اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

في نور آية كريمة /أمير سعيد

المشاركات التي تم ترشيحها

في نور آية كريمة
( وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ)

"يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (87) يوسف
 

يفيض من نور الآية الأمل الذي ينبغي ألا يغيب عن مؤمن في حياته، الأمل الذي يزجيه اطمئنان إلى الرب سبحانه وتعالى، الرحيم الكريم العدل، ثم الاطمئنان إلى شواهد وعلامات تبعث الأمل وتنميه.
 
بدأت الآية بترفق جميل، "يا بني"، يتلوه أمر قد حداه أمل ازداد في قلب الوالد يعقوب عليه السلام، يقول القرطبي: "قوله تعالى "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه" هذا يدل على أنه تيقن حياته، إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أول القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض روحه، وهو أظهر."، والتحسس هو من التفعل في طلب الإحساس، يقول الألوسي: " واستعماله في التعرف استعمال له في لازم معناه"، وقال الطاهر بن عاشور: "التحسس: شدة التطلب والتعرف، وهو أعم من التجسس فهو التطلب مع اختفاء وتستر."
 
إنه حينما يظهر نور الأمل والفرج في الأفق، ولو كان خافتاً استلزم تتبعه والبحث الحثيث عنه، ولهذا كان من لطيف قوله تعالى: "فتحسسوا من يوسف"، باستخدام حرف "من" بدلاً من "عن" هو التبعيض على قول بعض أهل التفسير، كابن عطية الأندلسي، في قوله: "التقدير: فتحسسوا نبأ أو حقيقة من أمر يوسف، لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازا".  أو هو بمعناها كما يقول الألوسي وغيره. ويقول د.ناصر العمر: إن "معالجة الأمور العظيمة وحل المشكلات العويصة يحتاج إلى رفق وأناة وبعد نظر" اذهبوا فتحسسوا"، بخلاف ما درج عليه كثير من الناس".
 
"ولا تيأسوا من روح الله"، لا تفقدوا أملكم في رحمة الله وفرجه وتنفيسه، قال أبو الحسن الماوردي في تفسيره: "ولا تيأسوا من روح الله فيه تأويلان: أحدهما: من فرج الله ، قاله محمد بن إسحاق. والثاني: من رحمة الله، قاله قتادة"، وقال الزمخشري: ""من رُوح الله" بالضم؛ أي: من رحمته التي تحيا بها العباد"، وذكر ابن عطية في معنى القراءة بالضم في رُوح، والتي قرأها الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز أنه: "كأن معنى هذه القراءة: "لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه فيرجى"، ونقل الطبري قول ابن زيد أنه "من فرج الله، يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه".
 
"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"، فجعل اليأس من روح الله من صفات الكافرين، قال أبو حيان الأندلسي في المحيط شارحاً: "إذ فيه التكذيب بالربوبية أو الجهل بصفات الله". وعزا الرازي في الكبير وصف الكفر إلى أن "اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم؛ بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر"، ولكن جمهور الفقهاء على أن اليأس كبيرة لا كفراً، وقد تعقب الألوسي قول القائلين بالكفر بقوله: "استدل بعض أصحابنا بالآية على أن اليأس من رحمة الله تعالى كفر وادعى أنها ظاهرة في ذلك. وقال الشهاب: ليس فيها دليل على ذلك بل هو ثابت بدليل آخر وجمهور الفقهاء على أن اليأس كبيرة ومفاد الآية أنه من صفات الكفار لا أن من ارتكبه كان كافرا بارتكابه وكونه لا يحصل إلا عند حصول أحد المكفرات التي ذكرها الإمام مع كونه في حيز المنع لجواز أن ييأس من رحمة الله تعالى إياه مع إيمانه بعموم قدرته تعالى وشمول علمه وعظم كرمه جل وعلا لمجرد استعظام ذنبه مثلا واعتقاده عدم أهليته لرحمة الله تعالى من غير أن يخطر له أدنى ذرة من تلك الاعتقادات السيئة الموجبة للكفر لا يستدعي أكثر من اقتضائه سابقية الكفر دون كون ارتكابه نفسه كفرا كذا قيل (...) وكونه كبيرة مما لا شك فيه بل جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه أكبر الكبائر وكذا القنوط وسوء الظن وفرقوا بينها بأن اليأس عدم أمل وقوع شيء من أنواع الرحمة له والقنوط هو ذاك مع انضمام حالة هي أشد منه في التصميم على عدم الوقوع وسوء الظن هو ذاك مع انضمام أنه مع عدم رحمته له يشدد له العذاب كالكفار" ثم نقل الألوسي بحث ابن نجيم في تلك النقطة وفيه: "والأوفق بالسنة طريق الفقهاء (أي كونه كبيرة لا كفراً) لحديث الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا حيث عدها من الكبائر وعطفها على الإشراك بالله تعالى".
 
إن مما تقدم يلحظ أنه في طريق الحق يتعين ألا يستسلم المؤمن لأحزانه، التي تريه الآفاق مسدودة، والآمال معدومة، وأن أي معطى أو معرفة تبعث إليه الفأل من جديد ينبغي تتبع خيوطها، والبناء عليها؛ فاليأس كبيرة مذمومة تقتل الحركة وتنفر من الانبعاث والمضي في طريق، مبدئه عند الاستقصاء والبحث ومنتهاه عند تحقيق الآمال العظام. 
 



GIFS HERMOSOS: SEPARADORES ENCONTRADOS EN LA WEB

 


 

في نور آية كريمة..
"لا تقنطوا من رحمة الله"
 

"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (53) الزمر

تبرد هذه الآية ما في قلوب المذنبين المسرفين من قلق مقعد عن التوبة، والذي قد يجرفهم إلى منزلقات القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، وتحفزهم على أن ينيبوا إلى الله ويسلموا له على نحو ما ذكره سبحانه وتعالى في الآية التالية: "وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ" (54) الزمر، ولهذا يقول محمد الأمين الهرري في حدائق الروح والريحان: ""قُلْ": فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان: أن الإنابة مطلوبة؛ لأن الفسحة عظيمة للمسرف".    

وقد اختلف المفسرون في المخاطبين بهذه الآية؛ فقيل المشركين وقيل أصحاب الكبائر، وقيل المذنبين عموماً، ورجح الطبري أنها عامة بقوله: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى تعالى ذكره بذلك جميع من أسرف على نفسه من أهل الإيمان والشرك؛ لأن الله عم بقوله "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم" جميع المسرفين، فلم يخصص به مسرفا دون مسرف.
فإن قال قائل: فيغفر الله الشرك؟ قيل: نعم إذا تاب منه المشرك. وإنما عنى بقوله "إن الله يغفر الذنوب جميعا" لمن يشاء، أن ابن مسعود كان يقرؤه: وأن الله قد استثنى منه الشرك إذا لم يتب منه صاحبه، فقال: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأخبر أنه لا يغفر الشرك إلا بعد توبة بقوله: "إلا من تاب وآمن وعمل صالحا". فأما ما عداه فإن صاحبه في مشيئة ربه، إن شاء تفضل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدل عليه فجازاه به".
والآية، هي أرجى الآيات عند جمع من الصحابة، ذكر الطبري أن علياً رضي الله عنه قال: ما في القرآن آية أوسع من "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم"." وجاء في الإتقان: "قال ابن مسعود رضي الله عنه: ما في القرآن آية أعظم فرجاً من آية في سورة الغرف – أي الزمر – "قل يا عبادي.." الآية". ويقول عبد الله ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن.. إلى آخر ذلك من أقوال السلف في الآية.

وجميلٌ ما قاله القشيري في تفسير هذه الآية: " "يا عبادي" طمع المطيعون في أن يكونوا هم المقصودين بالآية، فرفعوا رءوسهم، ونكّس العصاة رءوسهم وقالوا: من نحن.. حتى يقول لنا هذا؟! فقال تعالى: "الذين أَسرفوا" فانقلب الحال فهؤلاء الذين نكّسوا رءوسهم انتعشوا وزالت ذلّتهم، والذين رفعوا رءوسهم أطرقوا وزالت صولتهم.
ثم أزال الأعجوبة عن القسمة بما قوّى رجاءهم بقوله: "عَلى أَنْفُسِهِمْ" يعنى إن أسرفت فعلى نفسك أسرفت.
"لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" : بعد ما قطعت اختلافك إلى بابنا فلا ترفع قلبك عنّا.
"إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً" الألف واللام في "الذُّنُوبَ" للاستغراق والعموم، والذنوب جمع ذنب، وجاءت "جَمِيعاً" للتأكيد فكأنه قال: أغفر ولا أترك، وأعفو ولا أبقى".

والمقصود بالقنوط اليأس وفقاً للطبري، وثمة من فرق بينهما من المفسرين، وقال الإمام الطبري في قوله "عن الله يغفر الذنوب جميعاً" أي "يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها وتركه عقوبتهم عليها إذا تابوا منها "إنه هو الغفور الرحيم" بهم، أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها".

ويلفت د.ناصر العمر في "ليدبروا آياته" إلى نكتة مهمة في سياق تدبر الآية واتساع مجال حديثها عن الذنوب وغفرانها، حيث قال: "كثيرون يتلون هذه الآية فتنصرف أفئدتهم إلى بعض من يعرفون ممن أسرف على نفسه، دون أن يشعروا أنهم معنيون بذلك ابتداءً، وهذا من أخطر أنواع الإسراف؛ لما في ذلك من التزكية للنفس، والغفلة عن محقرات الذنوب حتى يهلك". وفي قصة داود عليه السلام يقول القشيري: "إن زلة أسفك عليها يوصلك إلى ربك أجدى عليك من طاعة إعجابك بها يقصيك عن ربك".

إنها حقاً آية لا تترك عذراً لمذنب، ولا مبرر لمبطئ، ولا مجالاً لمسرف أن يبادر إلى توبة صادقة تمحو عنه كل ما يثقل ذنبه من أوزار وآثام تنقض الظهر وتمرض القلب.

أمير سعيد
 
موقع المسلم

يتبع

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

في نور آية كريمة..

"الله الصمد"

 الإخلاص

 

آية عظيمة فريدة، سميت بها السورة التي تعدل ثلث القرآن. حيث تتجلى البلاغة والإعجاز في كلمتين اثنتين. "الله الصمد". فالمأثور أنها تسمى سورة الصمد مثلما تسمى سورة الإخلاص، حيث لم يرد هذا الاسم العظيم لله عز وجل إلا فيها.

 

والآية الكريمة تتضمن اسمين عظيمين لله رب العزة، وقد جاءت السورة بالكلية لتصف الرب سبحانه وتعالى لخلقه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "أخرج البيهقي في " كتاب الأسماء والصفات " بسند حسن عن ابن عباس أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صف لنا ربك الذي تعبد، فأنزل الله عز وجل قل هو الله أحد إلى آخرها، فقال: "هذه صفة ربي عز وجل" وعن أبي بن كعب قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فنزلت سورة الإخلاص الحديث".

"الله"
فأما الاسم الأول في الآية الكريمة: "الله"، فهو اسم الله العظيم، وقيل الأعظم، قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "اسم "الله".. دال على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العليا (..)، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له، مع نفي أضدادها عنه.

وصفات الإلهية: هي صفات الكمال، المنزهة عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص.

ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم، كقوله تعالى: "ولله الأسماء الحسنى"، ويقال: الرحمن والرحيم (...) من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك؛ فعلم أن اسمه "الله" مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية، التي اشتق منها اسم "الله"، واسم "الله" دال على كونه مألوهاً معبوداً تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب".

"الصمد"
وأما الاسم الثاني في الآية الكريمة: "الصمد"، ففي معناه أقوال كثيرة، لكن الأشهر في معناه قولان، قال ابن تيمية في "رسالة في تفسير سورة الإخلاص": "الاسم " الصمد " فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليس كذلك، بل كلها صواب. والمشهور منها قولان:
أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له.

والثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة وفي كتب السنة وغير ذلك. (...)

وتفسير "الصمد" بأنه الذي لا جوف له معروف عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا وعن ابن عباس والحسن البصري ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والسدي وقتادة وبمعنى ذلك قال سعيد بن المسيب قال: هو الذي لا حشو له. وكذلك قال ابن مسعود: هو الذي ليست له أحشاء وكذلك قال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب (...)

وأما تفسيره بأنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج فهو أيضا مروي عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا فهو من تفسير الوالبي عن ابن عباس. قال: "الصمد السيد الذي كمل في سؤدده" وهذا مشهور عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : هو السيد الذي انتهى سؤدده. (...) وعن عكرمة: الذي ليس فوقه أحد (...) وعن السدي أيضا: هو المقصود إليه في الرغائب والمستغاث به عند المصائب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه "هو المستغني عن كل أحد المحتاج إليه كل أحد"، وعن سعيد بن جبير أيضا: الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وعن الربيع الذي لا تعتريه الآفات. وعن مقاتل بن حيان الذي لا عيب فيه. وعن ابن كيسان هو الذي لا يوصف بصفته أحد. قال أبو بكر الأنباري: لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم. وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل 8شيء أي قصد قصده ".

وخلاصة القول في ذلك، ما قاله ابن باز عن هذين القولين الأشهر: "المقصودان صمد؛ لأنه يقصد في طلب الحاجات، والله سبحانه هو الذي يقصد من جميع الخلائق لطلب الحاجة، هو سبحانه صمد لا يطعم ولا يحتاج إلى طعام ولا إلى شراب وليس من جنس المخلوقين يجوع أو يحتاج إلى كذا، بل هو الغني عن كل ما سواه، يُطعم ولا يَطعم سبحانه وتعالى".

هذا الاسم يعني أن الله سبحانه وتعالى هو المقصود بالحاجات لأنه السيد الذي تنتهي إليه العظمة والسؤدد وهو يُطعِم ولا يُطعَم، لا يحتاج لخلقه بل جميعهم يقصدونه في حاجاتهم.

وبهذا الوصف لله عز وجل في السورة الجليلة، بجميع آياتها، وهذا البيان، عدلت ثلث القرآن، وحيز لقائليها ومتدبريها فضل عظيم، جمعه ابن رجب في تفسيره، بما يمكن اختصاره في قوله:

 

"أما فضائلها فكثيرة جدا:
منها: أنها صفة الرحمن، وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ قل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ "، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".

ومنها: أن حبها يوجب محبة الله، لهذا الحديث المذكور آنفا (...)

ومنها: أن حبها يوجب دخول الجنة. ذكر البخاري في صحيحه تعليقا (..) عن أنس قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ قل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، وذكر الحديث، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان، ما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: إني أحبها، فقال: "حبك إياها أدخلك الجنة". (...)

ومنها: أنها تعدل ثلث القرآن ففي صحيح البخاري (...) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".

 

ومن نافلة القول، أن السورة الكريمة، بآياتها القليلة والقصيرة، ومنها الآية العظيمة التي سميت باسمها السورة، قد ردت على فرق ضالة كثيرة، وملل شتى، وقعت في بدع التمثيل والتشبيه والمشاكلة، وقدحت في وحدانيته سبحانه وتعالى وفي صفاته العلى، أن "ليس كمثله شيء" جل جلاله وتقدست أسماؤه. هذا الإعجاز في تلك الكلمات القليلة هو أحد شواهد معجزة هذا القرآن وخلوده وبقائه راداً على كل فرقة ضالة فيما سبق أو فيما يُستقبل، تبياناً وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة للمؤمنين.

 

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
في نور آية كريمة..
"لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة"

 
 
 

"كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ"

هذه الآية العظيمة تضع قاعدة مضطردة تنسحب على معظم الفاسقين، الذين يعادون المؤمنين إذا ما تمكنوا منهم أو عجزوا عن ذلك.

 

 

 

"كيف" هو استفهام استنكاري أن يكون للمؤمنين أماناً لهؤلاء وهم على هذه الحال، والفعل محذوف، قدره أبو البقاء بقوله: "كيف تطمئنون إليهم"، قاله محمد بن يوسف الأندلسي.
وقال العز بن عبدالسلام في تفسيره: "يظهروا" أي "يقووا عليكم بالظفر".   

 

ومعنى "لا يرقبوا لا يوفوا ولا يراعوا"، كما قال الطاهر بن عاشور، والترقب هو الانتظار بحذر، والمقصود أنهم لا يبالوا وهم يفعلون ذلك، لا يجدون حرجاً، ولا يحذرون من شيء، ولا يردعهم رادع.

 

 

 

و"الإل"، قال عنه ابن عاشور إنه اسم يشتمل على معان ثلاثة وهي: "العهد والعقد، والحلف، والقرابة"، ويطلق أيضاً على النسب. ويقول سعيد بن جبير إنه "الله"، وجمع محمد رشيد رضا بين هذا وذاك بأنهم لا يرقبون في الله قرابة ولا عهداً.."، واختار ابن جني معنى لافتاً، وهو أنه "يجوز أن يكون مأخوذا من آل يئول إذا ساس (...) أي : لا يرقبون فيكم سياسة ولا مداراة ولا ذمة". و"الذمة" العهد، ويقول القرطبي هي "الأمان"، قال الطاهر بن عاشور: "الذمة ما يمت به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار مما يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى". ويقول الأندلسي: "من رأى أن الإل هو العهد جعله والذمة لفظين لمعنى واحد أو متقاربين ، ومن رأى أن الإل غير العهد فهما لفظان متباينان".

 

 

 

"يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم"،  قال الشعراوي: "أي أن الله عَزَّ وَجَلَّ ينبه المؤمنين ويحضهم ألا يصدقوا الصورة التي يرونها أمامهم من المشركين؛ لأنها ليست الحقيقة، بل هو خداع ونفاق؛ فهم يقولون القول الحسن، ويقابلونك بوجه بشوش وألفاظ ناعمة، لكن قلوبهم مليئة بالحقد عليكم أيها المسلمون بحيث إذا تمكنوا منكم تظهر مشاعرهم الحقيقية من البغض الشديد والعداوة، ولا يرقبون فيكم إلاّ ولا ذمّة"، وقال الزحيلي في المنير: "وهذا تحريض للمؤمنين على معاداتهم والتبري منهم، وتبيان أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد، لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسوله، ولأنهم إن تغلبوا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا، ولا يراعوا فيهم إلّا ولا ذمة أي حلفا وعهدا".

 

 

 

"وأكثرهم فاسقون"، والفسق على معناه في أصل اللغة وهو الخروج والانفصال؛ لأنهم انفصلوا عن المواثيق والعهود والقرابة..الخ فكان أقرب وصف لائق بهم هو الفسق.

 

 

 

والله ينبه أن الأصل في أعداء المسلمين الفسق، والانسلاخ من أي رادع يمكن أن يحدهم ويضبط عداوتهم وحروبهم، "لأن منهم من قضى الله له بالإيمان، وقيل : لأن منهم من له حفظ لمراعاة الحال الحسنة من التعفف عما يثلم العرض"، كما يقول بن يوسف، بل لقد اختار ابن عطية والكرماني أن "أكثرهم" أي كلهم.

 

 

 

والحق، أنه برغم وضوح هذه الآية التي تبين أن أعداء الإسلام ينسلخون من كل رادع إذا ظفروا بالمسلمين، وأنهم يكتفون بالكلام المعسول في هذه الحالة التي لا يظفرون بها، أو في عصرنا إذا ما أرادوا خداع الشعوب المسلمة، مثلما تفعل الدول الكبرى ومنظماتها الدولية، إلا أن كثيرين يتعجبون إذا فتك هؤلاء بالمسلمين في أي حرب وعدوان! مع أن هذا هو الأصل الذي قرره الله سبحانه، كقاعدة عامة صالحة لكل زمان ومكان، وجاءت كل الأحداث على مر التاريخ لتؤكدها بما لا يدع لمستريب شك؛ فكل استسلام للمسلمين في كل بلد أو حاضرة أعقبته مجازر وإجرام منفلت من كل عقال، حتى لو حصل في الزمان الذي يلبس فيه المجرمون الياقات البيضاء ويتجملون بأفضل العبارات الدبلوماسية الدقيقة. ويحصل والطرف الآخر (المسلمون) يتدثرون بالإل، أو بالسياسة وفقاً لتفسير ابن جني، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع في معادلات القوة الباطشة. رغم وضوح الآية، وانكشاف الأعداء من شرق الكرة الأرضية لغربها، وارتكابهم جرائم بشعة بحق المسلمين طوال قرون، ولم تنقطع حتى كتابة هذه السطور، إلا أنه لم يزل من المسلمين من يتصور بسذاجة أنهم إن يظهروا وقد ظهروا، سيرقبون مواثيق دولية وذمماً وعهوداً.. هؤلاء تخاطبهم الآية: "كيف؟" وخلفها علامات التعجب.

 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
في نور آية كريمة..
"وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم"

 
 

"هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم" (38) محمد

 

فضيلة الإنفاق في سبيل الله، التحذير من البخل حين يتطلب الإنفاق، ترسيخ عقيدة افتقار العبد إلى الرب، واستغناء الرب عن العالمين، بيان سنة الاستبدال. أكثر من معنى عميق يسبر سطران قصيران أغواره في حكمة بليغة وكلمات دقيقة.

 


"ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله"، إنها دعوة للمؤمنين للإنفاق في سبيل الله، أي "لتنفقوا في سبيل الله أي في الجهاد وطريق الخير"، كما قال القرطبي. أو "إخراج ما فرض الله عليكم (..) من الزكاة"، كما قال البغوي. أو "ليعلم أن سبيل الله يشمل كل ما فيه نفع وخير، وفائدة وقربة ومثوبة. وإنما اقتصر المفسرون على الجهاد لأنه فرده الأشهر، وجزئيّه الأهم، وقت نزول الآيات، وإلا فلا ينحصر فيه، كما قال القاسمي في محاسن التأويل. وكما أوضح الخازن في لباب التأويل، حيث قال: "قيل أراد به النفقة في الجهاد والغزو وقيل المراد به إخراج الزكاة وجميع وجوه البر والكل في سبيل الله".

 

 

"فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه"، قال القشيري: "البخل منع الواجب"، وقال ابن كثير: "لا يجيب إلى ذلك، فإنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه"، فإنه بالبخل يتغلب العدو عليكم، فيذهب عزكم وأموالكم، وربما أنفسكم، كما قال الزحيلي في المنير، أو "يفوت حظ نفسه"، كما قال السمعاني. وفرق المفسرون بين "عن نفسه" وعلى نفسه في البخل، في أن "عن" تعني الإمساك بالنفس، قال ابن عاشور: "وفعل بخل يتعدى بـ عن لما فيه من معنى الإمساك ويتعدى بـ على لما فيه من معنى التضييق على المبخول عليه. وقد عدي هنا بحرف عن". ولكن عند ابن عطية أنها تحتمل معنيين: "أحدهما: فإنما يبخل عن شح نفسه، والآخر أن يكون بمنزلة على، لأنك تقول: بخلت عليك وبخلت عنك، بمعنى: أمسكت عنك". ويرى ابن عاشور أن التعبير "إما مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه على الخطأ في الشح ببذل المال في الجهاد الذي هو محل السياق لأن المرء قد يبخل بخلاً ليس عائداً بخله عن نفسه".

 

 


"والله الغني" أي "عن صدقاتكم وطاعتكم"، قاله البغوي، وقال القرطبي: "أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم. وأنتم الفقراء إليها"، وقال ابن كثير: "أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما؛ ولهذا قال: "وأنتم الفقراء" أي: بالذات إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، أي لا ينفكون عنه". وقال القشيري: "الفقير الصادق من يشهد افتقاره إلى الله. وصدق الفقير في شهود فقره إلى الله. ومن افتقر إلى الله استغنى بالله، ومن افتقر إلى غير الله وقع في الذّلّ والهوان. ويقال: الله غنيّ عن طاعتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته. ويقال: الله غنيّ لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراء لأنكم لا بديل لكم عنه".

 

 

"وإن تتولوا"، قال السعدي: "عن الإيمان بالله، وامتثال ما يأمركم به "يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" في التولي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله، كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ""

 


وقد ذكر المفسرون أقوالاً عدة في هؤلاء الذين يستبدلون بالمخاطبين في الآية، فقيل اليمن وقيل الفرس وقيل الروم وقيل الملائكة وقيل سائر الناس، واختاره مجاهد. والمعنى أن الله سيستبدل بكم آخرين سامعين مطيعين له ولأوامره، كما قال ابن كثير.  

 

وبحسب جمهرة من المفسرين؛ فإن الآية عامة في أنواع البخل عن الإنفاق الواجب، وفيه ما يحيل هذه الأمة إلى مصير بائس إن هي أبطأت عن الإنفاق في سبيل الله، وترهيباً من التولي عن طاعة الله وتحذير من أن يجري على المتولين سنة الاستبدال التي جرت على أمم سابقة. فعلى وجه معتبر في التفسير أصبح البخل عن الإنفاق في سبيل الله مدعاة لارتداد بأس ذلك على النفس، وانسحب ذلك على جمهرة المسلمين، الذين إن أضاعوا سبيل الطاعة، حد الكفر، أو دونه – طبقاً لأقوال مختلفة للمفسرين، منها أربعة أوجه ذكرها الماوردي في تفسيره: "أحدها: وإن تتولوا عن كتابي. الثاني: عن طاعتي. الثالث: عن الصدقة التي أُمرتم بها. الرابع: عن هذا الأمر فلا تقبلونه" – استحقوا الوقوع تحت طائلة الاستبدال، وإذ ذاك، "ثم لا يكونوا أمثالكم"، سيكونون على جادة لا تعرف الحيدة عن طريق الحق، ولا تعرف البخل عن بناء هذا الصرح الإسلامي الكبير. إن سنة الله حاكمة، تخاطب بها هذه الأمة مثلما خوطبت بها غيرها. لقد نزلت هذه الآية على من نزلت إليهم هذه الآية: "كنتم خير أمة أخرجت للناس.." ولا تعارض؛ فإن الخيرية رهينة بما تلا هذه البداية: "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".

 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
في نور آية كريمة..
"فلولا أنه كان من المسبحين"




"فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" (143) الصافات

تتحدث الآية عن نبي الله يونس عليه السلام، وقصته مع السفينة والحوت، مثلما ورد في الآيات الكريمات:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىظ° يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) غ‍ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىظ° مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىظ° حِينٍ (148)

"فلولا أنه" أي يونس عليه السلام.

"كان من المسبحين": قال جمع من المفسرين: من المصلين، قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والسدي وغيرهم أي: "من المصلين"، وقال قتادة: " كان كثير الصلاة في الرخاء، فنجاه الله بذلك"، وقال أبو العالية: "كان له عمل صالح فيما خلا". ذكر هذا الإمام الطبري.

وذكر مثله الحافظ ابن كثير، مضيفاً: "وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل: المراد (بها) هو قوله: "فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين"، قاله سعيد بن جبير وغيره". واختاره الشنقيطي، وكثير من المفسرين أيضاً.


وذكر الحافظ رواية أبي صخر أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك – ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - "أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا: يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء".

دعوة يونس عليه السلام ومغزاها:

وفي الحديث الذي رواه الترمذي: "دعوة أخي ذي النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربته"، قال شيخ الإسلام في كتابه القيم "تفريج الكروب. شرح حديث دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت... الحديث": "سماها دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء:

فقوله: "لا إله إلا أنت" اعتراف بتوحيد الإلهية، وتوحيد الإلهية يتضمن أحد نوعي الدعاء، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة (...)
وقوله: "إني كنت من الظالمين" اعتراف بالذنب، وهو يتضمن طلب المغفرة؛ فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب، وتارة بوصف حاله، أو حال المطلوب، أو بالحالين معاً (وذكر أمثلة من أدعية الأنبياء في القرآن لكل مثل...) وهذا من حسن الأدب في الدعاء (...) وهو أبلغ من جهة العلم
والبيان".



معنى التسبيح:

أما عن معنى التسبيح نفسه؛ فيقول أبو حيان: "التسبيح: تنزيه الله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله من السبح، وهو الجري. والمسبح جار في تنزيه الله تعالى".
ويقول الشيخ د.عبدالرزاق البدر في مقدمة كتاب د. محمد كندو "التسبيح في الكتاب والسنة والرد على المفاهيم الخاطئة فيه": "سئل علي رضي الله عن التسبيح فقال: تعظيم جلال الله. وقال مجاهد: انكفاف الله عن كل سوء. وقال ميمون بن مهران: اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء. وقال محمد بن عائشة: تنزيه الله عز وجل عن كل سوء، لا ينبغي أن يوصف بغير صفته. وقال الأزهري في كتابه "تهذيب اللغة": وجماع معناه: بُعده تبارك وتعالى عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد أو ند. قال شيخ الإسلام: والأمر بتسبيحه يقتضي تنزيهه عن كل عيب وسوء، وإثبات المحامد التي يحمد عليها، فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره وتوحيده"




ومن الآية تأتي الدروس:

- العبودية في السراء تنجي في الضراء، يقول ميمون بن مهران – فيما ذكره الطبري في تفسيره -: سمعت الضحاك بن قيس يقول على منبره: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس كان عبدا لله ذاكرا ، فلما أصابته الشدة دعا الله فقال الله: "لولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون" فذكره الله بما كان منه، وكان فرعون طاغيا باغيا فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين "آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين" قال الضحاك: فاذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة.


- العبودية ليست حالة تلزم المؤمن حال رخائه دون ابتلائه، فكلما زاد البلاء ازدادت الحاجة للجوء إلى الله سبحانه وتعالى؛ فليس البلاء مدعاة لترك العبادة بل حادٍ لمزيد من التبتل والعودة، فللعبد حاجة لخالقه في كل وقت.


- عند الابتلاء يراجع المؤمن عمله وأحواله، ولا يكون النظر في الأسباب المادية وحدها، بل يستشعر المؤمن بأن هذا البلاء ربما كان بسببه هو بالأصل، ويكون اتهام النفس، وإحالة السبب إلى الذات قبل أي شيء آخر. وهذا كان حال الأنبياء عليهم السلام والصالحين من بعدهم "إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي".


الآية الكريمة تحدثت عن معجزة عظيمة، لا يمكن لعقل أن يتصورها لولا أنها وحي صادق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كشفت في ثناياها عن روعة اللجوء إلى الله وسر التسبيح وشأنه عند الله عز وجل، وتشير بطرف الاقتداء إلى كل مؤمن مكروب أن يتمثل هذا السبيل الذي سار به النبي الكريم يونس بن متى عليه السلام، فانكشف كربه؛ فكم من مكروب غارق في هموم لا يدري أن السبيل إلى تبديدها يكمن بإدراك مغزى هذه الآية العظيمة، واقتفاء أثر النبي الكريم يونس عليه السلام.




 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ" (62) النمل

 

للآية إشارات باهرة في أكثر من اتجاه، تخاطب بها الإحساس والعقل؛ ففيها دروس في العقيدة، وفي الأصول، ولا تغيب عنها الرقائق، في أسلوب بديع يلامس القلوب فيحثها على صدق الإلتجاء إلى الله سبحانه، ويدعوها للتفكر في نعمائه وقدراته، ويجمع المحامد والثناء في جميع أحوال البشر.

"أمن يجيب المضطر إذا دعاه"، قال القرطبي عن المضطر: "قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود. وقال السدي: الذي لا حول له ولا قوة. وقال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس. وقال سهل بن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها." فالله هو المرجو عند الشدائد والنوازل، فلا سواه يلجأ إليه المضطرون فيها.

"ويكشف السوء"، قال البغوي: "الضر"، وقال الكلبي: هو "الجور"، وقال البغوي عن قوله تعالى "ويجعلكم خلفاء الأرض": "سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض."

"أإله مع الله"، قال القرطبي: هي "على وجه التوبيخ"، والتقدير عنده كأنه قال: أمع الله ويلكم إله، أو إله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه.

"قليلا ما تذكرون"، قال الألوسي: "أي تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا تتذكرون (...) وما لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم، أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى، ومفعول تذكرون محذوف للفاصلة، فقيل: التقدير تذكرون نعمه، وقيل: تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام، وقيل: تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور، ولعل الأولى نعمه المذكورة".

 

واستنبط الطاهر بن عاشور فوائد أصولية من هذه الآية، ما يمكن اختزالها فيما يلي:
التذكير بتصرفه سبحانه في أحوال الناس، في حال:

1-    الاضطرار إلى تحصيل الخير.
2-    انتياب السوء.
3-    التصرف في الأرض ومنافعها.

هذه الثلاثة لأحوال البشر: حالة الاحتياج وحالة البؤس وحالة الانتفاع:
 -    الأولى: في قوله تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه"، وهي مرتبة الحاجيات.
-    الثانية: في قوله تعالى: "ويكشف السوء"، وهي حالة البؤس، مرتبة الضروري، مثل الكليات وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال، والعرض.
-    الثالثة: في قوله تعالى: "ويجعلكم خلفاء الأرض"، وهي حالة الانتفاع، مرتبة التحسيني. أ.ه باختصار وتصرف.

 

بيد أن هذا التأصيل لا ينقص من الأثر العقدي للآية الجامعة، فهذا التدليل إنما يسوق الناس إلى الإيمان أولاً بالله سبحانه، ويقودهم تالياً إلى مزيد من الإيمان عرفاناً من المؤمنين بعظمة الخالق الوهاب، الحنان المنان، الذي لا يغيب فضله عن مؤمن أو كافر، فكما يقول الإمام القرطبي: "ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجوء ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه؛ وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر؛ كما قال تعالى: "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين" وقوله: "فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم." فانظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى التي تدعو كل مسرف إلى الإيمان به، ثم انظر إلى سعة عفوه التي لا يحجبها ذنب مذنب تاب أو مضطر محتاج، يقول د. محمد الربيعة: "تأمل كيف جمع الله بين إجابة المضطر، وكشف الضر، وخلافة الأرض، في آية واحدة "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (...) فهل بعد هذا ييأس مضطر أو مذنب تائب؟!". 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ" (56) المدثر


الآية خاتمة جليلة لسورة المدثر، وهي تختم عدة آيات تتحدث عن موضوع واحد، هي قوله تعالى:

"فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)"


الآية الكريمة تتحدث مذكرة المعرضين عن سبيل الله وذكره سبحانه والمقبلين أيضاً بأنهم واقعون جميعهم تحت مشيئته، فلا يكون في ملكه عز وجل إلا ما يشاء، وهو جدير بأن يتقى، جدير بأن يغفر تبارك وتعالى.


وبعد أن تحدثت الآيات عن القرآن بأنه "تذكرة"، وعن أن للعبد مشيئة في أن يذكر أو لا يذكر، حاثةً على ذكره سبحانه وتعالى، أو ذكر كتابه، عقب سبحانه بقوله: "وما يذكرون إلا أن يشاء الله"، قال الطاهر بن عاشور: "والمعنى: أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن يتذكروا. وقد تكرر هذا في القرآن تكررا ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" وقال هنا "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة (...) وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر".


"هو أهل التقوى وأهل المغفرة":

التقوى من الوقاية، وهي فرط الصيانة، وقيل: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، كقوله تعالى: "فوقاهم الله شر ذلك اليوم"، ويسمى الخوف تارة بالتقوى، و"لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا ما أمركم الله به وقايةً بينكم وبين النار. هكذا مختصراً عن السمين الحلبي في عمدة الحفاظ.
وأما المغفرة، فالمقصود ستار للذنوب، قال ابن منظور في لسان العرب: "أصل الغفر التغطية والستر: غفر الله ذنوبه، أي: سترها".


فالله سبحانه وتعالى أهل لأن يتقى بحفظ النفس مما يؤثم، وترك المحرم، وبالاستبراء للدين والعرض بترك المشتبهات. وأهل لأن يستر عيوب وذنوب التائبين متى شاء سبحانه وتعالى. قال الزجاج في معاني القرآن: "هو أهل أن يُتقَى عقابه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته".

وقد أورد الماوردي في النكت والعيون ثلاثة أوجه ذكرها الفراء في تفسير الآية:

"أحدها: هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة.

الثاني: هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً.

الثالث: هو أهل أن يتقى عذابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته.




وزاد الماوردي: ويحتمل رابعاً: أهل الانتقام والإنعام".
وربط الثعالبي في الجواهر الحسان بين التقوى والمغفرة بقوله: "أنه بفضله وكرمه أهل أن يَغفر لعباده إذا اتقوه".

قال صاحب التفسير الواضح: "وقيل المعنى: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا حال أن شاء الله لهم ذلك إذ الأمر كله له، هو الله أهل لأن يتقى ويحذر عقابه فلماذا لا تتقون؟ وهو أهل للمغفرة فلماذا لا تصلحون أعمالكم. وتتوبون لربكم وتثوبون لرشدكم؟".


بالجملة، هذا من الخطاب الذي يوضح مزية الاختيار التي يمنحها العبد، والواقعة تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، ويحبب المتلقي في الإيمان والتذكرة والارتباط بالقرآن وذكره وتذكره والتزام أوامره ونواهيه، تنويهاً إلى عظمة الخالق عز وجل، الجدير بأن يسير إليه المؤمنون على خلال الصورة البغيضة التي صور عليها القرآن المعرضين عن الذكر، الفارين كما تفر الحمر من الأسد أو من القناصين، فيما الذكر الذي يفرون منه هو النافع لهم في الدارين؛ فما كان لهم أن يفروا، وفرارهم مفض إلى هلاكهم؛ فاتقاء العذاب هو بالأوبة لله سبحانه وتعالى والالتفات إلى مصدر ما يفرون منه عن جهل وجهالة، فهو عز وجل يغفر للأوابين إليه لا الفارين من قرآنه كالحمر والبهائم التي تركض لا تألو على شيء!

موقع
مسلم

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ادخلوا في السلم كافة"

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"

مادة السلم، والإسلام واحدة، لكن الله سبحانه ذكر في كتابه "السلم"، ومن تفرد القرآن وعظمته أن كثيراً من كلماته تحمل أكثر من معنى، ويتسع لها أكثر من تفسير؛ فتعطي اتساعاً شاسعاً للمعاني، ويطرق بها كثيراً من الأبواب والسبل؛ فكل المعاني التي ذكرها المفسرون في كلمة "السلم"، سواء أكانت الإسلام أو الصلح أو الموادعة والسلام أو غيرها تنحو بنا في اتجاهات شتى. وكل المعاني التي أوردها أهل التفاسير عن كلمة "كافة"، سواء أتعلقت بالمؤمنين كافة.. أو بالسلم كافة (وهو المشهور)، هي أيضاً تفسح الأفق واسعاً أمام أعين المتدبرين.

إن الإسلام كلٌ لا يتجزأ؛ فمع الإيمان يأتي الاستسلام التام لله والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه، وما دام المؤمنون قد آمنوا؛ فعليهم الالتزام بكافة شرائع الإسلام ما استطاعوا، وعليهم أن يتخذوا هذا الإسلام بيتاً يحتويهم، يؤبون إليه ويدخلون فيه بكليتهم.

وما إن يكونوا كذلك؛ فإنهم سيستشعرون السلام الاجتماعي والنفسي، ستعرف نفوسهم السلم والسكينة، فإلههم الرحيم العادل واحد لا شركاء يشاكسونهم أو يشاكسوه، بين لهم الطريق إليه في دنياهم وأخراهم، "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"؛ فعباده يشعرون في معيته دوماً بالأمن والسلام. أما الملحدون ففي شقاء واضطراب نفسي لا ينتهي، يشاطرهم إياه المشركون بآلهة مع الله تعالى عما يشركون.

ومجتمع المسلمين هو مجتمع السلم، إنهم إذ دخلوا معاً في طريق السلم؛ فإنهم سيكونون معاً في حال من السلام الاجتماعي فيما بينهم؛ فيمنعون أنفسهم من التقاتل والتناحر مثلما ذهب إلى هذا بعض المفسرين.

والسائرون في طريق الفلاح، الداخلون في السلم كافة، ستطمئن قلوبهم للكون من حولهم، لأنه مثلهم بل قد دخل قبلهم في حاضنة السلم والانقياد والطاعة، "... ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ"، الملائكة، والشجر، والدواب، والجبال.. الجميع يسبح، الجميع طائع لربه منقاد إليه.

وفي الطريق، لا مجال للاختيار بين الانقياد لله في كل شرائعه وبين الاجتزاء منه قبولاً بهذا ورفضاً لذاك من شرائعه. وإن من يفعل هذا إنما يسير مع الشيطان في طريق واحد، يسبقه فيه إبليس.. إن هذا المسلك إنما هو اتباع "خطوات الشيطان". يقول أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه تلبيس إبليس: "وينبغي أن تعلم أن إبليس الذي شغله التلبيس، أول ما التبس عليه الأمر، فأعرض عن النص الصريح على السجود، فأخذ يفاضل بين الأصول، فقال: "خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ"، ثم أردف ذلك بالاعتراض على الملك الحكيم، فقال: "أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ"، والمعنى: أخبرني لِمَ كرمته علي، برَر ذلك الاعتراض أن الذي فعلته ليس بحكمة ثم أتبع ذلك بالكبر فقال: "أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ"، ثم امتنع عن السجود فأهان نفسه التي أراد تعظيمها، باللعنة  والعقاب." إن هذا هو بالضبط هو طريق الشيطان، وذاك هو اتباع خطواته بوضع الأوامر موضع الاختيار والانتقاء والاعتراض عليها.

هو طريق الشيطان، طريق الشقاق واللدد والجدل والتنازع في مقابل طريق السلم والموادعة والصفاء، يُدعى إليه المؤمنون ليدخلوه بكليتهم، ويدخلوه جميعاً، معاً في طريق وحدتهم واتحادهم.. هكذا توضح لنا الآية علاج مشكلاتنا الشخصية والمجتمعية والأممية.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (90) النحل

آية جامعة، تجمل أوامر الله ونواهيه، وتستنبط منها قواعد عامة تسير حياة كاملة للمؤمنين، بمفرداتها الدقيقة توضع القواعد العامة للمجتمع المسلم، بل لكل البشر، الذين ترتسم أمامهم منارات المنهج الرباني الذي يتحقق به العدل والطمأنينة والأمن. يقول العز بن عبدالسلام في قواعد الأحكام عن هذه الآية إنها "أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها، والزجر عن المفاسد بأسرها قوله تعالى: "إن الله يأمر... الآية"؛ فلا يبقى من دقيق العدل وجليله إلا اندرج في (الآية)".

يبدؤها الله سبحانه بتوكيد، ثم اسمه العظيم ليأخذ النفس إلى عظمة الآمر الناهي سبحانه وتعالى، ثم يجمل الله عز وجل من بعد أوامره ونواهيه، موضحاً أهمية وعظه بها. و"العدل" هو "القسط والموازنة"، كما قال الحافظ ابن كثير، أو هو شهادة أن لا إله إلا الله كما نقله الحافظ عن ابن عباس رضي الله عنهما. أو هو الإنصاف كما قاله أبو حيان، أو هو "فعل كل مفروض من عقائد ، وشرائع، وسير مع الناس في أداء الأمانات، وترك الظلم والإنصاف، وإعطاء الحق"، مثلما نص ابن عطية الأندلسي. 

وفي المعنيين المتقدمين: الإنصاف، وكلمة التوحيد، تقارب وشمول عظيمين؛ فإن كمال العدل في توحيد الله سبحانه، وهو خطاب يوجه للناس أجمعين. كما أن الإنصاف لا يتقنه إلا الموحدون.

 

والإحسان، الإجادة والإتقان والإتيان بالأعمال المشروعة على أحسن الوجوه وأكملها، وهو ما يزيد في الفضل عن العدل، وعنه يعقب ابن عطية على تعريفه السابق بقوله: "والإحسان: فعل كل مندوب إليه"، ويذكر الزمخشري فائدة بذكر الأمر بالإحسان بعد العدل، بأنه "الإحسان الندب، وإنما علق أمره بهم جميعا، لأن الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب".. وفي الحديث الذي رواه مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء..."، وهو الذي قال عنه الإمام النووي: "هذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام". ولهذا فالقرطبي ذكر معنيين للإحسان "أحدهما متعد بنفسه كقولك: أحسنت كذا، أي حسنته وكملته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء. وثانيهما متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان، أي أوصلت إليه ما ينتفع به" ثم يقول: "قلت: وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا؛ فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض، حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك، وهو تعالى غني عن إحسانهم، ومنه الإحسان والنعم والفضل والمنن. وهو في حديث جبريل بالمعنى الأول لا بالثاني؛ فإن المعنى الأول راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع وحالة الاستمرار. وهو المراد بقوله أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك."

 

ويذكر الباحث سامي القدومي في كتابه التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني نكتة لطيفة فيما يتعلق بقوله تعالى "ذي القربى"، وأنه لم يقل "أولي القربى"، بأن الثانية خاصة بالقرابة القريبة، والثانية أعم في القرابة عموماً، فقال: "وجاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... )؛ لأنها آية عامة، ولذلك فهي تتكلم عن الموضوع الخاص (وإيتاء ذي القربى) بعموم أيضا". قال القرطبي عن "إيتاء ذي القربي": "الصلة (...) وإنما خص ذا القربى لأن حقوقهم أوكد وصلتهم أوجب؛ لتأكيد حق الرحم التي اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته".

 

أما في النهي فيجمل سفيان بن عيينة في تفسير الآية بقوله: "العدل في هذا الموضع: هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا. والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سريرته"، ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره.

 

وفرق الأصولي ابن عاشور في التحوير والتنوير بين الفحشاء والمنكر بقوله: "ونهى الله عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، وهي أصول المفاسد. فأما الفحشاء : فاسم جامع لكل عمل أو قول تستفظعه النفوس لفساده من الآثام التي تفسد نفس المرء: من اعتقاد باطل، أو عمل مفسد للخلق، والتي تضر بأفراد الناس ، بحيث تلقي فيهم الفساد من قتل أو سرقة أو قذف أو غصب مال ، أو تضر بحال المجتمع وتدخل عليه الاضطراب من حرابة أو زنى أو تقامر أو شرب خمر ، فدخل في الفحشاء كل ما يوجب اختلال المناسب الضروري (...) وأما المنكر: فهو ما تستنكره النفوس المعتدلة، وتكرهه الشريعة من فعل أو قول، (...) والاستنكار مراتب، منها مرتبة الحرام، ومنها مرتبة المكروه، فإنه منهي عنه، وشمل المنكر كل ما يفضي إلى الإخلال بالمناسب الحاجي، وكذلك ما يعطل المناسب التحسيني بدون ما يفضي منه إلى ضر" أي أنه فرق بين مراتب الإخلال بالضرورات في الفحشاء، والحاجيات والتحسينات في المنكر. ثم قال: "وخص الله بالذكر نوعا من الفحشاء والمنكر، وهو البغي، اهتماما بالنهي عنه، وسدا لذريعة وقوعه، لأن النفوس تنساق إليه بدافع الغضب، وتغفل عما يشمله من النهي من عموم الفحشاء بسبب فشوه بين الناس."

والفحشاء في لغة العرب: الخصلة المتناهية في القبح، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما الفحشاء بالزنى، والبغي هو الاعتداء في المعاملة، والمنكر قد تقدم ذكره.

 

"يعظكم لعلكم تذكرون"، قال الألوسي: "يعظكم أي ينبهكم بما يأمر وينهى سبحانه أحسن تنبيه، (...) لعلكم تذكرون طلبا لأن تتعظوا بذلك وتنتبهوا."، ويذكر هنا الشنقيطي تنبيهاً مهماً فيما يخص الوعظ ومجاله، يقول في أضواء البيان: "فإن قيل: يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي (وذكر الأدلة على هذا من آيات القرآن الكريم) مع أن المعروف عند الناس أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي. فالجواب: أن ضابط الوعظ هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه؛ فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله. وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في اجتنابه؛ فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفا وطمعا".

 

في الأخير، جاءت هذه الآية لتبين أصول ما تقوم عليه المجتمعات والأفراد والدول، وتضع معياراً دقيقاً لتحديد مدى اقتراب ممارسات هؤلاء من منهج الله سبحانه وتعالى أو ابتعادهم عنه، ولقد فهم الأولون هذا المعنى جيداً، فلقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "أخرج البخاري في الأدب المفرد (...) قال شتير بن شكل لمسروق: "حدث يا أبا عائشة وأصدقك. قال: هل سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى؟ قال نعم" وسنده صحيح". فمتى ما تحقق العدل، وفشا الإحسان، وأعطيت القرابات ووصلت، فثم منهج الله وشريعته

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"إن أريد إلا الإصلاح"

"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (88) هود

 

آية جامعة لمعانٍ متعلقة بخطاب الإصلاح، تتضمن خطاباً رفيع المستوى من شعيب عليه السلام لقومه، جعل كثيراً من المفسرين يستأنسون بحديث "ذاك خطيب الأنبياء" إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ضعف الحديث. فقد بدأت الآية برد شعيب عليه السلام بعد أن قال له قومه "إنك لأنت الحليم الرشيد"، سخرية أو استنكاراً أن يدعوهم إلى ترك عبادة غير الله وترك تطفيف الموازين؛ فكان رده متجاوزاً تلك الإساءة، ومترفقاً بقومه. يقول أبو حيان في البحر المحيط: "هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن ، واستدعاء رقيق (...) وهذا النوع يسمى استدراج المخاطب عند أرباب علم البيان، وهو نوع لطيف غريب المغزى يتوصل به إلى بلوغ الغرض".

 

"قال يا قوم أرأيتم": يقول محمد رشيد رضا: "يا قومي الذين أنا منهم وهم مني، وأحب لهم ما أحب لنفسي، أخبروني عن شأني وشأنكم". "إن كنت على بينة"، قيل النبوة، وقيل المعجزة، وقد لفت الرازي إلى معنى دقيق في تقدير الجملة جواب الشرط التي أداتها "إن" وفعلها "كنت"، فقال في الكبير: "واعلم أن جواب إن الشرطية محذوف، والتقدير: أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة، والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن - فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه، وأن أخالفه في أمره ونهيه؟ وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم، وذلك لأنهم قالوا له: ( إنك لأنت الحليم الرشيد ) فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا؟ فكأنه قال : إنما أقدمت على هذا العمل؛ لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة، وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى علي أن أخالف أمره وتكليفه؟".

 

"ورزقني منه رزقا حسنا"، قال الماوردي: "فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال الحلال، قاله الضحاك. قال ابن عباس: وكان شعيب كثير المال. الثاني: أنه النبوة، ذكره ابن عيسى"، وفي قوله "منه" أي من لدنه، إعزاز وإعادة الفضل كله لله صاحب الربوبية الرزاق الوهاب. قال صاحب المنار: "وهو كسبه بالحلال بدون تطفيف مكيال ولا ميزان، ولا بخس لحق أحد من الناس، فأنا مجرب في الكسب الطيب وما فيه من خير وبركة، لا فقير معدم أخترع الآراء النظرية فيما ليس لي خبرة به، أي : أرأيتم والحالة هذه ، ماذا أفعل وماذا أقول لكم غير الذي قلته عن نبوة ربانية ، وتجارب غنى مالية؟ هل يسعني الكتمان أو التقصير في البيان". وفي قوله حسناً: أي خالصا من الفساد الذي أدخلتم أنتم في أموالكم.

 

"وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه"، أي ما أريد أن أفعل عكس من أنهاكم عنه، قال أبو حيان: "قال صاحب الغنيان: ما أريد أن أخالفكم في السر إلى ما أنهاكم عنه في العلانية"، وتتبع الزمخشري كلمة "أخالفكم" مستنبطاً منها معنى حول المسابقة، وعقب الرازي على قوله بالقول: "أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم، فهذا بيان اللغة، وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد ، وذلك يدل على كمال العقل ، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح".

 

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" أي قدر استطاعتي، أريد أن أبذلك لكم النصيحة لإصلاح فساد ما أنتم فيه من فساد العقيدة وفساد المعاملات، قال صاحب التحوير: "أي: ما أريد إلا الإصلاح العام فيما آمر به وفيما أنهى عنه ما دمت أستطيعه ; لأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، ليس لي هوى ولا منفعة شخصية خاصة بي فيهما"

 

"وما توفيقي إلا بالله"؛ فهو وحده من يقدر على إنجاحي في طريق الإصلاح هذا. "عليه توكلت"، وهذا كمال التوحيد، فشعيب عليه السلام قصر توكله على الله، وفي "إليه أنيب" أسلوب قصر أيضاً، وفي خطابه يلحظ أن الرزق من لدنه، والتوكل عليه وحده، ولا رجوع إلا إليه سبحانه وتعالى.

 

وفي الآية يبدو طريق الدعوة الصالحة يتمهد ويستقيم بما يلي:
-    "حليم رشيد" قد سبق هذا وعززه، الحلم والحكمة والرشد والعقل التي يتميز بها المصلح، والتي تتجلى في شخصيته حد ملاحظتها حتى من قبل أعدائه وخصومه، وهي صفة تكاد تنطبق على كل الأنبياء، وتنعكس على الدعاة الناجحين.
-    علاقة جيدة مع المحيط الاجتماعي.. وتودد وتقرب وحسن مخاطبة.
-    البينة ووضوح المنهاج، واستمساك المصلح به، وظهوره أمام الآخرين.
-    الاستغناء عما في أيدي المدعويين، وتحري الرزق الحلال الخالي من شبهات الفساد. وبوجه أعم (ما لفت إليه محمد رشيد رضا إلى وجود تلك التجربة لدى شعيب عليه السلام التي تمثل نموذجاً تطبيقياً لا يجعل الداعية مجرد منظر بعيداً عن واقع الحياة واشتباكاتها وتحدياتها)

-    مصداقية الدعوة وتحقيق القدوة في شخص الداعية سواء أكان في السر أم في العلن.
-    الرغبة في الإصلاح، وفي قلبه إصلاح العقيدة، ومحاربة الفساد في المعاملات وغيرها.
-    العمل الدعوي الحكيم في حدود الاستطاعة، والإمكانات، دون ما قد يتخيله من قدرات تفوق إمكاناته وإمكانات دعوته. وحدود الاستطاعة تمتد في أبعاد مختلفة، منها الزمان الذي يعني الديمومة عليها ما دامت القدرة عليها متوفرة.
-    صدق التوكل على الله، وعدم الالتجاء لغيره في هذا الطريق الواصل إلى مرضاته سبحانه، وعدم الارتكان إلى أي سند غيره إلا في إطار الأخذ بالأسباب.
-    إدراك طبيعة مسار الإصلاح، وانتهائه خارج حدود الدنيا، حيث رجوع الجميع إلى الله سبحانه.

 

بهذا ينجح الداعية في طريقه، ولو لم يجد ثمرة هذا في الدنيا، مثلما واجه شعيب عليه السلام رغم كل هذا صدوداً حتى أهلك الله قومه في نهاية المطاف.. فالثمرة من عند الله، ولكن لابد من تحقيق شروط لتحقيق صحة المسار ذاته، وهو الذي يسأل عنه المرء يوم القيامة لا عن نتائج دعوته.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ضرب مثل فاستمعوا له"

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" (73) الحج

أسلوب يأخذ بالألباب، ومصيخ للآذان، إبهار يستأثر بالأسماع، فلا تجد من سبيل إلا الخضوع لأمر الإله الواحد سبحانه وتعالى: "استمعوا له".

"يا أيها الناس"، خطاب للناس، كل الناس، على أقوال: فمن قائل أنها للمشركين، جرياً على ما غلب في كتاب الله، كما قال الطاهر بن عاشور، "لأنهم المقصود بالرد والزجر وبقرينة قوله إن الذين تدعون على قراءة الجمهور "تدعون" بتاء الخطاب"، أو كما قال أيضاً: " ويجوز أن يكون المراد بـ "الناس" جميع الناس من مسلمين ومشركين. وفي افتتاح السورة بـ "يا أيها الناس" وتنهيتها بمثل ذلك شبه برد العجز على الصدر. ومما يزيده حسنا أن يكون العجز جامعا لما في الصدر وما بعده."، أو قائل أنها للمؤمنين، كما ذكر الألوسي "ناداهم سبحانه ليبين لهم خطأ الكافرين".

واستشكل على البعض أن ما ذكر ليس مثلاً، لكن الرازي تعقب هذا "بأن لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلا."، ونقل القرطبي عن الأخفش قوله: "وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم؛ يعني أن الكفار جعلوا لله مثلا بعبادتهم غيره"، لكن الإمام القرطبي اختار ما قاله النحاس: "المعنى ضرب الله عز وجل ما يعبد من دونه مثلا، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ أي بين الله لكم شبها ولمعبودكم".

وقال أبو حيان الأندلسي: "والظاهر أن ضارب المثل هو الله تعالى، ضرب مثلا لما يعبد من دونه أي بين شبها لكم ولمعبودكم."

والضرب تأكيد لقوة المثل وأهمية الاستماع، قال صاحب التحوير والتنوير: "استعير الضرب للقول والذكر تشبيها بوضع الشيء بشدة، أي ألقي إليكم مثل"، وقال البغوي: "ضرب: جعل (...) ومعنى الآية جعل لي شبه، وشبه بي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها"

أما قوله "فاستمعوا له" أي تدبروه حق تدبره؛ لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر، ذكره الرازي. والمقصود أنه مثل جدير بأن يتأمل ويتدبر ويعتبر به، حد الإيمان والخضوع له سبحانه وتعالى اعترافاً بالعجز عن مضاهاة خلقه عز وجل.

"إن الذين تدعون" أي من الأوثان والمعبودات والطواغيت عموماً، وكل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، "لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له"، أي محال أن يفعلوا ومحال أن يجتمعوا أيضاً لهذا، ولو اجتمعوا ما استطاعوا.

و"السلب" هو أخذ  الشيء قهراً، قال ابن منظور: "الاستلاب: الاختلاس"، وفي معنى "وإن يسلبهم الذباب"، قال القرطبي: "قال ابن عباس: "كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فتجف فيأتي فيختلسه". وقال السدي: كانوا يجعلون للأصنام طعاما فيقع عليه الذباب فيأكله. وقد قيل: وإن يسلبهم الذباب شيئا راجع إلى ألمه في قرص أبدانهم حتى يسلبهم الصبر لها والوقار معها.

والاستنقاذ أبلغ من الإنقاذ، قال الطاهر بن عاشور: "والاستنقاذ: مبالغة في الإنقاذ مثل الاستحياء والاستجابة."

"ضعف الطالب والمطلوب"، اختلف في معناها المفسرون، قال القرطبي: "قيل: الطالب الآلهة والمطلوب الذباب. وقيل بالعكس. وقيل: الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم؛ فالطالب يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه"، وذكر ابن عطية الأندلسي هذه الأقوال وأضاف: "وقالت فرقة: معناه ضعف الكفار في طلبهم الصواب والفضيلة من جهة الأصنام، وضعف الأصنام في إعطاء ذلك وإنالته."

أما اختيار الذباب للمثل؛ فقد قال القرطبي: "وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته، وضعفه، ولاستقذاره، وكثرته (...) وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان."

 

وللدكتور زغلول النجار بحث علمي طويل بديع في هذا الخصوص في "أسرار القرآن"، نوجزه فيما يلي:

-    "يسلبهم"، في استخدام التعبير ومضة معجزة لأن الذباب يختلس ما يأخذه من أشربة وأطعمة الناس اختلاسا‏،‏ وينزعها منهم نزعا علي القهر لعجزهم عن مقاومته في أغلب الأحوال‏.‏

-    حركة الذبابة على درجة عالية من التعقيد، بدأ من الاستعداد للطيران والإقلاع والهبوط والطيران والمناورة البارعة، والعضلات المستخدمة: وتتم العملية في 01% من الثانية.

-    سرعة الذبابة تصل إلى 10 كلم/س

-    الأجهزة المستخدمة للرؤية وقياس الأجواء.. الخ تجعل قدرة تجنب المخاطر والإفلات عالية جداً في المناورة.

-    خيوط عيونها العصبية (48 ألف خيط) تعالج أكثر من 100 صورة في الثانية الواحدة.

-    الرؤية في كل الاتجاهات بواسطة عين لا تزيد عن نصف مليمتر.

-    كل ذلك يعين الذبابة علي الانقضاض علي الشراب أو الطعام فتحمل منه بواسطة كل من فمها والزغب الكثيف المتداخل الذي يغطي جسمها ما تحمل ثم تهرب مبتعدة في عملية استلاب حقيقية بمعنييها‏:‏ الاختلاس‏،‏ ونزع الشيء علي القهر‏.‏

-    للذباب نحو 100 ألف نوع.

-    الذبابة المنزلية تتذوق الشراب أو الطعام بمجرد أن تحط عليه‏،‏ وذلك بواسطة خلايا حساسة منتشرة في كل من شفتها وأقدامها فإن راقها سلبت منه ما تستطيع وهربت بسرعة فائقة كما يفعل اللصوص.

-    فإن كان ما سلبته شرابا امتصته بواسطة خرطومها‏,‏ ليصل إلي جهازها الهضمي المزود بالقدرة علي إفراز الخمائر القادرة علي هضمه وتمثيله تمثيلا كاملا في ثوان معدودة‏، وبذلك لا يمكن استنقاذه منها‏.‏

-    أما إذا كان الطعام صلبا فإن الذبابة المنزلية تفرز عليه من بطنها عددا من الإنزيمات والعصائر الهاضمة بالإضافة إلي لعابها‏،‏ وهذه تبدأ في إذابة ما تقع عليه من الطعام الصلب فورا مما يمكن الذبابة من امتصاصه بخرطومها وبأجزاء فمها ذات الطبيعة الإسفنجية‏،‏ ومن ثم لا يمكن استرجاعه أبدا‏،‏ أو استنقاذه بأي حال من الأحوال‏.‏

-    من الثابت علميا أن البشرية كلها عاجزة كل العجز عن خلق خلية حية واحدة في الزمن الراهنـ زمن التقدم العلمي والتقني المذهل وغير المسبوق في تاريخ البشرية كلهـ وهي بالتالي أعجز عن خلق ذبابة واحدة‏، ونحن نعلم اليوم أن جسد الذبابة مكون من ملايين الخلايا المتخصصة‏،‏ الموزعة في أنسجة متخصصة‏،‏ وفي أجهزة متعددة تعمل في توافق تام من أجل حياة هذه الحشرة الصغيرة‏.

-    والطالب في هذه الآية الكريمة هو المسلوب الذي سلبه الذباب شيئا مما هو له‏، والمطلوب هو الذباب السالب‏.‏

-    هذه الحقائق لم يصل إليها علم الإنسان إلا في القرن العشرين،‏ وفي العقود المتأخرة منه،‏ وورودها في كتاب الله بهذه الإشارات الدقيقة‏، المحكمة‏‏ الموجزة لمما يشهد بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏،‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله،‏ وحفظه بعهده.     أ.ه

 

إنه بنهاية الآية، تتجلى لدى كل مكابر الحقيقة، ويبقى التحدي مستمراً يقرع أذن كل كافر جحود عنيد، وينسكب في نفس كل مؤمن مزيد من إيمان إلى إيمانه بعظمة ربه المعبود الأحد الخلاق العظيم، الذي لا يستحق أن يعبد سواه، "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين"

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"

"وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (100) التوبة

 

جاءت هذه الآية لتبيان فضائل أشراف المسلمين، أهل السبق والفضل، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اتبعهم وسار عن منهاجهم، منهاج الإيمان والإحسان، يقول أبو الحسن الماوري في تفسيره: "قوله عز وجل: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فيهم أربعة أقاويل:

أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب.
الثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ، قاله الشعبي وابن سيرين.
الثالث: أنهم أهل بدر ، قاله عطاء .
الرابع: أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى ثواب الله تعالى وحسن جزائه.

ويحتمل خامسا: أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم". قال القرطبي: "واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم".

 

وأخرج البخاري في صحيحه بكتاب المناقب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله"، وقال البخاري في صحيحه: "من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه". ونقل القرطبي عن أبي منصور البغدادي التميمي قوله: "أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية". ويقول السيوطي في الإكليل عن الآية: "فيها تفضيل السابق إلى الإسلام والهجرة وأن السابقين من الصحابة أفضل ممن تلاهم". والأنصار جمع نصير وهو الناصر، وهو كما يقول القرطبي "اسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك : أرأيت قول الناس لكم : الأنصار ، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية ؟ قال : بل اسم سمانا الله به في القرآن".

 

وقد أورد الألوسي في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور أنه قد روي عن حميد بن زياد أنه قال: "قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن؟ فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم . فقلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله ألا تقرأ قوله تعالى: والسابقون الأولون الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا. قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: شرط عليهم أن يتبعوهم بإحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال: هو أن يتبعوهم بإحسان في القول وأن لا يقولوا فيهم سوءا وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط"، فالصحابة قد اتفق العلماء على أنهم كلهم عدول. يقول الشنقيطي في أضواء البيان: "هو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا؛ حيث أبغض من رضي الله عنه، ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان". ويقول ابن عطية: "نبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار" فتأمله.   

 

وقد تقدم أن الإحسان هو الأعمال الحسنة، وهو الإيمان في قول، والإخلاص في آخر، والمعنى واحد، أنهم من اقتدوا بالصحابة في صالح أعمالهم. و"رضي الله عنهم" هو عنايته بهم وإكرامه إياهم ودفاعه أعداءهم، وأما رضاهم عنه فهو كناية عن كثرة إحسانه إليهم حتى رضيت نفوسهم لما أعطاهم ربهم. والإعداد: التهيئة. وفيه إشعار بالعناية والكرامة. قاله الطاهر بن عاشور في التحوير والتنوير.

 

إن هؤلاء هم من نقلوا الوحي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنبأنا الله سبحانه وتعالى أنه قد رضي عنهم فتعين أن نترضى عنهم، وأن نحذو حذوهم ونسير على طريقهم.. هذا الطريق هم يتقدمون فيه المسلمون من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبهم قد صار من بعد ومن قبل عنواناً لأهل السنة يمتازون فيه عمن ضل من الفرق التي تهدم الدين بهدم صورتهم والنيل من عدالتهم ومكانتهم، يقول ابن كثير: "فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة، رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون".

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها"

"وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (180) الأعراف

الآية الكريمة تعرضت لأمور:

-     منها اختصاص الله بالأسماء الحسنى (جمع أحسن)، وهي الأسماء الدالة على الذات أو الذات مع صفة من صفاتها.

-    ومنها دعوة المؤمنين إلى الدعاء بها، ثناء وطلباً وتعبداً.

-    ومنها ازدراء وترك أولئك الذين ينحرفون عن معاني تلك الأسماء، فجزاؤهم سيكون عسيراً على ما اقترفوه.

 

وقد اختلف العلماء، هل لله تسعاً وتسعين اسماً فقط، أي تلك التي وردت في الحديث الذي رواه البخاري " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة"، أم له كثير من الأسماء، وتلك التسعة والتسعون مخصوصة بالإحصاء الذي ورد في الحديث، وجمهورهم والصحيح على أن لله ما يزيد عن تلك الأسماء، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم (في صحيح ابن حبان) أنه قال: "ما قال عبد قط إذا أصابه هم أو حزن : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحا". لكن لا يعني أن عددها غير معروف أن يختلق البعض أسماء لله سبحانه وتعالى، فهي توقيفية أي يجب الوقوف فيها عند ما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة. ولهذا قال بعض أهل التفسير: "من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة"، وكذلك ما ورد عن أكثرهم، اشتقاق العزى من العزيز واللات من الله ومناة من المنان.

 

ويعد العلماء الإلحاد فيما تقدم، وفي التأويل والتحريف والتعطيل، والتشبيه والتكييف. ولقد كان من شأن الفرق التي ظهرت في الإسلام، فشبهت وفوضت وعطلت وأولت وكيفت صفات الله عز وجل على النحو الذي يخالف منهج أهل السنة والجماعة أثراً في اهتمام العلماء بالرد عليهم وتبيان الوجه الصحيح في الإيمان بالأسماء والصفات، لكن من جهة أخرى حصل إهمال شديد في الأمة في التعرف إلى هذه الأسماء وتلك الصفات، بما كان له أثره السلبي في عدم تعرف المسلمين على ربهم عز وجل؛ فتراجع أثر هذا الإيمان في قلوبهم، وما قدروا الله حق قدره، يقول الشيخ السعدي رحمه الله: "بحسب (معرفة العبد) بربه يكون إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه، وكلما نقص نقص. وأقرب طريق إلى ذلك: تدبر صفاته وأسمائه من القرآن". هذا أمر بالغ الأهمية، لأن معرفة الأسماء والصفات وفقه معانيها جيداً كفيل بتحقيق توحيدي الربوبية والألوهية لدى العبد، وأنسه بربه سبحانه وتعالى، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: "والفرح والسرور، وطيب العيش والنعيم؛ إنما هو في معرفة الله وتوحيده، والأُنس به، والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمَّة عليه، فإنَّ أنكد العيش: عيشُ من قلبُه مُشتَّتٌ؛ وهمُّه مُفرَّقٌ عن ذلك (...) فالعيش الطيِّب؛ والحياة النافعة؛ وقرَّة العين: في السكون والطمأنينة إلى الحبيب الأوَّل، ولو تنقَّل القلب في المحبوبات كلِّها لم يسكن، ولم يطمئن، ولم تقرَّ عينه حتى يطمئن إلى إلهه وربِّه ووليِّه؛ الذي ليس له من دونه وليٌ ولا شفيعٌ، ولا غنى له عنه طرفة عين".

 

إن الأثر السلبي من ضعف الخشية والتوكل والمحاسبة والقسط والرحمة والعزة إلى آخر ما يعترى الأمة الإسلامية من تراجع في اضطلاعها بدورها، لهو تجسيد كامل لجهالة وضعف اكتراث وعناية بمثل هذه الأسماء الحسنى والصفات العلية، التي يقول ابن القيم رحمه الله عن المعرفة بها بأنها "أصل العلم بكل معلوم".

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة"

"وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ" (113) الأنعام

 

بعد أن قال الله عز وجل: 

" وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"، وبين طريقة أعداء الأنبياء من شياطين الإنس والجن الذين يوسوسون، ويتواصون بينهم في تلك الوسوسة المزينة بجميل الأقوال، قال سبحانه: "ولتصغى.. الآية". أرشد الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعاً إلى أن هذا الزخرف الذي يتواصى به الشياطين، ويقول بعضهم لبعض ها أنا قد نجحت في إغواء هذا فافعل مثلي مع صاحبك، سيجد من تميل إليه نفسه تصديقاً وتفاعلاً. 

 

وأصل الإصغاء كما في لسان العرب الميل، والمقصود ميل النفس وزيغ القلوب، واختار الرازي أن اللام في "لتصغى" متعلقة بـ"يوحي" أي أن إيحاءهم إنما ليحدث هذا الميل والزيغ لدى من لا يؤمنون بالآخرة. قال محمد بن يوسف الأندلسي: "وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الفعل، فكأن كل واحد مسبب عما قبله."

 

والغرور ضرب من الخداع بالباطل ينطلي على غير ذوي الخبرة (يقال شاب غر أي لا يدرك ما يدركه الرجال)، والاقتراف بمعنى الاكتساب، لكنه يكثر استعماله في السيء من الاكتساب، قال الألوسي رحمه الله: "وفي الإساءة أكثر استعمالا ولهذا يقال الاعتراف يزيل الاقتراف ويقال: قرفت فلانا بكذا إذا عبته به واتهمته".

"ما هم مقترفون" تفيد التعظيم والتشبيع لما يعملون، كقوله تعالى: "فغشيهم من اليم ما غشيهم"، قاله الأندلسي. 

 

وخلاصة القول: أن تلك النفوس غير المؤمنة بالآخرة، مادة جاذبة للإغواء والتوجيه والإغراء، ومن بديع القرآن وصفها لها بعدم الإيمان بالآخرة عما سواه من أركان الإيمان، لأن إغواءهم ما كان له أن يتم لولا أن قلوبهم خالية من ذكر الآخرة، لا تلقي بالاً بالمآلات؛ فكذلك كل نفس لا تعرف العواقب، ولا تنظر بعين بصيرة إلى المستقبل وعاقبة ما تفعل يسهل استدراجها، وحرفها بأي اتجاه يريدوه المغوون، الذين يجملون باطلهم بزخرف القول. ونلحظ أن الزخرف إنما أشير له هنا في موضع الذم، وقد جاء في لسان العرب أن "الزخرف هو الذهب، لكن سمي كل زينة زخرفاً ثم شبه كل مموه مزور به".

 

هكذا إذن هذا المموه الفاسد الباطن، المزين في ظاهره هو الأداة التي يستخدمها الشياطين بكافة أنواعهم، من إنس وجان، من وسائل إعلام أو أبواق توجيه ودعاية، من شخصيات عامة أو غيرها، من وسوسة شياطين، جميعها تعمد إلى التزييف والتجميل، يقول صاحب المنار: "والتغرير بزخرف القول قد ارتقى عند شياطين هذا الزمان ولا سيما شياطين السياسة ارتقاء عجيبا، فإنهم يخدعون الأحزاب منهم والأمم والشعوب من غيرهم فيصورون لها الاستعباد حرية، والشقاوة سعادة، بتغيير الأسماء وتزيين أقبح المنكرات، وإن من الشعوب غرارا كالأفراد، تلدغ من الجحر الواحد مرتين بل عدة مرار، فاعتبروا يا أولي الأبصار"، ولقد تعمد وسائل الإعلام إلى تجميل ما تبثه من مواد لتهييج الغرائز ونشر الشبهات في الدين بجميل القول وزينته، وتزيد بجملة من المؤثرات الشكلية لإخراج منتجها بأبهى صورة تسحر بها العقول، وتستأثر بالقلوب عديمة الإيمان بالآخرة، أو ضعيفته. ففي عقيدة أهل السنة يتفاوت الناس في منازل الإيمان، فحتى بين المسلمين من تخيل عليه تلك الحيل وتأسره تلك الزخارف حين يضعف إيمانه بالآخرة؛ فيناله نصيب من هذه التغرير والخداع.

 

إنه، إن كان ثمة شياطين؛ فإن هناك متلقين لهذا التأثير، وبحسب قوة إيمانهم بالآخرة، وبوعد الله، وبعاقبة الأمور تصبح مناعتهم قوية، ومقاومتهم لهذا الزيف شديدة، وبالعكس؛ فكلما هانت في قلوبهم الآخرة، اجتالتهم الشياطين، واستحوذ عليهم المبطلون. إن التضليل الذي ينال من الناس في شتى أنحاء المعمورة ليس الشياطين وحدهم هم المسؤولون عنه، بل أيضاً أولئك الذين جعلوا من أنفسهم مطية ومادة غضة يمكن تشكيلها بأيدي الشياطين.. ليس ثمة ضحايا للتضليل، بل مشاركون به بنسيان الآخرة واستحباب الحياة الدنيا على الآخرة. بعدوا عن الإيمان بالآخرة فغرر بهم فمالوا ثم رضوا ثم اقترفوا جرائمهم وغرقوا في أوحال الشبهات والشهوات والاستعباد. 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"فإنهم لا يكذبونك"

"قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" (33)

و"قد" هنا للتوكيد، كمثل قوله تعالى: "لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم"، هذا ما اختاره محمد بن يوسف الأندلسي في تفسيره، مفنداً قول الزمخشري والتبريزي أنها للزيادة والتكثير. وقال صاحب الدر المكنون إنها "للتحقيق"، فهي إذن للتحقيق والتوكيد لعلم الله سبحانه وتعالى على صحيح الأقوال.

 

ولقد جاءت "نعلم" في الزمن المضارع لتبيان استمرار العلم، ومن نافلة القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن ربه يعلم بحزنه، لكن هذا الإخبار إنما جاء لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيته عما يحزنه؛ فالعلم علم إحاطة، والله يدبر الأمر، وهو الحكيم العليم، فكان الإخبار بأن ما قالوه ليس خافياً على جبار السماوات والأرض، ولهذا يقول بعض المفسرين: إن ذلك إنما كان تعزية للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسببنا ولأجلنا. ولقد كنت عظيم الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الأمر وكانوا يسمونك محمدا الأمين، فإن أصابك ما يصيبك فلأجل حديثنا، وغير ضائع لك هذا عندنا.

 

وكان الحزن من النبي صلى الله عليه وسلم لقولهم وما يترتب عليه من كفر وجحود، في أقوال عدة لمعناه (الحزن) ذكرها الرازي في التفسير الكبير: "واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ فقيل: كانوا يقولون إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن، وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته، وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال". وإنما كان الحزن لأن النبي صلى الله عليه وسلم مهتم بإيمان قومه وصلاحهم، كما قال الله عز وجل: "لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة: 128]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"، كما قال تعالى في الآية الأخرى: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا".

 

والتكذيب إنما كان تكذيباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم ادعوا أنه ناقل للكذب، بحسب قولي العلماء، ولعل ما ذهب إليه الشيخ رشيد رضا في هذا يكشف جانباً مهماً في قضية التكذيب تلك، حيث قال: "إن نفي التكذيب إنما يصدق على بعضهم كالجاحدين المعاندين دون جمهور الضالين الجاهلين، وإنما كان الجحود من الرؤساء المستكبرين ظلما وعنادا على علم ومن المقلدين جهلا واحتقارا منهم لأنفسهم بترك النظر وغلوا في ثقتهم بكبرائهم وآبائهم (...) فبعض المشركين كان يكذب النبي صلى الله عليه وسلم  تكذيب الافتراء عن اعتقاد أو غير اعتقاد (...) ولم تكن كل العرب تعرف من سيرته وصدقه ما كان يعرفه معاشروه من قريش".

 

وأما الجحود؛ فإنكار الشيء، قال ابن عطية: "الجحود إنكار الشيء بعد معرفته ، وهو ضد الإقرار. فإن كانت نزلت في الكافرين مطلقا، فيكون في الجحود تجوز، إذ كلهم ليس كفره بعد معرفة، ولكنهم لما أنكروا نبوته، وراموا تكذيبه بالدعوى الباطلة، عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار، وهو الجحد تغليظا عليهم وتقبيحا لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة، يلزم كل مفطور أن يقر بها ويعلمها. وإن كانت نزلت في المعاندين، ترتب الجحود حقيقة."

 

وعند التأمل، يلحظ أن هذا المعنى تركز عليه سورة الأنعام، معنى الجحود ونكران ما في القلب؛ فالجحود كما يقول أهل اللغة هو نفي ما في القلب، ففي السورة ذاتها: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، وفي قوله تعالى: "بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه.."، فالجحود والإعراض والتكذيب هي ديدن كثيرين ممن يدركون حقيقة صدق هذه النبوة، وكمال هذه الرسالة، ثم تحول نفوسهم الخبيثة دون إيمانهم بها والخضوع لله سبحانه وتعالى. هذا المعنى ومثله الذي أرشد إليه الله عز وجل في سورة تجادل في كثير من آياتها شبهات الكفار بتنوعاتهم، تخط للمؤمنين طريقاً بيناً لا اعوجاج فيه: "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين".

 

هذه المعركة التي يظنها بعض الصالحين مع الباطل محصورة في عالم الأفكار وحدها، هي في حقيقتها ليست كذلك.. يبين الله في غير آية هذه المعنى، وتؤكده آيات تلو آيات: إن الجحود والإعراض والاستنكاف ليس وليد القناعات الفكرية وحدها، إن النفس ما لم تكن راغبة في الحق، يقودها قلب تواق للحق لا ينسكب الإيمان فيها وفيه. إن كثيراً من الصالحين والمصلحين يتعجبون من نكران بعض المثقفين للحق رغم وضوحه، ذاهلين عن حقيقة هذه المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، مثلما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم؛ فما بقيت هذه المضغة فاسدة فلا جدوى من كثير من النقاشات والجدل في تفاصيل لم تنشرح لقبول أصولها تلك القلوب الفاسدة. إن اشتباكات كثيرة في عالم الفكر تحصل بين أهل الخير والشر، ولا يدرك معها الأولون أن الآخرين لا يكذبونهم، لكن شواغلهم الدنيوية وحرصهم عليها وعلى حطامها يحول دون إظهار استسلامهم للحق ومعانيه والمضي في طريقه؛ فلا يفرغون من شبهة إلا استولدوا غيرها وطرحوها على أهل الحق لاستهلاك جهودهم، وحرفهم عن طريق دعوتهم وإصلاحهم.

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"أربعين سنة يتيهون في الأرض"

"قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"

الآية جزء من قصة ذكرها القرآن في قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين".

 

وقد عاقب الله قوم موسى بالتيه لمدة أربعين سنة ضلوا فيه طريقهم مثلما ضلوه في طريق الطاعة لنبيهم، فجزاهم الله عن تيهم بتيه يتخبطون فيه في ست فراسخ – كما قال بعض المفسرين – يسيرون جادين ثم يجدون أنفسهم في نفس الموضع الذي انطلقوا منه؛ فسئموا، وأقاموا حيث هم كل هذه المدة حتى زال جيل الفاسقين الرافضين لامتثال أمر ربهم، وحل آخر يخضع لأمر الله ويمتثل لأمر نبيه. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة؛ وقلة اجتماع الرأي؛ وأن الله تعالى رماهم بالاختلاف؛ وعلموا أنها قد حرمت عليهم أربعين سنة؛ فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص؛ وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع؛ على غير نظام واجتماع؛ حتى كملت هذه المدة؛ وأذن الله بخروجهم؛ وهذا تيه ممكن؛ محتمل؛ على عرف البشر؛ والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة؛ وعجب من قدرة الله تعالى. وأصل التيه الحيرة، كما يقول القرطبي رحمه الله.

 

وفي هذا التيه، لم يتركهم الله يهلكون بل ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فتكفل برزقهم، لكن كان هذا الفراغ ابتلاءً آخر لإشعارهم بطول مدة التيه مثلما ذكر بعض أهل العلم، كالشيخ الشعراوي رحمه الله.

 

وسواء أكان التحريم مؤبداً لكل هؤلاء الذين عصوا، أو كان محكوماً بالسنوات الأربعين؛ فإن الحاصل قريب، من أن هذا الجيل الذي فسق لم يعد يصلح للمهمة، وأنه غير جدير بحمل هذه الأمانة. وسواء أكان موسى قد مات في التيه أم لا؛ فإن جوهر القصة ومغزاها، كان في هذا التمحيص والاستبدال الذي فرضه الله على قوم موسى؛ فأزاح من طريق الاستخلاف من كانوا يمثلون عبئاً عليه، واستبدل بهم قوماً فاتحين صالحين. العبرة هي كما قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: "إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد، وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة، وتألف الخضوع، وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة حتى تكون كالغرائز الفطرية، والطبائع الخلقية. إذا أخرجت صاحبها من بيئتها ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع بطبعه إليها، ويتفلت منك ليتقحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه، ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر" (تفسير المنار).

 

لقد قالوا "إنا هاهنا قاعدون" فأقعدهم الله، يقول محمد بن يوسف الأندلسي رحمه الله: "صاروا في صورة القاعدين وهم سائرون"، ولقد صار قوم موسى بحاجة لإعداد جديد يزيل عنهم عبادة العجل أربعين يوماً بأربعين سنة كاملة، يعانون فيها مشقة الصحراء ولأواءها.. فلم تكن المسألة تتعلق بأربعين يوماً فقط، إنها كانت ركام عبودية قرون، ثقافة استمرؤوها فعظم عليهم التخلص منها، ولو مع نبي يحمل إليهم الكثير من المعجزات والآيات. يقول صاحب المنار: " أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر، وطبع عليها طابع المهانة والذل، وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى عليه السلام، وبين لهم أنه أخرجهم من مصر لينقذهم من الذل والعبودية والعذاب إلى الحرية والاستقلال والعز والنعيم، وكانوا على هذا كله إذا أصابهم نصب أو جوع أو كلفوا أمرا يشق عليهم يتطيرون بموسى ويتململون منه، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها، ولما غاب عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا لهم عجلا من حليهم الذي هو أحب شيء إليهم وعبدوه، لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل (أبيس) وكان الله تعالى يعلم أنهم لا تطيعهم نفوسهم المهينة على دخول أرض الجبارين (...) فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي بينها الله تعالى لنا، ونعلم أن إصلاح الأمم بعد فسادها بالظلم والاستبداد، إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل بها".

 

وإذ ندم موسى عليه السلام أن دعا عليهم، جاءته السلوى والتوجيه من رب العالمين: "فلا تأس على القوم الفاسقين"، وامتد التوجيه – بحسب صاحب التفسير المحيط – للنبي صلى الله عليه وسلم، اعتباراً من هذه القصة ألا يأسى على القوم الفاسقين من قومه. وهي توجيه لكل داعية ومصلح ألا يأسى على قوم فاسقين بعد دعوتهم وبذل جهوده، تلك الجهود التي لا تضيع عند رب العالمين. يقول د.ناصر العمر حفظه الله: "هي برهان على الثبات على المنهج من قبل الرواد والأئمة، مهما كان التجاوب الظاهر سلبياً".. "فلا تأس على القوم الفاسقين".

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"يريد الله أن يخفف عنكم"

"يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا"
 

آية عظيمة، توضح حكمة الشرائع ومراد الله سبحانه وتعالى منها، وهو التخفيف عن عباده المؤمنين، تيسير الطريق لهم، معانقة الفطرة والسير معها في طريق واحد لا يعتلجان فيه أو يتعاكسان.. جاء الإسلام بالحنيفية السمحة فنظم الدين والدنيا معاً في مسار معبد رفيق، يتسق مع الفطرة فلا نكد ولا شقاق وانفصام. يُلتزم هذا الطريق فلا غبن ولا ظلم ولا هضم. ما جعل الله فيه من حرج، إنما الحرج على من يتنفس من غير هوائه ويستنشق ما سواه؛ فيضيق صدره كأنما يصعد في السماء.

 

يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما - بسند فيه انقطاع – "ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت هذه الثلاث " يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ .... وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا "، وإن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، وإن الله لا يظلم مثقال ذرة ومن يعمل سوءا يجز به، وما يفعل الله بعذابكم".

 

وإذ انصرف بعض المفسرين إلى أنها في شأن زواج الإماء، وفي الضعف تجاه النساء عموماً، فإن هذا لا يمنع أن يقال كما يقول القرطبي أن "الصحيح أن هذا في جميع أحكام الشرع"، أو كما يجمع ابن عطية بقوله: "ثم بعد هذا المقصد (نكاح الإماء) تخرج الآية في مخرج التفضل، لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسرا، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاما حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب".. فالتخفيف هنا يشمل معاني عديدة، منها أنه "يخفف في التكليف على العموم، فإنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية، وقيل: يخفف بقبول التوبة والتوفيق لها" كما ذكر الألوسي، أو كما يقول أهل الأصول كابن عاشور: "أن الله لا يزال مراعيا رفقه بهذه الأمة وإرادته بها اليسر دون العسر، إشارة إلى أن هذا الدين بين حفظ المصالح ودرء المفاسد، في أيسر كيفية وأرفقها، فربما ألغت الشريعة بعض المفاسد إذا كان في الحمل على تركها مشقة أو تعطيل مصلحة".

 

جاءت الشريعة برفع الحرج والتخفيف والتيسير، وما أدركت البشرية ذلك، إذ رأتها تكبيلاً، وانفلتت من عقالها؛ فلم تحصد إلا مزيداً من الشقاء والعسر والنكد؛ فلم تفلح منظومات الرأسمالية الطاغية وتفشي الربا والغش والتدليس كرافعة للاقتصادات بل زادت العالم شقاء، مزيداً من الإفقار والاستغلال للفقراء، وشقاء للأغنياء، ولم يمنح الانفلات الأخلاقي السعادة للبشرية بل زادت به قلقاً واضطراباً وانهارت به مؤسسة الأسرة، وتفككت المجتمعات، "وذلك منتهى ما تطيقه الرذيلة من الجهد في إفساد البيوت بتنكيث قوى الرابطة الزوجية، وجعلها وسيلة لما هي في الفطرة والشريعة أشد الموانع دونه؛ لأنها هي الحصن للمرتبطين بها من فوضى الأبضاع، والحفاظ لما فيه هناء المعيشة من الاختصاص" (تفسير المنار).. وهكذا في كل منحى من مناحي الحياة.

 

لقد ارتضى الله للناس هذا الدين، يسوسون به دنياهم، يتسقون به مع فطرتهم، في صفاء شامل، صفاء في علاقتهم بربهم، وبالكون حولهم، وبسائر المخلوقات، ففي اتباع أوامره واجتناب نواهيه مفتاح السعادة، وبلوغ الأماني، وتحقيق المرتجى، وفي الطريق يتجلى تخفيف من نوع آخر، هو تخفيف الرخص وأحكام الحاجات والضرورات.. ثم مع بعد هناك تخفيف من نوع جديد يدركه العارفون الصالحون، الذين يقول بعضهم: "يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات".

 

والله الحكيم الخبير يعلم من شأن عباده ضعفاً، أراد لهم معه تيسيراً وتسهيلاً، كما يقول السعدي: "لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، ناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته".

 

بالإنسان ضعف حقيقي، لا يدرك كنهه أصحاب النظريات الاجتماعية الوضعية، فيصوغون له "تخفيفاً" يثقله، ومفاهيم ترديه، و"مدنية" تشقيه، وأفكاراً تضله، وعقائد تجعل صدره حرجاً كأنما يصعد في السماء!

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"إياك نعبد وإياك نستعين"

في كل مسار ومشروع كبير، هكذا يرسم الطريق. يضع السائر هدفه ثم يتخذ إليه الوسيلة. وفي أعظم مشروع وأجل طريق، طريق السير إلى الله عز وجل، يضع المسلم هدفه، ثم يتخذ إليه الوسيلة.

وفي سورة الفاتحة، السورة الأعظم في القرآن الكريم، يجد المسلم الطريق واضحاً، وضعت فيه منائره، وبرز فيه منتهاه وهدفه الأسمى، واتضحت الوسيلة ناصعة، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه البديع مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: "وتقديم " العبادة " على " الاستعانة " في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل ، إذ " العبادة " غاية العباد التي خلقوا لها ، و " الاستعانة " وسيلة إليها ، ولأن " إياك نعبد " متعلق بألوهيته واسمه " الله " " وإياك نستعين " متعلق بربوبيته واسمه " الرب " فقدم " إياك نعبد " على " إياك نستعين " كما قدم اسم " الله " على " الرب " في أول السورة".

والعبادة لله، تجمع كمال الحب مع كمال الذل والخضوع له سبحانه. والاستعانة بالله تجمع الثقة بالله والاعتماد عليه. وهما بهذا القصر وبصيغته اللغوية الجلية التي قدم فيها المفعول على الفاعل "اهتماما" مثلما ينص القرطبي رحمه الله، تعني كذلك أنه لا عبادة إلا لله ولا استعانة إلا به سبحانه وتعالى، هي عبادة التحرر إذن من كل عبودية أخرى، وهي تمام التوكل على الله المتضمن للثقة والاعتماد معاً في هذا الطريق الطويل. لقد تحدد الطريق، وأقر العبد بتوجهه لله دون سواه بالعبادة، بالطاعة، واقتصر في طلب العون والتأييد والتوفيق من رب العالمين. هو تعبير قرآني يقر فيه العبد بخلوص عبوديته لله، ويوجه إرادته حيث يريد الله سبحانه، مختاراً، ولهذا يقول أبو حفص الفرغاني: "من أقر بـ إياك نعبد وإياك نستعين فقد برئ من الجبر والقدر". (الجبرية والقدرية فرقتان ضالتان، اولاهما تزعم أن الناس مجبرون على أعمالهم والثانية تنفي القدر بالكلية!).

في الآية القصيرة البليغة تبيان لطريق انسلاخ العبد التام وتبرؤه الكامل من تصريف العبادة لغير الله، وانخلاعه من التوكل عما سواه في هذا الطريق، ولهذا قال ابن القيم أن "سر الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب (قد) انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين."

بهذا التركيز المعجز، وبتلك الأهمية البالغة، يتعين تدبر ذلك في كل تلاوة وفي كل صلاة، جعل الله قراءة الفاتحة فيها ركنا تبطل الصلاة بدونه حتى سُميت في الحديث هي ذاتها "صلاة" (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.. الحديث)؛ فما فُرض على هذا النحو إلا لأنها كافية وافية تُبقي الاعتقاد هذا متقداً دائماً في قلب كل مؤمن يتدبر آيات القرآن، معترفاً دوماً بذله وخضوعه لله، محباً له، متوكلاً مستعيناً به سبحانه وتعالى في طريقه إلى جنات العلا.

 
 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"فما لكم في المنافقين فئتين"

وفق ميزان الإسلام الدقيق يتم تقدير الإسلام للرجال وتقويم مواقفهم، وحيث يضع قاعدة عامة لحسن الظن للمؤمنين؛ فإنه لا يمنح هذه المزية وهذا التكريم للمنافقين ولا يتساهل مع ذوي الوجهين.

لا بساطة في التعامل مع هؤلاء، ولا تقديم لحسن الظن والنوايا مع أرباب النفوس المريضة والمواقف المتلونة. وإذ يقول الله عز وجل في شأن المؤمنين " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" [الحجرات: 12]، ويقول: " لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا" [النور: 12]؛ فإنه يقول في شأن التعامل مع المنافقين وأصحاب القلوب الخبيثة: " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا" [النساء: 88].

يعتب على المؤمنين حين انقسموا إلى فئتين في تقويمهم لأحوال قوم بان نفاقهم وظهر، متخفين حول إعلان هش لإسلامهم فيما قلوبهم وعقولهم للكفار وانحيازهم إلى صفهم بوضوح!

يصطفون مع المشركين، يتكلمون بلسانهم، يحالفونهم، ينخرطون معهم في نواديهم وقوافلهم، يشاطرونهم أفكارهم ويطابقونهم في مواقفهم، ثم تتحفظ فئة من المسلمين عن معاداتهم وتحديد معسكرهم الذي اختاروه؛ فتنزل الآية واضحة: كيف للمؤمنين أن يخدعهم هؤلاء أو أن يتخذوا حيالهم موقفاً واضحاً صارماً؟!

تتعدد الروايات في شأن نزول هذه الآية، لكن مرماها واحد، وهو وضوح الصورة التي ينبغي أن يراها المؤمنون لمن يتلاعب بدينهم، يعلنه ويعاديه في آن معاً!

تقول إحداها: إنها نزلت في رأس المنافقين وأتباعه لما تراجعوا عن القتال في غزوة أحد، فعن زيد بن ثابت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول: لا فأنزل الله: ( فما لكم في المنافقين فئتين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة ". يقول ابن كثير: أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة.

وتقول ثانيها: إنها نزلت في قوم من مكة تكلموا بأنهم قد أسلموا، لكنهم ما زالوا في صف المشركين بها، قال العوفي ، عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، كانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم. فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فأنزل الله: ( فما لكم في المنافقين فئتين ). وعن الضحاك: نزلت في قوم أظهروا الإسلام بمكة ولم يهاجروا، وكانوا يظاهرون المشركين على المسلمين ، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم" الآية.

وقريب من ذلك، ما جاءت به الروايات عن أن هؤلاء قد كانوا بالمدينة فغادروها بحجة أن لهم أموالاً بمكة أو أن المدينة قد أصابتهم أوجاع بالمدينة واتّخموها؛ فغادروها للاستشفاء ثم لم يعودوا ولحقوا بالمشركين.
وتقول روايات أخرى أنهم هم منافقو الإفك الذين تحدثوا به على عائشة رضي الله عنها.

ورجح غير واحد من أهل العلم أنهم من أهل مكة، لا المدينة لقوله تعالى في الآية التي تلتها: "فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فليس على أهل المدينة هجرة، قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نـزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة.

فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا في شأنهم وانقسموا فئتين: فئة تراهم كفاراً ينبغي قتالهم، وفئة تراهم مسلمين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم حتى نزلت الآية؛ فبينت صواب الفريق الأول، وحثت على قتالهم أينما وجدوا؛ فالله تعالى قد أركسهم بما اقترفت أيديهم، يقول ابن كثير: وقوله: (والله أركسهم بما كسبوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ. قال ابن عباس: (أركسهم) أي: أوقعهم. وقال قتادة: أهلكهم. وقال السدي: أضلهم. وقوله: (بما كسبوا) أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل.

ومَرَدُّ انقسام بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قسماً منهم قد خشوا من الحكم على أناس قد أظهروا الإسلام بالنفاق الأكبر بما يترتب عليه من أحكام أعلاها قتالهم، وهم يدركون في الوقت نفسه أن المؤمن مأمور بحسن الظن بأخيه المسلم، مثلما قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ) - يقول: نهى الله المؤمن أن يظنّ بالمؤمن شرّا. وفي قوله ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) يقول: إن ظنّ المؤمن بالمؤمن الشرّ لا الخير إثم, لأن الله قد نهاه عنه, ففعل ما نهى الله عنه إثم.

ولم يكن ذلك القسم قد علم أن خيار مخالفيه هو الصواب، وأن الظن الحسن لا ينسحب على أصحاب النفوس الخبيثة من المنافقين الموغلين في عداء المسلمين وموالاة أعدائهم؛ فجاءت الآية الكريمة كاشفة وواضعة لواحدة من أبرز القواعد في النظر إلى المتلونين الذين لا يزيدون الصف المسلم إلا خبالاً واضطراباً، فتعدلت نظرتهم إلى ما قادت إليه الآية، وأدركوا أن للإيمان علامات لابد أن تظهر على مدعيه، وأرشدتهم الآية التالية إلى أن هؤلاء الذين لم يهاجروا مع قدرتهم على الهجرة، وذابوا في موالاة أعداء الإسلام لا يمكن أن يكون ادعاؤهم بالإيمان صحيحاً، وأن المؤمن الفطن لا ينبغي أن ينخدع بأمثال هؤلاء، وأن عليه أن يضعهم في المكان اللائق بهم كمنافقين مذبذبين بين فريقي الحق والباطل. والواقع أنه قد خلف من بعد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقتفى أثرهم، خلف زاغت عيونهم عن تلك الرؤية الدقيقة فانحرفت بوصلاتهم عن الجادة فكان الانكسار تلو الانكسار.

ولقد شهد التاريخ الإسلامي كثيراً من تلك الحوادث التي انهزم فيها المسلمون أو انكسروا أو تراجع نفوذهم وتأثيرهم في محيطهم بسبب هذا التغافل عن طوائف المنافقين وإحسان الظن بهم؛ فكم بقي في قلب بلاد الإسلام، حاضرة الخلافة، بغداد، وغيرها من ملاحدة ومبتدعة يبثون سمومهم، والمسلمون عنهم غافلون، فتمددت طوائفهم وانتشرت البدع بسبب ورع كاذب في ملاحقتهم ووأد شرورهم، فقاد هذا الإحسان المذموم بهم إلى ترك الأخذ على أيديهم فانتشرت الفرق الباطنية واشرأب النفاق، وقامت دول كالبويهية والعبيدية والصفوية، ووجد الملاحدة والفلاسفة والمتكلمة والقرامطة والبكتاشية وغيرهم أرضاً خصبة في دول بلاد المسلمين وعرضها لاستنبات سمومهم، وسقطت دول الإسلام بسبب استشراء أمراضهم الخبيثة في جسد الأمة، وتنوعت الخيانات التي قام بها المنافقون فسلموا ثغور الإسلام وحواضره للأعداء، بل إن معظم الخيانات في فترة "الاستعمار" وقبلها مردها إلى إحسان الظن بالمنافقين والخائنين وترك المجال لهم ظناً ممن يدعهم أنهم من صلب جسد هذه الأمة وهم قد فارقوها وحالفوا أعداءها.

إن أفدح الخسائر التي مرت بالمسلمين على مر العصور يستحوذ على النصيب الأوفر فيها: الثقة بمن لا يستحقون الثقة، وحسن الظن بالأعداء ومن هم على شاكلتهم من المنافقين وأصحاب النفوس الخبيثة، ولكم أفضى ذلك إلى مآس وآلام وأتراح. لقد ظل المسلمون في عزة ومنعة حيث ظلت معاييرهم دقيقة في النظر إلى المداهنين للكافرين، وحين توسطوا بين الغلو والتنقيب عن خبايا النفوس، والتفريط في التسامح مع المنافقين حد ضياع الحذر والسذاجة. فكانوا فُطَناً في التعامل مدركين للحدود الفاصلة بين معسكري الإيمان والكفر.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"هو أهل التقوى وأهل المغفرة"

"وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ" (56) المدثر

الآية خاتمة جليلة لسورة المدثر، وهي تختم عدة آيات تتحدث عن موضوع واحد، هي قوله تعالى:

"فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفًا مُّنَشَّرَةً (52) كَلَّا ۖ بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)"

الآية الكريمة تتحدث مذكرة المعرضين عن سبيل الله وذكره سبحانه والمقبلين أيضاً بأنهم واقعون جميعهم تحت مشيئته، فلا يكون في ملكه عز وجل إلا ما يشاء، وهو جدير بأن يتقى، جدير بأن يغفر تبارك وتعالى.

وبعد أن تحدثت الآيات عن القرآن بأنه "تذكرة"، وعن أن للعبد مشيئة في أن يذكر أو لا يذكر، حاثةً على ذكره سبحانه وتعالى، أو ذكر كتابه، عقب سبحانه بقوله: "وما يذكرون إلا أن يشاء الله"، قال الطاهر بن عاشور: "والمعنى: أن تذكر من شاءوا أن يتذكروا لا يقع إلا مشروطا بمشيئة الله أن يتذكروا. وقد تكرر هذا في القرآن تكررا ينبه على أنه حقيقة واقعة كقوله "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" وقال هنا "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" فعلمنا أن للناس مشيئة هي مناط التكاليف الشرعية والجزاء في الدنيا والآخرة (...) وأن لله تعالى المشيئة العظمى التي لا يمانعها مانع ولا يقسرها قاسر".

"هو أهل التقوى وأهل المغفرة":
 

التقوى من الوقاية، وهي فرط الصيانة، وقيل: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، كقوله تعالى: "فوقاهم الله شر ذلك اليوم"، ويسمى الخوف تارة بالتقوى، و"لعلكم تتقون" أي لعلكم أن تجعلوا ما أمركم الله به وقايةً بينكم وبين النار. هكذا مختصراً عن السمين الحلبي في عمدة الحفاظ.
 

وأما المغفرة، فالمقصود ستار للذنوب، قال ابن منظور في لسان العرب: "أصل الغفر التغطية والستر: غفر الله ذنوبه، أي: سترها".

فالله سبحانه وتعالى أهل لأن يتقى بحفظ النفس مما يؤثم، وترك المحرم، وبالاستبراء للدين والعرض بترك المشتبهات. وأهل لأن يستر عيوب وذنوب التائبين متى شاء سبحانه وتعالى. قال الزجاج في معاني القرآن: "هو أهل أن يُتقَى عقابه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته".

وقد أورد الماوردي في النكت والعيون ثلاثة أوجه ذكرها الفراء في تفسير الآية:
"أحدها: هو أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب، قاله قتادة.
الثاني: هو أهل أن يتقى أن يجعل معه إله غيره، وأهل لمن اتقاه أن يغفر له، وهذا معنى قول رواه أنس مرفوعاً.
الثالث: هو أهل أن يتقى عذابه، وأهل أن يعمل بما يؤدي إلى مغفرته.

وزاد الماوردي: ويحتمل رابعاً: أهل الانتقام والإنعام".
وربط الثعالبي في الجواهر الحسان بين التقوى والمغفرة بقوله: "أنه بفضله وكرمه أهل أن يَغفر لعباده إذا اتقوه".

قال صاحب التفسير الواضح: "وقيل المعنى: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا حال أن شاء الله لهم ذلك إذ الأمر كله له، هو الله أهل لأن يتقى ويحذر عقابه فلماذا لا تتقون؟ وهو أهل للمغفرة فلماذا لا تصلحون أعمالكم. وتتوبون لربكم وتثوبون لرشدكم؟".

بالجملة، هذا من الخطاب الذي يوضح مزية الاختيار التي يمنحها العبد، والواقعة تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، ويحبب المتلقي في الإيمان والتذكرة والارتباط بالقرآن وذكره وتذكره والتزام أوامره ونواهيه، تنويهاً إلى عظمة الخالق عز وجل، الجدير بأن يسير إليه المؤمنون على خلال الصورة البغيضة التي صور عليها القرآن المعرضين عن الذكر، الفارين كما تفر الحمر من الأسد أو من القناصين، فيما الذكر الذي يفرون منه هو النافع لهم في الدارين؛ فما كان لهم أن يفروا، وفرارهم مفض إلى هلاكهم؛ فاتقاء العذاب هو بالأوبة لله سبحانه وتعالى والالتفات إلى مصدر ما يفرون منه عن جهل وجهالة، فهو عز وجل يغفر للأوابين إليه لا الفارين من قرآنه كالحمر والبهائم التي تركض لا تألو على شيء!

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ولله خزائن السماوات والأرض"

"هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ" (7) المنافقون

 

إنها علاقة المال بالإيمان، والصورة التي ترتسم في مخيلة المنافقين عن نفعية أهل الخير من إيمانهم، وعلى الرغم من نفي الأنبياء عليهم السلام المتكرر بأنه "وما أسألكم عليه من أجر" إلا أن المنافقين يطمعون كثيراً في الأتباع.

 

القصة كانت في غزوة بني المصطلق، حينها قيلت هذه المقولة الآثمة من رأس المنافقين، أخرج الترمذي وصححه وجماعة عن زيد بن أرقم قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا ناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه؛ فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض ويجعل حوضه حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجرا، ففاض فرفع الأعرابي خشبة؛ فضرب رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين، فأخبره وكان من أصحابه فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل".

"هم الذين يقولون": أي المنافقين. قال الألوسي: "والقائل رأس المنافقين ابن أبي وسائرهم راضون بذلك"، وعزا ابن عاشور إسناد هذا القول إلى ضمير المنافقين "لأنهم تقبلوه منه إذ هو رأس المنافقين أو (لأنه) فشا هذا القول بين المنافقين فأخذوا يبثونه في المسلمين".

"لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا": يقول الطاهر بن عاشور: "ومن عند رسول الله من كانوا في رعايته مثل أهل الصفة ومن كانوا يلحقون بالمدينة من الأعراب كان يمونهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق (...) حتى ينفضوا من حوله وهذا كلام مكر لأن ظاهره قصد الرفق برسول الله صلى الله عليه وسلم من كلفة إنفاق الأعراب الذين ألموا به في غزوة بني المصطلق، وباطنه إرادة إبعاد الأعراب عن تلقي الهدي النبوي وعن أن يتقوى بهم المسلمون أو تفرق فقراء المهاجرين لتضعف بتفرقهم بعض قوة المسلمين". وينفضوا أي يتفرقوا ويبتعدوا. من نفض إناءهم قاله الزمخشري.

"ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون"، يقول ابن الجوزي: "المعنى: أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين، لا أولئك، ولكن المنافقين لا يفقهون أي: لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم". وقال القرطبي: "أعلمهم الله سبحانه أن خزائن السماوات والأرض له، ينفق كيف يشاء".

 

وفي الآية إشارات عظيمة:

-    فالمنافقون ظنوا أنه لولا أموالهم لما بقيت للدعوة قائمة، وهذا وهم بل "من أعجب العجب، أن يدعي هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية المسلمين، مثل هذه الدعوى"، كما يقول السعدي. فهؤلاء أداة هدم لا يمكن أبداً أن يكونوا رافعة بناء.

-    يحاول المنافقون أثناء تضييقهم المتكرر على دعوة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال إضعاف قوة دعوته الاقتصادية تزيين ذلك بعنوان آخر، كان هنا بحسب بعض المفسرين من خلال الزعم بأنهم يهدفون إلى عدم إرهاق النبي صلى الله عليه وسلم بتهافت الفقراء عليه وطلبهم النفقة منه! هكذا دوماً تحمل محاولاتهم لافتة زائفة تبدو بظاهرها حسنة.

-    اللئيم يرى الناس بعين طبعه، كذا المنافق، يرى أن جميع المندفعين نصرة لدين الله هم من المرتزقة أو الزائفين مثله. لكن الواقع أن صدق الدعوة يجذب إليها المخلصون، وهؤلاء لا ينفضون بتقتير المال عنهم وعن مساعدتهم.

-    غياب إنفاق النفاق – إن حصل - لا يضعف دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فالمال الزائف يستقطب أشباهه من الزائفين والمنافقين، وحين يشح المال ينفض المنافقون ويتطهر صف المؤمنين، ويذهب عنهم خبال النفاق.

-    فقه الابتلاء والاختبار لا يؤتاه المنافقون الماديون، الذين يزنون الأمور بموازينهم الخربة، "ولهذا قال الله ردا لقولهم: ولله خزائن السماوات والأرض فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن يشاء، ويعسرها على من يشاء، ولكن المنافقين لا يفقهون فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في أيديهم، وتحت مشيئتهم".، كما قال السعدي.

-    حينما يكون الأصل هو الإيمان، والطارئ هو النفاق؛ فإن حال السائرين لا يتأثر بكيد المنافقين، حين يوجد المخلصون لا يضرهم كيد المخذلين، وتنفتح الخزائن لهم والسبل أمامهم، لكن حين يشرئب النفاق؛ فإن الانفضاض والخذلان والانكسار والهزائم تكون رفيقة المذبذبين.

-    خزائن الله يرزق منها البر والفاجر، حتى أولئك المستكثرين على المؤمنين وحدتهم، الظانين أنهم مصادر الأرزاق والأموال، ممن لا يفقهون ولا يعقلون. هذا المعنى الذي لا يفقهه المنافقون، تندب الآية من تخاطبهم من المؤمنين على فقهه والتعاطي معه بوعي وإدراك عميقين، حتى من أولئك الفقراء المعدمين، عليهم إدراك أن ما هم فيه ليس لفراغ خزائن الرزاق الوهاب، سبحانه وتعالى، وحاشاه، بل لأنهم قد وضعوا في حيز الاختبار والامتحان، حتى لو حاربهم المنافقون في أقواتهم.

إن الآية الكريمة تضع فرقاناً بين رؤية وأخرى، بين ما تراه قلوب المؤمنين، وبين ترهات ودعاوى المنافقين الزائفين. وترشد المؤمن إلى أي فريق ينحاز، إذ ذاك هو الذي يطلب رزقه وعنايته ممن بيده خزائن السماوات والأرض.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

"ليقوم الناس بالقسط"

"لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (25) الحديد

صورة بالغة الوضوح لمنهاج رباني متكامل تقرره الآية العظيمة، التي حوت تبياناً يحدد الغاية، ومقومات الفلاح، ومنائر السبيل.

بهذا الجناس تبدأ الآية بعد التوكيد "أرسلنا رسلنا"، والمقصود الرسل من بني آدم عليهم السلام، قال أبو حيان الأندلسي: "الظاهر أن الرسل هنا هم من بني آدم"، ولقد استشكل على الزمخشري قوله تعالى: "وأنزلنا معهم الكتاب" فقال هم الملائكة"، لكن القول الأول هو المشهور، وقد أوضح أبو حيان أن "معهم": "حال مقدرة، أي وأنزلنا الكتاب صائرا معهم، أي مقدرا صحبته لهم".

"بالبينات": أي بالمعجزات الواضحة، وقال الشوكاني في فتح القدير: "أي بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة"، وقال ابن عاشور: "الحجج الدالة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله، والمعجزات داخلة في البينات". وزاد القرطبي أنه "قيل: الإخلاص لله تعالى في العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بذلك دعت الرسل: نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم".

"وأنزلنا معهم الكتاب"، قال صاحب أضواء البيان: "الكتاب اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية". وعليه أكثر المفسرين.

"الميزان": قال الطبري: "قال قتادة: العدل، وقال ابن زيد: الميزان: ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان. يعرف ما يأخذ وما يعطي. قال: والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا"، وقال القشيري في "لطائف الإشارات": "أي الحكم بالقرآن، واعتبار العدل والتسوية بين الناس".   
"ليقوم الناس بالقسط": أي : أمرناهم بالعدل بينهم، وعليه جمهور المفسرين.

"وأنزلنا الحديد"، قال الشوكاني: "أي خلقناه كما في قوله: وأنزل لكم من الأنعام"، وقد اختلف المفسرون، فجمهورهم على أنه بهذا المعنى المتقدم، وقد استفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في تأكيد هذا المعنى في غير موضع من كتبه؛ فقال في كتابه "القرآن كلام الله حقيقة": "النزول في كتاب الله عز وجل ثلاثة أنواع‏:‏ نزول مقيد بأنه منه، ونزول مقيد بأنه من السماء، ونزول غير مقيد لا بهذا ولا بهذا‏‏‏."، ثم أوضح أن نزول الحديد من النوع الثالث (كإنزال الأنعام والنعاس والسكينة.. الخ). وأن الله سبحانه وتعالى "أخبر أنه أنزل الحديد، فكان المقصود الأكبر بذكر الحديد هو اتخاذ آلات الجهاد منه، كالسيف والسنان والنصل وما أشبه ذلك، الذي به ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.." وزاد في مجموع الفتاوى (كتاب الآداب والتصوف) "والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر . حيث نزل الكتاب من الله (....)  والحديد أنزل من الجبال التي خلق فيها ".  

وقد ذكر ابن تيمية (في المصدر الأول) أن الأحاديث التي وردت في نزول الحديد مع آدم عليه السلام مكذوبة. على أن موضوع نزول الحديد قد أثير مجدداً في العصر الحديث بعد معطيات علمية ساقها د.زغلول النجار، ووكالة ناسا، وغيرها تشير إلى أن عنصر الحديد ليس من معادن الأرض. إلا أن هذه المسألة محلها بحوث الإعجاز العلمي ونحوها، والمراد هنا تبيان المنهاج الذي جاءت به الآية الكريمة.

"فيه بأس شديد ومنافع للناس": قال الشوكاني في فتح القدير: "قال الزجاج: يمتنع به ويحارب، والمعنى: أنه تتخذ منه آلة للدفع وآلة للضرب، قال مجاهد: فيه جنة وسلاح، ومعنى ومنافع للناس أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة والنجارة والعمارة".

"وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز"، قال القرطبي: "أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: ليقوم الناس بالقسط أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليعلم الله من ينصره وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب. قال ابن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم "بالغيب

أي: وهم لا يرونهم. "إن الله قوي عزيز" قوي في أخذه عزيز أي: منيع غالب".

ولقد خلص الرازي إلى فائدة عظيمة في الآية، حيث قال: "الحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع ما لا ينبغي، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي روعي هذا الترتيب في هذه الآية". ثم قال: "المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب، أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد".

وعلى ذات المنوال نسج الزحيلي في المنير: "وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد في الآية، فإن العلماء ذكروا وجوها سبعة أظهرها: أن الدين إما اعتقادات أو معاملات أو أصول وفروع، والاعتقادات أو الأصول لا تتم إلا بالكتاب السماوي، لا سيما إذا كان معجزا، والمعاملات أو الفروع لا تصلح ولا تنتظم إلا بالميزان وهو العدل، ولا بد من مؤيد يحمي نظم الشرائع، وذلك المؤيد هو الحديد لتأديب من ترك الأصلين أو الطريقين، وهما الاعتقاد ونظام التعامل. وهذا إشارة إلى أن الكتاب يمثل سلطة التشريع، والعدل يمثل سلطة القضاء، وإنزال الحديد يمثل السلطة التنفيذية".

 

من هذا، يتضح هذا الشمول الذي اتسمت به الآية الكريمة، والاتساع الضارب في أكثر من مسار والممتد إلى غير أفق، لهذا المنهاج الإسلامي الفريد الذي لا يحوي نظاماً للحياة لا يتسلل إليه نقص، ولا يشوبه عوار لا يستثني نظرية يأتي بها كتاب، أو نموذج يأتي به رسول، وأمة تحمل رسالته من بعده تقوم على دربه بالقسط، أو ميزان واضح للعدالة لا يحيد ولا يحيف، أو قوة قاهرة تحمي هذا النظام الباهر، وتحوطه حماية وتبشيراً ونشراً، وعمارة للأرض تستعمل ما أفاء الله عليها من نعم في خلافة الأرض وعمارتها ومنفعتها السلمية.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×