اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

السعادة والشقاوة في سورة طه

المشاركات التي تم ترشيحها


13777515127.gif


من أمة القرآن ، هذا القرآن الذي ما أنزله الله على قلب نبيه محمد- صلى الله عليه وسلم- ليشقى أو لتشقى أمته ، بل أنزله لسعادتها في الدنيا والأخرة ، ففي أول آية في السورة تقرأ قوله تعالى :
( طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) .
ومن هنا تقسم سورة طه الناس إلى صنفين :


سعداء و أشقياء
فمنذ أن هبط آدم وابليس من الجنة كما تقص علينا خواتم سورة طه ، انقسم الناس فريقين ،


السعداء وهم الذين آمنوا واتبعوا هدى الله ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى )

والصنف الثاني وهم الأشقياء الذين كفروا وأعرضوا عن ذكر الله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) والضنك كما فسره ابن عباس هو الشقاء ، وتأمل كيف اتّسق أول السورة مع آخرها ليؤكدا ذات المعنى وهو أن الشقاء يكون بالإعراض عن القرآن وما فيه من الهدى والخير.

ولا يغيب عن كل قارىء لسورة طه أن قصة موسى وفرعون قد استأثرت بمعظم السورة ، وكأنها تؤكد نموذج السعداء ممثلاً في موسى عليه السلام ونموذج الأشقياء ممثلاً في فرعون لعنه الله ، ولعلنا نقف مع صفات كل ٍمن الفريقين كما تعرضها سورة طه :
13883093663.gif



صفات أهل السعادة في سورة طه :

معرفة الله حق المعرفة ، بعلوّ منزلته ، وبديع خلقه ، وتمام علمه ، وحسن أسمائه وصفاته وهذا ما شرعت فيه السورة في مطلعها :" تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى "

وبأوصاف الكمال والجلال هذه عرّف موسى ربه لفرعون حين سأله عنه :" قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى * مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى". ·

لا سيما
الصلاة التي يأنس المؤمن فيها بذكر الله :" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي " ·

الايمان باليوم الآخر والاطمئنان إلى عدل الله في مجازاة المحسن ومعاقبة المسيء :" إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى" ·

اليقين بالله وتأييده لعباده المؤمنين بالأسباب المادية والمعنوية أمام الباطل وأهله ،إنْ هم ثبتوا على الحق و صدقوا مع الله ، كما سخّر العصا لتصير ثعباناً لموسى عليه السلام :" فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى" ·

العبادة الجماعية والأنس بالصالحين ، حينها تحس أنك لست وحدك على الطريق :" وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ". ·

الشعور برعاية الله لعبده المؤمن وحفظه له ، وتسخير ما في الكون له ، كما حفظ الله موسى منذ أُلقي في اليمّ إلى تدبير كفالته وعودته إلى أمه :" وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى" ·

الشعور بمعية الله والتي تطرد كل حزن وخوف ، كما قال الله لموسى وهارون وهما في طريقهما لفرعون :" قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى " ·

الاعتزاز بالدين وأن كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى :" فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى". ·


الايمان وتصديقه بالعمل الصالح :" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى" ·


الاستمتاع بالطيبات من الرزق دون طغيانٍ بإسرافٍ أو كسبٍ حرام :" كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى" ·

الركون إلى واحة التوبة والاستغفار :" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى". ·

التحلي بالصبر مهما طال الطريق إلى الله ، والأنس بذكره في كل وقت وحين :" فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى.

·
القناعة في هذه الدنيا والرضا منها بالقليل ، والتطلع دوماً إلى ما عند الله :" وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى" ·=

إيجاد البيئة الايمانية التي تعين على الحق لا سيما أهل بيتك ، والمصابرة معهم على طاعة الله :" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ".


13883093669.gif

صفات أهل الشقاوة في سورة طه :
 
·إنكار اليوم الآخر أو الغفلة عنه ، وما يتبع ذلك من اتباع الهوى والباطل :" فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى" ·

الطغيان والإفساد في الأرض :" اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى" ·

الاستكبار بالجاه وتعذيب المستضعفين :" فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ " ·

التكذيب بآيات الله والتولّي عن طاعته :" إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى " وقوله تعالى عن فرعون :" وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى " ·

إلقاء الشبهات والتهم الباطلة لتشويه الحق :" قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى" وقوله تعالى :" قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى" ·

الكيد لأهل الحق لأجل الصد عن دين الله :" فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى". ·

قلب الحقائق والموازين خشية انتصار الحق واتباع الناس له ، كما قال فرعون لسحرته الذين هو مَن دعاهم مِن كل المدائن لمواجهة موسى :" إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ " · محاصرة الحق وأهله ومحاربتهم حتى آخر رمق في الحياة :" فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ " ·

الانسياق وراء الفتنة ، والانقياد لأئمة الضلال ، وذلك حين لا يتمكن الايمان من القلوب كما في موقف بني اسرائيل مع السامري :" قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ" ·

الإعراض عن ذكر الله ومنهجه في الأرض ، والغفلة عن آياته :" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" وقوله تعالى :" قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى " وقوله تعالى :" وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ" ·

ربط الايمان بالأدلة الحسية ، لتكون ذريعةً وحجةً لعدم استجابتهم للحق :" وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ"
13883093663.gif



وقد ذكرت سورة طه ثلاثة نماذج للأشقياء ،

فأوّلهم فرعون وهو أشقى الإنس الذي قال - أنا ربكم الأعلى - ، ثم أشقى الجن ابليس لعنه الله ، ثم السامري الذي أغرى بني اسرائيل بعبادة العجل ، والملاحظ المشترك بين هؤلاء الثلاثة أنهم لم يكتفوا بشقائهم بل سعوا في إشقاء غيرهم ففي فرعون قال تعالى : " وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى "

وفي
السامري قال تعالى :" قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ"

وفي
ابليس قال تعالى :" فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى "


13883093663.gif


وفي ثنايا عرض قصة موسى وفرعون ، تذكر سورة طه نموذجاً لصنف من الناس كانوا من أهل الشقاوة وتحوّلوا إلى أهل السعادة ، ألا وهم سحرة فرعون والذين كان ايمانهم نقطة تحوّل في حياتهم ومعتقداتهم ، ولعل ما عبّـرت به سورة طه على لسانهم يوضح رسوخ الايمان الذي استقر في نفوسهم حتى بلغ بهم الأمر أن يتحدوا أعتى طاغية على وجه الأرض كما قال الله عنهم :" قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" ثم يعبّرون عن حلاوة الايمان الذي خالطت بشاشته قلوبهم فملأها سكينةً وطمأنينةً وثقةً بموعود الله :" إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى ". ثم يأتي خيرختام ٍ للسورة ليذكر الصراط المستقيم السوي الذي من سلكه كان من السعداء ومن حاد عنه كان من الأشقياء ، ويترك لك أيها الانسان أن تختار مع من تكون :" قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى"

كتبه عمر محمود أبو أنس



رد: صور بسملات روعة . موسوعة فواصل . صور فواصل جديدة
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3)
تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ

الفوائد التربوية:


1- قال الله تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى فليس المقصودُ بالوحيِ، وإنزالِ القُرآنِ عليك، وشَرعِ الشَّريعةِ: أنْ تشقَى بذلك، ويكونَ في الشَّريعةِ تكليفٌ يشُقُّ على المكَلَّفينَ، وتعجِزُ عنه قوى العامِلينَ، وإنما الوحيُ والقرآنُ والشَّرعُ، شَرَعه الرحيمُ الرَّحمنُ، وجعله موصِلًا للسَّعادةِ والفلاحِ والفوزِ، وسهَّله غايةَ التَّسهيلِ، ويسَّرَ كُلَّ طُرقِه وأبوابِه، وجعلَه غِذاءً للقلوب والأرواحِ، وراحةً للأبدان، فتلَقَّتْه الفِطَرُ السَّليمةُ والعقولُ المستقيمةُ بالقَبولِ والإذعانِ؛ لعِلمِها بما احتوى عليه مِن الخيرِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ ولهذا قال تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى.
2- آياتُ اللهِ الإيمانيةُ القرآنيةُ إنما يَنتَفِعُ بها أهلُ التَّقوى والخشيةِ والإنابةِ ومَن كان قَصدُه اتِّبَاعَ رضوانِه؛ وأنها يَتذَكَّرُ بها مَن يخشاه سُبحانَه، قال تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى .
3- قولُ الله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى فيه حَثٌّ على مُراقَبةِ الله تعالى، والإخلاصِ له

86.jpg.
الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى جَمَعَ الله لنبيِّه سُبحانَه بينَ إنزالِ القرآنِ عليه وبين نَفْيِ الشَّقاءِ عنه، كما قال في آخِرِها- في حقِّ أتبَاعِه: فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123] ؛ فالهُدى والفَضلُ والنِّعمةُ والرَّحمةُ مُتلازِماتٌ لا يَنْفَكُّ بعضُها عن بعضٍ، كما أنَّ الضَّلالَ والشَّقاءَ متلازمانِ لا يَنفَكُّ أحدُهما عن الآخَرِ.

2- كثيرًا ما يُقرَنُ بينَ الخلقِ والأمرِ، كما في قوله: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا وقَولِه: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وقَولِه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ وذلك أنَّه الخالقُ الآمرُ الناهي، فكما أنَّه لا خالقَ سواه، فليس على الخلقِ إلزامٌ ولا أمرٌ ولا نهيٌ إلَّا مِن خالقِهم، وأيضًا فإنَّ خلقَه للخلقِ فيه التدبيرُ القدريُّ الكونيُّ، وأمرَه فيه التدبيرُ الشرعيُّ الدينيُّ، فكما أنَّ الخلقَ لا يخرجُ عن الحكمةِ، فلم يخلقْ شيئًا عبثًا، فكذلك لا يأمرُ ولا ينهَى إلا بما هو عدلٌ وحكمةٌ وإحسانٌ .

3- قولُ الله تعالى: وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا فائِدةُ وَصفِ السَّمواتِ بالعُلا: الدَّلالةُ على عِظَمِ قُدرةِ مَن يخلُقُ مِثلَها في عُلُوِّها، وبُعدِ مُرتقاها ؛ إذ لا يُمكِنُ وُجودُ مثْلِها في عُلوِّها مِن غيرِه تعالى .

4- قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى في ذِكرِ الرَّحْمَنُ إشارةٌ إلى أنَّه مع عُلُوِّه وعظمَتِه مَوصوفٌ بالرَّحمةِ .

5- لما كان خطابُ الناسِ لا يتأتَّى إلا بالجهرِ بالكلام، جاء الشرطُ بالجهرِ، فقال: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ، وعلَّق على الجهرِ علمَه بالسرِّ، فقال: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى؛ لأنَّ علمَه بالسرِّ يتضمَّنُ علمَه بالجهرِ، أي: إذا كان يعلمُ السرَّ فأحرَى أنْ يعلمَ الجهرَ، والسِّرُّ مقابِلٌ للجهرِ، كما قال: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[الأنعام: 3] .

86.jpg

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى استئنافٌ مَسوقٌ؛ لتَسليتِه صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا كان يَعْتريه من جِهَةِ المُشرِكين من التَّعبِ؛ فإنَّ الشَّقاءَ شائعٌ في ذلك المَعنى، ولعلَّه عبَّرَ بـ لِتَشْقَى بدلًا من (لِتَتْعَبَ)؛ للإشْعارِ بأنَّه أُنزِلَ عليه لِيسعَدَ. وقيل: إنَّه رَدٌّ وتَكذيبٌ للكَفرةِ؛ فإنَّهم لمَّا رأَوا كثرةَ عبادتِه، قالوا: إنَّك لَتَشقَى بترْكِ دِينِنا، وإنَّ القُرآنَ أُنزِلَ عليك لِتَشقى به؛ ففيه تَعريضٌ بأنَّهمُ الأشقياءُ
.
- قولُه: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى وُقوعُ فِعْلِ أَنْزَلْنَا في سياقِ النَّفيِ يَقْتضي عُمومَ مَدْلولِه، وعُمومُ الفعْلِ يَستلزِمُ عُمومَ مُتعلِّقاتِه مِن مفعولٍ ومَجرورٍ؛ فيعُمُّ نفْيَ جميعِ كلِّ إنزالٍ للقُرآنِ فيه شَقاءٌ له، ونفْيَ كلِّ شَقاءٍ يتعلَّقُ بذلك الإنزالِ، أي: جميعِ أنواعِ الشَّقاءِ؛ فلا يكونُ إنزالُ القُرآنِ سببًا في شَيءٍ من الشَّقاءِ للرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم .

2- قولُه تعالى: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى
- قولُه: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى خُصَّ مَن يَخْشى مع عُمومِ التَّذكرةِ والتَّبليغِ؛ لأنَّهم المُنتفِعون بها ، وفيه: تَنويهٌ بشأْنِ المُؤمِنين الَّذين آمنوا بأنَّهم كانوا من أهْلِ الخشيةِ، ولولا ذلك لَمَا تَذكَّروا بالقُرآنِ .

3- قوله تعالى: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا
- قولُه: تَنْزِيلًا حالٌ ثانيةٌ، والمقصودُ منها التَّنويهُ بالقُرآنِ، والعِنايةُ به؛ لِيَنتقِلَ مِن ذلك إلى الكِنايةِ بأنَّ الَّذي أنزَلَه عليك بهذه المَثابةِ لا يَترُكُ نصْرَك وتأْييدَك . وفي قولِه: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا تَفخيمٌ وتعظيمٌ لشأْنِ القُرآنِ؛ إذ هو منسوبٌ تَنزيلُه إلى مَن هذه أفعالُه وصِفاتُه، وتَحقيرٌ لمَعبوداتِهم، وتَحريضٌ للنُّفوسِ على الفِكْرِ والنَّظرِ ، فإنَّه تعظُمُ الرِّسالةُ بتعظيمِ حالِ المُرسِلِ؛ ليكونَ المُرسَلُ إليه أقرَبَ إلى الامتِثالِ .
- أشار بالمصدَرِ الجاري على غيرِ الفِعْلِ في قولِه: تَنْزِيلًا، إلى أنَّه يتمهَّلُ عليهم ترفُّقًا بهم، ولا يُنزِلُ هذا القُرآنَ إلَّا تدريجًا؛ إزالةً لشُبَهِهم، وشرْحًا لصُدورِهم، وتَسكينًا لنُفوسِهم، ومَدًّا لمُدَّةِ البركةِ فيهم بتَردُّدِ الملائكةِ الكِرامِ إليهم، كما أنَّه لم يُهْلِكْهم بمَعاصيهم؛ اكتفاءً ببيِّنةِ ما في الصُّحفِ الأُولى، بل أرسَلَ إليهم رسولًا .
- وفي قولِه: مِمَّنْ خَلَقَ الْتِفاتٌ؛ إذ فيها الخُروجُ من ضَميرِ التَّكلُّمِ -وهو في مَا أَنْزَلْنَا- إلى الغَيبةِ، وفيه عادةُ التَّفنُّنِ في الكلامِ، وهو ممَّا يَحسُنُ؛ إذ لا يَبْقَى على نظامٍ واحدٍ، وجَريانُ هذه الصِّفاتِ على لفْظِ الغَيبةِ والتَّفخيمِ بإسنادِ الإنزالِ إلى ضَميرِ الواحدِ المُعظِّمِ نفْسَه، ثمَّ إسنادُه إلى مَن اخْتُصَّ بصفاتِ العظمةِ الَّتي لم يُشارِكْه فيها أحدٌ، فحصَلَ التَّعظيمُ من الوجهينِ؛ فهو مَسوقٌ لتَعظيمِ شأْنِ المُنزِّلِ عَزَّ وجَلَّ المُستَتْبِعِ لتَعظيمِ شأْنِ المُنزَّلِ، الدَّاعي إلى تَربيةِ المَهابةِ، وإدخالِ الرَّوعةِ المُؤدِّيةِ إلى استنزالِ المُتمرِّدينَ عن رُتْبةِ العُتوِّ والطُّغيانِ، واستمالتِهم نحوَ الخشيةِ المُفْضِيةِ إلى التَّذكرةِ والإيمانِ .
- والعُدولُ عن اسمِ الجَلالةِ أو عن ضَميرِه إلى الموصوليَّةِ مِمَّنْ خَلَقَ؛ لِمَا تُؤذِنُ به الصِّلةُ من تحتُّمِ إفرادِه بالعبادةِ؛ لأنَّه خالقُ المُخاطَبين بالقُرآنِ وغيرِهم ممَّا هو أعظَمُ منهم خلْقًا .
- وتَخصيصُ خلْقِه السَّمواتِ والأرضَ بالذِّكرِ -مع أنَّ المُرادَ خلْقُهما بجميعِ ما يتعلَّقُ بهما-؛ لأصالتِهما، واستتباعِهما لِمَا عداهما. وتَقديمُ الأرضِ؛ لكونِها أقرَبَ إلى الحسِّ، وأظهَرَ عنده من السَّمواتِ العُلى .

4- قولُه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى فيه وصْفُه بالرَّحمانيَّةِ بعدَ وصْفِه بخالِقيَّةِ السَّمواتِ والأرضِ؛ للإشعارِ بأنَّ خلْقَهما من آثارِ رحْمتِه تعالى، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ تَنزيلَ القُرآنِ أيضًا مِن أحكامِ رَحمتِه تعالى، كما يُنبِئُ عنه قولُه تعالى: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ [الرحمن: 1-2]. وأيضًا اختِيرَ وصْفُ (الرَّحمن) لتَعليمِ النَّاسِ به؛ لأنَّ المُشرِكين أنْكَروا تَسميتَه تعالى الرَّحمنَ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: 60] . وفي ذِكْرِه هنا، وكثرةِ التَّذكيرِ به في القُرآنِ: بعْثٌ على إفرادِه بالعبادةِ؛ شُكْرًا على إحسانِه بالرَّحمةِ البالغةِ .
- وعَلَى مُتعلِّقةٌ بـ اسْتَوَى؛ قُدِّمَت عليه لمُراعاةِ الفواصلِ ؛ ولإفادةِ الحصرِ والتخصيصِ، وبيانِ أنَّه سُبحانَه وتعالى لم يستوِ على شيءٍ سوى العَرشِ .
- واختيارُ اسمِ (الرَّحمن) هنا دونَ (الرَّحيم)؛ لِمَا في وزْنِ (فَعْلان) من سَعَةِ هذا الوصْفِ، وثُبوتِ جَميعِ معناهُ الموصوفِ به؛ ولهذا يَقْرِنُ استواءَه على العرْشِ بهذا الاسمِ كثيرًا؛ فاستوى على عَرْشِه باسْمِ الرَّحمنِ؛ لأنَّ العرْشَ مُحيطٌ بالمخلوقاتِ قد وسِعَها، والرَّحمةُ مُحيطةٌ بالخلْقِ واسعةٌ لهم؛ فاسْتَوى على أوسَعِ المخلوقاتِ بأوسَعِ الصِّفاتِ؛ فلذلِكَ وسِعَت رَحمتُه كلَّ شَيءٍ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] .

5- قولُه تعالى: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى
- تَقديمُ المجرورِ في قولِه: لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ للقصْرِ؛ رَدًّا على زعْمِ المُشرِكين أنَّ لآلهتِهم تَصرُّفاتٍ في الأرضِ، وأنَّ للجنِّ اطِّلاعًا على الغيبِ، ولتَقريرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنحاءُ الكائناتِ؛ وهي السَّمواتُ والأرضُ، وما بينهما، وما تحْتَ الثَّرى .
- وذِكرُ ما تحْتَ الثَّرى مع دُخولِه تحتَ وَمَا فِي الْأَرْضِ؛ لزِيادةِ التَّقريرِ


الدرر السنية .

 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×