اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

الإيمان بالأقدار يُنافي التَّخاذُل والإجبار

المشاركات التي تم ترشيحها

منتديات سبيستون


هذه وقفةٌ مع الإيمان بالقدَر.

 
1- الكتابة الأزليَّة

 

زعم ناسٌ في البصرة أنّه لا قدر، فانطلق التابعيّ يحيى بن يعمر رضي الله عنه إلى الصّحابيّ الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه في مكّة وسأله عن ذلك فقال: "فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي ‌عَنِ ‌الْإِيمَانِ، قَالَ: (‌أَنْ ‌تُؤْمِنَ ‌بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، قَالَ: صَدَقْتَ، إلى أن قال: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ). [ 1 ]
وفي الإيمان بالقدر حديثٌ ثابتٌ عظيمٌ عن ‌عَبْد اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ ‌الصَّادِقُ ‌الْمَصْدُوقُ: (أَنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا). [ 2 ]
وقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا ‌خَلَقَ ‌اللَّهُ ‌الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي). [ 3 ]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: (كَتَبَ اللهُ ‌مَقَادِيرَ ‌الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ). [ 4 ]
2- الأقدار والاختيار
في النّاس مَن يفهم الإيمان بالقدر على أنّه تواكلٌ وتركٌ للعمل، إذ المقادير قُدّرت، وانتهى الأمر، ناسٌ في الجنة وناسٌ في النّار؛ فعلامَ العمل؟ وهذا ليس بالفهم الصّحيح، فعَنْ ‌عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ ‌مُيَسَّرٌ ‌لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * ‌وَصَدَّقَ ‌بِالْحُسْنَى}). [ 5 ]
فهذا الحديث يأمر بالعمل بشكلٍ صريحٍ، ويبيّن أن الله سبحانه يُيسّر أهل الشّقاوة للشّقاء وأهل السّعادة للسّعادة وفق قانونٍ دقيقٍ، ليس الأمر خبط عشواء، بل هو قدرٌ حكيمٌ، فمن قام بثلاثة أمورٍ يتمّ تيسيره لليسرى، والثّلاثة أن يعطي ويتّقي ويصدق بالحسنى، وفي المقابل ثلاثةٌ تجعل المرء يُيسَّر للعسرى وهي أن يبخل ويستغني ويكذّب بالحسنى، فأنت ترى أنّ الكرة في ملعبنا كما يُقال، فمن شاء أحسن.
وفي النّاس مَن يعتقد أن الإيمان بالقدر ينطوي على نوع ظلمٍ، فكيف أُمتَحن والنّتيجة معروفةٌ سلفًا، وكيف يعمل الرّجل الزّمان الطّويل بعمل أهل الجنّة ثمّ يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النّار، لكنّ الحقيقة أنّ القدر علم الله جل جلاله بما سيكون عليه أحوال العباد، وربّنا عز وجل العليم الخبير، إذ علم ما سنصير له لم يجبرنا عليه، فهل المطلوب أن يجهل الربّ مصائر عباده؟

علمَ مدرّسٌ بخبرته أنّ طالبه فلانًا سينجح، وأنّ فلانًا سيرسب، فصدقت خبرته وتحقّق علمه فهل يقال إنّه أجبر النّاجح على نجاحه والرّاسب على رسوبه! وربّنا سبحانه العليم الخبير وله المَثل الأعلى، وأمّا أن يعمل الرّجل بعمل أهل الجنّة فيُختَم له بعمل أهل النّار!

فقد حصل هذا على زمن النّبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ ‍، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (وَمَا ذَاكَ؟) قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا: (أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ). [ 6 ]

صور فواصل روعه ، فواصل متحركه للمواضيع ، فواصل منوعه لتزيين الموضوع 2022 -  هبه شلبي


خاتِمةٌ:


 
يعمل الرّجل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للنّاس، ولكنّه على الحقيقة قد تلبّس بنيّةٍ باطنةٍ سيّئةٍ قد يُظهرها الله سبحانه عند وفاته، فهو من أهل النّار، ويعمل على الحقيقة عمل أهل النّار، لكنّ النّاس لا تدري ما تُكنّ الصّدور، وربّنا جل جلاله يعلم السّرّ وأخفى. فالإيمان بالقدر مِن هذا الوجه يعلّمنا أن نعمل بعمل أهل الجنّة على الحقيقة لا أن نُبدي ذلك للنّاس، وتخالفه بواطننا، فإنّ ذلك يضرّ ولا ينفع، ونتعلّم مِن الإيمان بالقدر أن نكون صبورين في ثورتنا على الباطل ومجالدتنا له، إنّ قومًا ثاروا على الظّلم والعدوان حريٌّ بهم أن تعظم عنايتهم بالإيمان بالقدر، لأنّهم بين عدوٍّ يراودهم عن أموالهم وأرواحهم، وصديقٍ له مآرب يريد أن يحقّقها بهم ولهم، فإذا آمنوا بالقدر، وأنّ الأرزاق مقسومةٌ والأعمار سلفًا معلومةٌ، وأنّ طرقنا في هذا الحياة مرسومةٌ صبروا وصابروا حتّى يأتي الله بأمره.
ومِن آثار الإيمان بالقدر أن كان الصّالحون يخشون على أنفسهم وعلى مصائرهم، فلا يغترّون بما هم عليه مِن عملٍ صالحٍ، بل يتّهمون أنفسهم ويخشون أن يصدق فيهم وصف الرّجل الّذي يعمل بعمل أهل الجنّة ويُختم له بعمل أهل النّار، قَالَ سُفْيَانُ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ: هَلْ أَبْكَاكَ قَطُّ عِلْمُ اللَّهِ فِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ: تَرَكَنِي لَا أَفْرَحُ أَبَدًا. وَكَانَ سُفْيَانُ يَشْتَدُّ قَلَقُهُ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْخَوَاتِيمِ، فَكَانَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أَكُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا، وَيَبْكِي، وَيَقُولُ: أَخَافُ أَنْ أُسْلَبَ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُومُ طُولَ لَيْلِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، وَيَقُولُ: يَا رَبِّ، قَدْ عَلِمْتَ سَاكِنَ الْجَنَّةِ مِنْ سَاكِنِ النَّارِ، فَفِي أَيِّ الدَّارَيْنِ مَنْزِلُ مَالِكٍ؟ وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: "الْمُرِيدُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْمَعَاصِي، وَالْعَارِفُ يَخَافُ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكُفْرِ. [ 7 ]
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ‌ثَبِّتْ ‌قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ). [ 8 ]

فواصل متحركه لتزيين المواضيع - منتدي حلاوتهم

 
 
 
 
1 - صحيح مسلم: 8
2 - صحيح البخاريّ: 7454
3 - سنن أبي داود: 4700
4 - صحيح مسلم: 2653
5 - صحيح البخاري: 4949
6 - صحيح مسلم: 112
7 - جامع العلوم والحكم: 1/173
8 - سنن التّرمذيّ: 2140


رابطة خطباء الشام

فواصل جميلة متحركة لتزيين المواضيع الاسلامية

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مراتِبُ الإيمانِ بالقَدَرِ

من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بعِلمِ اللهِ الشَّامِلِ المحيطِ

كثُر في كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقريرُ هذا الأصلِ العظيمِ، فعِلمُ اللهِ محيطٌ بكُلِّ شيءٍ، يعلَمُ ما كان وما سيكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكونُ، فهو يعلَمُ الموجودَ والمعدومَ، والممكِنَ والمستحيلَ.
وهو عالمٌ بالعبادِ وآجالِهم وأرزاقِهم وأحوالِهم وحَرَكاتِهم وسَكَناتِهم وشَقاوَتِهم وسَعادتِهم، ومَن منهم من أهلِ الجنَّةِ، ومن منهم من أهلِ النَّارِ من قَبْلِ أن يخلُقَهم ويخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ.
وكُلُّ ذلك مقتضى اتصافِه تبارك وتعالى بالعِلْمِ.
قال اللهُ تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:22] .
وقال اللهُ سُبحانَه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] .
وقال اللهُ تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: 98] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ مقررًا عِلمَه بما لم يكُنْ لو كان كيف سيكونُ: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . فاللهُ يعلَمُ أنَّ هؤلاء المكَذِّبين الذين يتمَنَّون يومَ القيامةِ الرُّجوعَ إلى الدُّنيا أنَّهم لو عادوا إليها لرَجَعوا إلى تكذيبِهم وضَلالِهم.
قال الشقنيطي: (هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا الذي أحاط عِلمُه بكُلِّ موجودٍ ومعدومٍ، يعلَمُ المعدومَ الذي سبق في الأزَلِ أنَّه لا يكونُ لو وُجد كيف يكونُ؛ لأنَّه يعلَمُ أنَّ ردَّ الكُفَّارِ يومَ القيامةِ إلى الدُّنيا مرَّةً أُخْرى لا يكونُ، ويعلَمُ هذا الرَّدَّ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به بقَولِه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 6/28، وهذا المعنى جاء مصرَّحًا به في آياتٍ أُخَرَ.
فمن ذلك أنَّه تعالى سبق في عِلمِه أنَّ المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تَبُوكَ لا يخرجون إليها معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واللهُ ثَبَّطهم عنها لحِكْمةٍ، كما صرَّح به في قَولِه: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الآية، وهو يعلَمُ هذا الخروجَ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به تعالى في قَوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الآية، ومن الآياتِ الدَّالَّةِ على المعنى المذكورِ قَولُه تعالى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)(
.
ومن عِلْمِه تبارك وتعالى بما هو كائِنٌ عِلمُه بما كان الأطفالُ الذين تُوفُّوا صغارًا عاملين به لو أنَّهم كَبِروا قبلَ مماتِهم.
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أولادِ المُشرِكين، فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين ))( .
قال ابنُ تيميَّةَ في شَرحِ قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين)): (أي: اللهُ يَعلَمُ من يؤمِنُ منهم ومن يكفُرُ لو بَلَغوا... فهنالك يظهَرُ فيهم ما عَلِمه اللهُ سُبحانَه، ويجزيهم على ما ظهر من العِلْمِ، وهو إيمانُهم وكفرُهم، لا على مجرَّدِ العِلْمِ)( .
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((دُعِيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جنازةِ صَبيٍّ من الأنصارِ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، طوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لم يعمَلِ السُّوءَ ولم يدركْه. قال: أوْغيرَ ذلك يا عائشةُ! إنَّ اللهَ خلق للجنَّةِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم، وخلق للنَّارِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم ))( .
قال حرب الكرماني: (عِلمُ اللهِ عزَّ وجَلَّ ماضٍ في خَلقِه بمشيئةٍ منه، قد عَلِمَ من إبليسَ ومِن غيره ممَّن عصاه -من لَدُنْ أن عُصيَ ربُّنا تبارك وتعالى إلى أن تقومَ السَّاعة- المعصيةَ وخلقهم لها، وعلم الطَّاعةَ من أهلِ طاعتِه وخلقهم لها، فكُلٌّ يعمَلُ لِما خُلِق له، وصائِرٌ إلى ما قُضِيَ عليه وعُلِمَ منه، ولا يعدو أحدٌ منهم قَدَرَ اللهِ ومشيئتَه، واللهُ الفَعَّالُ لما يريدُ... ومن زعم أن أحدًا من الخَلقِ صائرٌ إلى غيرِ ما خُلِق له فقد نفى قدرةَ اللهِ على خَلقِه، وهذا إفكٌ على اللهِ وكَذِبٌ عليه)( .


ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ المُتعَلِّقةِ بمَرتبةِ العِلْمِ:
1- قال حنبلٌ: (سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ يقولُ: عَلِمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ أن آدَمَ سيأكُلُ من الشَّجرةِ التي نهاه عنها قبل أن يخلُقَه)( .
2- قال المُزَني: (الخَلقُ عاملون بسابِقِ عِلمِه ونافِذون لِما خلقَهم له من خيرٍ وشرٍّ... هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهدى، وبتوفيقِ اللهِ اعتصم بها التابعون قُدوةً ورِضًا)( .
3- قال عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَصرٍ البغداديُّ المالكيُّ: (قد ورد القرآنُ بأنَّ اللهَ تعالى يَعلَمُ الأشياءَ قبل كونِها، وأنَّه يَعلَمُ ما لا يكونُ لو صَحَّ كونُه كيف يكونُ، وأنَّ عِلمَه سابقٌ في خَلقِه، ودلَّت العقولُ على ذلك، فأمَّا القرآنُ فقَولُه تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: 73] ، وقَولُه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 33] ، وقَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34] )( .
4- قال الأصبهانيُّ: (قال أهلُ السُّنَّةِ... عِلمُه بكُلِّ مكانٍ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا)( .
5- قال ابنُ الجوزي: (المعلوماتُ كُلُّها قد أحاط بها عِلمُ اللهِ القديمُ قبل وجودِ المخلوقاتِ كُلِّها)( .
6- قال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفَق سلفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، على أنَّ اللهَ عالمٌ بما سيكونُ قبل أن يكونَ. وقد نَصَّ الأئمَّةُ على أنَّ من أنكر العِلْمَ القديمَ فهو كافِرٌ)( .
7- قال ابنُ أبي العزِّ: (الدليلُ العَقليُّ على عِلْمِه تعالى: أنَّه يستحيلُ إيجادُه الأشياءَ مع الجهلِ، ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادتِه، والإرادةُ تستلزِمُ تصَوُّرَ المرادِ، وتصَوُّرُ المرادِ هو العِلْمُ بالمرادِ؛ فكان الإيجادُ مُستلزِمًا للإرادةِ، والإرادةُ مُستلزِمةً للعِلمِ، فالإيجادُ مُستلزِمٌ للعِلمِ.
ولأنَّ المخلوقاتِ فيها من الإحكامِ والإتقانِ ما يستلزِمُ عِلمَ الفاعِلِ لها؛ لأنَّ الفِعلَ المحكَمَ المُتقَنَ يمتَنِعُ صُدورُه عن غيرِ عِلمٍ.

ولأنَّ مِن المخلوقاتِ ما هو عالمٌ، والعِلْمُ صِفةُ كَمالٍ، ويمتنِعُ ألَّا يكونَ الخالِقُ عالِمًا. وهذا له طريقانِ:
أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ الخالِقَ أكمَلُ من المخلوقِ، وأنَّ الواجِبَ أكمَلُ من الممكِنِ، ونعلَمُ ضَرورةً أنَّا لو فرَضْنا شيئينِ أحدُهما عالمٌ والآخَرُ غيرُ عالمٍ، كان العالمُ أكمَلَ، فلو لم يكُنِ الخالِقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكِنُ أكمَلَ منه، وهو ممتَنِعٌ.
الثاني: أن يقالَ: كُلُّ عِلمٍ في الممكِناتِ التي هي المخلوقاتُ فهو منه، ومن الممتنِعِ أن يكونَ فاعِلُ الكمالِ ومُبدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به. واللهُ تعالى له المثَلُ الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ، لا في قياسٍ تمثيليٍّ، ولا في قياسٍ شُموليٍّ، بل كُلُّ ما ثبت للمخلوقِ من كمالٍ فالخالِقُ به أحَقُّ، وكُلُّ نَقصٍ تنَزَّه عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالِقِ عنه أَولى)( .
8- قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَنٍ آل الشَّيخِ في تعليقِه على حديثِ ((أوَّلُ ما خلق اللهُ القَلَمُ... ))( : (في هذا الحديثِ ونحوِه: بيانُ شُمولِ عِلمِ اللهِ تعالى وإحاطتِه بما كان ويكونُ في الدُّنيا والآخِرةِ، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] )( .


الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ

الإيمانُ بأنَّ اللهَ كتب في اللَّوحِ المحفوظِ كُلَّ شيءٍ

أدِلَّةٌ مَرتبةِ الكِتابةِ

دلَّت كثيرٌ من نصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ اللهَ كتب كُلَّ شَيءٍ في اللَّوحِ المَحفوظِ.

أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القُرآنِ الكريمِ:
1- قال اللهُ تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: ألم تعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ ما في السَّمَواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبعِ، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ، وهو حاكِمٌ بين خَلْقِه يومَ القيامةِ، على عِلمٍ منه بجميعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا، فمُجازي المحسِنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه. إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّ عِلْمَه بذلك في كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذي كتب فيه رَبُّنا جَلَّ ثناؤه قبل أن يخلُقَ خَلْقَه ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ)( .
وقال ابنُ كثيرٍ: (يخبِرُ تعالى عن كَمالِ عِلْمِه بخَلقِه، وأنَّه محيطٌ بما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ، فلا يَعزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرُ من ذلك ولا أكبَرُ، وأنَّه تعالى عَلِم الكائناتِ كُلَّها قبل وجودِها، وكتب ذلك في كتابِه اللَّوحِ المَحفوظِ، كما ثبت في صحيحِ مسلمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ ))( .
وفي السُّنَنِ من حديثِ جماعةٍ من الصَّحابةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أوَّلُ ما خلقَ اللهُ القَلَمُ، قال له: اكتُبْ، قال: وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائِنٌ. فجرى القَلَمُ بما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ ))( .
... وهذا من تمامِ عِلْمِه تعالى أنَّه عَلِمَ الأشياءَ قبل كَونِها، وقدَّرها وكتبها أيضًا، فما العبادُ عامِلون قد عَلِمه تعالى قبل ذلك، على الوَجهِ الذي يفعلونه، فيَعلَمُ قبل الخَلْقِ أنَّ هذا يطيعُ باختياره، وهذا يعصي باختيارِه، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وهو سهلٌ عليه، يسيرٌ لديه؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل: 75] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وَمَا مِنْ مَكتومِ سِرٍّ وخَفِيِّ أمرٍ يَغيبُ عن أبصارِ النَّاظرين فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ وهو أمُّ الكتابِ الذي أثبت رَبُّنا فيه كُلَّ  ما هو كائِنٌ من لَدُنِ ابتدأ خَلْقَ خَلْقِه إلى يومِ القيامةِ)( .
3- قال اللهُ تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61] .
قال السَّعديُّ: (أي: قد أحاط به عِلمُه، وجرى به قَلَمُه.
وهاتان المرتبتانِ من مراتِبِ القَضاءِ والقَدَرِ، كثيرًا ما يقرِنُ اللهُ بينهما، وهما: العِلْمُ المحيطُ بجميعِ الأشياءِ، وكتابتُه المحيطةُ بجميعِ الحوادِثِ، كقَولِه تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
4- قال اللهُ سُبحانَه في قِصَّةِ أَسرى بَدرٍ: لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 68] .
أي: لولا قضاءٌ من اللهِ سبَقَ لكم -يا أهلَ بَدرٍ- في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّ اللهَ مُحِلٌّ لكم الغَنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ مِن الكُفَّارِ، وبأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا شَهِدَ بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ مِن كفَّارِ قُريشٍ عذابٌ عَظيمٌ( .
5- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] .
قال الشنقيطيُّ: (ذكَرَ جَلَّ وعلا في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ كُلَّ ما أصاب من المصائِبِ في الأرضِ؛ كالقَحطِ والجَدْبِ، والجوائِحِ في الزِّراعةِ والثِّمارِ، وفي الأنفُسِ من الأمراضِ والموتِ؛ كُلُّه مكتوبٌ في كتابٍ قبل خَلقِ النَّاسِ، وقبل وُجودِ المصائِبِ)( .


ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ النبَوِيَّةِ:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (أي: أثبَتَها في اللَّوحِ المَحفوظِ، كما قُلْناه آنِفًا، أو فيما شاء، فهو توقيتٌ للكَتْبِ لا للمقاديرِ؛ لأنها راجعةٌ إلى عِلمِ اللهِ تعالى وإرادتِه، وذلك قديمٌ لا أوَّلَ له... ويحتَمِلُ أن يكونَ ذِكرُ الخمسين ألفًا جاء مجيءَ الإغياءِ في التكثيرِ، ولم يُرَدْ عَينُ ذلك العددِ، فكأنَّه قال: كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ هذا العالمِ بآمادٍ كثيرةٍ، وأزمانٍ عديدةٍ، وهذا نحوٌ ممَّا قُلْناه في قَولِه تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والأوَّلُ أظهَرُ وأَولى)( .
وقال النوويُّ: (قال العُلَماءُ: المرادُ تحديدُ وَقتِ الكتابةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ أو غيرِه، لا أصلُ التقديرِ؛ فإنَّ ذلك أَزَليٌّ لا أوَّلَ له)( .
2- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ( فَنَكَّسَ( فَجَعَلَ يَنْكُتُ( بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً. قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى وصَدَّقَ بالحُسْنَى الآيَةَ))( .
قال ابنُ حَجَرٍ: (هذا الحديثُ أصلٌ لأهلِ السُّنَّةِ في أنَّ السَّعادةَ والشَّقاءَ بتقديرِ اللهِ القديمِ، وفيه ردٌّ على الجَبريَّةِ؛ لأنَّ التيسيرَ ضِدُّ الجَبرِ؛ لأنَّ الجَبْرَ لا يكونُ إلَّا عن كُرهٍ، ولا يأتي الإنسانُ الشَّيءَ بطريقِ التيسيرِ إلَّا وهو غيرُ كارهٍ له... وفي أحاديثِ هذا البابِ أنَّ أفعالَ العبادِ وإن صدَرَت عنهم لكِنَّها قد سبق عِلمُ اللهِ بوُقوعِها بتقديرِه، ففيها بطلانُ قَولِ القَدَريَّةِ صَريحًا. واللهُ أعلَمُ)( .
3- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جَاءَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيما العَمَلُ اليَومَ؟ أَفِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ، وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ، أَمْ فِيما نَسْتَقْبِلُ؟ قالَ: لَا، بَلْ فِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ. قالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بشيءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: ما قالَ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (مقتضى هذا السُّؤالِ أنَّ ما يصدُرُ عنَّا من الأعمالِ، وما يترتَّبُ عليها من الثَّوابِ والعِقابِ، هل سبق عِلمُ اللهِ تعالى بوقوعِه، فنَفَذَت به مشيئتُه، أوْ ليس كذلك، وإنما أفعالُنا صادرةٌ عنا بقُدرتِنا ومشيئتِنا، والثوابُ والعِقابُ مُرَتَّبٌ عليها بحسَبِها؟ وهذا القِسمُ الثَّاني هو مَذهَبُ القَدَريَّةُ، وقد أبطل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا القِسمَ بقَولِه: لا، بل فيما جفَّت به الأقلامُ، وجرت به المقاديرُ. أي: ليس الأمرُ مُستأنَفًا، بل قد سبق به عِلمُ اللهِ، ونفَذَت به مشيئتُه، وجَفَّت به أقلامُ الكَتَبةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ)( .
وقال النوويُّ: ( ((جَفَّت به الأقلامُ)) أي: مضت به المقاديرُ وسبق عِلمُ اللهِ تعالى به وتمَّت كتابتُه في اللَّوحِ المَحفوظِ وجَفَّ القَلَمُ الذي كتب به وامتنَعَت فيه الزيادةُ والنقصانُ. قال العُلَماءُ: وكتابُ اللهِ تعالى ولَوحُه وقَلَمُه والصُّحفُ المذكورةُ في الأحاديثِ كُلُّ ذلك مما يجِبُ الإيمانُ به، وأما كيفيَّةُ ذلك وصِفَتُه فعِلْمُها إلى اللهِ تعالى، ولا يحيطون بشيءٍ من عِلمِه إلَّا بما شاء. واللهُ أعلَمُ)( .
4- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال لابنِه: يا بُنَيَّ، إنَّك لن تَجِدَ طَعمَ حقيقةِ الإيمانِ حتى تعلَمَ أنَّ ما أصابَك لم يكُنْ لِيُخْطِئَك، وما أخطَأَك لم يكُنْ لِيُصيبَك، سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ أوَّلَ ما خلَقَ اللهُ تعالى القَلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ربِّ، وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ))، يا بُنَيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن ماتَ على غيرِ هذا فليس مِنِّي ))( .
قال ابنُ رسلان: (يعني: كتب كُلَّ ما يكونُ إلى يومِ القيامةِ، أي: جرى على اللَّوحِ المَحفوظِ بذلك)( .
وقال ابنُ عثيمين: (كتب في اللَّوحِ المَحفوظِ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ، فما من شيءٍ كان أو يكونُ إلَّا وهو مكتوبٌ مُقَدَّرٌ قبل أن يكونَ)( .


ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في هذه المَرتبةِ:
1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى أمر القَلَمَ بأن يَكتُبَ، فقال القلَمُ: ماذا أكتبُ يا رَبِّ؟ فقال اللهُ تعالى: اكتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ لقَولِه تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
2- سأل رجلٌ مالكًا فقال: الفواحِشُ، كتبها اللهُ علينا؟ قال: نعم، قبل أن يخلُقَنا. ولا بدَّ لكُلِّ من كَتَب اللهُ عليه ذلك أن يعمَلَها، ويصيرَ إلى ما قدَّر عليه وكَتَب( .
3- قال حَنبَلُ بنُ إسحاقَ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ عن الإيمانِ بالقَدَرِ؟ قال: نؤمِنُ به، ونعلَمُ أنَّ ما أصابنا لم يكُنْ يخطِئُنا، وما أخطأنا لم يكُنْ ليصيبَنا، وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قدَّر كُلَّ شَيءٍ من الخيرِ والشَّرِّ، فهو سابِقٌ في اللَّوحِ المَحفوظِ، الشَّقاءُ والسعادةُ مكتوبان على ابنِ آدمَ قبل أن يُخلَقَ، ونحن في أصلابِ الآباءِ)( .
4- قال أبو الحسَنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم، وأثبت في اللَّوحِ المَحفوظِ جميعَ ما هو كائِنٌ منهم إلى يومِ يُبعثون، وقد دَلَّ على ذلك بقَولِه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
5- قال ابنُ تيميَّةَ: (اللهُ تعالى يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لا يكونُ أنْ لو كان كيف كان يكونُ، وهو سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ وكتب أعمالَ العبادِ قبل أن يعمَلوها، كما ثبت ذلك في صريحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وآثارِ السَّلَفِ، ثمَّ إنه يأمُرُ الملائكةَ بكتابتِها بعد ما يعملونها؛ فيقابِلُ به الكتابةَ المتقَدِّمةَ على الوجودِ، والكتابةَ المتأخِّرةَ عنه، فلا يكونُ بينهما تفاوُتٌ. هكذا قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه من السَّلَفِ، وهو حَقٌّ)( .
6- قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] : (أي: هيَّأناهم لها، وبعَمَلِ أهلِها يعمَلون، فإنَّه تعالى لما أراد أن يخلُقَ الخلائِقَ، عَلِمَ ما هم عاملون قبل كَونِهم، فكتب ذلك عنده في كتابٍ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، كما ورد في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ))( )( .
7- قال ابنُ باز: (كتابةُ الأشياءِ التي أوجدها سُبحانَه أو سيوجِدُها أمرٌ معلومٌ جاءت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فعلينا أن نؤمِنَ بذلك ونعتَقِدَ أنَّ اللهَ كتب الأشياءَ كُلَّها وعَلِمَها وأحصاها، لا تخفى عليه خافيةٌ)( .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أنواعُ التقاديرِ المتعَلِّقةِ بمَرتَبةِ الكتابةِ

تمهيدٌ:

قال ابنُ القَيِّمِ في مقدِّمةِ كتابِه ((شِفاء العليل)): (سمَّيتُه: «شِفاءَ العليل في مسائِلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليل». وجعلتُه أبوابًا:

«البابُ الأوَّلُ: في تقديرِ المقاديرِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ».

«البابُ الثاني: في تقديرِ الرَّبِّ تعالى شقاوةَ الِعبادِ وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم قبل خَلقِهم وهو تقديرٌ ثانٍ بعد الأوَّلِ».

«البابُ الثَّالِثُ: في ذِكرِ احتجاجِ آدَمَ وموسى في ذلك وحُكْمِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآدَمَ».

«البابُ الرَّابعُ: في ذِكرِ التقديرِ الثَّالِثِ والجنينُ في بطنِ أمِّه».

«البابُ الخامسُ: في التقديرِ الرَّابعِ ليلةَ القَدْرِ».

«البابُ السَّادسُ: في ذِكرِ التقديرِ الخامِسِ اليوميِّ»... وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيل من التقديرِ السَّابِقِ، وفي ذلك دليلٌ على كمالِ عِلمِ الرَّبِّ وقُدرتِه وحِكمتِه، وزيادةُ تعريفٍ لملائكتِه وعبادِه المؤمنين بنَفسِه وأسمائِه، وقد قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .

وأكثَرُ المفَسِّرين على أنَّ هذا الاستنساخَ من اللَّوحِ المَحفوظِ، فتستنسِخُ الملائكةُ ما يكونُ من أعمالِ بني آدَمَ قبل أن يَعمَلوها، فيَجِدون ذلك موافِقًا لِما يعملونه، فيُثبِتُ اللهُ تعالى منه ما فيه ثوابٌ أو عِقابٌ، ويَطرَحُ منه اللَّغْوَ)( .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ في الإيمانِ بكتابةِ المقاديرِ: (يدخُلُ في ذلك
خمسةٌ من التقاديرِ كُلُّها ترجِعُ إلى العِلْمِ:
التقديرُ الأوَّلُ: كتابةُ ذلك قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، عندما خلق اللهُ القَلَمَ، وهو التقديرُ الأزَليُّ.
الثاني: التقديرُ العُمريُّ، حين أخذ الميثاقَ يومَ قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] .
الثَّالِثُ: التقديرُ العُمريُّ أيضًا عند تخليقِ النُّطفةِ في الرَّحمِ.
الرَّابعُ: التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ، وهو تنفيذُ كُلِّ ذلك إلى مواضِعِه)( .

وقال ابنُ عثيمين: (التقاديرُ خمسةُ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: التقديرُ العامُّ، وهو المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ الذي كان قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ...
النوعُ الثاني: تقديرُ أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وأعمالِهم قبل أن يخلُقَهم.
النوعُ الثَّالِثُ: تقديرُ ما ذُكِر على الجنينِ في بَطنِ أمِّه...
النوعُ الرَّابعُ: التقديرُ السَّنويُّ، وهو ما يكونُ ليلةَ القَدْرِ.
النوعُ الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ.


فالتقديراتُ خمسةٌ: يوميٌّ، وحَوليٌّ، وعُمريٌّ عند تعلُّقِ النَّفسِ بالبدَنِ وعند تخليقِه، وتقديرٌ قبل وجودِ ابنِ آدمَ بعد خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وتقديرٌ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وكُلُّ هذه تفاصيلُ للتقديرِ السَّابقِ)( .
1-
كتابةُ مقاديرِ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرض بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ
دليلُه:

عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ ))( .
قال الثعلبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] : (إِلَّا فِي كِتَابٍ يعني: اللَّوحَ المَحفوظَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا: من قبلِ أن نخلُقَ الأرضَ والأنفُسَ)( .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه تعالى: إِلَّا فِي كِتَابٍ معناه: إلَّا والمصيبةُ في كتابٍ. و: نَبْرَأَهَا معناه: نخلُقها، يقال: برأ اللهُ الخَلْقَ: أي: خلَقَهم، والضميرُ عائدٌ على المصيبةِ، وقيل: على الأرضِ، وقيل: على الأنفُسِ، قاله ابنُ عَبَّاسٍ وقتادةُ وجماعةٌ، وذكر المهدويٌّ جوازَ عودِ الضَّميرِ على جميعِ ما ذُكِرَ، وهي كُلُّها معانٍ صِحاحٍ؛ لأنَّ الكتابَ السَّابِقَ أزليٌّ قبل هذه كُلِّها)( .
وعقد البيهقيُّ في كتابِه ((القَضاء والقَدَر)) عدَّةَ أبوابٍ:
منها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه قدَّر المقاديرَ كُلَّها قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ، قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، فأخبر أن كُلَّ شيءٍ خلقه إنما هو بحسَبِ ما قدَّره قبل أن يَخلُقَه، فجرى الخَلْقُ على ما قدَّر، وجرى القَدَرُ على ما عَلِمَ...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ كتب المقاديرَ كُلَّها في الذِّكرِ، وهو المرادُ بتقديرِ المقاديرِ على ما لم يَزَلْ به عالِمًا...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ القَلَمَ لَمَّا جرى بما هو كائِنٌ، كان فيما جرى...)( .
وقال القرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (قال ابنُ عبَّاسٍ: «طائِرَه» عَمَلَه وما قُدِّر عليه من خيرٍ وشَرٍّ، وهو ملازِمُه أينما كان، وقال مقاتِلٌ والكلبيُّ: خَيرُه وشَرُّه معه، لا يفارقُه حتى يحاسَبَ به... وقال الحسَنُ: «أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ» أي: شقاوتَه وسعادتَه، وما كُتِب له من خيرٍ وشَرٍّ، وما طار له من التقديرِ، أي: صار له عند القِسمةِ في الأزَلِ)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (يجِبُ الإيمانُ أنَّ اللهَ عَلِم ما سيكونُ كُلُّه قبل أن يكونَ، ويجِبُ الإيمانُ بما أخبر به من أنَّه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكونَ، كما في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ))( وفي صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((كان اللهُ ولا شيءَ غَيرُه، وكان عَرشُه على الماءِ، وكتب في الذِّكرِ كُلَّ شَيءٍ، وخَلَق السَّمَواتِ والأرضَ ))( وفي لفظ: ((ثمَّ خلق السَّمَواتِ والأرضَ))( )( .
وقال أيضًا: (هؤلاء جميعُهم سبقت لهم عند اللهِ السَّوابقُ، وكتب اللهُ مقاديرَهم قبل أن يَخلُقَهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيدٍ بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وإلى شَقيٍّ بالكُفرِ والفِسقِ والعِصيانِ)( .
وقال أيضًا: (وأمَّا كَونُ الأشياءِ معلومةً للهِ قبل كونِها: فهذا حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وكذلك كونُها مكتوبةً عنده أو عند ملائكَتِه، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وجاءت به الآثارُ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وعرشُه على الماءِ))... وفيه دليلٌ على أنَّ خَلْقَ العَرشِ سابِقٌ على خَلقِ القَلَمِ. وهذا أصحُّ القولَينِ... وكتابةُ القَلَمِ للقَدَرِ كان في السَّاعةِ التي خُلِق فيها.. هذا الذي كتبه القَلَمُ هو القَدَرُ)( .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (قد سبق عِلمُه بالكائناتِ، وأنَّه قدَّر مقاديرَها قبل خَلقِها، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قَدَّرَ اللهُ مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ))( )( .
وقال ابنُ باز: (قد سبق في عِلمُه كُلُّ شيءٍ، كما قال عزَّ وجَلَّ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ قال: وعَرشُه على الماءِ))... ولكنَّه عزَّ وجَلَّ لا يؤاخِذُ العبادَ بمقتضى عِلْمِه السَّابِقِ، وإنما يؤاخِذُهم ويثيبُهم على ما يَعلَمُه منهم، بعد عَمَلِهم إيَّاه، ووجودِه منهم في الخارجِ)( .
وقال أيضًا: (اللهُ سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائقِ، وعَلِم ما هم عاملون، وقدَّر أرزاقَهم وآجالَهم، وكتب ذلك كُلَّه لديه، كما قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا الآية، وقال سُبحانَه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ)( .
2-
تقديرُ أهلِ الجَنَّةِ وأهلِ النَّارِ قبل خَلقِ الخلائِقِ.
دليلُه:

1- عن أبي عبدِ اللهِ رَجُلٍ من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (مرِضَ رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ، فدخلَ عليهِ أصحابُهُ يعودونَهُ فبكى، فقيلَ لهُ: ما يبكيكَ يا أبا عبدِ اللَّهِ؟ ألم يقُلْ لكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ: خُذْ مِن شارِبِكَ ثمَّ أَقِرَّهُ حتَّى تلقاني؟ قالَ: بلَى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قبضَ قبضةً بيَمينِهِ وقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي، وقبضَ قبضةً أخرى بيدِهِ الأخرى جلَّ وعلا، فقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي ))، فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا .( (
2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهِم من نورِهِ يومئذٍ، فمَن أصابَهُ من نورِهِ يومئذٍ اهتَدى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ؛ فلذلِكَ أقولُ: جفَّ القَلَمُ على علمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ))( .
سُئِلَ ابنُ تيميَّةَ عن حديثِ: ((إنَّ اللهَ قبض قبضتين فقال: هذه للجنَّةِ ولا أُبالي، وهذه للنَّارِ ولا أُبالي)): فهل هذا الحديثُ صحيحٌ؟ واللهُ قبضَها بنَفْسِه أو أمر أحَدًا من الملائكةِ بقَبضِها؟ والحديثُ الآخَرُ في أنَّ اللهَ لَمَّا خلق آدمَ أراه ذريَّتَه عن اليمينِ والشِّمالِ، ثم قال: هؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهذا في الصحيحِ.
فأجاب: (نعم، هذا المعنى مشهورٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من وجوهٍ متعَدِّدةٍ؛ مِثلُ ما في موطَّأِ مالكٍ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغيرِه عن مُسلِمِ بنِ يَسارٍ، وفي لفظٍ عن نُعَيمِ بنِ ربيعةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عن هذه الآيةِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ... الآية، فقال عُمَرُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي لفظٍ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ عنها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ خلق آدَمَ ثم مسح ظَهْرَه بيمينِه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ يَعمَلونَ، ثم مسح ظَهْرَه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للنَّارِ وبعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعملَونَ، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيم العَمَلُ؟! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ إذا خلق الرَّجُلَ للجنَّةِ استعمله بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُه به الجنَّةَ، وإذا خلق الرَّجُلَ للنَّارِ استعمله بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُه به النَّارَ ". وفي حديثِ الحَكَمِ بنِ سُفيانَ عن ثابتٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ قبض قبضةً فقال: إلى الجنَّةِ برحمتي، وقبض قبضةً فقال: إلى النَّارِ ولا أُبالي" وهذا الحديثُ ونحوه فيه فصلانِ.
أحدُهما: القَدَرُ السَّابِقُ، وهو أنَّ اللهَ سُبحانَه عَلِمَ أهلَ الجنَّةِ من أهلِ النَّارِ من قبل أن يعمَلوا الأعمالَ، وهذا حَقٌّ يجِبُ الإيمانُ به، بل قد نَصَّ الأئمَّةُ كمالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، أنَّ من جحد هذا فقد كَفَر)( .
وقال ابنُ كثيرٍ بعد أن ساق رواياتِ الأحاديثِ الواردةِ في قَولِه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172] : (فهذه الأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ من صُلْبِه، ومَيَّز بين أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ)( .
وقال ابنُ أبي العِزِّ بعد ذِكرِه للأحاديثِ الدَّالَّةِ على هذا التقديرِ: (وفي ذلك أحاديثُ أُخَرُ أيضًا كلُّها دالةٌ على أنَّ اللهَ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ مِن صُلبِه، وميَّز بين أهلِ النَّارِ وأهلِ الجنَّةِ... وقدَّر خلْقَها وأجَلَها وعمَلَها، واستخرج تلك الصُّوَرَ مِن مادَّتِها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروجَ كُلِّ فَردٍ من أفرادِها في وقتِه المقدَّرِ له)( .
3-
التقديرُ العُمريُّ عند أوَّلِ تخليقِ النُّطفةِ فيُكتَبُ رِزقُ الجنينِ، وأجَلُه، وعَمَلُه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ.
دليلُه:

حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلك، ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا بأربَعِ كَلِماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأَجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفَخُ فيه الرُّوحُ، فواللهِ الذي لا إلهَ غَيرُه، إنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ فيَدخُلُها، وإنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ فيَدخُلُها ))( .
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وكَّل اللهُ بالرَّحِم ِمَلَكًا، فيقولُ: أيْ رَبِّ نُطفةٌ، أيْ رَبِّ عَلَقةٌ، أيْ رَبِّ مُضغةٌ. فإذا أراد اللهُ أن يقضِيَ خَلْقَها، قال: أيْ رَبِّ ذَكَرٌ أم أنثى، أشَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ فما الأجَلُ، فيُكتَبُ كُلُّ ذلك في بَطنِ أمِّه ))( .
قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانيُّ في حديثِ ابنِ مَسعودٍ المتقَدِّمِ: (وبهذا نأخُذُ، وبه كان يأخُذُ أبو حنيفةَ: الشَّقِيُّ من شَقِيَ في بَطنِ أمِّه، والسَّعيدُ من وُعِظَ بغيرِه)( .
وقال الآجُرِّي فيه كذلك: (ينبغي لك أيُّها السَّائِلُ أن تعلَمَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد فرغ من أرزاقِ العِبادِ، وأنَّ كُلَّ عَبدٍ مُستوفٍ رِزقَه، لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُصُ منه، وكذا قد فَرَغ من الآجالِ، لا يزدادُ أحدٌ على أجَلِه ولا يُنتَقَصُ منه حتى يأتيَه آخِرُ أجَلِه، وكذا كتب اللهُ عزَّ وجَلَّ عمَلَه الذي يعمَلُ، خيرًا كان أو شرًّا، وكَتَبه شقيًّا أو سعيدًا، فكُلُّ العبادِ يَسْعَون في أمرٍ قد فُرِغ منه، والإيمانُ بهذا واجِبٌ، ومن لم يؤمِنْ به كَفَر)( .
وقال البيهقيُّ: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ كُلَّ من سبق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه سعيدًا، ثم جرى القَلَمُ بسعادتِه وخرج في المَسحةِ الأُولى من ظَهرِ آدَمَ، وأصابه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وأقَرَّ بالتوحيدِ طَوعًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت الجنَّةُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بطنِ أمِّه سعيدًا، ووُلِد سعيدًا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، ومن سَبَق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه شَقِيًّا، ثم جرى القَلَمُ بشقاوتِه، وخرج في المَسحةِ الأُخرى من ظَهرِ آدمَ، وأخطأه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وامتنع من الإقرارِ بالتوحيدِ، أو أقرَّ به كَرْهًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت النَّارُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بَطنِ أمِّه شَقِيًّا، ووُلِد شقيًّا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ النَّارِ. نعوذُ باللهِ مِنَ النَّارِ)( .
وقال القُرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (طَائِرَهُ... قال مجاهِدٌ: عَمَلَه ورِزْقَه. وعنه: ما من مولودٍ يُولَدُ إلَّا وفي عُنُقِه وَرقةٌ فيها مكتوبٌ: شَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (التقديرُ والكتابةُ تكونُ تفصيلًا بعد جملةٍ؛ فاللهُ تعالى لَمَّا قَدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، لم يُظهِرْ ذلك التقديرَ للملائكةِ، ولَمَّا خلق آدَمَ قبل أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ أظهر لهم ما قدَّره كما يَظهَرُ لهم ذلك من كُلِّ مولودٍ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ بعد ذِكْرِ أحاديثَ وآثارٍ في المسألةِ: (اجتمعت هذه الأحاديثُ والآثارُ على تقديرِ رِزقِ العَبدِ وأجَلِه وشَقاوتِه وسعادتِه، وهو في بَطنِ أمِّه... وهذا تقديرٌ بعد التقديرِ الأوَّلِ السَّابِقِ على خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وبعد التقديرِ الذي وقع يومَ استخراجِ الذرِّيَّةِ بعد خَلقِ أبيهم آدَمَ)( .
وعَبَّر ابنُ أبي العِزِّ عن هذا التقديرِ بالقَلَمِ الثَّالِثِ، فقال: (الذي دلَّت عليه السُّنَّةُ أنَّ الأقلامَ أربعةٌ)، فذكر الأوَّلَ والثَّانيَ، ثم قال: (القَلَمُ الثَّالِثُ: حين يُرسَلُ الملَكُ إلى الجنينِ في بَطنِ أمِّه، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ. كما ورد ذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ)( .
وقال ابنُ باز تعليقًا على حديثِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (هذا حديثٌ صحيحٌ رواه البخاريُّ ومسلمٌ في الصحيحِ... فالشَّقيُّ من أهلِ النَّارِ، والسَّعيدُ من أهلِ الجنَّةِ، واللهُ جَلَّ وعلا يكتُبُ أعمالَه كُلَّها، ولا يُمنَعُ في هذا الأمرُ والنَّهيُ؛ فالقَدَرُ ماضٍ في أمرِ اللهِ، ولكِنْ على العبدِ أن يعمَلَ)( .
وقال أيضًا: (كُلُّ جنينٍ يُكتَبُ في حَقِّه، وهو في رَحِمِ أمِّه، يُكتَبُ له جميعُ ما يحصُلُ له من الحوادِثِ المُستَقبَلةِ: أعمالُه وأقوالُه، وشقاوتُه وسعادتُه وسرورُه، وهو تفصيلٌ أيضًا من القَدَرِ السَّابِقِ)( .
وقال ابنُ عثيمين: (هناك تقديراتٌ أُخرى نِسبيَّةٌ؛ منها: تقديريٌّ عُمريٌّ: حين يَبلُغُ الجنينُ في بَطنِ أمِّه أربعةَ أشهُرٍ يُرسَلُ إليه الملَكُ، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويَكتُبُ رِزْقَه وأجَلَه وعمَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
4-
التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
في ليلةِ القَدْرِ يُكتَبُ من أمِّ الكِتابِ ما يكونُ في السَّنَةِ مِن مَوتٍ وحياةٍ، ورِزقٍ ومَطَرٍ، وما يقومُ به العبادُ من أعمالٍ، ونحوُ ذلك( .
دليلُه:
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القَدَر: 1] .
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: 3-5] .
عن مجاهدٍ أنَّه قال في قَولِه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: (في ليلةِ القَدْرِ كُلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنَةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يُقَدَّرُ فيها المعايِشُ والمصائِبُ كُلُّها)( .
عن قتادةَ قال: (هي ليلةُ القَدْرِ فيها يُقضى ما يكونُ من السَّنَة إلى السَّنَةِ)( .
قال ابنُ جرير: (في هذه الليلةِ المباركةِ يُقضى ويُفصَل كُلُّ أمرٍ أحكمه اللهُ تعالى في تلك السَّنَةِ إلى مِثلهِا من السَّنَةِ الأُخرى)( .
وقال الزَّجَّاج: (يَفرُقُ اللهُ عزَّ وجَلَّ في ليلةِ القَدْرِ كُلَّ أمرٍ فيه حِكمةٌ مِن أرزاقِ العِبادِ وآجالِهم وجميعِ أمْرِهم الذي يكونُ مؤجَّلًا إلى ليلةِ القَدْرِ التي تكونُ في السَّنَةِ المُقبِلةِ)( .
وقال أبو اللَّيثِ السَّمَرقَنديُّ: (قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يعني: في ليلةِ القَدْرِ، يُقضى كُلُّ أمرٍ مُحكَمٍ، ما يكونُ في تلك السَّنَةِ إلى السَّنَةِ الأخرى، وهذا قَولُ عِكرِمةَ. وروى منصورٌ عن مجاهِدٍ قال: فيها يُقضى أمرُ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ مِنَ المصائبِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. وهذا موافِقٌ للقَولِ الأوَّلِ. ويقالُ: في تلك الليلةِ يُفرَقُ، يعني: يُنسَخُ من اللَّوحِ المَحفوظِ ما يكونُ إلى العامِ القابِلِ مِنَ الرِّزقِ والأجَلِ والأمراضِ، والخِصْبِ والشِّدةِ. وروى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: إنَّك لَتَلقَى الرَّجُلَ في الأسواقِ وقد وقع اسمُه في الأمواتِ! ثم قرأ هذه الآيةَ)( .
وقال السَّمرقنديُّ أيضًا: (إنما سُمِّيَت ليلةَ القَدْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُقَدِّرُ في تلك الليلةِ ما يكونُ من السَّنَةِ القابِلةِ من أمرِ الموتِ والأجَلِ والرِّزقِ وغَيرِه)( .
وقال البيهقيُّ: (إنما قيل ليلةُ القَدْرِ بتسكينِ الدَّالِ؛ لأنَّه لم يُرَدْ به ليلةُ القَضاءِ، فإنَّ القَضاءَ سابِقٌ، وإنما أريدَ به تفصيلُ ما قد جرى به القَضاءُ وتجديدُه؛ ليكونَ ما يُلْقى إلى الملائكةِ في السَّنَةِ مُقَدَّرًا بمقدارٍ يَحصُره عِلْمُهم)( .
وقال الرَّازي:
(اختلفوا في أنَّه لمَ سُمِّيَت هذه اللَّيلةُ ليلةَ القَدْرِ، على وُجوهٍ:
أحَدُها: أنها ليلةُ تقديرِ الأمورِ والأحكامِ، قال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ قدَّر ما يكونُ في كُلِّ تلك السَّنَةِ من مَطَرٍ ورِزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى مِثلِ هذه الليلةِ من السَّنَةِ الآتيةِ، ونظيرُه قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4] ، واعلَمْ أنَّ تقديرَ اللهِ لا يحدُثُ في تلك الليلةِ، فإنَّه تعالى قدَّر المقاديرَ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ في الأزَلِ، بل المرادُ إظهارُ تلك الليلةَ المقاديرِ للملائكةِ... وهذا القَولُ اختيارُ عامَّةِ العُلَماءِ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (قال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميُّ: يُقَدَّرُ أمرُ السَّنَةِ كُلِّها في ليلةِ القَدْرِ، وهذا هو الصَّحيحُ، إنَّ القَدْرَ مصدَرُ قَدَر الشَّيءَ يَقدُره قَدْرًا، فهي ليلةُ الحُكمِ والتقديرِ. وقالت طائفةٌ: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ الشَّرَفِ والعَظَمةِ، من قَولهم: لفلان قَدْرٌ في النَّاسِ، فإن أراد صاحِبُ هذا القولِ أنَّ لها قَدْرًا وشَرَفًا، مع ما يكونُ فيها من التقديرِ، فقد أصاب، وإن أراد أن معنى القَدْرِ فيها هو الشَّرَفُ والخَطَرُ، فقد غلط؛ إنَّ اللهَ سُبحانَه أخبر أنَّ فيها يُفرَقُ، أي: يَفصِلُ اللهُ ويُبَيِّنُ ويُبرِمُ كلَّ أمرٍ حَكيمٍ)( .
وقال ابنُ باز: (يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، وهو ما يكونُ في السَّنَةِ، تُقَدَّرُ فيها حوادِثُ السَّنَةِ تفصيلًا من القَدَر السَّابقِ، وهذا من آياتِ اللهِ وحِكمتِه سُبحانَه وتعالى)( .
وقال ابنُ عثيمين: (التقديرُ الحَوليُّ: وهو الذي يكونُ في ليلة القَدْرِ، يُكتَبُ فيها ما يكونُ في السَّنَةِ؛ قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] )( .
5-
التقديرُ اليَوميُّ وهو سَوقُ المقاديرِ المكتوبةِ وتنفيذُ كُلِّ ذلك في مواضِعِه المُحَدَّدةِ ووَقْتِه المكتوبِ سابِقًا.
دليلُه:

قَولُ اللهِ سُبحانَه: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29].
قال الثعلبي: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شُؤونٌ يُعيدُها، لا شُؤونٌ يُبدِيها، ومجازُ الآيةِ: سَوقُ المقاديرِ إلى المواقيتِ)( .
وقال البغوي: (قال المفسِّرون: مِن شأنِه أن يحييَ ويميتَ ويَرزُقَ، ويُعِزَّ قَومًا ويُذِلَّ قَومًا، ويشفيَ مريضًا ويَفُكَّ عانيًا ويُفَرِّجَ مَكروبًا، ويجيبَ داعيًا ويعطيَ سائِلًا ويَغفِرَ ذنبًا، إلى ما لا يُحصى مِن أفعالِه وإحداثِه في خَلْقِه ما يشاءُ)( .
وقال ابنُ عطية: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: يُظهِرُ شأنًا من قُدرتِه التي قد سبقت في الأزَلِ في ميقاتِه من الزَّمَنِ من إحياءٍ وإماتةٍ ورِفعةٍ وخَفضٍ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي لا يَعلَمُ نهايَتَها إلَّا هو تعالى)( .
وقال ابنُ عثيمين: (ومنها التقديرُ اليوميُّ: كما ذكره بعضُ أهلِ العِلْمِ، واستدَلَّ له بقَولِه تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، فهو كُلَّ يومٍ يُغني فقيرًا، ويُفقِرُ غَنِيًّا، ويُوجِدُ مَعدومًا، ويُعدِمُ مَوجودًا، ويَبسُطُ الرِّزقَ ويَقْدِرُه، ويُنشِئُ السَّحابَ والمطَرَ، وغيرَ ذلك)( .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×