اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

سلسلة شرح الأربعين النووية

المشاركات التي تم ترشيحها

الحديث 26: «كل سُلامى من الناس عليه صدقة»



عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"[1].



عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى اتخاذ أسباب الائتلاف والمحبة، من عدل وإصلاح بين المتخاصمين، وتعاون في أمور الدين والدنيا، وحفظ اللسان إلا من طيب الكلام، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين.

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟

نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:

1- الإكثار من شكر الله على نعمة الخلق والإيجاد:قال صلى الله عليه وسلم: " كل سُلامى من الناس عليه صدقة ". والسُّلاميات: هي عظام الجسد ومفاصله التي يتركب منها الإنسان، وعددها 360 عظمًا ومفصلًا، ولولاها لما استطاع الإنسان القيام ولا التحرُّك، ولا يقدر هذه النعمة إلا من فقدها؛ كالمقعدين أو المصاب بالشلل، أو أصحاب أمراض المفاصل أو كسور العظام وغيرهم. ونبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة شكر هذه النعمة بالتصدُّق عليها في كل يوم، وهذا من نوع الشكر المستحب، فصدقة النفل مستحبة، وشكرها تبع لها، كما أن صدقة الواجب واجبة وشكرها واجب، وشكرها يكون بإخراج زكاة المال.

ونبَّهنا الله عز وجل إلى هذا النوع من الشكر (شكر نعمة الخلق) في كتابه بقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ [الانفطار: 6، 7]، وقوله: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾ [البلد: 8، 9].

2-أنواع الصدقات:ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أنواع الصدقات على سبيل التمثيل لا الحصر، والتي- إن فعلها العبد في يومه- يكون من الشاكرين والمتصدِّقين على سُلاميات جسده؛ ومنها:

1- الإصلاح بين المتخاصمين بالعدل: قال صلى الله عليه وسلم: "يعدل بين الاثنين صدقة". والعدل بين المتخاصمين صدقة يتعدى نفعها للغير، وقد اعتبر الله التناجي لأجل الإصلاح من خير النجوى؛ قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، وهذا كمن يصلح بين زوجين متخاصمين، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]، أو الصلح بين طائفتين من المؤمنين اختصما في أمر ما بالعدل؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ﴾ [الحجرات: 9، 10].

2- التعاون: قال صلى الله عليه وسلم: "ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة". فإذا أعنت الرجل على ركوب السيارة أو الحافلة، أو حملت مريضًا للنوم على سريره، أو ركوب سيارة الإسعاف، أو أعنت إنسانًا على رفع أمتعته الثقيلة على دابته أو سيارته، أو غير ذلك من أوجه التعاون، فهذا يعتبر صدقة، وينمي روح الجماعة والتضامن والأخوة بين المسلمين فتنتشر المحبة بينهم؛ قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2].

من أنواع الصدقات كذلك الواردة في الحديث:

الكلمة الطيبة: قال صلى الله عليه وسلم: "والكلمة الطيبة صدقة"؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر الله كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق من الأربعين: "إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ"[2].
وإلقاء التحية وردها كلمة طيبة، وكل كلمة تدخل بها السرور على الناس، وقول: (شكرًا) لمن قدم إليك معروفًا، وغيرها. قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10].
المشي إلى المسجد لأجل الصلاة:قال صلى الله عليه وسلم: "وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة". ففي هذا ترغيب في صلاة الجُمَع والجماعات، وحضور دروس العلم بالمساجد. وكلما بعدت الدار عن المسجد كثر الأجر نتيجة كثرة المشقة والخطى. ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ مَن بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إحْدَاهُما تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً" [3].

إماطة الأذى عن الطريق:قال صلى الله عليه وسلم: "ويميط الأذى عن الطريق صدقة". والإماطة: إزالة كل ما يؤذي الناس؛ كشوك أو حجر أو مسمار أو زجاج أو غصن شجرة متدلٍّ على الطريق، أو نجاسة أو ملء حفرة، أو وضع علامة للدلالة على خطر ما، وغيرها. قال صلى الله عليه وسلم: "الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ"[4].

فاجتهدوا- إخواني- في المنافسة في الخيرات، وأكثروا من العمل الصالح يكن لكم ذخرًا بين يدي ربكم. فاللهم وفقنا للخير واجعلنا هداةً مهتدين. آمين.


[1] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009.

[2] رواه مسلم، رقم: 1006.

[3] رواه مسلم، رقم: 666.

[4] رواه مسلم، رقم: 35.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث 27: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ»

عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[1].

وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَن الْبِرِّ؟»، قُلْت: نَعَمْ. فقَالَ: «استَفْتِ قلبَك، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك»[2].

عبادَ اللَّهِ، هذا الْحَدِيثُ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ البِرَّ كلمة جامعة لجميع أفعال الخير والطاعة، والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشرِّ والمعاصي؛ ولذلك قابَل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما.

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحدِيث؟

نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:

1- بعض علامات البِرِّ:وأشار النبيصلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى علامتين من علامات البرِّ وهما:

العلامة الأولى: حُسْنُ الخُلُق: فأعظم علامات البرِّ حُسْن الخُلُق مع الناسِ، وحُسْن المعاملة معهم، قالصلى الله عليه وسلم: «وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ»[3]. وقالصلى الله عليه وسلم: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ»[4]. عامل الناس بأخلاقك الطيبة لا بأخلاقهم، أحِبَّ لهم من الخير مثل ما تحب لنفسك، اكره لهم من الشرِّ مثل ما تكره لنفسك، خالطهم واصبر على أذاهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسَ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ»[5].

إذا كنت تاجرًا مثلًا: فكُن رحيمًا في بيعك وشرائك، قال صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى»[6]، فلا ترفعِ السعر إذا كنت بائعًا، ولا تُبخس قيمة السلعة إذا كنت مشتريًا، ولا تُشدِّد في طلب دُيونك إذا كان المَدين مُعسرًا، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، وعلى هذا القياس، فحسن الخلق جماع أنواع البر.

العلامة الثانية: ما اطمأنَّت إليه النفس واطمأنَّ إليه القلب: بعض الأمور تُحسُّ من أعماق قلبك أنَّك مُرتاح لفعلها، ويسكُن قلبُك إليها، خاصة لمن سلِمت حواسُّه، وصَفي قلبه، وخلُصت فِطرته. فهذه الأشياء التي تجد فيها قلبك مستأنِسًا بها، استمر عليها، وداوِم عليها، فهي من البر والطاعة. ومن أمثلة ذلك: ذكر الله، والإكثار منه، وقراءة القرآن، فمن ذا الذي يُجادل أنه طمأنينة، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

 

والذِّكر فيه حياة لقلوبنا كما space.gif
يُحيي البلاد إذا ما مسَّها المطرُ space.gif


وأنت حينما تخشع في صلاتك تحسُّ بالرضا عنها. حينما تُحسِن إلى أحدٍ من الناس وتساعده، فتفك عنه ضائقةً أو كُربةً؛ تحس بالانشراح والسَّعادة تغمُرك على القيام بهذا العمل. حينما يفوتك أمر أنت حريص عليه فتستحضر الرضا بقضاء الله وقدره، فيطمئن قلبُك بعد هذا الإيمان. حينما نستقيم عمومًا على منهج الله يرزقنا الله نورًا في قلوبنا نُبْصِر به الحق رغم كثرة المُفتين، ورغم كثرة الاختلافات، ورغم كثرة المُلبِّسين الحق بالباطل.


2- بعض علامات الإثم: وأشار إلى علامتين وهما:

العلامة الأولى: ما حَاك في النفس وتردَّد في الصدر: وهذه علامة داخلية بها تَعرف الإثم، فتُحس في قلبك عند اقترافه بالحَيرة والاضطراب والقلق وعدم الرضا، وتحسُّ بنكتة سوداء نكتة في قلبك.

الزاني حين يزني، السَّارق حين يسرق، الغاشُّ حين يغش، الظالم حين يظلم، الرَّاشي حين يُعطي رشوة والمُرتشي حين يقبضها، هؤلاء جميعًا وغيرهم من أصحاب المعاصي، حينما يقترفونها؛ يحسُّون ويشعرون بعُقدة الذنب، وبألم داخلي، وبنفس لوَّامة، إذا كانت فيهم بقية الفطرة، وبقية الخير. حينما يسألون العلماء ويزيِّنون لهم الأسئلة ليفتُوهم على حسب أهوائهم، ويفتوهم برأي معيَّن يستطيعون بفطرتهم معرفةَ أن هذه الفتوى لا تنطبق عليهم، فعليهم أن يتقوا الله. تسأل العالم ليرخِّص لك في الرِّبا وتقول بأنك من أصحاب الضرورة، وأنت تعلم يقينًا بأنك لست منهم. وحينما تسأل العالم بأنك مريض تريد الفطر في رمضان، وأنت تعلم بأنك مريض مرضًا تستطيع معه الصيام، فلا تأخذ بهذه الفتوى فإنك تأخذ جَمرة من نار «فَاستفت قلبك، (ولو) أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك»، وعلى هذا القياس.

العلامة الثانية: ما كرهت أن يطَّلِع عليه الناس: وهذه علامة خارجية بها تعرف الإثم، فتُخفيه عن الناس مخافة أن يطَّلِعوا عليه؛ لأنَّك تعلم يقينًا أن النَّاس تستنكر فِعْلك شرعًا أو عُرْفًا، إذا كان هذا العُرْف موافقًا للشرع.

فلماذا يتستَّر شارب الخمر حينما يشربها؟ ولماذا يتستر الزَّاني حينما يزني؟ ولماذا يسرق السَّارق خفية؟ ولماذا يُحاول الغشَّاش ستر غشِّه عن أعيُن المراقب في الامتحان؟ ولماذا يحاول التاجر الغشاشُ ستر السِّلْعة المغشُوشة وعيوب السِّلعة عن أعين المشتري؟ ولماذا الأبناء يحاولون تغيير القناة إذا دخل أحدُ الوالدين؟ ولماذا الزوجة تشفِّر هاتفها، وتمنع الزوج من الاطِّلاع عليه أو العكس؟ أسئلة كثيرة. سبب هذا التخفي والسِّتر كراهية اطِّلاع الغير عليه؛ لأنه منكر.

فاتقوا الله-عباد الله- واعلموا بأن أحقَّ من تستحي منه هو خالقك،قال تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108].

فاللهم اجعلنا ممن يخافك في السر والعلن. آمِين. (تتمة الدعاء).

[1] رواه مسلم، رقم: 2553.

[2] رواه أحمد في المسند، رقم: 17999، وحسَّن النووي إسناده.

[3] رواه الترمذي، رقم: 1987.

[4] رواه البخاري، رقم: 6032.

[5] رواه ابن ماجه، رقم: 4032.

[6] رواه البخاري، رقم: 2076.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث 28: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً»

عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا. فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»[1].

عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. اشتمل على وصية عظيمة جامعة شاملة، أوصى فيها بتقوى الله، وطاعة أولي الأمر، والاعتصام بالسُّنَّة، والتحذير من البدعة، لأجل سعادة الدارين.


فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟
نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:


1- أهمية الوعظ والإرشاد الديني: قال العرباض بن سارية: «صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا". وقال تعالى آمرًا نبيه: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[النحل: 125]، فالوعظ مهمة نبوية، ومهمة العلماء الدعاة من بعده، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخولهم بالموعظة والنصيحة بعد الصلاة، أو في مناسبات، ولا يكثر مخافة السآمة عليهم.

وعلينا إحياء هذه السُّنَّة؛ سُنَّة الوعظ، وتوظيف الوسائل المعاصرة في التواصل للوصول إلى أكبر عدد من الناس، مع مراعاة الأسلوب البليغ وباللغة المفهومة للفئات المستهدفة، واختيار الأوقات المناسبة، والمواضيع المهمة، والحرص على الاختصار والإتقان، وأن تكون مؤثرة. والدال على تأثير هذه الموعظة النبوية؛ أن عيونهم ذرفت، وقلوبهم وجلت، حتى قال قائل منهم: كأنها موعظة مودع؟


وليحرص الواعظ على فهم موضوع موعظته جيدًا، مؤمنًا ومطبقًا لما يقول، قدوة لسامعيه في القول والفعل، مستحضرًا قول شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[هود: 88].

2- الوصية بتقوى الله: قال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله"، ورأينا في الحديث الثامن عشر من الأربعين قوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت". والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهي وصية الله للأوَّلين والآخرين، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ[النساء: 131]، فاتقوا الله عباد الله بفعل ما يجلب رضاه، وابتعدوا عن كل ما يجلب سخطه تفلحوا وتسعدوا.

3- الوصية بطاعة أولي الأمر: قال صلى الله عليه وسلم: "(أوصيكم بـ) السمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا"، وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[النساء: 59]. وطاعة ولي الأمر مشروطة بالمعروف، فلا طاعة له إذا أمر بمعصية الله أو معصية رسوله. قالصلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف"[2]. فأطيعوا عباد الله ولاة أموركم، فإن عدم طاعتهم بالمعروف مجلبة للفتن والفوضى، وقد عشنا حتى رأينا هذه الفوضى الناتجة عن الخروج عن ولي الأمر بدون مسوغ شرعي كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتجنبوا التعصُّب لشخص أو شيخ أو عالم أو مذهب أو حاكم أو مسؤول مهما علت مكانته، وضعوا الحق نصب أعينكم تعرفوا أهله، فالرجال يُعرَفون بالحق، ولا يُعْرَف الحق بالرجال.

4- الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة ونبذ الخلاف والفرقة: قال صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ"، وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[الحشر: 7]. والاعتصام بالسُّنَّة؛ يعني التمسك بها، واتِّباعها، والعمل بها، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم. وهو واجب على كل مسلم، وسبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: "إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه"[3]. وقال الإمام مالك: "السُّنَّة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق"[4]. فأين قول مالك رحمه الله ممن يدعون أنفسهم (بالقرآنيين)، والقرآن منهم براء؟ فيدعون إلى الاكتفاء بالقرآن فقط كمصدر للتشريع وإهمال السُّنَّة. هؤلاء يريدون إغراق سفينة الأمة، والنظر إلى الدين بعين واحدة. والنبي صلى الله عليه وسلمقال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"[5]. فاجتهدوا- إخواني- في تعلم سُنَّة نبيِّكم، وتطبيقها، والتأسي بها في حياتكم، والذود والدفاع عنها.

5- التحذير من الابتداع في الدين: أما في أمور الدنيا والحياة فالواجب الاجتهاد، والاختراع، والإبداع، حتى يتفوق المسلمون على غيرهم. أما في الدين فقال صلى الله عليه وسلم: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". ومحدثات الأمور أو البدعة تعني تحريم استحداث أي أمر في الدين لم يشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتحذير من الوقوع فيها، بعد الكمال والتمام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. والبدعة خروج عن المنهج الصحيح واتباع للهوى، وهي مردودة على صاحبها؛ قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ"[6]، فمن اعتزل الناس لأجل التعبُّد وترهبن فقد ابتدع؛ قال تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا[الحديد: 27]، ومن زاد في شرع الله ما ليس منه في الكيفية والعدد كمن زاد ركعة في الصلاة دون سهو؛ فهو مبتدع، ومن أتى بقول مخالف لإجماع المسلمين كما سبق معنا عن (القرآنيين)، فهو مبتدع، وعلى هذا القياس. فالمبتدع نصب نفسه معاندًا للشرع ويتهمه بالنقصان وعدم الكمال؛ قال تعالى:﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ[الشورى: 21].

فاللهم اجعلنا من المعتصمين بكتابك وسُنَّة نبيِّك، المجتنبين للمحدثات البدائع في الدين. آمين. (تتمة الدعاء).

[1] رواه الدارمي في مسنده، رقم: 96. وأبو داود، رقم: 4607. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 2735.

[2] رواه البخاري، رقم: 7257.

[3] رواه الحاكم، رقم: 318.

[4] تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 8/308.

[5] رواه أبو داود، رقم: 4604.

[6] رواه البخاري، رقم:2697.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث (29) «أخبرني بعمل يدخلني الجنة...»

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على مَنْ يَسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، وصلاة الرجل من جوف الليل قال، ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ [السجدة: 17]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كُفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أُمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"[1].

 

 

عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، اشتمل على جواب لسؤال عظيم عن الأعمال التي تُدخِل الجنة وتُبْعِد عن النار.


 

فما هي هذه الأعمال والفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟

نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:
 

1- أهمية السؤال في تعلُّم أمور الدين والحرص على الأعمال الصالحة: لسؤال معاذ رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخبرني بعمل يُدخِلني الجنة ويُباعِدني عن النار". فالسؤال طريق للعلم؛قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]، وكثيرًا ما تجدون في القرآن:﴿ يَسْأَلُونَكَ، ويرشد الله نبيَّهصلى الله عليه وسلم للجواب. وفي السُّنَّة كثيرًا ما نجد أسئلة الصحابة أو الأعراب للنبيصلى الله عليه وسلم، فيجيبهم بما ينفعهم في أمور دينهم. وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: كيف أصبت هذا العلم؟ قال: "بلسان سؤول، وقلب عقول"[2]. فعلينا إحياء هذه السُّنَّة بسؤال العلماء عن أمور ديننا وعدم الخجل؛ حتى نتفقه في ديننا، شريطة التزام الأدب في ذلك، وسؤال سؤال الجاهل الذي يريد أن يعرف، وعدم السؤال لأجل تتَبُّع الرُّخَص.


 

2- أهمية الجواب على أسئلة الناس وإضافة ما ينتفعون به من غير أن يسألوه والتدرُّج في تعليمهم: فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب معاذًا، بل أضاف أسئلةً أخرى لم يطلبها وأجاب عنها، حتى يفيده ويستفيد غيره، فقال: "ألا أدلُّك على أبواب الخير؟"، وقال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه"، وقال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟"، ثم تدرَّج معه في الجواب، فبدأ بالفرائض والأصول والقواعد، ثم النوافل؛ فعلى العلماء والدُّعاة إلى الله الاستفادة من المنهج النبوي في طرح أسئلة على المستمعين، بهدف التشويق وتحفيز ذاكرتهم، وإضافة ما لا يتضمنه السؤال، إذا كان فيه فائدة للسائل وغيره.


 

3- الأعمال الصالحة وأبواب الخير التي تدخل الجنة وتبعد من النار: منها: الحفاظ على أركان الإسلام الخمسة: وحدَّدها النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه قائلًا: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". وقد سبق الحديث عنها في الحديث الثالث من الأربعين (بُني الإسلام على خمس). وتم إعادة ذكر رأس الأمر وهو الإسلام، ويقصد به الشهادتين؛ لأنها بمنزلة الرأس من الجسد بالنسبة للدين، وكما أنه لا بقاء للجسد من دون رأس، فكذلك لا بقاء للدين من دون شهادتين. كما تم ذكر عمود الدين وهو الصلاة تشبيهًا لها بعمود الفسطاط (خيمة كبيرة)، فالدين لا يقوم بدون صلاة، وهذا التكرار لأجل التأكيد على منزلة الشهادتين، والصلاة ضمن أركان الإسلام.

 

ومنها: الحفاظ على النوافل والمستحبات: والمعبر عنها في الحديث بأبواب الخير، وحددها النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه قائلًا: "الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ [السجدة: 17]". والصوم هناك صوم غير رمضان المفروض؛ كصيام الاثنين والخميس، وعاشوراء، وعرفة، وثلاثة أيام من كل شهر، وستة أيام من شوال وغيرها، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فائدته في كونه جُنَّة- أي: وقاية لصاحبه من المعاصي والنار وغيرها- كالفوائد الصحية للصيام.

 

والصدقة هناك صدقة غير الزكاة المفروضة؛ كالتصدُّق على المساكين، وسقي الماء، وغيرهما من أنواع الصدقات التطوعيَّة، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فائدتها في كونها تطفئ خطايانا كما يطفئ الماءُ النارَ.

 

وقيام الليل من النوافل التي أجْرُها عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بقيام الليل، فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد"[3].

 

فاللهم اجعلنا من المحافظين على حدودك، القائمين بفرائضك، المتطوعين بنوافل الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

ومن الأعمال الصالحة وأبواب الخير التي تُدخِل الجنة وتُبعِد من النار؛ إحياء فريضة الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام: وشبه بسنام الجمل، وهو أعلى شيء فيه، فكذلك أعلى ما في الدين هو الجهاد؛ لأن به تعلو راية الدين على سائر الأديان، وبه يُعَزُّ الإسلام والمسلمون، ويُذَلُّ الشرك والمشركون؛ ولذلك حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"[4]. وما لحق المسلمين اليوم من الذل والهوان واستباحة بيضتهم من الأعداء، ما هو إلا بسبب تركهم للجهاد، وترك الأخذ بأسباب الإعداد والقوة في شتى الميادين، فأصبحوا يشترون أسلحتهم من أعدائهم. فأيُّ عِزٍّ يُرجى لمن يعتمد على عدوِّه في سلاحه؟ وهل عدوُّك سيبيع لك ما يجعلك تتفوَّق عليه؟ وقد يشترط عليك أن يتوجه هذا السلاح لمقاتلة إخوانك في الدين حتى يضمن تفرُّق كلمة المسلمين وتناحرهم فيما بينهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

ومنها: كف شر اللسان عن الناس: قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كُفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم". قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]، وقال:﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24]. فسلامةُ الناس من شرِّ لسانك دليلُ الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم مَنْ سَلِم المسلمون من لسانه ويده"[5]، فالسلامة والنجاة في ضبط اللسان، فمن ضبط لسانه ملك زمام أمره، واللسان عضلة صغيرة كثيرة الكلام، به تزرع الخير أو الشر، والحصاد يكون في الدنيا والآخرة. وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه ويقول: "قل خيرًا تغنم أو اسكت عن شرٍّ تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم"[6].


 

ورحمة الله على الشافعي إذ يقول:

إذا رمت أن تحيا سليمًا من الردى space.gif
ودينك موفور وعرضك صين space.gif
لسانك لا تذكر به عورة امرئ space.gif
فكُلُّك عورات وللناس ألْسُنُ space.gif
وعيناك إن أبدت إليك معايبًا space.gif
فَدَعْها وقل يا عين للناس أعين space.gif
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى space.gif
ودافع ولكن بالتي هي أحسن space.gif

 

فاللهم احفظ ألسنتنا من السوء، وأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. آمين. .


[1] رواه الترمذي، رقم: 2616. وقال: حديث حسن صحيح. وانظر: صحيح الجامع، رقم: 5136.

[2] فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، رقم: 1903.

[3] صحيح الجامع، رقم: 4079.

[4] رواه البخاري، رقم: 2518.

[5] رواه البخاري، رقم: 10.

[6] الصمت وآداب اللسان، ابن أبي الدنيا، رقم: 439. وحلية الأولياء، لأبي نعيم، رقم: 1 /327.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث (30) «إن الله عز وجل فرض فرائض...»

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها،وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها»[1].
عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ورغم تضعيف بعض العلماء له من حيث إسناده، فإن مرادنا وتركيزنا على معانيه، ومعانيه صحيحة بشواهد أخرى. والحديث في بيان أحكام الدين، وهي أربعة أقسام: فرائض، وحدود، ومحارم، ومسكوت عنه.

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟
نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:
1- عدم تضييع الفرائض: الفرائض هي ما أوجبه الله على عباده، ومنها في باب العبادات؛ كالتوحيد، والصلاة، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وغيرها. وكل عبادة لها فرائض بالمعنى الفقهي عند الفقهاء التي لا تصحُّ بدونها؛ كالنية في كل العبادات وقراءة الفاتحة في الصلاة. والفرض منه ما هو عيني؛ كإقامة الصلوات الخمس، فتجب على كل واحد توفَّرت فيه شروط الصلاة بعينه. وفرض كفاية؛ بحيث لو قام به البعض يكفي؛ كصلاة الجنازة، والجهاد في سبيل الله.
وهناك فرائض في أبواب المعاملات والعلاقات بين الناس؛ كَبِرِّ الوالدين؛ قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23]. والعدل والوفاء بالعقود والعهود والالتزامات وغيرها؛ قال تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1].
وهذه الفرائض يجب عدم تضييعها؛ بل من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربِّه، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه"[2]، فحافظوا على فرائض الله- عباد الله- تنالوا وتفوزوا بمحبَّة الله.
2- عدم الاعتداء على حدود الله: قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 229]. وحدود الله هي أوامره ونواهيه، وهي تشمل الفرائض والمحرَّمات والحدود الشرعية (يعني العقوبات المحددة)؛ فمثلًا: حد الزاني والزانية الجلد إذا كانا غير محصنين؛ قال تعالى:﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: 2]، وحد السارق قطع اليد من الرسغ (المعصم) إذا تحققت فيه الشروط؛ كأن تكون قيمة المسروق ربع دينار فصاعدًا؛ قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: 38]، والتي توفي عنها زوجها تعتدُّ أربعة أشهر وعشرة أيام؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: 234].
فعلى الأمة الرجوع إلى حدود الله، وعدم الاعتداء عليها بتحكيم شرعه في العقوبات والجنايات، وعدم استنساخ قوانين غيرها، وترك شريعة ربها وراءها ظهريًّا.
3- عدم انتهاك المحرمات: والمحرمات هي الأمور المنهي عنها في كتاب ربنا أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. وهي قسمان: كبائر الذنوب التي فيها وعيد شديد؛ كالشرك، وقتل النفس المحرمة، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، وشرب الخمر، والسحر، والزنا، والسرقة، وغيرها؛ فوجب اجتنابها، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 31]، وصغائر الذنوب وهي التي ليس فيها وعيد شديد؛ كنظر الفجأة، والتأخُّر عن صلاة الجماعة، وكثرة الكلام بما لا فائدة فيه، وإساءة الأدب في الكلام دون سبٍّ أو قذف، وسماع الكلام الباطل؛ كالغيبة دون المشاركة فيها، وتطويل الأظافر، وغيرها. وإدمان الصغائر يجعلها من الكبائر، ومن المكفِّرات لها ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر"[3].

4- عدم البحث عن المسكوت عنه: وهي الأمور التي لم يرد فيها نصٌّ بإيجاب أو تحريم، وسكتت عنها الشريعة تخفيفًا على العباد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"، فوجب السكوت عنها حتى لا تأتي أحكام تكون فيها المشقة، وهذا النهي خاص بزمان نزول الوحي، أو السؤال عن تفاصيل دقيقة وأمور غير مهمة لا تنفع السائل في شيء؛ قال تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ [المائدة: 101، 102].
ومثال الأمور المسكوت عنها: السؤال عن اسم كلب أصحاب الكهف، أو تعيين عددهم، أو اسم الغلام الذي قتله الخضر، أو اسم مؤمن آل فرعون، أو موضع جبل الطور، أو التشدُّد في تعيين ليلة القَدْر، أو تعيين وقت قيام الساعة، أو وقت زوال دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو مكان دفن الأنبياء، أو تعيين أسماء المنافقين، أو تعيين وقت النفخ في الصور، وغيرها؛ إذ لو كان فيه فائدة في معرفتها لوجدنا الجواب في القرآن أو السُّنَّة.
ومثالها كذلك السؤال عن حكم الأطعمة التي لم يرد نص في تحريمها، أو حكم ركوب السيارة والطائرة أو استعمال الوسائل الحديثة المبتكرة، أو الألعاب المبتكرة إذا خلت من القمار أو المحرمات، فهذه الأمور وغيرها على قاعدة "الأصل فيها الإباحة ما لم يرد دليل في التحريم، أو يترتب عنها ضرر"، وقاعدة "ما سكتت عنه الشريعة فهو عفو".

والفائدة في هذا السكوت، إلى جانب الرحمة والشفقة، توجيه الأمة الى الاشتغال بما ينفعها، والابتعاد عن الجدال العقيم الذي لا يثمر عملًا، وتحقيق علم الله المطلق لكل الأشياء، فيشعر العبد بضعفه وجهله، فتجنَّبوا- رحمكم الله- كثرة السؤال، أو البحث بتكلُّف في الأمور المسكوت عنها، ولا تُضيِّقوا ما وسَّعه الله عليكم، ولا تتشددوا فيشدد الله عليكم، والتزموا الوسط، فشريعة الله عدل وسط، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه.

فاللهم اجعلنا من المشتغلين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. آمين.

[1] رواه الدارقطني، رقم: 4396. وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريجه لرياض الصالحين، رقم: 1832. وضعَّفه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 1841.
[2] رواه البخاري، رقم: 6502.
[3] رواه مسلم، رقم: 233.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث 31: «ازهد في الدنيا يحبك الله...»

عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبَّني الله وأحبَّني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»[1].

 

عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، بين فيه سبب محبة الله للعبد، وسبب محبة الناس للعبد.

 

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟

 

نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:

1- الحرص على الخير: فالصحابة- رضوان الله عليهم- من أحرص الناس على الخير، ولا أدلكم على ذلك من هذا السؤال لسهل بن سعد الساعدي- رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبَّني الله وأحبَّني الناس؟". وقد رأينا في الحديث التاسع والعشرين سؤال معاذ بن جبل- رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخبرني بعمل يُدخِلني الجنة ويُباعِدني عن النار"[2]؛ فدلَّ على حرص معاذ على هذا العمل الذي يُدخِل الجنة ويُبعِد من النار. وسهل بن سعد الساعدي في هذا الحديث يسأل عن سبب نيل محبة الله، وسبب نيل محبة الناس، ولا شك أنه سؤال عظيم يدلُّ على الحرص على الخير؛ لأن من أحبَّه الله يضع له القبول في الأرض، ومن أبغضه يضع له البغضاء في الأرض، ومن أحبه الناس أكرموه وسمعوا لدعوته وألفوه، ومن أبغضه الناس تركوا الأخذ عنه، فتخسر دعوته.

 

ونستفيد من هذا- إخواني- أن نحرص على السؤال عما ينفعنا من أمور ديننا ودنيانا، وأن نأخذ بأسباب نيل محبة الله ومحبة الناس. فما هي هذه الأسباب؟

 

2- السبب الأول: ازهد في الدنيا يحبك الله: الزهد أن تترك في الدنيا ما لا ينفع في الآخرة، والورع أن تترك ما تخاف ضرره في الآخرة [3]. وليس من الزهد ترك الدنيا بالكلية ولبس الخشن من الثوب، وأكل الرديء من الطعام، أو ترك الزواج، أو الزهد في العلم الشرعي، وغيرها من مظاهر الزهد الظاهري، كلا، بل الزهد الحقيقي في زهد القلب عن حب الدنيا والركون إليها، ولو كان من أغنى الناس، فهذا سليمان عليه السلام طلب الدنيا وقال: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [ص: 35]؛ فسخَّر الله له الجن والريح وغير ذلك من مظاهر الملك والرياسة، ومع ذا كان أزهد الناس، فلما ألهته الدنيا- ومنها الخيل- عن ذكر ربه، وعن صلاة العصر ضربها بالسيف؛ قال تعالى: ﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ [ص: 32، 33]، وبهذا نال محبة الله فجمع له بين النبوَّة والملك؛ قال تعالى: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ [ص: 39، 40]. والنبي صلى الله عليه وسلم إمام الزاهدين، وله تسع نسوة، وبعض الصحابة كانوا من أزهد الناس، ولهم من المال الشيء الكثير؛ كأبي بكر الذي تصدَّق بكل ماله، وعمر الذي تصدَّق بنصف ماله، وعثمان الذي جهَّز جيش العسرة رضي الله عن الجميع.

 

فالأنبياء والصالحون من العلماء العارفين عرَفوا معنى الزهد الحقيقي، وأخذوا بأسباب النجاة يوم القيامة، وفقهوا خطاب ربهم الذي يبين حقيقة الدنيا في قوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: 96]. فالزاهد يعلم أن ما عنده من زخرف الدنيا إلى زوال. وقوله تعالى: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، فالزاهد يعلم أنها لعب ولهو وزينة، وأنها متاع الغرور. وقوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 23]، فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود. فقهوا هذه الآيات وغيرها في معنى الزهد، وفقهوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها"[4]. فهموا من الحديث أن موضع العصا خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها، بكل ما فيها من نعيم وترف. فهل يفضل عاقل- بعد هذا- الدنيا؟ وكيف يؤثر أقوام الدنيا على الآخرة؟ وكيف ينغمسون في شهواتهم، ويتكاسلون عن الصلوات، ويتثاقلون عن ذكر الله، ويخونون الأمانات؟ وكيف يعملون لها ويحبون من أجلها ويبغضون من أجلها وهم يعلمون أنهم عنها راحلون؟

 

3- ازهد فيما عند الناس يحبك الناس: مفتاح السعادة الحقيقية في العلاقة مع الناس، ومفتاح جلب محبتهم، هو الزهد مما في أيديهم من حطام الدنيا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"؛ لأن الناس مجبولون على كره من ينازعهم ما في أيديهم. قال الشافعي رحمه الله:

فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها space.gif
وإن تجتذبها نازعتك كلابها space.gif
 
space.gif
space.gif

وليس كذلك من الزهد مما في أيدي الناس، رفض مساعدتهم فيما يقدرون عليه، فهذه مخالفة لسنن الله، الذي سخَّر البعض لخدمة البعض؛ قال تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32]، فلا نقول: من الزهد إذا مرضت أن تزهد في خدمات الطبيب، وإذا تعطلت سيارتك أن تزهد في خدمات الميكانيكي، فهذا زهد أعوج لا تستقيم معه الحياة. وذم سبحانه الذين يمنعون الماعون؛ قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 7]، فلا تمتنع من تقديم خدماتك ومهاراتك لمساعدة إخوانك وما يسهم في تقدم الإسلام والمسلمين؛ لكن بالمقابل لا تطمع في أحد، ولا تطمع فيما ليس من حقك؛ كأكل الميراث، أو الغش في المعاملة، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو التنافس والغضب لأجل دنيا الناس، أو مجاملتهم على حسب دينك، قال صلى الله عليه وسلم: "من التمس رضا الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس"[5].

 

فاللهم اجعلنا من الزاهدين مما في أيدي الناس، المتعاونين مع إخوانهم على البر والتقوى. آمين.

 

 

[1] رواه ابن ماجه، رقم: 4102. وصححه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 476.

[2] رواه الترمذي، رقم: 2616. وقال: حديث حسن صحيح. وانظر: صحيح الجامع، رقم 5136.

[3] انظر: مدارج السالكين، ابن القيم: 2/ 12.

[4] رواه البخاري، رقم: 2892.

[5] صحيح الترغيب، رقم: 2250.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث 32:((لا ضرر ولا ضرار))

عن أبي سعيد الخدري سعد بن سنان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا ضرر ولا ضرار))[1].

عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأحاديث الذي يدور عليها الفقه، وأصل لقاعدة الفقهاء: (لا ضرر ولا ضرار)، ومعناها: (لا ضرر)؛ أي: لا يصدر منك الضرر كيفما كان تجاه نفسك، أو تجاه أخيك المسلم بدون حقٍّ، و(لا ضرار)؛ أي: لا تعامل بالمثل مع من ضرك، فتلحق به الضرر بناءً على ضرره الأول، فهو – إذًا - تحقيق لمصالح العباد، ودفع المفاسد عنهم، وحث على مكارم الأخلاق، ونهي عن الظلم والاعتداء؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا))[2]، وهذا الحديث له فوائد عظيمة وتطبيقات في واقعنا.

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟

نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:

1- النهي عن الضرر: وله أمثلة كثيرة في الواقع؛ منها:عدم الغلو والتشدد والإفراط في العبادة؛ لأن فيه ضررًا بالنفس، ويفضي إلى عدم الاستمرار، فوجب التزام منهج الوسط والاعتدال، كمن يصوم صوم الوصال - يعني يصوم يوميًّا ولا يفطر - أو من يقوم الليل كله دائمًا ولا ينام، أو يترك الزواج للتفرغ للعبادة رغم حاجته إليه؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((إن الدين يُسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا)))[3]، فالمظاهر السابقة غلو، وإضرار بالنفس وربما بمصالح الغير، تصوروا معي موظفًا يقوم الليل، ولا يأخذ قسطًا من الراحة، ويأتي إلى عمله كسلانًا، ألَا يضر هذا بمصالح الناس وحوائجهم؟

في مجال الأسرة والحياة الزوجية؛ قد يضر الإنسان بزوجته إذا امتنع عن الإنفاق، وتضر به إذا امتنعت عن فراش الزوجية؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34]، وقد يقع بينهما شقاق، ولا سبيل إلى الإصلاح، فيتركها الزوج معلَّقة، فلا هي بزوجة ولا مطلَّقة، وهذا فيه ضرر؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنّ َ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231]، وقد ترفض المطلقة إرضاع ابنها إضرارًا بأبيه، وهذا ضرر بالأب والابن؛ قال تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]، وقد يضر الاب ابنته فيمنعها من الزواج ممن تحب - إذا كان صالحًا - أو يزوجها ممن تكره، أو يزوجها بغير إذنها أو رضاها، وهذه الصور كلها من الضرر لا تقرها الشريعة؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، وقد يوصي الأب بأكثر من ثلث ماله إضرارًا بباقي الورثة، كما منع النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص من الوصية بأكثر من الثلث، أو يوصي لوارث؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث))[4].وفي العلاقات الاجتماعية والتجارية؛ قد يضر الإنسان بجاره فيلقي – مثلًا - القمامة أمام منزله، أو يُقلق راحته برفع الأصوات، أو يتجسس على عورة بيته، وغيرها من أنواع الضرر مخالفًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالجار؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه))[5]، والبوائق هي الشرور والظلم والتعدي، وقد يغش البائع في السلعة، أو يخفي عيوبًا في المبيع، أو يحتكر سلعًا عن الناس في وقت الحاجة إليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من احتكر فهو خاطئ))[6]، أو يقرض المقرض بالربا، أو يعطي الراشي رشوةً لإبطال حق أو استحقاق ما ليس له، وكل هذا من الضرر وأكل أموال الناس بالباطل.

وفي التكنولوجيا والإعلام المعاصر؛ من ينشر الشائعات على وسائل التواصل، أو يخترق حسابات الآخرين، أو يسرق بياناتهم، أو ينشر صورًا بغير إذنهم، أو يشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ بنشر صور أو فيديوهات مخلة بالحياء، وغيرها، كل هذا من صور الإضرار بالآخرين، وهي صور كثيرة في مختلف المجالات، وقصدنا التنبيه على بعضها لأجل تجنبها.

2- النهي عن الضرار: والضرار هو التعامل بالمثل مع من ضرَّك، فتلحق به الضرر بناءً على ضرره الأول – كما أسلفنا - أو تزيد بضرر أكبر مما ضرك به، وله أمثلة كثيرة في الواقع؛ منها:

أن تضرب من سبَّك؛ كثيرًا ما نعاقب من أساء في حقنا بأكثر مما فعل بنا، وهذا ظلم؛ لأن المعاملة بالمثل عدل تقره الشريعة لمن أراد سلوك هذا المسلك، وترك المعاقبة بالمثل مندوب وخير ومستحب؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، ولا شك أن الضرب أكثر من السب وفوقه في الرد، فلا يجوز لك أن تضرب من سبَّك، لأنه نوع من الإضرار بأخيك.بل إذا ترتب عن المعاملة بالمثل إلحاق الضرر بجهة أخرى لا يجوز، كمن يسبك وتسب أنت والديه، فما دخل الوالدين في الموضوع؟ وهذا كثير في الواقع، بل من الكبائر أن تتسبب في لعن والديك من غير قصد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه))[7] ، ونهى الله المسلمين من سب آلهة المشركين وهي باطل، حتى لا يفضي ذلك إلى أن يسبوا الله الحقَّ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108].

توسيع دائرة الضرر عن طريق المعاملة بالمثل دون فائدة؛ فإذا تسبَّب لنا الجار في رمي نُفاياته أمام المنزل وعاملناه بالمثل، وإذا أتلف لنا شخص مالًا أو محصولًا زراعيًّا وعاملناه بالمثل دون المطالبة بالضمان، وإذا كنت أسوق سيارتي وأضرني سائق بسبب عدم احترامه لقانون السير، أو التهور في السياقة، فعاملته بنفس التهور، وإذا قاطعني قريب أو لم يستجب لدعوتي إياه لوليمة، وعاملته بنفس المقاطعة وعدم الاستجابة، وعلى هذا القياس، فمتى يصلح حال الأمة والأفراد؟ ومتى نعدل علاقاتنا فيما بيننا؟ ومتى سينتهي الفعل ورد الفعل؟ بل من طبيعة البشر في الرد؛ أن يرد الصاع صاعين، ويكيل بمكيالين، وينتقم شرَّ انتقام؛ فاحفظوا وصية نبينا صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، وتجنبوا البدء بالضرر، وتجنبوا مقابلة الضرر بالضرر، فمن ضارَّ ضرَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه.
فاللهم إنا نعوذ بك من إلحاق الضرر بالآخرين، ونعوذ بك من مقابلة الضرر بالضرر، آمين.


[1] رواه مالك في الموطأ، رقم: 600، وابن ماجه، رقم: 2341، والدارقطني، رقم: 3079، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 250.
[2] رواه مسلم، رقم: 2577.
[3] رواه البخاري، رقم: 39.
[4] رواه البخاري، رقم: 39.
[5] رواه البخاري، رقم: 6016.
[6] رواه مسلم، رقم: 1605.
[7] رواه البخاري، رقم: 5973.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحديث 33: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر» [1].
عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأحاديث التي يدور عليها الفقه، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام. وضع أسس الحكم بين الناس حتى تُصان الحقوق، وتُحفظ الأعراض، ويُقام العدل، ويأخذ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه.

فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:
1- بعض تطبيقات القاعدة في مجال الدعوة إلى الله: من ذلك: تأييد الله رسله بالبينات والمعجزات:الله عز وجل أرسل الرسل، ومن طبيعة البشر طلب البينة على الدعوى؛ دعوى الرسالة، فأيَّد الله رُسُلَه بالبيِّنات حتى يصدقهم الناس؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ [الحديد: 25]؛ ولذلك طلب فرعون من موسى البينة، فقال: ﴿ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [الأعراف: 106]، فأيَّده الله بالعصا وغيرها. وصالح عليه السلام قال لقومه: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ [الأعراف: 73]. ورسولنا صلى الله عليه وسلم أعطاه الله القرآن كدليل وبرهان على رسالته، وتحدَّى قومه بأن يأتوا بمثله، أو بسورة، أو آية؛ فلم يستطيعوا، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"[2].
فالله عز وجل أيَّدهم بالبينات الدالة على صدق دعواهم بالرسالة، فالبينة على المدعي. وعلى الدعاة إلى الله عز وجل التسلُّح بالعلم والحجة والبينة والدليل في مخاطبة الناس؛ حتى يكون لكلامهم صدق وقوة وجاذبية، فإذا أرادوا تقرير عقيدة البعث، أو تحريم شيء من المحرمات؛ كالربا والخمر وغيرهما، أيَّدوا كلامهم بالأدلة من القرآن والسُّنَّة، والاستعانة بالأدلة العقلية كذلك؛ حتى يستطيعوا تفنيد الشبهات، واستمالة الناس بقوة الحجة والبيان.
بطلان دعوى من لا بينة له، ومن ذلك: بطلان دعوى أدعياء النبوَّة: هناك أدعياء النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ كمسيلمة الكذَّاب، والأسود العنسي، وغيرهما، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجَّالون كذَّابون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله"([3]).
والمقرر في عقيدتنا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40]، ولأن هؤلاء دجَّالون كذَّابون فقد عجزوا عن إثبات دعواهم بالبيِّنة، وإنما دفعهم لذلك الهوى وحب الزعامة والسلطة وغيرها من الأسباب. وقد قبض على أحدهم يدَّعي النبوَّة، فقيل له: لمن بعثت؟ فأجاب: ما تركتموني حتى أبعث، بعثت في الصباح وقبضتم عليَّ في المساء! فهؤلاء وأمثالهم أحقر من أن يقيموا البينة على دعواهم.
بطلان دعوى اليهود والنصارى: نقرأ في القرآن الكريم بعض ادِّعاءات اليهود والنصارى، وهي ادعاءات باطلة ومرفوضة؛ لأنها غير مسنودة بالبينة والدليل، ومن ذلك مثلًا قول اليهود والنصارى كما حكى الله عنهم: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة: 18]، وهذه دعوى تحتاج إلى بينة ودليل؛ ولذلك أمر الله رسوله بالرد عليهم فقال له: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18]، فالله عز وجل لا يعذب من أحب؛ بل أنتم بشر كالبشر، من أحسن منكم جازاه بالجنة، ومن أساء منكم عاقبه بالنار. كما ادعى اليهود أن عزيرًا ابنُ الله، وادعت النصارى أن عيسى ابنُ الله، وادعوا أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات، وهذا وغيره من ادعاءاتهم الباطلة المذكورة في القرآن؛ لأنه لا بيِّنة لهم فيها، بل كذَّبها الله عز وجل فيما كذَّب من تحريفاتهم لكتبهم.

2- بعض تطبيقات القاعدة في مجال الفقه والقضاء: فمن اتهم رجلًا أو امرأةً بالزنا فعليه أن يقيم البينة على دعواه، وإلا عُدَّ قاذفًا؛ فيطبق عليه الحد، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4]، فلا بد من أربعة شهود من الرجال لإثبات شهادة الزنا. والزاني أو الزانية إذا اعترافا فهو بينة، أو ظهر حمل المرأة. ويطلب القاضي شهادة رجلين في الحدود؛ كالقتل والسرقة والخمر وغيرهما؛ قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2].

وفي الحقوق المالية؛ كالبيع والقرض، فلا بد من شاهدين أو شاهد وامرأتين؛ قال تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [البقرة: 282]. وفي الأمور التي لا يطَّلِع عليها إلا النساء تقبل شهادتهن بشرط أن تكون المرأة ثقةً؛ كأمور الرضاع والولادة والبكارة وغيرها. فإذا قالت المرأة أنها أرضعت فلانًا أو فلانة يسمع لها؛ لأن ذلك له أثر في الزواج، وغيرها من الأحكام. والمدعى عليه إذا لم يستطع المدعي إقامة الحجة، فإنه يحلف؛ لأن اليمين أقل حجةً من البينة، قال صلى الله عليه وسلم: «واليمين على من أنكر». والحلف يكون بالله، وإذا رفض المدعى عليه الحلف فهو اعتراف وإقرار بدعوى المدعي.

عباد الله، اعلموا ما لهذه الشهادة وما لهذا الحلف واليمين من عواقب وخيمة في زمن انتشرت فيه شهادة الزور، وفسدت الذمم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءهم". واستهان كثير من الناس في هذا الزمان بأمر الحلف؛ نتيجة ضعف إيمانهم ودينهم. وأدوا الشهادة كاملةً من غير زيادة أو نقصان، ولا تحلفوا على الكذب والزور والبهتان، فهي يمين غموس تغمس صاحبها في النار؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صَبْرٍ (أي: يترتب عليها الحكم)، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان»[4]. وعلى قضاتنا ومن يتولى الحكم بين شخصين تحرِّي الصواب بالاجتهاد، وعدم الجور في الحكم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار»[5]. وعليهم زجر ووعظ الشهود قبل أداء الشهادة، ووعظ الحالف قبل حلفه، بتذكيره بعاقبة الأيمان الكاذبة. فاللهم أصلح قضاتنا وولاة أمرنا، واجعلنا ممن يخشاك في الغيب والشهادة، ويقول كلمة الحق في الرضا والغضب. آمين.


[1] رواه البيهقي في الكبرى، رقم: 21201. وحسنه النووي في الأربعين. [2] رواه البخاري، رقم 4981. [3] رواه البخاري، رقم 3609. [4] رواه البخاري، رقم: 6676. [5] صحيح ابن ماجه، رقم:1887

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (34) «من رأى منكم منكرًا فليغيره...»

 

عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[1].

 

 


عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، نص على وجوب إنكار المنكر، والمنكر ضد المعروف، وهو كل ما يستقبحه الشرع ويحرمه؛ لفساده وضرره من كل المعتقدات والأقوال والأفعال والأحوال. وقد أمر الله بتغيير المنكر في قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]. فكون فئة من الناس هي الآمرة والناهية، فيه دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وإذا كثر المنكر وترك الناس النهي؛ فسد المجتمع، فالمجتمع كسفينة يركب فيها الجميع، ولا ينبغي السماح للمفسدين أن يخربوها؛ وإلا سيغرق الجميع، ويوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده؛ الصالح والطالح؛ قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

 


فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟

 


نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي:
 

1- إنكار المنكر باليد واللسان وضوابطه: قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه»، دلالة الحديث فيها وجوب إنكار المنكر على كل فرد، فهو بهذا فرض عين، لإرادة النصح للمسلمين، ولكن لا يتعيَّن إلا بشروط وضوابط ذكرها أهل العلم؛ ومنها:


العلم: فقبل إنكار المنكر لا بد من العلم أنه منكر، حتى لا ينكر ما هو معروف أو يأمر بما هو منكر، فيشبه المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ [التوبة: 67]، فالعلماء ليسوا كغيرهم لعلمهم بالمنكر، ومن اشتبه عليه الأمر فليسأل العلماء قبل الإنكار. والمنكر الذي ينكر هو البارز الظاهر وليس بالبحث عنه والتجسس على الناس، وأن يكون مجمعًا عليه وليس مختلفًا فيه؛ إذ المعلوم عند العلماء أنه: لا إنكار في مسائل الخلاف.

 


القدرة: أي إن الشخص يكون قادرًا على إزالة المنكر دون أن يترتب على هذه الإزالة ضرر أكبر؛ كمن له سلطة أو وجاهة. فالدولة بأجهزتها لها القدرة أكثر من غيرها، ووجهاء وأعيان البلد لهم القدرة أكثر من غيرهم، والمسؤول عن قطاع معين له القدرة على موظفيه أكثر من غيره، والأب له القدرة على زوجته وأبنائه أكثر من غيره، وهكذا. وفي الأثر عن بعض السلف: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"؛ أي: يمنع بالسلطان من اقتراف المحارم أكثر مما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان. فإذا وجد الشرطي مثلًا طبق قانون السير والمرور، لكن إن لم يجده، خرق القانون.

 


اختيار أحسن الطرق والوقت المناسب والصبر: لقوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]. ومراعاة الرفق في الإنكار وترك الفظاظة والغلظة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»[2]، فالذين يفقدون الحكمة، والرفق، واختيار أنسب العبارات، وإنزال الناس منازلهم، يفسدون أكثر مما يصلحون، ثم لا بد من الصبر والحلم على رد فعل المدعو، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأسوة في الصبر على أذى المشركين؛ قال بعض السلف: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه»[3].

 


* ألا يفضي تغيير المنكر إلى منكر أو فوضى أكبر منه: كمن يُجوِّز الخروج على السلطان بدعوى ارتكابه بعض المعاصي، فإن الخروج عليه غير جائز، وسيترتب عليها فوضى أعم تأتي على الأخضر واليابس، والواقع خير شاهد على هذا. وإذا كنت تعرف أن النكير على شاربي الخمر سيفضي إلى القتال وإزهاق الأرواح، تترك هذا النهي حتى لا يترتب عليه مفسدة أكبر، وهذا من القواعد الشرعية. وهذا ابن تيمية رحمه الله قال: "مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم"[4].

 


هكذا كان فقه علمائنا – أيها الإخوة المؤمنون- فاجتهدوا في التفقه في الحلال والحرام، ومعرفة الخير؛ لتعملوا وتأمروا به، ومعرفة الشر لتحذروه وتحذروا منه. فاللهم فقهنا في ديننا، وبصرنا بما ينفعنا وما يضرنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

2- إنكار المنكر بالقلب فرض عين على الجميع: إذا كان المنكر باليد واللسان يحتاج إلى قدرة واستطاعة، فإن الإنكار بالقلب في مقدور كل أحد، ولا يترتب عليه رد فعل من المنكر عليه، فالقلوب لا يَطَّلِع عليها إلا الله. ولأنه أدنى مراتب الإنكار، وقليل الأثر والفاعلية، عُدَّ من أضعف الإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفائدة الإنكار بالقلب عدم تطبيع النفس مع المنكر، فالمطبع مع المنكر يألفه ولا ينكره ويتحوَّل عنده إلى معروف بالتدرج، ثم إن من أدمن إنكار المنكرات بقلبه يحمله ذلك على التدرُّج إلى مرتبتي الإنكار باليد واللسان حال توفر الاستطاعة، فضلًا عن وقاية نفسه من الانغماس فيه.

 

قال صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء (أي: نقطة)، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَدًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (أي: إناء معكوس)، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه»[5]. فمن أنكر الفتن والمنكرات ولم يستجب لها، ترك في قلبه نقطة بيضاء حتى يصبح أبيض، ومن لم ينكر المنكرات ويتطبع معها يسودّ قلبه، وتنقلب عنده الموازين؛ فيصبح عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فلا يعرف من المعروف إلا ما وافق هواه.

 


فاللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، وارزقنا صفاءً في القلب. آمين.

(تتمة الدعاء).

 

[1] رواه مسلم، رقم: 49.

[2] رواه مسلم، رقم 2594.

[3] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية، ص 21.

[4] أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم: 3/13.

[5] رواه مسلم، رقم 231.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×