اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

تدبر سورة يوسف

المشاركات التي تم ترشيحها

سورة يوسف وتصوير الحياة الاجتماعية في هذه المرحلة التاريخية

 

بعيداً عن الدلالات السياسية التي تؤكد روح الاستبداد والاستعلاء لدى السّاسة في هذا العصر، والتي يؤكدها بوضوح إقدام العزيز على سجن يوسف، وهو يعلم براءته لمجرد القضاء على الشائعات التي تلوكها الألسنة.

 
بعيداً عن هذه الدلالة السياسية؛ ثمة دلالة اجتماعية خطيرة تفيدنا أن المرأة -في الطبقة العليا بخاصة- كانت تتمتع بنفوذ كبير، وأن المرأة - من هذه الطبقة من الطبقات العليا في مصر - لم تكن تأبه كثيراً بنفوذ زوجها، ولا شخصيتـّه، فهي تتصرف، وتـُعبّر عن أهوائها بحرية كبيرة.

 
إن موقف عزيز مصر، كما يصوره القرآن بخاصة -والتوراة بدرجة كبيرة- من هذا الأمر الذي نشأ بين زوجته ويوسف؛ كان موقفاً متخاذلاً، يقترب بصاحبه من (الديوثية)؛ أي انعدام الغيرة تقريباً، والسكوت على المنكرات في بيته؛ فقد اكتفى بتعليق ضعيف أورده القرآن على لسانه قائلاً: ﴿ يوسفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخَاطِئِينَ ﴾ 1، فالذي يهمّه هو أن يسكت يوسف عن الأمر؛ حتى لا يشيع، وأن تكف زوجته عن ملاحقة يوسف، ولم نجد في التوراة - مع أنها ذكرت اتهام امرأة العزيز ليوسف بالمبادرة - ما يوحي باتخاذ موقف عنيف من زوجها تجاه يوسف... بل استمر يوسف في القصر كما هو!!

 
ولعل التفسير الصحيح يتلخص في الثقة الكاملة لعزيز مصر في أخلاق يوسف ودينه، وإلا لما قبل هذا الوضع غير العادي... وهذا تاج يستحقه يوسف الكريم النقيّ التقيّ (عليه السلام).

 
• ولم يقف الأمر عند زوجة العزيز التي راودت يوسف؛ بل مما يؤكد تفسخ الحياة الاجتماعية في الطبقة العليا؛ ما فعلته امرأة العزيز حين علمت بأن نسوة الطبقة العليا يتحدثن عنها حديثاً لا يسرّها، ليس لمجرد إقدامها على المراودة؛ بل لأنها راودت (خادماً يعمل في قصرها)، كان (عبداً) اشتراه زوجها.. فأغضبها حديثهنَّ عنها، وأرادت تلقينهنّ درساً، فدعتهنّ إلى بيتها كما يقول الله تعالى في القرآن: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ﴾2، فالقضية هي مراودة (فتاها) - كذنب أول - ثم تأتي المراودة كذنب في الدرجة التالية.

 
• ولأنها تدرك حقيقتهن فقد اعتبرت أقوالهنّ مكراً، ومحاولة للاستعلاء، وليس تعبيراً عن جريمة مستغربة.. فقاومت المكر بمكر، والمكيدة بمكيدة، وكما يقول الله في القرآن: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ... ﴾ 3.

 
وهكذا ردت الكيد بالكيد، وانتصرت عليهنّ، وأرتـْهنّ أن هذا (الفتى الخادم) ليس بشراً عادياً كما اعترفن بألسنتهنَّ!!.

 
وهنا نقف عند هذا الاعتراف الجماعي، الدال على الإعجاب بيوسف من نسوة الطبقة العليا عندما قلن: إن يوسف ليس بشراً؛ وإنما هو ملك كريم، فهذا يعني أن هؤلاء النسوة لا يردعهنّ رادع، ولا يخشين أزواجاً، ولا مجتمعاً، فهنّ يعبّرن عن مشاعرهنّ بطريقة علنية صريحة وبتقطيع أصابعهن، وكأنَّ كل واحدة منهنّ قد دخل يوسف في قلـبها فوراً، فلم تستطع أن تعبّر عن إعجابها به إلا بهذه الكلمات الصارخة بالحب والرغبة معاً، وكأننا نلمح - أيضاً - بأنه لا مكان لأزواجهنَّ في قلوبهنّ، فهي قلوب مفتوحة فارغة، مستعدة للامتلاء بأي وافد ذي طبيعة جمالية كمالية مثل يوسف.

 
والقرآن يصور هذا على لسان يوسف عندما يقول: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ 4... فهي دعوة شاملة من نسوة ينتمين إلى طبقة متحررة متفسخة مترفة...

 
ولماذا لا يكن مترفات، وهن يأكلن الفاكهة... وربما اللحوم -بالسكاكين- قبل عدة آلاف من السنين؟!

 
وهذا بُعْدٌ يضاف إلى الأبعاد التي تؤكد على الطبيعة الاجتماعية المتحررة، وعلى المكانة غير الطبيعية للمرأة في مصر في تلك العصور.

 
وأما البُعْد الأخير؛ فيتمثل في هذه الصراحة التي تبلغ حدّ التسيّب الكامل، والتي عبرت عنها زوجة العزيز أمام هذا الجمع بعد أن ردّت كيدهنّ، وافتضحّن أمامها، فقالت بكل جرأة وهي ترى أثر السكاكين والدماء باقية في أصابعنّ: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ ﴾5.

 
• وهنا نلمح بعض الدلالات الإضافية على الحياة الاجتماعية، وحرية المرأة؛ التي تصل حدّ الاستخفاف بالقوانين، والابتذال في التعبير عن الرغبة.

 
• فامرأة العزيز ـ تعلن أمام الجميع ليشهدن عليها ـ أنها هي التي راودته عن نفسه، غير مبالية بزوجها، أو مكانته السياسية، وغير مبالية بالمجتمع، والقوانين، وتعلن -أيضاً- إنه (استعصم)؛ أي أنه عصم نفسه منها، ورفضها، وتعلن كذلك بجرأة غريبة؛ قرارها الذي يقضي بخضوعه لرغباتها، وضرورة تنفيذه كل أوامرها..

 
وأخيراً تلغي الدولة، والقوانين قائلة: إنه إذا لم يفعل ما تأمره به من الفاحشة ليسجنْن وليعاملَنّ معاملة مهينة تجعله صغيراً في أعين الناس!!

 
إننا أمام لوحة حافلة بتصوير اجتماعي وسياسيّ معجز - مع الإيجاز الشديد الذي يصل أيضاً حدّ الإعجاز- وكأننا بهذه السطور القليلة نرى صورة المجتمع أمامنا، ممثلاً في الطبقة الحاكمة، وأختها المترفة؛ اللتين بلغت فيهما المرأة هذه الدرجة من الجرأة، ومن التبذل، ومن السيطرة على الدولة، والقوانين، لدرجة الوعيد بالسجن لمن لا يستجيب لنداء الفاحشة، ملغية أجهزة الحكم، والقانون.

 
• ونحن لا نعتقد أن هذه الصورة لصيقة بعهد الهكسوس فقط في مصر، فالمرأة كانت في كثير من عهود الأسرات الفرعونية الحاكمة شبه إلهه، وكان لها عالمها الخاص الكبير.

 
• وما كان أمام يوسف في مواجهة هذا التسيب القانونيّ، والأخلاقيّ إلا أن يقبل راضياً بالسجن بعيداً عن هذا المجتمع؛ الذي انحط إلى هذه الدرجة: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾6

 
ومن هنا نفهم لمحة أخرى تتعلق برفض يوسف الخروج من السجن إلا بعد أن تثبت براءته من خلال الوقائع التي مضت، ومن خلال اعتراف امرأة العزيز، واعتراف النسوة؛ حتى يخرج إلى المجتمع قائداً لاتجاه إصلاحي أخلاقي جديد، يمكنه من خلاله أن يزرع الأخلاق، والقيم على أساس عقيدة التوحيد، وهو لن يستطيع ذلك إلا إذا كان نظيفاً كل النظافة، بريئاً كل البراءة؛ بل على العكس يحمل صفحة بيضاء؛ حين قاوم أشد المقاومة أيام كونه خادماً، وضعيفاً في بيت العزيز كل الإغراءات الغرائزية، والفوضى الأخلاقية، فكيف به وهو يُمَكـَّن له في الأرض بفضل الله؛ لإنقاذ البلاد والعباد.

 
إنه بالتأكيد سيكون مثلاً أعلى، وأقوى، وأقدر على ذلك.

 
• واللوحة بكامل أبعادها كما بسطنا القول فيها ـ تقدم إعجازاً قرآنياً في تصوير الحياة الاجتماعية والنفسية لشريحة كبيرة من المجتمع المصري في هذا العهد -من جانب- ولمقاومة يوسف الإيمانية، وحرصه على نقاء سيرته في كل الحالات -من جانب ثان- ولأسلوبها الموجز المعجز من جانب ثالث.
1سورة يوسف، آية: 29.
2سورة يوسف، آية: 30.
3سورة يوسف، آية:31، 32.
4سورة يوسف، آية: 33.
5سورة يوسف، آية: 32.
6 سورة يوسف، آية: 33.

 
أ. د. عبدالحليم عويس
شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات تدبرية مع سورة يوسف
بقلم د/ خالد أبو شادي

🌸 (فأرسل معنا أخانا) ( إن ابنك سرق ) عندما كانت لهم مصلحة قالوا: ( أخانا )، وعندما انتهت قالوا: ( ابنك )، فتغيرت لغة الخطاب بتغير المصلحة!

🌸 قال يعقوب: (وأخاف أن يأكله الذئب) فغاب عنه ابنه، ولما قال: (فالله خير حافظا) عاد إليه.. احذر كلماتك وراقب ألفاظك!

🌸 (وما أغني عنكم من الله من شيء): أعلن عجزك أمام أولادك حتى يتعلقوا بالله وحده، ولا يعتمدوا في كل شيء عليك.

🌸 (إني أنا أخوك فلا تبتئس): وجود الأخ يذهب البؤس ويعين على نوائب الدهر ويبرد حرارة القلب .. من فوائد الأخوة.

🌸 [ كذلك كدنا ليوسف ] عندما يكيد لك الخلق بغير الحق ، فانتظر كيد الله بهم، فالجزاء من جنس العمل.
(كذلك كدنا ليوسف): صبر على كيد إخوته، فكاد الله له.

﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ﴾ أحيانا يكون الصمت أبلغ من كثير من الكلام.

🌸 (فأسرها يوسف في نفسه)، فكما قيل: صدرو الأحرار قبور الأسرار.

( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم): رحم الله امرءًا كتم سرًا، وتنازل عن حق؛ ليؤلِّف القلوب وينزع الأضغان.

(فأسرها يوسف في نفسه): احمل الكلمات الموجعة، وضعها تحت ثرى الذاكرة، وادفنها في قبر النسيان.

(فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم!) ليست الصراحة ممدوحة على الدوام، فالمداراة مطلوبة أحيانا تأليفا للقلوب أو اتقاء للشرور.
التغافل من أخلاق العظماء، وتدبَّر: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُم)

🌸 (وابيضت عيناه من الحزن): ابيضت عينا يعقوب ولم تبيض عينا يوسف، فهل عرفت الفارق بيني وبينك يا بني!

🌸 [ قال إنما اشكو بثي وحزني الى الله ] بعض أوجاعك لايفهمها البشر، وليس بمقدور أحد منها تخفيفها.

( قال إنما أشكو بثِّي وحزني إلى الله ) لاتبث شكواك ، إلا للقادر على كشف بلواك!!

🌸 الأولياء يلتمسون الفرج عند اشتداد الابتلاء، فشيخ كبير يوصي أبناءه بعد أن كفّ بصره من الحزن على أبنائه الثلاثة: (ولاتيأسوا من روح الله}

🌸 ﴿ فأوفِ لنا الكيل وتصدق علينا ﴾ قال ابن الجوزي: مـن تـأمّل ذلَّ إخوة يـوسف ؛ عـرف شؤم الزلل!

🌸 وتلك الأيام نداولها بين الناس! الأيدي التي ألقت يوسف في الجب هي نفس الأيدي التي امتدت إليه تسأله: ﴿وتصدَّقْ علينا﴾

🌸 الكريم لا يُكثر عتاب من يحب بل يعذره: ﴿ قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم (جاهلون) ﴾؛ فنسب محاولة قتلهم له إلى الجهل!

خلاصة (أحسن القصص: سورة يوسف) وأهم دروسها في عشر كلمات:
(إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

🌸 (إنه من يتق ويصبر) تعليل لجملة (منَّ الله علينا)، فبسبب التقوى والصبر منَّ الله عليهم.

🌸 على الواعظ أن يغتنم الفرصة لإلقاء الموعظة، وهي عند تأثر السامع وانفعاله كما فعل ذلك يوسف حين قال: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)

🌸 [ قال لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ] من أتاك نادما معتذرا ، فلا تكثر عليه اللوم، يكفيه ما به من ندم.

🌸 ﴿ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم﴾ النفوس الكبيرة تتسامى على الجراح، وتتناسى الآلام، وتغفر زلات الكرام.

🌸 ﴿ إني لأجدُ ريح يوسف ﴾ لم يقل: أشم أو أحس دلالة على يقينه وثقته، فللفرج رائحة لا يجدها إلا المتفائلون.

🌸 (إن ربي لطيف لما يشاء): لا يلمح لطفه إلا من نظر في حكمته، وأيقن أن قضاءه كله خير.

🌸 (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) وصف محاولات قتلههم له بأنها نزغات شيطان! نفوس كبيرة.

🌸 (تَوفَني مُسلِماً و أَلْحقني بالصّالحين ) هـذه أسمى أمنيات الأنبياء، ومع هذا لا تخطر ببال كثير من الخلق!

🌸 (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) دعوة يوسف عليه السلام بعد أن تربع عرش مصر وملك خزائنها، دلالة على الزهد في الملك، والشوق إلى لقاء الرب، وإيثار الآخرة.

🌸 ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا﴾ لا يوجد أداة عطف بين (كُذِّبوا) و (جاءهم) إشارة إلىنزول النصر فورا ، وبلا تريث أو تأخير

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×