني آدم مولودٌ إلا يَمَسَّه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسّ الشيطان غير مريم وابنها) ثم قال أبو هريرة: فاقرأوا إنْ شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [صحيح البخاري 3431].


5 ـ في الآيتين (35 ـ 36) تكررت (إنّ) أربع مرات، وفي الثلاث الأولى كان خبرها فعلاً ماضياً، وفي المرة الرابعة عدلت من الماضي للمضارع فقالت: (أُعِيذُهَا) لنكتة بلاغية وهي ديمومة الاستعاذة وتجددها دون انقطاع، أمّا الثلاث الأولى فقد انقطعت.


6 ـ من عجائب الأمور أن يكفَلَ ثلاثة من أولي العزم من الرسل، ثلاث نساء ضعيفات، وهم موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والله أعلم.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

كفالة زكريا لمريم

 

( القسم الأول)

 

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 37]

 

السؤال الأول:

قال تعالى في مريم عليها السلام: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) ولغة يقال عادة: (إنباتاً)، فما اللمسة البيانية في ذلك؟

 

الجواب:

1ـ أحياناً نأتي بالفعل ونأتي بمصدر فعل آخر، كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: 17] فلم يقل (إنباتاً)، لكن هذا يكون لغرض.

 

2ـ إذا كان الفعلان بمعنى واحد، أو حتى إذا لم يكونا بمعنى واحد فيكون لغرض آخر، نحو قوله تعالى: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزَّمل: 8] والمفروض لغة (تبتُّلاً) ؛ لأنّ (تبتيل) مصدر (بتّل)، و (بتَّل) غير (تبتّل)، والمعنى مختلف.

وعندما يريد أنْ يجمع المعنيين يأتي بالفعل للدلالة الأولى، ويأتي بالمصدر من فعل آخر مشتق من الفعل الأول للوصول إلى دلالة أخرى، فيجمع بينهما حتى يجمع المعنيين.

فبدل أن يقول: (وتبتل إليه تبتُّلاً) و (بَتِّلَ نفسك إليه تبتيلاً) يقول: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزَّمل: 8] فيجمع المعنيين، وهذا من أعجب الإيجاز.

 

3ـ في آية آل عمران 37 قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران: 37] لم يقل: (إنباتاً) ؛ لأنه لو قال إنباتاً، أي: هو الله تعالى أنبتها، فالمنبِت هو الله تعالى للجميع فلم يجعل لها فضلاً، لكن (أنبتها فنبتت نباتاً حسناً)، جعل لها من معدنها الكريم قبول هذا النبات فهو أنبتها، فنبتت نباتاً حسناً أي: طاوعت هذا الإنبات فجعل لها قبولاً، أي: جعل لها فضلاً في معدنها الكريم. بينما لو قال: (إنباتاً) لم يجعل لها فضلاً، ورب العالمين أنبتها؛ لأنه يفعل ما يشاء، لكن (نباتاً) جعل لها فضلاً، هي نبتت وجعل لها فضلاً فنبتت نباتاً حسناً، أي: جعل لها في معدنها قبولاً لهذا النبات فنبتت نباتاً حسناً.

 

4ـ انظر كيف شبّه الله تعالى إنشاءه مريم بإنبات النبات الغضّ على طريق من الاستعارة، زيادةً في لُطفِ الله تعالى بمريم والعناية بها، وأضف إلى ذلك أنه أورد (أنبت) بالتعدية وجعل من ذاته فاعلاً لفعل الإنبات، وما ذلك إلا تشريف وتعظيم لقدرها الشريف.

 

السؤال الثاني:

ما دلالة قوله تعالى في هذه الآية: (وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) وقوله تعالى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: 17]؟

 

الجواب:

حين يحين حلول نفس كلّ واحد من بني آدم في جسده المادي، أي: حين دخول نفسه وروحه عالم المادة والمكان والزمان، فإنّ هذا الجسد ينبت وينمو على مجموعة عناصر مادية كلها من الأرض، فالإنبات الحسن لجسد مريم عليها السلام كان بسبب الرزق الطاهر الحلال الذي كان يأتيها من عند الله تعالى.

 

وكذلك الصورة القرآنية في آية نوح عليه السلام (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) [نوح: 17] يُقصد بها تغذية أجساد جميع البشر على مواد جميعها من الأرض، لذلك جاءت كلمة (أنبت) و (نباتاً) متناسبة مع تغذية الجسد من مواد الأرض. والله أعلم.

 

السؤال الثالث:

ما اللمسة البيانية في تقديم شبه الجملة (عَلَيْهَا زَكَرِيَّا) في الآية؟

 

الجواب:

قاعدة نحوية: يقول سيبويه في التقديم والتأخير: يقدمون الذي هو أهمُّ لهم وهم أعنَى به.

والتقديم والتأخير في القرآن الكريم يقرره سياق الآيات، فقد يتقدم المفضول، وقد يتقدم الفاضل.

والكلام في الآية في سورة آل عمران والآيات التي سبقتها في مريم عليها السلام وليس في زكريا ولا في المحراب، لذا قدّم عليها؛ لأنّ الكلام كله عن مريم عليها السلام.

 

السؤال الرابع:

ما سر الاختلاف في استعمال (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) بالتضعيف في آية آل عمران 37 و (أَكْفِلْنِيهَا) بالهمزة في آية ص 23 (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ

 

الجواب:

1ـ الكافل هو الذي يتولى التربية والرعاية والتوجيه، وهذا الكافل قد كفل هذا المولود أو الإنسان.

 

2ـ في آية آل عمران: عندما يُضعّف الفعل (وَكَفَّلَهَا) (كفّلت) مثل (علّمت) فيه معنى التكثير والمبالغة والتدرج. وأمّا (أُكفل) شيئاً فمعناه: اندرج في تربيته واندرج في أمره. وقوله تعالى: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) جعله يكفلها مع التشدد مع أنه يتدرج في كفالتها.

 

3ـ في سورة ص قال: (أَكْفِلْنِيهَا) [ص: 23] يعني أعطني هذه النعجة، أي: اجعلها مع نعاجي، أي: أكفلني إياها أي مجرد إيصال الكفالة.

 

كفالة زكريا لمريم
( القسم الثاني )

 

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 37]

 

السؤال الخامس:
ما دلالة قوله تعالى في الآية: (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ


الجواب:
لقد سبق الجواب استفهام عن المكان (أَنَّى لَكِ هَذَا) أي: من أين لك هذا؟ فكان الجواب من جنس الاستفهام بإيراد ما يدل على المكان (عِنْدِ) لكنْ كان يجزئها أن تقول: (من الله) ويفهم السامع المقصود، لكنْ جاءت الآية بالضمير (هُوَ) لدلالة التعظيم والتفخيم لرزق الله تعالى، وجاءت بلفظ (عِنْدِ) لتدل على نسبة الرزق إلى الله تعالى.


السؤال السادس:
ما الفرق بين الكفالة والضمان؟


الجواب:
1ـ الكفالة تكون بالنفس، والضمان يكون بالمال، تقول: ضمنت الأرض إذا التزمت أداء الأجر، ولا تقول: كفلت الأرض؛ لأنّ عينها لا تغيب فيُحتاج إلى إحضارها.
وتقول: كفلت الغلام إذا ضممته إليك لتعوله وتحفظه، ولا تقول: ضَمنته لأنك إذا طولبت به لزمك تسليمه ولا يلزمك تسليم شيء عنه، وفي القرآن: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) ولم يقل: وضمنها.
2ـ الدليل على أن الضمان يكون للمال: أنّ الإنسان يجوز أن يضمن من لا يعرفه فيتحمل المال عنه إذا لم يؤده، ولا يجوز أن يكفل من لا يعرفه؛ لأنه لا يتمكن من تسليمه عند الطلب، بينما يصح أن تؤدي عنه وإن لم نعرفه.


السؤال السابع:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1ـ روي أنّ أمّ مريم لفّتها في خِرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار، وهم من أبناء هارون، ومنهم زكريا، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا عليها لأنها كانت ابنة إمامهم.


2 ـ اقترعوا عليها وضربوا السهام، وقيل كان عددهم سبعة وعشرين، فكانت القرعة من نصيب زكريا عليه السلام، زوج خالتها، فانقطعت للعبادة ولزمت المحراب.


3 ـ كلما ذهب إليها زكريا ليتفقدها كان يجد أمراً عجيباً، فيرى عندها الطعام والشراب من غير كسب ولا تعب، وكان يرى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وهو يعلم أنه لا يصل إليها أحد، فمن أين ذلك؟


4 ـ أجابت: (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهذا من باب كرامات الله للأولياء.


5 ـ (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) وجد عندها (رِزْقًا) لم تكن مجرد كرامة عابرة بل عناية كلية دائمة مستمرة من الله تغمر حياتها، وقوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) يفيد أنّ سر توفيق هذه الأسرة، وقوفها في المحراب طويلاً.


6 ـ لمّا رأى زكريا ما مَنّ الله به على مريم، وما أكرمها الله به من رزقه الهنيء من غير تعب، عندئذ طمعت نفسُه في الولد فدعا ربه كما في الآية التالية:

 

طلبُ زكريا للولد ووَصْفُ (يحيى) بأربعة أوصاف

 

(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران: 38]


السؤال الأول:
لماذا أخّر زكريا الدعاء إلى هذا الوقتِ وفي هذا المقامِ، أي: في وقت رؤيته لأمر خارق في رزق مريم؟


الجواب:
تأمل وانظر إلى الآية السابقة كيف نبّهته إلى الدعاء عند مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، فلذلك عمد إليه بطلب الولد في غير أوانه، وهو ما يتناسب مع عطاء الله تعالى لمريم في غير أوانه.


السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية: (مِنْ لَدُنْكَ) ما معنى الظرف (لدن)؟


الجواب:
انظر الجواب في آية آل عمران (8).


السؤال الثالث:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1ـ قبل أن يغادر زكريا المحراب، سأل ربه الذرية الصالحة، وكان قد تجاوز المئة من عمره، وزوجه (إيشاع) أصغرُ منه بقليل، ولم يولد له ولدٌ، وامرأته عاقرٌ، اجتمع عليها الكبر وعدم الإنجاب ، وكان زكريا وعمران قد تزوجا : (إيشاع وحنّة).


2 ـ تحركت في نفسه رغبة الإنجاب حين رأى قدرة الله عند مريم من الطعام والشراب، فقال: إنّ الله قادر على أن يرزقني الولد.


3 ـ خاف زكريا من أقاربه الذين يرثون النبوة من بعده أنهم لا يقيمون شرع الله لمّا تفشى فيهم الفساد وتحكيم الأهواء، فسأل ربه الولد، وسؤال الله الولد سنة المرسلين والصديقين.


4 ـ الآيات من صدر سورة مريم تحكي بتفصيل أوسع لهذا الموضوع.


5 ـ وبينما كان زكريا قائماً في المحراب يتعبد ربّه ويتضرع إليه، وما بين الدعاء الخفي والصلاة دعاء مستجاب، نادته الملائكة
 


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

زكريا يُبشّر بيحيى
( القسم الأول )

 

(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 39]


السؤال الأول:
ما دلالة أن تأتي البشرى بالفاء (فَنَادَتْهُ) في هذه الآية مترافقة مع صيغة النداء؟


الجواب:
انظر إلى الأسلوب الذي جاءت به البشرى لزكريا، وكيف بدأت الآية بالفاء العاطِفة إيذاناً بسرعة الإجابة لدعاء زكريا، ثم عبّر عن البشرى بالنداء وكأنه نداء من بعيد تعبيراً عن فرح الملائكة العظيم باستجابة الله تعالى لدعاء زكريا، فلقد اجتمع لزكريا: لذة العبادة، ولذة البشارة وهي من أعلى أنواع المواهب الربانية.


السؤال الثاني:
ما سبب التذكير مرة كما في آية ص 73، والتأنيث مرة مع (الملائكة) كما في آية آل عمران 39 في القرآن الكريم؟


الجواب:
آـ قال تعالى في سورة ص (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [ص: 73] جاءت الملائكة بالتذكير، وفي سورة آل عمران: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) جاءت الملائكة بالتأنيث.


ب ـ الحكم النحوي: يمكن أن يؤنّث الفعل أو يُذكّر إذا كان الجمع جمع تكسير، كما في قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا) [الحُجُرات: 14] و (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ) [يوسف: 30] فيجوز التذكير والتأنيث من حيث الحكم النحوي.


ج ـ اللمسة البيانية: أمّا لماذا اختار الله تعالى التأنيث في موطن والتذكير في موطن آخر؛ فهو لأنّ هناك في الآيات خطوطاً تعبيرية هي التي تحدد تأنيث الفعل وتذكيره مع الملائكة، وهذه الخطوط هي:


1. في القرآن الكريم كله، كل فعل أمر يصدر إلى الملائكة يكون بالتذكير (اسْجُدُوا) [البقرة: 34]،(أَنْبِئُونِي) [البقرة: 31]، (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحِجر: 29].


2. كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يأتي بالتذكير أيضاً، كما في قوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) [الرعد: 23] و (وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ) [النساء: 166] (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [الشورى: 5].


3. كل وصف اسمي للملائكة يأتي بالتذكير (الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء: 172] (مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: 125]، (مُرْدِفِينَ) [الأنفال: 9]، (مُنْزَلِينَ) [آل عمران: 124].


4. كل فعل عبادة يأتي بالتذكير (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحِجر: 30] (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ) [التحريم: 6] لأنّ المذكر في العبادة أكمل من عبادة الأنثى؛ ولذلك جاء الرسل كلهم رجالاً.


5. كل أمر فيه شِدّة وقوة، حتى لو كان هناك عذابان أحدهما أشدّ من الآخر فالأشدّ يأتي بالتذكير.


* شواهد قرآنية:
آ ـ في آية الأنفال 50 قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الأنفال: 50] ولفظة (يَتَوَفَّى) [الأنفال: 50] جاءت بالتذكير؛ لأنّ العذاب أشد بدليل : (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الأنفال: 50].
أمّا في قوله تعالى في سورة محمد (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: 27] (تَوَفَّتْهُمُ) جاءت بالتأنيث؛ لأن العذاب أخفّ من الآية السابقة.

ب ـ وكذلك في قوله تعالى: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) [الفرقان: 25] بالتذكير، وقوله تعالى: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) [فُصِّلَت: 30] بالتأنيث وقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [القدْر: 4] بالتأنيث.


6- لم تأت بشرى بصيغة التذكير أبداً في القرآن الكريم، فكل بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التأنيث، كما في قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) [آل عمران: 39] و (قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ) [آل عمران: 42].
 

زكريا يُبشّر بيحيى
( القسم الثاني )

 

(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)


السؤال الثالث:
ما دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1ـ دخل زكريا المحراب، وأغلق الأبواب، وسأل ربه الولد.


2 ـ قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) عبّر عن جبريل بالملائكة من باب إسناد فعل الواحد إلى الجماعة، والواو في (وَهُوَ قَائِمٌ) واو الحال.


3 ـ بشرّه جبريل بـ (يحيى) كما سمّاه القرآن، واسمه يوحنا بالعبرية. وقيل: سُمي يحيى لأنّ الله أحيا به عقر أمه، أو أحياه بالطاعة فلم يعصِ الله.


4 ـ (الحَصور) بفتح الحاء، هو الذي لا يأتي النساء، وهو قادر على ذلك.


5 ـ وصفه الله بأربعة أوصاف لا نظير لها قبل أن يولد، وهي:
آ ـ تم الحمل على كبر من والديه (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) وقد أطلقت نفس الصفة على عيسى عليه السلام، وللعلم فإنّ يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر اعتباراً من بدء الحمل، ولكنّ عيسى لم يمكث في بطن أمه تسعة أشهر كيحيى، ولذا فإنّ عيسى نزل قبل يحيى، وكانا ابني خالة، وقُتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام إلى السماء. وللعلم فقد اجتمع ثلاثة أنبياء في وقت واحد وهم: زكريا، وابنه يحيى، وعيسى ابن خالة يحيى، عليهم جميعاً الصلاة والسلام.


ب ـ (وَسَيِّدًا) أي له من الصفات الجميلة والأخلاق ما يسود قومه.


ج ـ (وَحَصُورًا) وهو الذي لا يأتي النساء مع قدرته على إتيانهن، زهداً وعفة وانشغالاً بطاعة ربه.


د ـ (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) بشره الله أن يكون نبياً، فأي بشارة أعظم من هذا!!! والله أعلم.


السؤال الرابع:
ما الكلمات الشبيهة بكلمة (سيد) الوارد في آية آل عمران 39؟


الجواب:
هذه الكلمات الشبيهة بكلمة (سيد) الوارد في آية آل عمران 39هي منظومة ألقاب الرؤساء والملوك، وهي تختلف تماماً عن صفات الله تعالى التي تحمل نفس الاسم؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء.


الكبير:
كلُّ من هو رأس يسمى كبيراً، سواء كان عادلاً أم ظالماً: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) [الأنعام: 123].


العظيم:
إذا لم يكن الكبير فوقه أحدٌ أعلى منه يقال له صاحب العظمة، وفي القرآن: (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 72] (عَذَابٌ مُقِيمٌ) [الأنفال: 68]
والكبير والعظيم ليس فيهما مدح ولا ذم.


السيد:
إذا أردت أن تمدح المدير أو العظيم تقول: السيد، وهو أعظم أوصاف الملوك؛ ولذا وُصف الرسول ﷺ بأنه سيد الخلق، و (السيد) تعني الملك المحبوب من شعبه، وهو قليل في التاريخ. (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 39].


أوصاف السيد:
ـ يفوق غيره بالعقل والدفاع عن شعبه.
ـ يشارك شعبه في السراء والضراء.
ـ هو حليم لا يحكم في ساعة الغضب.
ـ ورع حليم لا يسارع في العقوبة.


الجليل:
ـ صاحب الجلالة أو (الجليل) تطلق على عظيم القدر المستحق الحمد والمدح، وكل سيد يستحق الحمد والمدح يسمى جليلاً.


صاحب الجلالة:
الجلالة تعني الهيبة إذا بلغت الجلالة غايتها.


الوجيه:
أي: له وجه، وهو أول القوم وعظيمهم وسيدهم (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) [آل عمران: 45]، والملأ والوجهاء هم القوم المبرزون في مجتمعاتهم، ولهم رأي مسموع وشفاعة.
والله أعلم .

 


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)


السؤال الأول:
ما الفرق بين كلمة (ولد) و (غلام) واستخدام الفعل (يفعل) و (يخلق) في قصتي زكريا وعيسى في سورتي آل عمران ومريم؟


الجواب:
في البدء نشير إلى أنّ دراسة هذا المبحث هي في السور والآيات التالية:

 

سورة آل عمران:
ـ الآيات (39ـ40) قصة زكريا عليه السلام.
ـ الآيات (45ـ47) قصة عيسى عليه السلام.

 

سورة مريم:
الآيات (7ـ9) قصة زكريا عليه السلام.
الآيات (19ـ20) قصة عيسى عليه السلام.

1ـ (الولد) يطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع.


2ـ من المؤكد أنّ الفعل (يفعل) أيسر من الخلق، والإيجاد من أبوين أيسر من الإيجاد من أم بلا أب، لذلك استخدم القرآن الفعل الأصعب (يَخْلُقُ) [آل عمران: 47] مع قصة عيسى عليه السلام، والفعل الأيسر مع قصة زكريا عليه السلام، مع أنّ كلا الأمرين سواء، وهو كله هين على الله تعالى.
لذا قال في حقِّ زكريا (يَفْعَلُ) وفي حقِّ مريم (يَخْلُقُ) مع اشتراكهما في بشارتهما بولدٍ، لأنّ استبعاد زكريا لم يكن لأمرٍ خارق، بل نادرٍ بعيد فحسن التعبيرُ بـ (يفعل)، واستبعاد مريم كان لأمرٍ خارقٍ، فكان ذِكْرُ (يَخْلُقُ) أنسب. والله أعلم.


3ـ في بشارة الملائكة لزكريا في الآية 39، جاءت بيحيى ، ويحيى (غلام) فكان الجواب في الآية 40 باستخدام كلمة (غلام).


4ـ أمّا لمّا بشر الله تعالى مريم عن طريق الملائكة بعيسى جاء بـ (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) [آل عمران: 45] و (الكلمة) أعم من (الغلام)، وقد جاء في الآية (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 47] ؛ لذا جاء الرد بكلمة (ولد)، والولد يطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا) [الكهف: 39] فناسب ذلك، انظر آيات سورة آل عمران (45ـ47).


5ـ في آيات سورة مريم (19ـ20) جاء التبشير باستخدام كلمة (غلام)، فجاء رد مريم باستخدام نفس الكلمة؛ لأن المَلَكَ أخبرها أنه يبشرها بـ (غلام).( الكلام عن عيسى عليه السلام )


6ـ وفي آيات سورة مريم (7ـ9) جاء التبشير والرد بكلمة (غلام). ( الكلام عن يحيى عليه السلام ) .

7ـ قد يقول بعض المستشرقين: إنّ هذا يدل على تناقض في القرآن، فنقول: إنّ البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال.


السؤال الثاني:
كيف نادت الملائكة زكريا عليه السلام وهو قائم يصلي في المحراب، وأجابها وهو في الصلاة؟


الجواب:
المراد بقوله: يصلي، أي (يدعو).


السؤال الثالث:
ما معنى قوله تعالى في الآية: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ


الجواب:
1ـ معنى قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بعيسى الذي كان وجوده بكلمة من الله تعالى، وهي (كن) من غير واسطة أب في الوجود، وكان تصديق يحيى بعيسى أسبق من تصديق كل أحد، سواء في الوجود أو الرتبة.


2ـ وكلمة (مُصَدِّقًا) فيها دليل على أنه سيعيش بمنهج الله، وهو كما قال الله عنه: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) أي: ممنوعاً عن كل ما حُرم عليه أو ممنوعاً عن قمة الغرائز وهي الشهوة، وهو نبيٌ قدوة، أي: من صغره سيحصر نفسه عن ارتكاب الشهوات، واستعملت صيغة (فعول) في قوله تعالى: (وَحَصُورًا) للدلالة على التكثير والمبالغة، مثل: غافر وغفور.
وقوله تعالى: (وَسَيِّدًا) أي: النبيل الكريم الوجيه في قومه.


السؤال الرابع:
ما دلالة قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ


الجواب:
لقد دعا زكريا عليه السلام وقام ليصلي وتلقى البشارة بيحيى، وهنا ارتجت الأمور على بشرية زكريا كما قال الله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)
إنه أدب النبوة (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) ولم يقل: بلغت الكبر، بل قال: إنّ الكبر هو الذي جاءني، وقال: (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وهو تضخيم لطلاقة القدرة عند من يستمع للقصة، لكنْ بعد ذلك يأتي الكلام الفصل بطلاقة القدرة الإلهية (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).


السؤال الخامس:
ما الفرق بين العقيم والعاقر؟


الجواب:
تشترك الكلمتان (عَقمَ) و (عَقرَ) في الحرفين الأولين (العين والقاف) وتختلفان في الحرف الثالث (الميم أو الراء) وكلا الفعلين يدلان على امتناع الحمل أو الإنجاب، لكن انظر إلى لغة العرب:


1ـ العقر: كيف ننطق الراء؟ الفم مفتوح والراء يتكرر، ويقال: لقحت الناقة عن عُقر، يعني ناقة مضى عليها زمن لم تحمل ثم حملت، قالوا هذه عاقر. إذن العقر قد يعقبه حمل، و (عقر) بالراء، والراء أهون من الميم، وليس فيها غلق.


2ـ العقم: كيف ننطق الميم؟ الميم: الفم مقفل ومجرى النطق الطبيعي أُغلق، ويخرج الصوت من الأنف غنّة من الأنف.
والعُقم هو الداء الذي لا يُبرأ منه، وكلمة العقم لا نتيجة من ورائه، يقال: رحمٌ معقومة، أي: مسدودة لا تنفتح ولا تلد، ويقال: ريح عقيم لا تلقح سحاباً ولا شجراً، ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده، لذلك فالعقر يعالج، أما العقم فليس فيه مجال في الإنجاب.


3ـ قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [آل عمران: 40] لمّا قال: (عاقر)، معناه يمكن أن تحمل. ولمّا دعا الله كان يتوقع أن يستجيب الله تعالى له، لكنْ مع ذلك لمّا فوجئ بالبشارة صار متعجباً فقال: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) [مريم: 5] والعاقر يمكن أن تحمل.


السؤال السادس:
ما المراد في الاستفهام في الآية؟


الجواب:
المعنى المراد: كيف يكون لي غلام؟ وجاءت الآية من باب التعجب وليس من باب الشك في صدق الوعد، لكنّ الآية لم تستفهم بـ (كيف) الحالية، وإنما استخدمت (أنّى)، فهل يمكنك أنْ تستخلص معنى المكان الذي وضعت (أنّى) له؟ إنهما مكانان وليس مكاناً واحداً، وهما الكِبر وعدم الإنجاب ويتعذر في هذين المكانين الحمل والولادة.
واعلم أنّ زكريا لفرط سروره بما بُشّر به طلب من ربه علامة يستدل بها على تحقيق هذه الأمنية




 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

( القسم الأول )

 

(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران: 41]


السؤال الأول:
ما الفرق التعبيري والبياني بين قصة (زكريا) عليه السلام في سورتي (مريم وآل عمران)، ولماذا جاء في إحداهما (ثلاث ليال) وفي الأخرى (ثلاثة أيام)؟


الجواب:
أولاً ـ الفرق التعبيري والبياني بين القصتين:
آ ـ استعراض الآيات:
آيات سورة آل عمران (38ـ41): قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 38-39-40-41]
آيات سورة مريم (2ـ11): قال تعالى:
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 2-11]
ب ـ جدول المقابلة بين النصين:
لو نظرنا في سياق الآيات في كل من الموضعين لوجدنا أنّ المقابلة لم تختص بهذا الموطن فقط، وإنما هي ظاهرةٌ أيضاً في مواطن أخرى من النصين، وكأنهما لوحتان فنيتان متقابلتان، وإليك طرفاً من هذا التقابل:

 

رقم الفرق سورة آل عمران سورة مريم
1 (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) [آل عمران: 41] (ثَلَاثَ لَيَالٍ) [مريم: 10]
2 (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ) [آل عمران: 40] (وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: 8]
3 (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) [آل عمران: 40] (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: 8]
4 (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [آل عمران: 41] (أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 11]
5 (بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [آل عمران: 41] (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 11]
6 (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [آل عمران: 41] (أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 11]

 

ج ـ بيان الفروقات في الجدول:

 

ثانياً: الفرق رقم 2:

آـ قدّم مانعَ الذرية من جهة نفسه في سورة آل عمران وهو الكبر، على مانع زوجه وهو العُقر، في حين قدّم المانع من جهة زوجه في سورة مريم.
ب ـ وذكر في سورة آل عمران أنّ الكِبَرَ أدركه وبلغه، فالكِبِرُ فاعل كأنه يجري خلفه حتى أدركه وبلغه، في حين ذكر في سورة مريم أنه هو الذي بلغ الكِبَرَ فهو فاعل.
وكذلك ذكر في سورة آل عمران أنّ امرأته عاقر، بينما ذكر في سورة مريم أنّ امرأته كانت عاقراً بزيادة لفظ: (وَكَانَتِ) [مريم: 8]
ج ـ ومعنى: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) [مريم: 8] معناه: كانت عاقراً ابتداء.
ومعنى: (وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) [آل عمران: 40] فيها احتمالان: كانت عاقراً سابقاً، أو الآن هي عاقر وليس قبل.
- الفرقان رقم 4 و 5:
قدّم العشي على الإبكار في سورة آل عمران وعرّفهما، وقدّم البكرة على العشي في سورة مريم ونكّرهما.
- الفرق رقم6:
في سورة آل عمران طلب من زكريا الذكر والتسبيح، وفي سورة مريم طلب زكريا من قومه أن يُسبحوا، ولم يذكر أنه طُلِبَ منه ذاك.

 

( القسم الثاني )

 

(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران: 41]

ثانياً: لماذا جاء في إحداهما (ثلاث ليال) وفي الأخرى (ثلاثة أيام)؟

 

إنّ اختيارَ الليلِ في سورة مريم يقتضيه سياقُ القِصَّةِ وجَوُّها، وكذلك اختيارُ اليومِ في سورة آل عمران؛ وذلك للأمور التالية:

 

آـ قوله تعالى في سورة مريم: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) [مريم: 3] حسّن ذكرَ اللَّيلِ، فإنّ خفاء النداء يشبه الخفاء في الليل، وإنّ الليل يخفي ما فيه بخلاف النهار، فإنه يفيد الظهور.
وممّا حسّن ذلك أيضا ذكرُ شيخوخته وضعفه، وهما أشبه شيء بالليل وما فيه من سُبات وسُكون وقلة حركة، وإذا كان لنا أنْ نقابل بين الإنسان والزمان، فإنّ الشباب أشبه شيء بالنهار وما فيه من حركةٍ، وإنّ الشيخوخة والضعف أشبه شيء بالليل وما فيه من سكون، لذلك ذكر شيخوخته ووهن عظمه مع الليل (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) [مريم: 4] (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم: 8] والعِتِيُّ المبالغة في الكبر ويبس العُود، ولم يذكر مع الأيام إلا قوله: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) [آل عمران: 40]، فما ذكره في سورة مريم أنسب مع ذكر الليل.

 

ب ـ ثم إنه أشار في سورة مريم إلى طلبه وريثاً يرثه من بعده ويرث من آل يعقوب، والموت ليلٌ طويل وسباتٌ ممتد وفي الأثر: «النوم أخو الموت» قال تعالى في سورة الأنعام: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) [الأنعام: 60] وهذا أقرب إلى الليل وذكره، وألصق به من ذكر النهار، ولم يذكر مثل ذلك في آل عمران.

 

ج ـ البشارة بيحيى في سورة آل عمران أكملُ وأعظمُ مما في سورة مريم؛ وذلك أنه:
قال تعالى في سورة آل عمران: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) فوصفه (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: مصدقاً بعيسى (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) وهو الحاصر نفسه عن الشهوات وعن المعاصي ونبياً من الصالحين؛ لأنه كان من أصلاب الأنبياء.
في حين لم يقل في سورة مريم إلا: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) [مريم: 7] . ولعظم البشارة وكمالها اقتضى ذلك عِظَمَ الشكر وكماله.

 

1ـ قال تعالى في سورة آل عمران: (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) [آل عمران: 41] وقال في سورة مريم: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ) [مريم: 10] واليوم أبين من الليل في ظهور هذه الآية، ذلك أنّ الليل يَمضي كثيرٌ منه في النوم، فزكريا عليه السلام لا بدّ أن ينام والناس أيضا ينامون، فالتسبيح والعبادة في الليل أقل منه في النهار، ومخاطبة الناس ومخالطتهم فيه أقل، فالآية في اليوم أطول وأظهر.

 

2ـ أنه في سورة آل عمران طُلب من زكريا عليه السلام أنْ يذكر ربه (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) في حين طلب زكريا من قومه في سورة مريم أنْ يسبحوا، ولم يذكر أنه طلب منه التسبيح، وتسبيحه هو أدل على شكره.

 

3ـ أنه طُلب منه أن يذكر ربه كثيراً (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) وهذا شكر مناسب لعظم البشارة.

 

4ـ أنه طُلب منه الجمعُ بين الذكر الكثير والتسبيح (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ) وهذا مناسب لعظم البشارة.

 

5ـ لمّا قدّم في سورة آل عمران المانع من جهة نفسه وهو الكبر على المانع من جهة زوجه، وهو العقر فقال: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) ناسب أمره أنْ يقوم هو بالذكر والتسبيح، ولمّا قدّم في مريم المانع من جهة غيره (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) [مريم: 5] أي: أنّ هذا وصفها منذ شبابها، فالعقر وصف مستحكمٌ فيها وليس عارضاً، والولادة في مثل هذا أبعَدُ وأعجَبُ، فناسب ذكر غيره بالتسبيحِ وهم قومه.

 

6ـ لمّا ذكر الليل في سورة آية مريم (ثَلَاثَ لَيَالٍ) [مريم: 10] ناسب ذلك تقديم البكرة على العشي؛ لأنه بعد الليل تأتي البكرة، فأراد ألا يذهب من الوقت شيء في غير الطاعة والتسبيح، فقال: (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 11]، ولو عكسها لكانت البكرة الأولى مضت من دون تسبيح.
ولمّا ذكر اليوم في سورة آل عمران (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) كان تقديم العشي أولى، ولو قدّم البكرة لذهب عشي اليوم الأول من دون ذكر وتسبيح.

 

7ـ إنّ البشارة في سورة آل عمرانَ حصلت وهو قائمٌ يصلِّي في المحرابِ في حين لم يذكر ذلك في سورة مريم، بل علمنا من فحوى الكلام أنّ البشارة كانت وهو في المحرابِ بدليل قوله: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ) [مريم: 11]، ولا يقتضي كونه في المحراب أنه كان يصلي، فذكر في آل عمران الحالة الأكمل التي كان عليها سيدنا زكريا، وهو المناسب لعظم البشارة وكمالها.

 

8ـ أنّ البكرة والعشي نكرتان في مريم معرفتان في سورة آل عمران، ويذكر المفسرون أن (أل) تفيد العموم، وقد ورد نحو ذلك في عدة آيات منها:
ـ (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [غافر: 55] (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) [ص: 18].
ـ (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) [فُصِّلَت: 38]، وهذا يدل على العموم والاستمرار. وعلى تطاول مدة الذكر والتسبيح، وهو مناسب أيضا لعظم البشارة.
بينما النكرة (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) [مريم: 11] تفيد يوماً محدداً، تقول سافرت صباحاً أي: اليوم بالتحديد صباحاً، لكن عندما تقول: أسافر في الصباح: فهذا يدل على العموم والاستمرار.

 

9ـ قوله تعالى: (آيَةً) [مريم: 10] أي: علامة، وطلبها زكريا عليه السلام للأمور التالية:
آ ـ للاطمئنان، كما قال إبراهيم عليه السلام: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260].
ب ـ استعجال السرور.
ج ـ طلب العلامة ليتلقى الأمر ويبدأ بالشكر كي يسبق به قبل قدوم الغلام.
والله أعلم.


 

( القسم الثالث )

 

(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران: 41]

 

السؤال الثاني:
ما الحكمة في طلب زكريا عليه السلام أن يجعل الله تعالى له آية (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً) [آل عمران: 41]؟

 

الجواب:
1ـ قد يكون للاطمئنان كما قال سيدنا إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260] فهناك احتمال كبير أنها لاطمئنان القلب، والآية تعني: علامة، وتدل على هذا الأمر ليطمئن قلبي ويثبت، وليس فيها شيء أنْ يطلب زكريا الاطمئنان كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام.

 

2ـ أنْ يتلقى النعمة بالشكر قبل حصول الآية، فيبدأ بشكر هذه النعمة التي سينعم بها الله سبحانه وتعالى على زكريا بأنْ يهب له غلاماً، وما أراد أن ينتظر إلى حين مجيء الغلام، وإنما أراد أن يسبق هذا بالشكر عند ظهور الآية بمجيء الغلام فيبدأ بشكر الله سبحانه وتعالى ولا يؤخره، فهذه علامة الحصول فيبدأ بالشكر ولا يؤخره إلى حين مجيء الآية، إضافة إلى استعجال السرور أيضاً فهو يريد أنْ يرى التأييد مباشرة حتى تدخل السرور على قلبه.

 

السؤال الثالث:
ما دلالة كلمة (كَثِيرًا) في الآية (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا

 

الجواب:
كلمة (كَثِيرًا) تحتمل المصدر، أي: ذكراً كثيراً، وتحتمل أنْ يراد بها الزمن الكثير، والتعبير جمع المعنيين في آن واحد.

 

السؤال الرابع:
ما التسبيح؟ وما فرقه عن الذكر كما في آية طه 33ـ34 (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه: 33-34]؟

 

الجواب:
1ـ التسبيح هو تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به، ويحتمل أنْ يكون باللسان وأن يكون بالقلب.

 

2ـ وأمّا الذكر فهو عبارة عن وصف الله تعالى بصفات الجلال والكبرياء، ولا شك أنّ النفي مقدم على الإثبات.

 

3ـ الذكر أعم من التسبيح، والتسبيح أخص.

 

4ـ (سبحان): هو اسم مصدر، واسم المصدر يكون خالياً من بعض حروف الفعل الأصلي دون تعويض.

 

* أمثلة لغوية:
آـ سبح تسبيحاً، ومنه (سبحان)، فقد نقصت باء عن الباء المشددة في الفعل: (سبّح).
ب ـ أعطى إعطاء، ومنه (عطاء)، فقد نقصت الهمزة من الفعل: (أعطى).
ج ـ سلّم تسليماً، ومنه: سلام، فقد نقصت لام من اللام المشددة في الفعل (سلّم).

 

5ـ الأفعال: [سبّح ـ يسبّح ـ يسبحون] تدل كلها على الزمن وعلى الفاعل.
أما (سبحان) فليست مرتبطة بفعل أو زمن، فقد كان التسبيح قبل الخلق، وكان بعده وقبل من يسبح وبعد من يسبح.

 

5ـ كيف يستعمل القرآن كلمة (الذكر):
أ ـ الذكر لم يجعل له وقتاً (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) [آل عمران:41]، وخصّص في التسبيح (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران:41]، فلمّا كان التسبيح أخصّ خصّص الوقت. قال تعالى:
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [غافر:55] (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران:41].


ب ـ وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:41-42]، فمع الأخص خصّص، ومع الأعم أطلق.


ج ـ أمّا لماذا قدّم التسبيح في آية سورة طه( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه: 33-34]؟
كان موسى عليه السلام في حالة خوف أو في حالة ترقب، خوف أنْ يفعل بهم فرعون ما يفعل من سوء (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) [طه:45]، والتسبيح ينجي من الغم وينجي من الكرب، وربنا أخبر عن ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87-88] .
وربنا قال للرسول عليه الصلاة والسلام : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) [الحِجر:97-98]؛ لأنّ التسبيح ينجي من الضيق والغم ويذهب الهم والكرب والخوف.
فلمّا كان موسى في حالة خوف قال: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا) [طه: 33] فبدأ بما يُذهب الهم ويُذهب الغم ويُنجي من الخوف.

السؤال الخامس:
ما أهم دلالات هذه الآية؟

 

الجواب:
1ـ طلب زكريا علامة من ربه دالة على أنّ زوجته قد حملت، لكي يطمئن قلبه على تحقيق تلك البشرى، فأعلمه الله أنّ العلامة أنك تُحبسُ وتُمنعُ من الكلام ليس لعلّة فيك، ولكنّ الله يمنعك من النطق لمدة ثلاثة أيام، من غير مرض ولا آفة، فلا تكلمهم إلا بالإشارة والرمز.

 

2 ـ وقد عقد الله لسان زكريا عن الكلام، وأبقى له قدرة على الذكر والتسبيح.

 

3 ـ كما أنّ الله يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، كذلك يوجدها بدون أسباب.

 

4 ـ أعلم الله نبيه زكريا أنه في أيام عجزك عن الكلام وحبس لسانك أكثرْ مِنْ تسبيح الله كيلا ينشغل لسانك بغير التسبيح، فإذا انتهت مدة الأيام الثلاثة كان ابتداء الحمل. قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار).

 

5 ـ العشي: الوقت من زوال الشمس إلى المغيب، وهو اسم مفرد لا جمع له.

 

6 ـ الإبكار: بكسر الهمزة، من طلوع الشمس إلى وقت الضحى.

 

7 ـ وردت قصة زكريا عليه السلام في سورتي آل عمران ومريم. والله أعلم.
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اصطفاء مريم على نساء العالمين

 

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 42]

 

السؤال الأول:
ما معنى الاصطفاء في الآية؟ ولماذا كرره في نفس الآية وجاء الاصطفاء الثاني مع كلمة (عَلَى) دون الاصطفاء الأول؟

 

الجواب:
1ـ الاصطفاء: هو الاختيار، وهو مأخوذ من الصفو أو الصافي.

 

2ـ هناك في الآية اصطفاءان:
آ ـ الاصطفاء الأول: كان مجرداً من كلمة (على)، وهو إبلاغ جبريل عليه السلام لمريم أنّ الله ميّزها بالإيمان والصلاح والخُلُق الطيب، فدخلت في دائرة المُصطفَين الأخيار، لكنّ هذا الاصطفاء لا يمنع أن يوجد معها في مجال الاصطفاء آخرون، بدليل قول الله في الآية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33]. ودخل في هذا قبولها منذورة محررة لخدمة المسجد الأقصى لصفاتها الحميدة، وأفعالها السديدة.

 

ب ـ الاصطفاء الثاني: وأتبعه بـ (على) فهذا خروجٌ للرجال عن دائرة الاصطفاء، فهي مصطفاة على نساء العالمين، فكأنه لا توجد أنثى في العالمين تشاركها هذا الاصطفاء.
في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمُل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) [صحيح البخاري 3769].

 

السؤال الثاني:
ما الذي تمتاز به (مريم) عليها السلام عن نساء العالمين؟

 

الجواب:
1ـ أنها ستلد دون ذكر، وهذه مسألة لن يشاركها فيها أحد.

 

2ـ لنضم هذه إلى قولها: (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) وهذه كلها إيناسات للحدث الذي سيأتي من بعد ذلك، وهو حدث يتعلق بعرضها وعفافها.
ولما لاحظ العابد الذي كان يعيش معها في مجتمعها (يوسف النجار) على مريم علامات الحمل، وهو يعلم من هي مريم، وأنها لم تفارق المحراب طوال حياتها، ولم يردْ على ذهنه أي تفكير بسوء، لكنه أراد أن يستفهم عما يراه بأدب، فسألها: يا مريم أتوجد شجرة بدون بذرة؟
فردتْ وقد لقّنها الحقُ سبحانه: نعم، الشجرة التي أنبتت أول بذرة.
وكأنّ ما تقدم من حيثيات الاصطفاء الأول والاصطفاء الثاني سيتحقق منه القنوت؛ أي العبادة الخالصة الخاشعة، فقال: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: 43].

 

السؤال الثالث:
ما دلالة كلمة (العالمين) في الآية (عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

 

الجواب:
انظر الجواب في آية الفاتحة (2).

<<<<<<<

 

(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: 43]

 

السؤال الأول:
لماذا قال تعالى: (الرَّاكِعِينَ) ولم يقل: الراكعات، مع أنّ الكلام لمريم عليها السلام؟

 

الجواب:
الركوع ليس خاصاً بالمرأة حتى يقول: (مع الراكعات)، ولكنه أمر عام يشمل الرجل والمرأة.
والعرب في الأمور العامة تغلب الذكور، وقيل: المراد بالصلاة في الجماعة في بيت المقدس مع المجاورين له من الذكور دون أن تختلط بهم.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة تقديم السجود على الركوع في الخطاب لمريم؟

 

الجواب:
1ـ الأحكام تُذكر عموماً للإناث والذكور إلا إذا كان الحكم خاصاً بالنساء، مثل قوله تعالى مخاطباً مريم في سورة آل عمران: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: 43] وفي تأخير الركوع هنا دلالة مع أنه يأتي قبل السجود في الصلاة، لأنه تعالى جاء بالكثرة قبل القِلّة؛ لأنّه يوجد في كل ركعة سجدتان وركوع واحد، لذا قدّم السجود على الركوع في الآية.

 

2ـ وفي الأحكام: على المرأة الاقتداء بالرجال مع التخفّي.

 

3ـ قدّم السجود، لمعنى أنه الصلاة وأنّ القنوت هو الخضوع والخشوع. فكان التسلسل: الخضوع ثم الصلاة ثم الركوع، وقد يكون سجودهم مقدماً في دينهم على الركوع.

 

4ـ الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب.

 

5ـ أنّ غاية قرب العبد من الله أنْ يكون ساجداً كما جاء في الحديث الشريف «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» [صحيح مسلم 482] ؛ لذلك قدّمه على الركوع.

 

6ـ الصلاة تسمى سجوداً كقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [ق: 40] فيكون المعنى: صلي.
فقوله تعالى: (اقْنُتِي) أي: قومي للعبادة وقوله تعالى: (وَاسْجُدِي) أمر بالصلاة في حال الانفراد، وقوله تعالى: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أمر بالصلاة في الجماعة.

 

7 ـ قيل: قُدّم الركوع على السجود، لأنه كان ذلك في شريعتهم. والله أعلم.

 

السؤال الثالث:
لماذا في آية آل عمران كان التدرج من الكثرة إلى القلة؟ ولماذا كان التدرج في آية أخرى من القلة إلى الكثرة كما في آية الحج 77 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

 

الجواب:
1ـ في هذه الآية قال: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) والراكعون مذكّر، وصلاة المرأة في بيتها أكثر، لأنه لمّا قال: (مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي: مع (الرجال في المساجد) وصلاتها مفضولة ، ولو صلّت في بيتها لكان أفضل، لذلك لمّا قال: (مع الراكعين) أخّرها وقدّم ما هو أفضل.

 

2ـ والرسول عليه الصلاة والسلام وجّه بأنْ لا تمنعوا النساء مساجد الله، لكن صلاتها في البيت أفضل.
وفي آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77] فبدأ من القلة إلى الكثرة، وهذا بحسب ما يقتضيه السياق.

 

السؤال الرابع:
وردت كلمة (وَاسْجُدِي) لمريم مرة واحدة في القرآن، فهل تكررت مع غيرها؟

 

الجواب:
لم تتكرر مع غير مريم عليها السلام ؛ وهناك كلمات عديدة لم تتكرر في القرآن مثل: [الصمد، والنفاثات، والفلق، وغاسق، ووقب، وضيزى]، ولو اقتضى الأمر لكررها.

 

السؤال الخامس:
ما دلالة جمع المذكر (الرَّاكِعِينَ) في الآية؟

 

الجواب:
إنّ المخاطَب بهذا الأمر هو مريم، وكان حريّاً أنْ تخاطبها الملائكة بقولهم: واركعي مع الراكعات، ولا يخفى أنّ في ذلك إشارة واضحة إلى فضل السيدة مريم عليها السلام بالإذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء بني إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن النساء، وهذا هو السر في مجيء (الرَّاكِعِينَ) بصيغة المذكر لا المؤنث.
للعلم: ليس في كتب النصارى ذكرٌ لعِمران ولا لعيسى، ولكنها تبتدئ فجأة بأنّ عذراء في بلدة الناصرة كانت مخطوبة ليوسف النجار، قد حملت من غير زوج.

 

السؤال السادس:
ورد في آية البقرة 125 ذكر للطائفين والعاكفين والركع السجود، وورد ذلك أيضاً في آية آل عمران 42 وآية الحج [26 و 77] وذكر فيها القائمين لكن مع التقديم والتأخير، فهل من توضيح لهذا الأمر؟

 

الجواب:
انظر الجواب في آية البقرة 125.

 

السؤال السابع:
ما الفرق بين الفعلين (قنت) و (قنط)؟

 

الجواب:
1ـ (قنت) في اللغة تعني خشع، قال تعالى: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [آل عمران: 43] (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: 120].

 

2ـ أما (قنط) فهي تعني يئس (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزُّمَر: 53].

<<<<<<<

 

الإخبار بقصة مريم من معجزات النبي محمد عليه السلام

 

(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران: 44]

 

السؤال الأول:
ما دلالة ذكر اسم الإشارة (ذَلِكَ) في الآية؟

 

الجواب:
قوله تعالى (ذَلِكَ) إشارة إلى ما تقدم عن زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، وهو من أخبار الغيب فلا يمكنك أن تعلمه إلا بالوحي.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة كلمة (أَنْبَاءِ) في الآية؟

 

الجواب:
الإنباء هو الإخبار عما غاب عنك، وهو غير الإيحاء عن طريق الوحي أوعن طريق أمر خفي من إشارة أو غيرها.
وللعلم فإنّ ما جاء في القرآن الكريم من معلومات عن القُرعة التي جرت بشأن اختلافهم حول كفالة مريم، بعد أن وقع الخصام بينهم، فأجروا القرعة، ففاز زكريا عليه السلام بكفالتها، هذه المعلومات لم يذكرها (العهد القديم) ولا (العهد الجديد) المتداولان حالياً، ولكنه كان معروفاً عند الأحبار والرهبان، وكان ذلك من الأسرار التي لا تفشى ولا تُذاع، فواجه بها القرآن ـ وقت نزوله ـ أهل الكتاب، وكان ذلك دليلاً قاطعاً على نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ

 

الجواب:
قوله تعالى: (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) قيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، وكان القراع على أنّ كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلمّا فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك، فسلموا الأمر له، وهذا قول الأكثرين.
وقيل: العصي بدل الأقلام، وقيل: ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم، فمن خرج له السهم سُلِّمَ له الأمر، وهو شبيه بأمر الأقداح التي كانت تتقاسم بها العرب لحم الجزور.

 

السؤال الرابع:
هل في قوله تعالى: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) حذف؟ وما تقدير ذاك الحذف؟

 

الجواب:
نعم في قوله تعالى: (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) حذف، والتقدير: يلقون أقلامهم لينظروا أيهم يكفل مريم، وإنما حسُن ذلك لكونه معلوماً.

 

السؤال الخامس:
ما سبب الاختصام في الآية (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

 

الجواب:
قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) اختلفوا في أسباب المنازعة على أقوال:
آـ إنّ عمران أباها كان رئيساً لهم، فلأجل حق أبيها رغبوا في كفالتها.
ب ـ إنّ أمها حررتها لعبادة الله تعالى ولخدمة بيت الله، فلأجل ذلك حرصوا على التكفل بها.
ج ـ لأنّ بيان أمرها وأمر عيسى عليه السلام كان في الكتب الإلهية، فتقربوا لهذا السبب حتى اختصموا، وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) تدل على حرارة المنافسة بين القوم شوقاً إلى كفالة مريم، وحتى تنتهي الخصومة لجؤوا إلى الاقتراع.
والمقصود من الآية بيان شدة رغبتهم في التكفل بشأنها. والله أعلم.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

( القسم الأول )
البشارة بعيسى عليه السلام تضمنت أحد عشر وصفاً له

(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45]

 

السؤال الأول:
ما اللمسة البيانية في ذكر عيسى مرة، والمسيح مرة، وابن مريم مرة في القرآن الكريم؟

 

الجواب:
لو عملنا مسحاً في القرآن الكريم كله عن عيسى نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:
1ـ المسيح: ويدخل فيها المسيح، المسيح عيسى بن مريم، المسيح ابن مريم (لقبه)، واللقب في اللغة يأتي للمدح أو الذم.
2ـ عيسى ويدخل فيها: عيسى بن مريم، وعيسى (اسمه).
3ـ ابن مريم (كُنيته).

 

الاستعمال القرآني:
1ـ المسيح ليس اسماً ولكنه لقب، وعيسى اسم أي: يسوع، وابن مريم كنيته، واللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم، والمسيح معناها المبارك. والتكليف جاء باسمه (عيسى)، وليس بلقبه ولا كُنيته.

 

2ـ الاسم: (عيسى)، وحيث ورد المسيح في كل السور، سواء وحده أو (المسيح عيسى بن مريم) أو (المسيح بن مريم) لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبداً، ولم يرد (المسيح بن مريم) في التكليف، وإنما يأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة.

* شواهد قرآنية:
ـ (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45].
ـ (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) [النساء: 157].
ـ (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة: 17].

 

3ـ وكذلك الكنية (ابن مريم) لم تأت مطلقاً بالتكليف، قال تعالى:
ـ (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤمنون: 50]
ـ (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) [الزُّخرُف: 57].

 

أما كلمة (عيسى) في كل أشكالها فهذا لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء فهو عام.

* شواهد قرآنية:
ـ (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [المائدة: 46].
ـ (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) [مريم: 34].

 

4ـ مع التكليف أو الثناء يأتي بلفظ (عيسى)، وكلمة (عيسى) عامة، ولا نجد في القرآن كله (آتيناه البينات) إلا مع لفظ (عيسى)، ولم يأت أبداً مع ابن مريم ولا المسيح. قال تعالى:
ـ (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الزُّخرُف: 63] إذن مع التكليف أو الثناء يأتي بلفظ عيسى عليه السلام، وكلمة (عيسى) عامة.
ـ (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: 112]

 

5ـ والنتيجة أنّ (المسيح) ليس اسماً ولكنه لقب، و (عيسى) اسم، أي: يسوع، و (ابن مريم) كنيته، واللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم، و (المسيح) معناها (المبارك)، والتكليف جاء باسمه (عيسى)، وليس بلقبه ولا كُنيته.

 

السؤال الثاني:
من المقصود في قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ

 

الجواب:
ظاهر قوله تعالى (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ) يفيد الجمع، إلا أن المشهور أنّ ذلك المنادي كان جبريل عليه السلام.


 

( القسم الثاني)
البشارة بعيسى عليه السلام تضمنت أحد عشر وصفاً له

 

(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45]

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) الآية؟

 

الجواب:
قوله تعالى (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) لفظة (من) هنا ليست للتبعيض وإلا كان الله متجزءاً متبعضاً حسبما يتوهمه النصارى، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما (من) ههنا لابتداء الغاية، وعيسى عليه السلام ليس له أب فصار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر.

 

السؤال الرابع:
ما الصيغ المختلفة التي جاءت في القرآن مع عيسى عليه السلام؟ ولماذا قدّم اللقب على الاسم في الآية؟ وما الصفات التي ذكرها القرآن لعيسى عليه السلام؟

 

الجواب:
آ ـ (عيسى) هو الاسم، و (المسيح) كاللقب، و (ابن مريم) كنية، وقدّم اللقب على الاسم ليفيد علو درجته كالصدّيق والفاروق، ثم ذكره باسمه الخاص.

 

ب ـ بشّرت الملائكة مريمَ بكلمة من الله، هي عيسى عليه السلام، وتضمنت البشارة أحد عشر وصفاً له، وهي:

 

الآية (45):
1 ـ تحديد نوع المولود المُبشر به، وأنه ذكر.
2 ـ لقبه: المسيح.
3 ـ اسمه: عيسى.
4 ـ نسبه يرجع إلى أمه، وفي هذا ردٌ على من قال: إنه (ابن الله).
5 ـ بيان مكانته عند الله، وأنه ذو جاه وقدْر.
6 ـ أنه من المقربين.

 

الآية (46):
7 ـ كلامه في المهد.
8 ـ اكتمال شبابه وقوته، وأنه يكلم الناس حال كهولته كما كلّمهم في المهد.
9 ـ منزلته في الصالحين.

 

الآية (48):
10 ـ تعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

 

الآية (49):
11 ـ معجزات عيسى الخمس:
ـ أنْ يخلق من الطين طائراً بإذن الله.
ـ إبراء الأكمه والأبرص.
ـ إحياء الموتى بإذن الله.
ـ إنباؤه بما يدخره الناس في بيوتهم، وماذا يأكلون.

 

الآية (50):
ـ نزول الإنجيل على عيسى عليه السلام.

 

السؤال الخامس:
ما دلالة قوله تعالى في الآية: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) مع أنّ الأنبياء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات؟

 

الجواب:
1ـ قوله تعالى: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) فذكر الاسم واللقب والكنية (ابن مريم)، فكأنه قيل: الذي يعرف به هو مجموع هذه الثلاثة.

 

2ـ قال تعالى: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) مع أنّ الخطاب مع مريم، لكنّ الأنبياء يُنسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فلمّا نسبه إلى الأم كان ذلك إعلاماً لها أنه محدث لغير أب ليبيّن زيادة فضله وعلوِّ درجته.

 

3ـ الضمير في قوله تعالى: (اسْمُهُ) عائد إلى المسمى، وليس للكلمة المؤنثة (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ).

 

السؤال السادس:
ما إعراب كلمة (وَجِيهًا

 

الجواب:
قوله تعالى (وَجِيهًا) حال منصوب.

 

السؤال السابع:
ما دلالة قوله تعالى في الآية: (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

 

الجواب:
قوله تعالى: (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) مدح عظيم له، وفيه إشارة إلى أنه سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة. والله أعلم.

 

السؤال الثامن:
ما الكلمات الشبيهة بكلمة (وجيه) الوارد في آية آل عمران 45؟

 

الجواب:
انظر الجواب في (منظومة الرؤساء والملوك) في آية آل عمران 39.


 


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

( القسم الأول )
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 46]

 

السؤال الأول:
قوله تعالى: (وَيُكَلِّمُ) ما كلمات منظومة الحديث بأصوات الفم الإنساني في القرآن الكريم؟

 

الجواب:
هذه كلمات منظومة الحديث بأصوات الفم الإنساني:

 

1ـ الصوت:
هو أول شيء يخرج من فم الإنسان، وهو أقل من حرفين كالأنين والبكاء والعواء وغيره.

 

2ـ اللفظ:
إذا كان الصوت مسموعاً ومؤلفاً من حرفين يُسمى لفظاً، نحو: من ـ عن ـ لن.

 

3ـ النطق:
عندما يكون اللفظ مكوناً من كلمة فهو نطق كما في قوله تعالى: (عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) [النمل: 16].

 

4ـ الكلام:
هو لعدة كلمات، كما في قوله تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) [آل عمران: 46].

 

5ـ الحديث:
إذا كان الكلام طويلاً وله موضوع محدد يُسمى حديثاً.
(فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: 78].
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) [الزمر: 23].

 

6ـ القول:
إذا تخلل الحديث عبارات قوية تحمل نظرية أو قاعدة تلفت الانتباه فيتعلم الناس منها جديداً يُسمى قولاً.
فالقول أهم ما في الحديث، والحديث أهم ما في الكلام، والكلام أهم ما في النطق، والنطق أهم ما في اللفظ، واللفظ أهم ما في الصوت.

 

وفي القرآن وصف الله القول بصفات عديدة منها:
(قَوْلًا سَدِيدًا) [النساء: 9] (قَوْلًا عَظِيمًا) [الإسراء: 40] (قَوْلًا كَرِيمًا) [الإسراء: 23] ـ (قَوْلًا مَيْسُورًا) [الإسراء: 28] (قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزَّمل: 5].

 

7ـ المتشابه:
هو القول الذي يعطي أكثر من معنى بحسب اختلاف السامع وثقافته واختصاصه، وبحسب اختلاف الزمن، وفي القرآن تشابه لفظي ومعنوي وإعجازي ومعرفي وعلمي، وهو لا تنقضي عجائبه إلى يوم القيامة.
*شاهد قرآني أول:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) [الأنعام: 122] الميْتُ-بتسكين الياء- هو من مات فعلاً.
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزُّمَر: 30] الميِّتُ-بتشديد الياء- هو الذي مآله إلى الموت.
شاهد قرآني آخر:
(وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) [الأنعام: 95] بالصيغة الاسمية.
(وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) [يونس: 31] بالصيغة الفعلية.
والفرق بينهما هو الفرق بين حبة الحنطة المستمرة بالتناسل، وحبة الحنطة التي نطحنها ونصنعها دقيقاً.

 

8ـ المثاني:
قيل من الثناء أو ما يُثنى عليه، وقيل: من التثنية بتكرار القراءة، وسميت الفاتحة بالسبع المثاني. (كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ) [الزمر: 23].
ملحوظة: تتمة النقاط في الآية سنذكرها في الحلقة القادمة بإذن الله .

 

( القسم الثاني)

(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 46]

 

السؤال الثاني:
ما دلالة قوله تعالى في الآية: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا

 

الجواب:
1ـ الكلام هو اللفظ ، والمهد هو فراش الوليد.
ونبي الله عيسى، وهذا اسمه، وابن مريم كنيته، والمسيح لقبه، وهو وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، كان ميلاده خاصاً وفيه ضجة، وبعض بني إسرائيل اتهموا أمّه البتول الطاهرة في عِرضِها وكرامتها وشرفها، فكان الواجب أنْ تأتي آية تمحو عجب الناس وهم يرون امرأة تلد بدون أب أو زواج، لذلك جاء كلام عيسى وهو طفل رضيع فتكلم بكلام الحق، وكان الواجب على بني إسرائيل أنْ يحفظوا كلام هذا الطفل ويتداولونه بين الناس ويرددوه في أنفسهم.

 

2ـ وأول كلمة نطق بها عيسى عليه السلام: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) [مريم: 30] ليؤكد بشريته، لكنّ النصارى أخفوا هذه المسألة كلها؛ لأنّ هذه المسألة تنقض القضية التي يريدون أن يضعوا فيها عيسى عليه السلام، وهي ادعاؤهم أنه ابن الله أو هو الإله، وتنقض كل الأساس الذي بنوا عليه دينهم الحالي الباطل.

 

3ـ وكلمة (وَكَهْلًا) تفيد أنه سيتكلم وهو كهل، عندما ينزل عيسى عليه السلام إلى الأرض في آخر الزمن فيضع الجزية ويقتل الدجال ويحكم بالإسلام، علماً بأن عيسى عليه السلام رُفع وهو ابن 33 سنة، فلم يبلغ سن الكهولة.

 

4ـ إنّ كلام عيسى عليه السلام في المهد لم يكن باختياره، وكلامه وهو كهل سيكون بالوحي، أي ليس له اختيار فيه أيضاً.

 

5ـ أما قوله: (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) فمقصود بها عمله، أي: الحركة السلوكية، فلا يكفي التبليغ، بل لا بدّ من السلوك الإيماني.

 

السؤال الثالث:
إنْ قيل: أي معجزة لعيسى عليه السلام في تكليم الناس كهلاً؟ وما تفيد كلمة (وَكَهْلًا

 

الجواب:
1ـ أي أنه يكلم الناس بكلام الأنبياء بين حالتي الطفولة والكهولة، وهذا خرج مخرج البشارة لمريم، أي: أنه عليه السلام سيبقى إلى زمن الكهولة، فهو بشارة له بطول عمره.

 

2ـ كلمة (وَكَهْلًا) تبين أنّ الزمن يؤثر فيه فينقله من حال إلى حال، ولو كان إلهاً كما يدعون لم يجزْ عليه التغيير. والله أعلم .
تعجبت مريم من هذه البشرى، إذ كيف تحملُ وتلدُ، دون أن يمسها بشر: انظر الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى .

 

قوله تعالى : (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ آل عمران : 47 ]

 

السؤال الأول:
قوله تعالى في آية آل عمران (47 ) : (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) وقوله في الآية (40): (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) فلماذا جاءت (كذلكِ) الأولى بالكسر؟

 

الجواب:
1ـ (كذلكَ) بالفتح هو في الأصل لمخاطبة المذكّر، وقد تستعمل عامة، لكنّ الأصلَ أن يُقال (ذلكَ) - بفتح الكاف- للمخاطب المذكّر، و (ذلِكِ) للمخاطبة، و (ذلِكما) للمثنى، و (ذلكُنّ) لجمع المؤنث، و (ذلِكمْ) لجمع المذكر.
قال الشاعر: (قد ظفرتُ بذلِكِ) وهو يخاطب المرأة.

 

2ـ (ذا) اسم الإشارة للمشار إليه، والكاف للمخاطب، (ذلكَ) المخاطب رجلٌ، و (ذلكِ) المخاطب أنثى، وليس له علاقة بالمشار إليه نفسه.
وفي قوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [يوسف: 32] المخاطب جمع النسوة، (ذا): اسم الإشارة ليوسف، و (لِكُنَّ) لمجموعة النسوة. وكذلك قوله تعالى: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ)
[القصص: 32]. (ذان) اسم إشارة. لذلك فإنّ أسماء الإشارة هي التي تتغير.

 

أمّا كاف الخطاب ففيها وجهان :
آ ـ أن تكون مطابقة للمخاطب إفراداً وتثنية وجمعاً ، تذكيراً وتأنيثاً ، كما في الآيات : ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39] .
﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 22] .
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: 141] .
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: 32] .
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [مريم: 21] .
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] .
وهذا إذا أراد أن يخصّص فيستعمل الكافَ المفتوحة (ذلكَ) للمخاطب المفرد ، و بكسر الكاف (ذلكِ) للمخاطبة المفردة.

 

ب ـ إفراد الخطاب وتذكيره على كل حالٍ ، فتقول : (ذلكَ ) بفتح الكاف للمفرد والمثنى والجمع للمذكر والمؤنث، كما في الآيات :
﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 85] .
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 30] في خطاب نساء النبي ﷺ
والوجهان جائزان .

 

السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية 47: (قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) لِمَ عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى بالفعل (يَخْلُقُ) بينما عبّر عن تكوين يحيى عليه السلام بالفعل (يَفْعَلُ) في قوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

 

الجواب:
عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى عليه السلام بالفعل (يخلق) ؛ لأنه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة، ولو كان بالوسائل المعتادة لأورد الفعل (يفعل) أو (يصنع) كما في الآية السابقة رقم 40 في جواب الملائكة لزكريا (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).

 

السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ

 

الجواب:
إنها طلاقة القدرة، وهي لا تتوقف على ذكورة وأنوثة؛ لأنّ الله تعالى قادر على أن يخلق دون ذكورة وأنوثة كخلقه آدم عليه السلام، ويخلق الله سبحانه بواحدٍ منهما كخلقه سبحانه لحواء وخلق عيسى عليه السلام، ويخلق الخالق الأعلى بالذكورة والأنوثة، وهذه تتضح في خلق جمهرة الناس. والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

( القسم الأول )

 

قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]

 

السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) في الآية (48 ) ؟

 

الجواب:
معنى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) أنّ الحق قد علّمه ما نَزَل قبله من زبورِ داود ومن صحف إبراهيم، وبعد ذلك توراة موسى الذي جاء عيسى مكملاً لها.
وبعض العلماء قالوا: أُثر عن عيسى عليه السلام أنّ تسعة أعشار جمال الخط كان في يده، وبذلك يمكن أن نفهم (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) أي: القدرة على الكتابة. والله أعلم.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة ذكر المعجزات لعيسى عليه السلام في الآيتين [ 48 و 49] ؟

 

الجواب:
1ـ دلّ القرآن على أنّ عيسى عليه السلام إنما تَولّد بقدرة الله من نفخ جبريل عليه السلام في مريم، وجبريل عليه السلام روحٌ محضٌ وروحانيٌ محض، فلا جرمَ كانت نفخة عيسى عليه السلام في قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) هي للحياة والروح بإذن الله تعالى.

 

2ـ كما ذكر القرآنُ معجزات أخرى لعيسى عليه السلام، وهي: إبراء الأكمه وهو الذي ولد أعمى، إحياء الموتى، إبراء الأبرص، والإخبار عن : (بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)

 

3ـ وختم عيسى كلامَه بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 49] وكأنه يقول إنّ هذه الآيات هي بإذن الله تعالى، وإنّ هناك قوة أعلى قاهرة عليكم الإيمان بها، وهي قوة الله تعالى.

 

السؤال الثالث:
ما معنى (الخلق) في الآية الكريمة؟

 

الجواب:
الخلق له معانٍ، وقد يُنسب إلى الإنسان، تقول: خلقت هذا الشيء، كما قال عيسى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) ويأتي أيضاً بمعنى التصوير.

 

السؤال الرابع:
كيف أحيا عيسى الموتى مع أنّ الشهيد يطلب العودة ليقتل في سبيل الله فلا يؤذن له؟

 

الجواب:
عيسى عليه السلام ما أحيا الموتى من عند نفسه، والله سبحانه وتعالى لا يعيد الميت إلى حياته في الدنيا، لكن هذه معجزة.
والله سبحانه وتعالى لا يجعل العصي أفاعي، لكنه جعلها أفعى معجزة لموسى. والله سبحانه وتعالى لا يجعل الشجرة تمشي، لكنه جعلها تمشي وتأتي إلى الرسول ﷺ وهذه معجزة.
ولذلك عندما ننظر في الآية (49) من سورة آل عمران (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يقول تعالى على لسان عيسى قال: (بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ما قال: (من عندي)، وهي علامة وأمارة على صدق نبوته، وقال: (بِإِذْنِ اللَّهِ) فالله سبحانه وتعالى يعطّل قوانينه لأجل الأنبياء.
ألم يعطل إحراق النار لإبراهيم؟ النار تحرق وهذا قانون، لكنّ الله عطّل القانون لإبراهيم عليه السلام. والله أعلم .

 

(القسم الثاني)
 

قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]

 

السؤال الخامس:
ما الفروقات بين آية آل عمران (49 ) وآية المائدة ( 110) علماً أنّ سياق الآيتين في معجزات عيسى عليه السلام؟

 

الجواب:

 

1 ـ الفرق الأول: (بِإِذْنِي) [المائدة: 110] و (بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران: 49] وصيغة الأفعال (فَأَنْفُخُ) [آل عمران: 49] و (وَأُبْرِئُ) [آل عمران: 49] (فَتَنْفُخُ فِيهَا) [المائدة: 110] (تَخْلُقُ) [المائدة: 110]. وبيان ذلك:

 

آـ الكلام كان عن سيدنا عيسى عليه السلام في الآيات (45) وحتى الآية (48 ) ، ثم جاءت الآية (49 ) ، وهي قوله تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني أن عيسى عليه السلام هو الذي سيقول هذا الكلام؛ أي: (حكاية حالٍ ماضية) في الماضي، فإذن الذي بدأ يتكلم الآن هو سيدنا عيسى عليه السلام، فقال: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ما هذه الآية؟ بيان هذه الآية هو على لسان عيسى عليه السلام: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فتناسب هذه الآية قوله: (فَأَنْفُخُ فِيهِ) يعني (أنا)؛ لأنه يتكلم عن نفسه، وناسب قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) حيث ردّ الأمر إلى فاعله الحقيقي، وهو الله سبحانه.

 

ب ـ في آية سورة المائدة رقم (110 ) الكلام هنا من الله سبحانه وتعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) الكلام مع عيسى عليه السلام، وليس على لسانه فقال: (تَخْلُقُ)، (فَتَنْفُخُ فِيهَا)، (تُخْرِجُ الْمَوْتَى) والكلام من الله عزَّ وجل إلى عيسى عليه السلام فقال: (بِإِذْنِي).

 

2 ـ الفرق الثاني: في استعمال الضمير (فيها) : (فَتَنْفُخُ فِيهَا) و (فيه) (فَأَنْفُخُ فِيهِ) وبيان ذلك:

 

آـ الخلق بمعنى التكوين أو الصنع من مواد أولية كان الله سبحانه وتعالى قد جعلها بين أيدينا، وأمّا الإيجاد فعلى غير مثال سابق، وهذا لله سبحانه وتعالى من غير شيء.

 

ب- في آية آل عمران هذا كلامُ عيسى عليه السلام (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا) هنا (فِيهِ) أي: في هذا الطين، وعيسى عليه السلام ذكر أصل التكوين؛ حتى يذكرهم أنّ هذا (طين) جعل منه طيراً، ثم قال: (فَأَنْفُخُ فِيهِ) أي: في هذا (الطين) الموجود بين أيديكم.

 

ج ـ آية المائدة كانت في تعداد نعم الله عز وجل على عيسى عليه السلام، ولذلك جاءت (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: اذكر هذا واذكر هذا، وجاء التأنيث لأنّ التأنيث أصلح للتعدد، وعندما تقول لغير العاقل: الشجرات (فيها)، يعني متعددة، كأن الهيئة صارت أكثر من حالة، فهي إذن في مجال بيان تعداد نعم الله سبحانه وتعالى عليه فاختار التأنيث؛ لأنّ التأنيث أليق مع جمع غير العاقل.

 

د ـ من حيث اللغة، الأصل أنه إذا نَظَرَ إلى (الهيئة أنّث)، وإذا نَظرَ إلى (الطين ذكّر)، فمرةً نَظرَ إلى الهيئة ومرة نَظرَ إلى الطين، لكنّ الذي قوّى اختيار النظر إلى الهيئة أنّ ضمير المؤنث يُشار به إلى المتعدد، فجاء بضمير المؤنث في موضع تعداد النعم؛ لأنّ فيه تعداداً للنعم فاختير التأنيث.
وجاء في كشف المعاني لابن جماعة: قوله تعالى: (فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) في آل عمران، وفى المائدة: (فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) ذكّر في آل عمران وأنّث في المائدة فلماذا؟ والجواب: أنّ آية آل عمران من كلام المسيح عليه السلام في ابتداء تحديه بالمعجزة المذكورة ولم تكن صورة بعد فحَسُنَ التذكير والإفراد، بينما آية المائدة من كلام الله تعالى له يوم القيامة معدِدًا نعمَه عليه بعد ما مضت وكان قد اتفق ذلك منه مرات، فحَسُنَ التأنيث لجماعة ما صوره من ذلك ونفخ فيه.

 

3 ـ الفرق الثالث: تكرار (إِذْ) : تكررت ( إذ ) في آية سورة المائدة، ولم تذكر في آية سورة آل عمران؛ لأنه في المائدة كان هناك تعداد لنِعم الله سبحانه وتعالى عليه، أمّا في آل عمران فما كان هناك نوع من التعداد للنعم، وإنما كان نوع من بيان حال عيسى عليه السلام وهو يتكلم.
والله أعلم .

 

( القسم الثالث)


(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]

 

السؤال السادس:
قوله تعالى: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) لِمَ خَصّ الله تعالى معجزة عيسى عليه السلام بشفاء هذه الأمراض؟

 

الجواب:
إنك لو عدت إلى التوراة لوجدت اهتماماً بالغاً في أحكام الأبرص الذي أطال في بيانها بعدما وصفه الوحي لموسى عليه السلام، وكيف يمكن علاجه، فجاءت هذه المعجزة فائدة لهم في دينهم ودنياهم، ودليلاً آخر على فقه عيسى عليه السلام بالتوراة وأحكامها.

 

السؤال السابع:
هناك أربعة مدلولات لفظية في هذه الآيات تُنزّه الله تعالى وتثبت صفاته وتنفي ألوهية عيسى عليه السلام كما يدّعيها البعض، فما هي؟

 

الجواب:
هذه الآية حملت تنزيهاً كاملاً لله تعالى وإثباتاً لصفاته ونفياً أن تكون هذه الأفعال لعيسى عليه السلام بأربعة مدلولات لفظية هي:

 

1ـ قوله تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ) فكونه عليه السلام رسولاً يقتضي مُرسِلاً، فعيسى عليه السلام هو مُرسَل وليس مُرسِلاً، فإذا كان مُرسَلاً فلا بدَّ أن يكون هناك من أرسله وهو الله تعالى، إذن كل الأفعال التي تؤيد صدق الرسالة لا بدّ أن تكون ممن أرسله لا من الرسول نفسه، والمعجزات التي صاحبت عيسى عليه السلام هي من قِبَلِ الله تعالى، وليست من نفسه.

 

2ـ قوله تعالى: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) الآية هي المعجزة والعلامة والبرهان، فالذي جاء به عيسى عليه السلام هو آية من الله تعالى؛ لذا قال: (مِنْ رَبِّكُمْ) واختيار لفظ (من ربكم) ؛ ليستثير الإيمان فيهم ونوازع اليقين.
ونلاحظ الفرق بين استعمال كلمة (ربكم) في هذه القصة واستعمال كلمة (اللَّهَ) [البقرة: 67] في قصة موسى مع بني إسرائيل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) [البقرة: 67] ؛ وهذا لأنّ بني إسرائيل يميلون إلى التكذيب والاعتراض، لذا جاءت الآيات كلها تشير إلى أنّ الأمر من الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) [البقرة: 67].

 

3ـ قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) فقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) نقلت الفعل من دائرة الإمكان بالنسبة لعيسى إلى دائرة القدرة والاستطاعة لله تعالى.

 

4ـ قوله تعالى: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) وفيها تكرير قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) لتنسب الفعل إلى الله تعالى، وهذا يدل على أنّ المعجزات كانت من قِبَلِ الله تعالى، وليس من قِبل عيسى عليه السلام.
 

( القسم الرابع)

 

قوله تعالى : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]

 

السؤال الثامن:
ما الفرق بين المعجزة والكرامة والخارقة؟

 

الجواب:

 

أولاً ـ المعجزة:
هي أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على أيدي الأنبياء إذا أرسلهم لأحد من خلقه، وشرَحَها علماء التوحيد بأنها: أمٌر خارق للعادة يقترن بدعوى النبوة. وللمعجزة شروط هي:


1.أنها قد تتكرر وتكون مصاحبة لدعوة النبوة.

 

2.ومن شروطها أن يبيّن النبيُّ مَن فَعَلَ هذه المعجزة وينسبها لله تعالى، وكلُ الأنبياء في القصص القرآني نسبوا المعجزات إلى الله تعالى : (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) [الشمس: 13] (رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) [الكهف: 98] (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: 82] (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل: 40]، وفي قصة الإسراء والمعراج قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) [الإسراء: 1].

 

3.والشرط الأخير أن تكون المعجزةُ من جنس ما برع به القوم في زمن النبي الذي تجري المعجزة على يديه؛ (بنو إسرائيل اشتهروا بالسحر في زمن موسى عليه السلام، وفي زمن عيسى عليه السلام اشتهروا بالطب، وفي زمن محمد ﷺ اشتهر العربُ باللغة وبرعوا فيها، فكانت معجزات الأنبياء من جنس ما برع به القوم).

 

ثانياً ـ الكرامة:
وهي أمرٌ خارقٌ للعادة يجريه الله تعالى على أيدي الأولياء، لكن لها مواصفات:

 

1ـ وهي أنّ الوليّ لا يستطيع تكرار هذه الكرامة؛ لأنها لا تقترن بدعوى نبوة.

 

 

2ـ ثم إنّ الكرامة تثبيت للولي، وليس للناس كما في حال المعجزة.

 

3ـ والوليّ يستحي من إظهار الكرامة، وإذا ظهرتْ نبّه الناسَ إلى فاعلها الحقيقي، وهو الله تعالى.

 

4ـ ثم إنّ الولاية تترتب على الإيمان الذي هو في القلب، ولا يعلمه إلا الله تعالى، فالكرامة تُمنح ولا تُطلب.

 

ثالثاً ـ الخارقة:
وهو أمرٌ خارق للعادة يجريه الشيطان على أيدي أوليائه نحو: (المعالجة بالإيحاء)، كما قال تعالى في قصة موسى مع فرعون: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: 66] وهذه الخارقة أو المعالجة بالإيحاء يستخدمها الأطباء في هذا العصر من باب الطب الحديث لشفاء المرضى، بحيث يستثيرون قوة المناعة في الجسد، ولعلّ من أمثلة هذه الخوارق ما نراه في الهند من الذين يعبدون البقر فيمشون على النار أو على الماء، فهذا مما يجريه الشيطان على أيدي أوليائه.
والله أعلم .


( القسم الخامس)

 

قوله تعالى : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﭸ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]

 

السؤال التاسع:
قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) ما معنى الخلق؟ وهل هناك خالق غير الله تعالى؟

 

الجواب:
1ـ الخلق يأتي بمعنيين في القرآن الكريم:
آـ أولهما: الخلق بمعنى (التصرف والإيجاد المطلق)، وهذا لله تعالى فقط، والإيجاد من عدم هو فعل الله تعالى فقط، كما خلق تعالى آدم وخلق الماء والروح والتراب وكل الموجودات في الكون.

 

ب ـ وثانيهما: الخلق بمعنى (التصرف والإيجاد المقيّد)، وهذا للبشر؛ لأنه يخلق من موجودات في الكون، وخلقُ البشر هو عبارة عن تصوره لشيء، ثم يخلق هذا الشيء من خامات موجودة فعلاً.

 

2ـ والفرق بين خلق الله تعالى المطلق وخلق البشر المقيّد هو:
آـ أنّ الله تعالى يخلق من عدم، أمّا البشر فيخلق من خامات موجودة في الكون.

 

ب ـ أنّ خلق الله تعالى يتكاثر؛ لأنّ الله تعالى خلق الكائنات وأوجد لها القدرة على التكاثر (تكاثر فردي كالخلايا، وتكاثر زوجي، وغير ذلك)، أمّا خلق الإنسان فليس له قدرة على التكاثر بنفسه، والاستنساخ لا يعتبر خلقاً وإنما هي خلية تتكاثر، والله تعالى هو الذي أعطى هذه الخلية القدرة على التكاثر، وليس البشر.

 

ج ـ خلقُ الله تعالى له القدرة على النمو، فيخلق الإنسان طفلاً ثم يكبر فيصبح شاباً ثم يشيخ ويهرم ثم يموت، فله عمر محدد وأجل مسمى. أمّا خلق البشر فليس له هذه القدرة على النمو، وليس له عمر.
فكلمة (خلق) تطلق على "معنى عام" وهو الخلق من عدم، وهذه قدرة الله تعالى وحده. وتطلق على "معنى خاص" وهو خلق الإنسان المحدود، وهو ليس من عدم، وليس له قدرة على التكاثر ولا النمو.

 

3ـ الله تعالى لديه ما يسمى بـ (الحياة)، وهي تحويل الكائن المادي الصامت الميت إلى حيّ ينمو ويتكاثر، أمّا الإنسان فيخلق تمثالاً، أي: الهيئة فقط، ولهذا قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) في هذه المرحلة الأولى خلَقَ عيسى عليه السلام هيئة الطير ولم يخلق طيراً، وهذه الهيئة صارت طيراً بإذن الله في المرحلة الثانية (فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) فسُمّيَ طيراً لمّا نفخت فيه الروح بإذن الله تعالى.

 

4ـ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﭭ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) [الانفطار: 6-7] خلق تعالى الإنسان أولاً على شكل هيئة، ثم سواه ثم عدله بكل الوظائف الحيوية، وبقي أنْ يجعله في الصورة المناسبة التي اختارها الله تعالى له فقال: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: 8] فنحن الصور، والإنسان الحقيقي هو من أسرار الحياة التي أودعها الله تعالى في الكائنات.

 

5ـ والذي يموت تكون جثته هي صورة الإنسان، أمّا الإنسان الحقيقي فيصعد إلى الله سبحانه. قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] هؤلاء الشهداء والمؤمنون أحياء عند ربهم يرزقون، والكافرون أحياء عند ربهم، لكنهم لا يُرزقون، وإنما يُعذبون بدليل قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46] ونحن نرى أجساد الفراعنة محنطة في المتاحف أمامنا، فالجسد يمر بمراحل تكوينية طينية ثم تعود للتراب، أمّا الإنسان الحقيقي فهو عند الله تعالى.

 

6ـ الهيئة هي الشيء الذي يمكن للإنسان أن يعمله، وتحتاج إلى خلق، لكنه مقيّد على قدرة الانسان، وأودع الله تعالى العقل البشري القدرة على الاستنتاج، أمّا الجنّ وباقي المخلوقات فليس لها قدرة على الاستنتاج، والعلم عند الإنسان تراكمي يمكنه من أن يصنع الشيء من مشاهداته (كالسيارة والطائرة والغواصة).

 

السؤال العاشر:
ما الفرق بين الأفعال: خلق ـ جعل ـ فطر؟

 

الجواب:
خلق:
له دلالتان:
آ ـ إنشاؤه على مثال أراده ربنا فأبدعه سبحانه: الخلق الابتدائي، فيكون خاصاً به سبحانه وتعالى.

 

ب ـ بمعنى التقدير والتصوير، وهذا ليس خاصاً بالله فقط بل مع البشر.
* شواهد قرآنية:
قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].
قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [آل عمران: 49] على لسان عيسى عليه السلام.
وفي خطبة الحجاج قال: (ولا أخلق إلا فريت).

 

جعل: هو ملابسة بشيء آخر بحالة من الحالات، وتكون الحالة مفعولا به ثانياً، كأنْ يكون معه أو به أو له أو فيه.
* شواهد قرآنية:
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) [الأنبياء: 31].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) [الأنبياء: 32].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ) [الإسراء: 12].

 

فطر: هو ابتداء الشيء، وهذا خاصٌ بالله تعالى.
* شواهد قرآنية:
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) [الأنعام: 79].

والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

عيسى عبد الله ورسوله

 

قوله تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﯠ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﯪ) [ آل عمران : 50 ـ51 ]

 

السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى في الآية: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ

 

الجواب:
في هذا الجزء من الآية تمثيل جميل لحاله المسبق، فإنك تعلم أنّ معنى ما بين يديّ أي ما تقدم قبلي، ولكنّ الغريب في هذا الأمر أنّ الكلام يُفهم منه أنه ذو عهد قريب بنزول التوراة، والمعلومُ أنّ بين عيسى عليه السلام ونزول التوراة أزمنة طويلة، لكن استطاعت هذه الصورة أنْ تدل على اتصال العمل بأحكامها حتى مجيء عيسى عليه السلام، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل.

 

السؤال الثاني:
ما الحكمة من زيادة (هو) في آية الزخرف 64 دون آل عمران 51 ومريم36؟ وما دلالة هذه الآية؟

 

الجواب:
1ـ الضمير (هو) هو ضمير الشأن، وهو يستعمل للتوكيد.

 

2ـ في سورتي آل عمران ومريم تقدّم من الآيات الدالة على توحيد الرب سبحانه وقدرته وعبودية المسيح عليه السلام له ما أغنى عن التوكيد، بينما في الزخرف لم يتقدم مثل ذلك، فناسب توكيد انفراده بالربوبية وحده .

 

3 ـ أكّد عيسى عليه السلام في هذه الآية أنه عبدٌ مربوب كسائر البشر، وأنّ الله الذي أدعوكم إليه هو ربي وربكم فاعبدوه.

 

4 ـ وفي هذا براءة من مما ينسبه إليه النصارى في أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، وأكّد بأنّ طريقه : (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).

 

السؤال الثالث:
متى تكتب كلمة (رب) بالكسرة ومتى تكتب بالياء (ربي)؟

 

الجواب:
في سياق الدعاء أو الصفة تكتب (ربِّ) بالكسرة نحو قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا) (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وأمّا في سياق الخبر فتكتب (ربي) بالياء نحو: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) (قَالَ هَذَا رَبِّي) وذلك في جميع القرآن، وخاص برسم المصحف. والله أعلم

 

 
الحواريون

 

قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [ آل عمران : 52 ]

 

السؤال الأول:
ما الفرق بين آية آل عمران 52 (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) وآية المائدة 111 (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

 

الجواب:
1ـ آية آل عمران 52:

 

آـ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) كلمة (منهم) إشارة إلى بني إسرائيل، بعد أن كلّمهم ودعاهم وأظهر لهم المعجزات وطالبوه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه وإبصار الأعمى، وبعد كل هذه المعجزات يفترض من الإنسان أن لا تأخذه العزة بالإثم، وهذه المعجزات كانت ملموسة ومشاهدة من قبل مئات من الناس وليس شخصاً واحداً، ومع ذلك كفروا به وقالوا: هذا سحر، وأنت ساحر، والسحرة يفعلون هذا، فأحسّ عيسى عليه السلام منهم الكفر.

 

ب ـ وعند ذلك توجّه إليهم بالدعوة وبالسؤال: من يناصرني إلى إبلاغ دين الله عزَّ وجلَّ بهذه الشريعة؟ والنصرة تقتضي الجمع (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال الحواريون: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) وكان يمكن أن يكتفوا بقول: (نَحْنُ) وإنما أرادوا أنْ يوضحوا ويبينوا بقولهم نحن أنصار دين الله، فقولهم: أنصار الله، فيه بيان وتأكيد.
والحواريُّ في اللغة هو بمعنى المنقّى المصفّى من الشوائب، كالثوب الأبيض.

 

ج ـ قولهم (آَمَنَّا بِاللَّهِ) ؛ لأنه سألهم من أنصاري إلى الله؟ فقالوا: آمنا بالله الذي تدعوننا لنصرة دينه (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) بصيغة فعل أمر لعيسى عليه السلام بمعنى: (اشهد) علينا أننا مطبقون لشرع الله ولهذا الإيمان، والإيمان لا يظهر في القلب، لكن يصدّقه العمل، والإسلام تطبيق عملي، فنحن نطبق الإيمان عملياً.

 

د ـ الآيات تضمنت تأكيدات: (أَنْصَارُ اللَّهِ)، (آَمَنَّا بِاللَّهِ)، (بِأَنَّا).
و(أنّ) للتوكيد فيها معنى الضم، فقلّل التوكيد حتى يتوصل إلى الإدغام الموحي بصورة الجمع (أنّا)، ولم يقل: (بأننا) ؛ لأن فيها تفريقاً؛ لأن أصلها (أنّ، والتحقت بها: نا).
وعندنا في اللغة الأحرف المشبهة بالفعل نحو: [أنّ، كأنّ، لكنّ].
والحرف (إنّ) منتهٍ بنون مشددة، وعندما تلتحق بها (نا) التي هي للمتكلمين أو المعظِّم لنفسه يكون عندنا (ثلاث نونات)، فأحياناً العرب يخففون بحذف إحدى النونين، فيقولون: [إنّي وإنّك] فهنا يوجد حَذف؛ لأنّ التأكيدات كثرت فخفّف التأكيد، ويُتوصّل عن طريق هذا إلى الإدغام المشعِر بهذا الالتصاق بين أنصار الله، لذا قال: (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ولم يقل: (بأننا) ؛ لأنّ الصورة صورة مناصرة، ويراد لها صفّ واحد وقربٌ والتصاق.

 

2ـ آية المائدة 111:

 

آـ الكلام فيها على الإيمان، وهو إلهام الله عز وجل لهذه الصفوة أنْ تؤمن، وهذه الآية ليس فيها تأكيدات؛ فحوفظ على (أنّ) كاملة حتى يكون فيها التأكيد لإسلامهم مع ضمير المتكلم (نا)، وقوله: (بِأَنَّنَا) آكد من (أنّا) من حيث التأكيد.

 

ب ـ وقوله: (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) فيها التفات؛ لأنه قال: (أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) ولم يقولوا: (مؤمنون) ؛ لأنّ الإيمان لا يظهر، وعيسى عليه السلام يحتاج لمن يظهر له علامة الإيمان، وعلامة الإيمان التطبيق (الإسلام)، والنبي يريد منهم أنْ يظهروا إسلامهم، أي: اشهد أننا مطبقون لهذا الإيمان؛ لأنّ الإيمان يكون ضمناً.

 

السؤال الثاني:
هل قالوا فعلاً هذا الكلام؟

 

الجواب:
هم قالوا مدلول هذا الكلام؛ لأنّ ربنا سبحانه وتعالى حتى لو كان الكلام بغير لسان العرب يترجم أدق الترجمة لكن بأسلوب معجز، وهم لم يتكلموا العربية، فربنا نقل عنهم معنى الكلام تماماً بأسلوبه المعجز كما قالوا، وهذا ما حدث بالفعل، لكنّ الله تعالى نقله لنا بأسلوب معجز.
والله أعلم .

 

 

قوله تعالى : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [ آل عمران : 52 ]

 

السؤال الثالث:
في سورة الصف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [الصف: 14] وفي سورة آل عمران قال تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) وعيسى ينسب النصرة إليه، وهم يقولون: نحن أنصار الله مباشرة، فما دلالة هذا؟ وما الفروق بين الآيتين؟

 

الجواب:
1ـ قوله تعالى في سورة الصف: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) [الصف: 14] بعد أنْ شوقّهم لذكر التجارة، هو من باب الأمر والتكليف، وليس من باب الاختيار والمندوب.
وفي قوله: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) طلبٌ للفعل وليس طلباً للقول، وهذا مناسبٌ لتأنيبه لمن قال ولم يفعل، كما جاء في أول سورة الصف.

 

2ـ قوله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) هو على لسان سيدنا عيسى عليه السلام، وله معنيان:
آ ـ أنا أنصر الله وأنصر دينه، فمن معي في نصرة دين الله؟
ب ـ إنّ الله ينصرني ويؤيدني، فمن يكون معي في نصرة الله إياي؟

 

3 ـ في قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) [محمد: 7] قد جمع المعنيين السابقين.

 

4ـ إنّ الذي قال للحواريين: (مَنْ أَنْصَارِي) هو عيسى عليه السلام، وأمّا القائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فهو الله؛ ليدل ذلك على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته.

 

5ـ المُراد من قوله تعالى: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه؛ لأنّ نصرة الله تعالى في الحقيقة مُحال.

 

6ـ وقوله: (إِلَى اللَّهِ) أي فيما يُقرب إلى الله، وهو كما يُقال: اللهم منك وإليك.

 

7ـ قوله تعالى على لسانهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) ولم يقولوا: (نحن أنصارك) لأنّ الصيغة الأخيرة متعلقة بوجوده، فإذا ذهبَ انفضوا، ولم يقولوا: (سنكون أنصار الله)، بل قالوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: نحن أنصاره الآن، ولذلك قال: (فَأَيَّدْنَا) ؛ وذلك لأنهم قاموا بالنصرة فعلاً فاستحقوا التأييد، وجاء بالفاء الدالة على التعقيب ولم يقل: (ثم أيدنا) الدالة على التراخي.
لذلك فإنّ الصيغة الأولى (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) تدل على الإطلاق، أي: أنهم مع نصرة دين الله سواء كان عيسى عليه السلام موجوداً أو غير موجود.

 

8ـ قال: (فَأَيَّدْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه؛ ليدل على أنّ التأييد منه سبحانه فقط.
والتأييد يحتمل أمرين: التأييد بالحجة فأصبحوا ظاهرين في حجتهم، ويحتمل التأييد بالسيف والغلبة، أي: غالبين.

 

9ـ وعيسى عليه السلام لم يسألهم: من أنصار الله؟ بل سألهم (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) لأنهم كلهم سيقولون ذلك بالإيجاب.

 

10ـ قوله: (إِلَى اللَّهِ) تفيد: من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي، كقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: 2] أي: مضمومة إلى أموالكم.
وفي الحديث الشريف كان  يقول إذا ضحّى: «اللهم منك وإليك» [الدراية 206/2] أي: تقرباً إليك.
وقال الحسن: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل الله؟ و (إلى) بمعنى (في) جائز.

 

11ـ الحواري أصله من الحَوَر، وهو شدة البياض، والحواريون كانوا أنصار عيسى عليه السلام وأعوانه والمخلصين في حبه، وقيل: كانوا قصّارين يبيضون الثياب، وقيل: لأنّ قلوبهم كانت نقية طاهرة، فسموا بذلك مدحاً لهم.

 

12ـ لقد طلب الله من المؤمنين عامة على مر الزمان أنْ يكونوا كالحواريين، ولذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] ولم يقل: يا أصحاب محمد، ولم يقل: كونوا أنصار محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين، ولئلا ترتبط النصرة بشخص النبي محمد.

 

13ـ قول عيسى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) إلماحٌ إلى أنّ رسالته منقطعة، فإنه أضاف الأنصار إليه، وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته.
وأمّا قولُ الله للمؤمنين: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) [الصف: 14] فيدلُّ على أنّ الرسالة دائمة غير منقطعة؛ لأنّ الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين.

 

14ـ قوله تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] متناسبٌ مع النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] فدخلوا في التأييد.

 

15ـ ثم إنّ بشارة المسلمين أعظم، فإنه قال في أتباع عيسى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14] فخصّ ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الصف: 9] وإظهار الدين إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب.

 

16ـ من الملاحظ أنّ عيسى لم يعد أتباعه بشيء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب.

 

17ـ طلبُ عيسى النصرةَ في هذه الآية ونسبته إلى أمه في مكان آخر من السورة يدل على أنّ عيسى عليه السلام بشر وليس ابناً لله، تعالى الله عن ذلك.

 

18ـ ابتدأت سورة الصف بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) [الصف: 4] واختتمت بقوله: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14] ممّا يدل على أنّ عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره، فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط. والله أعلم.

 

السؤال الرابع:
ما دلالة هذه الآية؟

 

الجواب:
1 ـ موضوع سورة آل عمران هو الرسالة، فبعد أن طوت السورة ولادة عيسى وكلامه في المهد، دعا بني إسرائيل إلى التصديق به وإطاعته، وأراهم الآيات المعجزات، فكفروا به، فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر طلب النصرة.

 

2 ـ اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر به في التوراة، فلما أظهر عيسى عليه السلام دعوته، اشتد ذلك عليهم، فأخذوا في أذاه، وكفروا به، وقالوا هذا سحر مبين، وأرادوا قتله، فلمّا استشعر عيسى منهم ذلك طلب النصرة عليهم.

 

3 ـ كان لعيسى عليه السلام طائفة من قومه آمنوا به، وهم الحواريون، وقيل كان عددهم اثني عشر.

 

4 ـ كان جوابهم إيجابياً كما ذكر القرآن: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

 

5 ـ لمّا قام الحواريون بنصرة عيسى عليه السلام، آمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت طائفة أخرى، فاقتتلت الطائفتان، فأيّد الله الطائفة التي آمنت بنصره على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين. والله أعلم.

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الزعم بقتل عيسى عليه السلام وصلبه

قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [ آل عمران : 54 ]

 

السؤال الأول:
ما المكر في هذه الآية؟ ولماذا سماه الله تعالى المكر؟

 

الجواب:
المكر في اللغة معناه التدبير، أنْ يُدبر الشيء ويرتبه. وهو التَّدْبِيرُ المُحْكَمُ الخَفِيُّ - وَغَلَبَ اسْتِعمَالُهُ فِي التَّدْبِيرِ السيئ .

 

قال تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) هم دبّروا والله عزَّ وجل يدبّر وهو خير المدبرين. وهذا يُسمى المشاكلة في الألفاظ وهومن بديع الفصاحة.

 

والمكر من الإنسان: الخبث والدهاء والحيلة . والمكر من الله: أن يجازي العبدَ ويعاقبه على مكره.

 

وقد مكر بنو إسرائيل بعيسى عندما وكّلوا به من يقتله غيلة، فألقى الله شَبَهَه على رجل دلّهم عليه، فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام، حيث َأَرادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ التَّخَلُّصَ مِنْ عِيسَى وَدَعْوَتِهِ، فَوَشَوْا بِهِ إلى مُمَثِّلِ رُومَا فِي فِلَسْطِينَ، وَقَالُوا لَهُ إنَّهُ يُوجَدُ رَجُلٌ يُضِلُّ النَّاسَ، وَيَصْرِفُهُمْ عَنْ طَاعَةِ المَلِكِ، وَيُفْسِدُ الرَّعيَّةَ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الأب وَابْنِهِ، فَبَعَثَ ثُلَّةً مِنَ الجُنْدِ لأخْذِهِ وَصَلْبِهِ، فَلَمَّا أحَاطَ الجُنْدُ بِالبَيْتِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ ظَفِرُوا بِهِ نَجَّاهُ اللهُ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فِي ظُلْمِةِ اللَّيْلِ ظَنُّوهُ المَسِيحَ فَأخَذُوهُ وَصَلَبُوهُ. (وَيُقَالُ إنَّ هذا الشَّخْصَ هُوَ الذِي وَشَى بِالمَسِيحِ وَأرَادَ الدَّلاَلَةَ عَلَيهِ) أمَّا المَسِيحُ فَقَدْ رَفَعَهُ اللهُ إليه وَنَجَّاهُ. وَهكَذا مَكَرَ اللهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَبْطَلَ مَكْرَهُمْ وَكَيْدَهُمْ وَتَدِبِيرَهُمْ.
والله أعلم .

 

( القسم الأول)
هل رُفع عيسى عليه السلام بجسده وروحه؟

 

قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [ آل عمران : 55 ]

 

السؤال الأول:
ما طبيعة وفاة عيسى عليه السلام في هذه الآية؟ كيف يتوفاه الله تعالى مع أننا نقول: أنه حيٌّ لم يُتوفَّ؟

 

الجواب:
1ـ قبل أن نخوض في مسألة عيسى عيه السلام نحتاج إلى تلخيص موجز جداً فنقول: إنّ الحياة هي وعاء للروح، وهذا الوعاء ينكسر بالموت أو القتل، فإذا انكسر الوعاء توفيت الروح أو قُبِضت، وهذه هي الصورة الأولى لانكسار الحياة، والحياة غير الروح، فأنْ يكون الشيء حيّاً ليس شرطاً أن تكون فيه روح.

 

2ـ والصورة الثانية التي تقبض فيها الروح هي صورة النائم، وهو ليس ميّتاً، النائم أُخِذت روحه وقُبِضت، ولكن كل أجهزة جسمه تشتغل، إنما تشتغل بحدود معينة، أمّا روحه فتسرح في ملكوت الله تعالى، ولذا فإنها ترى ما لا يراه وهو يقظان، وأحياناً ترى روح الانسان أشياء يمكن أن يراها في المستقبل، أو تؤوّل كما ورد في القرآن الكريم في سورة يوسف في قضية المَلِكِ وسبع سنبلات، وتأويلها مستقبلي، وفي بعض الأحيان يرى الإنسان شيئاً لو كان يقظان لا يراه وهو يقع في حاله، فروحُ النائم خارج الوعاء والله تعالى يردها إلى الوعاء، ولذلك نتكلم بجوار النائم فلا يسمع لأنّ بعض الأجهزة تكون معطلة مؤقتاً، أمّا سائر الأجهزة كالقلب وضخ الدم والتنفس فكلها تعمل فهو حيّ لكن ليس فيه روح.
وكذلك فإنّ النطفة فيها حياة باتفاق العلماء، لكن ليس فيها روح حتى ينفخ فيها الملك الروح بعد 120 يوماً، وهذه مسألة فقهية.

 

3ـ إذن عندنا صورتان لخروج الروح: إمّا: [بالموت أو القتل]، وإمّا بالنوم.

 

4ـ عيسى عليه السلام وجوده معجزة حقيقة، وُجِد بمعجزة، فمجيء الحياة إليه معجزة ومفارقته الحياة معجزة أيضاً.

 

5ـ لذلك نقول هو صورة ثالثة للوفاة غير (الوفاة إما بانتهاء الحياة أو النوم) فبالنسبة لعيسى عليه السلام قبضت روحه ورُفِع جسمه حيّاً.

 

6ـ لذلك نجد أنّ الوفاة في القرآن جاءت بثلاثة معانٍ؛ هي:
آـ وفاة النوم: قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: 60].
ب ـ وفاة الموت، قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزُّمَر: 42].
ج ـ وفاة الرفع، كما في قوله تعالى: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: 55].
فالوفاة من معانيها الموت، لكن ليس حصراً هذا المعنى، والتوفي: هو قبض الروح، والرفع هو رفع الجسم الحي.

 

7ـ ولمّا رُفِع إلى السماء بجسمه الحيّ وبروحه التي استوفيت وقُبِضت تعود روحه إلى جسمه؛ لأنّ الرسول ﷺ رآه مع سائر الأنبياء بأجسامهم وأرواحهم في رحلة المعراج؛ لأنّ الأنبياء أيضاً رُدّت لهم أرواحهم وأجسادهم. والله أعلم.

 

8ـ وعيسى عليه السلام له خصوصية في عقيدة المسلمين تتمثل في الحياة التي يحياها في السماء، وأنه سيأتي يوم ويتوجّه فيه إلى الأرض، وورد في الأحاديث الصحيحة أنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وكسر الصليب وقتل الخنزير يؤيده الحديث الصحيح الآخر، الذي يقول فيه : «والذي نفسي بيده لو كان موسى بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبِعَنِي» [أخرجه أحمد (14631)، وأبو يعلى (2135)] فعيسى عليه السلام سينزل بدين محمد  وهو أحد أتباع رسول الله ولا ينزل بشريعته هو؛ لأنّ شريعته نُسِخت بشريعة محمد .

 

السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فلِم لم يقل: (ورافعك إليّ) فقط؟

 

الجواب:
(مُتَوَفِّيكَ) بمعنى قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بالموت.

 

السؤال الثالث:
هل هذا أمر منوط بعيسى عليه السلام بحد ذاته، أو هل وردت هذه الكلمة مع غيره؟

 

الجواب:
لننظر إلى الآيات التالية: قوله تعالى:
ـ (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) [الأنعام: 61].
ـ (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: 27].
ـ (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) [النساء: 15]

 

آ ـ التوفي تدل على سحب الروح، فالموت في (يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) [النساء: 15] سبب، والملائكة في (تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) [محمد: 27] سبب، و (رُسُلُنَا) [الأنعام: 61] إيضاح للملائكة.
أي إنّ وسائل الموت هي (ملك الموت، الملائكة، رسلنا، الموت)، وهذا كله وسيلة لقبض الروح، لكنّ المتوفِّي الحقيقي هو الله تعالى الذي يتوفى الأنفس.

 

ب ـ انقضاء الحياة يكون بأحد طريقين، إما بسبب خارجي فيكون قتلاً، وإما بغير سبب خارجي فيكون الموت، فالموت مفارقة الحياة بغير سبب خارجي، والقتل بسبب خارجي.

 

ج ـ علماؤنا اتفقوا على أن التوفي مع عيسى عليه السلام لم يكن نوماً، ونسبوا ذلك إلى ابن عباس، وهذا رأي القرطبي والطبري أيضاً، وفيما نقل عن ابن عباس أنه لم يكن نوماً ولم يكن مفارقة حياة، فهو صورة ثالثة؛ لأن وجوده معجزة. والله أعلم .
 

( القسم الثاني)
 

قوله تعالى  (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [ آل عمران : 55 ]

 

السؤال الرابع:
هل نفهم من الآية أنّ عيسى عليه السلام حيّ عند قراءة هذا التعبير القرآني: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ

 

الجواب:
1ـ قد نفهم - خطأً- من هذا التعبير القرآني: أنه مات ورفعه، التَّوَفِّي: أخذ الروح، والرفع رفع للجسم الحيّ.

 

2ـ ونلاحظ قوله تعالى: (وَمُطَهِّرُكَ) التطهير للروح والبدن حتى لا يمسه أعداؤه بأذى أو بضرر أو بشيء يسيء إليه، فالرفع لجسمه كان لتطهيره من كل أدران الأرض ومن فيها.

 

3ـ وفي قوله تعالى في سورة المائدة: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) هنا اقتصر على كلمة (تَوَفَّيْتَنِي) أي: أخذت روحي. وعندما توفّاه هل أخذ روحه وترك جسمه؟ القرآن يفسر بعضه بعضاً (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهذه تثبت أنها ليست مجرد وفاة، وإنما وفاة ورفع وتطهير.

 

4ـ ورد ذكر اسم عيسى أو المسيح أو ابن مريم حسب الإحصاء في القرآن الكريم في 35 آية، منها ثلاثة مواضع فقط تتعلق بالوفاة، وموضعان فيهما كلمة (تَوَفَّيْتَنِي) و (مُتَوَفِّيكَ) وموضع فيه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) [النساء: 157] والقرآن يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) وأكّد: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وهذا إشارة إلى الرفع.

 

5ـ آية المائدة 117، فيها التوفي فقط، وآية النساء 158 فيها الرفع فقط، وآية آل عمران 55، فيها توفٍّ ورفع وتطهير.

 

السؤال الخامس:
لماذا جاء نداء الله تعالى لعيسى: (يَا عِيسَى) [آل عمران: 55] وليس: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) كما في آية سورة المائدة [110و112و 116]؟

 

الجواب:
جاء النداء في القرآن الكريم لعيسى عليه السلام أربع مرات وعلى الشكل التالي:
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى) مجردة مرة واحدة كما في آل عمران 55.
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) كما في آيتي المائدة 110ـ 116.
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [المائدة: 112] كما في آية المائدة 112، على لسان الحواريين.
فالاسم المجرد له صورتان: (يَاعِيسَى) و (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ).

 

آية آل عمران 55:
النداء من الأعلى للأدنى، فيه نوع من التحبب والتقرب، كما في آية آل عمران 55، حيث مناسبة الوفاة تناسب الرفق بالكلام وتعطي معنى القرب وسيرفعه الله إليه، فناداه بالتقرب (يَاعِيسَى) ولا مجال لذكر أمه هنا.

 

آية المائدة 112:
آ ـ النداء من الأدنى إلى الأعلى، كما في آية المائدة 112، من الحواريين لعيسى عليه السلام فلا يناسب النداء باسمه المجرد، وإلا كان في ذلك قلة احترام وقلة مجاملة، كما تأتي إلى رئيس تناديه باسمه ولقبه، لا بالاسم المجرد فتقول مثلاً: يا صاحب الفخامة.

 

ب ـ في الآية: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) لماذا لم يقل الحواريون مثلاً: يا رسول الله؟ السبب كأنهم يقولون له: نعلم أنك آية من آيات الله، ولذلك قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ولم يقولوا: ربنا، ولمّا قال عيسى عليه السلام: (اتَّقُوا اللَّهَ) قالوا: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) [المائدة: 113].
لذلك قولهم: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) ناسبه أن يقولوا: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) أي: هو آية، وطلبوا عن طريقه آية.

 

آيتا المائدة 110ـ116:
1ـ في آيتي المائدة 110ـ 116 حيث وردت (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) جاء في الآيتين ذكر الأم، فناسب النداء باسم الأم.

 

2ـ الآيتان هما في الآخرة (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) [المائدة: 109] والله يريد أنْ يقيم الحجة على من قالوا: إنه ابن الله أو إنه إله، فذكر أنه عيسى ابن مريم؛ لأنّ الكلام على رؤوس الأشهاد. والله أعلم.

 

السؤال السادس:
ما دلالة قوله تعالى: في الآية (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)؟

 

الجواب:
1ـ التوفي هو قبض الروح، ومعنى الوفاة، أي: تمام الشيء، كاستيفاء المال أو قولك: توفيت مالي فلان، أي: قبضته، ووفَّى فلان عمله، أي: أتمه.

 

2ـ فقوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: إني أنهي عملك عند هذه المرحلة، وإني طالبك إليّ تاماً، أي: جسداً وروحاً؛ لأنك في الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر، لكني سآتي بك إلى مكان تكون خالصاً لي وحدي.
إذن فقول الحق: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) يأتي مستقيماً مع قول الحق: (مُتَوَفِّيكَ) أي: أنّ الله أنهى عمله آنذاك، أي: بعد تمام مهمته ورفعه الله إليه ليطهره من خبث الذين كفروا.

 

3ـ والبعض يظن أن الرفع تبرئة من الموت، لا ؛ لأنّ عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض مرة أخرى في آخر الزمن، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» [صحيح البخاري 3449] وبعد نزوله سيموت مثل باقي البشر.
وسبحان الله القادر، كانت بداية حياته عجيبةً خارقة للنواميس، وسوف تكون نهاية حياته عجيبة كذلك.

 

السؤال السابع:
ما دلالة قوله تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

 

الجواب:
لاحظ في الآية الفعل (اتَّبَعُوكَ) لأنها تدل على أنّ هناك متَّبَعاً، وهناك مُتَّبِعٌ يتلو مُتبِعاً، أي أنّ المتَّبِعَ هو الذي يأتي بعد، فمن الذي جاء من بعد عيسى بمنهجٍ من السماء؟ إنه محمدٌ صلى الله عليه وسلم وهو على نفس المنهج الذي بلّغه عيسى عليه السلام، لا على المنهج المحرف الذي قام أهل الكتاب بتحريفه.
لقد جاء الرسول الكريم ليصحح الوضع المحرّف ويبلّغ المنهج كما أراده الله، لذلك فالفوقية في الآية ليست هنا بمعنى (فوق) أي: الغلبة والنصر، ولكنها فوقية ظهور برهانٍ وحجةٍ ودليل، وهل هناك من فوقية أكثر !!!، وهناك في الآية كلمة (فَوْقَ) وكلمة (كَفَرُوا) وهناك أتباع، إذن هناك قضية وخصومة، وهناك حق وهناك باطل، فلا بد من الفصل في هذه القضية.
ثم بعد ذلك يأتي الفصل يوم القيامة، ويكون عندها المرجع إلى الله تعالى ليحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، وفي يوم القيامة لن تكون هناك إرادات للبشر والمخلوقات إلا إرادة الله الواحد القهار.
والله أعلم .

 

السؤال الثامن:
ما أهم التعليقات البيانية على آية آل عمران (55) ؟

 

الجواب:
1ـ الحياة غير الروح، فالنطفة فيها حياة لكنْ ليس فيها روح حتى ينفخ فيها المَلَكُ الروح بعد 120 يوماً، كما جاء في الحديث.

 

2ـ والنائم ليس ميتاً، مع أنّ روحه مقبوضة تسرح في ملكوت الله تعالى، لذا ترى ما لا يراه اليقظان.

 

3ـ هناك ثلاث صور لمفارقة الروح الجسد، إمّا بالموت أو القتل، وإمّا بالنوم، وإمّا بالرفع كما حصل لعيسى عليه السلام، وهو نبي وُجد بمعجزة وفارق الحياة بمعجزة، وسوف ينزل في آخر الدنيا كما ورد في الأحاديث الصحيحة فيكسر الصليب ويقتل الخنزير اتباعاً لمنهج الإسلام، ثم يموت كما يموت الناس.

 

4ـ كلمة التَّوَفِّي في القرآن في غير آية آل عمران تدل على سحب الروح بالموت، كما في قوله تعالى: (يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) [النساء: 15] (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) [الأنعام: 61] سواء بالموت أو القتل.

 

5ـ قوله تعالى: (مُتَوَفِّيكَ) أي: ينبغي عليه أن يغادر الدنيا بالوفاة، وهذا الأمر ليس من عنده بل من الله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) والله لا يعجزه شيء.
واتفق العلماء على أنّ وفاته لم تكن نوماً ولا مفارقة حياة، وإنما بصورة ثالثة معجزة ـ بالرفع ـ .
والمتوفي الحقيقي هو الله تعالى، وأما الباقي [ملك الموت ـ الملائكة ـ رسلنا] فمظاهر وأسباب.

 

6ـ التوفي تعني أخذ الروح، والرفع رفعٌ بالجسم الحي، فلما قال: (مُتَوَفِّيكَ) يعني قبض الروح، ولما قال: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: رفعاً بالجسم الحي.

 

7ـ قوله تعالى: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) التطهير للروح والبدن حتى لا يمسه أعداؤه بأذى أو بضرر، لذلك كان الرفع للجسم لتطهيره من كل أدران الأرض ومن فيها.

 

8ـ ورد اسم عيسى عليه السلام أو المسيح أو ابن مريم في القرآن (35) مرة، منها ثلاثة مواضع فقط تتعلق بالوفاة.

 

آ ـ موضع فيه (تَوَفَّيْتَنِي) [المائدة: 117] فيها التوفي فقط.

 

ب ـ موضع فيه (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ) [آل عمران: 55] فيها توفٍّ ورفع وتطهير.

 

ج ـ موضع فيه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 157-158] وفيها إشارة إلى الرفع. والله أعلم.


 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
[ آل عمران : 56ـ 57 ]

السؤال الأول:

 

في الآية (56 ) عندما تحدّث عن الكفار قال: (فَأُعَذِّبُهُمْ) بصيغة الحاضر، وعندما تحّدث عن المؤمنين في الآية (57 ) قال: (فَيُوَفِّيهِمْ) بصيغة الغائب ولم يقل: (فأوفيهم) والعمل كله لله تعالى، فلماذا قال في الأولى: (فَأُعَذِّبُهُمْ) وفي الثانية: (فَيُوَفِّيهِمْ

 

الجواب:

 

1ـ بدأت الآية السابقة رقم (55) بقوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) وكلمة (قال) هي للغائب، ولكن حينما نسمع (إِذْ قَالَ اللَّهُ) الله عزّ وجل حاضرٌ في القلب دائماً فهو حاضرٌ في قلبك، فصار عندنا: قال للغائب، والله حاضرٌ، فلوّنت العبادة بين غائب وحاضر.

وقوله تعالى: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) لفظة (إنّي) هنا للإفراد؛ لأنّ هذا أمرٌ لا يُنسب إلا لله عزّ وجل.

 

2ـ الآية (56 ) فيها حضورُ المتكلم، والسامعُ يستشعر الحضورَ كذلك، فقال: (فَأُعَذِّبُهُمْ) ؛ لأنّ العذاب هو في الدنيا والآخرة كما في نص الآية (فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) إضافة إلى أنه ليس لهم ناصر.
والآية (56 ) هي في سياق كلام الله سبحانه عن نفسه، انظر الآية (55 ) ، فناسب إسناد التعذيب إلى نفسه جرياً مع سياق الحديث عن النفس.

 

3ـ الآية (57 😞 هذه الآية فيها بُعدٌ عن الآية الأولى، وهي في مقام الالتفات إلى الغائب، وبدأت بعبارة أخرى (وَأَمَّا) ولم يقل:(وَالَّذِينَ آَمَنُوا) مباشرة. وجاء الفعل بصيغة المضارع (فَيُوَفِّيهِمْ) لأنّ:

 

آ ـ الأجور تدفع بعد انتهاء العمل وليس قبله، إذن الأمر غائب.

ب ـ جاء الفعل (فَيُوَفِّيهِمْ) بالغائب ليتناسب مع غيبة الأجور.

 

4ـ جاء ختام الآية في الغيبة فقال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ولم يقل: أحبُّ، ولم يَرِدْ فعل الحب من الله تعالى في القرآن إثباتاً أو نفياً مسنداً إلى ضمير المتكلم (أنا) فلا يقول مثلاً: أنا لا أحب الظالمين، أو: أنا أحب الصابرين، وإنما يسند ذلك في الأغلب إلى لفظ الجلالة أو إلى الضمير فيقول: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأنعام: 141] (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف: 55].

 

5ـ في الآيتين تنوعٌ وتلوينٌ في الانتقال من الحاضر للغيبة ومن الإفراد إلى الجمع، وهو المناسب وليس الاستمرار بالحديث عن النفس.

 

6ـ هناك قراءة أخرى لشُعبة عن عاصم (فَنُوَفِّيهم) أي: للتعظيم؛ لأنّ وفاء هذا الأجر يكون له عظمة، وهذه القراءة تمهد للآية التي بعدها (ذَلِكَ نَتْلُوهُ) أيضاً بالجمع والتعظيم. والله أعلم.
 

قوله تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) [ آل عمران :58 ]

 

السؤال الأول:
ما دلالة لفظة (عَلَيْكَ) في الآية؟

 

الجواب:
انظر إلى الأَبْعاد التي تحملها كلمة (عَلَيْكَ) :
فأولاً: فيها تشريفُ الخطاب من الله العظيم بدلالة نون العظمة في (نَتْلُوهُ) .
وثانياً: تجد إيراد هذه الكلمة (عَلَيْكَ) تصديقاً لدعوى الرسالة ، وآية من آيات صدق النبوة، إذ أنه لم يكن يعلم ذلك.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة (الْحَكِيمِ) في وصف الذكر؟

 

الجواب:
(الحكيم) لها أكثرُ من دلالة، إمّا أن تكون من الحُكم أو من الحِكمة، و (الحكيم) قد تكون اسم مفعول بمعنى مُحْكَم، لأنّ فعيل بمعنى مفعول، مثل قتيل بمعنى مقتول ، وحكيم بمعنى مُحكم. قال تعالى: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) وقال في سورة هود: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1] يعني: مُحكم.
والله أعلم



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

(القسم الأول)

إبطال ألوهية عيسى عليه السلام

 

قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ آل عمران :59 ]

 

السؤال الأول:
في الآيات السابقة، ثمَّ في هذه الآية، يوجد تنويعٌ بين الغيبة والحضور والتعظيم وعدم التعظيم، والجمع والإفراد، فما دلالة ذلك؟

 

الجواب:
في قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59] رَجَعَ إلى الإفراد.
ولاحظ الغيبةَ والحضورَ والتعظيم وعدم التعظيم كلٌ في موضعه؛ لأنّ هنا (خَلَقَهُ) [آل عمران: 59] الخلقُ هنا إفرادٌ لعيسى أو لآدم، وهذا التنويعُ هو نوعٌ من إراحة القراءة ويرتاح فيه القارئ: مرة مفرد ومرة جمع، مرة يتحدث عن نفسه ومرة غائب، وفي كلٍّ يُراد به واحد من هذا التلوين، لذلك نجد أنّ كل كلمة جاءت في موضعها.

 

السؤال الثاني:
ما دلالة المثلية في الآية بين [آدم وعيسى] عليهما السلام؟ وهل هناك لطائف عددية في هذه المثلية؟

 

الجواب:
الآية تبين المثلية في الخلق لآدم وعيسى عليهما السلام فكلاهما بدون أب، وقوله تعالى: (مَثَلَ) أي صفة عيسى عليه السلام كصفة آدم عليه السلام.
وهنا نبين وجوهاً أخرى من المثلية التي ذكرها الله في آية آل عمران (59 )، وهذه المثلية هي المثلية العددية.

 

1ـ تكرر اسم آدم وعيسى عليهما السلام في القرآن الكريم بالتساوي 25 مرة، وذلك حسب الجدول التالي:

 

مسلسل الرسول السورة رقم الآية الرسول السورة رقم الآية
1 آدم البقرة 31 عيسى البقرة 87
2 آدم البقرة 33 عيسى البقرة 136
3 آدم البقرة 34 عيسى البقرة 253
4 آدم البقرة 35 عيسى آل عمران 45
5 آدم البقرة 37 عيسى آل عمران 52
6 آدم آل عمران 33 عيسى آل عمران 55
7 آدم آل عمران 59 عيسى آل عمران 59
8 آدم المائدة 37 عيسى آل عمران 84
9 آدم الأعراف 11 عيسى النساء 157
10 آدم الأعراف 11 عيسى النساء 163
11 آدم الأعراف 27 عيسى النساء 171
12 آدم الأعراف 31 عيسى المائدة 46
13 آدم الأعراف 35 عيسى المائدة 78
14 آدم الأعراف 172 عيسى المائدة 110
15 آدم الأعراف 61 عيسى المائدة 112
16 آدم الإسراء 61 عيسى المائدة 114
17 آدم الإسراء 70 عيسى المائدة 116
18 آدم الكهف 50 عيسى الأنعام 85
19 آدم مريم 58 عيسى مريم 34
20 آدم طه 115 عيسى الأحزاب 7
21 آدم طه 116 عيسى الشورى 13
22 آدم طه 117 عيسى الزخرف 63
23 آدم طه 120 عيسى الحديد 63
24 آدم طه 121 عيسى الصف 6
25 آدم يس 60 عيسى الصف 14

 

 

الملاحظات:

 

آ ـ في الرقم المتسلسل 7 يوجد التماثل الأول حيث جمعت الآية (59) من سورة آل عمران الاسمين معاً، أي: نفس الآية ونفس السورة.

 

ب ـ في الرقم المتسلسل (19) يوجد التماثل الثاني، حيث ذُكر الاسمان في نفس السورة وليس في نفس الآية.

 

ج ـ مجموع عدد الآيات للسور ابتداء من سورة آل عمران، وهي بدء التماثل الأول إلى بداية سورة مريم، وهو بدء التماثل الثاني، يساوي (1957).

 

د ـ مجموع عدد الآيات ابتداء من الآية (59) من سورة آل عمران، بدء التماثل الأول، إلى الآية (58) من سورة مريم، بدء التماثل الثاني يساوي أيضاً(1957).

 

 

انظر الجدول التالي:

 
السورة عدد الآيات عدد الآيات من الآية 59 من آل عمران
آل عمران 200 142، أي [200ـ 58]
النساء 176 176
المائدة 120 120
الأنعام 165 165
الأعراف 206 206
الأنفال 75 75
التوبة 129 129
يونس 109 109
هود 123 123
يوسف 111 111
الرعد 43 43
إبراهيم 52 52
الحجر 99 99
النمل 128 128
الإسراء 111 111
الكهف 110 110
مريم بدء التماثل الثاني 58
المجموع 1957 1957

الرقم 1957= 19× 103

 

2ـ ترتيب سورة مريم (19)، وفيها ورد التكرار(19) لاسم عيسى، والتكرار (19) لاسم آدم، أي:

 

رقم التكرار الاسم الآية
19 آدم 58
19 عيسى 34

 

والفرق بين الآيتين ابتداء من 34إلى نهاية 58 يساوي 25 ويساوي تكرار اسم [آدم وعيسى] على رسولنا وعليهما الصلاة والسلام. والله أعلم .

 

(القسم الثاني)

قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ آل عمران :59 ]

 

السؤال الثالث:
في الآية إشكالٌ لنا في بنيتها، وهو أنه تعالى قال: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59] فهذا يقتضي أن يكون خَلْقُ آدم متقدماً على قول الله (كن) وذلك غير جائز؟

 

الجواب:
الجواب هو من وجوه:

 

آـ الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علمِ الله تعالى بكيفية وقوعه على الوجه المخصوص، وكلُ ذلك متقدمٌ على وجود آدم عليه السلام تقدماً من الأزل إلى الأبد.
وأمّا قوله تعالى: (كُنْ) فهو عبارة عن إدخاله في الوجود، فثبت أنّ خلق آدم متقدمٌ على قوله: (كُنْ).

 

ب ـ أنه تعالى خلقه من الطين، ثم قال له: (كُنْ) أي: أحياه، لذلك فالضمير في قوله تعالى: (خَلَقَهُ) راجع إلى آدم حين كان تراباً، وهذا الهيكل سيصير (آدم) تسميةً لما سيقع بالواقع.

 

ج ـ (خَلَقَهُ) بتقدير صيّره الله خلقاً سوياً، ثم يخبرنا الله: أني إنما خلقته بأنْ قلتُ له: (كن).

 

د ـ تأويل قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) أي: فكان بشراً كاملاً روحاً وجسداً، وعبّر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في (فَيَكُونُ) حكايةً للحال وتصويراً لها، وإشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف، وتنبيهاً على أنّ هذا الشأن يتجدد مع كل مرادٍ ولا يتخلف عن مراد الآمر أصلاً. والله أعلم

 

السؤال الرابع:
ما دلالة استعمال لفظة (تُرَابٍ) في آية آل عمران (59)، واستعمال لفظة (طين) في آية آل عمران (49) ؟

 

الجواب:
إنما عَدَلَ عن (الطين) الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذِكرِ (التراب) فقط في الآية (59) لمعنى لطيف، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما لمّا كان المقصودُ مقابلة من ادّعى في المسيح الألوهية فأتى بما يُصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظة (التراب) أمسّ في المعنى من غيره من العناصر.

 

ولمّا أراد الله سبحانه الامتنان على بني إسرائيل، أخبر الله سبحانه عيسى عليه السلام أنْ يخلقَ لهم من الطين كهيئة الطير، تعظيماً لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به.

 

وفي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ...) إنْ قلتَ: كيف قاله وآدمُ خُلق من التراب، وعيسى من الهواء، وآدمُ خُلق من غير أب وأم، وعيسى خُلق من أم؟ قلتُ: المرادُ تشبيهه به في الوجود بغير أبٍ، والتشبيهُ لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه. والله أعلم .

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×