اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

ثمرات الإنفاق في سبيل الله

المشاركات التي تم ترشيحها

images?q=tbn:ANd9GcSM3bYZGsLcjoaVFrarnJn

 
 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ سورة البقرة(254).
 
روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعْطِ منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ ممسكًا تَلَفًا))؛ [البخاري، حديث 1442، مسلم، حديث 1010].

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: أنْفِقْ يا بن آدم، أُنْفِقْ عليك))؛ [البخاري، حديث 5352، مسلم، حديث 993].

قوله: (أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك)؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "هو معنى قوله عز وجل: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ [سبأ: 39]، فيتضمن الحث على الإنفاق في وجوه الخير، والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى"؛ [صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 4، ص: 87].

روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن تصدَّق بعدلِ تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُربيها لصاحبه، كما يُربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل))؛ [البخاري، حديث 1410، مسلم، حديث 1014].
قوله: (فَلُوَّه)؛ أي: الحصان الصغير.

R_0205.gif
 
ثـمرات الإنفاق في سبيل الله تعالى:

نستطيع أن نوجز ثـمرات الإنفاق في سبيل الله تعالى في الأمور الآتية:
1- الإنفاق في سبيل الله تعالى طُهرة لنفس المسلم، وقُربة إلى الله عز وجل.
2- الإنفاق في سبيل الله تعالى طريقٌ إلى محبة الله تعالى ورضوانه على المسلم في الدنيا والآخرة.
3- الإنفاق في سبيل الله تعالى يحفظ المسلم في ماله وأهله.
4- الإنفاق في سبيل الله تعالى دليل على الزهد في الدنيا.
5- الإنفاق في سبيل الله تعالى باب من أبواب التكافل الاجتماعي.
6- الإنفاق في سبيل الله تعالى يساعد المسلم على اكتساب محبة الناس واحترامهم؛ [موسوعة نضرة النعيم، ج: 6، ص: 25 - 29].

سقيُ الماء:
قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 48، 49].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "قوله: ﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ [الفرقان: 49]؛ أي: أرضًا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها المطر، عاشت واكتست رُباها أنواع الأزاهير والألوان.
قوله: ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 49]؛ أي: ليشرب من الماء أنعام، وناس محتاجون إليه غاية الحاجة؛ لشربهم وزروعهم وثمارهم؛ [تفسير ابن كثير، ج: 6، ص: 115].
قال سبحانه: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5].
قوله: ﴿ هَامِدَةً ﴾: أي: ميتة.
قوله: ﴿ اهْتَزَّتْ ﴾: أي: تحركت بالنبات.
قوله: ﴿ وَرَبَتْ ﴾: أي: ارتفعت لما سكن فيها التراب.
قوله: ﴿ وَأَنْبَتَتْ ﴾: أي: أخرجت الأرض ما فيها من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها؛ [تفسير ابن كثير، ج: 5، ص: 398].
روى النسائي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء))؛ [حديث حسن، صحيح النسائي، للألباني، ج: 2، ص: 560، حديث: 3667].

إطعام الناس:
قال سبحانه: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 8، 9].
روى الترمذي عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيها الناس، أفشوا السلامَ، وأطعِموا الطعام، وصلُّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام))؛ [حديث صحيح، صحيح الترمذي، للألباني، حديث: 2019].
قوله: (أفشوا السلام): أي: أظهروه وأكثروه على من تعرفونه، ومن لا تعرفونه.
قوله: (وأطعموا الطعام): أي: لِنحوِ المساكين والأيتام.
قوله: (وصِلُوا الأرحام): أي: ولو بالسلام.
قوله: (وصلُّوا بالليل)؛ أي: أوله وآخره.
قوله: (والناس نيام)؛ أي: لبعده عن الرياء والسمعة؛ [مرقاة المفاتيح، علي الهروي، ج: 4، ص: 1341].

الصدقة على الأقارب:
اسم الصدقة:
سميت الصدقة الخالصة لله تعالى صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها.
روى الشيخان عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود رضي الله عنهما، قالت: ((كنت في المسجد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدَّقْنَ ولو من حُليِّكن، وكانت زينب تنفق على عبدالله، وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبدالله: سَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيجزي عني أن أنفق عليك، وعلى أيتام أبناء أخيها في حجري من الصدقة؟ فقال: سَلِي أنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدتُ امرأةً من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمرَّ علينا بلال، فقلنا: سَلِ النبي صلى الله عليه وسلم، أيجزي عني أن أنفق على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل فسأله، فقال: من هما؟ قال: زينب، قال: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبدالله، قال: نعم، لها أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة))؛ [البخاري، حديث: 1466، مسلم، حديث: 1000].
روى النسائي عن سلمان بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان؛ صدقة، وصلة))؛ [حديث صحيح، صحيح النسائي، للألباني، حديث: 2581].

إنفاق المرأة من بيت زوجها:
روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقتِ المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن الخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا))؛ [البخاري، حديث: 1425، مسلم، حديث: 1024].
قوله: (أنفقت): أي: تصدقت.
قوله: (من طعام بيتها غير مفسدة): أي: غير مسرفة في الإنفاق.
قال الإمام النووي رحمه الله: "أشار صلى الله عليه وسلم إلى أنه قدْرٌ يُعلم رضا الزوج به في العادة، ونبَّه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنه يُسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس، وفي كثير من الأحوال"؛ [صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 7، ص: 113].
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها، عن غير أمره، فلها نصف أجره))؛ [البخاري، حديث: 2066].
قوله: (عن غير أمره): قال الإمام النووي رحمه الله: "معناه: من غير أمره الصريح في ذلك القدْرِ المعين، ولا يكون معها إذًا عام سابق، متناول لهذا القدر وغيره، وذلك الإذن إما بالصريح، وإما بالعرف"؛ [صحيح مسلم بشرح النووي، ج: 7، ص: 112].
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع بهذا العمل طلاب العلم الكرام، وأرجو كل قارئ كريم أن يدعو الله سبحانه لي بالإخلاص، والتوفيق، والثبات على الحق، وحسن الخاتمة؛ فإن دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة، وأختم بقول الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
R_0205.gif
 
 
إن من المواقف العصيبة والرهيبة التي ستقف فيها الخليقة جمعاء الأولون والآخرون في مكان واحد، ذلك اليوم الشديد الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين.

 
بعد ذلك الموقف سيصير الإنسان إما إلى جنة وإما إلى نار؛ لذا كان على العاقل اللبيب أن يعد لذلك اليوم عدته، وأن يعمل من الصالحات ما يكون شفيعاً له يوم القيامة، وإن مما يقرب الإنسان إلى الجنة ويبعده عن النار: الإيمان بالله وبكل ما أخبر، وكذلك إتباع رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، والقيام بالأعمال الصالحة المقربة إلى الله والموصلة إلى جنته، ومن هذه الأعمال: بذل المال في وجوه البر، سواء كان بذله واجباً أو مندوباً؛ وفي هذا السياق يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ سورة البقرة(254).

 
شرح الآية:
 
ابتدأ الله هذه الآية بتوجيه الخطاب والنداء إلى من وصف بالإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا؛ يقول ابن مسعود: "إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ فأصغ لها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به، أو شر تصرف عنه"، وتوجيه الخطاب بهذا الوصف يدل على أهمية المطلوب؛ وفي هذه الآية قد أمر الله عباده المؤمنين بعد أن ناداهم بوصف الإيمان بقوله: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ؛ فمن كان مؤمناً فإن من مقتضيات إيمانه أن يفعل المأمور، ويجتنب المحذور، وقد أمر هنا بالإنفاق في سبيله: أنفقوا مما رزقناكم الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله سواء كان بذله في الزكاة الواجبة أو بذله في النفقة المستحبة؛ ومما رزقناكم أي مما أعطيناكم.

 
ثم قال تعالى: مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ المراد به يوم القيامة؛ وقد ذكر الله من أوصاف ذلك أنه يوم: لاَّ بَيْعٌ فِيهِ أي لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا؛ كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ سورة الزمر(47)، وفي ذلك اليوم تنقطع الصحبة والخلة، والخلة أعلى درجات المحبة؛ كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "والخلة هي كمال المحبة، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة والمزاحمة"، في ذلك اليوم لا ينفع الخليل خليله، ولا الصديق صديقه؛ بل إن الصداقة تنقلب إلى عداوة إذا كانت لغير الله وعلى وفق ما أراد الله؛ كما قال تعالى: الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ سورة الزخرف(67) أما من كانت الخلة بينهم لله وفي الله فإنها تستمر وتدوم وتنفع كما في الآية، وكما جاء في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء)، قيل: من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم؟ قال: (هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب؛ وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)، ثم قرأ: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ سورة يونس(62).

 
وفي ذلك اليوم العصيب لا يستطيع أن يشفع أحد لأحد، ولا أن ينفع أحد أحداً إلا بإذن الله؛ لقوله: وَلاَ شَفَاعَةٌ، و"الشفاعة" تعني الوساطة في دفع الضرر، أو جلب المنفعة؛ قال تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ سورة المدثر(48)؛ فالشفاعة منتفية وغير مفيدة في حق كل من مات مشركاً بالله رب العالمين، وأما من مات موحداً وإن كان عاصياً فإن الشفاعة تنفعه وتثبت في حقه؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب؛ كما قال: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى سورة الأنبياء(28)، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم: أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. وقال أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك؟" قال: (من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه)؛ فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن الله –سبحانه- هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص".

 
وقد جاءت نصوص أخرى تدل على ما دلت عليه هذه الآية من معنى، فمن ذلك قوله تعالى: قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ سورة إبراهيم(31)؛ قال الشنقيطي: "أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر فلا يمكن أحداً أن تباع له نفسه فيفديها ولا خليل ينفع خليله يومئذ"، وقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة من كتابه؛؛ فمن ذلك قوله: فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْسورة الحديد(15)، وقوله: واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاًسورة البقرة(123)، ونحو ذلك من الآيات.

 
ثم ختمت هذه الآية بقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم؛ كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ سورة لقمان(13)؛ وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك؛ كما جاء في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: (وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك)، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني حليلة جارك)، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: "الحمد لله الذي قال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، ولم يقل: "والظالمون هم الكافرون".

R_0205.gif
 
بعض فوائد الآية:

1. فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ حيث صدرها بالنداء.
2. أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه.
3. التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله -عز وجل-؛ لقوله تعالى: مِمَّا رَزَقْنَاكُم؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله؛ كما في قول القائل: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي سورة القصص(78).
4. الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له.
5. أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله.
6. أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: وَلاَ شَفَاعَةٌ بقوله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَسورة المدثر(48)، وقد سبق في شرح الآية بيان الشفاعة المثبتة والمنفية.
7. أن الكفر أعظم الظلم؛ كما دلت عليه الآية وكما دل عليه قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.8
. أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له)، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


شبكة الألوكة

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×