اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

وقفات مع قاعدة قرآنية (يزن الغانم)

المشاركات التي تم ترشيحها

وقفات مع القاعدة القرآنية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20]

 

يزن الغانم


بسم الله الرحمن الرحيم 

المقدمة:
فإن هذه القاعدة هي من أعظم قواعد القرآن، وقد جاء ذكرها كثيرًا، وهذه وقفات وتأملات في هذه القاعدة، والله أسأل أن ينفع بها.

الوقفة الأولى:
في دلالة الآية على قدرت الله تعالى الشاملة والكاملة على كل شيء، فلا يعجزه شيء - سبحانه - فهو الذي على كل شيء قدير.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26].
قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20] لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك.

الوقفة الثانية:
إذا علم العبد أن الله على كل شيء قدير، فيوجب له ذلك أن يتوكل عليه و أن يستعين به وأن يوفض أمره إليه، وأن يتبرأ من حوله وقوته إلى حول وقوة من هو على كل شيء قدير.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].

الوقفة الثالثة:
ينبغي التسليم فيما تحار فيه العقول ومن ذلك أمور الغيب في الآخرة والبرزخ وعذاب القبر وقوانين هذه العوالم، فإنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 17].

الوقفة الرابعة:
في أن العبد إذا علم أن الله على كل شيء قدير فيحمله ذلك على رجائه وحسن ظنه بربه، وأنه سبحانه قادر على إيصال الخير إلى عبده وأمته من حيث لا يحتسب.
ومن ذلك قوله تعالى، عن مريم عليها السلام عند سؤال زكريا: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [آل عمران: 37].

الوقفة الخامسة:
إذا علم الناس أن الله على كل شيء قدير فيوجب لهم ذلك الخوف منه وعدم الأمن من مكره وعقابه، ومن ذلك قوله تعالى عن أهل النفاق: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20].
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير. تفسير ابن كثير(606/3).

الوقفة السادسة:
في أن الآية تحمل العباد على تعظيمه سبحانه وتعالى، قال سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 189].

الوقفة السابعة:
في دلالة الآية في إثبات القدر و الرد على فرقة الجبرية الذين يقولون أن العبد مجبر على فعله، والله قد جعل العبد مختار فهو القادر على كل شيء، وفيها أيضا الرد على القدرية الذين ينفون مشيئة الله الشاملة، وأن كل شيء بأمره ومشيئته.
قال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

الوقفة الثامنة:
في دلالة الآية على إثبات الآيات والمعجزات والكرامات وخوارق العادات التي يجريها الله على أيدي رسله وأوليائه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259].

الوقفة التاسعة:
في دلالة الآية على كمال الله سبحانه وتعالى وكمال صفاته، وأنه له الحمد كله.
قال تعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التغابن: 1].

الوقفة العاشرة:
مسألة: هل يقال: إن الله على كل شيء قدير، أو يقال: إن الله على ما يشاء قدير.

وقد سُئل في ذلك العلامة ابن عثيمين - رحمه الله تعالى -:

السؤال: ما حكم قول الإنسان: «إن الله على ما يشاء قدير» عند ختم الدعاء ونحوه؟
الإجابة: هذا لا ينبغي لوجوه: الأول: أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلك بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 20]، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 106]، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 107]، فعمم في القدرة كما عمم في الملك، وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 17]، فعمم في الملك والقدرة، وخص الخلق بالمشيئة لأن الخلق فعل، والفعل لا يكون إلا بالمشيئة. أما القدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء وما لم يشأه، لكن ما شاءه سبحانه وقع وما لم يشأه لم يقع والآيات في ذلك كثيرة.

الثاني: أن تقييد القدرة بالمشيئة خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فقد قال الله عنهم: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8]، ولم يقولوا: "إنك على ما تشاء قدير"، وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علمًا وأقوم عملًا.

الثالث: أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه الله تعالى فقط، لاسيما وأن ذلك التقييد يؤتى به في الغالب سابقًا حيث يقال: "على ما يشاء قدير" وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يُعلم ذلك في تقرير علماء البلاغة وشواهده من الكتاب والسنة واللغة، وإذا خصت قدرة الله تعالى بما يشاؤه كان ذلك نقصًا في مدلولها وقصرًا لها عن عمومها، فتكون قدرة الله تعالى ناقصة حيث انحصرت فيما يشاؤه، وهو خلاف الواقع فإن قدرة الله تعالى عامة فيما يشاؤه وما لم يشأه، لكن ما شاءه فلابد من وقوعه، وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه.

فإذا تبين أن وصف الله تعالى بالقدرة لا يُقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلك لا يعارضه قول الله تعالى: ﴿ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾ [الشورى: 29]، فإن المقيد هنا بالمشيئة هو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أن الله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره، ويقيده بالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 25، 26]، فلما طلبوا الإتيان بآبائهم تحديًا وإنكارًا لما يجب الإيمان به من البعث، بين الله تعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحدي هؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 7 - 9]. والحاصل أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ﴾ [الشورى: 29] لا يعارض ما قررناه من قبل؛ لأن القيد بالمشيئة ليس عائدًا إلى القدرة وإنما يعود إلى الجمع. وكذلك لا يعارضه ما ثبت في "صحيح مسلم" في كتاب الإيمان، في باب: آخر أهل النار خروجًا من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آخر من يدخل الجنة رجل .. » فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قال للرجل: « إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر» وذلك لأن القدرة في هذا الحديث ذكرت لتقرير أمر واقع، والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكر الصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلًا وأبدًا، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل: "قادر" دون الصفة المشبهة: "قدير" وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أو يستبعده فقيل له في تقريره: "إن الله على ما يشاء قادر" فلا حرج في ذلك، وما زال الناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا: "قادر على ما يشاء"، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلا تقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة لأن الواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه، والله سبحانه أعلم.

مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين" (المجلد الأول - باب المناهي اللفظية).

الخاتمة:
هذه القاعدة ينبغي استحضارها في كثير من المواطن فهي توجب لأهل الإيمان التوكل على الله وحسن الظن به وتعظيمه وخوفه ورجائه والاستسلام له والتعلق به وحده لا إله إلا هو، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

صيد الفوائد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 

بسم الله والحمد لله، أما بعد: فإن من أعظم ما جاء في القرآن ذكر الأسماء الحسنى والصفات العلا لله سبحانه وتعالى، ومن ذلك القاعدة القرآنية، في قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

 

هذه وقفات مهمة على منهج أهل السنة.

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على نفي المثيل والنظير لله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]؛ أي: لا في أسمائه ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، تبارك وتعالى.

 

وعن عبدالله بن مسعودٍ: قال رجلٌ: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله ندًّا وهو خلَقك)؛ رواه البخاري ومسلم.

 

ندًّا: قال أهل العلم: (ندًّا) بكسر النون وتشديد الدال؛ أي: مثلًا ونظيرًا.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية في إثبات الصفات لله تعالى؛ قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات؛ انتهى.

 

وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [النحل: 60]، المثل الأعلى: هو كل صفة كمال لله تعالى.

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على قطع الطمع عن إدراك كيفية الصفات لله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].

 

والقاعدة في ذلك ما تلقاه العلماء وأهل السنة عن الإمام مالك رحمه الله لَما سُئل عن الاستواء، قال: (الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، وهكذا في جميع الصفات فالكيف مجهول لنا.

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية أن الواجب نفي التشبيه عنه سبحانه، ثم إثبات الصفات له تعالى، وهذا على عكس طريقة أهل البدع ممن ينفي الصفات؛ لأنهم يقعون في التشبيه أولًا في أنفسهم ثم يعطلون ثانيًا، وهذا عكس منهج القرآن من نفي التشبيه ثم الإثبات؛ الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.

 

الوقفة الخامسة:

في دلالة الآية على أنه سبحانه السميع البصير؛ ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ ﴾ لجميع الأصوات على اختلاف اللغات وتفنن الحاجات، ﴿ الْبَصِيرُ ﴾ يبصر كل شيء صغُر أو كبُر، ويرى دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء.

 

الوقفة السادسة:

أن تماثل المسميات لا يعني تماثل المسمى به، وفي ذلك يقول العلامة الأمين الشنقيطي: ووصف نفسه بالسمع والبصر في غير ما آية من كتابه، قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: 75]، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ووصف بعض الحوادث بالسمع والبصر؛ قال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 2]، ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ [مريم: 38].

 

ونحن لا نشك أن ما في القرآن حق، فله جل وعل سمع وبصر حقيقيان لائقان بجلاله وكماله، كما أن للمخلوق سمعًا وبصرًا حقيقين مناسبين لحاله من فقره وفنائه وعجزه، وبين سمع وبصر الخالق وسمع وبصر المخلوق من المخالفة كمثل ما بين ذات الخالق والمخلوق؛ منهج دراسة لآيات الأسماء والصفات (ص،٥).

 

الوقفة السابعة:

في دلالة الآية في الرد على المشبهة والممثِّلة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، وذلك في قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾.

 

الوقفة الثامنة:

في دلالة الآية في الرد على المعطِّلة والذين ينفون الصفات عن الله تعالى، وذلك في قوله: ﴿ وهو السميع البصير ﴾.

 

الخاتمة:

إن هذه الآية على وجازتها هي قاعدة عظيمة وكافية، ويؤخذ منها مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات لله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾

 

بسم الله والحمد لله؛ أما بعد:

فهذه وقفات مع القاعدة القرآنية في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29].

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وعلى سعة وكثرة ما أحلَّ الله لعباده، وأن ما حرمه هو الضار، وهو قليل معدود، وما أحله كثير لا يُحصى.

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: "وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن تحريمها أيضًا يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث؛ تنزيهًا لنا".

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على فضل الله ورحمته على الناس، في أنه خلق لهم وسخر لهم ما في الأرض جميعًا، وذلك كله من أجلهم.

قال الإمام الطبري: "فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا؛ لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع.

وعن قتادة: قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾، نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض"؛ [تفسير الطبري (227/1)].

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق في أن يُفرَد بالعبادة؛ لأنه هو المنعم وحده، وهو الخالق وحده، وهو المتفضل وحده.

 

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

"وقيل: إنه دليل على التوحيد والاعتبار، قلت: وهذا هو الصحيح"؛ [الجامع لأحكام القرآن (174/1)].

 

الخاتمة:

حاصل الآية أنها تحكي سعة رحمة الله وسعة فضله وجوده على عباده، وأنه هو الرب المستحق للعبادة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

 

 

بسم الله والحمد لله، وبعد:

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن الله سبحانه لم يعطِ الناس من العلم إلا مقدارًا قليلًا، وذلك بالنسبة إلى علمه تعالى؛ قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: وإنما معنى الكلام: وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلًا من كثير مما يعلم الله؛ جامع البيان (١٤٣/١٣).

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أن الأصل في الإنسان الجهل؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [النحل: 78].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم...)؛ صحيح الجامع.

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على سعة علم الله تعالى؛ عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه، فقمتُ فلما انْجلى عنه، قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]؛ رواه البخاري.

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية على أن الفضل لله وحده، فهو الذي علم ويسَّر أسباب العلم، وهو الذي أعطى أدوات التعلم، وهذا يحمل العبد على التواضع وعدم الغرور؛ قال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها وفضلها، ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة؛ تيسير الكريم الرحمن (٤٤٥/١٤).

 

الوقفة الخامسة:

في دلالة الآية على عظمة الله تعالى وعظمة علمه سبحانه؛ قال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها ما شاء من خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها.

 

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة، إلا يعلمها.

 

﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات.

 

﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾هذا عموم بعد خصوص ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وهو اللوح المحفوظ، قد حواها، واشتمل عليها، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته، في أوصافه كلها، وأن الخلق - من أولهم إلى آخرهم - لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته، لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد، المحيط، وجل مِنْ إله، لا يُحصي أحد ثناءً عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث.

 

الوقفة السادسة:

في دلالة الآية على قصور علم العبد، وأن عليه أن يكل ما يجهله إلى علم الله تعالى؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الواجب على كل مؤمن أن يكل ما أشكَل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليمًا، وأنه لو اعترض على ذي صنعة أو علم من العلوم التي استنبطتها معاول الأفكار، ولم يحط علمًا بتلك الصناعة والعلم، لأزرى على نفسه، وأضحك صاحبَ تلك الصناعة والعلم على عقله؛ مفتاح دار السعادة (271/2).

 

الوقفة السابعة:

في دلالة الآية على وجوب التسليم للعليم الحكيم في مسائل الشرع والأمر والنهي، والقضاء والقدر والتعليل.

وذكر جل ذكره قول الملائكة الكرام: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32].

قال أهل التفسير: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك.

 

﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾بوجه من الوجوه ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ إياه، فضلًا منك وجودًا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾العليم الذي أحاط علمًا بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون، ولا شك أن العباد يتفاوتون في العلم، فكم بين الله وبين عبده من سعة في العلم!

 

الوقفة الثامنة:

في دلالة الآية على أن العبد عليه أن يستعين بالله تعالى في طلبه للعلم، فهو سبحانه الذي يؤتي العلم وييسر أسبابه، فقد قال سبحانه لأعلم الخلق صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، وقال: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5].

 

الوقفة التاسعة:

في عموم الآية، فتشمل العلوم الشرعية والعلوم الكونية، وأن العباد لم يؤتوا من ذلك إلا القليل منها.

 

الخاتمة:

هذه الآية العظيمة تحمِل العباد على التواضع وتعظيم الله تعالى، والتسليم له، وأنه العليم الحكيم الذي وسع علمه كل شيء، فلا يخفى عليه خافية؛ قال تعالى في كتابه: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].

 

وقال: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر: 7].

 

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزِدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾

 

المقدمة في ذكر القاعدة القرآنية:

بسم الله والحمد لله؛ أما بعد:

لما كان الإنسان لا يسَعُ الناس بإحسانه من جهة ماله، مهما كان عنده من المال - أمره تعالى بالإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول؛ فقال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، فهذه القاعدة على وجازتها، فإنها تضبط أقوال العبد في كلامه مع الناس، فلا يخرج من لسانه إلا الخير والكلمة الطيبة.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن العبد عليه أن يقول القول الحسن، فيدخل في ذلك كل كلمة طيبة في التعامل مع الخَلْقِ؛ من الوالدين والأزواج والأولاد والإخوان والمؤمنين، وعموم الناس، حتى مع الكفار، ومن القول الحسن أيضًا الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس العلم، وبذل النصيحة، والسلام مع البشاشة، وطريقة التخاطب العادي بين الناس، وغير ذلك من كل كلام طيب؛ قال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾: أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف؛ كما قال الحسن البصري في قوله: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾: فالحسن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حُسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله"؛ [تفسير القرآن العظيم (145/1)].

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية في النهي عن قول السوء؛ لأن من لازم القول الحسن اجتناب قول السوء، فيدخل في ذلك كل قول قبيح؛ من شتم وفحش وبذاءة، ولعن ومخاصمة، ونميمة وغيبة وكذب، ودعوة إلى منكر، حتى ما يكون فيه أدنى أذية للناس، وغير ذلك من كل كلام باطل وقبيح؛ قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: "فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46]"؛ [تفسير السعدي (57/1)].

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية في اختيار ما هو أحسن من الأقوال، فإن الآية تأمر بالقول الحسن، وكل ما كان القول أكمل في الحسن فهو أولى، فإنه إذا كان هناك قولان حسنان فينبغي اختيار أحسنهما؛ قال العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى في تعليقه على الآية في قوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الإسراء: 53]: "وأفاد قوله تعالى: ﴿ أَحْسَنُ ﴾ بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام"؛ [مجالس التذكير، (ص: 152)].

 

الخاتمة:

فحاصل هذه الوقفات اجتناب الكلام السيئ جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن.

 

وعلى العبد أن يسعى في التزام القول الحسن، ويراقب الله في أقواله؛ ليفوز بالجنة وينجو من النار وسخط الجبار، ويدعو فإن الدعاء من أعظم أسباب التوفيق والهداية.

 

فاللهم اهدنا لأحسن الأقوال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية
{وَٱلَّذِينَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ يسرِفُوا۟ وَلَمۡ يقتُرُوا۟ وَكَانَ بينَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَاما}

 

يزن الغانم


بسم الله الرحمن الرحيم 
 

المقدمة:
الحمد لله ،والصلاة والسلام على رسوله،وبعد، فإن ميزان الإنفاق قد بينه تعالى في كتابه أحسن بيان،وأوفى إيجاز. وأن الناس في ذلك على ثلاثة أصناف. قال تعالى:{وَٱلَّذِينَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ يسرِفُوا۟ وَلَمۡ يقتُرُوا۟ وَكَانَ بينَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَاما} [سورة الفرقان ٦٧].

الوقفة الأولى : في دلالة الآية، في النهي عن الإسراف،في جميع صوره وأشكاله،ويكون ذلك في الزيادة على القدر الكافي في المآكل والمشارب أو اللباس أو زيادة الترفه أو بتجاوز الحلال إلى الحرام في النفقة. قال تعالى:{ {يبَنى ءَادَمَ خُذُوا۟ زِنَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسجِد وَكُلُوا۟ وَٱشرَبُوا۟ وَلَا تُسرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا يحِبُّ ٱلمُسرِفِرنَ} } [سورة الأعراف ٣١]. قال العلامة السعدي في تفسيره على قوله تعالى:﴿ {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ﴾ فإن السرف يبغضه اللّه، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن تركهما، وعن الإسراف فيهما.

الوقفة الثانية: في دلالة الآية، في النهي عن الإقتار، وهو البخل والشح ومنع الحقوق الواجبة والمستحبة في النفقات. وجاء في تفسير الإمام الطبري، على هذه الآية،عن ابن عباس, قوله: ( {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ) قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقون في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى. وذكر أيضا ،عن عمر مولى غُفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو؟ قال: كلّ شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف. وقال آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحدّ، والإقتار: التقصير عن الذي لا بدّ منه.

الوقفة الثالثة: في دلالة الآية، على القوامة في النفقة وهو الاعتدال فيها ،وهو الوسط بين الإسراف والإقتار. قال تعالى:{ {وَلَا تَجعَلۡ يدَكَ مَغلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبسُطهَا كُلَّ ٱلبَسطِ فَتَقعُدَ مَلُوما مَّحسُورًا} } [سورة الإسراء ٢٩]. وذكر الإمام الطبري في تفسيره على الآية{ {وَكَانَ بَينَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَاما} }. عن عمر مولى غُفْرة،قال: قلت له: ما القوام؟ قال: القوام: أن لا تنفق في غير حقّ، ولا تمسك عن حقّ هو عليك. الخاتمة: حاصل ما تقدم أن الإمساك حيث ينبغي البذل بخل ومنهي عنه، والبذل حيث ينبغي الإمساك تبذير وإسراف، والوسط بينهما هو المحمود.
نسألك اللهم حسن الإنفاق ونعوذ بك من السرف والبخل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه يزن الغانم أبو قتيبة

صيد الفوائد

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]

 

المقدمة:

بسم الله والحمد لله؛ أما بعد:

فهذه وقفات مع القاعدة القرآنية، في قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

دلالة الآية على دخول جميع أنواع البيوع في الآية؛ لأن الأصل في جميع أنواع المعاملات الحِلُّ.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾، وهذا أصلٌ في حل جميع أنواع التصرفات الكسبية، حتى يَرِدَ ما يدل على المنع".

 

الوقفة الثانية:

في الشطر الثاني من الآية: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، وفي هذا استثناء من عموم الحل، وهو المنصوص على حرمته في الكتاب أو السنة.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالنَّاس يتبايعون كيف شاؤوا ما لم تُحَرِّم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تُحَرِّم الشريعة"؛ [مجموع الفتاوى (١٢/ ١٧)].

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على أن الحلال كثير، وهو الأصل في المعاملات، وأن الحرام معدود ومحصور؛ ولذلك لمَّا أراد الله سبحانه أن يبين الحلال قال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾، ولم يفرق بين بيع وآخر، ولم يقل: أحل الله بيع البيوت، ولا بيع الدواب، ولا بيع الأطعمة، ولا الأكسية، ولا الأغذية، ولكن قال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾، فعمَّم في الحلال، لكن لما أراد أن يحرم قال: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾؛ حيث جعل الحلال أكثر من الحرام.

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية على سماحة الإسلام ويُسْرِهِ، وفضل الله على عباده ورحمته؛ قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾: أي: لِما فيه من عموم المصلحة وشدة الحاجة، وحصول الضرر بتحريمه".

 

الوقفة الخامسة:

في دلالة الآية على أن الحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه الله تعالى، لا ما تُمليه أهواء البشر عليهم، فإن الله تعالى هو الذي أحل البيع وحرم الربا.

 

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "﴿ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]، ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل"؛ [تفسير القرآن العظيم (٧٠٩/١)].

 

الخاتمة:

هذا، وليعلم العباد أن ما أباحه الله هو البيع الذي فيه المصلحة والخير للبشر، والذي حرمه الله إما لضرر على الإنسان نفسه، أو لضرر على الناس، أو لضرر على الاثنين، أو لمقصد شرعي يعلمه الله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ فيجب التسليم على كل حال للعليم الحكيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 
شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آية أم خلقوا من غير شيء


الوقفة الأولى:

أن لهذا الكون خالق عظيم له الأمر كله سبحانه وأنه هو من يستحق العبادة وحده لا شريك له ،وليس أحد من المعبودات والشركاء يستحق العبادة لأنهم لم يخلقوا شيء وليسوا قادرين على ذلك .

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية:أن الله الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى.انتهىوقال تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِی خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ}]سورة البقرة ٢١[.

الوقفة الثانية:

أن لهذه المخلوقات مدبر يدبرها ولا بد، فإنك إذا نظرت إلى العالم العلوي والسفلي رأيت فيه التدبير المتقن، وكل شيء قد وجد على هيئته اللائقة به، وأن كل المخلوقات قد هديت إلى ما يصلحها ويضمن بقائها.وهذا الاتقان قد تكرر في جميع المخلوقات في صور وأشكال لا تحصى، ويستحيل معه نظرية الصدفة والعشوائية!وقد نبه الله تعالى إلى هذا، فقال سبحانه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: ٨٨].وقال :{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: ٥٠].- ويروى أن طائفةٌ من الملاحدة اجتمعوا بأبي حنيفة فقالوا: ما الدلالةُ على وجودِ الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغولٌ بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلةَ سفينةً عظيمةً مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحدٍ يحركها، ولا رُبَّانٍ يقوم عليها.فقالوا له: مجنونٌ أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: هذا يصدقه عاقل؟ فقال لهم: فكيف صدقت عقولُكم أن هذا العالمَ؛ بما فيه من الأصناف والأنواع والحوادثِ العجيبة، وهذا الفَلَكَ الدوارَ السيَّارَ يجري وتجري هذه الحوادثُ بغير محدِث، وتتحرك هذه المتحركاتُ بغير محرِّك، فرجعوا على أنفسهم بالملام.

الوقفة الثالثة:

أن لهذه المخلوقات خالق خلقها ولا بد.١ - لأنها إما أن توجد هذه المخلوقات من غير خالق ولا محدث، وهذا يجزم العقل ضرورة ببطلانه فلا يمكن أن يوجد شيء بلا موجد!٢ - وإما أن تكون هذه المخلوقات خالقةً نفسها!وهذا محال وممتنع، فإن الشيء لا يحدث نفسه من العدم.٣- وإما أن هذه المخلوقات لها خالق خلقها،وهو الله العظيم العليم الخالق الحكيم.وهذا التقسيم جاء الإشارة إليه في قوله تعالى:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ *أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} [الطور: ٣٥، ٣٦].- وفي ذلك سئل بعضهم: بم عرفت ربك؟ فقال: إن البَعْرةَ تدل على البعير، وآثارَ السيرِ تدل على المسير؛ فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاجٍ، وبحارٌ ذات أمواج؛ ألا تدل على اللطيف الخبير؟!

الخاتمة
:

وهذه الآيات على وجازتها فيها الرد على المشركين الذين يتخذون معبودات دون الله تعالى، وفيها الرد على الملحدين وفيها الدلالة على الخالق العظيم سبحانه وتعالى.وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

وقفات مع القاعدة القرآنية إن خير من استأجرت القوي الأمين

 

هذه القاعدة من أجل وأعظم قواعد القرآن الكريم وفيها ضوابط اختيار من هو أهل للقيام بأي عمل كان، والله أسأل أن ينفع بها.

-

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أنه ينبغي اختيار القوي في أداء أي عمل كان، صغيرا أو كبيرا، والقوة في هذه الآية معناها القدرة على أداء أنواع الأعمال من الإجارة وغيرها على الوجه الصحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب، وركوب وكر وفر، ونحو ذلك، كما قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا)

وفي رواية: (فهي نعمة جحدها) رواه مسلم، والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

السياسة الشرعية( ص،٢٠).

 

 

 

- الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أنه لا يكتفى بالخبرة والقوة، وإنما لا بد من الأمانة التي هي ضد الخيانة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حكم على الناس، في قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا}، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل، فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى به، فهو في الجنة) رواه أهل السنن.

والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع، أو نائبا له، حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط، إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو ظاهر.

السياسة الشرعية(ص،٢٣).

 

 

 

-الوقفة الثالثة:

مسائل متعلقة بهذه القاعدة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية، الأصلح بحسبها.

فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحرب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزو؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه، لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)

وروي (بأقوام لا خلاق لهم). فإذا لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب مما هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده.

ولهذا ( كان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال: إن خالدا لسيف سله الله على المشركين) مع أنه أحيانا كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه - مرة - رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد).

لما أرسله إلى خزيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب ; لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل.

وكان أبو ذر رضي الله عنه، أصلح منه في الأمانة والصدق، ومع هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم). رواه مسلم.

نهى أبا ذر عن الإمارة والولاية ; لأنه رآه ضعيفا.

مع أنه قد روي: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر)

(أمر النبي صلى الله عليه وسلم مرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل استعطافا لأقاربه الذين بعثه إليهم، على من هم أفضل منه، وأمر أسامة بن زيد، لأجل ثأر أبيه).

ولذلك كان يستعمل الرجل لمصلحة، مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه، في العلم والإيمان.

 

 

 

 

وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه ما زال يستعمل خالدا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام، وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها، بل عتبه عليها لرجحان المصلحة على المفسدة، في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه; لأن المتولي الكبير، إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، ليعتدل الأمر

ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يؤثر استنابة خالد، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ; لأن خالدا كان شديدا، كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه، ليكون أمره معتدلا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو معتدل، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: {أنا نبي الرحمة أنا نبي الملحمة}.

وقال: (أنا الضحوك القتال).

وأمته وسط قال تعالى فيهم: {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} وقال تعالى: {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}.

ولهذا لما تولى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صارا كاملين في الولاية، واعتدل منهما ما كان ينسبان فيه إلى أحد الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من لين أحدهما وشدة الآخر، حتى قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ).

وظهر من أبي بكر من شجاعة القلب، في قتال أهل الردة وغيرهم، ما برز به علي وعمر وسائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين.

وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد، قدم الأمين مثل حفظ الأموال ونحوها، فأما استخراجها وحفظها، فلا بد فيه من قوة وأمانة، فيولى عليها شاد قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته.

وكذلك في إمارة الحرب، إذا أمر الأمير بمشورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى، إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.

ويقدم في ولاية القضاء، الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قدم - فيما قد يظهر حكمه، ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه، ويخاف فيه الاشتباه: الأعلم.

ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن الله يحب البصر النافذ، عند ورود الشبهات، ويحب العقل عند حلول الشهوات).

ويقدمان على الأكفأ، إن كان القاضي مؤيدا تأييدا تاما، من جهة والي الحرب، أو العامة ويقدم الأكفأ. إن كان القضاء يحتاج إلى قوة، وإعانة القاضي، أكثر من حاجة إلى مزيد العلم والعلم، فإن القاضي المطلق، يحتاج أن يكون عالما عادلا قادرا

بل وكذلك كل وال للمسلمين، فأي صفة من هذه الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة: إما بقهر ورهبة وإما بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة فلا بد منهما.

وسئل بعض العلماء: إذا لم يوجد من يولى القضاء، إلا عالم فاسق أو جاهل دين فأيهما يقدم؟ فقال: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين وإن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لخفاء الحكومات قدم العالم.

وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين فإن الأئمة متفقون على أنه لا بد في المتولي من أن يكون عدلا أهلا للشهادة واختلفوا في اشتراط العلم هل يجب أن يكون مجتهدا، أو يجوز أن يكون مقلدا، أو الواجب تولية الأمثل فالأمثل كيفما تيسر؟ على ثلاثة أقوال وبسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها.

السياسة الشرعية (ص، ٢٤-٢٧).انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ النحل:

 

المقدمة:

فهذه وقفات مع قاعدة من قواعد القرآن الكريم،وقد تكررت في القرآن مرتين، وهي على وجازتها قاعدة عظيمة النفع. وفي هذه الوقفات نتعرف على بعض دلالاتها.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على سؤال أهل العلم وأمره تعالى بذلك، يقول الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (2 / 375): أول ما يلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محله وجب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحدٍ من السلف في مسألة. انتهى.

 

وفي وقتنا هذا والحمد لله وسائل التواصل مع أهل العلم متيسرة، وهي أحسن من الزمن السابق.

 

وقال العلامة السعدي - رحمه الله تعالى - في تفسيره على هذه الآية في سورة الأنبياء: (" أهل الذكر ":وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها. انتهى.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية في النهي عن سؤال الجهال الذين لا علم عندهم ولا يُعرفون بالعلم.

 

قال الإمام الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى -: وإذا قصد أهل محلة للاستفتاء عما نزل به، فعليه أن يسأل من يثق بدينه ويسكن إلى أمانته. [الفقيه والمتفقه (2 / 376) ].

 

وقال الإمام القرطبي في تفسيره على هذه الآية في سورة الأنبياء: وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. انتهى.

 

قال العلامة السعدي - رحمه الله تعالى - في تفسير على هذه الآية: وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم، نهي عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم. انتهى.

 

الوقفة الثالثة:

وفي الآية الأمر بالتعلم والحث عليه عن طريق السؤال، والسؤال من أفضل طرق التعلم.

لقوله تعالى::﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧].

 

الوقفة الرابعة:

وفي الآية الرد على من يتعمد الجهل بحجة أنه لا يحاسب أمام الله تبارك وتعالى بسبب جهله، وهذا غلط، لأن الإنسان لا يعذر بالجهل إذا كان يستطيع رفعه عن نفسه، ويوجد حوله من أهل العلم من يسألهم؛ قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧].

 

يقول الإمام ابن عبد البر - رحمه الله تعالى -: يلزم كل مؤمن ومؤمنة إذا جهل شيئًا من أمر دينه أن يسأل عنه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما شفاءُ العيّ السؤال". [الاستذكار (ص ٢٩٣)].

 

الوقفة الخامسة:

في دلالة الآية على أن الزمان لا يخلو من علماء وأهل علم يُرجع إليهم، لأن الله عز وجل هو العالم بكل شيء قد أخبر بالرجوع إلى أهل العلم، ومقتضى ذلك أنه لا بد من وجودهم في كل وقت.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

فإن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته. [مجموع الفتاوى 15 / 60].

 

الوقفة السادسة:

في دلالة الآية على أن أهل الذكر عليهم البيان عند السؤال وعدم كتمان العلم.

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية:

ولم يؤمر بسؤالهم - أي أهل العلم - إلا لأنه يجب عليهم التعليم والإجابة عما علموه. انتهى.

 

الوقفة السابعة:

في دلالة الآية على تزكية الله تعالى وتعديله لأهل العلم.

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم. انتهى

 

الوقفة الثامنة:

في دلالة الآية أن سؤال أهل العلم يُخرج العبد من التبعة ويكون بريء الذمة أمام الله تعالى، لأنه فعل ما يلزمه، من سؤال أهل الذكر.

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: وأن بذلك - أي بسؤال أهل العلم- يخرج الجاهل من التبعة.

 

الوقفة التاسعة:

في دلالة الآية على أن من ليس عنده قدرة على معرفة الدليل والبحث فإن عليه تقليد العلماء، قال العلامة ابن قدامة - رحمه الله -:

لأن فرض العامي سؤال العلماء وتقليدهم، لقول الله تعالى::﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. [المغني 3 / 25].

 

وأنقل فتوى للشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - في توضيح هذا الأمر:

سئل رحمه الله تعالى: ما الواجب على العامي، ومن ليس له قدرة على طلب العلم؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجب على من لا علم عنده ولا قدرة له على الاجتهاد أن يسأل أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧]، ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا من أجل الأخذ بقولهم، وهذا هو التقليد.

 

لكن الممنوع في التقليد أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ به على كل حال ويعتقد أن ذلك طريقه إلى الله - عز وجل - فيأخذ به، وإن خالف الدليل.

 

وأما من له قدرة على الاجتهاد؛ كطالب العلم الذي أخذ بحظ وافر من العلم، فله أن يجتهد في الأدلة، ويأخذ بما يرى أنه الصواب، أو الأقرب للصواب.

 

وأما العامي وطالب العلم المبتدئ، فيجتهد في تقليد من يرى أنه أقرب إلى الحق؛ لغزارة علمه وقوة دينه وورعه. [كتاب العلم (ص ١٥٣)].

 

الوقفة العاشرة:

في دلالة الآية على أن المجتهد من العلماء أن الأصل في حقه عدم التقليد لأن الله قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، وقد نص على ذلك العلماء في كتب أصول الفقه.

 

الوقفة الحادية عشرة:

جواز التقليد في أصول الدين للعاجز عن معرفة الدليل لعموم الدليل؛:﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣].

وقوله تعالى: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ ﴾ [التغابن: ١٦].

 

نص على ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية؛ [مجموع الفتاوى (20 / 202)]، والحافظ صلاح الدين العلائي كما في "فتح الباري" (13 / 354).. وغيرهم.

 

الوقفة الثانية عشرة:

في دلالة الآية على يسر هذه الشريعة، فإن الله تعالى لا يكلف الناس إلا وسعهم، وذلك أنه لا يُطلب من كل الناس أن يكونوا علماء فهذا ليس بالإمكان ولا يتصور؛ لذلك أمر الله تعالى في هذه الآية بالرجوع إلى أهل الذكر.

 

الخاتمة:

في الختام ينبغي على كل مسلم أن يتأدب بالآداب الشريعة في سؤاله لأهل العلم وعلى أهل العلم الرفق بالناس وتبيين الحق وعدم كتمانه.

 

وينبغي أيضا الحرص على السؤال وتعلم العلم، فقد يكون السؤال واجبًا إذا كان مما يتوقف عليه فعل واجب أو ترك محرم، وقد يكون دون ذلك من السؤال عن السنن والمستحبات والزيادة في عمل الخيرات، وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا إنه جواد كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

 

 

يزن الغانم
شبكة الالوكة 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القواعد الثلاثة في مزاولة أمور الدين والدنيا

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه قواعد ينبغي استحضارها، والعمل بها في كل أمر من أمور الدين والدنيا، واللهَ أسأل أن يتقبَّلَها وأن ينفع بها.

القاعدة الأولى: الدعاء:

وذلك بأن تدعوَ الله في كل أمر من أمور الدين والدنيا، في تيسيره وتسهيله؛ فإن الدعاء عبادة وقُرْبَةٌ واستعانة بالله الذي بيده الأمر كله؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ))؛ [رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما].

وعلى العبد أن يسأل ربه في كل صغيرة وكبيرة من خَيْرَي الدنيا والآخرة؛ ففي الحديث: ((لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))؛ [رواه الترمذي وغيره].

يقول الإمام ابن رجب في [جامع العلوم والحكم (1/ 225)]: "وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه، حتى مِلْح عجينه وعلف شاته، وفي الإسرائيليات: أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب، إنه ليعرض لي الحاجة من الدنيا، فأستحيي أن أسألك، قال: سَلْني حتى ملح عجينك، وعلف حمارك".

فإنَّ كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله، فقد أظهر حاجته فيه وافتقاره إلى الله، وذاك يحبه الله، وكان بعض السلف يستحيي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا، والاقتداءُ بالسنة أَوْلَى.

 

القاعدة الثانية: التوكل:

التوكل على الله تعالى في كل أمر من أمور الدين والدنيا، والاستعانة به سبحانه في تيسير ذلك وتسهيله؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]؛ حسبه: أي: كافيه.

ومن أجمع التعاريف للتوكل ما ذكره العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "هو صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضارِّ، مع فعل الأسباب التي أمر الله بها"؛ [مجموع الفتاوى والرسائل (1/ 106)].

فالعبد المؤمن يعتمد على الله، ويتعلق قلبه بالله في كل صغيرة وكبيرة؛ لأنه يرى الأشياء كلها من الله وبمشيئته وتحت أمره.

 

القاعدة الثالثة: فعل الأسباب:

لا بد من الأخذ بالأسباب الجالبة للخير والمانعة من الشر، وهذا لا ينافي التوكل، وقد كان سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم يتخذ الأسباب الشرعية والقدرية؛ فكان يُعَوِّذُ نفسه بالأذكار، وعند النوم بالإخلاص والمعوذتين، وكان يلبس الدروع في الحرب، وحَفَرَ الخندق في غزوة الأحزاب، وغير ذلك مما كان منه صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة.

وفي أهمية بذل السبب - حتى ولو كان هذا السبب ضعيفًا - قد ذكر الله من أمر مريم عليها السلام، وهي المرأة الضعيفة النُّفَسَاء بهزِّ جذع النخلة الذي يثقل على الرجال؛ ليعلم الناس أهمية الأخذ بالأسباب؛ قال تعالى: ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ [مريم: 25]؛ قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: "والله جل وعلا قادر على أن يُسْقِطَ لها الرطب من غير هزِّ الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع، وقد قال بعضهم في ذلك:

ألم تَرَ أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذعَ يسَّاقط الرُّطبْ ولو شاء أن تجنيه من غير هزة جَنَتْهُ ولكن كلُّ شيء له سببْ ]أضواء البيان (183/4)[.

 

الخاتمة:

إن الدعاء فيه استعانة بالله القوي الذي لا يُعْجِزُهُ شيء، والتوكل فيه تعلق القلب بالله الذي بيده كل شيء، والأخذ بالأسباب فيه الأخذ بكل ما أمر الله به من الأسباب الشرعية والقدرية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

موقع مداد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية:

﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 119].

 

بسم الله، والحمد لله، أما بعد:

فهذه قاعدة من قواعد القرآن الكريم، ويستدل بها على مسائل كثيرة لا تنحصر، ولله الحمد والمنة.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن الله تعالى قد فصل لعباده ما حرم عليهم، وبيَّنه ووضحه، فلم يبق فيه إشكال ولا شبهة.

 

وأن تفصيل ذلك جاء في الكتاب والسنة؛ لأن ما حرم الله مثل ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما جاء في الحديث.

 

قال الإمام القرطبي في تفسيره على هذه الآية: أي بيَّن لكم الحلال والحرام وأزيل عنكم اللَّبْسَ؛ انتهى.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أن الأصل في كل الأشياء الإباحة إلا ما نُص على تحريمه.

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: ودلت الآية الكريمة على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال؛ لأن الحرام قد فصله الله، فما لم يفصله الله فليس بحرام؛ انتهى.

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ على أن الحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة.

 

ومن الأمثلة التي يذكرها الفقهاء على هذه القاعدة:

١- أكل الميتة لمن لم يجد غيرها وخشي الموت من الجوع.

 

٢- التلفظ بكلمة الكفر تحت وطأة التعذيب والإكراه.

 

٣- دفع الصائل المعتدي الظالم ولو أدى ذلك إلى قتله.

 

وهناك شروط لإباحة ارتكاب المحرم يذكرها الفقهاء وهذا ملخصها:

١- وجود الضرورة.

 

٢- ألا توجد وسيلة لدفع الضرر إلا بفعل هذا المحرم.

 

٣- أن يكون فعل المحرم مزيلًا للضرورة قطعًا، فإن حصل شك هل تزول الضرورة بهذا الفعل أم لا؟ فلا يجوز فعل المحرم حينئذ.

 

٤- ألا يعارض هذه الضرورة ما هو مثلها أو أعظم منها.

 

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: ليس هناك ضرورة تبيح المحرم إلا بشرطين:

١. أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا.

 

٢. أن نعلم أن ضرورته تزول به؛ انتهى.

لقاء الباب المفتوح (١٩/٣).

 

وينبغي أيضًا معرفة ما هي الضرورة، وهي: ما يلحق الإنسان ضرر بتركه، وهذا الضرر يلحق الضروريات الخمس وهي: (الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال).

 

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 173].

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: ألجئ إلى المحرم، بجوع وعدم، أو إكراه، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطرارًا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة، فلا يزيد عليها، ﴿فَلَا إِثْمَ﴾ [أي: جناح] عليه، وإذا ارتفع الجناح الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة، مأمور بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه، فيجب إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلًا لنفسه، وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولَما كان الحل مشروطًا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصًا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة.

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية على رحمة الله تعالى بعباده، وأنه أباح لهم ما حرم وقت الضرورة.

 

وهذا ما ختم الله به هذه الآية، بأنه غفور رحيم: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 173]، قال العلامة السعدي: وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: الضرورات تبيح المحظورات، فكل محظور اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له الملك الرحمن؛ انتهى.

 

الوقفة الخامسة:

دلالة الآية على يسر هذه الشريعة وسماحتها، وأنها من حكيم خبير.

 

وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر)؛ رواه البخاري.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (بُعثت بالحنيفية السمحة)؛ رواه أحمد.

 

قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور:

هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال، بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر.

مقاصد الشريعة الإسلامية (ص، ٩٢).

 

الوقفة السادسة:

في دلالة الآية على أن الحرام معدود وقليل؛ لأنه مفصل والحلال كثير، وهو الأصل في الأشياء التي لا يمكن تفصيلها ولا حصرها، ومن أمثلة ذلك لَمَّا أراد الله سبحانه أن يبين الحلال، قال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ولم يفرق بين بيع وآخر، ولم يقل: أحل الله بيع البيوت، ولا بيع الدواب، ولا بيع الأطعمة، ولا الأكسية، ولا الأغذية، ولكن قال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾، فعمَّم في الحلال لكثرته، لكن لما أراد أن يُحرم قال: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾؛ حيث جعل الحلال أكثر من الحرام.

 

الوقفة الأخيرة:

وهي مثال على هذه القاعدة من فتاوى العلماء:

قال العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: الواجب أن تكون الطبيبات مختصات للنساء، والأطباء مختصين للرجال إلا عند الضرورة القصوى إذا وجد مرض في الرجال ليس له طبيب رجل، فهذا لا بأس به، والله يقول: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 119]، فتاوى عاجلة لمنسوبي الصحة، (ص،٢٩).

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا يا غفور يا رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

المقدمة:

بسم الله، والحمد لله، أما بعد:

فهذه قاعدة عظمية من قواعد القرآن الكريم، وهي تحمل معانيَ كبيرة وفوائد غزيرة، ولو أخذ بها أفراد الناس وجماعاتهم، لكان لهم الربح والنجاة في الدنيا والآخرة.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن الناس إذا تغير حالهم من المعصية إلى الطاعة غيَّر الله حالهم من الشقاء إلى السعادة.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

"إذا غيَّر العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غيَّر الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور، والغبطة والرحمة"؛ [انتهى].

 

ويُروَى في الأثر: ((قال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي، ثم تحوَّلوا عنها إلى ما أحببتُ من طاعتي، إلا تحوَّلت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي))؛ [العلو، للذهبي، (ص: ٦٣)].

 

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أن العباد إذا انتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، فإن الله يغيِّر حالهم ويسلبهم النِّعَمَ التي كانت عليهم.

 

قال الإمام الطبري في تفسيره على هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ [الرعد: 11]، من عافية ونعمة، فيزيل ذلك عنهم ويهلكهم، ﴿ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، من ذلك بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، فتحل بهم حينئذٍ عقوبته وتغييره".

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على أن الله هو المُغَيِّرُ وبيده كل شيء، فعلى العباد أن يستعينوا به ويتوكلوا عليه في الهداية وطلبها، وفي الاستعاذة من الغواية وتركها.

 

قال تعالى في نفس الآية: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11].

 

وجاء في التفسير الميسر على هذه الآية: "وليس لهم مِن دون الله مِن والٍ يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه".

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية على الطريقة الصحيحة والواجبة في سبيل النهوض بالأمة الإسلامية.

 

وللدلالة على هذا المعنى أنقل هذه الأقوال:

يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "فالواجب على المسلمين أن يعدُّوا ما استطاعوا من قوة؛ وأولها: الإيمان والتقوى، ثم يلي قوة الإيمان والتقوى، أن يتسلح المسلمون ويتعلموا كما تعلم غيرهم، لكن المسلمين لم يقوموا بما عليهم"؛ [مجموع الفتاوى (٣١٠/ ١٥)].

 

وقال العلامة الإمام ابن باز رحمه الله: "من أسباب ضعف المسلمين رضاهم بالعلوم الدنيوية التي تؤهل للوظائف فقط، غير العلوم التي توجب الاستغناء عن الأعداء.

 

والأمر الثاني عدم القيام بأمر الله والبعد عن مساخطه سبحانه"؛ [بتصرف مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (١٠١/ ٥)].

 

قال العلامة الأديب علي الطنطاوي رحمه الله تعالى: "ﻟﻴﻌﻤﺪ ﻛﻞ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﺳﺮﺗﻪ ﻓﻴﺤﺎﻭﻝ ﺇﺻﻼﺣﻬﺎ، ﻓﺈﻥ ﺍﻷﻣﺔ ﻫﻲ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ أُﺳَﺮٍ، ﻓﺈﺫﺍ ﺻﻠﺤﺖ ﺍﻷﺳﺮ ﺻﻠﺤﺖ ﺍﻷﻣﺔ"؛ [ذكريات (٥/ ٦)].

 

وقيل: ﺳﺮ ﺍﻧﺘﻈﺎﻡ ﺻﻔﻮﻑ ﺍﻟﻤﺼﻠﻴﻦ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﺩﻭﻥ ﻓﻮﺿﻰ ﻫﻮ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻓﺮﺩ ﻳﺒﺪﺃ ﺑﻨﻔﺴﻪ، ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﻫﺎﺋﻞ ﺧﻼﻝ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﻟﻮ ﻃﺒﻘﻨﺎ ﻗﺎﻋﺪﺓ: ﺍﺑﺪﺃ ﺑﻨﻔﺴﻚ، ﺳﻴﺘﻐﻴﺮ ﻭﺍﻗﻌﻨﺎ حتمًا.

وقيل أيضًا:

ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ:

ﺃﻳﻦ ﺻﻼﺡ ﺍﻟﺪﻳﻦ؟!

 

ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻗﻮﻝ:

ﺃﻳﻦ ﺻﻼﺡ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﺎﻟﺪِّﻳﻦ؟!

ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻓﻲ ﺍﻷﻗﺼﻰ!

وركعة ﻓﻲ ﻣﺴﺠﺪ ﻗﺮﺏ ﺑﻴﺘﻬﻢ ﻫﻲ ﻋﻠﻴﻬﻢ أقصى!

وقال أبو العتاهية:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبسِ

 

 

الوقفة الخامسة:

وفي الآية الرد على مَن يسلك غير هذا السبيل في التغيير، ويسلك الطرق المخترعة التي لا تقيم الدين وأهله.

 

وفي الدلالة على هذا المعنى أنقل بعض الأقوال:

ذكر الإمام القرطبي في تفسيره على قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: 129].

 

قال ابن عباس رضي الله عنه: "إذا رضيَ الله عن قوم ولَّى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم"؛ [الجامع لأحكام القرآن (٨٥/ ٧)].

 

• يقول العلامة الرازي رحمه الله تعالى: "الرعية متى كانوا ظالمين، فالله تعالى يسلط عليهم ظالمًا مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم، فليتركوا الظلم"؛ [التفسير الكبير (١٥٠/ ١٣)].

 

قال العلامة ابن مفلح رحمه الله تعالى: "من عجيب ما نقدتُ من أحوال الناس كثرةُ ما ناحوا على خراب الديار، وموت الأقارب والأسلاف، والتحسر على الأرزاق بذمِّ الزمان وأهله، وذِكْر نكدِ العيش فيه، وقد رأوا من انهدام الإسلام، وشعث الأديان، وموت السنن، وظهور البدع، وارتكاب المعاصي، وتقضِّي العمر في الفارغ الذي لا يُجدي، والقبيح الذي يوبق ويؤذي، فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على فارط عمره، ولا آسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببًا إلا قلة مبالاتهم بالأديان، وعظم الدنيا في عيونهم ضد ما كان عليه السلف الصالح، يرضَون بالبلاغ وينوحون على الدين"؛ [الآداب الشرعية لابن مفلح (٣٤٥/ ٢)].

 

الوقفة السادسة:

في دلالة الآية على أن دوام النعم بالطاعة، وزوال النعم بالمعصية.

 

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته؛ فإن الله إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه، حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]، ومن تأمل ما قصَّ الله تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نِعَمَه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره وما أزال الله عنهم من نعمه، وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب؛ كما قيل:

إذا كنت في نعمة فارْعَها *** فإن المعاصي تزيل النِّعَم

 

فما حُفظت نعمة الله بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه، فإنها نار النعم التي تعمل فيها، كما تعمل النار في الحطب اليابس"؛ [بدائع الفوائد (٤٣٢/ ٢)].

 

الوقفة السابعة:

في دلالة الآية على أن العباد لا بد أن يغيروا ما بأنفسهم من أجل أن يغير الله حالهم، وذلك بأخذهم بالأسباب الشرعية والأسباب الكونية.

 

ومن أمثلة الأسباب الكونية التي أمر الله عز وجل بها في كتابه قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60].

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

"أي: ‏﴿ ‏وَأَعِدُّوا‏ ﴾‏ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم‏‏ ‏﴿ ‏مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏ ﴾؛‏ أي‏:‏ كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية، وأنواع الأسلحة، ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي‏ والسياسة التي بها يتقدم المسلمون، ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير؛‏ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((‏ألا إن القوة الرَّمْيُ‏))،‏ ومن ذلك‏:‏ الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال.

 

ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏﴿ ‏وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ‏ ﴾، وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته‏،‏ فإذا كان شيء موجود أكثرَ إرهابًا منها، كالسيارات البرية والهوائية المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورًا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب وقوله‏:‏ ‏﴿ ‏تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾‏ ممن تعلمون أنهم أعداؤكم‏، ‏﴿ ‏وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ‏ ﴾‏ ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به، ‏﴿ ‏اللَّهُ يَعْلَمُهُم‏ ﴾؛ فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم، ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار‏؛‏ ولهذا قال تعالى مرغبًا في ذلك‏:‏ ‏﴿ ‏وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قليلًا كان أو كثيرًا، ‏﴿ ‏يُوَفَّ إِلَيْكُمْ‏ ﴾‏ أجره يوم القيامة مضاعفًا أضعافًا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل الله، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة‏، ‏‏﴿ ‏وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ‏ ﴾؛ أي‏:‏ لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئًا"؛ [‏انتهى].

 

الوقفة الثامنة:

ولا شك أنه وقع ما أخبر الله عز وجل عنه في الآية، وأنه بدَّل حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من حال إلى حال، من حال الكفر إلى حال الإيمان، ومن حال المعصية إلى حال الطاعة، ومن حال الذل إلى حال العزِّ والنصر، وهم أكمل الناس في ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وكل ذلك كان بالإيمان والعمل الصالح؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].

 

قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية:

"فقام صدر هذه الأمة من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكَّنهم من البلاد والعباد، وفُتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان؛ بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح"؛ [انتهى].

 

الخاتمة:

وفي الختام لا بد من الأخذ بالأسباب الشرعية والكونية حتى يتغير الحال من حال إلى حال، وهذا وعد من الله حق، ولا يستخفنَّك الذين لا يوقنون.

 

ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية:

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]

 

المقدمة

بسم الله، والحمد لله، أما بعد:

فهذه قاعدة من أعظم قواعد القرآن الكريم، وهي تشتمل على علم كثير، ونفعٍ كبير، ويُستدل بها على مسائلَ كثيرة لا تحصى، وقد وصف العلامة المفسر ابن جُزَيٍّ هذه الآية بأنها: وصية عامة. واللهَ أسأل أن ينفع بهذه الوقفات ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية في الأمر بالتعاون على كل أنواع البِرِّ والخير وما فيه تقوى لله تعالى.

 

وأنواع البر والتقوى لا تحصر، فمن صورها:

التعاون في دفع المال، والتعاون في بذل النفس من دفع الصائل، والجهاد في سبيل الله، والتعاون في كف الظالم ونصرة المظلوم وردِّ الحقوق لأهلها، والإصلاح بين الناس والتعاون في تعليم الجاهل وبذل العلم، والتعاون في قضاء الحاجات وإعطاء المحتاج وإغاثة الملهوف، ومن ذلك إعانة ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والأرامل والعوانس، ومن ذلك أن تعين أحدهم في سداد الدَّين الذي عليه، ومن ذلك الهبة والعارية بين الناس، وإجابة الدعوى وتفطير الصائم وإطعام الطعام، والصلاة على الجنازة والمشي فيها وتعزية أهله، والمشاركة في عقد النكاح، وإعانة طالب العلم في طلبه، أو من يريد الزواج في زواجه، والنصيحة لكل مسلم والشورى بين المسلمين، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك التعاون على تقوى الله واجتناب ما حرمه تعالى، وهذا باب لا حصر له، ويجمع ذلك التعاونُ بين الناس على كل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين.

 

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2] وليُعِنْ بعضكم، أيها المؤمنون، بعضًا على البر، وهو العمل بما أمر الله بالعمل به، والتقوى، هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه. انتهى.

 

وقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]؛ أي: ليعن بعضكم بعضًا على البر، وهو: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله وحقوق الآدميين. والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لتركِ كلِّ ما يكرهه الله ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. انتهى.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية في النهي عن التعاون على كل ما فيه إثمٌ وعُدْوان.

 

وصور ما فيه إثم وعدوان كثيرة:

فمن صور التعاون على الإثم: التعاونُ على شرب الخمر وبيعها، أو بيع السجائر التي تضر في صحة الإنسان، أو بيع آلات المعازف والطرب، أو تأجير مكان من أجل أن يُعمل فيه بمعصية الله تعالى، أو التعاون على مال فيه ربا، أو بغير ذلك من المعاصي الفعلية والقولية، ويدخل في الآية التعاونُ على كل ما فيه معصية لله تعالى.

 

ومن صور التعاون على العُدْوان، وهو ما فيه تعدٍّ: الإعانة على الشرك بالله تعالى، أو الإعانة على البدعة، أو الإعانة في طباعة كتب سِحر وضلالة، أو الإعانة في قتل معصوم الدم ولو بكلمة، أو بيع سلاح لمن يقتل به مسلمًا، أو شراء مال مسروق من سارقه، أو حماية جانٍ من أن تناله العدالة، أو نصرة الظالم والدفاع عنه، وغير ذلك من التعاون على العدوان على الخلق في أموالهم أو دمائهم أو أعراضهم، ويدخل في ذلك كلُّ عدوانٍ على حقوق الله تعالى أو حقوق العباد.

 

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

وقوله: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2] يعني: ولا يُعِنْ بعضكم بعضًا على الإثم، يعني: على ترك ما أمَرَكم الله بفعله، والعدوان، يقول: ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم، وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم. انتهى.

 

وقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ﴾ وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها ويحرج. ﴿ وَالْعُدْوَانِ ﴾ وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلمٍ يجب على العبد كفُّ نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه. انتهى.

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على أن التعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان - يقي العبدَ من عقاب الله الذي هو العقاب الشديد؛ لذلك ختم الله سبحانه هذه الآية بقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

 

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهدُّدٌ لمن اعتدى حدَّه وتجاوز أمره.

 

يقول عز ذكره: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيَه فيما نهاكم عنه، فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه؛ لأنها نار لا يطفأ حَرُّها، ولا يخمد جمرها، ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها، ومن عملٍ يقرِّبنا منها. انتهى.

 

وقال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على من عصاه وتجرَّأ على محارمه، فاحذروا المحارم لئلا يحلَّ بكم عقابه العاجل والآجل. انتهى.

 

الوقفة الرابعة:

وهي أمثلة من أمثلة كثيرة على هذه القاعدة من فتاوى العلماء.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرَّمات؛ كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرَّمًا، فهذا لا يجوز، قال الله عز وجل: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: ٢]، وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (أنه لعَنَ في الخمر عشرة: لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها)، وقد لعن العاصر، وهو إنما يعصر عنبًا يصير عصيرًا، والعصير يمكن أن يُتَّخَذَ خَلًّا وَدِبْسًا وغير ذلك، لكن لما علم قصده من العصير: أنه يتخذه خمرًا، وأعانه على ذلك، لعنه النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك.

كتاب المسائل الماردينية (ص٢٥١ ).

 

قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى:

فإذا كنت في حاجة أخيك في الزواج أو أختك أو بنتك، فأنت على خيرٍ عظيم، أو ابن أخيك، ويقول جلَّ وعلا: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾، فالتعاون على الزواج من التعاون على البر والتقوى، نسأل للجميع التوفيق والهداية. فتاوى نور على الدرب (١٦/٢٠).

 

وجاء في فتاوى العلامة ابن باز رحمه الله تعالى، قوله: لا يجوز لكم ولا لغيركم بيعُ الصحف والمجلات المشتملة على الصور النسائية أو المقالات المخالفة للشرع المطهر؛ لقول الله سبحانه: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. مجموع فتاوى ابن باز (٧٩/١٩).

 

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة:

س: حكم طلب المساعدة في بناء المسجد؟

ج: يجوز ذلك؛ لأن هذا من التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾. فتاوى اللجنة الدائمة (٢٤٥/٦).

 

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة قولهم:

لا يحل العمل في البنوك التي تتعامل بالربا؛ لأن في هذا عونًا لها على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾، والكسب الحاصل عن ذلك كسب خبيث. فتاوى اللجنة الدائمة (١٩٦/١٨).

 

وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة:

س: المسلم الذي وظيفته بناء، هل يجوز له أن يبنيَ كنيسة للكفار؟

ج: لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبنيَ كنيسة أو محلًّا للعبادة ليس مؤسَّسًا على الإسلام الذي بعث الله به محمدًا؛ لأن ذلك من أعظم الإعانة على الكفر، وإظهار شعائره، والله عز وجل يقول: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. فتاوى اللجنة الدائمة (٤٨٢/١٤).

 

الخاتمة:

يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:

والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم التعاونُ على البر والتقوى، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا.

 

فان العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه، فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائمًا بعضه ببعضه، معينًا بعضه لبعضه. الرسالة التبوكية (ص، ١٠).

 

فعلى المسلم أن يسعى دائمًا في التعاون على البر والتقوى في كل قول وعمل واعتقاد، وأن يسعى دائمًا في ترك التعاون على الإثم والعدوان في كل قول وعمل واعتقاد.

 

والله أسأل أن يجعلنا كذلك إلى يوم نلقاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 
 
 
 

وقفات مع القاعدة القرآنية:

 

 

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فهذه وقفات مع قاعدة مباركة من قواعد القرآن الكريم ويستدل بها على مسائل كثيرة، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية في النهي عن قتل الإنسان نفسه؛ لأن ذلك من أكبر الكبائر، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: « منْ قتَل نفسَه بشيءٍ عُذِّب به في نارِ جهنَّم »؛ رواه البخاري ومسلم.

 

• ويشمل ذلك كل ما يؤدي إلى هلاك النفس فلا يجوز أن يعرض الإنسان نفسه للهلاك والتلف بأي وسيلة كانت.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: ( ولا يقتل الإنسان نفسه، ويدخل في ذلك الإلقاءُ بالنفس إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك ). انتهى

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية في النهي عن قتل الإنسان غيره بغير حق، وأن أنفس المسلمين كنفس واحدة، وأن ذلك من أعظم الذنوب والجرائم عند الله تعالى.

 

قال الإمام البغوي في تفسيره على هذه الآية: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾. يَعْنِي: إِخْوَانَكُمْ، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. انتهى

 

قال عليه الصلاة والسلام: « اجتنبوا السبع الموبقات - وذكر منها -: وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق »؛ رواه البخاري ومسلم.

 

الموبقات: أي المهلكات.

 

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]، وهذا من أعظم الوعيد فيمن يقتل مؤمنًا.

 

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ [الإسراء: 33].

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: (وهذا شامل لكل نفس حرَّم الله قتلها من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد ومسلم وكافر له عهد. ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ كالنفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة، والباغي في حال بغيه إذا لم يندفع إلا بالقتل).

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على إثبات صفة الرحمة لله عز وجل، ومن رحمته بعباده أنه نهاهم عن قتل أنفسهم وعن قتل غيرهم، لذلك ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾.

 

قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: وأما قوله جل ثناؤه: "إن الله كان بكم رحيمًا"، فإنه يعني: أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيمًا بخلقه، ومن رحمته بكم كفُّ بعضكم عن قتل بعض، أيها المؤمنون، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها. انتهى

 

ومن هذا المعنى حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت أن أغتسل فأهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « يا عمرو صليتُ بأصحابك، وأنت جنب؟ » فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال فقال: وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا؛ رواه أبو داود، وصححه الألباني.

 

الوقفة الرابعة:

ومن معاني قتل النفس إهلاكها بالمعاصي والسيئات، فلا بد للعبد أن يرفق بنفسه ويرحمها وينقذها من النار، ويتقي الله فيها حتى تدخل الجنة.

 

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية وقوله: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾؛ أي: بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾؛ أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه.

 

الوقفة الخامسة:

أمثلة من فتاوى العلماء على هذه القاعدة:

• جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:

س: لعبة الملاكمة، وهي لعبة تعتمد على أن يضرب كل من المتلاكمين وجه أخيه، وكثيرًا ما يحدث إغماء من أثر الضرب في الوجه؟

ج: أما الملاكمة نفسها فلا تجوز؛ لما يترتب عليها من الخطر العظيم على اللاعبين أو أحدهما، والله يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، ويقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم: « لا ضرر ولا ضرار »؛ فتاوى اللجنة الدائمة (15 / 200).

عبد العزيز بن عبد الله بن باز، عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي.

 

• وجاء في "فتاوى نور على الدرب" للعلامة ابن عثيمين (٢/٢٠).

يسأل عن الإضراب عن الطعام يقول كثيرًا ما نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف أناسًا يضربون عن الطعام احتجاجًا على بعض الأحكام وهؤلاء غالبًا ما يكونون من المسجونين فما حكم من توفي وهو مضرب عن الطعام؟

ج: فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من توفي وهو مضرب عن الطعام أنه قاتل نفسه وفاعل ما نهي عنه فإن الله سبحانه وتعالي يقول: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ ومن المعلوم أن من امتنع عن الطعام والشراب لا بد أن يموت وعلى هذا فيكون قاتلًا لنفسه ولا يحل لإنسان أن يضرب عن الطعام والشراب لمدة يموت فيها أما إذا أضرب عن ذلك لمدة لا يموت فيها وكان هذا السبب الوحيد لخلاص نفسه من الظلم أو لاسترداد حقه فإنه لا بأس به إذا كان في بلد يكون فيه هذا العمل للتخلص من الظلم أو لحصول حقه فإنه لا بأس به، أما أن يصل إلى حد الموت فهذا لا يجوز بكل حال.

 

• وجاء في فتاوى ورسائل العلامة ابن عثيمين: (20 / 237):

الحال الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٩]...".

 

• وجاء أيضا في فتاواه: (13 / 300) والدخان حرام، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم... ﴾".

 

الخاتمة:

تأمل هذا الإيجاز في هذه الآية كيف شمل النهي عن قتل النفس بأي وسيلة وعن قتل الغير كذلك، وكيف شملت الآية النهي عن كل ضرر على النفس وهذا من رحمة الله تعالى في أمره ونهيه، فكم في هذه الآية من الفوائد والعظات لو تأملها العبد حق التأمل. نسأل الله عز وجل المزيد من رحمته وفضله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية

 

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]

 

المقدمة:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

فهذه وقفات مع قاعدة عظيمة النفع، وهي تنطبق على كل عقد من العقود، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

في الآية نداء من الله تعالى لأهل الإيمان، وبقدر ما يكون عند العبد من الإيمان بقدر ما يفي بالعقود التي بينه وبين الله تعالى وبينه وبين الناس؛ قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا ﴾؛ يا أيها الذين أقرُّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلِّموا له الألوهة، وصدِّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾؛ يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتِمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على الأمر بوفاء جميع العقود بجميع أنواعها الواجب منها والمستحب.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها.

 

الوقفة الثالثة:

في دخول جميع العقود في الآية بكل أنواعها التي بين العبد وبين الله وبينه بين الناس.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتَمَّ قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئًا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع، فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها.

 

الوقفة الرابعة:

أمثلة من فتاوى العلماء على هذه القاعدة:

السؤال: ما حكم أخذ أصحاب المحلات التجارية إيجارهم مقدمًا وأحيانًا لمدة سنة أو أكثر؟

الجواب: يجوز تقديم الأجرة وتأخيرها على حسب ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر؛ لقول الله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة:1]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم... »؛ الحديث، والله ولي التوفيق؛ (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز ١٩/ ٣٣٥).

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

هناك بعض أئمة المساجد والمؤذنين لهم وظائف وفي بعض الأحيان يتخلفون عن الإمامة والأذان ويبقون في الوظيفة، وأحيانًا يحضرون، وبعض المرات يوكلون من يصلي أو يؤذن بدلًا عنهم وبعض المرات لا يحضرون ولا يوكلون أحدًا، فما حكم ذلك؟

أفيدونا أثابكم الله.

 

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الواجب على الموظف أن يقوم بواجب وظيفته سواء كانت إمامة أو أذانًا أو غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾، وقوله: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِن الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ولا يحل للإمام أو المؤذن أن يخل بواجب وظيفتهما.

 

وإذا كان الإمام أو المؤذن لا يستطيع أن يقوم بالوظيفتين، فليترك إحداهما لغيره، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

كتبه محمد الصالح العثيمين في: ٢٨ /٤ /١٤١٧هـ.

 

وجاء في (تفسير ابن عثيمين على سورة المائدة) - وقوله: ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ هذا عام، فأي عقد فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يقيد بما جاءت به الشريعة، وهو ألا يكون العقد محرمًا، فإن كان العقد محرمًا، فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به بل على تحريم الوفاء به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط».

 

الخاتمة:

فهذه الآية من أجمع الآيات التي يستدل بها على كل عقد واتفاق وعلى عددٍ لا يحصى من المسائل، وهذا من بركة القرآن وعظيم نفعه فله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

 

المقدمة:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

فهذه قاعدة من أعظم قواعد القرآن الكريم، ويستدل بها على كل الأوامر النواهي الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

في دلالة الآية على أن يجب التسليم لله ورسوله في كل أمر من الأمور أو نهي من النواهي، حتى وإن كان العبد لا يعلم العلة أو الحكمة، وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم.

 

فقد سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ما بَالُ الحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، ولَا تَقْضِي الصَّلَاةَ، فَقالَتْ: كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاةِ.

 

• فاستدلت بالسنة ولم تذكر العلة، وهذا هو حقيقة التسليم لله ورسوله.

 

وقد ذكر العلماء أنه لا بأس من التماس الحكمة من النصوص الشرعية؛ لأننا نعلم أن أوامر الشرع ونواهيه كلها لحكمة ومِن حكيمٍ، ولكن الأصل التسليم لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يعلم أن أعظم سبب وعلة هي العبودية لله تعالى وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

قال الإمام ابن جُزَيٍّ في تفسيره على هذه الآية: معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله؛ انتهى.

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على أن التحاكم إلى ما قضى الله ورسوله في الأمر والنهي من مقتضى الإيمان وعلامة على الإيمان، وبقدر ما يكون عند العبد من الإيمان، يكون عنده كمال الطاعة والامتثال لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: أي: لا ينبغي ولا يليق، ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة، ﴿ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ﴾ [الأحزاب: 36] من الأمور، وحتَّما به وألزَما به ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]؛ أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة أن الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابًا بينه وبين أمر الله ورسوله؛ انتهى.

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على أن عاقبة من ترك ما قضى الله ورسوله في الأمر والنهي الضلال الذي عاقبته الخسران في الدنيا والآخرة؛ قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: فذكر أولًا السبب الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال؛ انتهى.

 

الخاتمة:

ونختم هذه الوقفات بما يقوله الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

وَالْمَقْصُودُ أَن بِحَسَبِ مُتَابَعَةِ الرسُولِ تَكُونُ الْعِزَّةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنصْرَةُ، كَمَا أَن بِحَسَبِ مُتَابَعَتِهِ تَكُونُ الْهِدَايَةُ وَالْفَلَاحُ وَالنجَاةُ، فَاللهُ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ سَعَادَةَ الدارَيْنِ بِمُتَابَعَتِهِ، وَجَعَلَ شَقَاوَةَ الدارَيْنِ فِي مُخَالَفَتِهِ، فَلِأَتْبَاعِهِ الْهُدَى وَالْأَمْنُ وَالْفَلَاحُ وَالْعِزةُ وَالْكِفَايَةُ وَالنصْرَةُ وَالْوِلَايَةُ وَالتأْيِيدُ وَطِيبُ الْعَيْشِ فِي الدنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِمُخَالِفِيهِ الذلَّةُ وَالصغَارُ وَالْخَوْفُ وَالضلَالُ وَالْخِذْلَانُ وَالشقَاءُ فِي الدنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ أَقْسَمَ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ بِأَنْ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتى يَكُونَ هُوَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالناسِ أَجْمَعِينَ»؛ وَأَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ مَنْ لَا يُحَكِّمَهُ فِي كُل مَا تَنَازَعَ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، ثُم يَرْضَى بِحُكْمِهِ، وَلَا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِما حَكَمَ بِهِ، ثُم يُسَلِّمَ لَهُ تَسْلِيمًا وَيَنْقَادَ لَهُ انْقِيَادًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. زاد المعاد (1 / 39).

 

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع القاعدة القرآنية:

 

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50]

 

المقدمة:

 

 

فهذه وقفة مع قاعدة من أعظم قواعد القرآن الكريم، وقد جمعت من المعاني الكثيرة في كلماتها القليلة، وهي عبرة وعظة للمؤمنين وحجة على الكافرين والمعاندين والمستكبرين، وعلى الخلق أجمعين، والله أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

 

الوقفة الأولى:

 

في دلالة الآية على أن الله تعالى هو الذي أعطى جميع المخلوقات خلقها وصورتها اللائقة بها، ومن صفات متنوعة من جوارح خارجية أو أعضاء داخلية، من الإنس والجن والطير والحوت، وجميع المخلوقات في السماء والأرض، وجعل من كل شيء زوجين، وكل نوع أعطاه ما يناسبه.

 

قال العلامة محمد صديق خان في تفسيره على هذه الآية، في كتابه فتح البيان في مقاصد القرآن:

 

أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق بالمنفعة المنوطة به المطابقة له؛ كاليد للبطش والرجل للمشي، واللسان للنطق والعين للنظر، والأذن للسمع، كذا قال الضحاك وغيره، قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه؛ انتهى.

 

 

وذكر الإمام الطبري في تفسيره على هذه الآية: عن ابن عباس، قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، يقول: خلق لكل شيء زوجه، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده.

 

الوقفة الثانية:

 

في دلالة الآية على هداية الله لجميع المخلوقات إلى ما يصلحها ويضمن لها البقاء.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ كل مخلوق إلى ما خلقه له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك؛ انتهى.

 

 

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: فهدى كل نفس لجلب ما يصلحها وينفعها ودفع ما يضرها ويفسدها، وخص النوع الإنساني بأنواع أُخَر من الهداية التي يعرفها ويتمكن من النطق بها لهداية غيره، ومن أعلى أنواع هذا الهدى هدى البيان والدلالة وتعريف الإنسان ومعرفته مراده ومراد غيره، وذلك إنما هو بصفة النطق التي هي أظهر ما في الإنسان، ولذلك شبَّه الله سبحانه بها ما أخبر به من الغيب، فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]؛ الصواعق المرسلة (ص،٤٥٦).

 

 

 

الوقفة الثالثة:

 

في دلالة الآية في الرد على الملحدين والمستكبرين على الحق، وقد جاءت هذه الآية في سياق رد موسى عليه السلام على سؤال فرعون وكِبر فرعون على الحق، وهي أيضًا لكل متكبر على الحق.

 

فإن لهذه المخلوقات مدبر يدبرها ولا بدَّ، وهادي هداها ولا بد، فإنك إذا نظرت إلى العالم العلوي والسفلي رأيتَ فيه التدبير المتقن، وكل شيء قد وُجد على هيئته اللائقة به، وأن كل المخلوقات قد هُديت إلى ما يصلحها ويضمن بقائها.

 

وهذا الإتقان قد تكرَّر في جميع المخلوقات في صور وأشكال لا تُحصى، ويستحيل معه نظرية الصدفة والعشوائية!

 

 

وقد نبَّه الله تعالى إلى هذا، فقال سبحانه: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: ٨٨].

 

♦ ويروى أن طائفةٌ من الملاحدة اجتمعوا بأبي حنيفة فقالوا: ما الدلالةُ على وجودِ الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغولٌ بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلةَ سفينةً عظيمةً مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحدٍ يحركها، ولا رُبَّانٍ يقوم عليها.

 

فقالوا له: مجنونٌ أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: هذا يصدقه عاقل؟ فقال لهم: فكيف صدقت عقولُكم أن هذا العالمَ بما فيه من الأصناف والأنواع والحوادثِ العجيبة، وهذا الفَلَكَ الدوارَ السيَّارَ يجري وتجري هذه الحوادثُ بغير محدِث، وتتحرك هذه المتحركاتُ بغير محرِّك، فرجعوا على أنفسهم بالملام.

 

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن، الذي لا تقترح العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار لأعظم الأشياء وجودًا، وهو مكابرة ومجاهرة بالكذب، فلو قدِّر أن الإنسان أنكر من الأمور المعلومة ما أنكر، كان إنكاره لرب العالمين أكبر من ذلك، ولهذا لما لم يمكن فرعون، أن يعاند هذا الدليل القاطع، عدل إلى المشاغبة، وحاد عن المقصود؛ انتهى.

 

 

 

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ الِاحْتِجاجِ عَلى فِرْعَوْنَ مِن هَذا؟ فالجَوابُ: أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وُجُودُ خَلْقٍ وهِدايَةٍ، فَلا بُدَّ مِن خالِقٍ وهادٍ؛ انتهى.

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية على ربوبية الله تعالى على جميع خلقه، وأنه لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله.

 

 

وكما قيل:

 

 
وفي كل شيء له آية space.gif
 
تدل على أنه الواحد space.gif

فهو وحده الذي أعطى كل شيء ما يصلحه ويضمن له البقاء، لا شريك له.

 

وذكر الإمام الطبري في تفسيره على هذه الآية: عن قتادة، قوله ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ قال: أعطى كل شيء ما يُصلحه، ثم هداه له.

 

 

الخاتمة:

 

 

وهذا النوع من الهداية المذكور في الآية هو الهداية العامة لجميع الخلق، وذلك بهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.

 

نسألك اللهم أن ترزقنا إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، وتنفعنا بآياتك المسموعة، وآياتك المشهودة، فإنها براهين للموقنين، وآيات للمستبصرين، وحجة على المعاندين والمكابرين، ورحمة منك وإحسان على الخلق أجمعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع تفسير الآية القرآنية

 

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]

المقدمة:

فهذه قاعدة عظيمة من قواعد القرآن الكريم، ودعاء من أجمع الأدعية، نذكر جملة من فوائدها النافعة، واللهَ أسأل أن ينفع بها ويتقبلها.

 

الوقفة الأولى:

- أن الآية فيها من أجمع الأدعية التي تشمل على خيري الدنيا والآخرة.

 

ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله، وأولاه بالإيثار؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من الدعاء به، والحث عليه"؛ [انتهى].

 

الوقفة الثانية:

في دلالة الآية على جواز طلب حسنة الدنيا وعمومها، وهي كل خير في الدنيا؛ قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وَقْعُه عند العبد، من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تَقَرُّ به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك، من المطالب المحبوبة والمباحة"؛ [انتهى].

 

الوقفة الثالثة:

في دلالة الآية على طلب الحسنة في الآخرة؛ وهي كل خير في الآخرة.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات، في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم"؛ [انتهى].

 

الوقفة الرابعة:

في دلالة الآية أن العبد المؤمن يطلب من الله أن يَقِيَه عذاب النار الذي هو أعظم السيئات.

 

قال الإمام الطبري في تفسيره على هذه الآية: "وأما قوله: ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]، فإنه يعني بذلك: اصرف عنا عذاب النار"؛ [انتهى].

 

الوقفة الخامسة:

في دلالة الآية على أنه لا يأتي بالحسنات في الدنيا والآخرة إلا الله، ولا يدفع السيئات في الدنيا والآخرة إلا الله، وحده لا شريك له.

 

ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك))؛ [رواه أبو داود].

 

الوقفة السادسة:

في دلالة الآية على توحيد الله تعالى، ففي قوله ﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي هو الرب وحده لا شريك له، وأنه لا يُطلَب إلا منه سبحانه وتعالى.

 

الوقفة السابعة:

في دلالة الآية على أنه لا بأس من طلب حسنة الدنيا مع الآخرة، وأن ذلك لا يعارض حب الآخرة.

 

قال العلامة الرازي في تفسيره على هذه الآية: "بيَّن الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان؛ أحدهما: أن يكون دعاؤهم مقصورًا على طلب الدنيا، والثاني: الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وقد كان في التقسيم قسم ثالث، وهو من يكون دعاؤه مقصورًا على طلب الآخرة، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا؟ والأكثرون على أنه غير مشروع؛ وذلك أن الإنسان خُلِقَ محتاجًا ضعيفًا، لا طاقة له بآلام الدنيا، ولا بمشاقِّ الآخرة، فالأولَى له أن يستعيذ بربِّه من كل شرور الدنيا والآخرة؛ روى القفال في تفسيره عن أنس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يَعُوده وقد أنهكه المرض، فقال: ما كنت تدعو الله به قبل هذا، قال: كنت أقول: اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة، فعجِّل به في الدنيا، فقال النبي عليه السلام: سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك؛ ألَا قلت: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]، قال: فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشُفِيَ))"؛ [انتهى، والحديث رواه مسلم].

 

الوقفة الثامنة:

في دلالة الآية في طلب البعد عن سيئات الدنيا والآخرة؛ لأن طلب الحسنة هو فرار من السيئة التي هي ضدها.

 

قال الإمام ابن كثير في تفسيره على معنى حسنة الآخرة: "الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة"؛ [انتهى].

وذكر الإمام ابن الجوزي في تفسيره حسنة الدنيا: "العافية"؛ [قاله قتادة، انتهى].

 

الوقفة التاسعة:

في دلالة الآية أن العبد لا يتمنى البلاء في الدنيا، بل عليه أن يطلب ويرجو الخير والعافية؛ ومن ذلك ما ذكره الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية: "عن السدي أما حسنة الدنيا فالمال، وأما حسنة الآخرة فالجنة"؛ [انتهى].

وقال قتادة: "حسنة الدنيا: العافية في الصحة وكفاف المال"؛ [انتهى].

 

الوقفة العاشرة:

في الآية إشارة إلى الخوف والرجاء عند العبد المؤمن، فإن طلبه حسنة الدنيا والآخرة من الرجاء والرغبة، وطلبه حسنة الآخرة من الخوف والرهبة.

 

الوقفة الحادية عشرة:

في دلالة الآية على أن العبد المؤمن يطلب حسنة الدنيا والآخرة، وأن غيره يطلب حسنة الدنيا فقط.

 

قال الإمام ابن كثير في تفسيره على هذه الآية: "قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عامَ غَيثٍ وعام خصْبٍ وعام وَلَاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا؛ فأنزل الله فيهم: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 200]، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين، فيقولون: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]، فأنزل الله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة: 202]؛ ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى، فقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]"؛ [انتهى].

 

الخاتمة:

جمعت هذه الدعوةُ في هذه الآية كلَّ خير في الدنيا والآخرة، وطلب صرف كلِّ شرٍّ في الدنيا والآخرة.

 

فاللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×