اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

أثر المعاصي على قلب العاصي

المشاركات التي تم ترشيحها

أثر المعاصي على قلب العاصي

من أخطر آثار الذنوب والمعاصي ما يتعلق بالقلوب مثل: قسوة القلوب، وعدم تأثرها بالمواعظ والآيات والأدلة والتخويف والتحذير والإنذار، فلا تسمع ولا تفقه ولا تقبل.

وقد ذكر الإمام "ابن القيم" - رحمه الله- عقوبات الذنوب في كتابه الجواب الكافي، وها نحن نقف عند بعضها سائلين الله أن يحفظنا وجميع المسلمين:

1- حرمان العلم النافع: فإن هذا العلم نور يقذفه الله في القلب والمعصية تطفئه، ولهذا كان السلف يرشدون تلاميذهم إلى ترك المعاصي؛ لكي يورثهم الله حقيقة العلم، ومن حرم العلم تخبط في دنياه، وسار على غير هدى مولاه.

2- الوحشة بين العبد وربه: وهي وحشة لو اجتمعت لصاحبها ملذات الدنيا كلها لم تذهبها، ومن علاماتها وفروعها: الوحشة بينه وبين أهل التقوى والإيمان.

3- الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه: فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات. قال ابن عباس: (إن للحسنة ضياءً في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القبر والقلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق).

4- وهن القلب: فلا تزال المعاصي توهنه حتى تزيل حياته بالكلية، وهذا الوهن يظهر أثره على البدن، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم.

5- تقصير العمر ومحق بركته: بمقدار ما تمرض القلب وتذهب حياته، فإن حقيقة الحياة هي حياة القلب وعمر الإنسان هو مدة حياته، فكلما كثرت الطاعة زادت حياته فزاد عمره الحقيقي، وكلما كثرت المعاصي أضاعت حياته وعمره.

6- أن العبد كلما عصى خفّت عليه المعصية حتى يعتادها ويموت إنكار قلبه لها، فيفقد عمل القلب بالكلية، حتى يصبح من المجاهرين بها المفاخرين بارتكابها، وأقل ذلك أن يستصغرها في قلبه ويهون عليه إتيانها، حتى لا يبالي بذلك وهو باب الخطر. روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار).

7- الذل: فالمعصية تورث الذل ولا بد، فالعز كل العز في طاعة الله تعالى، قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً (فاطر:10) أي: فيطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك. وقال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانهـــا وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبـار سوء ورهبـانهـا

8- الصدى والران والطبع والقفل والختم: وذلك أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب عليه الصدأ حتى يصير راناً، كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين:14] ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلاً وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس، فصار أعلاه أسفله؛ فحينئذٍ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد، وبمثل هذا اتخذ الشيطان من البشر دعاة وجنوداً.

9- إطفاء الغيرة من القلب: وهي الغيرة على محارم الله أن تنتهك، وعلى حدوده أو تقتحم، وعلى دينه أن يضعف أو يضيع، وعلى إخوانه المسلمين أن يهانوا أو يبادوا، بل على أهله ونفسه أن يقعوا في المعصية والهلاك، ولهذا كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أغير الناس، كما ثبت في الصحيح: «أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه والله أغير مني» (متفق عليه).

10- إذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه. والذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، فلا يستحيي لا من الله ولا من العباد، والتلازم بين ارتكاب المحرمات وقلة الحياء لا يخفى على أحد.

11- إذهاب تعظيم الله ووقاره من القلب: فكما أن تعظيم الله وتوقيره يحجز عن المعصية، فإن ارتكاب المعصية يضعف التعظيم والتوقير - حتى يستخف العبد بربه ويستهين بأمره ولا يقدره حق قدره.

12- مرض القلب وإعاقته عن الترقي في مراتب الكمال ودرجاته -وقد سبق بيان تفاضل الناس في أعمال القلوب- فالذنوب تخرج صاحبها من دائرة اليقين وتنزله من درجة الإحسان، بل تخرجه من دائرة الإيمان، كما في الحديث الصحيح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» (متفق عليه)، فلا يبقى له إلا اسم الإسلام وربما أخرجته منه؛ فإن المعاصي بريد الكفر.

13- إضعاف همة القلب وإرادته وتثبيطه عن الطاعة وتكسيله عنها، حتى يؤول به الأمر من الاستثقال إلى الكراهية والنفور، فلا ينشرح صدره لطاعة ولا يتحرج ويضيق من معصية ويصير جسوراً مقداماً على الخطايا جباناً رعديداً على الحسنات.

14- الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه، فيخسف به -بسبب ارتكاب الرذائل- إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة ذلك الخسف أن يكون القلب جوالاً حول السفليات والقاذورات، متعلقاً بالمحقرات والأمور التافهة، عكس القلب الذي تزكى بالطاعات، فصار جوالاً في معالي الأمور ومكارم الأخلاق، كما قال بعض السلف: (إن هذه القلوب جوَّالة، فمنها ما يجول حول العرش ومنها ما يجول حول الحش أي: مكان قضاء الحاجة).

15- مسخ القلب: فإن المعاصي والقبائح ما تزال تتكاثر عليه حتى تمسخه كما تمسخ الصورة، فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير، كقلب الديوث. ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب...بحسب عمله، وقد شبه الله تعالى أهل الجهل والغي بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالأنعام تارة وربما وصل الأمر إلى المسخ التام؛ وهو مسخ الصورة مع القلب، كما حصل لبني إسرائيل حين جعل الله منهم القردة والخنازير.

16- نكد القلب وقلقه وضنكه: وهذا ملازم للمعصية ملازمة الظل لأصله، كما قال تعالى: {ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124] فالمعرض عن ذكر الله متعرض لذلك، لكن قد يتوارى داؤه بسكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، إن لم ينضم إلى ذلك الخمر، كالمشاهد في عصرنا الحاضر من إدمان المسكرات والمخدرات، تخلصاً من ضيق الحياة ونكد العيش. فهذه بعض آثار معاصي الجوارح على القلب وعمله، فهي تذهب رضاه ويقينه وصدقه وإخلاصه وتوكله ومحبته، بل تذهب قوته وحياته وصحته وراحته وتجمع له بين ذهاب حقائق الإيمان وبين عقوبات آجلةٍ وعاجلة كما رأينا في هذه الآثار.

طريق الاسلام


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الإصرارُ على المعصيةِ

معناهُ: البقاء على المعصيةِ مع العِلمِ بها دونَ استغفارٍ أو توبةٍ .
قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135] .
قال ابنُ جَريرٍ: (الإصرارُ: الإقامةُ على الذَّنبِ عامِدًا، أو تَرْكُ التَّوبةِ منه) .

وقال ابنُ عطيَّةَ: (الإصرارُ معناه: اعتزامُ الدَّوامِ على الأمرِ، وتَرْكُ الإقلاعِ عنه، ومنه صَرُّ الدنانير: أي: الرَّبطُ عليها) .

وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، مرفوعًا: ((ارحَموا تُرْحَموا، واغفِروا يُغْفَرْ لكم، وَيلٌ لأقماعِ القَولِ! وَيلٌ للمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فَعَلوا وهم يَعلَمونَ! )) .

قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (أمَّا قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((وَيلٌ للمُصِرِّين)) أي: على الذُّنوبِ، أي: عازمينَ على المداومةِ عليها، ويُقيمون عليها فلم يتوبوا ولم يَستَغفِروا، وهم يَعلَمون، أي: يُصِرُّون في حالِ عِلْمِهم بأنَّ ما فعلوه معصيةٌ، أو يَعلَمونَ بأنَّ الإصرارَ أعظَمُ مِن الذَّنبِ، أو يَعلَمونَ بأنَّ اللهَ سُبحانَه يعاقِبُ على الذَّنبِ) .

وعن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ) .

قال أبو العبَّاسِ القُرطبي: (من قال بلِسانِه: أستغفِرُ اللهَ، وقَلْبُه مُصِرٌّ على معصيتِه؛ فاستغفارُه ذلك يحتاجُ إلى استِغفارٍ، وصغيرتُه لاحِقةٌ بالكِبارِ؛ إذ لا صغيرةَ مع إصرارٍ، ولا كبيرةَ مع استغفارٍ!) .

وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((كُلُّ أمَّتي مُعافاةٌ إلَّا المجاهِرينَ، وإنَّ مِنَ الإجهارِ أن يعمَلَ العَبدُ باللَّيلِ عَمَلًا، ثمَّ يُصبِحُ قد سَتَرَه رَبُّه، فيقولُ: يا فُلانُ، قد عَمِلْتُ البارحةَ كذا وكذا. وقد بات يَستُرُه رَبُّه، فيَبيتُ يَستُرُه رَبُّه، ويُصبِحُ يَكشِفُ سِتْرَ اللهِ عنه! ))709.

قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (هو أن يَعمَلَ الرَّجُلُ معصيةً في خُفيةٍ وخَلوةٍ، ثم يخرجُ يتحَدَّثُ بها مع النَّاسِ، ويجهَرُ بها ويُعلِنُها، وهذا من أكبَرِ الكبائرِ، وأفحَشِ الفواحِشِ، وذلك أنَّ هذا لا يَصدُرُ إلَّا من جاهِلٍ بقَدْرِ المعصيةِ، أو مُستهينٍ مُستهزئٍ بها، مُصِرٍّ عليها، غيرِ تائبٍ منها، مُظهرٍ للمُنكَرِ، والواحِدُ من هذه الأمورِ كبيرةٌ، فكيف إذا اجتَمَعَت؟! فلذلك كان فاعِلُ هذه الأشياءِ أشَدَّ النَّاسِ بلاءً في الدُّنيا، وعقوبةً في الآخِرةِ؛ لأنَّه تجتَمِعُ عليه عقوبةُ تلك الأمورِ كُلِّها) .

وحُكمُ المُصِرِّ على المعصيةِ عند أهلِ السُّنَّةِ هو حُكمُ مُرتكِبِ الكبيرةِ.
وقد ذكر ابن حجر الهيتمي أنَّ مِن جملةِ الكبائِرِ: فَرَحَ العبدِ بالمعصيةِ، والإصرارَ عليها، ونسيانَ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ، والأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ. فقال:
(الثَّالثةُ والثَّلاثون: فَرَحُ العَبدِ بالمعصيةِ.
الرَّابعةُ والثَّلاثون: الإصرارُ على المعصيةِ.
الخامِسةُ والثَّلاثون: محبَّةُ أن يُحمَدَ بما يفعَلُه مِنَ الطَّاعاتِ.
السَّادسةُ والثَّلاثون: الرِّضا بالحياةِ الدُّنيا والطُّمَأنينةُ إليها.
السَّابعةُ والثَّلاثون: نسيانُ اللهِ تعالى والدَّارِ الآخرةِ.
الثامِنةُ والثَّلاثون: الغضَبُ للنَّفْسِ والانتصارُ لها بالباطلِ) ثم ذكَرَ في التَّاسعة والثَّلاثين: (الأمْنَ مِن مَكرِ اللهِ بالاسترسالِ في المعاصي مع الاتِّكالِ على الرَّحمةِ) .

فاقترافُ المعاصي بمفرَدِه عند أهلِ السُّنَّةِ لا يُخرجُ من دينِ اللهِ، ولا توقِعُ صاحِبَها في الرِّدَّةِ إن لم يَقتَرِنْ بها سَبَبٌ من أسبابِ الكُفرِ كاستحلالِ المعصيةِ أو الاستهزاءِ بحُكْمِها.

قال الطَّحاوي: (لا نُكَفِّرُ أحدًا من أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستحِلَّه)، ثم عَقَّب على ذلك بقَولِه: (ولا نقولُ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لِمن عَمِلَه) .
وذلك لأنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَرَون أنَّ فِعلَ المعاصي يترتَّبُ عليه العذابُ والعِقابُ الأُخرويُّ الذي أخبر عنه الشَّارعُ لكثيرٍ من المحَرَّمات والمعاصي، وتوعَّد اللهُ به على فِعْلِها في كتابِه وعلى لسانِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّها تؤثِّرُ على الإيمانِ مِن حيثُ زيادتُه ونُقصانُه، لا من حيثُ بَقاؤُه وذَهابُه .
وكذلك فإنَّ صاحِبَ المعصيةِ المصِرَّ عليها يُخشى عليه عند أهلِ السُّنَّةِ سُوءُ العاقبةِ؛ لأنَّ المعاصيَ بريدُ الكُفرِ، والإكثارُ من مقارفةِ المعاصي قد يؤدِّي إلى الوُقوعِ في الكُفرِ والرِّدَّة -والعياذُ باللهِ، فالاستغراقُ في المعاصي أو الإصرارُ عليها قد يجعَلُها تحيطُ بصاحِبِها وتُنبِتُ النِّفاقَ في قَلْبِه؛ حتى يغطِّيَ قَلْبَه الرَّينُ، ويسُدُّ منه كُلَّ منافذِ الخَيرِ دونَما شعورٍ منه حتى يسقُطَ منه إمَّا عَمَلُ القَلبِ، فينتَكِسُ، ويُبَرِّرُ لصاحِبِه كُلَّ ما يفعَلُه من الشَّرِّ حتى يوقِعَه في استحلالِ المعاصي، وإمَّا يَسقُطُ منه قَولُ القَلبِ فيُنكِرُ بعضَ ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لتبريرِ مُقتَضَياتِ الهوى والشَّهوةِ .

عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم ومحَقَّراتِ الذُّنوبِ؛ فإنَّهنَّ يجتَمِعْنَ على الرَّجُلِ حتى يُهلِكْنَه، وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ضرب لهنَّ مثلًا كمَثَلِ قَومٍ نَزَلوا أرضَ فَلاةٍ، فحَضَر صَنيعُ القَومِ، فجَعَل الرَّجُلُ ينطَلِقُ فيجيءُ بالعُودِ، والرَّجُلُ يجيء بالعودِ، حتى جمعوا سَوادًا، فأجَّجوا نارًا، وأنضَجوا ما قَذَفوا فيها )) .


وقال ابنُ تيميَّةَ: (قَولُه تعالى: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2] ؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّنُ الكُفرَ، فيقتضي الحُبوطَ وصاحِبُه لا يدري، والمعنى: كراهيةَ أن يَحبَطَ أو خشيةَ أن يَحبَطَ، فنهاهم عن ذلك؛ لأنَّه يُفضي إلى الكُفرِ المقتضي للحُبوطِ، ولا رَيبَ أنَّ المعصيةَ قد تكون سببًا للكُفرِ، كما قال بعضُ السَّلَفِ: «المعاصي بريدُ الكُفرِ» ، فيُنهى عنها خشيةَ أن تُفضِيَ إلى الكُفرِ المحبِطِ، كما قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: 63] -وهي الكُفرُ- أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وإبليسُ خالف أمْرَ اللهِ؛ فصار كافرًا، وغيرُه أصابه عذابٌ أليمٌ) .


يتبع

الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ومن أخطَرِ الأشياءِ: كراهةُ حُكمِ اللهِ وما شرَعَه، فهو محبِطٌ للعَمَلِ، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: 9] .

قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ العَبدَ إذا فَعَل الذَّنبَ مع اعتقادِ أنَّ اللهَ حَرَّمه عليه، واعتقادِ انقيادِه لله فيما حَرَّمه وأوجَبَه؛ فهذا ليس بكافِرٍ، فأمَّا إن اعتقد أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْه أو أنَّه حَرَّمه لكِنِ امتنع من قَبولِ هذا التحريمِ وأبى أن يُذعِنَ للهِ ويَنقادَ، فهو إمَّا جاحِدٌ أو معانِدٌ؛ ولهذا قالوا: من عصى اللهَ مُستكبِرًا كإبليسَ، كَفَر بالاتِّفاقِ، ومن عصى مُشتَهِيًا لم يَكفُرْ عند أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، وإنَّما يُكَفِّرُه الخوارجُ؛ فإنَّ العاصِيَ المستكبرَ وإن كان مُصَدِّقًا بأنَّ اللهَ رَبُّه، فإنَّ مُعاندتَه له ومحادَّتَه تنافي هذا التصديقَ.
وبيانُ هذا أنَّ من فعل المحارِمَ مُستَحِلًّا لها فهو كافِرٌ بالاتِّفاقِ، فإنَّه ما آمَنَ بالقُرآنِ من استحَلَّ محارِمَه، وكذلك لو استحَلَّها من غيرِ فِعلٍ، والاستحلالُ اعتقادُ أنَّها حلالٌ له وذلك يكونُ تارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ أحَلَّها، وتارةً باعتقادِ أنَّ اللهَ لم يحَرِّمْها، وتارةً بعَدَمِ اعتقادِ أنَّ اللهَ حرَّمها، وهذا يكونُ لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرُّبوبيَّةِ، أو لخَلَلٍ في الإيمانِ بالرِّسالةِ، ويكونُ جَحْدًا محْضًا غيرَ مبنيٍّ على مُقَدِّمةٍ.

وتارةً يَعلَمُ أنَّ اللهَ حَرَّمها، ويعلَمُ أنَّ الرَّسولَ إنَّما حَرَّم ما حَرَّمه اللهُ، ثم يمتَنِعُ عن التزامِ هذا التحريمِ، ويعانِدُ المحَرَّمَ، فهذا أشَدُ كُفرًا من قَبْلِه، وقد يكونُ هذا مع عِلْمِه أنَّ من لم يلتَزِمْ هذا التحريمَ عاقبه اللهُ وعَذَّبه، ثم إنَّ هذا الامتناعَ والإباءَ إمَّا لخَلَلٍ في اعتقادِ حِكمةِ الآمِرِ وقُدرتِه، فيعودُ هذا إلى عَدَمِ التصديقِ بصِفةٍ مِن صفاتِه، وقد يكونُ مع العِلمِ بجميعِ ما يُصَدقُ به تمرُّدًا أو اتباعًا لغَرَضِ النَّفْسِ، وحقيقتُه كُفرُ هذا؛ لأنَّه يعترفُ للهِ ورَسولِه بكُلِّ ما أخبَرَ به، ويصَدِّقُ بكُلِّ ما يُصَدِّقُ به المُؤمِنون، لكِنَّه يَكرَهُ ذلك ويُبغِضُه ويَسخَطُه؛ لعَدَمِ موافقتِه لِمُراده ومُشتَهاه، ويقول: أنا لا أُقِرُّ بذلك، ولا ألتَزِمُه، وأبغِضُ هذا الحَقَّ، وأنفِرُ عنه، فهذا نوعٌ غيرُ النَّوعِ الأوَّلِ، وتكفيرُ هذا معلومٌ بالاضطرارِ مِن دينِ الإسلامِ، والقُرآنُ مملوءٌ من تكفيرِ مثلِ هذا النَّوعِ، بل عقوبتُه أشَدُّ... وبهذا يظهَرُ الفَرقُ بين العاصي؛ فإنَّه يعتَقِدُ وُجوبَ ذلك الفِعلِ عليه، ويحِبُّ ألَّا يفعَلَه، لكِنَّ الشَّهوةَ والنُّفرةَ منعَتْه من الموافقةِ، فقد أتى من الإيمانِ بالتصديقِ والخُضوعِ والانقيادِ، وذلك قَولٌ وعَمَلٌ، لكِنْ لم يَكمُلِ العَمَلُ) .

وقال ملَّا علي القاري: (إنَّ استحلالَ المعصيةِ صغيرةً كانت أو كبيرةً -إذا ثبت كونُها معصيةً بدلالةٍ قطعيَّةٍ- وكذا الاستهانةُ بها: كُفرٌ، بأن يَعُدَّها هَيِّنةً سَهلةً، ويرتَكِبُها من غيرِ مُبالاةٍ بها، ويُجريها مجرى المباحاتِ في ارتكابِها) .

وجعَلَ ابنُ الهمامِ مَناطَ التكفيرِ هو: (التكذيبَ، أو الاستِخفافَ بالدِّينِ) .

ولما كانت المعاصي عند أهل السُّنَّة بريدَ الكُفرِ؛ فإنَّ كثيرًا من الأئِمَّةِ قد امتنعوا عن إطلاقِ القَولِ بعَدَمِ تكفيرِ أحَدٍ بذَنبٍ؛ خوفًا من أن يَظُنَّ السَّامِعُ أنَّ الذُّنوبَ والمعاصيَ لا تؤثِّرُ في الإيمانِ بضَعْفِه ونَقْضِه، فهي قد تؤدِّي إلى سقوطِه جملةً بارتكابِ مَعصيةٍ تتضَمَّنُ إمَّا الإنكارَ لِما أمَرَ اللهُ به ورَسولُه، وإمَّا الاستكبارَ عنه أو الاستخفافَ والاستهانةَ بأَمْرِه.
قال ابنُ أبي العِزِّ: (فطائفةٌ تقولُ: لا نُكَفِّرُ من أهلِ القِبلةِ أحدًا، فتنفي التكفيرَ نفيًا عامًّا، مع العِلمِ بأنَّ في أهلِ القِبلةِ المنافقين الذين فيهم من هو أكفَرُ من اليهودِ والنَّصارى، بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وفيهم من قد يُظهِرُ بعضَ ذلك حيثُ يمكِنُهم، وهم يتظاهرون بالشَّهادتينِ!
وأيضًا فلا خلافَ بين المُسلِمين أنَّ الرَّجُلَ لو أظهر إنكارَ الواجباتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، والمحَرَّماتِ الظَّاهرةِ المتواتِرةِ، ونحوِ ذلك، فإنَّه يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ كافرًا مرتدًّا، والنِّفاقُ والرِّدَّةُ مَظِنَّتُهما البِدَعُ والفُجورُ... ولهذا امتنع كثيرٌ من الأئمَّةِ عن إطلاقِ القَولِ بأنَّا لا نُكَفِّرُ أحدًا بذَنبٍ، بل يقالُ: لا نكَفِّرُهم بكُلِّ ذَنبٍ، كما تفعلُه الخوارجُ، وفَرْقٌ بين النَّفيِ العامِّ، ونفيِ العُمومِ، والواجِبُ إنَّما هو نفيُ العمومِ، مناقَضةً لقَولِ الخوارجِ الذين يُكَفِّرون بكُلِّ ذَنبٍ... فإنهم يقولون: نكَفِّرُ المُسلِمَ بكُلِّ ذنبٍ، أو بكُلِّ ذنبٍ كبيرٍ، وكذلك المعتَزِلةُ الذين يقولون: يحبَطُ إيمانُه كُلُّه بالكبيرةِ، فلا يبقى معه شيءٌ من الإيمانِ... وبقَولِهم بخُروجِه من الإيمانِ أوجبوا له الخُلودَ في النَّارِ... إنَّ أهلَ السُّنَّةِ متَّفِقون كُلُّهم على أنَّ مرتَكِبَ الكبيرةِ لا يَكفُرُ كُفرًا يَنقُلُ عن الملَّةِ بالكليَّةِ، كما قالت الخوارجُ... ومتَّفِقون على أنَّه لا يخرجُ من الإيمانِ والإسلامِ، ولا يدخُلُ في الكُفرِ، ولا يستَحِقُّ الخُلودَ مع الكافرينَ، كما قالت المعتَزِلةُ) .

وقال حافظٌ الحكَميُّ: (لا نُكَفِّرُ بالمعاصي التي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وأنَّها لا تُوجِبُ كُفرًا، والمرادُ بها الكبائِرُ التي ليست بشِركٍ، ولا تستَلزِمُه، ولا تنافي اعتقادَ القَلْبِ ولا عَمَلَه... ولكِنْ نقولُ: يَفسُقُ بفِعْلِها، ويُقام عليه الحدُّ بارتكابِها، ويُنقَصُ إيمانُه بقَدْرِ ما تجَرَّأَ عليه منها... عامِلُ الكبيرةِ يَكفُرُ باستحلالِه إيَّاها، بل يكفُرُ بمجَرَّدِ اعتقادِه بتحليلِ ما حَرَّم اللهُ ورَسولُه لو لم يَعمَلْ به؛ لأنَّه حيئنذٍ يكون مُكَذِّبًا بالكتابِ، ومكَذِّبًا بالرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك كُفرٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، فمن جحد أمرًا مجمَعًا عليه معلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ، فلا شَكَّ في كُفْرِه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×