اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

ستون قاعدة ربانية في الحياة الزوجية … د . ناصر بن سليمان العمر

المشاركات التي تم ترشيحها

القاعدة الأولى: السَّكن والمودّة والرَّحمة هي الأصل في الحياة الزوجية



قال الله سبحانه : (وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّة وَرَحۡمَةً إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰت لِّقَوۡم یَتَفَكَّرُونَ ) [الروم].

 

هذه الآية تتضمّن القاعدة الكبرى التي يجب أن يقوم عليها أساس بناء الحياة الزَّوجية، والتحقق بما فيها تحقق بواحدة من أهم غايات الزواج؛ سُكنى الزَّوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، ومن هذا يعلم أن طروء الشَّجار والخلاف، بحيث يصير هو الطبيعي في الأسرة، دليلٌ على أنَّ هناك خللًا عظيمًا يجب استدراكه، وإلاّ فليست الزوجة سكنًا بل جحيمًا، وليس الزوج سكنًا بل غريمًا!
 
لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة، أنّ الأصل في العلاقة بين الزوجين، هو المودّة والرحمة، كما أنه تعالىقد بيَّن أنَّ الأصل في المولود الفطرة: (فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیۡهَا) [الروم:30] ويقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : (كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة) أخرجه مسلم ، فإنَّ الأصل في الإنسان هو الإيمان، والكفر طارئ ناشئ؛ فكذلك الأصل في الحياة الزوجية والأسرية هو الاستقرار والمودة والرحمة والسَّكن، فإذا فُقدت هذه الأشياء فعلى الزَّوجين أن يبحثا عن سرِّ هذا الفقد، وليس معنى ذلك أنّه لا يمكن أن تقع مشكلات داخلَ البيوت، فلو خلا بيتٌ من المشكلات لكان ذاك البيت هو بيت النُّبوَّة، لكن فرق بين الشيء العارض اليسير، وبين أن يتحول العارض إلى أصل أصيل!
 

 فالمقصود أنَّ هذه الآية القرآنية، تتضمّن آيةً من آيات الله الكونيّة، وهي أنّ الله تعالى قد جعل الزَّواج سكنًا، وجعل بين الزَّوجين مهما تباعدا في النَّسب مودةً ورحمة؛ وبالتالي فإنّ التّنازع والشِّقاق بين الزَّوجين، هو خلافُ الأصل، يحتمل ما دام أمرًا عارضًا، ولابد أن يعالج خلله إن تجاوز ذلك.
 

إنَّ اليقينَ بهذه القاعدة، وجعْلَها الأساسَ والمنطلق للحياة الزوجيّة، يحدُّ بإذن الله من الخلافات بين الزَّوجين؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما -عند حصول الشِّقاق- يعلم بأنه قد خرج عن الأصل الَّذي جعله الله من آياته، فتتيسّر لهما العودة إلى هذا الأصل. فالإنسان متى ما وجد في حياته أو في صحته اعتلالًا أو مرضًا؛ فإنه يبادر إلى علاجه، ولا يرتاح حتى تعود الصحة إلى بدنه، وكذلك فإنّ فقدان المودَّة والرَّحمة، أو ضعفهما وعدم السَّكن والاستقرار، في الحياة الزَّوجيّة، هو داء دويٌّ، ينبغي معرفةُ سببه؛ ليتيسَّر علاجه، وقد قال الرَّسول صلى الله عليه وسلم : (ما أنزلَ اللهُ من داءٍ إلا أنزل له دواءً، علمه من علمه، وجهله من جهله) ، فليقف الزوجان وقفةً متأمّلة، عند هذه الآية الكريمة، وليجتهدا في النظر إلى مسار حياتهما ليعرفا سبب العلّة والداء، ومن ثمّ يتطلّعان إلى معرفة الشفاء والدواء، والعودة إلى حال الصِّحَّة والعافية، وهي الحال الأصيلة. (وَٱلَّذِینَ جَٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ ) [العنكبوت].



 —————-



1) متفق عليه رواه البخاري (1359)، ومسلم (2658).
 2) رواه الإمام أحمد في المسند (1/‏423)، وابن ماجه (3438)، وابن حبان (6062)، وخرجه الألباني في السلسلة الصَّحِيحَة: (452).


<<<<<<<<<<




القاعدة الثانية: السّعادة في اتِّباع الهدى الإلهيّ والشقاء بضدها


قال الله سبحانه : ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ ﴾ [طه].

هذه الآية الكريمة تضمَّنت قاعدةً مهمةً، وهي : أنَّ العلاج الشافي والدواء الكافي والسَّبب الوافي، لتحقيق الاستقرار في الحياة الدنيا والآخرة، هو اتِّباع هدى الله ، وسنّة نبيِّه ، ومعنى هذه الآية، توضِّحه وتؤكّده الآية التالية لها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَة ضنكا﴾ أي في الدُّنيا على أظهر القولين، ثم بيَّن ما يحدث في الآخرة، قال: ﴿وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ﴾ [طه].

فقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ ﴾، معناه يتوافق مع آية السَّكن والمودة والرحمة في سورة الروم التي مضى ذكرها في القاعدة السابقة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَة ضَنكا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ﴾[طه]، يبيّن أنّ الشقاء والتعاسة هما مصير المعرضين عن الهداية، وذلك في الدنيا والآخرة.

فهاتان الآيتان توضِّحان أنَّ الزَّوجين إذا اتَّبعا الهُدى الرَّبَّانيّ، وهو هنا هدى الدلالة والبيان، ومصدره الوحي= نالا السَّعادة في الدُّنيا والآخرة، وإلا فالشقاء والتعاسة مصيرهما.
وقد يقول قائلٌ: ألستَ ترى بيوتًا صالحةً طيِّبةً، وأهلها ملتزمون بمنهج الله جل وعلا، ومع ذلك تعاني من الشَّقاء واضطراب السَّكن؟!
فأقول: هذا صحيح، ولا يخالف القاعدة، فإنّه مهما بلغ البيت من الصلاح والاستقامة؛ فإنه قد لا يخلو من أسباب الشَّقاء، قال تعالى: ﴿وَمَاۤ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِیبَةࣲ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِیكُمۡ﴾ [الشُّورى:30] ولا يخلو أحدٌ من ذنب، أو مخالفة بتأويل، قد يعذر فيه وقد لا يعذر، وإن كان ظاهرُ حياته الصَّلاح والاستقرار، وإلاّ فلو التُزم هدى الشريعة في كل صغيرة وكبيرة، في الاجتماع والفرقة، فحاشا أن يتخلف وعد الله!

وأما ما كان يسيرًا أو عارضًا فلا بد منه فهذا طبع بشري، ثم قد يكون امتحانًا أو ابتلاء لأحد الزوجين أو لكليهما، يرفع الله به درجته، ويجعل له وراءه خيرًا كثيرًا.
فهذه الآية قاعدة، تعالج مختلف مظاهر الخلل وعدم الاستقرار في الحياة الزوجية والأسرية، والتي لن تعدو في النهاية أن تكون ناتجةً من البعد عن الهدى القرآني الرباني والوقوع في الإعراض الكلي أو الجزئي عن الوحي، لكن من انتبه لهذا الخلل وعرف العلّة، فسوف يجد العلاج؛ فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء.

ثم إنَّ العلاج قد يحتاج إلى منهج وبرنامج عمليٍّ، وصبر على بعض مُرِّه، وكلُّ إنسانٍ هو أدرى بحاله، كما قال تعالى: ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِیرَة وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِیرَهُۥ﴾ [القيامة]. أسأل الله أن يجعل حياتنا وبيوتنا آمنةً مستقرَّة، وأن يديم عليها السّكن والمودة والرحمة.


<<<<<<<<<<



القاعدة الثَّالثة: في القرآن بيانُ كلِّ شيءٍ يحتاج إليه الزَّوجان




قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل] هذه الآية الكريمة، تتضمّن قاعدةً مكمِّلةً للقواعد السَّابقة، وفيها إرشاد إلى طرق الهداية والرَّحمة والاستقرار؛ في حياتنا عمومًا وفي الحياة الأسريَّة خصوصًا.
 
ففي هذه القاعدة، بيانٌ مؤكَّدٌ بأنَّ كتاب الله e، قد حوى الجواب على كلِّ هذه التَّساؤلات والمطالب، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وكما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُتَفْصِيلا  [الإسراء]، وقوله: ”كلّ“ في الآيتين تعبير بأقوى صيغ العموم.
 
وهذه القاعدة، تحثُّ الزّوجين على أن يكون من نهجهما في الحياةِ، الرُّجوع إلى كلام الله سبحانه ، للبحث فيه عن كلِّ ما يحتاجون إليه من حلول المشكلات، وتوضيح الغامضات، سواءٌ من أجل تلافي المشكلات قبل وقوعها، أو من أجل معرفة أسبابها وكيفية علاجها بعد الوقوع .
 
فإن الحياة كما يقولون وقاية وعلاج، والوقاية على أيِّ حال خيرٌ من العلاج؛ فليبحث كلٌّ من الأب والأم في كتاب الله عن السُّبل التي جعلها الله تعالى وسيلةً لاستقرار حياتهما، وسببًا لتحقيق السَّكن والمودة والرحمة، كما في آية الرُّوم.
 
ويبحثان فيه عن العلاج إذا وقعت المشكلة، فيبادران إلى البحث عن حلِّها في القرآن؛ لأنَّه (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ)(1) وإنّما يتحقّق لنا العلم به، بالرُّجوع إلى القرآن، ولهذا كانت هذه القواعد، التي نذكرها؛ لتُسهم في الوقاية أولًا، وفي العلاج ثانيًا.

 
ولا شك أنَّ عدمَ الاستقرار والرَّحمة والسَّكن، مرضٌ خلاف ما جَبل الله سبحانه عليه الطبع البشري، وخلاف ما جعل وشرع من أجله الزواج والحياة الأسرية.
 
 فهذه القاعدة على وجازتها قاعدةٌ عظيمةٌ، من اتَّخذها منهجًا في حياته عمومًا وحياته الأسرية خصوصًا؛ نجا وسَعِد في الدُّنيا والآخرة.
 
مع أنه يجب أن نُشير إلى أنَّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين الحياة العامة والحياة الخاصَّة، فيصعب الفصل بينهما، فما يقعُ في حياتنا العامَّة يؤثِّر على حياتنا الخاصَّة، وأيضًا ما يقع في حياتنا الخاصَّة، يؤثِّر على حياتنا العامَّة، سلبًا أو إيجابًا، تقدُّمًا أو تأخُّرًا.
 

 
(1)        رواه الإمام أحمد في المسند (1/‏423)، وابن ماجة (3438)، وابن حبان (6062)، وخرجه الألباني في السلسلة الصَّحِيحَة (452).


<<<<<<<<<<<



القاعدة الرَّابعة: الله تعالى هو الذي يصلح الزوجين



قال الله تعالى : ﴿وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥۤ﴾



تأمَّلوا هذه القاعدة، التي تضمَّنتها هذه الآية الكريمة، من سورة الأنبياء، في سياق بيان استجابةِ اللهِ تعالى لزكريَّا عليه السَّلام، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِیَّاۤ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِی فَرۡدࣰا وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡوَٰرِثِینَ ، فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ یَحۡیَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥۤ﴾
 
فيتبيَّن من هذه الآيةِ الكريمةِ لدى تدبُّر معانيها حقائق كبيرةٌ:
 
من هذه الحقائق: أنَّ الله هو المصلح سبحانه وتعالى، الَّذي يُصلح الزَّوجَ ويصلح الزَّوجةَ
 
ومن هذه الحقائق، ما نلاحظه من إحكام التَّعبير في قوله تعالى: ﴿وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥۤ﴾، لم يقُل: (وأصلحنا زوجه)؛ لأنّ الزوجة قد تكونُ صالحةً في نفسها، بعبادتِها وصلاتها وقيامها، لكنَّها لم تصلح لزوجها، وكذلك الرجل قد يكونُ صالحًا في نفسه، في صلاته وعبادته واستقامته عمومًا، لكنَّه ليس صالحًا لزوجته.
 
إذن، الَّذي يُصلحُ الزَّوجَ أو الزَّوجة للآخر، هو اللهُ تعالى؛ فلنتوجَّهْ إليه تعالى من أجل إصلاح أزواجِنا إذا أصاب العلاقةَ شيءٌ من عدم الاستقرار، أو ضعفٌ في المودَّة والرَّحمة.
وآية الرُّوم قد أكَّدت أهمِّية هذا التَّوجُّه، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ﴾ أي: من آيات الله تعالى الكونيَّة: ﴿أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّة وَرَحۡمَةًۚ﴾ ؛ فهو الذي خلقَكم وجعلَ بينكم المودَّة والرَّحمة؛ وهذا معناه أن نتوجَّه إليه تعالى إذا ما فُقِدت؛ فهو الذي جعلها، وهو الذي يأذن بإبطال أثرها، إذا لم تتحقق أسباب وشروط تحقُّقها في واقع الحياة الزوجيّة.

 
والله على كل شيء قدير، بيده الأمر، ﴿مَّا یَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَة فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا یُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ ﴾
 
ومع إيمان المؤمنين بهذا فإن شواهده التي تطمئن بها قلوب المؤمنين، وتقام بها الحجة على المعاندين ظاهرة، فالواقعَ نفسه يشهد بهذه الحقيقة الكبرى.
 
ومن شهادة الواقع ما نشهده، من أنَّ الَّذين يتوجَّهون إلى الله تعالى، في إصلاح أزواجهم؛ يتحقَّق لهم ذلك، إذا صدقوا في الالتجاء إلى الله بيقينٍ وصدق، وأزالوا الموانع التي أحدثت الفجوة، أو أوقعت الجفاء، أو أذهبت الرحمة والمودة.
 
ومن أخطر الأشياء أن يستسلم الرجلُ أو أن تستسلم المرأة ، لضعف الرحمة والمودة أو فقدها، فيرضيا بوقوع الجفاء، ويعيشا التوتر والخلاف والشِّقاق والمشكلات الزَّوجيَّة اضطرارًا، كما هو واقعٌ في كثيرٍ من البيوتِ، رغم ما جاءهم من البيِّنات والهدى.
 
زرتُ طالبَ علمٍ، فوجدته يعاني من مشكلاتٍ داخلَ بيته؛ فسألته عن العلاج الذي اتَّخذه لحلِّ هذه المشكلات؛ وكنتُ في مجلس بيته، فاكتفى بأن أشار إلى سجادة في ذلك المجلس؛ ففهمتُ أنه يجتهد في التَّوجُّه إلى الله تعالى ، والتَّضرُّع إليه؛ فما مرَّت مدة من الزَّمن، إلا وقد عاد الاستقرار، ورجعت المودة إلى بيته؛ ولمَ لا! وهو قد سلك الطَّريق القريب المختصرَ، واتَّبع المنهج الصحيح: ﴿فَفِرُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ ، ﴿ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعا وَخُفۡیَةًۚ﴾ ، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ﴾ ، ﴿أَمَّن یُجِیبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَكۡشِفُ ٱلسُّوۤءَ﴾ ، فهذه الآيات كلُّها تؤكد هذه الحقيقة.


 القاعدة الرَّابعة: الله تعالى هو الذي يصلح الزوجين

 فمن أولى ما نتخذه لعلاج الخلل، أن نعود إلى الله تعالى ، الذي خلق الزَّوجين؛ فهو الذي يصلحنا، ويصلح لنا أزواجنا، وصلاح الزَّوجة قد يكون نتيجةَ صلاحِ الرجل نفسِه، فإذا صلح الرجلُ صلحت الزوجة، وإذا صلحت الزَّوجة صلح الرَّجل.
 
 ومن الخطأ في أكثر الأحيان أن نحمِّل أحد الطرفين المسؤوليةَ الكاملةَ، لما وقعا فيه، أو وقعت فيه الأسرة، فغالبًا ما يكون ثمة خلل وقع من الطَّرفين معًا، وإن كان أحدُهما بادئًا بالخصام، أو متولِّيًا كِبره، ولكن كان بإمكان الآخر أن يتلافاه، فمحاسبة النفس والرجوع إلى الله والاعتراف بالتقصير أول الحل، ويتبع ذلك أن يتَّجه إلى الله تعالى ، متضرِّعًا إليه بأن يُصلح زوجه

فنسأل الله تعالى ، أن يُصلح أنفسنا، ويصلح أزواجنا، ويصلح بيوتنا، ونحقِّق هذه الغاية الَّتي نسعى إليها من خلال هذه الرِّسالة.

موقع المسلم


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القاعدة الخامسة: السكن والاستقرار في التزام الأمر وترك المناهي


قال الله تعالى: ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾ [النِّساء]

 

وهذه قاعدةٌ أخرى، تتضمّنها هذه الآية الكريمة، فهلا تأمَّلناها، وتأمّلنا تأثيرها على استقرار الحياة الزوجية! وهي وإن كانت قد جاءت في سياق موضوع المنافقين، ومعناها المناسب للسياق: ولو أنهم فعلوا ما تركوه من أمر النبي صلى الله ليه وسلم ، إلاّ أن دلالتها تتجاوز ذلك.

 

يقول الله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّهُم فَعَلُوا مَا یُوعَظُونَ بِهِۦ﴾ أي: في كل شأنٍ من شؤون الحياة عمومًا، وتتناول دلالتها الحياة الأسريَّة والزَّوجيَّة، ﴿لَكَانَ خَیرا لَّهُم وَأَشَدَّ تَثبِیتا ﴾ والتثبيت في التزام الأوامر المتعلقة بالأسرة يعود إلى تحقيق السَّكن والاستقرار والسعادة في الحياة الأسريّة.

 

 إنَّ الله تعالى قد وعظنا وبيَّن لنا سبل الهداية، ورسولنا صلى الله ليه وسلم ، قد تركنا على البيضاء، كما قال صلى الله ليه وسلم: (وَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ) ، فلم يبقَ إلا أن نتَّبع ما أُمرنا به، وأن نفعل ما وُعظنا به؛ حتى نؤسِّس حياتنا على أسس ثابتة راسخة، إذا هبَّت عليها ريح الفُرقة والتّنازع؛ لم تؤثِّر فيها شيئًا!

 

وفي هذه القاعدة، التي يتضمَّنها قوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَیرا لَّهُم وَأَشَدَّ تَثبِیتا ﴾، إشارة أخرى: وهي أن التثبيت يشتد ويزيد بحسب الاستقامة، وعليه فلا حد من الطمأنينة والاستقرار، ينعم بها الملتزم بأمر الله، بل هو في حال ارتقاء متواصل؛ ما دام متَّبعًا لما أنزل الله، مخالفًا لدواعي الطبع ونوازع الهوى اتعاظًا بمواعظ الله. فمهما كان الخير الذي أنت فيه؛ فإنه يزيدُ ويتضاعف، ومهما كانت المودة والرحمة التي بينك وبين أهلك، وبينك وبين زوجك؛ فإنها ترتقي كلما ارتقيت في التزام أمر الله، كما قال تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُور یَهدِی ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن یَشَاۤءُ ﴾

 

تأمَّلوا حال الخيمةَ التي توضع وتُنصب في البَرِّ، إذا لم تُثبَّت أعمدتُها وأطنابها، كيف تسقط وتتهاوى إذا هبَّت عليها أيُّة ريحٍ، أما إذا كانت أعمدتها وأطنابها ثابتةً مستقرَّةً؛ فإنَّ الرياح تأتيها عن يمين وشمال، دون أن تؤثر فيها، واسألوا أهل البادية الَّذين يعيشون حياتهم في البرِّيَّة، كم هبَّت عليهم من الرياح والعواصف، ومع ذلك بقيت بيوتهم البسيطة ثابتة! قد وجدوا من خلال الواقع والتجارب، أنَّ تقوية الأسس والأعمدة والأطناب هو القاعدة القويّة لبيوتهم، التي تكفل بقاءها ثابتةً بإذن الله تعالى.

 

إنَّ الحياة الأسريَّة كذلك لا تسلم من العواصف، ومن محاولاتِ الآخرين زعزعةَ استقرارها، وهؤلاء الآخَرون قد يكونون من أقاربنا، بل من أنفسنا، ومن أولادنا، فالعلاقة الزوجيّة، تتناوشها كثيرٌ من السِّهام الطائشة! أو التي تهدف إلى إحداث الشقاق بين طرفيها؛ الزَّوج وزوجه، وذلك قد يكون من أقرب الأقارب، كما قد تُستخدم فيه مختلف الوسائل والأساليب، المنافية للشَّريعة، من اللجوء إلى السَّحرة، وإلى غير ذلك من الوسائل التي تهدف إلى زعزعة استقرار الأسرة، فإذا كانت العلاقةُ بين الزوج وزوجه ثابتة وقوية وعميقة، قائمة على الالتزام بما ورد إليهم من المواعظ والأحكام الشَّرعيَّة التي جاء بها القرآن، كما قال تعالى: ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾ [النِّساء]

 

والمواعظ والأحكام الشّرعية التي جاءت بها السُّنَّة المطهّرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُم عَنهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر:7]؛ فإذا كانت العلاقة بين الزوجين، قائمةً على هذا الأصل الرَّاسخ؛ فعندئذٍ تثبت هذه الأسرة في وجه العواصف، وتتكسر النصال الخائبة على النصال!

 

إنّ الحياة العامة مؤثرةٌ في الحياة الخاصَّة، كما أنَّ الحياة الخاصَّة مؤثرةٌ في الحياة العامَّة؛ فإذا كان الرّجل مستقيمًا صالحًا في حياته الخاصّة، في عبادته، في صلاته، في أخلاقه، والمرأة كذلك، فإنَّ هذا يؤثر إيجابًا على حياتهما الزّوجيّة، أيضًا فإنَّ قوة العلاقة بين الزوجين، تؤثر في الحياة العامة لكلٍّ منهما، من حيث قدرة الرجل، وقيامه بالواجبات الشرعية العامة للأمة، وكذلك من حيث قدرة المرأة على مهامِّ الدَّعوة والعمل الخيريِّ وسط النساء، والفصل بين كلٍّ من الحياة الخاصَّة والحياة العامَّة، ليس معقولًا، بل هو فصام نكد، إذ كيف لرجلٍ عاجزٍ عن حلِّ مشكلاته الأسريّة، أن يعالج ببعض الجهد مشكلات أمَّته؟ فالحياة الخاصَّة والحياة العامَّة كلاهما صنوان وهذه من تلك، وهذا يجعل قول الله تعالى: ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا﴾ [النِّساء]، بما يكتنفه من عموم، مؤثرًا في حياة الأسرة! وإذا أسَّسنا حياة الأسر أسرة أسرة على أسس قويَّة راسخة، حمينا بإذن الله المجتمع كلَّه من تلك العواصف والقلاقل التي تؤثّر على استقراره.

 

,,,,,,,,,

 

القاعدة السادسة: البيوت العامرة بالقرآن يغمرها اللطف الإلهيُّ

 

قال الله تعالى : ﴿وَٱذكُرنَ مَا یُتلَىٰ فِی بُیُوتِكُنَّ مِن ءَایَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلحِكمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا ﴾ [الأحزاب].

 

الخطابُ في هذه الآية، موجَّهٌ إلى أمَّهات المؤمنين، زوجات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وتأمَّلوا كيف كان ختامها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا ﴾ وهذا معنىً عظيم؛ يوصل الخير إليكم ويدفع الشر عنكم بطريق لا تحتسبونها!

 

وفي هذه الآية رسالة وتوجيهٌ من الخبير سبحانه لكلِّ مؤمنٍ، أن يجعل بيته عامرًا بتلاوة القرآنِ الكريم، فهو كلامُ الله سبحانه ..

 

 وقد عرفنا من السُّنَّة حال البيت إذا لم يكن عامرًا بتلاوة القرآن! روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الْبَيْتُ الَّذِي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ، كَمَثَلِ الْبَيْتِ الْخَرِبِ الَّذِي لَا عَامِرَ لَهُ) .

 

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) ..

 

 وفي روايةٍ عند أحمد، صحَّحها الأرناؤوط: (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ الْبَيْتِ، إِنْ يَسْمَعْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ تُقْرَأُ فِيهِ) .

 

 إذن البيتُ العامرُ بتلاوة القرآن والذِّكر، تتحقَّق فيه أسباب السَّعادة، ويتحقَّق فيه الاستقرار، بإذن الله تعالى ..

 

 أمَّا البيتُ الغارقُ في الأغاني والملاهي، والبرامج المحرمة، والأفلام الماجنة، والغِيبة والنَّميمة؛ فحري بأن يكون مأوىً للشَّياطين، كالبيت الخرب فيه وحشة!

 

كما إذا دخلتَ إلى بيت خربٍ من البيوت القديمة، فماذا أنت واجدٌ فيه غيرُ الحشرات والحيَّات والعقارب وهوام الأرض! فيا أخا الإسلام هل تريد أن يكون البيت مأوى للشياطين، أم تريده محلًا للطف الإلهيِّ والاستقرار والسكينة؟

 

إذن، فلنعمرها بذكر الله تعالى ، وبتلاوة القرآن وتدبره وقراءة تفسيره، ولأجل هذا الغرض، حريٌّ بالزوجين، أن يؤسِّسا حلقةً للعلم في بيتهما، تكون مائدةً للقرآن، ينهلان وينهل من معينها أبناؤهم، فهنا لا مكان للشيطان، بل يفرُّ كما في رواية الإمام أحمد، أو ينفر كما عند الإمام مسلم، وكلها معان متقاربة.

 

 فإذا كان الشيطان يفرُّ وينفر، من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، فكيف بالذي يُعمر بالقرآن كلِّه؟! سيكون بلا شك أشدَّ فرارًا وهربًا.

 

جعل الله بيوتنا عامرةً بذكره، ومحلًا للطفه ومودَّته وحبِّه سبحانه ، فإنه إذا أحبَّنا سرى الحبُّ بيننا، والاستقرارُ إلى قلوبنا، والتآلفُ إلى نفوسنا، والله أعلم.

 

,,,,,,,,,

 

القاعدة السابعة: قدم في الاختيار الزَّوج الصَّالح
 

قال الله تعالى : ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلۡأَیَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤئِكُمۡۚ إِن یَكُونُوا۟ فُقَرَاۤءَ یُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیم ]

 

هذه الآية فيها إشارات:

 

أولًا: تتضمَّن هذه الآية أمرًا موجَّهًا إلى أولياء الأمور بإنكاح مَن تحت ولايتهم من الأيامى وهم: مَن لا أزواج لهم، من رجال ونساء، ثُيَّبٍ وأبكار، وهذا الأمر يدلُّ على أن الإنكاح واجب على الفور عند توفر شرطه، على الراجح، ويؤكد ذلك أنّ الآية تضمَّنت جوابًا على ذريعةٍ يحتجُّ بها كثيرٌ من الناس، فيؤخِّرون الزواج بناءً عليها، ألا وهي: الفقر، وقلة ذات اليد، فأجاب الله سبحانه على المتذرعين بذلك بقوله تعالى: ﴿إِن یَكُونُوا۟ فُقَرَاۤءَ یُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیم﴾.

 

 فالمبادرة إلى الزَّواج تحقق الاستقرار والهدوء النَّفسيَّ، وأكثر الشباب تكون حالهم المادية في مستقبل حياتهم ضعيفة، ثم يتزوجون فرزق الله من يشاء، ولا شك أن المسؤولية وبناء الأسرة من دواعي السعي والعمل الدؤوب.

 

ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَٱلصَّٰالِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤئِكُمۡۚ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ من عوامل الاستقرار الأسريِّ، التي ينبغي مراعاتها: حسن اختيار الزوج أو الزوجة، وكثيرٌ من النَّاس تساهل في هذا الأمر، فلم يراعِ جانبَ الصَّلاح، برغم أهميته الكبيرة.

ثالثًا: في الآية إشارة مهمَّة: إلى أن بعض الناس قد يُراعي جانب الغنى والقدرة المادية، على حساب الصلاح، والله سبحانه يبيّن أنَّ المهم هو الصلاح: ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلۡأَیَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤئِكُمۡۚ﴾، أمَّا فقره فإنَّ الله يغنيه.

 

 وحال كثير من النَّاس اليوم بخلاف ذلك! يردُّ الخاطبَ –وإن كان صالحًا- لأنَّه فقير، ويزوج الغني وإن ضعف صلاحه، ويقول: يعقل ويصلح بعد الزواج! والله تعالى يقول: ﴿إِن یَكُونُوا۟ فُقَرَاۤءَ یُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیم﴾.

 

 فإذا صدق الأبُ أو وليُّ المرأة وأحسن اختيار الزوج لابنته، مراعيًا الصلاح، فإنَّ هذا وعدٌ من الله أن يُغنيه، المهم أن يكون واثقًا وموقنًا ومؤمنًا بوعد الله، وأن يكون سببُ قَبوله له هو صلاحه، أخذًا بالحديث الذي رواه أبو هريرة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : (إذا خطب إليكم من ترضَون دينه وخُلقه؛ فزوِّجوه. إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض)(1)

 

 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزوّج بناته على اليسير، كما روي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قَالَ: (لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فَاطِمَةَ رضي الله عنها ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَعْطِهَا شَيْئًا، قَالَ: مَا عِنْدِي، قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ)(2)

 

 وأيضًا ما روي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِىِّ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله ليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّى قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِى لَكَ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله ليه وسلم: (هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىيءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلاَّ إِزَارِي هَذَا! فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله ليه وسلم: إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لاَ إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا! فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئًا. قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله ليه وسلم: هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيءٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ سَمَّاهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله ليه وسلم: قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)(3)

 

وقد حضرتُ عقد زواج أحد الشَّباب الطّيبين، وكان والد الفتاة رجلًا صالحًا، فعندما سأله العاقد: ما هي شروطك؟ قال: أن يُعلِّمها كتاب الله سبحانه ، وأن يُحفِّظها جزء عمَّ! ولم يشترط شيئًا من عَرَض الدّنيا، بل عندما دفع الزوج المهرَ كان كبيرًا، غضب الأب.

 

بينما بعضُ النَّاس الآنَ -مع كل أسف- يقدِّمُ صاحبَ المال والوجاهة والمنصب وعرَضَ الدُّنيا، على الصَّلاح، وكثيرًا ما جاءني من يستفتيني فيمن جاء يخطب ابنته، يقول: هو غير مستقيم، لكنَّه ذو مالٍ أو ذو منصب، والأعجب أنَّني أسأله أحيانًا عن عمله؛ فأفاجأ بأنه يعمل في بنكٍ ربويٍّ، أو في مجال من المجالات المحرّمة، فأقول له: كيف تزوّجه وهو سيغذي ابنتك من الحرام؟ فيقول: سيصلح بإذن الله ويهتدي بعد زواجه. فأقول له: هل ابنتُك صالحةٌ مستقيمة؟ فيقول: نعم، ويُثني عليها لصلاحها، قلت: وما يضمنُ أن يكون هو سببًا لانحرافها أو عدم استقامتها! بل هذا واقع ومشاهد.

 

وأيضًا فإنَّ الزوجة إذا لم تكن صالحةً، قد تكون سببًا لانحراف الزَّوج، وقد رأيت أناسًا كانت تبدو عليهم سيما الاستقامة، ثمَّ بعد زواجهم بأشهرٍ قلائل؛ بدت على ظواهرهم علامات الفتور، والله أعلم ببواطنهم، فأتساءل عن السَّبب وأفتش، فأجده ضعف استقامة الزَّوجة، فبعض الزوجات قلَّ من يُقاومها، وخاصة إذا أحبَّها زوجُها، وملكت قلبه، فعندئذٍ يتسرَّب إليه الضّعف شيئًا فشيئًا، فحري بأهل الزَّوج أن يجتهدوا في اختيار المرأة الصالحة لابنهم.

 

إنَّ الصَّلاح من أهمّ عوامل الاستقرار الأسريّ، لقد رأيتُ بيوتًا لا يجد أهلها ما يأكلونه إلاّ قليلًا، لكنهم يغبطون على ما هم فيه من استقرار وصفاء ومودة، وقد رُزق بعضهم مع ذلك أبناء صالحين، ولا غرو فالشيء من معدنه لا يستغرب! وحسبنا بيت النبوة، فإنه كما ورد في الحديث، عن عروة، عن عائشة، أنَّها قالت: (إن كنَّا لننظر إلى الهلال ثلاثةَ أهِلَّةٍ في شهرينِ، وما أُوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت ما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان التَّمر والماء)(4)

 

 وكان بيته صلى الله عليه وسلم أسعد البيوت! وكان بوسعه أن يملأه ذهبًا لو شاء! فقد عُرِضت عليه الدُّنيا فأباها، إيثارًا لما عندَ الله في الآخرة.

والمهم هو أن نؤثر الصلاح، وأن نجتهد منذ البداية في اختيار الزوج الصالح أو الزوجة الصالحة، فالسعادة ثمة!

 

قد يقول قائل: هل تعني هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلۡأَیَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤئِكُمۡ﴾ ألا نُزوّج الفاسق مطلقًا؟

 

فأقول: لا، إنما تعني أن نجتهد في اختيار الزَّوج الصَّالح، وأن نشدد في ذلك إن كانت الزوج صالحة، وأمّا ضعيفُ الدِّين فنُزوِّجه بمن هي على شاكلته، وقد سمعتُ سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، في برنامج ”نور على الدَّرب“ مرة وقد سأله سائلٌ من بلدٍ لا يُقيمون حدود الله على من لم يُصَلِّ، قال السائل: إنَّ رجلًا خطب ابنتي، وهو لا يصلي، وابنتي أيضًا لا تصلي! فنصحه الشيخ، ثمّ قال له: إذا كانوا كلُّهم لا يُصلُّون فزوِّجوه، فهكذا نقول، وهذا من فقهه رحمه الله كما قال الله سبحانه : ﴿ٱلۡخَبِیثَٰتُ لِلۡخَبِیثِینَ وَٱلۡخَبِیثُونَ لِلۡخَبِیثَٰتِۖ وَٱلطَّیِّبَٰتُ لِلطَّیِّبِینَ وَٱلطَّیِّبُونَ لِلطَّیِّبَٰتِۚ﴾ ، فإذا جاء رجلٌ ضعيفٌ في دينه، وخطب فتاةً ضعيفةً في دينها؛ فيُزوَّج؛ لأن عدم تزويج ضعيفِ الدِّين قد يكون سببًا للفساد.

 

أسأل الله تعالى أن يُصلح شبابنا، ويجنِّبهم سبل الغواية والفساد.


(1)         رواه الترمذي (1084) وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (1022).

(2)         رواه أبو داود (2125)، والنسائي في الكبرى (5542).

(3)        صحيح البخاري (5149).

(4)         صحيح البخاري (2567)، وصحيح مسلم (2972).

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

القاعدة الثامنة: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن
 

قال الله سبحانه : ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم وَأَنتُم لِبَاس لَّهُنَّ﴾

هذه جملةٌ قصيرةٌ، من آيةٍ عظيمةٍ، وردت في سورة البقرة، لو أنَّ الزَّوجين تدبَّراها وفقِها معانيها ودلالاتها؛ لحلَّ الاستقرارُ والسَّكنُ في رحاب الأسرة؛ ولاجتهد كلٌّ منهما في معاملة زوجه، معاملةً تحقِّق لهما معًا الأنس والراحة.

  

 كم في هذه الكمات القصيرة من معانٍ عظيمة! ولكي ندرك عظمتها، دعونا نتأمَّل في دلالات مفهوم اللباس ووظائفه، وإنَّها لدلالاتٌ كبيرة، أليس يستر عوراتنا؟ ألسنا نختار من اللباس ما نراه جميلًا، ومناسبًا في مظهره ومخبره؟ ألسنا نراه يتناسب مع اختلاف الفصول، فنختار في الشتاء الملابس الثقيلة، لتقينا قرص البرد، ونختار في الصيف الملابس الخفيفة، ذات الألوان الهادئة، لتخفف من لفح الحرِّ؟

 

 إنَّ اللِّباس تعبيرٌ إنسانيٌّ جميل، فمظهر الإنسان مع ثيابه، سواءٌ من حيث نظافتها أو من حيث جمالها، يعبِّر عنه، وعن إحساسه وشعوره، وقد قال رجلٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً) ، وفي روايةٍ أخرى: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي غَسِيلًا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ذَاكَ الْجَمَالُ، إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ) .

  

وبناءً على دِلالات ومعاني اللِّباس، لنتخيَّل كيف تكون العلاقةُ بين الزوجين، إذا تعامل كلٌّ منهما مع الآخر باعتباره لباسًا له! لا ريبَ أنَّها ستكون حياةً محفوفةً بالأنس والمودَّة والرَّحمة، ومصداقًا لهذا المعنى، أذكر أنَّ أحدَ طلابِ العلم من القارَّة الهنديَّة، كان يُترجم كتاب ”ليدَّبَّروا آياته“ الذي يُصدره مركز تَدبُّر بالرياض، وفي يوم من الأيام، أثناء قيامه بترجمة هذا الكتاب، طرأ خلاف بينه وبين زوجته وهي في بلدها، وهو في الرياض، فتشاجرا واختلفا وربما اقتربا من حافَّة الطَّلاق، وقال لها إنّه سيتَّصل بوالدها، ثمَّ عاد إلى عمله في ترجمة الكتاب، فكان من التوفيق أنَّ مرَّ عليه قول الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم وَأَنتُم لِبَاس لَّهُنَّ﴾  فوقف عند معانيه التدبرية التي ذكرها المؤلف، وفيها شيء ممَّا أشرتُ إليه آنفًا، ونظر في المعاني المكنونة في لفظ ”اللِّباس“، فما هو إلا أن نهض واتَّصل بزوجته، وأخبرها بأنّه قد صرف النَّظر عما قاله، فتعجَّبتِ المرأة من سرعة تغيُّره من حالٍ إلى حال؛ فبيَّن لها أنَّه الآن يقوم بترجمة معاني قول الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم وَأَنتُم لِبَاس لَّهُنَّ﴾ ، وقد وجد فيها من الدّلالات العميقة ما لم يكن يخطر على باله، من حقيقة العلاقة بين الزوجين، فقال لها: أنتِ لباسٌ لي، وأنا لباسٌ لك، لا يليق أن يمزَّق اللباس ولا أن يخلع هكذا ارتجالًا! بل لابد من أسباب ووسائل واحتياطات، هي الطرق الشرعيَّة المعتبرة.

  

ولو أنَّ إنسانًا اشترى ثوبًا جميلًا ثمينًا، ثم أصاب الثَّوبَ خرقٌ يسيرٌ، فإنّ العقل لا يقضي بإتلافه ورميه! بل يجدد ويصلح ويخاط ويرقع؛ ما لم يتشوه أو يهترئ ويتلف، وإذا كان إتلاف اللباس الصالح لعارض يسير من السفه وتضييع المال، فكيف بلباس الزوجية!

  

ما أعجب هذه الآيةَ التي وقفنا عندها! ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم وَأَنتُم لِبَاس لَّهُنَّ﴾ ، ما أعظم دلالتها! وما أروع أثرها في تحقيق سعادتنا واستقرارنا، إذا تدبرناها، وذلك برغم قصر موضع الشاهد منها، فلنتدبَّر كلام الله سبحانه كلَّه.

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القاعدة التَّاسعة: تعظيم ميثاق الزوجية من تعظيم حرمات الله

 

قال الله سبحانه: ﴿وَأَخَذنَ مِنكُم مِّیثَٰقًا غَلِیظ﴾

عقد الزوجية ميثاقٌ غليظٌ، ذلك الَّذي أحلَّ للرِّجال المعاشرة الزَّوجيَّة، وكيف لا يكون كذلك، وهو عقدٌ موثَّقٌ بكلام الله سبحانه في خطبة النكاح! قال سبحانه: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله) (1) .

 

 وهذا يُضفي على الزَّواج هيبةً واحترامًا، وينبني على ذلك الميثاق الغليظ أحد خيارين: ﴿فَإِمسَاكُ بِمَعرُوفٍ﴾ وهذا هو الأصلُ.

 

 فإذا وصلتِ الأمورُ إلى درجةٍ لا تُطاق فـ ﴿تَسرِیحُ بِإِحسَٰنࣲۗ﴾ ، فانظرْ حتَّى التَّسريحُ والفِراق، في ظلِّ هذا الميثاق الغليظ، ينبغي أن يكون بتجمُّلٍ وإحسان.

  

إنَّ التَّعامل بين الزَّوجين، وبخاصَّةٍ معاملة الزَّوج لزوجته، لا يخلو من الظُّلم، فإذا تمعَّن الزّوج في دلالات هذا الميثاق الغليظ، وفي حقيقةِ أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الَّذي سيحاسبه على نقض هذا الميثاق أو خالفه، فإنَّه عندئذٍ سيُراعي الله سبحانه عند كلِّ صغيرةٍ وكبيرة ،  وستكون هذه الرِّعايةُ من أعظم أسباب الصَّفاء بين الزوجين.

 

 ونقرِّب هذه الحقيقة بمثالٍ من واقع الحياة، فلو أنَّ رئيسًا في مؤسسة، عنده موظَّفٌ ينتمي إلى أسرةٍ لها مكانةٌ وشأنٌ كبيرٌ في المجتمع، أو كان والده ذا منصبٍ بارز في الدَّولة، فعندئذٍ سنلحظ بحسب العرف العام، أنَّ هذا الرئيس سيجتهد في حسن معاملة هذا الموظف، ويحذر من أن يوقع عليه أيَّ نوعٍ من أنواع الظُّلم، لأنه لا يأمن من عواقب ذلك.

 

 فكأنّه يستشعر رقابةً عليا على تصرّفاته، ومن ثمّ يكون بعيدًا عن الوقوع في مثل هذا الخطأ الكبير، فكذلك هذه الزَّوجةُ الَّتي بين يديك، أنتَ أخذتَها بكلماتِ الله سبحانه ؛ والله رقيبٌ عليك؛ فينبغي أن تعاملها بعدلٍ وإحسانٍ.

 

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ انتهاك هذا الميثاق الغليظ، من جملة حُرُماتِ اللهِ تعالى التي يجبُ تعظيمُها، كما نوَّه بذلك القرآنُ الكريم، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن یُعَظِّم حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَیر لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ﴾ .

 

 وذلك يدل على أنَّك في معاملتك لأهلك بالأسلوب الحسن؛ احترامًا لهذا الميثاقِ، تكونُ في حالِ قربٍ من الله وفي عبادة، ترجو منها ما ترجوه من التعبد إلى الله تعالى بأداء ما افترض، لو أنَّك استحضرت فيها صدق النِّيَّةَ، وابتغيتَ بها وجهَ اللهِ تعالى.

  

وينبني على كون معاملة الزوجةِ عبادةً، إضافةً إلى صدق النِّيَّة، شرطٌ مهمٌّ آخر، وهو أن يحرص الزَّوج على أن تكون عبادتُه، وفقَ ما أرادَ الله تعالى، ووفقَ ما بيَّن الرَّسولُ صلى الله ليه وسلم في سُنَّته؛ وهنا يجد الأزواج في القرآن والسنة تشريعًا متكاملًا، يُبيِّن لهم قواعد الحياة الزّوجيّة، التي ينبغي أن يلتزموا بها عند كلِّ صغيرة وكبيرة (وإنّ لزوجك عليك حقَّا) .

 

 إذن، فمراعاة أن حسنُ معاملة الزوجة، وأداء حقوقها، من تعظيم حدود الله سبحانه ، وتعظيم حرماته، يؤسس قاعدة راسخة للاستقرار الأُسريِّ، تحلُّ بسببها السَّكينة والرَّحمة والمودَّة بين الزَّوجين، والله أعلم.

_________________________________
 

القاعدة العاشرة: تفقَّد قلبك وحاذر أن يميل

 

قال الله سبحانه : ﴿فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ [التَّحريم].

عجيبةٌ هذه القاعدة، الَّتي يتضمَّنها هذا القدر من هذه الآية، الَّتي وردت في سياق الحادثة المشار إليها في سورة التَّحريم، وذلك في قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ، إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [التحريم]

 

والخطابُ في قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾، موجَّهٌ إلى خير نساء المؤمنين، أمَّهاتِ المؤمنين زوجاتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وخاصَّةً إلى الزَّوجتين الكريمتين من أزواجه صلى الله ليه وسلم ، عائشة وحفصة رضي الله عنهما ، لأنّهما كانتا سببًا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يُحبُّه ، فعرض الله عليهما التَّوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: مالت وانحرفت عما ينبغي لهنَّ، من الورع والأدب مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم واحترامه ، وفي هذه القصَّة الَّتي حدثت في بيت النُّبوَّة إشاراتٌ مهمة نتوقَّف عند بعضها، فمنها:

 

أوَّلُ الإشارات المستفادة من هذه القصَّة، هو أنه لا يخلو بيتٌ من المشكلات، فوجود المشكلات بمجرده، لا يُعتبر إشكالًا حقيقيَّا، لأنَّ طريق الإصلاح مفتوحٌ دائمًا، ومفتاحه هو التَّوبة، لذا قال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾.

 

وثاني هذه الإشارات، أنَّه لمّا نبَّه إلى التَّوبة، بيَّنَ سببها، فقال الله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ ، فالّذي يدعو إلى التَّوبة ويوجبها، هو: صغوُ القلب، وميله عمَّا ينبغي، من الورع والأدب مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم واحترامه، ولنلحظ أنَّ سبب التَّوبة هو صغوُ القلب، وليس صغو البدن، لأن القلب إذا صغى ومال إلى غير جهة التَّقوى؛ انعكس ذلك على تصرفات الزَّوج أو الزّوجة، وفي هذه الإشارة تحذيرٌ شديد لأمَّهات المؤمنين؛ وكذلك الزوجة التي تؤذي زوجها المؤمن الصالح

 

وكذلك: الزَّوج الذي يؤذي زوجته المؤمنة الصَّالحة فإنَّ كلَّ ما نزل من القرآن للرَّجل أو المرأة، يشمل مدلوله الآخر، إلا إذا دلَّ دليل على الخصوصيَّة، بأن يكون من أحكام النِّساء خاصَّةً، أو من أحكام الرِّجال خاصَّةً، أو دلَّت قرينة على ذلك، وإلا فالخطاب القرآنيُّ يشمل الرجال والنساء جميعًا، كما بيَّن العلماء.

 

وفي قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾، إشارةٌ أخرى، وهي التَّنبيه اللَّطيف إلى أنَّ الأصل هو أن يميل القلب ويصغو إلى جهة التَّقوى؛ فينعكس ذلك على تصرّفات الزوجين، وحسن تعاملهما.

 

وفي مقابل ذلك هناك أمران مخالفانِ لهذا الأصل، أوّلهما أن يميل القلبُ ويصغو إلى غير جهة التّقوى، والثّاني أن يكون الصَّغو أو الميلُ ميلَ البدن والجوارح، لا ميلَ القلب، فهذا معناه أنَّ الزَّوج أو الزوجة، قد يكون في ظاهره مستسلمًا للآخر حال حضوره، فإذا فارقه أظهر ما بطن من نفوره وعناده، ولن تستقيمَ الحياةُ إلا بالأصل، وهو أن يصغو القلب، ويميل إلى جهة الحقِّ؛ وذلك كما في الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)  وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ.

 

وإذا تأمّلنا في الآية العظيمة، التي تقوم عليها كلُّ هذه القواعد الرّبّانيّة، والتي تبدأ بقوله تعالى: ﴿وَمِن ءَایَٰتِهِۦ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَٰجا﴾ ثمَّ يبيِّن الله تعالى علَّة هذا التَّدبير الحكيم والخَلق الكريم، بقوله تعالى: ﴿لِّتَسكُنُوۤا إِلَیهَا وَجَعَلَ بَینَكُم مَّوَدَّة وَرَحمَةً﴾ [الروم:21]، وجدنا أنَّ السَّكن والمودَّة والرَّحمة، كلُّها أعمال قلبيَّة، وبالتَّالي فإذا عُمِر القلبُ بهذه المعاني؛ عُمِر الظَّاهر بآثارها العظيمة، واستقامت عليها الجوارح؛ فلنطهِّر قلوبَنا

 

وقد نقل لي أحد المشايخ أنَّ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، كان كثيرًا ما يدعو بهذا الدُّعاء: ”اللهمَّ أصلح فسادَ قلبي“، ومن صلح قلبه صلح عمله إذا عمل.

 

إنَّ صيانة حقوق طرفي العلاقة الزوجيّة صيانةٌ للدِّين وحدود الشَّرع، وإصلاح القلب هو السَّبيل إلى إصلاح النَّفس، وإصلاحُ النّفس هو السَّبيلُ إلى إصلاح العلاقة بين الزَّوجين، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه : (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) .

 

فليُبادر كلٌّ من الزَّوجين إلى إصلاح قلبه حتَّى يشِعَّ منه النُّور وتتحقق نفسه بالصَّفاء والسَّماحة، فينعكس ذلك على وجه صاحبه وعمله؛ ثمّ ينعكس على بيوتنا، سكنًا ومودَّةً ورحمة.

 

فتفقَّد قلبك، يا أخي الكريم، ويا أختي الكريمة؛ من أجل أن تصفو الحياة إلينا، ومن أجل أن يتحقَّق الحبُّ في بيوتنا وديارنا .

____________________


 

القاعدة الحادية عشرة : وجوب الرَّدِّ إلى الله ورسوله عند الاختلاف

 

قال الله سبحانه : ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾

أي: رُدُّوا ما تنازعتُم فيه من المسائل، إلى الله ورسوله؛ ليحكم فيها ويُبيِّن وجه الصواب، كما يقول الله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا أَطِیعُوا ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِی ٱلأَمرِ مِنكُم فَإِن تَنَٰزَعتُم فِی شَیء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلیَومِ ٱلءَاخِرِ﴾

 

 لو عملنا بهذه القاعدةَ في بيوتنا؛ لاستقامت مسيرتُنا، واستقرَّت أحوالُنا، فهذه الآية تشخِّص الدَّاء وتُبيِّن الدَّواء، وكم فيها من معان وفوائدَ وإشاراتٍ، كفيلةٌ إذا تدبَّرناها بإعادة الاستقرار إلى البيوت، وتحقيق الصَّفاء والمودة والرَّحمة.

 

أولى هذه الوقفات:

أنَّ الخطاب قد ورد في هذه الآيةِ للمسلمين، بهذا اللفظ المحبَّب ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا﴾، وقد روي أنَّ رجلًا أتى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: اعهد إليَّ! فقال: ”إذا سمعتَ اللهَ يقولُ ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا ﴾ فارعها سمعك، فإنه خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه“ (1)

 

ثاني هذه الوقفاتِ:

 أنَّ غاية ذلك النداء المحبَّب كانت هي الأمرُ بطاعة الله والرسول، وطاعة أولي الأمر، فأمَّا طاعة الله والرسول فإنَّها طاعةٌ مطلقة، لا قيد يُقيِّدها، ويُلحظ أنّه لم يقل: ”وأطيعوا الله والرسول“، بل كما ذُكر فعلُ الطَّاعة لله، تكرَّر ذكره للرَّسول صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى: ﴿أَطِیعُوا ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا ٱلرَّسُولَ﴾..

 

 وفي ذلك نقضٌ لقول القرآنيِّين الذين يقولون لا نتَّبع إلا القرآن، وقد كذبوا! لو عملوا بالقرآن لأطاعوا النبي صلى الله عليه وسلم ، ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُم عَنهُ فَٱنتَهُوا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِیدُ ٱلعِقَابِ ﴾

وأمَّا طاعة أولي الأمر فإنَّها طاعةٌ مقيَّدة بطاعة الله ورسوله، ولذلك لم يُكرَّر فيها الفعل، وإنَّما بُنيت على طاعة الله وطاعة الرّسول، ومضمون ذلك أن نطيع أولي الأمر بما يحقِّقُ طاعة الله وطاعة الرَّسول.

 

ثالث هذه الوَقَفات:

 قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعتُم فِی شَیء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ الخطابُ في هذه الآية يشمل كلَّ ضروب النِّزاع التي يمكن أن تطرأ بين المسلمين، والواجب فيها هو ردُّها إلى الله والرَّسول؛ فليس في ديننا علمانيَّة تفصل بين الدِّين والدنيا، بل كلُّها لله سبحانه ..

 

 الحياة في الدنيا تكون بأمر الله، وعلى هداه، والحرث فيها له، كما قال تعالى: ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِینَ لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِینَ ﴾

 

وهو سبحانه قد بيّن لنا ما نحتاجه ، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطنَا فِی ٱلكِتَٰبِ مِن شَیء ﴾ ،  وقال سبحانه : ﴿وَنَزَّلنَا عَلَیكَ ٱلكِتَٰبَ تِبیَٰنا لِّكُلِّ شَیء﴾ ،  وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَیء فَصَّلنَٰهُ تَفصِیلا ﴾

 

 وبناءً على ما سبق فإنَّ النِّزاع في البيوتِ، يجب ردُّه إلى الله والرّسول، وأمر الزوجية في ذلك ألزم من غيره لأنَّ الزَّواج عقدٌ وميثاقٌ ودينٌ وعبادة.

 

 والآيات والأحاديث تركز على هذه المعاني العظيمة، كما روى أبو ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (2).

 

 ويشملُ هذا الأجرُ كلَّ ما يكون بين الزَّوجين من معروف، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (حتَّى ما تجعلُ في فيِ امرأتِك) (3)، أي: ما تُطعمه زوجتك بيدك مؤانسةً وحسنَ معاشرة.

فهذه القاعدة من أكبر القواعد التي تضبط الحياة الزوجية، وذلك بأن نبادر عند حدوث النزاع، بردِّه إلى اللهِ تعالى ، متسائلين عن علَّةِ المشكلةِ وسببها وكيفيّة وقوعها في البيت، وما هو حكمُ الله ورسوله فيها، فنردُّ الأمرَ إلى كتاب الله سبحانه ، ونردّه إلى منهج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

 

ومن الرَّدّ إلى الله ورسوله، أن نتوجَّه إلى العلماء فيما يُشكل علينا من الأمور، فالعلماءُ هم أهل الذّكر، كما قال تعالى: ﴿فَسءَلُوۤا أَهلَ ٱلذِّكرِ إِن كُنتُم لَا تَعلَمُونَ ﴾ .

 

 وتجب طاعتهم فيما يأتوننا به من الهدى، لأنَّهم من ولاة الأمر الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿أَطِیعُوا ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِی ٱلأَمرِ مِنكُم﴾.

 

 فليقف كلُّ زوجٍ عند هذه القاعدة متأمِّلًا في الخير الذي تسوقه إلى هذه المؤسسة العظيمة، مؤسَّسة الأسرة التي تقوم على الميثاق الغليظ بين الزوجين، وليعلم بأنَّ كلَّ ما يبذله من جهدٍ في سبيل ذلك؛ فإنَّه امتدادٌ لما بذله آباؤه وأجداده، فلنكن كذلك لمن بعدنا من أبنائنا وأحفادنا، والله أعلم.

_____________________________________

(1) تفسير ابن كثير (1/‏374).

(2) رواه مسلم (1006).

(3) رواه البخاري (56) ومسلم (1628).

______________


 

القاعدة الثانية عشرة: لا تتعد حدود الله في شؤون الزوجية

 

قال الله سبحانه : ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعتَدُوهَا﴾

ورد التَّحذير من تعدِّي حدود الله تعالى وتجاوزها، في سبع آيات قرآنيّة، وقد وردت هذه الآيات جميعًا في سياقاتٍ تتعلَّق بالحياة الزوجيّة، حال قيامها أو بعد الطّلاق:

 

ففي سورة البقرة، وعند الحديث عن الاعتكاف، جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُم عَٰكِفُونَ فِی ٱلمَسَٰجِدِ تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقرَبُوهَا﴾

 

وفي سورة البقرة في سياق الكلام عن الطّلاق، قال تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمسَاكُ بِمَعرُوفٍ أَو تَسرِیحُ بِإِحسَٰن وَلَا یَحِلُّ لَكُم أَن تَأخُذُوا مِمَّاۤ ءَاتَیتُمُوهُنَّ شَیءًا إِلَّاۤ أَن یَخَافَاۤ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِن خِفتُم أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَیهِمَا فِیمَا ٱفتَدَت بِهِۦۗ تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعتَدُوهَا وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُولَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِن بَعدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوجًا غَیرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَیهِمَاۤ أَن یَتَرَاجَعَاۤ إِن ظَنَّاۤ أَن یُقِیمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوم یَعلَمُونَ ﴾

 

وفي سياق آيات المواريث، من سورة النساء، قال تعالى: ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن یُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ یُدخِلهُ جَنَّٰت تَجرِی مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِینَ فِیهَا وَذَٰلِكَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِیمُ وَمَن یَعصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَیَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ یُدخِلهُ نَارًا خَٰلِدا فِیهَا وَلَهُۥ عَذَاب مُّهِین﴾

 

وبعد أن بيَّن الله تعالى حكم المظاهرين من نسائهم، في سورة المجادلة، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِتُؤمِنُوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَلِلكَٰفِرِینَ عَذَابٌ أَلِیمٌ ﴾

وفي أوّل سورة الطَّلاق، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُوا ٱلعِدَّةَ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ إِلَّاۤ أَن یَأتِینَ بِفَٰحِشَة مُّبَیِّنَة وَتِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُۥۚ﴾

 

وهذا الارتباط بين العلاقة الزوجيّة، والتحذير من تجاوز حدود الله، له دلالات عميقة، تؤكد ما ذكرناه من أنَّ الزّواج عقدٌ وميثاق غليظ، ودينٌ وعبادةٌ وطاعةٌ لله ورسوله، له أحكام وحدود بينتها الشريعة، وقد جاء التحذير من الاقتراب من حدود الله، أو تعدِّيها.

 

ونلحظ أنَّ هذا التحذير من تعدّي حدود الله تعالى، أكثر ما يرد في آيات الطلاق، لأنَّ الطلاق مظنّة تجاوز لحدود الله تعالى ، بسبب ما يحدثُ في سياقه من غضب أو شحناء أو غير ذلك، فلا غرو أن يتكرر التذكير، فيقرأ الزوج: ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقرَبُوهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعتَدُوهَا﴾، فلا تعدٍّ ولا اقتراب؛ لأنه إذا قربها أوشك أن يقع فيها، (كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ) ، فالذي يستهينُ بالقرب من حرمات الله تعالى، قد ينتهكها ويتجاوزها، ولهذا ندب إلى الفضل في العلاقة الزوجية.

 

والمقصود هنا أن هذه الآياتُ سياجٌ عظيم يحفظ العلاقة الزوجية، ويساعد على تماسك المجتمع، فلو أنَّ كلَّا من الزوجين، تأمّل فيما تتضمَّنه من الوعيد المرتّب على تعدي حدود الله، في الزواج والطّلاق وغيرهما، لارتدع عن أسباب فساد كثيرة!

 

بل إن من يتفكَّر في تلك الآيات جديرٌ بأن تتولد في قلبه مشاعر الخشية من الله تعالى ، فيحفظ الحقوق ويرعى العهود.

 

إن هذه الآيات تدفع كلًّا من الزوج والزوجة، إلى طلب السَّلامة والبعد عما يُغضب الله ورسوله، فيا أيُّها الأزواج، ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعتَدُوهَا﴾، ﴿تِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقرَبُوهَا﴾، من أجل أنفسكم، ومن أجل أولادكم، بل من أجل مجتمعكم، بل من أجل دينكم، لا تعتدوها بل لا تقربوها! وأبشروا عندئذٍ بالسَّعادة والهناء والاستقرار.

 
_________________________

 

القاعدة الثَّالثة عشرة: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم)

قال الله سبحانه: ﴿ وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُم ﴾

هذا نهي موجه إلى الزَّوجين من الله تعالى، بأن لا ينسوا الفضلَ بينهم والمعروف، وهذا التَّوجيه الإلهيُّ ورد في سياق بيان الحكم الشَّرعيِّ لمن طلَّق زوجته قبل أن يدخل بها، وذلك في قوله تعالى:

 

 ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

  

إنَّ الله سبحانه في هذه الآية، يأمر بعدم نسيان الفضل بين الزَّوجين، والحال أن المرأة لم يدخل بها زوجها بعدُ ولم يمسَّها، فكيف يكون حالُ من قامت بينهما المعاشرة الزوجيّة، أو عاشا سنواتٍ عديدة في عشِّ الزوجيَّة؟!

  

إنَّ السَّبب الأساسيَّ للخلافات الزَّوجيّة، يكمن في الاستسلام للَّحظة الحاضرة والاستغراق فيها، ونسيان سجل طويل من الفضل والإحسان!

 

 ففي اللحظة التي يثور فيها خلافٌ بين الزوجين، بسبب خطأٍ حقيقيٍّ أو متوهَّم، من أحدهما أو من كليهما؛ يستغرقان فيه، فتُستثار بسببه الكوامن، وتبرز المشكلات ويحدث التَّنافر، فتُطلق الأقوال جزافًا، ويحدث التعدي، ويقع الظُّلم! وذلك كلُّه سببه طغيان اللحظة الرَّاهنة ونسيان ما عداها!

  

لقد نبَّه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الأزواج فقال: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) ، وهذا فيما يخصُّ الرجل.

  

 وأمّا الزَّوجة فقد ورد تنبيهُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وبيانه لإحدى خصال النِّساء، وهي أنَّهنَّ: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ)، ووضَّح ذلك بقوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) ، وهذا كلُّه بسبب نسيان الفضل بينهما، فلذا جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم﴾؛ لكي يُخرجَهما من أسر اللَّحظة الرَّاهنة، بأن يتذكَّرا ما كان بينهما من فضلٍ لكلٍّ منهما نحو الآخر، وليذكرا ما بينهما من صلة الرَّحم، إن كانا من الأقارب، إلى غير ذلك من ضروب الفضل بينهما.

 

 والفضل كثير! كم في عمر الزوجية من ساعة؟! فكيف نسمح بأن تفسد ساعة خلاف ألف ساعة وفاق!

 

 فليكتب كلُّ زوجٍ هذه الآية الكريمة في قلبه، وليكُن منها على ذُكرٍ: ﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم﴾ فإنَّ فيها مخرجًا آمنًا من الوقوع في مستنقع اللحظة الحاضرة.

  

 والغفلةُ عنها، وعن القاعدة الجليلة التي تتضمَّنها قد تسبَّب في كثيرٍ من حالات الطَّلاق والشِّقاق والنفرة.

  

 فإذا وقع لأحد الزوجين ما يزعجه من الآخر، فليتذكر وليُذكّر زوجه بما كان بينهما من أفضالٍ، ليذكرا ليلة الزواج، وما قبلها وما بعدها، وليكونا في هذه الحال كالنَّحلة لا تقع إلا على الورود والأزهار، ولا يكونا كالذُّبابة تبحث في ذكريات عن الخبيث! وذلك حتَّى يعود إليهما الصَّفاء والمودَّة والرَّحمة، بفضل الله سبحانه .

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القاعدة الرّابعة عشرة: وأن تعفوا أقرب للتقوى

 

قال الله سبحانه : ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾ [البقرة:237].

التَّقوى غايةٌ شرعيَّة شريفة تهفو إليها النُّفوسُ، فكلُّ مسلمٍ يسعى إلى تحقيق التَّقوى، لأنَّ تحقيق التَّقوى يعني: الوقايةُ من عذاب الله سبحانه في الآخرة، والوقاية من جميع ألوان الشَّقاء في الدُّنيا، ومنها ذلك الشَّقاء الّذي يُخيِّم على كثيرٍ من البيوت، بسبب النزاعات الزوجية، والذي كثيرًا ما يؤدِّي إلى الفرقة وتشتيت شمل الأسرة، فالتَّقوى تقي بإذن الله صاحبها من هذا الشَّقاء.

 

إن التَّقوى مطلب شرعيٌّ لا بدَّ منه، وضرورةٌ إنسانيَّة، فكيف نحقّق التَّقوى؟

الجوابُ عن هذا السؤال، مضمَّنٌ في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾ أي إنَّ العفوَ هو أقربُ طريقٍ إلى التَّقوى، إذن فليكن العفوُ منهجَ حياتك، سواءٌ في علاقتك الزَّوجيَّة، أو في سائر أنواع علاقاتك، هكذا كان النبي صلى الله عليه سلم في عامة علاقاته يُغضي ويعفو، بل ولا يُفتِّش عن مظانِّ الإدانة للطرف الآخر، ولو كان خادمه، ناهيك أن تكون زوجه أو غيرها، فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه ، خدم رسول الله صلى الله عليه سلم ، عشرة أعوام، حكى عنها فقال: (فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا) ؟

 

إنَّ إقامة معاملاتنا مع أهلنا وأزواجنا، على قاعدة العفو، سيؤدِّي إلى تغييرٍ جوهريٍّ في حياتنا؛ لأنَّه كما يعني أنَّنا مجتهدون في وقاية حياتنا من عذاب النَّار يوم القيامة، كذلك يعني أنَّنا مجتهدون في سبيل وقايتها في الدنيا، من الهموم والغموم والأكدار التي تنغِّص العيش، وذلك حتَّى يكون البيت سكنًا ومستقرًَّا تُخيِّم عليه المودّة والرّحمة، يأوي إليه كلٌّ من الزوجين، وينشدان فيه السعادة والرَّاحة، أكثر مما كانا يجدانه في بيت أهلهما.

 

سمعتُ طالبَ علمٍ يقول: إنَّني أجتهد في كفِّ نفسي عن إيذاء الآخرين، وأسعى إلى أن يكفُّوا هم كذلك أذاهم عنِّي، لكنَّني إذا ما وقع عليَّ الأذى، اجتهدتُ في تحمُّله وتقبُّله، بل والفرحة به؛ لأنَّه يُتيح لي أن أعفوَ عمَّن ظلمني وأساء إليَّ، وذلك يفتح لي بابًا إلى عفو الله تعالى عنِّي ومغفرته لي ذنوبي، كما قال تعالى: ﴿وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [النور:22]، وإذا فزتم بمغفرة الله سبحانه لكم، وأسبغ عليكم رضوانه؛ فماذا تتوقَّعون بعدها، قال تعالى: ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارا یُرسِلِ ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیكُم مِّدرَارا وَیُمدِدكُم بِأَموَٰل وَبَنِینَ وَیَجعَل لَّكُم جَنَّٰت وَیَجعَل لَّكُم أَنهَٰر ﴾ [نوح].

 

نعم لا أحد يتمنَّى أن يقع في بيته مكروه، أو نزاعٌ أو خصام؛ لكن إن قدَّر الله عليه وقوع هذا المحذور، فيجب عليه أن يرضى بقضاء الله تعالى، ويعلم بأنَّ له حكمة، وأن الرِّضا بهذا القضاء ستكون عاقبتُه خيرًا يُفيضه الله تعالى عليه، وعلى بيت الزَّوجيَّة، إذا دافع ذلك المقضي بالعمل المشروع وجوبًا أو ندبًا! فليعتبرها فرصةً لنيل رضوان الله سبحانه وعفوه ومغفرته له ما جنَتْه يداه، وما بدر منه من تقصير في حقِّ الله سبحانه!

 

إذن، ليكن قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ شعارًا للزَّوجين ودافعًا لهما إلى أن يجعلا العفو والمغفرة قاعدةً في المعاملة بينهما، ومنهجًا للحياة كلِّها.

 

﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾، بلى، يريد كلُّ امرئٍ أن يغفر الله تعالى خطاياه، فما قيمةُ الحياة إذا غضب الله علينا ولم يغفر لنا خطايانا؟! فلنتودَّد إلى اللهِ، ولنتوسَّل إليه بطاعته في العفو، عسى أن يعفو عنا وعن أزواجنا، فنسعد في الدارين!

 

إن العفو طهارةٌ للقلب، وكسبٌ للأجر، واستقرارٌ للحياة، وصفاء ومودة!

 

فيا أيُّها الأزواج، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾؟! إذن فاغفروا لأزواجكم، واعفوا عنهم!

 

ويا أيَّتها الزوجة، ألا تحبِّين أن يغفر لك زوجك ويعفو عنك؟!

 

ويا أيُّها الزوج، ألا تحبُّ أن تغفر لك زوجك وتعفو عنك؟!

 

بلى والله، كلُّ زوجٍ يحتاج إلى العفو والمغفرة من زوجه؛ لكي يغفر له ويعفو عنه ربُّه سبحانه وتعالى. إذن فلتتواصوا به!

 

قد يرى أحدُ الزَّوجين أنَّه من العنت والمشقَّة، أن يغفر للآخر، بسبب ما يراه من شدَّة الظلم الواقع عليه، وعندئذٍ فلتكن له فيمن زكاهم الله تعالى أسوة! ليُقارن هذا الظُّلمَ الّذي وقع عليه، بالظلم الذي وقع على يوسف، بل على أبيه يعقوب عليهما السَّلام، برغم ما كان؛ جبٌّ، ورق، وتهمة، وسجن، وفرقة، وحرقة! لم يمنعه ذلك أن يغفر لمن ظلمه، بل كان قولُ يوسف لإخوته: ﴿ لَا تَثرِیبَ عَلَیكُمُ ٱلیَومَ یَغفِرُ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [يوسف:92]، ولما قال أبناء يعقوب ليعقوب: ﴿ٱستَغفِر لَنَا ذُنُوبَنَاۤ﴾ [يوسف:97] كان ردُّه عليهم: ﴿سَوفَ أَستَغفِرُ لَكُم رَبِّیۤ﴾ [يوسف:98].

 

وليُقارن الزوج ما وقع عليه من زوجه بما وقع على النبي صلى الله عليه سلم ، وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه، وزوجه عائشة رضي الله عنها ؛ من حادث الإفك، فكان التوجيه القرآنيُّ الرَّحيم لهم جميعًا، ولأبي بكرٍ رضي الله عنه خاصَّةً، لما عزم وأقسم على قطع النَّفقة عن قريبه مسطح بن أثاثة؛ لأنّه كان ممَّن خاض في الإفك، كان التوجيه: ﴿وَلَا یَأتَلِ أُولُوا ٱلفَضلِ مِنكُم وَٱلسَّعَةِ أَن یُؤتُوۤا أُولِی ٱلقُربَىٰ وَٱلمَسَٰكِینَ وَٱلمُهَٰجِرِینَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغفِرَ ٱللَّهُ لَكُم﴾ [النور:22]، بل إنَّ في قوله تعالى: ﴿وَلیَعفُوا وَلیَصفَحُوۤا﴾ تجاوزًا لمرتبة العفو، وبلوغًا إلى مقام الإحسان، وقد فقه أبو بكر رضي الله عنه هذا المعنى؛ فعفا عن مسطح وأعرض عما كان منه وأحسن إليه.

 

فإذا أخطأت الزوجة على زوجها؛ فينبغي بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم﴾، أن يعفوَ عنها، وفوق ذلك أن يُحسن إليها بالطَّيِّب من القول، وكذلك إذا أخطأ الزَّوج؛ فلتُسامحه الزَّوجةُ، بل لتُحسِن وتتودَّدَ إليه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَن تَعفُوۤا أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ وَلَا تَنسَوُا ٱلفَضلَ بَینَكُم إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِیرٌ ﴾ [البقرة]، فيختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِیرٌ﴾؛ أي تأمَّلوا في حقيقة أنَّ الله تعالى يرقبكم، وينظر إليكم أيُّها الأزواج، فليرَ جلَّ في علاه منكم ما يُريده لكم من الخير والرَّحمة والعفو والتّسامح والتَّقوى.

 

<<<<<<<<<<<<<

 

القاعدة الخامسة عشرة: التَّراضي والتّشاور أساس نجاح شراكة الحياة

 

قال الله تعالى : ﴿فَإِن أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاض مِّنهُمَا وَتَشَاوُر فَلَا جُنَاحَ عَلَیهِمَا﴾ [البقرة:233].

 

والمعنى: إن أراد الأبوان فِطامَ الصَّبيِّ قبل الحولين، بقرارٍ يرتضيانه عبر التَّشاور بينهما، ويريانِ أنَّه مصلحةٌ للصَّبيِّ، فلهما ذلك، (فدلت الآية بمفهومها، على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحةٌ للطفل، أنه لا يجوز فطامه) .

 

إنَّ علاقة هذه الآية بموضوع الاستقرار الأسريِّ، علاقة وثيقة جدًا، ذلك أنَّ النِّزاع بين الزَّوجين، أشدُّ ما يكون حول الأولاد، من حيثُ نفقتُهم وتربيتهم، وأسلوب تأديبهم، ومدارسهم، وما إلى ذلك، فأحيانًا ينتصر الزَّوج لوجهة نظره، وأحيانًا تنتصر الزوجة لرأيها، فتكون هناك منافسةٌ مستمرَّة بينهما، فتأتي هذه الآية لتنبيههما إلى أنَّ هناك طرفًا ثالثًا ينبغي مراعاة حاله، ألا وهو الأولاد.

 

أما استبداد أحدهما بالرأي في مصلحة الرضيع دون تراض أو تشاور ففيه الجناح! وإذا كان اللهُ سبحانه يأمرُ الوالدين بالتّشاور والتراضي، فيما يتعلّق بشأن رضاعة الطفل الصغير، فلا يتّخذ أحدهما قرارًا منفردًا كأن تقرِّر الزوجة أن تفطمه قبل بلوغه العامين، أو يقرّر الزوجُ عدم فطامه قبل ذلك، فيحصل النِّزاع والخلاف، ففي مصالحه الأخرى المتعلقة بهما كذلك.

 

والله سبحانه أمر الزَّوجين بالتَّراضي والتَّشاور معًا، إذ إنَّ أحدهما لا يغني دون الآخر، لأنّه قد يحدث التَّشاور، بدون أن يتحقَّق التَّراضي، وقد يحدث التَّراضي بدون أن يتحقّق التَّشاور، ممّا قد يؤدي إلى إصدار قرارٍ غير مدروس لا يكون في مصلحة الطفل؛ فلا بدّ إذن من التَّراضي والتَّشاور معًا، ثمّ إنَّ التَّراضي قد قُدِّم على التَّشاور، لأنَّ التراضي هو المدخل الطبعيِّ لتشاورٍ فعَّال، لكنَّنا نحتاج إلى التَّراضي في الختام، عندما تؤدّي الشورى والمفاوضة إلى قرارٍ، فينبغي توطيد النَّفس على قبوله.

 

فإذا كان هذا الضَّبط والتَّوجيه، والحثُّ على التراضي والشورى، يتعلّق بفطام طفلٍ رضيع؛ فلا ريبَ أنَّ الأمور الكبار أولى بأن تكون محلَّ تراضٍ وتشاورٍ بين الزَّوجين! فلنتَّخذ من التراضي والشورى، أساسًا لبناء حياتنا الزوجية وحمايتها، ولسنا أعظمَ من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أجلَّ مكانةً، ولا نحن مسدَّدون بالوحي مثله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كان يُشاور زوجاته رضي الله عنهن، بينما تجد أحدهم يسخر قائلًا: ”أشاور امرأةً“؟! سبحانَ الله! في إحدى الأزمات التي مرَّت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، واشتَدَّ الكرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته، جاء الانفراج والفتحُ عن طريق إحدى أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن ، فلماذا هذا الكِبر من بعض الأزواج ؟

 

 ومن العجيب أنّ البعض منهم قد يشكو من مديره في مؤسسته، أو في الوزارة التي يعمل فيها، فيصفه بالاستبداد وعدم المشاورة، بينما هو إذا رجع إلى بيته، وهو القائم عليه، ووليُّ الأمر فيه، تجده يضرب برأي زوجته وأهل بيته عرض الحائط، ولا يشاورهم في قليلٍ ولا كثير، بله أن يُراضيهم.

 

ختامًا، نقول: لا بدَّ من التَّراضي والتَّشاور كليهما، فالتَّراضي تطيب للقلوب بطلب رضاها، والتّشاور فعل للجوارح الموصل إلى ذلك.

 

إن البدء في تحقيق ما نُريد، ينبغي أن يكون من القلب، والمنتهى كذلك ينبغي أن يصير إلى القلب، وما بينهما يمتدُّ التَّشاور أخذًا وعطاءً وتبادلًا للرأي؛ فليتَنا بنينا علاقاتنا كلِّها على أساس التراضي والتشاور، لا أعني علاقاتنا الزوجية فقط، بل كلّ علاقاتنا، فلنوطِّن أنفسنا على التشاور مع إخواننا، وإذا حصل التّوصُّل إلى رأيٍ، فلترض به قلوبنا، وإن كان مخالفًا لبعض ما نراه، فلا أحد يستطيع الجزم بالعواقب، وما تؤول إليه الأمور من خيرٍ أو من شرٍّ؛ فلذا ينبغي دائمًا أن نجتهد في اتِّباع المنهج الصَّحيح، وهو المنهج الذي يقوم على التراضي الذي يعقبه التشاور، ثمَّ التّشاور الذي يتبعه التَّراضي، وهكذا دوالَيك، فترتقي حياتنا وعلاقاتُنا من حالٍ إلى حالٍ، ويتحقَّق الاستقرار فيها، وتحل المودّة والرحمة

 

والسِّر في ذلك، أنّ كلًّا من الطّرفين، يشعر عندئذٍ بحقيقة تكريمه ورعاية نظره وحسن الظن فيه، وهو المعنى المضمَّن في هذه الآية العظيمة ﴿فَإِن أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاض مِّنهُمَا وَتَشَاوُر﴾، أما إن لم يكن تراضٍ ولا تشاور، فثمَّة استبدادُ الزوج أو الزَّوجة، وذهاب النّظام، وغياب التعامل الإنسانيّ الكريم، فهذه الآيةُ ترسمُ منهجًا عظيمًا في حياتنا الزوجية خصوصًا، ثمّ في حياتنا الأسريَّة وعلاقاتنا بأولادنا وأقاربنا، ثم في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا بأصدقائنا وجيراننا، فنضرع إلى الله تعالى أن يرزقنا التَّراضي والتَّشاور، ويكتب لنا السعادة في الدنيا والآخرة.

 

<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<

 

القاعدة السادسة عشرة: لا تُخرجوهنَّ ولا يَخرُجن!

 

قال الله سبحانه : ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ إِلَّاۤ أَن یَأتِینَ بِفَٰحِشَة مُّبَیِّنَة﴾ [الطلاق:1].

تجيء هذه القاعدة، في سياق بيان أحكام الطَّلاق الرَّجعيِّ، ومنها أنَّ المرأة التي وقع عليها الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، أيَّا كان سببُه، يُحكم عليها بأن تبقى في بيت زوجها طيلةَ مدّة العدَّة، لأنَّه طلاقٌ قابلٌ للمراجعة، فلذا تجوز الخلوة بينهما، وهنا يُتاح للزَّوجين أن يُراجعا علاقتهما الزَّوجية، وأن يتَثبَّت الزَّوجُ من صِحَّة قراره الطّلاق، وينظر في العواقب بعد العاصفة، فإن كان صوابًا أمضاه، وإن كان خطأ رجع عنه.

 
وهذا التَّدبير الحكيم، هو بعضُ ما يتضمَّنه قول الله تعالى: ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾ وفيه نهيان، نهيٌ موجَّهٌ للزَّوج بأن لا يُخرج الزوجةَ من بيتها، ونهيٌ موجَّهٌ للزوجة بأن لا تخرج من بيتها، (أمَّا النَّهيُ عن إخراجها، فلأنَّ المسكنَ، يجبُ على الزَّوج للزَّوجة، لتُكمل فيه عِدَّتها التي هي حقٌّ من حقوقه، وأمَّا النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه) .

وهذا التَّدبير الحكيم يبيّن علاقة المرأةِ المطلقة بعد طلاقها ببيت الزَّوجيَّة، حيث يأمر الله تعالى الزوجَ بألَّا يُخرجَ الزَّوجة من بيتها إلا لسببٍ معتبر، قال تعالى: ﴿إِلَّاۤ أَن یَأتِینَ بِفَٰحِشَة مُّبَیِّنَة﴾ أي: بأمرٍ قبيح واضح، موجبٍ لإخراجها، بحيثُ يَدخُل على أهل البيت الضررُ من عدم إخراجها، ولكن من المؤسف في واقعنا اليوم، أنَّه ما أن تقع مشكلةٌ في البيت إلا والزوج يقول لزوجته: اذهبي إلى أهلك، على سبيل الغضب، لا يريد بذلك طلاقًا، أو أن تبادر الزوجة بالخروج إلى أهلها، مغادرةً بيت الزوجيّة. في مسلكٍ لا يُراعي ما يترتب على هذا الخروج أو الإخراج من مشكلاتٍ كبيرة، سواءٌ داخل الأسرة الصّغيرة، عندما يدخل الأولاد البيتَ ويفتقدون والدتهم، والحال أنَّهم لا يستغنون عنها، أو في إطار الأسرة الكبيرة التي تجمع أهل الزوج وأهل الزوجة.

حتى لو كان الزَّوجُ مصيبًا، وزوجته قد أخطأت في حقِّه، فإنَّ بإمكانه أن يتصرَّف بأساليب مختلفةٍ، لا تتعدّى نطاق العلاقة بينه وبين زوجته إلى غيرهما، ولا تترتَّب عنها تلك النتائج المؤسفة، فبإمكان الزوج أن يهجر زوجه في المضجع داخل البيت.

 
وحتّى إذا قدَّر الله وقوع الطَّلاق، وكان رجعيَّا، فالواجبُ عليه أن لا يُخرجَها من بيتها، كما تقدم، لكن لما كان هذا الأمر مظنَّة التفريط باتِّباع الهوى وما يمليه الشيطان في سورة الغضب، مهَّد له الله سبحانه وتعالى، بالأمر بالتَّقوى، فقال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾، والعرف السائد بين النَّاس، أنَّ خروج النِّساء من بيوتهنَّ، يُفاقم المشكلات، فقد يُصرُّ أهل الزّوجة على عدم رجوعها، وتُصِرُّ هي على عدم العودة، وربما يُضطر الزّوج إلى دفع ثمنٍ باهظ، من أجل إرجاعها، وقد يُديم طرق أبواب المحاكم، وقد كان يكفيه أن يتغاضى، وأن يستجيب لداعي التَّقوى.
 

 ويُلحظ أنّ الأمر بتقوى الله تعالى، ورد فيه ذكر الله تعالى الذي هو أهل التَّقوى، بوصف الرُّبوبيّة المؤذن بكونه أمر متفضل كريم يهيئ لكم ما يصلحكم، فقال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ رَبَّكُم لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾، وفي هذا أيضًا إشارةٌ إلى أنَّ هذا التدبير الحكيم، من حُرمات الله تعالى، فالمسألة ليست مجرد انتصار للنفس بل مخالفة للرب تعالى! فاحذر من أن تقع في أسر الغضب والانفعال، فالأمر يتعلّق بحرماتِ الله سبحانه: ﴿وَمَن یُعَظِّم حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَیر لَّهُۥ﴾ ، ﴿وَمَن یُعَظِّم شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى ٱلقُلُوبِ ﴾ [الحج].

 

ولو وطَّن الزَّوجان أنفسهما على التزام هذه القاعدة، وأن تبقى الزوجة في بيت زوجها، لا تخرج منه ولا يخرجها هو؛ لأدّى ذلك إلى تحقيق الاستقرار في بيت الزوجيّة، ولحلَّت فيه المودَّة والرَّحمة.

 

وإذا كان هذا التوجيه الربّاني وقد وقع الطلاقُ! فكيف يكون أثر الإخراج من البيت بدون الطلاق؟ كما هو حال كثير من الأزواج، وكثير من الزوجات؛ إذ تخرج بلا إذن منه، فأين هما من هذه القاعدة العظيمة! ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخرُجنَ﴾! وتأمل قوله: ﴿بُیُوتِهِنَّ﴾، ولم يقل: (بيوتكم)! فهل من معتبر؟

 

<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<

 

القاعدة السَّابعةَ عشرةَ: المعاشرة بالمعروف منهاج الحياة الزوجية

 

قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلمَعرُوفِ﴾ [النساء:13].

 

في قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلمَعرُوفِ﴾ منهج متكامل وأمرٌ بتحقيق الاستقرار والمودَّة والسَّكن، في بيت الزّوجية، وقد خوطب الزّوج بهذا الأمر الإلهيِّ الجليل، بناءً على مقام القِوامة التي كُلّف بها

 

 ولذلك فهو مطالبٌ بأن يجعل من مبدأ المعاشرة بالحسنى منهجًا لحياته الزّوجية، وذلك من لدن أخذه لزوجته من بيتِ أهلها، وإلى أن يلقى الله تعالى

 

 وإذا قدَّر الله تعالى أن يقع بينهما الطّلاق؛ فليكن كذلك بالمعروف، كما قال تعالى: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَوفَارِقُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾ [الطلاق:2].

 

وبناءً على هذا الأمر الربّاني الجليل، فمن الواجب على كلِّ مسلمٍ، أن يراجع أسلوب معاملته لأهله، ويرى: هل هو بالمعروف؟

 

 ونعني بالمعروف ما ورد به الشَّرعُ، أو ما تعارف عليه الناس في مجتمعٍ معيَّنٍ، ممَّا لا يُخالف الشَّرع، إذ لا عبرةَ لما تعارف عليه الناسُ إذا كان مخالفًا لأمر الله تعالى!

 

فهناك مجتمعاتٌ قد تعارفت على إهانة المرأة، مثل ما كان لدى اليهود، من أعراف باطلة، حرّفوا التوراة وتشددوا فشدد الله عليهم! ومن ذلك أنَّهم يُنكرون أن يؤاكلَ الزوجُ الزوجةَ الحائض أو أن يُساكنها في البيت، وهذا خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم

 

 لكنَّنا -مع الأسف- سمعنا أن بعضَ الناس إذا حاضت زوجتُه فارقها في الفراش، وقد ينام في غرفةٍ مستقلَّة، وليس ذلك خشيةَ أن يجامعها فيقع في المحرَّم، إذ لو كان كذلك لكان له وجهٌ شرعيٌّ معتبر، ولكن يفعلون ذلك من باب التنزه أو الكُره والنُّفور لحال كونها حائضًا

 

 وقد لا يأكل أحدهم طعام زوجته الحائض أو النُّفساء ولا يجالسها، خلافًا لما ورد من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، كما روي عن أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة، قالت: (حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنُفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ) ، أي ثوب القَطِيفة، فمعنى ذلك أنّه صلى الله عليه وسلم ، لم يشعر عند حيضتها بكُرهٍ ولا نفور، فينبغي على المسلم أن لا يُبالي بالأعراف الباطلة التي تخالف الشرع.

 

فليُصغِ الأزواج لهذا الأمر الرباني الجليل:﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلمَعرُوفِ﴾، ولتُصغِ الزوجاتُ؛ عسى أن تستقرَّ الحياة ويقع التَّآلف والمودَّة والصفاء.

 

 

<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<<

 

القاعدة الثَّامنةَ عشرةَ: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف

 

قال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:228].
هذه الآية الكريمة، تتضمَّن قاعدةً عظيمةً، تقرِّر مبدأ العدل أساسًا للحياة الزَّوجيّة، بل وتُعلي من مكانة هذا المبدأ، بأن ترفعه إلى مقام الأمر الإلهيِّ والشرعِ المحكم، الذي لو طبَّقناه وأقمناه في حياتنا؛ لاستقرَّت بيوتنا، وخيَّمت عليها المودَّة والسَّكينة والرَّحمة: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: (وللنِّساء على بعولتهنَّ من الحقوق واللوازم، مثلُ الَّذي عليهنَّ لأزواجهنَّ من الحقوق اللَّازمة والمستحبَّة) .

 

فلماذا يُريدُ بعضُ الأزواج أن يأخذَ ولا يُعطي؟! لماذا ينظر إلى المرأة وكأنَّها مملوكةٌ له، ثمَّ يتصرف معها كما يتصرف مع المملوك؟! إنَّه واقع ظالم مسوّد في سجل التَّاريخُ الإنساني بمداد الأسى والحسرة، فجاء الإسلام ووضع القواعد والأسس الكفيلة بتأسيس حياةٍ إنسانيّة كريمة، لكلا عمادي الأسرة، الزوجة والزّوج، وهذا هو السِّرُّ في أنّ الآية الكريمة، وهي تقرِّر العدالة بين طرفي الزواج، تبدأ بذكر ما للطَّرف المستضعف من الحقوق، فإذا كانت النَّظرةُ الخاطئة تهتمُّ بما يجبُ على النِّساء أن يفعلنه من الواجبات، فإنَّ الآية الكريمة تبدأ بذكر ما لهنَّ من الحقوق: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، ولم يقل: (وعليهنَّ مثلُ الذي لهنَّ)، لافتةً نظر الأزواج إلى أنَّ هذا الذي تهتمُّون به من واجباتٍ على المرأة، يستند على حقوقٍ ينبغي أن تبذل لهنَّ في البدء، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فقدَّم حقوق الزوجات على حقوق الأزواج، فقال: {وَلَهُنَّ} أي: حقٌّ لهنَّ واجبٌ شرعيٌّ: {مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ}، وذلك كما في حديث سلمانَ وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما، لمّا آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بينهما، (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا)، أي: إنَّ العبادة تشغله عن القيام ببعضِ واجباته الزوجيّة، (فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)، فقال النّبيُّ صلى الله عليه وسلمَ: (صَدَقَ سَلْمَانُ) ، ففي هذا الحديث تنويه عمليٌّ ببعض معاني هذه الآية الكريمة.
 

ولنلحظ أنَّ الآية الكريمة، إذ تنصب ميزان العدالة بين الزوجين، وتقرِّر المثلية بين كفَّتي هذا الميزان، فإنّها تُقيِّد هذه المماثلة بالمعروف، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وهو المعروفُ الشَّرعيُّ، لأنَّ حقوقَ المرأة تختلف بطبيعتها عن حقوق الرجل، وهذا الاختلاف أكَّدته النصوص الشّرعيَّة كما سوف يأتي في قاعدةٍ مستقلّة، وأكدته كذلك الأعراف الاجتماعيّة، في المجتمعات التي لم تُطمس فطرتها، وهذه المسألة مسألة عظيمة جدًا، فالمماثلة في الحقوق والواجبات الزّوجيّة في الإسلام، ليس المراد بها المساواةَ التي يرفعُ شعارَها أدعياءُ حقوق المرأة، وهي المساواة الحسابيَّة الّتي تسقطُ العوامل الأخرى المتعلّقة بطبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة، والدَّور الاجتماعيّ الّذي يلعبه كلٌّ منهما، أما المساواة الشّرعية، فإنَّها المساواة التي تقوم على قاعدة العدل بين الرجل والمرأة، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، ومراعاة الفوارق بين الرجل والمرأة، ولنضرب لذلك مثالًا من أحكام الميراث، حيث القاعدةُ الغالبة أنَّ نصيب المرأةِ يكونُ نصفَ نصيب الرَّجل عند استواء صلة القرابة الموجبة للإرث، فالزوجة مثلًا إذا تُوفيت يكون نصيبُ الزَّوج من ميراثها النِّصفَ إن لم يكن لها ولدٌ، أو الرُّبع إن كان لها ولد، أمَّا إذا توفي الزوج، فإنَّ نصيب الزَّوجةِ أو الزَّوجاتِ يتراوح ما بين الرُّبع والثُّمن، وقد يبدو في ظاهر النظر السطحي أن هذا الحكم فيه عدم إنصاف لعدم المساواة بين الرجل والمرأة، كما يزعم أدعياءُ حقوق المرأة من المستغربين، لكنَّهم لو نظروا إلى الصُّورة كلِّها؛ للحظوا أنَّ الرَّجل هو المكلَّفُ بالإنفاق وحمل أعباء الأسرة، والمرأة معفاةٌ من ذلك، هذا أولًا، وثانيًا لو أنَّهم استقرؤوا أحوال الميراث؛ التي سوف تنتج فعليًَّا من تطبيق أحكامه؛ لوجدوا أنَّ المرأة في أربع حالاتٍ يكون ميراثها نصف الرجل مع استواء درجة القرابة، وذلك في مقابل عشر حالاتٍ يزيد نصيبُ المرأة فيها على نصيبِ الرَّجل، ثم يتساوى نصيباهما في ثلاثين حالةً، يعرفها المختصون، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]. والمهم هنا هو أنّ مقتضى العدل لا يتحقّق بالمساواة الحسابيَّة دائمًا؛ التي تكون بمعنى المماثلة التَّامَّة، وإنما يتحقّق بالمساواة التي تكون بالمعروف، المساواة الملائمة للواجبات والتبعات، وهي التي يُراعى فيه طبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة، ودورهما الاجتماعي، وكذلك طبيعة النظام الاجتماعيِّ كلِّه، وعندئذٍ فلا ريب أنَّ الإسلام قد أنصف المرأة وكرَّمها ورفع شأنها.
 

إنَّ هذه الآية الكريمة ببنيانها المحكم، تبيِّن أنَّ الحقوق الزّوجيّة، تقوم على أساس المماثلة بالمعروف، مؤكِّدةً في ذلك على حقوق المرأة في المقام الأول، حيث جعلتها معيارًا للمماثلة، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، والحياة الزوجيّة إنَّما تستقيم بتحقيق هذه المماثلة، وقيام كلٍّ من الزَّوج والزَّوجة، بواجباته في مقابل تمتُّعه بحقوقه، فيكون الأخذ مقابل العطاء، أمّا عندما يكون الأخذ بلا عطاءٍ مقابل؛ فعندئذٍ يحدث خلل كبير في العلاقة الزوجيّة، هو أكبر أسباب المشكلات الأسريَّة، فما من مشكلةٍ بين الزوجين، إلا وهناك بخسٌ ونقصٌ وظلمٌ وتفريطٌ واقعٌ من أحدهما على الآخر. مع أنَّ الأصلَ عند حدوث التَّجاوز والتّقصير، هو العفو والصفح، كما قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237]، فلا بدّ من التجاوز، ولا بدّ من العفو، حتى يتَّسم البيتُ بطابع الاستقرار والمودّة والرَّحمة؛ فعلى من يشكو من اضطراب حياته الأسريّة، أن يراجع سلوكه مع زوجه، وينظر هل يقوم بحقوقه الزّوجيّة بالمعروف؟ وقد لحظتُ في كثيرٍ من المشكلات الأسريّة التي عُرضت عليَّ، أنَّ كثيرًا من النِّساء وبعض الرِّجال، ينفون أن يكون قد صدر من قبلهم أيُّ تقصيرٍ في القيام بما يجب عليهم، وهذا هو سببُ المشكلة الأساس، أي الشعور بالبراءة وعدم التّقصير، وكأنَّه مَلَكٌ كريم، بل لا بدَّ من التّقصير، بحكم بشريَّتنا وضعفنا الإنسانيِّ، وكذلك لا بدَّ من التصافح والتعافي والتسامح.
 

إنَّ شعور كلٍّ من الزَّوجين بالضّعف والتّقصير، يُتيح لهما أن يعفوا ويتسامحا، ويُراجع كلٌّ منهما نفسه، ويجتهد في أداء الحقوق الزّوجيّة، التي قرّرها على نحوٍ محكم قولُ الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القاعدة التَّاسعة عشرة: الصُّلح خير

 

قال الله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128].
وردت القاعدة التي تتضمّنها هذه الآية الكريمة، في سياق المشكلات التي تطرأ بين الزوجين، وذلك في قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128]، وفي هذه القاعدة من الدِّلالات ما يستحقُّ الوقوف أمامه والتَّنويه به.

 

من أولى دلالات هذه القاعدة، أنَّ الإسلامَ يتعاملُ مع واقع الأسرة كما هو، لا يفترضُ فيه المثاليَّة والكمال، ولا يُسيء الظَّنَّ به ويصمه بالضَّعف والهوان، بل يراه كما هو كيانٌ متفرِّد، يعرض له النّقص لكنّه قابلٌ للرُّقيِّ في مدارج الكمال، وبالتالي فلا يخلو بيتٌ من وجود المشكلات، بل لم تخلُ بيوتُ الأنبياء من ذلك، ومنها بيتُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، لم تخلُ من مشكلاتٍ طارئةٍ عارضة، ولكن عندما نجعل القاعدة الكبرى في حياتنا قائمةً على أساسِ أنَّ الصُّلح خيرٌ وأولى من كلِّ نزاعٍ وخصام، فعندئذٍ يكون الوئام قريبًا.
 

ومن دلالات هذه القاعدة، المستندة إلى قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}، أنَّ هذا الصُّلح ينبغي في الأصل أن يُعقد في إطار العلاقة بين الزوجين، وفي سياق استجابتهما للهدايات القرآنيِّة الواردة بخصوص ما يجب على كلٍّ منهما تجاه الآخر، من حفظ الميثاق الغليظ الذي تقوم عليه العلاقة بينهما، فالأصل أن لا تتدخَّل أطرافٌ أخرى لإجراء هذا الصُّلح، إلا في الحالات الاستثنائية، عندما يعجزان عن القيام بذلك، وعندما يُخشى أن يَدِبَّ الشّقاقُ بينهما، كما قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35]، فلا يلزم بعث الحكمين، ولا أن يدخل بين الزوجين في الأصل أحدٌ، ولا أولادهما، بل ذلك يكون حالة استثناء، ولا ينبغي أن تتكرَّر، ما دام أنَّ الزَّوجين يُدركان معنى قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.
 

وفي قوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، قال العلماء في المقصود بقوله: إن يُريدا إصلاحًا الزَّوجان، وقال آخرون: هما الحَكَمان، وكلاهما صحيح، فلا بدَّ أن يُريد كلٌّ من الزوجين الصلح صادقَيْن في ذلك، وكذلك ينبغي للحكمين، أن يُضمرا صدق النِّيَّة في الإصلاح بين الزَّوجين، وقد ورد أثرٌ عن عمر رضي الله عنه أنه بعث حكمينِ؛ فلم يحدث الصُّلح؛ فعاقبهما، بناءً على أنّ مفهوم الآية، يدلُّ على أنّ التوفيق بين الزّوجين، رهنٌ بإرادة الحكمين ، وروي عن مالكٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه، قَالَ فِي الْحَكَمَيْنِ: ”أنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا وَالْاجْتِمَاعَ“، قال مالك: ”وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فِي الْفُرْقَةِ وَالْاجْتِمَاعِ“.
 

وبين العفو والصَّفح الذي مرَّ بنا في قاعدةٍ سابقة، وبين الإصلاح علاقةٌ وثيقة، لكنَّهما مختلفان، فالعفوُ والصَّفح يكون بالتَّجاوز كلِّيَّةً من أحد الزَّوجين عن خطأٍ صدر من الطَّرف الآخر، أمَّا الصُّلح فإنَّه عبارةٌ عن اتِّفاقٍ على أمرٍ معين، يؤدّي إلى حلِّ بعض المشكلات الزَّوجيَّة، على أساس أن يتنازل كلٌّ من الطّرفين عن موقفه؛ فيُبرما بينهما صلحًا على هذا الأساس، فعلى سبيل المثال، لو احتاجت الزوجة إلى مبلغٍ من المال، لحاجةٍ لم يرَ الزَّوجُ أهمِّيَّتها، فأصرَّت على موقفها، فليعقدا بينهما صلحًا على أن يعطيها بعض المبلغ، وهكذا فالصُّلح وصولٌ إلى حلٍّ وسط يُرضي الطَّرفين في كلِّ نزاعٍ يختلفان فيه. وحري بنا أن نجعل الصُّلح ديدننا في كلِّ خلافٍ أو اختلافٍ بين الزَّوجين تشاحا فيه بحقوقهما، في كلِّ أمرٍ من الأمور- مظلَّةً يلجأ إليها الزوجان إذا تعذر صفح أحدهما، أصلح الله قلوبنا؛ فإنَّها إذا صلحت، صلحت بيوتنا، والله تعالى أعلم.

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

القاعدة العِشرون: التَّغافل مطلوب

 

قال الله تعالى: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} [التحريم:3].
هذه القاعدة، وردت في سياق الحادثة التي تناولتها سورة التَّحريم، وذلك في قول الله تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم:3]! قال كثيرٌ من المفسّرين، أنَّ هذا السِّياق يتعلَّقُ بأمِّ المؤمنين حفصةَ رضي الله عنها، لما (أسرَّ لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حديثًا، وأمر أن لا تُخبر بهِ أحدًا، فحدَّثت به عائشةَ رضي الله عنها، وأخبره اللهُ بذلك الخبرِ الَّذي أذاعته، فعرَّفها صلى الله عليه وسلم، ببعضِ ما قالت، وأعرضَ عن بعضه، كرمًا منه صلى الله عليه وسلم، وحِلمًا).

 


 

فَحْوى هذه القاعدة، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمّا تبيَّن له ما جرى بين حفصةَ وعائشةَ رضي الله عنهما، من صغوِ قلوبهما نحو ما لا ينبغي لهنَّ، من الورع والأدب معه صلى الله عليه وسلم، وهي مشكلةٌ واجهت بيت النُّبوَّة، فكان من منهج التَّعامل النَّبويِّ مع هذا الحدث، وخاصَّةً فيما يتعلَّق بما قالته حفصةُ لعائشة رضي الله عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: {عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ}، أي: لم يُعرِّفها بكلِّ ما يعلمه، ففي هذه القاعدة درسٌ لأرباب الأسر، أنَّ أحدهم قد يتبيَّن له في بيته أمرٌ من الأمور، لا يُرضيه، فمن الحكمةِ ومن أجل استقرار البيتِ، ومن أجل السُّموِّ والعلوِّ به، أن لا يذكر من ذلك الأمر، إلا ما يكون لازمًا لعودة الحياة إلى طبيعتها واستقرارها، وممَّا يؤكد أهمية هذا المسلك التَّربويِّ الرَّحيم، أنَّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أعرض عن بعض هذا الأمر، رغم أنَّ الله تعالى هو الذي أطلعه عليه.
 


 

فأين نحنُ من هذا المنهج النَّبويِّ التّربويِّ الحكيم، في التّعامل مع المشكلات الأسريّة؟! إنَّ نظرةً عجلى إلى واقعنا، تكشفُ لنا، عن وجود انحرافٍ واضح عن هذه الجادَّة المستقيمة، نحو طَرَفَي الإفراط والتّفريط: فنجد بعض الأزواج، إذا اكتشف وقوعَ شريك حياته، في خطأٍ أو خطيئةٍ كان يجتهدُ في إخفائها؛ واجهه بها، وكشف له عن كلِّ ما يعرفُه عنها، بل قد يتجاوزُ ذلك إلى ما تقودُه إليه ظنونه وأوهامه، غير مبالٍ بما قد يُسبِّبه لأهله أو أولاده، من جُرحٍ نفسيٍّ وإحراجٍ وانكسار. وبالمقابل فإنَّ بعض الأزواج، إذا وقع له ذلك، لم يُبالِ بالأمرِ، ولا يحرَّك له ساكنًا. والمنهج النّبويّ وسطٌ بين الإفراط والتّفريط، وبين الانفعال والبرود، فهو منهجٌ تربويٌّ، ينتبه إلى الخطأ أو الخطيئة، وينبِّه عليها، دون أن يبقى واقفًا عندها، بل يُوجِّه المخطئ إلى أفق التّوبة، ويُذكِّره أنَّ الله تعالى هو الّذي أذِن بكشف ستره، وأنّه وليُّ عباده المؤمنين، كما قال تعالى في شأن حفصة وعائشة رضي الله عنهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم:4].
 

 

إنَّ المربّي الحكيم، يلجأُ إلى هذا المنهج القائم على الإعراض عن بعضٍ، وإظهار بعض، عندما تدعو إليه الحاجة إلى الإصلاح وتقتضيه، وأمَّا في بعض الأحوال، فالحكمة تقتضي أن يتغافل وليُّ الأمر، ولا يظهر شيئًا، ليس بدافع البرود وعدم المبالاة، بل لداعية الحكمة وبعد النَّظر، فهو سيتغافلُ في هذه اللحظة، لكي يواجه الأمر بوسائل وأساليب أخرى، تكون أكثر تأثيرًا، وأعرفُ بعض الأزواج، إذا دخل بيته وشعر أنَّ في البيت شيئًا لا يرضاه؛ تقهقر إلى الوراء، وأشعر أولاده أنَّه داخلٌ، ولذلك قال الحسن رحمه الله: ”ما استقصى كريمٌ قطُّ“.
 

إنَّ تغافلَ الزوج عن بعض ما تأتيه الزَّوجةُ، أو تغافلُ الزَّوجة عن بعض ما يأتيه زوجها، أو تغافلهما معًا أو أحدهما عن بعض انحرافاتِ أولادهما، بحيث لا يُخل بالواجب الشّرعي أمرٌ حميدٌ في كثير من الأحيان، وأمّا إذا اقتضى الواجب الشرعي تنبيهًا؛ فإنّه يُقتصر على ما يحقق المطلوب، ويُزيل المخالفة دون توسُّع؛ لأنَّ المراد هو تحقيق الاستقرار والاستقامة على دين الله، لا جرح النفوس وإذلالها! وكثير من النّاس تكفيه الإشارة، وكم تغافل كثيرٌ من الأزواج عن أخطاء زوجاتهم، فعاشوا معهنَّ باستقرار، وقد أخرج أبو داود، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ)، قَالَ الْمَنَاوِيُّ: (وَمَقْصُود الْحَدِيث: حَثُّ الْإِمَامِ عَلَى التَّغَافُل، وَعَدَمِ تَتَبُّع الْعَوْرَات). وروى البيهقيُّ في مناقب الإمام أحمد عن عثمان بن زائدة قال: (العافية عشرة أجزاء، تسعةٌ منها في التغافل) يقول الراوي: فحدَّثت به أحمد بن حنبل رحمه الله، فقال: (العافية عشرة أجزاء، كلُّها في التَّغافل).
 

 

ومن المعلوم أنَّ التَّغافل غير الغفلة، فالغفلة تؤدي إلى الضَّياع وتضييع الأمانة، أما التّغافل فمسلك تربويٌّ حكيم إن استخدم بعقل، كما قال الشّاعر:
 

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبًا *** صديقَك لم تلقَ الَّذي لا تُعاتبه
 

فينبغي علينا أن نتغافل عن بعض الأمور، انشغالًا بالنَّظر إلى الغاياتِ والأمور المُهمَّات، فاجعلوا هذه القاعدة، ضمن منهجكم في التربية، بل ضمن منهجكم في الحياة كلِّها، فستكون العاقبة هي الخيرُ والصَّفاء، حفظكم الله وأدام مودَّتكم.


 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
 

 

القاعدة الحادية والعشرون: إرضاءُ الزوجةِ حسن في غير معصيةِ

 

قال الله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم:1].
 كثيرٌ مِنَ النَّاسِ -وبخاصَّةٍ الأزواجُ- يَفهمُ هذه الآيةَ على غيرِ وجهِها، فيَظنُّ أنَّ طَلبَ رِضَا الزوجةِ لا يليقُ بالرَّجلِ، ويَستدلُ بهذه الآيةِ استدلالًا خَاطِئًا على النَّهِي عَنْ إرضاءِ الزوجاتِ، ويَجعلُها قاعدةً!

 

والحقُّ أنَّ هذهِ الآيةَ لا يجبُ أنْ تُفصلَ عنْ سياقِها، قالَ تعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}؛ أيْ أنَّ من حَرَّم على نفسه ما أحلَّ اللهُ له يبتغي مرضاةَ أزواجِه، وهو أسوة كالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أتى ما لا يَنبغِي له ولا يجوزُ.
 

ولو أنَّ إنسانًا قال: أنا لا أرغبُ أنْ آكلَ العسلَ أو أنْ أَشْرَبَهُ، فهذا لا يأثمُ بذلكَ حتَّى لوْ لمْ يَشْرَبْه طُولَ عمرِه، لكنْ لوْ أنَّه حرَّمه على نفسِه مِنْ أجلِ رضا زوجِه، وكانت للناس به أسوة فإنَّ الآيةَ تُخاطبُه: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ}، فلا يجوزُ لَهُ ذلكَ.
 

ويجبُ أن نُفرِّقَ بين حالَينِ؛ الأُولَى حال بعضِ الرِّجالِ الذينَ -معَ الأسف- يستجيبونَ لطلباتِ زوجاتِهم وإن كانت فيما حرَّم اللهُ، فيُدخِلُ الواحدُ منهم آلاتِ اللهوِ والأغاني في بيتِه، ثمَّ يقولُ: ماذا أَفعلُ؟ أريدُ أنْ أُرْضِيَ زوجَتي! يَذهبُ إلى أماكِنَ محرَّمَةٍ، فإن عُوتِبَ يقولُ: أريدُ رِضا زوجتِي، وهكذا يقعُ في كثيرٍ منَ المخالفات بسببِ طلبِ رضا زوجتِه.
 

فهنا نقولُ لهذا الرجلِ: لا تبتغي مرضاة أزواج فيما لا يرضى الله! {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} فيما فيه مفسدة! قدْ عاتبَ اللهُ عز وجل نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم لأنَّهُ حرَّمَ على نفسِه ما أباحَه اللهُ له طلبًا لرضا أزواجِه، فكيفَ بمنْ يطلبُ رضا زوجِه بارتكابِ المحرماتِ والموبقاتِ؟ هذا أمرٌ عظيمٌ.
 

والحالُ الثانيةُ على النقيضِ؛ حيثُ تَطلبُ الزوجةُ منْ زوجِها أمرًا مباحًا مشروعًا، فيقولُ: لا، أنا الذي أُبادِرُ، أمَّا أنتِ فلا أطيعُكِ حتى لا يُعَيَّر في بعض المجالسِ: بأن فلانًا يطيعُ زوجتَه ويبحثُ عنْ رِضاها. فهذَا يَنظرُ لبعضِ الأعرافِ الفاسدةِ ويجعلُ لهَا اعتبارًا، حتَّى إذَا قِيلَ لهُ في مجلسٍ: يا فلانُ! أَتبحثُ عنْ رضا زوجتِك وطاعتِها؟ قال: أبدًا واللهِ!
 

والحق ُّالذي لا مَحيدَ عنْهُ، أنَّ إرضاءَ الزوجةِ فِيما أباحَ اللهُ تعالى وفيما لا ضررَ فيهِ جائز، بل قد يكون مشروعًا إذا تضمن مصلحة، وهو منْ أهمِّ عواملِ استقرارِ الحياةِ الزوجيَّةِ، فكيف بإرضائِها فيما استحبَّه الله أو أوجبه، وأمَّا إرضاؤها فيما حرَّمه اللهُ فممنوعٌ، هذا هو المنهجُ الوَسَطُ، لا إفراطَ ولا تفريطَ، فلا نُحرّمُ ما أحلَّ اللهُ لنا إرضاءً لزوجاتِنا، ولا نَمتنعُ عنْ إرضاءِ زوجاتِنا خَوْفًا مِنْ عُرفٍ جاهليٍّ باطلٍ، أنْ يُقالَ فلانٌ يَبحثُ عَنْ رضا زوجتِه.
 

فإذا كانَ البحثُ عنْ رضا الزوجةِ في الحقِّ وِفْقَ ما أباحَ اللهُ تعالى، فضلًا عما شرعَ اللهُ تعالى، قد يكون عبادة وخُلُقًا ممدوحًا بالنظر إلى عاقبته، فكيف بإرضائها في حقوقها، وما يجب لها، وما هو داخل في أمر العشرة بالمعروف؟! ولنَا في رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنةٌ، فعنْ عائشةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (دَخَلَ الْحَبَشَةُ الْمَسْجِدَ يَلْعَبُونَ فَقَالَ لِي: يَا حُمَيْرَاءُ أَتُحِبِّينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَيْهِمْ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَامَ بِالْبَابِ وَجِئْتُهُ فَوَضَعْتُ ذَقَنِي عَلَى عَاتِقَهُ فَأَسْنَدْتُ وَجْهِي إِلَى خَدِّهِ. قَالَتْ: «وَمِنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ أَبَا الْقَاسِمِ طَيِّبًا» فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حَسْبُكِ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَعْجَلْ، فَقَامَ لِي ثُمَّ قَالَ: «حَسْبُكِ؟» فَقُلْتُ: «لَا تَعْجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ». قَالَتْ: «وَمَا لِي حُبُّ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْلُغَ النِّسَاءَ مَقَامُهُ لِي وَمَكَانِي مِنْهُ») ، فأيُّ إرضاءٍ للزوجةِ أكثرُ مِنْ هذا؟
 

فلا ينبغي لنَا إذًا أن نَفهمَ هذهِ الآيةَ على غيرِ وجهِهِا، ولَا أنْ نَنظرَ للمرأةِ نَظْرةَ احتقارٍ وانتقاصٍ، كما سادَ في بعض الأعرافِ، حتَّى يَشْعُرَ الواحدُ منْهُمْ أنَّه مِنَ الْمذمَّةِ والضَّعفِ والذلِ أن يُقالَ إِنَّهُ يريدُ رِضا زوجتِه، بلْ واللهِ إنَّهُ لمِنَ الكَرمِ والشَّرفِ والقوةِ والعزةِ أنْ يَبْحَثَ الإنسانُ عَنْ رِضَا زوجتِه فيما أباحَ اللهُ، فالعزيزُ من يُعِز زوجتَه والكريمُ مَنْ يُكرمُها، والذليلُ مَنْ يُهينُها بغيرِ حقٍّ.
 

فالأخذُ بهذهِ القاعدةِ سببٌ مِنْ أسبابِ الوِقايةِ مِنْ عذابِ اللهِ وعقوبتِه -إنْ نحنُ انتهكنا حُرُماتِ اللهِ إرضاءً لزوجاتنا- وسببٌ لاستقرارِ الأسرةِ وهناءِ الزوجينِ والأولادِ.

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة الثانية والعشرون: التدرجُ في العقوبةِ منهجُ الإصلاح

 

 

قال الله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِی ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ} [النساء:34].
تضمنتِ الآيةُ الكريمةُ قاعدةً جليلةً لعلاجِ الخَطَأ والخَللِ الذي قَدْ يَظْهرُ مِنَ الزوجةِ، فبيّنتْ أنَّ العلاجَ يكون مرحليًا: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}؛ يعني إذا زاد الخلاف، {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}.

 

 

لقدْ جاءت التشريعات المتعلقةُ بالحياةِ الزوجيةِ لتحقيق الاستقرار والعدلِ والطمأنينةِ في البيوتِ، وهيَ مقدماتٌ مهمةٌ لتحقيقِ الاستقرار في المجتمع، فلْننتبهْ لتصرفاتِنا بِناءً على ضوء هذه الآيةِ العظيمة.
 

والآية تُرشِدُ إلى البدءِ أولًا بالوعظِ عند ظهور بوادر النشوز وقبل أن يستفحل الأمر؛ أن يَعِظَها زوجُها ويُخوّفَها باللهِ، فإن انتهتْ فالحمدُ لله، فإنْ لمْ تنتهِ ولم يَنفَعِ الوعظُ فلهُ أنْ يَنْتَقِلَ إِلَى التي بعدها {وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِی ٱلۡمَضَاجِعِ}.
 


 

والهجرُ علَى نوعين:

الأولُّ: أنْ يَمتنعَ عنِ الكلامِ مَعَهَا إلَى ثلاثةِ أيام، وإنْ زادَ علَى ثلاثةِ أيامٍ فلا يَقْطَعُها بالكُليَّةِ، بل يُسلِّمُ عليها ويَردُّ عليها السلامَ، ولكنْ تَجِدُ مِنْ معاملتِه خلافَ ما تَعْهَدُهُ منهُ، من التبسط في الحديث والمعاملة.

 

والثاني: هَجْرٌ في المضجعِ، أي يكونُ معَها في فرِاشٍ واحدِ لكنَّه لا يُكَلِّمُها ولا يُداعِبُها ولا يقربها، وهذا مِنْ أشدِّ ما يقعُ علَى المرأةِ.
 

وينبغي التَّنبهُ إلى قولِهِ تعالى: {فِی ٱلۡمَضَاجِعِ}، لَمْ يَقُلْ يهجِّرها من البيت بأن تذهَبَ لأهلِها، ولم يَقُلْ (واهجروهن في البيوتِ)، بَلْ يَبْقَى مَعهَا في بيتِها، يأكلُ ويشربُ، ولكنْ يهجرُها في الفِراش، وفي الفراش فقط! فلا ينامُ في غرفةٍ مستقلةٍ، وإنْ كانَ هذا جائزًا من حيث الأصل، سائغًا أحيانًا، وبخاصة إذا وجد سببه.
 


 

فإذا لم يُجْدِ ما سبقَ مِنْ أنواعِ التأديبِ، تأتي المرحلةُ الأخيرةُ، {وَٱضۡرِبُوهُنَّ}، فآخِرُ الدواءِ الكي، ولا بدَّ هنا مِنْ تنبيهاتٍ:

الأول: أنَّ الضربَ المرادَ هو الضربُ غيرُ المُبَرِّح.

 

الثاني: أنَّ الأمرَ هنا مصروفٌ عنِ الوجوبِ إلى الِإباحةِ.
 

الثالث: أنَّهُ لا يُنتقلُ لهذا العلاجِ إلا بعدَ فشلِ ما سواه، بل لا يجوز الضرب إلاّ لهذا السبب أو سبب معتبر شرعًا.
 

إنَّ مِنَ الأمورِ المؤْسِفَةِ، أنَّ فهمَ بعضِ الرجالِ الخاطئَ لمسألةِ القِوامةِ يجعلُهُ يَتعدَّى علَى زوجتِه بضربٍ مُبَرِّحٍ، وقد يضربُها لأقلِّ خطأٍ لا يستدعِي مثله الضربَ، وقدْ يبدأُ بالضربِ مباشرةً دونَ أنْ يكونَ هناكَ تدرجٌ في التأديبِ، وهذا كلُّه خطأٌ، فالآيةُ تُرشِدُ إلى التدرجِ، فالوعظُ أولًا، والوعظُ نفسُه درجاتٌ، فقد يكون رقيقًا وقد يكون شديدًا، بحسب الخطأ، ثم يأتي الهجر وهو درجاتٌ كذلك، وأخيرًا يأتي الضربُ إن ظن فيه صلاحًا.
 

 

إنَّ اختيارَ درجةِ التأديبِ المناسبةِ لكلِّ خطأٍ نوعٌ منْ أنواعِ الحكمةِ {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269]. يقولُ ابنُ القيمِ رحمه الله: ”الحكمةُ فعلُ ما يَنبغي كمَا يَنبغي، في الوقتِ الذي يَنبغي“ . فلا ينبغي أن يُجعلَ مَحلَّ الوعظِ الرقيقِ وعظٌ شديدٌ وعنيفٌ، ولا محلَّ الهجْرِ اليسيرِ هجْرٌ دائمٌ، ولا محلَ الهجرِ الضربُ، ولا أن تُضربَ المرأةُ ضربًا شديدًا مبرِّحًا، كلُّ هذا لا يجوز. بلِ الذي ينبغي هو انتهاجُ سبيلِ الحكمةِ، إذ المقصودُ هو العلاجُ لا الانتقامُ أو إيقاعُ العقوبةِ، وهذا معنىً عظيمٌ جدًا.
 

وأَذْكرُ في هذا المقامِ حالَ بعضِ منْ أعرِفُهُ من الأزواجِ، يقولُ: إذا وقعتْ مشكلةٌ منْ زوجتي فلا يمكنُ أن أُعاتِبَها وهي غضبانةٌ بلْ أَنتظرُ حتى تهدأَ، فإذا كانتْ في خير حالاتِها لَمَّحتُ للموضوع تلميحًا، فإن لم يُجدِ التلميحُ اضْطُرِرتُ إلى التصريحِ. وقدْ لا أُحدِّثُها مباشرةً، إنما أَنتظرُ يومًا أو يومين أو أسبوعًا، بلْ قدْ أنتظرُ -واللهِ- الشهرَ والشهرين والسنةَ، حتى يحينَ الوقتُ المناسِبُ لوعظِها في الموضوعِ، رَغْمَ أنَّه قدْ يكونُ أمرًا كبيرًا، بشرطِ ألا يُفَوِّتَ تأجيلُ الكلامِ مصلحةً ولا يُسبِّبُ ضررًا، يقولُ: والذي يُصبِّرني هذه المدةَ أنني أريدُ علاجَ الموضوعِ كي لا يتكررَ، فليسَ همِّي أنْ أُقيمَ الحجةَ عَليها، وبحمدِ اللهِ فإنَّه بهذه الطريقةِ قلّ أنْ يتكررَ الخطأُ. وبهذا استقامتْ حياتُهمْ واستقرَّتْ، واستقرَّتْ حياةُ أولادِهم أيضًا، لما يرون من والديهم، بل سمعت بعض أبناء طلاب العلم، وقد تجاوز العشرين سنة يقول: لم نسمع والدينا يعاتب أحدهما الآخر أمامنا أبدًا.
 


 

ومِنَ الحكمةِ أيضًا مَا أَعرِفُهُ عنْ بعضِ الأزواجِ، يقولُ: واللهِ لا أَذكُرُ أنني عاتبتُ زوجتي أمامَ الأولادِ أبدًا، ولا أنها عاتَبَتْني أمامَهم أبدًا. وهذا لا يَعني أنهما لا يَقَعانِ في الخطأِ أمامَ الأولادِ، لكنَّه اتفاقٌ بينهما غيرُ مكتوبٍ، ألَّا يُعاتِبَ أحدُهما الآخَرَ أمامَ الأولادِ؛ لأنَّ العِتابَ أمامَ الأولادِ، والخلافَ والشّجارَ أمامَهم يُحْدِثُ لديهم رَدَّةَ فعلٍ نفسيةً غيرَ مناسبةٍ، وهما في النهايةِ يُريدانِ علاجَ المشكلةِ لا إحداثَ مشكلةٍ جديدةٍ، فَيَبْحثانِ عنِ الوقتِ المناسبِ للكلامِ والعتابِ في حالةِ صفاءٍ، وفي خَلوةٍ بَعيدًا عنِ الأولادِ.
 

فالمقصودُ أنَّ التَّدرجَ في علاجِ خَطأِ الزوجةِ مِنَ الحِكمةِ، وَهُوَ مَطْلوبٌ مِثلُ التدرجِ في علاجِ المريضِ، فلوْ أُعطِيَ الرجلُ علاجًا أقوَى مما يحتاجه المريض ضرَّه، ولهذا نجدُ بعضَ الناسِ قدْ يذهبُ إلَى الطبيبِ ويطلبُ مضادًا حيويًا فلا يُجيبُه الطبيبُ؛ لأنهُ لا يحتاجُ المضادَ ويَكفيه مسكِّنٌ، ومنَ الخطأِ أن يَصفَ لَه مضادًا حيويًا، وبعضُ الأطباءِ قدْ يَصِفُ للمريضِ مباشرةً مضادًا حيويًا قويًا، فإذَا ذهبَ لطبيبٍ غيرِه قالَ: لا يَحْتاجُ الأمرُ لمضادٍ فضررُه أكبرُ من نفعِه، ويَكفيكَ مُسكِّنٌ أوْ علاجٌ آخرُ دونَ مضادٍ، وبالفعلِ يَذهبُ مَا بهِ بإذنِ اللهِ، وهناكَ مِنَ الأطباءِ مَنْ يَتعجَّلُ فيقرِّرُ للمريضِ عمليةً جراحيةً، فإِذَا ذهبَ لطبيبٍ غيرِهِ قالَ: لا يَحتاجُ الأمرُ لعمليةٍ بلْ لعلاجٍ متدرجٍ، وبالفعلِ يَأْذَنُ اللهُ بالشفاءِ.
 

فكمَا أنَّه يَنبغِي التدرجُ في علاجِ الأمراضِ الحِسِّيَّةِ، فكذلكَ نَتدرجُ في علاجِ الأدواءِ المعنويةِ، فلنبدأْ بالوعظِ بدرجاتِه، ثمَّ يكونُ الهجرُ بدرجاتِه، ثمَّ مَنِ اضطُرَّ إلَى الضربِ فهوَ مباحٌ، ومعَ هذا، فإنني لا أَنصَحُ بهِ في واقعنا، بلْ إني أَنصَحُ بعدمِ الضربِ مطلقًا إلَّا للضرورةِ. 
 


 

إنَّ قدوتَنا صلى الله عليه وسلم الذي أُوحِيَ إليهِ بهذهِ الآيةِ وَعَظَ وهَجَرَ، لكنّه لمْ يَضربْ صغيرًا وَلا كبيرًا وَلا رجلًا وَلا امرأةً قطّ، إلّا ما كانَ في المعاركِ منْ قتالِ الكفارِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ. وقدْ وقعتْ في بيته -بأبي هو وأمي- مشكلاتٌ، فوعظَ فيها وذكَّرَ، ووقعَ فيه ما جَعلَه يَهْجرُ أزواجَه شهرًا، لكنّه صلى الله عليه وسلم لمْ يَضْربْ أبدًا، بلْ حتَّى في قضيةِ المُتظاهِرَتينِ – وهِيَ قضيةٌ عظيمةٌ جدًا- لمْ يضربِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، بلْ إنَّه لمْ يَضرِبْ خادِمَه كمَا ذَكَرَت عائشة رضي الله عنها، فهذا خُلُقُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي أَثنىَ اللهُ عليهِ بقولِهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیم} [القلم:4]، فينبغِي لنا التأسِّي به. ثمَّ إنَّه عِنْدَمَا رَخّصَ بِضَرْبِ النساءِ عَلِمَ بِشكْوَى بعضِهنَّ منْ ضَرْبِ أزواجِهنَّ فقالَ: (لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ) .
 

فَمَنِ اضْطُّرَّ إلى الضَّربِ فهُوَ مُباحٌ وحَقٌّ للرَّجلِ لكنَّه ليسَ أمرًا واجبًا، وفرقٌ بينَ أنْ يستخدمَ الرجلُ حقَّه وأنْ يعفوَ، والله تعالى يقول: {وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلۡفَضۡلَ بَیۡنَكُمۡۚ} [البقرة]، ويقول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22]، فلْنأخذْ بمعالي الأمورِ منْ أجلِ أنْ {ستقِرَّ حياتُنا، ولا نبحثْ عنْ أيّ دليلٍ ونستخدمُه خطأً ونقولْ ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ}، بلْ نستخدمُ الدليلَ في موضعِهِ لأنَّنا نُريدُ العِلاجَ.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

القاعدةُ الثالثة والعشرون: كلٌّ مُيَسَّرٌ لمِاَ خُلِقَ لَهُ

 

قال الله تعالى: {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ} [آل عمران:36].
هذا الكلامُ هوَ كلامُ اللهِ تعالى في سورةِ آلِ عمران، وسواءٌ قلنا إنَّه مِنْ كلامِ امرأةِ عمرانَ وأقرَّهُ اللهُ، أوْ قلْنا هوَ مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، فالحُكْمُ واحدٌ {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ}.

 

 كثيرٌ مِنَ الأزواجِ يَفْهمُونَ الآيةَ الكريمةَ خطأً، ويَحْسبونَ أنَّها لهم فقطْ، لكنَّها في الحقيقةِ لهم وعليْهم؛ {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ} كونًا وشرعًا، خِلقةً وطبيعةً، حقوقًا وواجباتٍ، فلكلِّ واحدٍ منهما خصائصُه، فكونُ الرجلِ الذكرِ ليسَ كالمرأةِ الأنثى، لا يعنِي إعطاءَ كلِّ الحقوقِ للرجلِ وعدمَ إعطاءِ المرأةِ أيَّ شيءٍ، فالشرعُ جاءَ بالعدلِ.
 

إنَّ مَا يُعنينا هنا -في بابِ استقرارِ الحياةِ الزوجيةِ- أنْ يُدرِكَ كلُّ واحدٍ مِنَ الزوجينِ خصائصَه وخصائصَ شريكِ حياتِه، ويَتعاملَ معَ هذهِ الخصائصِ بما يُناسبُها؛ فهناكَ مَيزاتٌ للزوجِ بوصفِهِ رجلًا ليستْ عندَ المرأةِ، وهُناكَ مَيزاتٌ للزوجةِ بوصفِها امرأةً ليستْ عندَ الرجلِ. {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ} فلابد أنْ نَعرِفَ خَصائصَ المرأةِ وخَصائصَ الرجلِ، وأنْ نَتعاملَ مَعَ كلِّ واحدٍ بخصائصِه ونُعطيَه حقوقَه ونُطالبَه بواجباتِه، فهذهِ الآيةُ فيها إثباتٌ للحقوقِ والواجباتِ ومنع من التعدي على الخصائصِ.
 

فالرجلُ مثلًا عندَه مِنَ القوةِ مَا يَجعلُه قادرًا علَى أنْ يكدحَ ويعملَ الساعاتِ الطوالَ، أمَّا المرأةُ فلَا؛ لذا تأتي المرأةُ العاملةُ إلى البيتِ مُرْهَقةً مُتعَبةً، بينما يأتي الرجلُ الذي يقومُ بنفسِ العملِ وهو نشيطٌ، بلْ ربّما يَستطيعُ أنْ يُواصِلَ ساعاتٍ وساعاتٍ، فالبنية الجسمية والنفسية تساعده على ذلك، {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ}. وأيضًا فإنّ مِنْ خصائصِ المرأةِ أنَّ لها حالاتِ ضعفٍ خاصةً بها، كالطَمْثِ والنِّفاسِ، فهذا مما ينبغي مراعاتُه.
 

وعندما يطلبُ الرجلُ مِنْ زوجِهِ شيئًا ليسَ مِنْ خصائصِها، فمِنْ حقِّها أنْ تقولَ: هَذا فَوْقَ طاقتي وليسَ مِنَ أعمالي، فما خُلقتُ لهذا {وَلَیۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ}. 
 

وكذلكَ الرجلُ، قد تُطلبُ منْهُ بعضُ الأعمالِ وهيَ ليستْ مِنَ شاكلته ولا تُناسِبُ خَصائصَه، فمِنْ حَقِّه أنْ يَقوْلَ: هذا ليسَ منْ عَملي، ولا يُناسِبُ خصائصِي، وَهوَ مِنْ عَملِ المرأةِ ويُناسبُها.
 

فالآيةُ إذن تُثْبِتُ حقوقًا وخصائصَ للرجلِ وحقوقًا وخصائصَ للمرأةِ، وعلَى كلًّ منهما أنْ يستخدمَ خصائصَه فيما خُلقتْ له، ولا يُطالِبَ الآخرَ بِما يُخالِفُ خصائصَه، فكلٌّ مُيسرٌ لمِا خُلِقَ لهُ.
 

فإذا فهمنا الآيةَ بهذا الفهمِ، وعَمِلْنا بهذهِ القاعدةِ، تحققتِ السعادةُ والهناءُ -بإذنِ اللهِ- ونكونُ قدْ استخدمنا الحكمةَ في موضعِها الصَّحيحِ.
 

ومِنَ المهمِّ هنا التنبيهُ إلى الفَرقِ بين العدلِ بينَ الرجلِ والمرأةِ وبينَ المساواةِ بينهما؛ فالغربيونَ -وَمَنْ تابعَهم- يدَّعونَ المساواةَ، ويُريدونَ تسويةَ المرأةِ بالرجلِ، وهمْ -واللهِ- كاذبونَ في دَعواهُمْ، ثُمَّ إنَّهم فوقَ بطلانِ دَعْواهُم لمْ يُسَوُّوا المرأةَ بالرجلِ، بلْ عندَهُم فرقٌ عظيمٌ وتفضيلٌ للرجلِ ظلمًا وعدوانًا، حتَّى في الرواتبِ والمناصبِ، هذا فضلًا عَنْ إهانةِ المرأةِ بما يَدّعونَه مِنْ إعطائِها حريتَها، وحقيقتُه حريةُ الشَّهَوَاتِ حتَّى تُصبِحَ المرأةُ رخيصةً مبتذلةً أو سلعةً يتبادلُها الرجالُ. أما الإسلام فقائم على العدل، الذي يراعي الخصائص والمزايا وما يناسبها من الحقوق والتكاليف، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، فالإسلام جاء بالعدل التام، ولا يلزم من العدل المساواة، ومن أدلة ذلك المواريث فقد قسمها الله تعالى بعدله، وهناك اختلاف بين الورثة، حسب قربهم وما كُلِّف به ذكرهم وأنثاهم.

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

القاعدة الرابعة والعشرون: الرضَا بقدرِ اللهِ مفتاحُ الخيرٍ

 

قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ قريبة من الآيةِ السابقةِ {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}، وقدْ قالَ تعالى فيها: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، ولمْ يقلْ: (ما فضَّلَ اللهُ بهِ الرجالَ -أو بعضَ الرجالِ- على النساءِ)، فهناكَ أمورٌ عندَ المرأةِ ليستْ عندَ الرجلِ، وهيَ مِنْ خصائصِها التي فضَّلَها اللهُ بها، وقدْ يَتَمناها بعضُ الرجالِ، وهناكَ أمورٌ عندَ الرجلِ ليستْ عندَ المرأةِ، وهيَ مِنْ خَصائصِه التي فضَّلَه اللهُ تعالى بها، وقدْ تَتَمناها بعضُ النساءِ. فكلٌّ منهما فضَّله اللهُ بجوانبَ ليستْ عندَ الآخَرِ، والفهمُ الصحيحُ لمثلِ هذهِ الآياتِ أنْ يَرضَى كلٌّ منهما -رجلًا كانَ أو امرأةً- بما أعطاهُ اللهُ، ولا يتَمنَّى ما أعطاه للآخَرِ؛ لأنَّه يكونُ اعتراضًا على أمرِ اللهِ وعلَى خَلقِ اللهِ، واللهُ تعالى يقولُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].

 

 إنَّ الإخلالَ بهذهِ القاعدةِ -لا سيما فيما يتعلَّقُ بالآيةِ الكريمةِ- يقعُ عندَ النساءِ أكثرُ مما يقعُ عندَ الرجالِ، فكثيرٌ مِنَ النساءِ تتمنَّى مَا فضَّلَ اللهُ به الرجالَ عليها، وتنسَى ما أعطاها اللهُ، وقدْ تقولُ إحداهُنَّ -هداها اللهُ- ليتني كنتُ رجلًا لفَعلتُ كذا وكذا، ليتَ الطلاقَ بيدي، أوْ ليتَ القِوامةَ بيدي، وهكذا، فهذا لا ينبغِي ؛ لأنّه تعدٍّ علَى حدودِ اللهِ، وتمني ما فضَّل اللهُ به الرجلَ علَى المرأةِ، فيجبُ أنْ تُدرِكَ المرأةُ أنَّ هذا شرعُ اللهِ تعالى وأنَّ ما تتمناه مخالف لأمر الله تعالى.
 

وفي المقابلِ فإنَّ محاولةَ استغلالِ آياتِ التفضيلِ للانتقاصِ مِنَ المرأةِ، أوْ تنزيلَ حديثِ (ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ)  في غيرِ موضعِه خللٌ آخر، فإنًّ مَا جعلَه اللهُ تعالى نقصًا في المرأةِ، فيه خيرٌ لها مِنْ وجهٍ آخرَ، لكنَّ كثيرًا مِنَ الرجالِ لا يُدرِكُونَ ذلكَ، ولوْ فَهِموا هذا الحديثَ علَى وجهِهِ الصحيحِ لعَرَفوا أنَّ فيه مِنَ الخيرِ للمرأةِ الشيءَ العظيمَ.
 

إنَّ التفاضلَ بينَ الرجلِ والمرأةِ له حِكَمٌ بالغةٌ، مِنْ أعظمِها أنْ يُكمِّلَ كلٌ منهما الآخرَ لتقومَ الحياةُ وتَستمرَ على ظهرِ الأرضِ، وأمَّا في الآخرةِ فإنَّ التمايزَ والتفاضلَ يكونُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وأصل التكليف واحد، بمعنى أن كلًا من الجنسين مكلف بحسب خصائصه، وسيجازيه الله بحسب ما أعطاه وأقدره عليه، ولذلكَ قالَ اللهُ سبحانه وتعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران:195]، وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء:124].
 

وممَّا ينبغي أن يُعلمَ أنَّ التفضيلَ ليسَ بينَ الرجالِ والنساءِ فحسبْ، بلْ إنَّ اللهَ تعالى فَضَّل بعضَ الرجالِ على بعضٍ، وفَضَّل بعضَ النساءِ على بعضٍ، {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، لا ينبغي قَصْرُه على تفضيلِ الرجلِ على المرأةِ، ولا المرأةِ على الرجلِ، فالرجالُ يتفاضلونَ فيما بينَهم، والنساءُ يتفاضلْنَ فيما بينهُن، هذا واقعٌ مُشاهَدٌ، وإن كان السياق في صدد: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} [النساء:32]. ولا ينفي ذلك وجود التفاضل بين الجنس الواحد من الرجال والنساء، فأبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه أفضلُ هذه الأمةِ بعدَ نبيِّها صلى الله عليه وسلم، وعمرُ رضي الله عنه أفضلُ هذهِ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: (كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ) ، أيْ هناكَ رجالٌ لمْ يَكملوا، واللهُ سبحانه وتعالى بيَّنَ أنه فضَّلَ بعضَ النبيينَ على بعضٍ {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة: 253]، ولكنْ لا ينبغي أنْ نقولَ: فلانٌ مِنَ الأنبياءِ أفضلُ مِنْ فلانٍ، علَى وجهِ الغضِّ مِنْ حقَّه، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ ابْنِ مَتَّى) ، وفي الحديث الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) ، فكلُّهم أنبياءُ اللهِ تعالى وكلُّهم لهم مكانتُهم. فَفَرْقٌ بينَ التفضيلِ المقرِّرِ لحقيقةٍ واقعةٍ، وبينَ التفضيلِ الخاصِّ الذي قدْ يُفْهَمُ منهُ الانتقاصُ.
 

وكما يتفاضلُ الرجالُ تتفاضلُ النساءُ، فلسنَ سواءً، قال عليه الصلاة والسلام: (وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) ، وأمهاتُ المؤمنينَ، وَهُنَّ زوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعضُهنَّ أفضلُ مِنْ بعضٍ.
 

فما دَامَ هذا التفضيلُ مِنَ اللهِ؛ سواءٌ خِلقةً أوْ سببًا أوْ كَرمًا، وليسَ تقصيرًا مِنَ الإنسانِ، فعليهِ أنْ يرضَى بما قدَّره اللهُ لَه، ولا يتمنَّى مَا قدَّرهُ لغيرِهِ ولمْ يُقَدِّرْهُ لَهُ {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}.
 

ولأجل أن تستقيم حياتُنا فلابد من معرفة هذا التفاضل، ولابد من إجرائه مجراه الصحيح بحيث يقوم كل بواجبه وما يناسبه، ولا يطلب ما لا يلائمه، فإذا عَرَفَتِ الزوجةُ أنَّ اللهَ قدْ فضَّلَ الزوجَ في أشياءَ، وعَرفَ الزوجُ أنَّ اللهَ فضَّلَ الزوجةَ في أشياءَ، وَتَعَامَلَ كلٌّ منهما معَ صاحبِه في ضَوءِ {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}، استقامتِ الحياةُ الزوجيةُ، وبدونِها لا تستقرُ ولا يَحْدُثُ الأنْسُ ولا التكاملُ ولا الاستقرارُ.

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

القاعدة الخامسة والعشرون: الإنفاقُ في حدودِ الاستطاعةِ

 

قال الله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7].
هذهِ القاعدةُ لو سُلَّم لها فإنها تعالج كثيرًا مِنَ المشكلاتِ الأُسْريَّةِ، وتُزيلُ كثيرًا مِنْ أسبابِ عدمِ الاستقرارِ في البيوتِ، إذْ إنَّ مِنْ أكثرِ أسبابِ عدمِ الاستقرارِ ووجودِ الشِّجارِ والخِلافِ في البيوتِ هوَ عدمُ العمل بهذهِ القاعدةِ، حيثُ تُطالِبُ الزوجةُ زوجَها بأكثرَ مِنْ طاقتِه وقدرتِهِ، فإنَّه إنْ استجابَ لها وتحمَّلَ مِنَ الديونِ ما تحمَّلَ حتَّى أثقلتْهُ، تحوَّلتْ حياتُه إلَى جحيمٍ بسببِ مُطالباتِ أصحابِ الدَّينِ وكثرةِ تفكيرِهِ في سبيلِ الخلاصِ، فالدَّينُ كما يقولونَ: همٌّ بالليلِ وذلٌّ بالنَّهارِ، ولهذَا تعوَّذَ منهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأرشدَ أمتَه إلَى التعوُّذِ منْهُ. فإنْ وَقَعَ ذلكَ رجَعَ الرجلُ باللَّومِ علَى زوجتِه وعَدَّها سببَ ما هوَ فيهِ مِنْ بلاءٍ، لمطالبتِها بأمورٍ لا يَقدِرُ عليها، فيَحدُثُ الخِصامُ والشِّقاقُ ثُمَّ قدْ يقعُ الفِراقُ كمَا نرَى ونسمعُ كثيرًا. وفي المقابلِ إنْ رَفضَ الزوجُ طلباتِها تبرَّمتْ مِنَ الحياةِ التي تَعِيشُها، وجَعَلتْ هذا الرفضَ سببًا للشِّقاقِ والخلافِ والشجارِ.

 

أمَّا الآيةُ الكريمةُ، فإنَّها ترْسُمُ السبيلَ القويمَ للإنفاقِ، وتضعُه في نصابه الصحيح، فعمومها تَدخُل فيه نفقتُه علَى البيتِ والزوجةِ والأولادِ.
 

إنَّ مِنْ أسبابِ مُطالبةِ المرأةِ زوجَها فوقَ طاقتِه، مراعاتها أحوال قرابات أو جارات! تُريدُ مِنْ زوجِها أنْ يُنفِقَ كما يُنفقُ الأغنياءُ، وأحيانًا قدْ تكونُ قدرةُ الزوجِ محدودةً {قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} وأزواجُ أخواتِها أو جاراتها مِنَ الأغنياءِ الأثرياءِ، فتضغَطُ علَى زوجِها تُريدُ مثلَ أَخَواتِها، فإنْ كانَ لأختِها بيتٌ أو قصرٌ وهيَ وزوجُها يَسْكُنَانِ شقةً بالإيجارِ، فإنَّها تضغطُ عليه تُريد مثلَ مَا لأختِها، أوْ إن كانَ لدَى أختِها سيارةٌ وسائقٌ وخادمٌ، طالبتْ زوجَها بمثلِ ذلكَ، بينما قدْ تكونُ سيارتُه بالتقسيطِ! فالمطالبات والحال كهذه خَلَلٌ كبيرٌ، عاقبته وخيمة! تأثم بها، وربما تؤثمه! بل ربما تدخله السجن! والذي لها هو أن تُطالبَه بما يَقدِرُ عليه مِنَ النفقةِ بالمعروفِ.
 

إنَّ مسألةَ الإنفاقِ يحْكُمُها العُرفُ، والعُرفُ أن يُنفِقَ كلُّ إنسانٍ بقدْرِ أشباهه في المكانة والاستطاعة، فلا يكلف الفقير ومتوسط الدخل نفقة الأغنياء! ولا يجوز للغني أن يقتر فينفق نفقة الفقراء {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، فعلَى الزوجِ أنْ يُنفِقَ علَى زوجتِه وأسرتِه بمقدارِ إمكاناتِهِ دونَ إسرافٍ، {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام:141].
 

أما إذا كانَ الزوجُ يَملِكُ وَيقدِرُ ومِنْ ثَمَّ قتَّر على زوجتِه وأولادِه، فهذا خَللٌ كبيرٌ أيضًا، إذْ كمَا أنَّ على المرأةِ أنْ تُراعِي زوجَها في قدراتِه، فعليهِ هو أيضًا أن ينفقَ مما أنعم الله به عليه دونَ إسرافٍ أو تقتيرٍ {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، وكما أن الإسراف آفة فالتقتير مثلها! وبعضَ الأزواجِ له سعة قد بسط له في الرزق ومعَ ذلكَ يُقتِّرُ على زوجتِهِ وأولاده، وفي هذا البابِ أمثلةٌ يَنْدَى لها الجبينُ:
 

فهذهِ زوجةٌ تُقْسِمُ أنَّهُ قدْ تمرُّ سنةٌ كاملةٌ دونَ أنْ يُنفِقَ عليها زوجُها، وأخرى تقولُ إنَّها هيَ التي تُنفِقُ علَى البيتِ رغمَ أنَّه قادرٌ مستطيعٌ، بلْ هناكَ رجالٌ أغنياءٌ وزوجاتُهم يطلُبْنَ الصدقاتِ مِنَ النَّاسِ، فتأتي إحدَاهُنَّ إلى جيرانِها وتقولُ: لا تَرمُوا شيئًا، أعْطُونا إياهُ نُصْلِحْه ونَلبَسْه أو نَبِعْه لنُنفقَ على أنفسِنا! بعضُهن تشتغلُ في البيتِ جاهدةً معَ المطاعمِ، تَكِدُّ الليلَ والنَّهارَ، لا لشيءٍ إلا مِنْ أجلِ أنْ تُنفِقَ على نَفسِها وأولادِها؛ لأنَّ زوجَها بخيلٌ شحيحٌ، فنقولُ لكلِّ هؤلاءِ: هذا ظلمٌ لا يَجوزُ، {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، فكما أنَّ هذهِ الآيةَ تُعطي حقًا للزوجِ، وتُنبِّه الزوجةَ ألا تطلبَ منْهُ أكثرَ مما يَقدِرُ عليه، فكذلكَ هِي تُعطي للزوجةِ والأولادِ حقًا بأنْ يُنفِقَ عليهمْ مما آتاه اللهُ ويوسِّعَ عليهم كما وُسِّعَ عليه {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ}، أما إذا قُدِرَ عليه رزقُه {فَلۡیُنفِقۡ مِمَّاۤ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ}.
 

إنَّ مِنْ أسبابِ استقرارِ الحياةِ الزوجيةِ أنْ يعملَ الزوجانِ بهذه القاعدةِ ويُذكِّرَ كلٌّ منهما صاحبَه بها إنْ ذَهِلَ عنها، فإذا طلبتِ الزوجةُ أكبرَ منْ طاقتِه يُذكِّرُها بقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَیۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡیُنفِقۡ مِمَّاۤ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ﴾، وإذا كانَ قادرًا وقَتَّرَ في الإنفاقِ تُذكِّرُه بأنَّه لا يَنبغي لهُ ذلكَ {فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ}.
 

مسألةٌ مهمةٌ:
هلْ للزوجةِ أنْ تأخذَ مِنْ مالِ زوجِها الشحيحِ دونَ إذنِه لتُنفقَ على نفسِها وولدِها؟
قدْ ثبتَ أنَّ هندًا زوجةَ أبي سفيانَ رضي الله عنها شَكَتْ مِنْ شُحِّهِ وأنَّه لا يُنفقُ النفقةَ التامَّةَ، فأذِنَ لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ تأخذَ مِنْ مالِه ما يَكفيها وولدَها بالمعروفِ دونَ علمِهِ وإذنِهِ، وقدِ اختُلِفَ في هذا الإذنِ؛ هلْ هوَ مِنْ بابِ الفُتيا فتعم كل من كانت تلك حالها أو هو من باب القَضاءِ؛ فتفتقر من عداها إلى حكم قاض؟

 

ومهما يكنْ مِنْ أمرٍ فلا بدَّ مِنَ التنبهِ لأمورٍ:
الأولُ: أنْ يكونَ الأخذُ بالمعروفِ لا أنْ تُطْلِقَ الزوجةُ يدَها وتأخذَ ما تشاءُ مِنْ مالِه.

 

الثاني: أنَّ هذا يكونُ في حالِ شُحِّ الزوجِ وتَقتيرِه، أمَّا إنْ كانَ يُنفقُ مِنْ سَعته فلا ينبغي ذلكَ، إلا إنْ عَلمتِ الزوجةُ أنَّ زوْجَها يَسمحُ ولا يُمانِعُ، إذ قدْ يَترَتْبُ على أخذِها بدونِ علمِه مَا لا تُحمَدُ عُقْباه، وأنا أعرفُ رجلًا كريمًا علِمَ أنَّ زوجتَه أخذتْ مِنْ مالِه بدونِ إذنِه، فسألَها: هلْ طلبتِ ولم أعطِك؟ قالت: لا ولكنني احتجتُ المالَ، فطلَّقها بسببِ ذلكَ.
 

الثالث: إذا كانَ أخذُ المرأةِ مِنْ هذا المالِ دونَ أنْ يَشْعرَ الزوجُ، وكانَ علمُه لاحقًا لنْ يُؤثِّرَ على الحياةِ الزوجيةِ فهنا نقولُ خُذي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ، أمَّا إذَا كانَ سَيترتبُ على أخذِ المالِ مفسدةٌ أعظمُ، مثلُ شِقاقٍ يُحيلُ الحياةَ الزوجيةَ جحيمًا أو طلاقًا، فالعاقلةُ لا تفعلُ ذلكَ بلْ تتحمَّلُ الشُحَّ والجُوعَ على طلاقٍ وفِراقٍ؛ لأنَّه عندَ تزاحمِ المفاسدِ يُراعَى أنَّ المفسدةَ الكبرى تُدفَعُ بالصُّغرى، ولا شكَّ أنَّ المفسدةَ الكبرى هي الخِلافُ والشِّقاقُ والفِراقُ والطلاقُ. ويمكنُ في هذهِ الحالِ أنْ تُوسِّطَ المرأةُ بعضَ قرابتِها أو قرابةِ الزوجِ أو بعضَ مَنْ يأخذُ بقولِهم، فإنْ أعيتَها الحيلُ ولم تعُدْ تَقْدِرُ على تأمينِ حاجاتِها، فيُمكنُها أنْ تلجأَ للقضاءِ لتطلبَ حقَّها مِنَ النفقةِ لها ولأولادِها، وإنْ كنتُ لا أميلُ إلى ذلكَ، فالخلاف شر، ولكن بعض الدواء قد لا يكون منه بد وهو مر! وآخر الدواء الكي.

 

 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
القاعدة السادسة والعشرون: لا يَحِلُّ مال المسلمِ إلا عنْ طيبِ نفسٍ

قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29].
هذهِ الآيةُ عامةٌ، وتضعُ قاعدةً عظيمةً ومنهجَ حياةٍ في التعاملِ الماليّ، فمنَ المؤسفِ مَا انتشرَ اليومَ منْ أكلِ كثيرٍ منَ الأزواجِ أموالَ زوجاتهِم بالباطلِ، تكونُ موظفةً ولها دخلٌ، أوْ غنيةً لديها مالٌ، فيَبدأُ بالضغطِ عليها لِيَأخُذَ مِنْ راتبِها أوْ مِنْ مَالهِا دُونَ رضاها، وقدْ نهَى الله تعالى عنْ ذلكَ، حيث نهَى عنْ أنْ نأكلَ أموالَنا بالباطلِ في أكثرِ منْ موضعٍ في القرآنِ، فلا بدَّ منَ التراضِي كمَا في النساءِ: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:29]. وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة"! وفي بعض ألفاظه قدم المرأة على اليتيم!
 

وهنا مسألةٌ عظيمةٌ جدًا، فالْمُعَوَّلُ عليهِ هوَ الرضا الحقيقيُّ النابعُ منَ القلبِ، يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء]، فلمْ يقلْ طِبْنَ لكمْ (لسانًا)، فقد يطِيبُ لسان بعضِ الزوجاتِ وقلبُها لمْ يَطِبْ، بلْ ﴿نَفۡسا﴾، أمَّا أنْ ترضَى الزوجةُ خَشيةَ غَضبِ الزوجِ أوْ تكديرِه صَفوَ حياتِها أو تَطليقِها أو تَهديدِه بالزواجِ منْ أخرَى إنْ لمْ تُعطهِ، فليسَ هذا هوَ المقصود، ُكمَا أنَّه ليسَ مِنَ المروءةِ، فقد يكون من باب الإكراه المعنوي، والإكراه بدون حق محرم.
 

إنَّ مما ينبغي أنْ يعلمَه الأزواجُ أنَّ النفقةَ منَ الناحيةِ الشرعيةِ واجبةٌ علَى الزوجِ حتَّى لوْ كانَ فقيرًا وهيَ غنيةٌ وَرِثتِ الأموالَ منْ أبيها، أوْ عندَها تجارةٌ، ولا يَحِقُّ لهُ أنْ يأخذَ ريالًا واحدًا منها ولا درهمًا ولا دينارًا منْ غيرِ رضاها، إنَّما عليهِ أنْ يُنفقَ النفقةَ الشرعيةَ في حدودِ طاقتِه، إلا إذا تبَرعتْ أو تَصدَّقتْ عَنْ طيبِ نفسٍ، كما حَدَثَ منِ ابنِ مسعودٍ وزوجتِهِ زينب رضي الله عنها، إذْ لما دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم النساءَ للنفقةِ، أرادتْ زينبُ زوجةُ ابنِ مسعودٍ أنْ تتصدَّقَ، فقالَ لها: أنَا وابنُك أحقُّ منْ تصدّقتِ عليهم؛ لأنَّه فقيرٌ رضي الله عنه، فذَهبتْ تسألُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ" . فعندما تُعطِي المرأةُ لزوجِها مالًا يكونُ صدقةً لها، ولكنْ لا ينبغِي أنْ تَقولَ له هذهِ صدقةٌ، فبعضُ الأزواجِ لا يَتَحمَّلُ هذا الأمرَ.
 

وأيضًا لا ينبغِي أنْ تَمُنَّ عليه، بلْ تُنفِقُ عليه بطِيبةِ نفسٍ وسماحةٍ دونَ مِنّةٍ، وإلَّا فبعضُ الزوجاتِ تُنفِقُ على زوجِها لكنَّها تَمُنُّ عليهِ وتَضغَطُ عليهِ وتَستخدمُ هذا المالَ -معَ كلِّ أسفٍ- لإهانتِه وإذلالِه، فهذا لا يجوزُ {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة:263]، فالمنُّ منْ أشدِ الأذى، وحتَّى الزوجُّ لا ينبغي أنْ يَمُنَّ على زوجتِه بما يُقدِّمُ لها، وبهذا تستقيمُ الحياةُ ويتحققُّ الاستقرارُ، وإلا قدْ يكونُ الشقاءُ والبلاءُ والتعاسةُ، وقدْ يقعُ الفِراقُ، واللهُ المستعانُ.


القاعدة السابعة والعشرون: أعن زوجك على البِرِّ تكن شريكًا في الأجر


قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2].
هذهِ القاعدةُ مهمةٌ إذا كانَ الزوجُ منْ طلابِ العلمِ والدعاةِ وأصحابِ المشاريعِ الخيريةِ -وهوَ الأكثرُ- أو كانتِ الزوجةُ مِنَ الدعاةِ المُشتغِلاتِ بالعملِ الخيريِّ وهوَ أقلُ، حيثُ يُمكنُ أنْ يَكْثُرَ تَشكِّي الزوجةِ بحجةِ أنَّ زوجَها لا يُعطيهم حقوقَهم؛ لأّنَّه كثيرُ الغيابِ ومشغولٌ بغيرِهم، وإنَّ مِنْ أسبابِ الاستقرارِ هوَ مَا ذكَره اللهُ هنا {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، بِأنْ تكونَ هناكَ مشاركةٌ وتعاونٌ بينَ الزوجِ وزوجِه في العملِ، والتعاونُ لهُ أوجهٌ كثيرةٌ جدًا، ومنْ أهمِّها الرِّضا بعملِ زوجِها، وكذلكَ رِضا الزوجِ بعملِ زوجتِه في هذهِ المشاريعِ الخيريةِ، وهذا يبدأُ بإدراكِ كلا الزوجينِ أنَّ عملَ صاحبِه في هذهِ المجالاتِ خيرٌ وأجرٌ وقُرْبةٌ لله تعالى، فعلَى المرأةِ أنْ تستحضر أنها بصبرها تكونُ شريكةً في الأجرِ ما لمْ تَتَضَجَرْ أو تشتكِ؛ لأنَّها إذا اشتكتْ فقد أعلنت بغضها لما هو فيه، ومنعت عذرها، فتفقدُ أجرَها، وهذا غالبًا لنْ يُؤثرَ علَى زوجِها بلْ سيستمرُ كمَا هو، فتكونُ قد فقدتِ الأجرَ ولمْ تنلْ شيئًا بشكواها.
 

وإنَّ مما ينبغي التنبهُ له في هذا المقامِ، أنَّ هذهِ الأعمالَ؛ كطلبِ العلمِ والدعوةِ والمشاركةِ في الأعمالِ الخيريةِ لا ينبغي أنْ تكونَ سببًا للتقصيرِ في حقِّ الأهلِ، إذْ كمَا أنَّ العملَ في الدعوةِ إلى اللهِ وفي بذلِ العلمِ والمشاركةِ في المشاريعِ الخيريةِ قربةٌ إلى اللهِ تعالى، فإنَّ القيامَ بحقوقِ الزوجةِ والأولادِ قربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلا تبغي هذهِ علَى تلكَ، وليُعطَ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه كمَا ورَدَ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وبهذا تستقيمُ الحياةُ.
 

وإنَّ مما يُساهِمُ في إقناعِ الزوجةِ ويُعينُها علَى الصبرِ، أنْ يُبيِّنَ لها الزوجُ أنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ ما همْ فيهِ مِنْ خيرٍ ومِنْ سَعةِ رزقٍ وهناءٍ وطيبةِ نفسٍ -قدْ لا يوجدُ عندَ القريبين منْهم- هوَ مشاركتُه في هذهِ الأعمالِ العِلميةِ والدَّعويةِ والخيريةِ، وأنَّ دُعاءَ المسلمينَ لهُ ولزوجِه ولولدِه مِنْ أسبابِ هذا الاستقرارِ وهذهِ الحياةِ الهانئةِ السعيدةِ، وأنَّ من فضْل اللهِ تعالى أنْ سخَّرهم لخدمةِ عبادِه، فسخَّرَ اللهُ الناسَ للدعاءِ لهمْ، ثمَّ يَدعُوها للتأملِ فيما همْ فيهِ وأولادُهما منْ نعمٍ، فتزدادُ اطمئنانًا وتقِلُّ شكواها، بلْ إنَّ منْ أثرِ مثلِ هذا المنطقِ أنَّ زوجةَ أحدِ المشايخِ تقولُ لهُ: لولا أنَّنا نحتسبُ الأجرَ في عملِكم، ونطمعُ أنْ نكونَ شركاءَ في كلِّ مَا تَقومونَ بِهِ ما استطعنا الصبرَ علَى غيابِكم وأسفارِكم وانشغالِكم وتأخرِكم، فهذا معنىً جميلٌ وفقهٌ جميلٌ، ومُعينٌ بإذنِ اللهِ علَى استمرارِ الزوجِ أو الزوجةِ في عملِهما، وهوَ منْ أسبابِ سعادتِهما واستقرارِهما.
 

ومما ينبغي أنْ يُعلمَ أنَّ هذهِ الشكوَى منْ غيابِ الزوجِ دليلٌ علَى الحبِّ، وهوَ مِنْ أقوَى عواملِ الاستقرارِ، ولولاهُ لما اشتكتْ زوجةٌ، بلْ لربَّما فرِحَتْ لذهابِهِ وغيابِهِ وانصرافِهِ، لكنْ لحبِّها لهُ، ولما بينَهما منَ المودةِ والرحمةِ قد تُكثِرُ التَّشكِّيَ، وقدْ أشارَ إلَى ذلكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقولِهِ: (تُكثرنَ الشِّكاةَ) ، ويَدْخُلُ في ذلكَ الشِّكاةُ بسببِ كثرةِ أعمالِ الأزواجِ وانشغالِهم وارتباطِهم، كما تَدْخُلُ قضايا أُخْرَى كالنَّفقةِ وغيرِها. فإذا كانت الشكوى لانشغالك فلا تضجر وانظر إلى الجانب المشرق فيها، واستثمره لتحقيق الرضا بالخير الذي أنت عليه.
 
وأخيرًا لا بدَّ أنْ نُؤكِّدَ علَى ضَرورةِ حِرْصِ الزوجِ علَى أنْ يُعطِيَ زوجتَه حقوقَها التِّي شَرَعَها اللهُ تعالى لهَا، وأنْ يُعوِّضَها ويُعوِّضَ أولادَها بأوقاتٍ يُخصِّصُها لهمْ، ومثلُ هذهِ العنايةِ مهمةٌ جدًا، حتَّى لا يقال له معَ كثرةِ أشغالِه وأسفارِه وانشغالاتِه وارتباطاتِه إنَّكَ قد قصّرتَ في حقِّنا الواجب، وإنْ حَدَثَ تقصيرٌ عَرَضِيُّ فإنَّه يُعوِّضُهُ بمَا هوَ خير في بعض أيام السَّنَةِ؛ في الإجازاتِ أو في غيرِها، وبالأسفارِ معَهم وبإكرامِهم، والمهم أن نجتهد في التحقق بهذه الآية {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، مع أزواجنا وأولادنا قبل غيرهم! فإن هذا مما يُحقِّقُ الاستقرارَ والرِّضا والسَّعادةَ بإذنِ اللهِ، في الأسرة، ولهذا أثره على البذل خارج نطاق الأسرة؛ لأن الزوج إذا شعر برضا زوجته أثناء قيامه بعمله خارج البيت، فإنه يزيده قوة ونشاطًا، ويجمع همته على عمله، بخلاف إذا كان يشعر بعدم رضاها أو سخطها، فإن لذلك أثرًا - في الغالب - على أدائه، واستقراره النفسي، فنجتهد في جعل بيوتنا مستقرة في حضورنا وغيابنا ليكون عطاؤنا مثمرًا ومقبولًا.

 
القاعدة الثامنة والعشرون: القِوَامَةُ مسؤوليةٌ وأمانةٌ

قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34].
برَغْم أنَّ قِوامةَ الرَّجلِ في بيتِهِ تشريعٌ عظيمٌ، كفيلٌ بتحقيقِ الاستقرارِ والنَّجاحِ، والسَّكنِ والمَوَدَّةِ والرحمةِ في الحياةِ الزوجيةِ، إلّا أنَّها أصبحتْ -لسوءِ فَهمِها والغلو فيها- سببًا لتعاسةِ كثيرينَ؛ فبعضُ الأزواجِ يَستخدمُ هذهِ الآيةَ {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} لاستعبادِ المرأةِ وقهرِها، والحدِّ ممَّا أعطاها اللهُ منْ حقوقٍ بحُجةِ أنَّ القِوامةَ لهُ، وهذا لهُ آثارٌ سلبيةٌ علَى المرأةِ يُؤدِي إلى تعاستِها، وعلَى الحياةِ الزوجيةِ وقد يُؤدِي إلى فقدِ استقرارِها أو فقدها! فقدْ تنتهِي -كما هو الواقع فِي كثيرٍ منَ الأحيانِ- بالطلاقِ. وفي المقابلِ، فإنَّ بعضَ الزوجاتِ تشتكِي منْ قيامِ الزوجِ بالقِوامةِ الشَّرعيةِ وإنْ لمْ يَظْلِمْ أوْ يَتعدَّ، وَمنهنَّ مَنْ تنظرُ لأصلِ القِوامةِ علَى أنَّه انتقاصٌ منْ مكانتِها أو ظلمٌ لهَا، وهذَا يُخشَى أنْ يكونَ اعتراضًا علَى حُكمِ اللهِ تعالى يُورِدُ صاحبتَه المهالكَ.
 

إنَّ العملَ بهذهِ الآيةِ كما أرادَ اللهُ سببٌ منْ أسبابِ تَحقُّقِ السَّكنِ والاستقرارِ في الحياةِ الزوجيةِ، فكمَا أنَّه لا بدَّ أنْ يكونَ للبلدِ قائدٌ -ملِكٌ أوْ أميرٌ أو رئيسٌ- لتستقيمَ أمورُه وتنضبطَ أحوالُه، كذلكَ لا بدَّ أنْ يكونَ للبيتِ قائدٌ لِتستقيمَ أمورُه، فبدونِ قائدٍ تَعُمُّ الفَوضَى وتضطربُ الأحوالُ:
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضَى لا سَراةَ لَهُمْ *** وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادُوا
مبدأُ القيادةُ أوِ القِوامةُ والإمارةُ والولايةُ منْ أهم الأمورِ، حتَّى في السفرِ، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: (إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ)، فلا بدَّ منْ أميرٍ حتَّى في السفرِ العارضِ القصيرِ والعددِ المحدودِ، لأنَّ الصُّحبةَ واجتماعَ النَّاسِ يَحتاجُ إلَى قيادةٍ وتوجيهٍ وإلا حدَثَ النزاعُ والشِّقاقُ والخلافُ، ولكنْ إنْ حَصَلَ منَ القائدِ بغيٌ أوْ تعدٍّ وسوءُ استخدامٍ للسُّلطةِ، فإنَّ الخللَ يقعُ، سواءٌ علَى المستوى العامِ؛ في الدائرةِ أوِ الوزارةِ أوِ الدولةِ، أوْ علَى مستوًى أضيقَ كما في البيتِ والأسرة، وهذا لا يَعني أنَّ مبدأَ القيادةِ والقِوامةِ خاطئٌ في نفسِه، بلِ الخطأُ في التطبيقِ.
 

لقدْ جعلتِ الآيةُ الكريمةُ القِوامةَ في البيوتِ للرجالِ لا النساءِ {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} منَ القوةِ والحزمِ والعزمِ والحكمةِ، وغيرِها منَ الصفاتِ الجِبِلِّيَةِ، {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، وهذا مِنْ حِكمةِ اللهِ تعالى، إذِ المتحلِّي بهذهِ الصفاتِ هوَ الأقدرُ علَى قيادةِ سفينةِ البيتِ، وفي المقابلِ أثنتِ الآيةُ علَى النساءِ الصالحاتِ {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ}، وفيهِ إلماحٌ إلى تسليمِهِنَّ لتفضيلِ الرجالِ ولحُكمِ القِوامةِ، وفيهِ أيضًا إرشادٌ لطيفٌ إلَى وجوبِ العدْلِ معَهُنَّ، وعدمِ التذرعِ بالآيةِ لظلمِهنَّ ومنعِهنَّ حقوقِهنَّ إذْ {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:91]، و{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن:60]، فالذي شَرعَ القِوامةَ يُلزِمُ الرجلَ بالعدْلِ في الأخذ بها، والإنصافِ والبعدِ عنْ كلِّ تصرفٍ خاطئٍ مبنيٍ علَى التذرع بـ{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}!
 
إنَّ فهمَ الزوجِ والزوجةِ هذهِ الآيةَ {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} حقَّ الفهمِ، والتسليمَ لها والعملَ بها كما أرادَ اللهُ، كفيلٌ بإذنِ اللهِ أن يحقق السَّعادة والاستقرارَ في البيتِ والحياةِ الزوجيةِ.


القاعدة التاسعة والعشرون: البَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيْمٌ


قال الله تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء:34].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ، تَحمِلُ في طَياتِها سببًا عظيمًا منْ أسبابِ تحقيقِ استقرارِ الحياةِ الزَّوجِيَّةِ، وهيَ مرتبطةٌ بالآيةِ التي قبلَها والقاعدةُ المستَفَادةُ منْها {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}، {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}، فحيث شَرَعَ اللهُ تعالة القِوامةَ للرجلِ لأنَّه الأجدرُ بها، كيْ يقودَ سفينةَ البيتِ إلَى برِّ الأمانِ، فقد شَرَعَ لزوجتِه أنْ تُطيعَه في كلِّ معروفٍ يأمُرُ بهِ وتَقْدِرُ عليهِ، وبهذا تستقِرُّ الحياةُ ويَحصُلُ السَّكنُ كغايةٍ منْ غاياتِ الزواجِ، {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم:21].
 

فإنْ خافَ قيِّمُ البيتِ مِنْ نُشوزِ المرأةِ، فقدْ أعطتْهُ الشريعة سلطة لعلاج النشوزِ بطريقةٍ متدرجةٍ حكيمةٍ كمَا سَبَقَ، وحيثُ إنَّ السلطةَ الممنوحةَ للرجلِ قدْ تَحمِلُ بعضَ الأزواجِ علَى الظُّلمِ والتعدي، فقدْ قِيلَ لَهُ: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا}، فسمَّى اللهُ مجاوزةَ الرجلِ حدَّه -إنْ أطاعتْهُ زوجُه- بَغْيًا، والبَغي مرتعُهُ وَخيمٌ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء:227]، وفي الحديثِ القدسِي: "يا عبادي إني حرّمتُ الظلمَ على نفسِي وجعلتُه بينكم محرّمًا فلا تظَّالموا"، ولهذا أوعدَ الزوجَ إنْ ظلَمَ وبَغَى، ونَلْحظُ هذا في قولِه: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}، فإذا كانَ للرجلِ العلوُ في البيتِ بالقِوامةِ على المرأةِ، فلْيعلمْ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى أعلَى منهُ بذاتِهِ وقدْرِهِ وقُدرتِهِ، بل علوُّه علوٌ كبيرٌ مطلقٌ لا حد لعظمته، وهوَ مَنْ أعطاهُ القِوامةَ، فلْيحذرْ أنْ يتصرفَ في ملكِهِ بغيرِ إذنِه وبغيرِ مَا شَرعَ، وإذَا أرادَ أنْ يتعالَى علَى زوجِه أو يظلمَها لقدرتِه عليها، فليتذكرْ قدرةَ العليِّ الكبيرِ عليه، كما يُقالُ: إذا دَعَتْكَ قدرتُك لظلمِ النَّاسِ فتذكَّرْ قدرةَ اللهِ عليكَ، ولْيحذرْ مخالفةَ أمرِهِ وتعدي حدودِه واستعمالَ ما وَهَبَه اللهُ منَ القِوامةِ للظلمِ، فإذا تعدَّى حدودَ القِوامةِ ولمْ يراقبِ اللهَ عز وجل فيها، فلْينتظرِ العقابَ منَ اللهِ العليِّ الكبيرِ العظيمِ، القادرِ علَى أنْ يُعاقِبَ الذي يَبغي وَيتعدَّى.
 

إنَّ للزوجِ حقوقًا علَى زوجتِه حددَّها الشرعُ، فإنْ أطاعتْه وأدَّتْ حقوقَه فلا يجوزُ لهُ أنْ يَتجاوزَ حدودَه ويُكلِّفَها ما ليسَ عَليها، كَما أنَّ للزوجةِ على زوجِها حقوقًا حدَّدها الشرعُ، فإذَا قامَ الرجلُ بواجباتِه الشرعيةِ -أي بحقِّها عليهِ- فلا يجوزُ لها أنْ تَعْصيَهُ فتَكونَ ناشزًا. وفِقْهُ هذهِ المسائلِ ومعرفةُ حقوقِ الزوجِ والزوجةِ والقيامُ بها، هوَ الذي يَضْبِطُ مَسيرةَ الحياةِ الزوجيةِ، وبِهِ يتحققُ التوازنُ والاستقرارُ والمودةُ بإذنِ اللهِ.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
القاعدة الثلاثون: العَدْلِ واجبٌ

 

قال الله تعالى: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء:129].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ نَزلتْ فِي حقِّ الزوجِ المعدِّدِ الذي لديهِ أكثرُ منْ زوجةٍ تأمره أن يقارب العْدلَ بينهنَّ، قالَ اللهُ تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}، وهناكَ خللٌ في فهمِ هذهِ الآيةِ عندَ كثيرينَ، فيظنونَ أنَّهُ يجوزُ الميلُ اليسيرُ، وليسَ في هذهِ الآيةِ أيُّ دَلالةٍ علَى ذلكَ، لكنَّها تُراعِي واقعاً إنسانيًا، فالإنسانُ مَهْما حَرِصَ علَى العدْلِ فَيَصْعب أنْ يأتيَ بالعدْلِ التامِّ غيرِ الناقصِ، إذِ الضَّعفُ والتقصيرُ منْ طبعِ البشرِ، والميلُ اليسيرُ إذا لمْ يكنْ لليد فيه حيلة ولا بسببِ تفريطٍ أوْ تساهلٍ فإنَّه معفوٌّ عنْهُ، أمَّا تَعمُّدُ الميلِ فهذَا ظلمٌ، والظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ، وهوَ محرَّمٌ كمَا في الحديثِ: "يَا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظلمَ علَى نفسِي وجعلتُه بينكمْ محرّمًا فلا تظَّالَمُوا".

 

والعجيبُ أنَّ بعضَ الناسِ يعرفُ أنَّه لوْ أخذَ رِيَالًا بغيرِ حقٍ منْ أيِّ إنسانٍ فإنَّه ظلمٌ لا يجوزُ فيتورَّعُ عنْهُ، وهذَا الشّعور محمودٌ ولا شك، لكنَّه لا يُبالِي أنْ يَقَعَ في الظُّلمِ والميلِ في حقِّ زوجِهِ أو إحدَى زوجاتِه أوْ في حقوقِ أولادِهِ، معَ أنَّهُ لا فَرْقَ بينَ الحالَينِ فذاكَ ظلمٌ محرمٌ، وهذَا ظلمٌ محرمٌ أيضًا.
 

إنَّ مِنْ صورِ الميلِ والظلمِ المحرمِ الذيْ يقعُ فيهِ بعضُ الأزواجِ، أنهُ إذَا أحبَّ إحدى زوجاتِه أكثرَ منْ غيرِها، فضَّلها بالعَطايا والهَدايا والأموالِ والمسكنِ والمطعمِ والملبسِ، وغيرِ ذلكَ، ومِنْ صورِهِ أيضًا أنْ يُفضِّلَ أولادَها علَى أولادِ الأُخْرَياتِ، بالعطاءِ والمنحِ وسائرِ الحقوقِ الواجبةِ للأبناءِ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم حذَّرَ مِنْ هذَا، كمَا في حديثِ بشيرِ بنِ سعدٍ عندما نَحَلَ ولدَه النُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ رضي الله عنه نِحلةً وجاءَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَه علَى مَا أعْطاهُ، فقال صلى الله عليه وسلم: "أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا"؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "أَلَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا"؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: "فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ"، وفي بعضِ ألفاظِ الحديثِ: "فَإنِّي لا أَشْهَدُ عَلى جَورٍ"، وفي لفظٍ آخَرَ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي"، وَهذَا لا يَعنِي أنَّه يجوزُ أنْ يميلَ في عطائِه ويُشهِدَ آخَرِين، بلْ هوَ منْ بابِ الردْعِ والتهديدِ، لأنَّه بيَّنَ أنَّه جَوْرٌ، وَهُناكَ نَهْيٌ عنِ الجَورِ والظلمِ والبَغِي والعُدْوانِ.
 

 ولا شكَّ أنَّ الميلَ لإحدَى الزوجاتِ إنْ تَعدَّاه إلَى ميلٍ وتفضيلٍ لأولادِها عنْ بقيةِ الأولادِ فهُوَ ظلمٌ فوقَ ظلمٍ، وهوَ منْ أسبابِ وقوعِ العداواتِ بينَ الأبناءِ، حيثُ يَرَى بعضُهم أنَّ والدَهم قدْ فضَّلَ إخوانَهم عليْهِم فيُبغضونَهم ويَحقِدونَ عليهم وقدْ يسعَوْنَ في إضرارِهم، وهذَا مِنْهم ظلمٌ أيضًا، إذْ لا ذنبَ لِإخوانِهم في ذلكَ، إنَّما هوَ ذنبُ الوالدِ، إلاّ إذا رضوا هم بهذا الظُّلم وأقروه.
 

 قدْ يقولُ قائلٌ كانَ الواجبُ علَى الإخوةِ الآخَرينَ أنْ يرفضُوا أيَّ ميلٍ لهمْ دونَ إِخوانِهم، وهذَا صحيحٌ إنْ تعلَّقَ الأمرُ بعطاءٍ ماديٍّ، فلوْ أعْطَى هؤلاءِ أَلْفَ رِيَالٍ ولمْ يُعطِ الآخَرينَ، أوْ أعْطَى الآخَرينَ أقلَّ منْ ذلكَ، فهُنا يجبُ علَى الابنِ أنْ يَرْفُضَ هذا الأمرَ وأنْ يَعْتذِرَ لِأبيهِ بالأسلوبِ المناسبِ ويُذكِّرَهُ بحَديثِ النُّعمانِ ويطلبَ منهُ التسْويةَ في العَطايا، ولكنْ قدْ يكونُ الميلُ أحيانًا معنويًا بالتقاءِ الأبِ بأبنائِهِ منْ زوجةٍ وجلوسِه معَهم أكثرَ منَ الآخَرِين، فهُنا لا يَنبغِي لهمْ أنْ يَقومُوا ويتركوا الأبَ، أو يقولوا لهُ لا نَجْلِسُ معَكَ حتَّى تَجلِسَ مَعَ إخْوَانِنِا، فهذا عقوقٌ ويترتبُ عليهِ مفاسدُ عظيمةٌ، ولكنْ يَنْصَحُونَ الأبَ ويَتَلَطَّفُونَ معَهُ، وَيقولونَ اتقِ اللهَ فِينا جميعَا، وفي الوقتِ نفسِه يُبادِرُونَ بصِلَةِ إخوانِهم والإحسانِ إليْهم.
 

 والعدلُ مطلوبٌ معَ الجميعِ، حتَّى معَ الزوجةِ ولوْ كانتْ واحدةً، فتُعطَى حقوقَها ولا تُظْلَم، فإن حدثَ تقصيرٌ أوْ خللٌ غيرُ مرادٍ ولا مقصودٍ ولا متكررٍ، وإنَّما هوَ ميْلٌ عارضٌ، سواءٌ معَ الزوجاتِ أوْ معَ الأولادِ، أوْ حتَّى معَ الزوجةِ الواحدةِ، فهُنا يأْتِي التصافحُ والتغافرُ، وعلَى الزوجِ أنْ يُبادِرَ باسترضاءِ مَنْ وقعَ عليهِ مثلُ هذا الظلمِ غيرِ المقصودِ.
 

ومما يَنبغِي ملاحظتُه أنَّ الاسترضاءَ ليسَ بالضرورةِ أنْ يكونَ بالتسويةِ، وإنَّما يُمكنُ أنْ يكونَ بفعلِ ما يُرضِي كلَّ طرفٍ، فبعضُ الزوجاتِ قدْ تَرْغَبُ في السَّفَرِ أكثرَ مِنَ الأخرَى، وأختُها ربَّما تَرغَبُ في المالِ أكثرَ مِنَ السَّفَرِ، فيأتي زوجُهما فيُرضِي هذهِ بالمالِ ويُرضِي هذهِ بالسَّفرِ، بِشَرطِ أنْ يكونَ التراضِي بينَهما حقيقيًا وعنْ طِيبِ نفسٍ {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4]، فبعضُهم قدْ تقولُ له زوجتُه أنا راضيةٌ وهيَ ليستْ راضيةً، لكنْ تقولُ: ماذَا أفعلُ؟ لوْ قلتُ لهُ لستُ راضيةً لفَعَلَ وَفَعَلَ، ولهَدَّدَ وتَوَّعَدَ، وربَّما هَجَرَنَا وربَّما طَلَّقَنَا، فليسَ هذا هوَ الرِّضا الشَّرعيُّ، إذ الرضا الشرعيُّ ما كانَ مِنْ قلبٍ صادقٍ.
 

وأخيرًا، فَبرَغْمَ أنَّ المخاطَبَ بالآيةِ هوَ الزوجُ، إلّا أنَّ المرأةَ قدْ تُقَصِّرُ في حقِّ الزوجِ لانشغالهِا بأعمالِ المنزلِ أوِ الأولادِ وغيرِ ذلكَ، فهذا نوعٌ منَ الميلِ والظلمِ، فعليها أنْ تَحْرِصَ علَى العدلِ، وعلى القيامِ بحقوقِه وما يُحقِّقُ سعادتَه، فإنْ وَقعَ تقصيرٌ عارضٌ فتُحاوِلُ أنْ تَسترضيَهُ وتُعَوِّضَه، وتُبيِّنُ له سببَ هذا التقصيرِ وتَعتذرُ عنْهُ.
 

إنَّ العدلَ منْ أُسُسِ السعادةِ والاستقرارِ والهناءِ والسَّكنِ، وكما يُريدُ المرءُ أنْ يَعدِلَ معَهُ غيرُه، فلْيَعْدِلْ هوَ معَ مَنْ تَحتَ يَديهِ مِنْ زَوجاتٍ أوْ أولادٍ أوْ غيرِ ذلكَ {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}.

<<<<<<<<<<<<<<<<<



القاعدة الحادية والثلاثون: اصبر صبرًا جميلًا

 

قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5].
موضوعُ الصبرِ تكرَّرَ في القرآنِ الكريمِ قرابةَ تِسعينَ مرَّةً، وسببُ ذلكَ أنَّ الحياةَ لا تخلُو منْ منغِّصاتٍ ومكدِّراتٍ ومشاقَّ وصُعوباتٍ تحتاجُ إلى الصبرِ لتَجاوزِها والتغلبِ عليها، ودخولُ الجنةِ لا يكونُ إلّا بالصبرِ علَى ابتلاءاتِ الحياةِ {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، ولهذَا لمّا جاءَ أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يشكُونَ إليهِ مَا يَجِدونَ منْ أذى كفارِ قريشٍ، حثَّهم علَى الصبرِ كما صَبرَ مَنْ قَبْلَهُمْ فقَالَ: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ)، ثمَّ بشَّرَهُمْ بأنَّ العاقبةَ لِهذَا الدِّينِ: (وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ)، ثم قال: (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم وهوَ رسولُ اللهِ أوصاهُ اللهُ عز وجل بالصَّبْرِ علَى مَا سَيعرِضُ لهُ منَ المشَاقِّ فَقَال لهُ: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}.

 

ولئِنْ كنَّا نحتاجُ إلَى الصَّبرِ في كلِّ شؤونِ حياتِنا، فإنَّ حاجتَنا لهُ في العلاقةِ بيْنَ الزَّوْجَيْنِ أشدُّ، لِما يَحدُثُ في الحياةِ الزوجيةِ مِنْ إِشكالاتٍ ومُنغِّصاتٍ وعوارضَ تُسبِّبُ شيئًا مِنَ الغَضَبِ أوِ الكَدَرِ، فهُنا يُقَالُ لكلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}  كي تستقيمَ الحياةُ وتَستمِرَّ. والمُلاحَظُ في الآيةِ الكريمةِ أنَّه مَا قَالَ {فَاصْبِرْ} فَقَطْ، بلْ أكَّدَه {فَاصْبِرْ صَبْرًا} أيْ مُطْلقًا وأيضًا وصَفَه بِقَوْلِه {جَمِيلًا}، أيْ لا تَشَكِّيَ معَهُ، كمَا كَان مِنْ يعقوبَ -عليه السلام- معَ أولادِه في موضِعَينِ: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف:18]و[يوسف:8]، ومِنَ العجيبِ أنَّه في الموضعِ الثاني قَالَ: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا}، مَا قَال (بِهِمَا) أيْ يوسف وبنيامينَ فقطْ، بلْ جَمَعَ معَهُما أخاهما الذي بَقِيَ في مصرَ، معَ أنَّه شريكٌ في الخطأِ الأولِ، ومعَ هذا قالوا له: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف:85]، فيرُدُّ عليهم بهذا الأسلوبِ الجميلِ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]، فما شَتَمَهُم ولا سَبَّهُم ولكنْ خاطَبَهم بأفضلِ أسلوبٍ ووجَّهَهُم ورَبَطَهُم بالله عز وجل، فوافقَ فعلُه قولَه: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}.
 

بعضُ الأزواجِ قدْ يَصبرُ علَى زوجتِهِ ولكنْ يَظهَرُ علَى وجهِه وتصرفاتِه الغضبُ، قدْ لا يُعاقِبُ زوجتَه ولا يَلومُها بكلمةٍ، لكنَّ حالَه وواقعَه يدلَّانِ علَى أنَّه لمْ يَصبِرْ صبرًا جميلًا، فمَا معنى أنْ يقولَ الرجلُ إنَّني صَبَرْتُ، وهيَ تَشْعُرُ أنَّ حياتَه قدْ تَغيرَتْ بعدَ ما صَدَرَ مِنْها؟ هذَا نوعٌ مِنَ العقابِ قدْ يَكونُ أشدَّ علَيها مِنَ الكلامِ أوِ الضربِ. كذلكَ بعضُ الزوجاتِ تَقُولُ أنا أَصْبِرُ، بينما هِي تَتَشكّى وَتَغضبُ ويَجِدُ زوجُها منْها الجَفاءَ والإعراضَ والصُّدودَ، بلْ حتَّى لوْ أرادَ قضاءَ وَطَرِهِ لَا تستقبلُهُ بنَفْسٍ طَيبةٍ، فليسَ هذا بالصبرِ الجميلِ، الصبرُ الجميلُ كاسمِه، جميلٌ في حقيقتِه، في دَلالتِه، في عواقبِه، كأنَّ شيئًا لمْ يكنْ، وهوَ الذي لا تَشكِّيَ معَهُ، بلْ فيهِ إحسانٌ كمَا فعَلَ يعقوبُ -عليه السلام- معَ أولادِه.
 

ومِنَ الصبرِ الجميلِ مَا كانَ مِنْ أحدِ طلابِ العلمِ، يقولُ: في يومٍ مِنَ الأيامِ تَصَرَّفَتْ زوجتِي تَصرُّفًا تَسْتَحِقُّ مَعَهُ العِقابَ، فلمْ أَتَكلَّمْ بِكَلِمَةٍ ولمْ أُشْعِرْهَا أنني غَضِبْتُ، وَعزمْتُ عَلَى ألّا أنامَ إلّا أن أكونَ وإيَّاها مِنْ أَسْعدِ النَّاسِ، فَقامَ بَدَلَ العِتابِ والعِقابِ بِتَصَرُّفٍ جميلٍ، يقولُ: فكانتْ تلكَ الليلةُ مِنْ أَسْعَدِ أيَّامِ حياتِنا، وَقدْ فسَّرَ فِعلَه هذا بأنَّه أولًا مِنْ توفيقِ اللهِ تعالى، ثمَّ إنَّه رأَى أنَّه لوْ بَقِيَ الغضبُ في نفسِه وكَتَمَه وَصَبرَ علَى مَضضٍ، فَسَينامُ ليلةً غيرَ هانئةٍ وسَيدْفَعُ الثَّمنَ، سَيَنامُ في كَدَرٍ ويقومُ علَى كَدَرٍ ويذهبُ إلى عملِه في تَوَتُّرٍ، قال: فوجدْتُ أنني لا بدَّ أنْ أَصْبِرَ صَبْرًا جميلًا، وذَكرَ مثلًا عجيبًا وطريفًا، يقولُ: لوْ كنتَ فِي البَرِيَّةِ وَوَضَعْتَ فِراشَك وأرَدْت أنْ تنامَ فَفُوجِئْتَ بحَجَرٍ تَحْتَكَ آلمكَ، هَلْ تَشْتِمُ الحَجَرَ أمْ تَصْبِرُ ثمَّ تُسَوِّي الأرضَ لِتَنام مرتاحًا إنْ لمْ تكنِ الظروفُ مهيأةً للانتقالِ منَ المَكانِ؟ فَكَذَلِكَ الحياةُ الزوجيةُ، لا بدَّ منَ الصَّبْرِ علَى مُكدِّراتِها، ولا بدَّ منَ الصبرِ علَى الزوجةِ صبرًا جميلًا، ثمَّ المبادرةِ للإصلاحِ، لأنَّ المرأةَ في الغالبِ عودتُها قريبةٌ؛ لأنَّها صاحبةُ عاطفةٍ وقلبُها رقيقٌ.
 

وَمِنَ النساءِ مَنْ تَصْبِرُ علَى زوجِها صبرًا جميلًا وتَضْرِبُ في ذلكَ أمثلةً رائعةً، فَمَهْمَا وَقَعَ مِنْ زوجِها في حقِّها ومهما أَخطَأَ عليها فهيَ لا تُغيِّرُ مِنْ حياتِها وأسلوبِها معَهُ أبدًا، وتَبْقَى تصرفاتُها وخدمتُها لهُ في حالةِ الغَضبِ والرِّضا متقاربةً قدرَ المُسْتطاعِ، وإلّا فإنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أنْ يكتُمَ كلَّ شيءٍ، هذَا لا يَكادُ يكونُ موجودًا. 
 

ومنَ الصبرِ الجميلِ منْ أزواجِ النبيِّ -أمهاتِ المؤمنين رضي الله عنهن- أنَّه لمَّا أحبَّ أنْ يُمَرَّضَ في آخرِ حياتِهِ عندَ عائشةَ تنازلنَ كلُّهنَّ عنْ حقِّهنَّ بطيبِ نَفْسٍ فَبَقِيَ عنْدَها حتَّى مات صلى الله عليه وسلم وهوَ بينَ سَحْرِها ونَحْرِها، معَ أنَّ كلَّ واحدةٍ مِنهنَّ تتمنَى لوْ يكونُ عندَها، ففي الحديثِ أنَّه حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، ثمَّ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ، وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ)، فزوجاتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تُريدُ الواحدةُ لحظةً واحدةً معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومعَ ذلكَ يَتنازلنَ وَيَصْبِرْنَ ابتغاءَ ما عندَ اللهِ تعالى، كمَا حَدَثَ يومَ التَّخييرِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:28، 29]، فَصَبَرْنَ وَاخْتَرْنَ كلُّهنَّ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخِرَةَ.
 

ومِنْ صورِ الصبرِ الجميلِ في الحياةِ الزوجيةِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانتْ تَغضَبُ منَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهوَ رسولُ اللهِ - بأبِي هُوَ وأمِّي- لكنَّ هذا لا يُوقِعُها في المحظورِ، ففي الحديثِ أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ لها: (إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى. قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ. قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ)، فكَانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعرِفُ هذا مِنْ حالِها، لَكِنَّها لمْ تَفعلْ شيئًا آخَرَ.
 

وفي هذا الحديثِ درسٌ للرجالِ الذينَ يَرَوْنَ أنَّه ليسَ لأزواجِهم حقٌ في الغَضَبِ مِنْ تصرفاتِهِمْ مَهْمَا كانتْ، فهذا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلمِ، وَمَعَ ذلكَ تَغْضَبُ منهُ أحبُّ أزواجِه إليْهِ، وهذَا مِنْ مُقْتَضَى بَشَريّتِها وَبَشَرِيَّتِهِ صلى الله عليه وسلم {أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الكهف: 110]، ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم يَصْبِرُ عليها صبرًا جميلًا، ويَكتَفِي بأنْ يقولَ لها إنَّه يَعلمُ حالَ رضاها وحالَ غضبِها!
 

وَقدْ كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَصْبِرُ علَى قومِه وعلَى القريبِ والبعيدِ، يَصبرُ علَى صحابتِه، وَيصْبِرُ علَى أهلِ بيتِه وما يَحْدُثُ مِنْ زوجاتِه، وَيَحْتَمِلُ مَا يكونُ منهنَّ، وأمَّا ما كانَ يَحْدُثُ مِنْ عقابٍ كَهَجْرِهِنَّ شهرًا، فمنْ بابِ التربيةِ والتشريعِ أيضًا؛ لأنَّ حياتَه صلى الله عليه وسلم ليستْ قاصرةً عليهِ وإنَّما هوَ مُشرِّعٌ لغيرِه، وبمجموعِ أفعالِه تَتضِحُ الأمورُ وتتضحُ الصورةُ ولا يَتسلَّلُ الشَّيطانُ لسُوءِ فَهمِ {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} فيَظُنُّ البعضُ أنَّها تَعنِي التساهلَ والتفريطَ، بل الحكمة والحزم وأخذ النفس بما فيه الصلاح.

 <<<<<<<<<<<<

القاعدة الثانية والثلاثون: علاج المشْكِلاتِ بالتَّوْبَةِ وَالْاسْتِغْفَارِ

 

قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى:30].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ تضعُ منهجَ حياةٍ للمَرْءِ في تَعامُلِهِ معَ ما يَحُلُّ به مِنْ مصائبَ، وما يمرُّ بهِ منْ مشكلاتٍ ومكدِّراتٍ، فعندمَا يعلمُ أنَّه لا يَنْزل به بلاءٌ إلَّا بمعصيةٍ وأنَّه لا يُرْفَعُ إلَّا بتوبةٍ، فإنَّ نَظْرَتَهُ للأحداثِ وتعاملَه معَها سيختلِفُ اختلافًا كليًّا، وهذَا ما سَمِعْتُهُ منْ أحدِ الدُّعاةِ وطلَّابِ العِلمِ، يقولُ: هذهِ الآيةُ في سورةِ الشُّورَى غيّرتْ حياتِي، يقولُ: كُنتُ إذا وَقَعَ خللٌ في البيتِ أُبَادِرُ بالِعتابِ في بعضِ الأحيانِ، لكنَّه بعدَ أنْ تَدَبَّرت هذهِ الآيةَ وفَقِهتُهَا تَغيَّرَتْ حياتي، فإِذا وَقَعَ تقصيرٌ يسيرٌ منَ الزوجةِ أوِ الأولادِ أعمل بقوله تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237]، أمَّا إنْ كانَ التقصيرُ كبيرًا -وهذَا هو المرادُ- يقولُ: أُدْرِكُ أَنَّه مَا وَقَعَ إلَّا بِسَببي، فهُوَ أثَرٌ لخطأٍ وَقَعْتُ فيهِ قَبْلَ ذلكَ، فأنَا البادئُ والبادئُ أظْلَمُ، وهذا لا يَعْنِي بِالضَّرورةِ أنَّه وَقَعَ منْهُ خطأٌ في حقِّ زوجتِه أوْ في حقِّ أولادِه، بلْ قدْ يكونُ قصَّرَ في حقٍّ مِنْ حقوقِ اللهِ  وَوَقعَ في معصيةٍ فعاقَبَهُ اللهُ  بتقصيرِ زوجتِه وأولادِه أوْ خطئِهم في حقِّه، وهذا الفِقْهُ فَهِمَهُ بعضُ السَّلفِ مِنْ قَبْلُ، يقولُ الفضيلُ بنُ عِياضٍ رحمه الله: (إِنِّي لَأَعْصِي اللهَ فَأَعْرِفُ ذَلِكَ فِي خُلُقِ حِمَارِي وَخَادِمِي)، أيْ يَرَى أثرَ المعصيةِ في خُلقِ الدَّابَّةِ وهيَ غيرُ مكلَّفةٍ، فَبَدَلَ أنْ تستجيبَ له وتَخضعَ يَجِدُ مِنْهَا أخلاقًا أخرَى، فَيَعْلَم أنَّ هذَا بسببِ المعصيةِ التي وَقَعَ فيها، يَقولُ صاحِبُنا: فإِذا وَجَدْتُ هذا بَدَأْتُ بمحاسبةِ نفسِي، وَرُحْتُ أستغفرُ اللهَ وأُصلِّي وأدعو وأُلِحُّ في الدُّعاءِ وَقَدْ أَتَصَدّقُ، وفي حالاتٍ كثيرةٍ لا يستغرقُ الأمرُ سِوَى وقتٍ يسيرٍ فَيكتشِفُ أنَّ الأمرَ تغيَّرَ تَمامًا معَ الزوجةِ والأولادِ، وربّما قَبْلَ أنْ يَنطقَ معَهم بكلِمَةٍ فيما وقَعُوا فيه منْ خطأٍ، بلْ قدْ يُفاجَأُ بزوجتِه تأتِي وتعتذِرُ لأنَّها أخطَأَتْ أوِ الأولادِ يَعتذِرُونَ، فكَما أنَّ الله تعالى سلَّطهُم عليهِ بذنبِهِ {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، فكذلكَ رَفَعَ البلاءَ، وأصلَحَ قلوبَهم لَمَّا أَصْلَحَ ما بينَه وبينَ الله.

 

يقولُ: فهذَا أَصَبَحَ مَنْهَجًا في حياتِي، فَبَدلَ أنْ أَبْقَى علَى ذنبِي الأول وأُضيفَ إلَى ذلكَ مشكلةً أخرَى داخلَ البيتِ، جعلتُ هذهِ القاعدةَ مُنْطَلَقًا في عِلاقتِي الأُسْريةِ، فتغيّرتْ كلُّ حياتِنا للأفضلِ.
 

ومِنَ الأمثلة العمليةِ لهذهِ القاعدةِ أنَّ أحدَ الأزواجِ -وهوَ مِنْ طُلَّابِ العلمِ- يقولُ: وَقعتْ مشكلةٌ بينِي وبينَ زوجتِي وأَغْضَبَتْنِي فَصَبَرْتُ وَسَكَتُّ وخرجتُ منَ المنزلِ، كانَ يُمكنُ أنْ أَذْهَبَ إلَى زوجتِي الثانيةِ قَبْلَ مَجيءِ وقتِها، لكنّني رأيتُه نوعًا مِنَ الظلمِ وليسَ منَ العِقابِ المشروعِ، فَقَرَّرْتُ أنْ أنتظرَ في المسجدِ حتَّى يَحينَ وقتُ الذَّهَابِ إليها، فَأَقْضِيَ وقتِي في العِبادةِ والصلاةِ والتلاوةِ والدعاءِ والاستغفارِ، ولا شكَّ أنَّ هذا مِنْ توفيقِ اللهِ لهُ، فلمْ يَذْهَبْ إلَى غُرفةٍ في فندقٍ أوْ يتمشَّى في الشوارعِ، يقولُ: دخلتُ المسجدَ وأدَّيتُ السُّنةَ، فَشَعَرْتُ بشيءٍ يَدْفَعُنِي بقوةٍ للرجوعِ إلَى البيتِ مرةً أخرَى، يقولُ: قاومتُ أولَّ الأمرِ لكنّني في النِّهايةِ رَجعتُ، فلمَّا فتحتُ البابَ إذا بزَوْجتِي تَبتسمُ وتقولُ: واللهِ كنتُ أعرِفُ أنكَ سَتَرجِعُ. قلتُ: كيفَ؟ قالتْ: لأنَّكَ بعدَ خروجِكَ شَعَرْتُ أنّني أخطأتُ في حقِّك، وفي حقِّ اللهِ قبلَ ذلكَ، فبدأتُ أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ وأدعوهُ أنْ يُعيدَكَ إليَّ.
 

إنّنا لوْ فَهِمْنَا {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، وعملنا بالقاعدةِ في كلِّ حياتِنا، وفي حياتِنا الزوجيةِ خصوصًا، سنجدُ أثرًا عجيبًا بإذنِ اللهِ، وَسَينقلِبُ الكَدَرُ فرحًا ومحبةً وسرورًا، والسرُّ في ذلكَ أنَّ القلوبَ بيدِ اللهِ عز وجل يُقلِّبُها كيفَ شاءَ، فإنْ أَصْلَحَ العبدُ ما بينَه وبينَ خالقِهِ أصلحَ لهُ ما بينَه وبينَ عبادِه، وبهذا يكونُ البيتُ سَكَنًا، والزوجةُ سكنًا، وتسودُ المودةُ والرحمةُ والرِّضا.

<<<<<<<<<



القاعدة الثالثة والثلاثون: إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا


 

قال الله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7].
هاتانِ الآيتانِ الكريمتانِ في سورةِ الطلاقِ عجيبتانِ جدًا، وَبرَغْم أنَّهما وَرَدَتَا في سياقٍ يتعلقُ بالحياةِ الزوجيةِ، إلّا أنَّهما تَصْلُحَانِ للتعاملِ معَ حوادثِ الحياةِ بصفةٍ عامةٍ، فلوْ أنَّ الإنسانَ تأملَ في المعاني العظيمةِ فِيهِما، واتخذَ القاعدةَ المأخوذةَ منهما في حياتِه كلِّها لتغيرَّتْ حياتُه بالكليَّةِ، ولَهَانتْ مشكلاتُه في عَينِه، ومنْها المشكلاتُ والمنغِّصاتُ التي تقعُ في بيوتِنا، فهِيَ بلا شكٍ نوعٌ مِنَ العُسْرِ، ولكنْ إنِ استحضَرَ المرءُ القاعدةَ انتقلَ مباشرةً إلى ترقُّبِ اليسرِ، كمَا تُبشِّرُ به الآيتان العظيمتان في سورة الشرح {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5-6]. 

 

والأمثلةُ علَى ذلكَ في الحياةِ كثيرةٌ جدًا؛ فمِنْ ذلكَ فاكهةٌ في الطائفِ والمناطقِ الباردةِ والجبليةِ تُسمَّى البَرْشُومِيِّ، قِشْرتُها الخارجيةُ مغطاةٌ بالشَوْكِ، فلا يُمكنُ أنْ يَأخذَها المرءُ بيدِه مباشرةً ولا بِسهولةٍ، فالشَّوْكُ مؤلمُ والحصولُ علَى الثَّمَرَةِ متعبٌ، لكنَّ خَلْفَ هذا التعبِ، وداخلَ هذا الشوكِ طعمٌ لذيذٌ جدًا، كذلكَ الذينَ يَجنُونَ العُودَ -وَهُوَ مِنْ أغلَى أنواعِ البُخورِ- يَذكُرونَ أنَّ استخراجَه صعبٌ ومُتعِبٌ، وكذلكَ الذينَ يَغوصونَ في البَحرِ للحصولِ علَى اللؤلؤِ الطبيعيِّ مِنَ الأصدافِ، لا يَصِلُونَ لهذا الجمالِ الثمينِ إلا بمكابدةِ المتاعبِ والعسرِ، عسرِ البحرِ وظلمتِهِ، ولكنْ في مُقابِلِ هذا العُسْرِ يُسْرٌ، حيثُ يَجِدُونَ الخيرَ مِنَ اللؤلؤِ والأصدافِ الجميلةِ.
 

فكأنَّ هذه الآيةَ تقولُ لنا إنَّ كلَّ عسرٍ في باطنِه يسرٌ عظيمٌ فابحثْ عنْهُ، فإنكَ لوْ وَجدْتَ إنسانًا كلَّما لَمسَ شوكَ فاكهةِ البَرشُوميِّ رمَاها لقُلتَ هذا سفيهٌ، فخذْها بحرصٍ واتقِ شوكَها وإنْ أصابَك شيءٌ منهُ فاصبرْ وستجدُ قريبًا في داخلِها الخيرَ الكثيرَ، وهكذا الحياةُ بالصبرِ على ما فيها منْ عسرٍ يُحصَّلُ اليسرُ.
 

فهذه المعاني العظيمةُ تجعلُ الإنسانَ يَنتقلُ مِنَ الضّيقِ والعُسْرِ والكَدَرِ، إلى الفرَجِ واليسرِ والصفاءِ بِتَرقُّبِ اليُسرِ وَتَرَقُّبِ الفَرجِ، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، أيْ أمرًا خيِّرًا طيبًا كما تُبَيِّنُه الآيةُ الأخرَى {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7].
 

والخُلاصةُ ألّا يقعَ المرءُ في الاستغراقِ في اللحظةِ الحاضرةِ، بلْ منذُ أنْ يَنْزِلَ بهِ العسرُ -سواءٌ كانَ مشقةً أوْ خِلافًا أوْ مشكلةً- فلْينتقلْ مِنْ حالِه مباشرةً ولْينتظِرِ اليُسْرَ، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7]، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، فهذهِ القاعدةُ العظيمةُ إنْ حَكَمَتْ حياتَنا جَعَلَتْها هنيئةً طيبةً؛ لأنَّ الانتقالَ الذهنيَّ منْ حالِ الضيقِ إلى حالِ الفَرَجِ، يُريحُ المرءَ ويَجعلُهُ يَعيشُ حياةً أخرَى، وهناكَ كلمةٌ عظيمةٌ لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ رحمه الله تُبيِّنُ هذا الأمرَ بوضوحٍ وجلاءٍ، فقدْ نَقَلَ عنْهُ تلميذُه ابنُ القيمِ رحمه الله أنَّه كانَ يقولُ: (مَا يَصنعُ أعدائِي بِي؟ أنَا جَنَّتِي وبُستانِي فِي صدْرِي، إنْ رُحْتُ فهيَ معِي لا تُفارِقُنِي، إنَّ حَبْسِي خَلْوةٌ، وقَتْلِي شهادةٌ، وإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سياحةٌ) ، فبِاستحضارِ القاعدةِ العَظيمةِ، وبتحقيقِ الانتقالِ الذهنيِّ، تتحوَّلُ مباني السَّجنِ الضيقةُ المغلقةُ المظلمةُ إلَى خَلوةٍ معَ اللهِ عز وجل وفُرْصَةٍ للتألُّهِ والتَّعَبُّدِ، ويتحوَّلُ البعدُ عنِ الوطنِ والأهلِ وفِراقُ الأحبابِ إلَى سِياحةٍ، كمَا يَدْفَعُ الناسُ اليومَ أموالًا طائلةً مِنْ أجلِ أنْ يَنتقِلوا مِنْ بَلدِهم إلَى بلادٍ أُخرَى بعيدةٍ، فإذَا قتلوهُ في نهايةِ المطَافِ كانَ قتلُه شهادةً لأنَّه ما قُتِلَ إلّا مَظلومًا لِما يُبَلِّغه مِنْ عقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ يُريدُ بذلكَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا.
 

وقدْ عَمِلَ بهذا أحدُ الدُّعاةِ وطلابِ العلمِ الذينَ سُجِنُوا سنواتٍ، اسْتَحْضَرَ هذهِ الآياتِ، واسْتَحْضَرَ كلامَ شيخِ الإسلامِ، يقولُ: وأَنَا في داخِلِ الزنزانةِ التي لا تَتَجاوزُ مترينِ ونصفَ في مترينِ ونصفٍ بمَا فيها دورةُ المياهِ، كنتُ مِنْ أَسَعَدِ النَّاسِ، حتَّى إنَّ إدارةَ السَّجنِ اسْتَغْرَبَتْ هذا الأمرَ، وجاءني مديرُ السَّجنِ وقَال: أَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ فَرَحِكَ واستقرارِك، فقلتُ لهُ: أَنَا في خَيرٍ، هَذِهِ نعمةٌ ساقَها اللهُ إليَّ، نعمْ بالتأكيدِ لا أُريدُ السَّجنَ وَلا أحدَ يُريدُه، أمَا وقدْ قدَّرَه اللهُ فكمْ فيْهِ مِنَ الِمنَحِ وَفيْهِ مِنَ الخَيْرِ. وَالعَجِيبُ أنَّ هذا الرجلَ عُرِضَ عليهِ بعْدَ عدةِ أشهرٍ أنْ يَخْرجَ مِنَ السِّجْنِ مُقَابِلَ القِيامِ بمَا لا يَرْضَاهُ، فَرَفضَ وَبقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ سنواتٍ، يقولُ: واللهِ إنّني أَعُدُّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَليَّ أَنّني لمْ أَضْعُفْ في تلكَ الحالةِ ولمْ أَستجبْ لمَـا عُرِضَ عَليَّ وهُوَ جائزٌ لي، وذلكَ لِما رأيتُه منَ المِنَحِ العظيمةِ العاجلةِ والآجلةِ {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}.
 

إنَّ هذهِ السورةَ العظيمةَ اسمُها سورةُ الطَّلاق، والطَّلاقُ عُسْرٌ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بهِ فيهِ تنغيصٌ للحياةِ، لكنَّ المتأملَ في آياتِها يَجِدُ اليُسْرَ في باطنِها، فَهِيَ مِنْ أعظمِ سُوَرِ الفَرَجِ والفَتْحِ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:2-3]، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7]، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}، فَعَلَيْنا أنْ نأخُذَ مِنْ آياتِ الفَرجِ في هذهِ السورةِ ما نُطبِّقُه في بُيوتِنا، لا سيما أنَّها تتناولُ كثيرًا مِنْ أمورِ الحياةِ الزوجيةِ المتعلقةِ بالنساءِ، لِما فيها مِنْ عِنَايةٍ بشأنِ النّساءِ حتَّى في أمورِ حَيضِهِنَّ وعِدَّتِهنَّ وَسَكنِهِنَّ، بل وفي حالةِ الطلاقِ؛ كيفَ يقعُ وكيفَ يُراجِعُ الرجلُ زوجتَه، كيفَ يُمْسِكُها وكيفَ يُفارِقُها، ولِهذَا تُسَمَّى سورةُ النساءِ الصُّغْرَى.
 

وإنّني أنصحُ الجميعَ -وبصفةٍ خاصةٍ الزوجانِ- بتدبرِ هذهِ السورةِ، فسوفَ يَعودُ تدبرُها عَلَيْهِمَا بنفعٍ عظيمٍ، يقولُ لي أحدُ الرُّقاةِ المشهورينَ: إنَّه صارَ يَنْصحُ مَنْ يَقْرَأُ عليهم بتَدُبُّرِ سورةِ الطلاقِ والأخذِ بما فيها، يقولُ فوجدتُ حالَ هؤلاءِ الذينَ أَرْقيهِمْ تَختلفُ كثيرًا، ويقولونَ لي تغيَّرتْ حياتُنا بعدَ تدبرِ سورةِ الطلاقِ وبعدَ أخذِنا بما فيها.
 

فإذا تَعَامَلْنَا معَ مُشكلاتِنا في بيوتِنا في ضَوءِ هذهِ القاعدةِ تغيَّرتْ حياتُنا، فإذا وَقَعَ ما نَكْرَهُ مِنْ أزواجِنا أوْ أولادِنا، فَلْنَنتظِرِ الفرجَ والرحمةَ، ولا نَستعجلْ في التصرفِ والكلامِ واتخاذِ موقفٍ لا يُناسِبُ، إِذْ {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}، {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}، فلْنفعلْ ذلكَ لِتستقرَّ حياتُنا ونَسْعدَ في شؤونِنِا.

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
القاعدة الرابعة والثلاثون: أدِّبُوا أهلِيكُمْ وعلِّمُوهُم

 

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ تُخاطِبُ المؤمنينَ منَ الرجالِ كيْ يَحفظُوا أنفسَهم وأزواجَهم وأولادَهم مِنَ النَّارِ، وذلكَ بأنْ يُعلِّموهم ويُؤدِّبوهم ويَحضُّوهم علَى فعلِ الخيراتِ وتركِ المنكراتِ. وقولُه تعالَى: {قُوا} يَعنِي: اجْعَلوا بينَهم وبينَ عذابِ اللهِ وقايةً، ولا شكَّ أنَّ النَّارَ المقصودةَ ابتداءً هيَ نارُ الآخِرَةِ لقولِه تَعالى: {نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ} الآيةُ، ولكنْ بالتأملِ في لازمها نَجِدُ الذي لا يقي أهله نار الدنيا وجحيمها فلن يقيهم نار الآخرة، والعكس بالعكس! فالذي يقِي نفسَه وأهلَه النَّارَ وَيَعمَلُ أعمالًا صالحةً خيِّرةً ويتقِي معاصيَ اللهِ عز وجل منْ أجلِ أنْ يُحجبَ عنْ النَّارِ ويدخلَ الجنةَ -جعلَنَا اللهُ منْ أهلِها- يحفظُهُ اللهُ منْ جحيمِ الدُّنيا ويجعله في سعادةٍ وهناءٍ، وبرغمِ المشكلاتِ والمنغِّصاتِ التي لا بدَّ منْها في هذهِ الحياةِ، إلَّا أنَّه يكونُ سَعيدَ القلبِ مطمئنَ النفسِ. والعكسُ بالعكسِ؛ فالإنسانُ إذَا لمْ يتقِ اللهَ عز وجل في أهلِه وولدِه وأَدْخَلَ عليهم في بيتِه المعاصيَ والآثامَ، فإنَّه قَبلَ أنْ يَدْخلَ نَاَر الآخرةِ -إذا لمْ يغفرِ اللهُ له- فإنّه يعيشُ حياةَ الضَّنكِ والشَّقاءِ، وتكونُ الدُّنيا بالنسبةِ لهُ كقِطعةٍ منَ الجحيمِ، وبمقدارِ وجودِ هذهِ المعاصِي في البيوتِ وبقدر البعد والإعراض عنْ ذكرِ اللهِ تعالى تكون الحال السيئة في الدنيا والعاقبة الوخيمة يوم القيامة وهي معلومةً {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124].

 

فمثلًا بعضُ الناسِ يُدخلُ القنواتِ المحرمةَ لبيتِهِ ويُعلِّلُ ذلكَ بأنَّ الأولادَ ضغَطوا عليهِ، وأنّه لا يُريدُ أنْ تقعَ المشاكلُ بينهُ وبينَهُم ويرُيدُ إسعادَهم، فهلْ عاقبةُ فِعْلِهِ هذا سعادةٌ حقًا؟ 
 

إنَّ عاقبةَ هذا الأمرِ في الآخِرَةِ -مَا لمْ يُغْفَرْ لهُ- وخيمةٌ، فقدْ ضيَّعَ الأمانةَ وغَشَّ رعيَّتَه بدلَ أنْ ينْصَحَ لهمْ، وأدْخلَ عليهمْ ما يُفسِدُ آخِرتَهم. وأما في الدُّنيا، فالذينَ يُدْخِلونَ هذهِ المحرماتِ إلى بيوتِهم منْ أجلِ إسعادِ أولادِهم وأهلِهم واهمونَ ومخطئونَ، وقدْ يُعاقَبُونَ في الدنيا بفسادِ أزواجِهم وأولادِهم والعياذُ باللهِ، والقِصَصُ معلومةٌ مشهودةٌ، فكثيرٌ منْ هذهِ البيوتِ دخَلَها الفسادُ والخرابُ بسببِ ما يُعرَضُ في هذهِ القنواتِ مِنَ المحرماتِ ومظاهرِ الفجورِ، كشربِ الدُّخانِ والمسكِراتِ والمخدّراتِ، وكالتبرجِ والتعري وكشفِ العوراتِ والاختلاطِ، وغيرِ ذلكَ، فيَنْدَمُ الأبُ ولاتَ حينَ مَنْدمٍ، ويعيشُ في عذابٍ شديدٍ وجحيمٍ وتعاسةٍ، فتكون المحَصِّلةِ أنه لمْ يَسعدْ لا فِي الدنيا ولا فِي الآخِرَة، بلْ شَقِي شقاءً أعظمَ منَ الشَّقاءِ فِي حَالِ رَفْضِ طَلَباتِهمْ. 
 

إذًا عنْدَمَا يْجعَلُ المَرءُ بينَه وبينَ أهلِه وبينَ النَّارِ وِقايةً، فإنَّه يَجعلُ بينَه وبينَ الشَّقاءِ والتَّعاسَةِ في الحياةِ الأُسْرِيةِ وقايةً، ولا يكون ذلكَ إلاّ بالبعدِ عنْ المعاصِي والإقبالِ على الطاعاتِ وأمرِ أهلِهِ بِها {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طـه: 132]، وبذكرِ اللهِ عز وجل الذي بهِ تطمئنُ القلوبُ {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، فتكونُ النتيجةُ {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طـه:123] لا يضلُّ في الدنيا ولا يشْقَى في الآخِرَةِ.
 

وقدْ يَكُوْنُ الأَخْذُ بالتقوَى في أَوَّلِ الأمْرِ فيهِ شِدّةٌ، قَدْ تَغضْبُ الزَّوْجَةُ وَقَدْ يَغْضَبُ الأَوْلَادُ، وَلَكِنْ بالصِّدْقِ مَعَ اللهِ تَلِيْنُ القُلُوبُ، وَهُنَاكَ مَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ فلمْ يُعَانِ مِنْ ذَلِكَ، كَحَالِ أحدِ طُلابِ العلمِ الذِي يَقُولُ: واللهِ لا أَذْكُرُ أنَّ أَولادِي طَلَبُوا مِنّي القنواتِ المحرمةَ يومًا منَ الأيامِ، بلْ ولا القنواتِ الرياضيةَ التي قدْ يُعْرَضُ فيها نساءٌ أو كَشْفُ عَورَاتٍ أو تُسبِّبُ إِضاعَةً للصَّلواتِ، يَقولُ: فَلمْ أُدْخِلِ التلفزيونَ في بيتي إطلاقًا إلا بعدْ أنْ ظَهرتِ القنواتُ الهادفةُ، فأدْخلتُها لهمْ منْ تِلقاءِ نفسِي بضوابطِها.
 

إنه بمقدارِ ما في البيتِ منْ خيرٍ وطاعةٍ وذكرٍ تكونُ السعادةُ والهناءُ والصفاءُ، ويفِرُّ الشيطانُ منْهُ، "فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ"، وفي روايةٍ أخرَى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ"، فكيف بالبيت الذي يقرأ فيه القرآن، وتقام فيه حلق الذكر، وتؤدى فيه الفرائض، وتتابع فيه النوافل، ولأهله حظهم من قيام الليل! ليس للشيطان في مثل هذا البيت مكان: ولسان حاله مع قبيله: لا مقام لكم فارجعوا! وأمَّا البيتُ الذي لا ذكرَ فيهِ ولا طاعة، ولا يُقرأُ فيه القرآنُ، فكالبيتِ الخربِ مأوَى الهوامِّ والشياطينِ، فلنمتثلْ إذًا {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} ولنجعلْ بيوتَنا نظيفةً، فستصبحُ جنةً أخرِى، حتى إنَّ بعضَهم يقولُ: إنني عندما أرَى ما أنا فيهِ منْ سعادةٍ في بيتي لِحرْصي علَى هذهِ الآيةِ {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} أقولُ: إذنْ كيفَ ستكونُ جنةُ الآخرةِ؟ أمَّا أولئكَ الذينَ - مَعَ كلِّ أسفٍ - يتَساهَلُونَ معَ أبنائِهم في عباداتِهم، في صلاتِهم، في سلوكياتِهم، وَيُدْخِلُونَ آلاتِ اللهوِ والمعاصِي والمحرماتِ، ويتساهلونَ في لباسِ زوجاتِهم وبناتِهم وغيرِ ذلكَ، هؤلاءِ لمْ يَقُوا أنفسَهم وأهليهم نارًا، وقدْ يجدونَ العقوبةَ العاجلةَ منَ الضنكِ والشدةِ في بيوتِهم، كما بيَّن اللُه في سورةِ طه، واللهُ أعلمُ.

   <<<<<<<<<<<<


القاعدة الخامسة والثلاثون: أولياءُ اللهِ لا خَوفٌ عليهِم

قال الله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ} [التحريم].
هذهِ الآيةُ الكريمةُ نزلتْ في قضيةِ زَوجتَي النبيِّ صلى الله عليه وسلم اللتينِ تظاهَرَتا عليه، في قولِهِ تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ}، وهُما على القولِ الصحيحِ عائشةُ وحفصةُ رضي الله عنهما، فهي خاصةٌ بهِ -بأبي هوَ وأمي- ومعَ ذلكَ فقدْ استنبطَ منها العلماءُ قاعدةً، وهيَ أنَّه بقدْرِ أخذِكَ بمنهجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والالتزامِ بسنتِه يكونُ لكَ منْ ولايةِ اللهِ نصيبٌ، وفي التنزيلِ الحكيمِ {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقرة:257]، وفي الحديثِ الشهيرِ يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ"، فَمَاذَا ينتظرُ مَنْ تحققتْ فيهِ ولايةُ اللهِ بعدَ هذا إلا الخيرَ والصفاءَ والهناءَ؟

 

فمنْ أرادَ أنْ يحققَّ ولايةَ اللهِ فليلزمْ طاعةَ اللهِ، ولْيحرِصْ علَى القواعدِ العظيمةِ التي مرَّ ذكرُها؛ العدلِ والعفوِ والصفحِ وسلامةِ القلبِ وغيرِها مما سيأتي لاحقًا، فإذا كانَ اُلله مولاهُ فلا يخشَى ولا يحزَن ولا يقنط، وسيجدُ النصرةَ والتأييدَ والتوفيقَ، وإنْ نابهُ أمرٌ أوْ عَرضتْ لهُ مشكلةٌ في البيتِ معَ الأهلِ أوِ الأولادِ فالفرجُ قريبٌ، و{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7]، و{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1]، وسيجدُ الراحةَ والحياةَ الهانئةَ المطمئنةَ بإذنِ اللهِ.
 <<<<<<<<<<<<

القاعدة السادسة والثلاثون: الحَذَرِ مِنَ الأَزْوَاجِ وَالأَوْلادِ

قال الله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14].
هذهِ القاعدةُ العظيمةُ مأخوذةٌ مِنَ الآيةِ الكريمةِ، إلّا أنَّ بعضَ الناسِ يُخطئُ في فهمِها، فيَظنُّ أنَّ الأصلَ في أزواجِهِ وأولادِهِ العداوةُ لهُ، وأنَّه يجبُ عليهِ أنْ يُعاملَهمْ كأعداءٍ حقيقيينَ، وليسَ الأمرُ كذلكَ!

 

فالمرادُ منَ العَداوةِ في الآيةِ أمْرانِ؛ الأولُّ: العداوةُ المباشِرةُ الحقيقيةُ، كمُحاولةِ إلحاقِ الأذَى عمْدًا، سواءً كانَ أذىً في الدُّنيا مثلَ أخذِ مالِ الزوجِ والأب بدونِ إذنِهِ، أوِ الإساءةِ إليهِ بالقولِ والفعلِ، أوْ فِي الآخرة كمحاولةِ صَرْفِهِ عَنْ طاعةِ اللهِ بمختلفِ صُوَرِها، وهذا النَّوعُ قليلٌ. وأما المعنى الثانِي: فهو عداوةٌ غيرُ مباشِرةٍ وقد يكون سببها شدَّة المحبَّةِ والغلوَّ فيها، فيَجْلبُون لهُ مِنَ الأذَى مثلَما يَجلبُ العدوُّ ولكنْ بِحُسْنِ نيةٍ دونَ قصدِ الإيذاءِ، مثل الزوجةِ التي تَطْلُبُ منْ زَوجِها مَا لا يُطيقُ منَ الطَّلَبَاتِ قَدْ تَدْفَعُهُ -إنْ ضَعُفَ- لأخذِ المالِ مِنْ غَيْرِ حِلّهِ، والأولاد الذَّيْنَ لا يُدْرِكُونَ حُرْمةَ المعازفِ والأفلامِ ومَا أَشْبَهَ ذلكَ، إنْ طَلَبُوا منْ أبِيهِم إدخالَها فإنَّهم يُحقِّقونَ عداوتَه دونَ قَصْدٍ؛ لأنَّ طاعتَهم تُحقِّقُ آثارَ العَدَاوَةِ، إذْ وُجُودُ هَذِهِ الْمَعاصِي في البُيوتِ أوِ ارتكابُ المحرَّماتِ طَلَبًا لرِضَا الزَّوْجِ أوِ الأولادِ يُحَقِّقُ مُرادَ عَدُوِّنَا إبليسَ بإيذاء بنِي آدَمَ.
 

لكنَّ هذَا ليسَ مُتَحَقِّقًا فِي كلِّ الأزوَاجِ والأولادِ، فَقَدْ قَال تعالى: {إِنَّ مِنْ} والراجِحُ أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ ليسَ كلُّ زوجٍ أوْ ولدٍ عَدُوًا، بلِ الأَصْلُ فِيهِم أنهم أولياء لا أعداء، وقيل إنها بَيانيَّةً، أيْ إنَّ أزواجَكم وأولادَكم عدوٌ لَكُم، لكنَّ الأوْلَ أشهرُ. وقولُه: {مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} قدْ يكونُ الزَّوْجُ عَدُوًا أيضًا وليسَ الزوجةُ وحدها، فالخطاب للرجال والنساء.
 

ثمَّ إنَّه قَالَ: {فَاحْذَرُوهُمْ}، والحَذَرُ هوَ أنْ يَتَّقِيَ الإنسانُ أسْبَابَ هذهِ العداوةِ، سواءٌ كانتْ مباشِرَةً وهِيَ الأقلُّ عادةً، أوْ غيرَ مباشِرَةٍ وهِيَ الأكثرُ بدليلِ قولِهِ: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ أَوْلَادِهِ أوْ مِنْ زَوْجِهِ مَا يُسَبِّبُ لَهُ العَنَتَ وَقَدْ يُوقِعُهُ فِيمَا حرَّمَ اللهُ، فَعَلَيْهِ أخذُ الحذَرِ منْ مُوافقتِهَم، إما بسبب الحُبِّ أوِ الشّفقةِ عليهِم، أوْ بسبب الضعفِ، فقدْ يَضْعُفُ الرجلُ ويُحقِّقُ لزوجِهِ وأولادِه مَا يُغْضِبُ اللهَ عز وجل، وهذَا يُحققُ العَدَاوةَ، فينبغِي الحَذَرُ والانتباهُ إلَى طلباتِهم ومراداتهم وتصرفاتِهم، ألَّا يكونَ فيها مَا حرّمَ اللهُ، وفِي الوقتِ نفسِه يَعْفُو ويَصْفَحُ وَيغفِرُ ما صَدَرَ مِنْهُم عَنْ غَيْرِ إرادةِ للضررِ، وإنَّما لضَعْفِهِم وتقصيرِهِم، وبِهذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: الحذرُ والصفحُ والمغفرةُ تَستقِرُّ الحياةُ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، يغفِرُ لنَا ويرحمُنا ويَهَبُنا الحياةَ الهانئةَ المطمئنةَ، والسكنَ والرحمةَ والمودَّةَ بمنِّه وجُوده وفَضْلِه
 <<<<<<<<<<<<

القاعدة السابعة والثلاثون: لَا تُلْهِكُمُ الدُّنْيَا عَنِ الآخِرَةِ

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9].
 

بَيَّنَ اللهُ عز وجل شيئًا مِنْ خَصائصِ الطَّبيعةِ البَشَرِيَّةِ فِي سورةِ آلِ عِمْرَانَ بقولِهِ: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:14-15]، وفِي آيَةِ ”المنافقونَ“ تنبيهٌ إلَى أنَّ هذهِ الطبيعةَ البشريةَ قدْ تَكوْنُ سببًا في إبعادِ المرْءِ عَنِ الآخِرَةِ، فالأولادُ يُلْهُوْنَ، والزوجةُ تُلْهِي، والزوجُ يُلْهِي أيضًا، فاللهُ يُحذِّرُنَا مِنْ ذَلِكَ.
 

إنّ ممَّا يُلحَظُ أنَّ بعضَ النَّاسِ يكونُ علَى خيرٍ وصلاحٍ واستقامةٍ وعبادةٍ، وقدْ يكونُ صاحبَ دعوةٍ، فَإِذَا تَزَوَّجَ ضَعُفَ، وإذَا رُزِقَ الأولاد ازدادَ ضَعْفُهُ، فهَذَا في الحقيقةِ تَحقَّقَ فيه مَا حذَّرتْ منهُ الآيةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}، فَأَلْهَتْهُ الدنيا عنْ ذكرِ اللهِ، وليسَ المرادُ الذكرَ باللسانِ فحسْبَ، بلِ الذِّكْرُ كلُّ مَا يَتَعلَّقُ بطاعةِ اللهِ والعبادةِ والدعوةِ وفعلِ الخَيْرِ.
 

والبعضُ يُخَيَّلُ إليه أنَّهُ معذورٌ إنْ وَقَعَ منهُ ذلكَ لأنَّه يَسْعَى لتحقيقِ سعادةِ أولادِه، وهوَ أمرٌ مشروعٌ بِلَا شكٍّ، لكنْ يفوتُه أنَّ هَذَا لا يَنْبغِي أنْ يَكُونَ بمَا يُلهيهِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ ، فينبغِي الحَذَرُ أنْ يكونَ الأولادُ أوِ الزوجةُ أو الزوج أو طلبُ المالِ والدُّنيا سببًا لهذَا المآلِ الوَبِيْلِ {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
 

وفي تقديمِ المالِ في الآيةِ نُكتَةٌ بَديعةٌ، إذْ فِتنتُهُ عظيمةٌ، ولِهَذَا كانَ فِي تقديمِه مزيدُ تحذيرٍ منْهُ، فكمْ منْ أُناسٍ كانوا عَلى خيرٍ وصلاحٍ عنْدمَا كانتْ أموالُهم قليلةً، فلمَّا أَكْرَمَهُمُ اللهُ بالمالِ بَدؤوا يَبتعِدُون شيئًا فشيئًا عنِ الدَّعوةِ والعلمِ حتَّى ألهتهمْ عنْ ذكرِ اللهِ. ومنَ العجيبِ أنَّ بعضَ مَنْ كانَ يُعرَفُ بِطاعةِ اللهِ وِبالدَّعوةِ إليهِ والصبرِ والاحتسابِ، بل بعضهم أُوذِيَ في اللهِ، فلمْ تتغيرْ حالُهُ، فلمَّا رَزَقهُ اللهُ المالَ الذِّي كانَ يَجبُ أنْ يَتَقَوَّى به علَى طاعةِ اللهِ وأنْ يَزيدَ بسبِبِهِ مِنْ شُكْرِهِ، إذَا به ينشغِلُ بمالِهِ ويَنْهَمِكُ فِي أعمالِه، ولمْ يَكْتَفِ بِهَذَا، بلْ بَدَأَ يَرْتَكِبُ المحرماتِ، ولا يتورع عن بعض العقود المشبوهة مِنْ أَجْلِ تنميةِ مالِهِ وتِجارتِهِ، وَمَنْ خُتِمَ لَهُ بِذلكَ {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
 

فَمَنْ فُتِحَتْ عليهِ الدُّنْيا وَرُزِقَ بالمالِ والزوجةِ والأولادِ، عليهِ أنْ يَحْذَرَ أنْ يَكونُوا سَبَبًا لصدِّهِ عنْ ذكرِ اللهِ، فيُصبِحُوا لَهُ أعداءً كمَا فِي قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن:14].
 

أمَّا الْمُوفَّقُ فهوَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِمَا رَزقَهُ اللهُ علَى طاعةِ اللهِ، وهذَا موجودٌ مشاهَدٌ والحَمْدُ للهِ، فَهناكَ مَنْ زادَ مالُهم فازدادتْ عِبادتُهم وزادَ صلاحُهم وأَسْعَدُوا أولادَهم واستخدموهُم في طاعةِ اللهِ، وأعانوا المحتاجين، وبذلوا في مشاريع الدعوة، ولسان حالهم يقول: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان:9-10].
 

والخَسارَةُ قدْ تكونُ عاجلةً فِي الدُّنيا وقدْ تكونُ مؤجلةً فِي الآخرةِ، وَمِنَ الخَسارةِ العاجلةِ عدمُ الاستقرارِ في البيتِ، والضنكُ في الحياةِ وفي المعيشةِ، والتَّوَتُراتُ والخِلافاتُ والشِجار داخلَ الأُسْرةِ؛ فإنْ وُجِدَتْ هذهِ الحالُ فلنْ تُغني الملايينُ عنْ أصحابِها شيئًا، وقدْ حَدَّثَنِي منْ يَملِكُ قصرًا بالملايين، قَالَ: أتمنَّى واللهِ غرفةً لا تَتَجاوزُ مساحتُها أربعةَ أمتارٍ فِي أربعةٍ في مقابلِ أنْ أنامَ سعيدًا هانئًا بدلَ عيشِ الضَّنْكِ، الذِي وَجَدْتُ مِنْ أسبابِهِ تقصيرَهُ فِي حقِّ اللهِ عز وجل، لحرصِهِ علَى إسعادِ أولادِه.
 

ومِنَ الخسارةِ العاجلةِ أيضًا أنْ يخْسَرَ زوجَه أوْ أولادَه، فَمِنْ أَشَدِّ مَا يُؤذِي الإنسانَ أنْ يرَى ابنَه وقدْ أَصْبِحَ خَصْمًا لهُ، يُعادِيه ويُبغِضُه ويُؤْذيهِ، وكذلكَ الزوجةُ، رَغْمَ أنَّه قدْ يكونُ يُغْدِقُ عليهِم مِنَ المالِ وُيلبِي طلباتِهم، ولكنْ إنْ كانَ هذا فيما حَرَّمَ اللهُ، فقدْ تَعَجَّلَ عقوبتَه فِي الدُّنيا، ويُبْتَلَى بهِم ويعيشُ بسبِبِهم في تعاسةٍ وشقاءٍ.
 

فالآيَةُ واضحةٌ، ويجب أن نتخذها قاعدة عظيمةً في حياتِنا وفي بيوتِنا {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، والحلُّ أَكَّدَتْهُ آيةُ آل عمرانَ {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران]، فالَّتقوَى مِفْتاحُ كلِّ خيرٍ، جَعَلَنا اللهُ مِنْ أهلِها.

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
القاعدة الثامنة والثلاثون: الدُّعَاءُ وسيلة إنجاح المقاصد
 

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74].
 هذهِ الآيةُ الكريمةُ بيَّنتْ آخِرَ صفةٍ مِنْ صفاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ فِي سُوْرَةِ الفُرْقَان، ونستشف منها أنَّهمْ يَبحثونَ عَنِ السعادةِ الأُسْريةِ، فهم يَسْألونَ اللهَ أنْ يُقِرَّ أعينَهم بأزواجِهم وذرياتِهم، وفيها ربطٌ عجيبٌ بينَ تَحَقُّقِ الاستقرارِ والسَّعادةِ الأُسريةِ وبينَ الإمامةِ فِي الدِّينِ، وكأنَّ النتيجةَ بعدَ ذلكَ بإذنِ اللهِ إذا صدَقَ الإنسانُ وسعَى أن يكون أهله قرة عين له فإنه قد تحقق بسبب يَجعلَهُ اللهُ به للمتقينَ إمامًا، فَلا تقتصرُ إمامتُهُ علَى بيتِه وأسرتِه بلْ تَتَعَدَّى ذلكَ إلَى المجتمعِ والأمَّةِ.
 
ومفتاحُ ذلكَ أمرانِ؛ أحدُهُما الدعاءُ، فينبغي أنْ يُلِحَّ الرجلُ علَى اللهِ عز وجل أنْ يَهَبَهُ الزوجةَ الصالحةَ، وتُلِحَّ المرأةُ كذلكَ أَنْ يَهَبَهَا الزوجَ الصالحَ، وَيُلِحَّا أَنْ يَجعلَ أولادَهما قُرَّةَ عينٍ لهُما، وأنْ يجعلَهم للمتقينَ إمامًا. 
 
والأمرُ الثَانِي، العملُ على تحقيقِ هذا الدعاءِ وتقديمِ أسبابِ الاستجابةِ لهُ مِنَ اللهِ، وذلكَ بِأَخْذِ الآيةِ علَى وجهِهِا، والعمل بما قَبْلَها مِنْ آياتِ صفاتِ عبادِ الرحمنِ في حياتِنَا كلِّها، فكأنَّ الآياتِ تُشيرُ إلَى أنَّنا إِذَا أخذنا بصفاتِ عبادِ الرَّحمنِ فعملنا بِهَا وَأَلْحَحنَا علَى اللهِ بالدعاءِ فحريٌ بالكريم سبحانه أن يستجيب لنا، فيجعلنا أئمة للمتقين، فأيُّ منزلةٍ أعظمُ مِنْ هَذِهِ المنزلةِ؟ وأيُّ إكرامٍ منَ اللهِ سينالُه مَنْ كانَ للمتقينَ إمامًا؟ ومَا ظنُّه بربِّ العالمينَ؟ ظنُّنا أنه سَيرَى السعادةَ العاجلةَ وقرةَ العينِ في الدنيا، والسعادةَ في الآخرةِ بدخولِ الجنةِ والبعدِ عنْ النارِ.
 
والعجيبُ أنَّ المرءَ أثناءَ الدعاءِ لأولادِهِ أنْ يجعلَهم اللهُ قرةَ عينٍ لهُ يَشْعُرُ بالهناءِ والسعادةِ وإنْ كانوا قدْ خالفوهُ في بعضِ أمورِهم؛ لأنَّه يَرتبطُ معَ اللهِ ويعيشُ حياةً روحانيةً إيمانيةً عاليةً، وهذهِ في نفسها مِنْ أسبابِ الراحةِ والنعيمِ.
 
فعَلَينا بالدعاءِ إذْ (لا يَردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ)  كمَا وردَ في الحديثِ، و(الدعاءُ هوَ العبادةُ) ، وهذَا هوَ اللفظُ الصحيحُ، وليسَ كمَا اشْتُهِرَ (الدعاءُ مخُّ العبادةِ)، فكلمةُ مخٍ ضعيفةٌ، فالدعاءُ هوَ العبادةُ لأنَّ فيهِ تحقيقًا لمعناهَا مِنَ الذُّلِ والخضوعِ والاستكانةِ والحاجةِ والفَقْرِ، فلْنجعلِ الدعاءَ قاعدةً في حياتِنا، في أمورنِا الصغيرةِ والكبيرةِ، في حياتِنا العائليةِ والاجتماعيةِ والأُسريةِ، في شؤونِنِا الخاصةِ والعامةِ، ولْنَحْذَرْ منَ التكبرِ عنِ الدعاءِ، أو ازدراء مقامه! قالَ تعالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60]، وقدْ لا يكونُ الإعراضُ عنِ الدعاءِ بِقَصْدِ الاستكبارِ، لكنَّ تركَ الدُّعاءِ بسببِ الغفلةِ يُوافِقُ حالَ المستكبرينَ، فَينبغِي التَّنبهُ لذلكَ.
 
ولا بدَّ منَ التأدبِ بآدابِ الدعاءِ وألَّا يكونَ في الدعاءِ اعتداءٌ، قالَ تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]، فإِذَا صَدَقَ المرءُ معَ اللهِ وأخلص قلبُه النية في الدعاءِ، وأيقنَ بالإجابةِ كما في الحديثِ: (ادْعُوا اللهَ وأنتمْ مُوقِنونَ بالإجابةِ) ، فلْيستبشرْ بما يسرُّه، قالَ تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186]، وقالَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} شرطٌ وجزاءٌ، ولهذَا قالَ عمرُ رضي الله عنه: (إنّي لا أحِملُ همَّ الإجابةِ، وإنَّما أحمِلُ همَّ الدعاءِ، فإذا أُلْهِمْتُ الدعاءَ فإنَّ الإجابةَ مَعَه) .
 
فمنْ أرادَ السعادةَ الزوجيةَ فَعليهِ أنْ يَأخذَ بكلِّ الأسبابِ المتاحةِ، كمَا في هذهِ القواعدِ وغيرها، وعليهِ أيضًا أنْ يأخذَ بأعظمِ الأسبابِ، وهوَ الدعاءُ، فبهذا سَيَجِدُ حياةً أخرَى منَ السعادةِ والاستقرارِ، وإنْ لمْ يجدْهُ عاجلًا فعليهِ أنْ يُلحَّ في الدعاءِ ولا يَستبطئَ الإجابةَ، فقدْ يُصلِحُ اللهُ أولادَه بدعائِه بعدَ وفاتِه، كما حدث لكثيرين، وسيناله من أثرِ صلاحهم بدعائهم لَه، كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).

,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة التاسعة والثلاثون: الاستعانةُ بِالصَّلَاةِ مِفتَاحُ الخَيْرَاتِ
 

قال الله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:153].
تحدَّثنا فيما مَضَى عَن الصبرِ والحاجةِ إليهِ في شُؤونِنِا كلِّها، وبخاصّةٍ في الحياةِ الأُسْريَّةِ، وفي هذهِ الآيةِ فَتْحٌ جَديْدٌ فِي مَوْضُوعِ الصَّبْرِ، حيثُ تُقْرَنُ الاستعانةُ بهِ بالاستعانةِ بالصلاةِ، والنتيجةُ هي معيةُ اللهِ عز وجل، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، فالاستعانةُ بالصلاةِ بابٌ عظيمٌ جدًا، ولِهَذَا (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى)، هذَا كانَ دَيدَنَه عليه الصلاة والسلام، فينبغِي لكلِّ المتزوجينِ رجالًا ونساءً أنْ يَسْألوا أَنْفسَهم: كمْ مرةً منذُ زواجِهِم فزِعوا إلَى الصَّلاةِ كلَّما واجَهَتْهُم مشكلاتٌ عارضةٌ في حياتِهم الزوجيةِ؟ كمْ مرةً تَوجَّهُوا إلَى الله بصلاةِ ركعتينِ يَطْلُبونَ منهُ العونَ وأنْ يُحقِّقَ آمالَهمْ وأنْ يُسعِدَهمْ؟ كمْ مرةً قامُوا إلَى الصلاة يَطْلبُونَ منَ اللهِ أنْ يَرزقَهم الصبرَ الذيْ هوَ -كمَا يُقالُ- مِفْتَاحُ الفَرَجِ؟
 
وفي هذه الآيةِ الكريمةِ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، وفي الآيةِ الأخرَى يقول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45] وهنا لفتةٌ عظيمةٌ جدًا متعلقةِ بالصبرِ، ففي بعضِ الأحيانِ قدْ يقولُ بعضُ الناسِ: ضَعُفْتُ عن الصبرِ، وقدْ يقولُ أنا أحبُّ الصبرَ ولكنْ لا أستطيعُ، وقدْ قالها لي كثيرون من أزواج وزوجات وأولاد، فأقول له ما قاله الله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، فتكون النصيحةُ عندئذٍ بأنْ يَنْطلِقَ إلى الصلاةِ، فمن رزقه اللهُ الصبرَ رزقه العافيةَ، والنُّورَ والسعادةَ، {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} أي: الخاشعينَ للهِ الموقنينَ المؤمنين، ولذا مما ينبغِي أن يَسألَ الرجلُّ والمرأةُ نَفْسَيْهِما: كمْ مرةً لجأنا إلى الصلاةِ بعدَ مشكلةٍ مرتْ بنا، فصَلَّينا في خَلْوةٍ صلاةً خاشعةً، وسألْنَا اللهَ أنْ يُحقِّقَ لنا الفرج، وأن يُنزِلَ الصبرَ على القلوبِ، فيما يحدثُ وينوبُ في الحياةِ الأسريةِ والبيتيةِ؟
 
أحدُ الأحبةِ نابه من المشكلاتِ البَيتيةِ ومن أولادِه العَجَبُ العجابُ، فقلتُ له: ماذا فعلتَ؟ فأشارَ إلى سِجادةٍ في مَجلسِه وهو يقولُ: هذهِ السِّجادةُ! فكان يفزع إليها فيصلّي ويستغفِرُ و يتوبُ، فأَحْدَثَ اللهُ في حياتِه معَ زوجِه وأولادِه منَ السعادةِ والصفاءِ الخيرَ الكثيرَ، فهذا هو السبيلُ {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، وفي آية أخرى يقول تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات] أي الجؤوا إلى اللهِ، فهو الذي عِنْدَهُ الفَرَجُ سبحانه وتعالى، فإذا حُقِّقَ هذا المعنَى العظيمُ معَ ما أُشِيرَ إليهِ مِنْ مَعانِي الدعاءِ والصلاةِ، فستكونُ حياةً أخْرَى مشرقة منيرةً، وتكونُ البيوتُ منازلَ سعادةٍ وأُنسٍ، ويكون الأمرُ على ما قالَ اللهُ تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم:21]؛ وعلامةُ السَّكَنِ أنَّ الزوجَ إذا خرجَ منْ عندِ زوجِه لظروفِ الحياةِ العامةِ والخاصةِ تشتاقُ نفسُه ويَتلهَّفُ فؤادُه للرجوعِ إلى البيت والعودةِ إليْها، فهنا تكونُ الزوجةُ سكنًا، وإذا جلَسَ بجانبها شَعَرَ براحةٍ وأنسٍ وهذا سكنٌ أيضًا، فالسكنُ نوعان: سكنٌ قلبيٌّ وسكنٌ بدنيٌّ، ومن انشغلَ بالدعاءِ و بالاستعانةِ بالصبرِ والصلاةِ فسيرَى ما لا يخْطرُ على بالٍ.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,

القاعدة الأربعون: التحكيمُ المحقِّقُ للإصلاحِ سبيلٌ للفلاحِ

قال الله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء:35].
التشريعات الإسلامية حريصة علَى تحقيقِ السعادةِ الزوجيَّةِ، ولهذا جَعَلت لكلِّ مشكلةٍ حلًا، ولكنْ قدْ تَصِلُ المشاكلُ بعدَ كلِّ ما ذَكَرْنا منْ أسبابٍ إلَى طريقٍ مَسدودٍ، حيث يُحاوِلُ الزوجانِ حلَّها سَويًّا دونَ تدخلٍ منْ أحدٍ فلا يتحققُ الصلحُ بَيْنَهما، ومعلومٌ أن الإسلامَ -عُمومًا- يُراعي الطبيعةَ البشريَّةَ، فيتعاملُ معَ الواقعِ بحلولٍ وعلاجاتٍ واقعيةٍ؛ ولذا جاءَ هذا العِلاجُ {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}، وبذلكَ يتحققُ العدلُ، فهذا يدافِعُ عنْ الزَّوْجِ، وذاكَ يُدافِعُ عنْ الزوجةِ، وهذَا الأمرُ يَجْلِبُ الخيرَ.
 
وَلكنْ يوجدُ قَيدٌ مهم وهو قولُه تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا}، فإنْ لمْ توجدْ إرادةُ الإصلاحِ، فقدْ لا يتحقَّقُ الوِفاقُ علَى أيديهِما، بينما يتحققُ علَى أيدِي غيرِهما، فلابدَّ أنْ توجدَ إرادةُ الإصلاحِ، بأنْ يكونَ الحكَم معروفًا بحبِّ الخيرِ والصلاحِ، فبعضُ أهلِ الزوجِ أوْ أهلِ الزوجةِ -معَ كلِّ أسفٍ- يَسْعَوْنَ للفِراقِ، ويزيدون الأمور تعقيدًا، وقد وجد آباءٌ يَضْغَطُونَ علَى بناتِهم منْ أجلِ أنْ يطْلُبْنَ الفِراقَ، فالأبُ من هؤلاءِ لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَكَمًا، ولقد وُجِدَ من النساءِ مَنْ تَتَقَدَّمُ بطلبِ الطَّلاقِ للمحكمةِ، معَ أنَّها تُحِبُّ زَوْجَها وَتُريدُه، ولكنْ بضغطٍ منْ أبيها، أوْ منْ بعضِ إخوتِها، أوْ منْ أمِّها، فتفعلُ ذلك وَهِي كارهةٌ، ويحدثُ ذلكَ منْ بعضِ أمهاتِ أو آباءِ أوْ إخوةِ الزوجِ كذلك، ولقدْ عُرِضتْ عليّ عدةُ قضايا من هذا النوعِ، فالرجلُ يُحبُّ زوجتَه، وبينهما منَ المودةِ والرحمةِ ما شاء الله ولكنْ يُطلِّقُها بضغطٍ من أبيه وأهلِه عليه، حتَّى إنَّهم لربما آذَوهُ في مالِه، وأرادوا إخراجَه مِنَ الشركةِ معهم إن لم يُطَلِّقْ زوجتَه، وهذا إشكالٌ كبيرٌ جدًا، فهؤلاءِ لا يَصْلحونَ أن يكونوا حُكَّامًا؛ ولذلكَ لابدَّ منْ حسنِ اختيارِ الحَكَمين ممنْ عُرفَ بالمحبةِ والصلاحِ والوِفاقِ. 
 
وقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا} يدل على أن هذا المراد شرط في الحكمين كليهما ليتحقق التوفيق، فإن كانَ أحدُ هؤلاءِ الحَكَمينِ لا يُرِيدُ الإصلاحَ، فلا يجوزُ أنْ يكونَ حَكَمًا؛ لأنَّ هذا ظالمٌ وباغٍ.
 
{إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}؛ فيأتيانِ بنيةٍ طيبةٍ، بنيةِ الخيرِ والإصلاحِ، ولقدْ وردَ أثرٌ عن عُمرَ رضي الله عنه أنهُ بَعَثَ حكمينِ، فلمَّا لمْ يتحقَّقِ الوفاقُ قيل: إنه عاقبهما. قال: لعدمِ إخلاصِكما في نيتِكما بإرادةِ الإصلاحِ؛ لأنَّ اللهَ وعدَ فقال تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، فهذا شرطٌ وجزاءٌ. وذاك معنىً عظيمٌ، فعُمَرُ الْمُلْهَمُ -الذي يقولُ: واللهِ إنّي لا أحملُ همَّ الإجابةِ، ولكنّي أحملُ همَّ الدعاءِ- يقولُ هنا: لا أحملُ همَّ تحققِ الصلحِ، فهوَ متحققٌ بإذن الله، ولكنْ بوسيلةٍ - وهيَ أنْ يريد الحكمانِ الإصلاحَ- وهذا المعنى العظيمُ لَه أثرُه.
 
وهناك مسألةٌ أخرى مهمةٌ في اختيارِ الحَكَمَينِ، فلا بدَّ أنْ يكونا مقبولَينِ، فأحيانًا يكون مِنْ أهل الزوجة مَنْ لا يُطيقُه الزوجُ؛ لأسبابٍ وعواملَ معينةٍ، وأحيانًا أيضًا يكون مِنْ أهل الزوج مَنْ لا تُطيقُه الزوجةُ؛ لذا علينا أن نختارَ الحَكَمين، بأنْ يكونَ الحَكَمُ كلمتُه مقبولةٌ، ليسَ له عَداءٌ معَ أحدٍ منْ الطرفينِ.
 
والإصلاحُ له مراتبُ، وله أساليبُ، وله طرقٌ شتى، واللجوء إلى هذا الطريق؛ أعني طريق بعث الحكمين، استثناء عند تعذر الطرق، لكن إذا أخذ بهذا المسلك عند الاستثناء والحاجة ففيه الخير- إن شاء الله- شريطة أن يؤخذ به على وجهه. وإنْ كنتُ أميلُ دائمًا إلى ألا تصلَ المشكلاتُ إلى الحكمَين، بل ولا إلى الأهلِ، وإنما تُحَل المشكلاتُ داخلَ البيوتِ، ولكنْ في بعضِ الأحيانِ قدْ تَصِلُ إلَى درجةٍ يَصْعُبُ حلُّها إلا عنْ طريقِ الحكمينِ. وللحكمينِ أنْ يَختارَا معهما حَكَمًا ثالثًا مَرضيًّا مِنَ الأطرافِ كلِّها؛ لأنهما أحيانًا قدْ يَتفِقانِ علَى الصُّلْحِ، ولكنْ يختلفانِ في طريقةِ تحقيقِهِ، فيحَتاجُ الأمرُ إلَى مُرجِّحٍ، فعندئذٍ يُقالُ لا حرجَ في ذلكَ، ولكنْ يكونُ الأصلُ في التحكيمِ منْ داخلِ البيتينِ، أو قريبٍ منهما، وبهذا تعود الأمور إلى نصبها، ويتحققُ الإصلاحُ ويحصل الصفاءُ وتعود المودةُ بإذنِ الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×