اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي​

المشاركات التي تم ترشيحها

136026814515.gif

{ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال تعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [سورة المائدة]

لن نخوض في سبب القربان الذي قدمه قابيل الأخ الأكبر/ الزرع الفاسد/ ولا ما قدمه هابيل أخوه أصغر منه/ كبش أملح/ إنما نقف عند تهديد قابيلٍ هابيلَ .
لماذا هدده بالقتل؟ وهل التهديدُ بالقتل ينهي قضية الخصام ،أو يزيد أوار النار في القلوب؟
قدّم هابيل أفضل ما عنده قرباناً فتُقُبِّل منه وكان قربانُه في المستقبل كبش فداء لإسماعيل عليه السلام، وما أجلّه من قربان.
وقدم قابيل زرعاً يابساً ، فلم يُرضِ ربه . وكان عليه – لو كان ذا عقل وفهم – أن يستدرك مسيرته ، ويعلم أنه أخطأ في قربانه ، فقدم أفضل ما عنده تعبيراً عن إصلاح أمره، ورجاء الرضا من ربه.
لم يكن القتل يوماً حلّاً لمن يريد السلام والحفاظ على المودة والحياةَ الطيبة . وكم من امرئ سلك هذا الطريق فزُهقت روحه ثمناً لتهوره، أو زَرَع الشحناءَ والبغضاء في مجتمعه، أو هرب في شعاب الأرض عمرَه كله ،يخاف أن يظفر به من أساء إليهم ،فقتل منهم.

قال قابيل:
(لأقتلنّك) بدلَ أن يراجع نفسه فيصنع المعروف ويستغفر ربه.
(
لأقتلنّك) قولٌ أحمقُ يدل على ضعف العقل وقصر النظر.
(
لأقتلنّك) كلمة تدل على الحَمَق والتهوّر.
(
لأقتلنّك) ظلمٌ ،واستبداد، ورعونة .

قال هابيل:
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } دعوة إلى الحق والتزام شرع الله والعمل بما يرضيه سبحانه.
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } فكر سديد، وقلب رشيد،
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } نظرة مستقبلية هادفة ، وعمل للحياة الخالدة.
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } هدف نبيل ، ومجد أثيل. وتصَرّفٌ أصيل

هابيل يمثل الحق والنور، وقابيل يمثل الظلم والظلام.
والناس جميعاً تبَعٌ لهابيلَ أو قابيلَ.
وسيبقَون فريقين متنافرين إلى قيام الساعة ...
4jiec1trcqy.gif



 
{ فَأَرْسِلُونِ..}

أ.د عثمان قدري مكانسي *


 
قال تعالى :
{ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)}[سورة يوسف]

1- قد ينسى الإنسان ، وهذا أمر عادي فالإنسان نسّاء.وقد يتذكر ما نسي حين يعيش قضية تشابه قضيته. فقد رأى الساقي نفسه في المنام – وهو في السجن - يسقي سيده خمراً ، وسيدُه الآن يرى حلماً أقضَّ مضجعه.فتذكر رؤيته قبل سنين .

2- من أسدى إليك معروفاً فبادله معروفاً بمعروف.إذ يرغب الساقي بتحرير يوسف وأن يقربه من الملك حين يُؤَوِّل حلمه.

3- { أَنَا أُنَبِّئُكُم } ( دليل ثقة) فقد رأى وعاين، رأى الساقي قدرة يوسف عليه السلام في تأويل حلمه ، ولسوف يفعل ذلك للملك.

4- الخادم لا يتنبأ، لكنه يعرف صاحب العلم الصحيح (يوسف عليه السلام) فعرض على الملك اسم من يفسّشرُ له حلمه حين عجز الكهنة عن ذلك.

5- أن تدلَّ الناسَ على أهل العلم ليستفيدوا منه أمر طيب. وهذا ما فعله الساقي حين ذكر يوسف عند الملك.

6-{ أَرْسِلُونِ } المفتاح عندي ، استطيع خدمتكم ومساعدتكم.ولأنه الساقي (الخادم) ليس له إلا أن يُخلص لسيده في تعريفه بيوسف ليسمح له بلقائه ويأتيه بالخبر اليقين.

7- { فَأَرْسِلُونِ }: الأمر لكم ،. وبهذا يتقرب للملك كذلك ويلقى عنده الحظوة.

8- ولعل مع النسيان الخوفَ من ردة الفعل ، فلم يعرض الخادم خدمته إلا حين أمِنَ ردة فعل السادة وأولي الأمر، وتبيّن ضعف حيلتهم. فقد أعلنوا فشلهم في تأويل رؤيا الملك فـ { قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ... (44)}.

9- لكن الإيجابية في الكهنة أنهم استدركوا موقف الضعف فأعلنوا { ... وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)) .فأقرّوا بسقف معرفتهم ، ليمتصوا غضب الملك إن غضب، وليبحث هو عمّن يفسر له ما رأى...{ ... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)}[يوسف].

10- { بعد أمّة } : أي بعد مدّة ،ووردت كلمة أمّة مرات عدة في القرآن الكريم بمعان مختلفة (12) باثني عشر معنى، مما يدل على سعة اللغة العربية التي وسعت كتاب الله تعالى ،أذكر ثلاثة من معانيها، وأترك لكم العودة إلى كتابي ( كلمات في القرآن) لتتعرفوا على معانيها كلها.
11- من معانيها:
ا- الماضون من السلف: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } [البقرة] في موضعين
ب- الشريعة الواحدة والدين الواحد ، مثال ذلك في الآية 213 من سورة البقرة : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... }
ج- وتأتي بمعنى العلماء والدعاة والمصلحين ، مثال ذلك الآية 104 من سورة آل عمران : { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }.

12- اختصار المواقف دون خلل في المعنى سمة ظاهرة في القرآن الكريم ، حين قال فأرسلون، نراه يخاطب يوسف فوراً { ييُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } ، فقد وافق الملك على إرساله إلى السجن ، وحمّله فحوى الرسالة ، وأمره أن يسأل يوسف تأويل الحلم. فذهب إليه وقابله، وسلم عليه ، وخاطبه، فقال: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ }

13- احترام الساقي سيدّنا يوسف واضح حين كلمه باحترام فناده بـ { الصِّدِّيقُ }، وهذه غاية التكريم ، فالمولى سبحانه وصف سيدنا إبراهيم بالصدِّقية في قوله تعالى:
{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41)}[مريم]

14- وأعلن انه رسول الملك إليه ، فلم يقل: أفتِني، وقال { أَفْتِنَا } بصيغة الجمع.فالأمر مهمٌّ جداً.

15- ولعل الملك أرسل ساقيه يجرب سيدنا يوسف ، ولو كان – ابتداءً- مطمئنّا لأمَرَ بحمله إليه.

16- فلمّا أعجب الملك بجواب يوسف أمر بحمله إليه ليراه, { ائْتُونِي بِهِ }

17- فلما اعتذر يوسف فلم يخرج من السجن إلا حراً طليقاً تسبقه براءته من ظلم المجتمع أعجب الملك به ، فزادت كلمة : { أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } بعد ثبوت براءته، فلن يكون مجرد مؤول عابر ، إنه سيكون نديمه المفضّل. ومستشارَه الخاص.

18- لم يرغب يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن بعفوٍ، فالعفو لا يبرِّئه من تهمة الفحشاء، وستبقى لاصقة به، والرضا بالخروج من السجن بعفو الملك، ثلمة ينأى (الداعية) سيدنا يوسف عنها.

19- البراءة من التهمة دليل الطهارة والصدق والعفة، وبهذا يستمر في الدعوة إلى الله تعالى دون أن يطعن فيه أحد، أو يلمزه هُمَزةٌ.

20- إصرار يوسف أن يخرج من السجن بريئاً ورفضُه الخروجَ بعفوٍ جعل الملك يصدقه دون أن يراه ، واتّهم النساء ،وبرّأ يوسف حين قال لامرأة العزيز وبقية النساء :
{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ ... (51)} ؟ فاستخلص منهنَّ اعترافهنَّ بفعلتهنَّ بقوة المُلْك،وعظمة السلطان.{ ... قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ... (51)}

21- حين يُحاصَر الكاذب من كل الأطراف يعترف بفعلته بعد أن كابَر وادّعى، فهذه امرأة العزيز حين اعترفت النساء بالحق، لم تجد بدّاً من متابعتهنَّ والإقرار بذنبها إذ :
{ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)}

22- حين يسترد المرء الصالحُ حقه يعلو صوتُه بأنَّ عليه أن يكافئ المحسن إحساناً ، فالذي اشتراه، أكرم مثواه وعلّمَه ،وعامله معاملة طيبة ، فكان على يوسف أن يعامله بإحسانه إحساناً : { ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)}

23- ومن الشفافية المطلقة أن سيدنا يوسف وهو الشريف الطاهر يرى أن المرء حين تأتيه المغرِيات قد يضعف لولا رحمة الله تعالى به وعفوه وغفرانه

* بتصرف بسيط جداُ
 
4jiec1trcqy.gif
 
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالمِين

 
 
قال تعالى :
{ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)} [يونس]

 
 
1 ـ دعاء وتبتّل وتذلل للمليك العظيم.. { رَبَّنَا }
2 ـ لجوء إليه واعتماد عليه سبحانه.
3 ـ ادع بلسان الجماعة: ربنا ؛ فأنت لبنة في هذا المجتمع المسلم.
4 ـ { لَا تَجْعَلْنَا } من أفعال التحويل ؛ فالأصل نعمة والتحويل والتبديل إلى العقوبة نقمة.
5 ـ والفتنة نظرة مقلوبة فالعدو حين يظهر عليك يتفنن في تعذيبك وإذلالك ؛
وقد تكون الفتنة أنه حين يسيطر عليك يظن أنه على صواب وأنك على خطأ.
وقد تكون الفتنة في قلوب المسلمين واعتقادهم حين يرون أعداءهم يظهرون عليهم.
6 ـ { لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } : فهم قوم مجتمعون متآلبون وفي صف واحد على المسلمين كما أنهم ظلمة ؛ والظالم لا يرقب في مؤمن إلّاً ولا ذمة ؛وأولئك هم المعتدون.
7 ـ { وَنَجِّنَا } : فالنجاة بالله وصادرة عن الله؛
8 ـ ولا نجاة إلا برحمته سبحانه نجاة في الدنيا من مصائبها ؛ وسيطرة الكافر من أعظم المصائب؛
ونجاة في الآخرة من سخط الله ومن ناره. كما أن النجاة في الآخرة فوز بالجنة ونعيمها. وكرامة وسعادة.
9 ـ الكافر يغمط حق مولانا إذ يشرك به آلهة أخرى ويجعل له زوجة وولداً؛ وهو بهذا الجحود الظالم تراه من باب أولى يسيء إلى البشر ويأكل حقهم ويستعبدهم ؛
10ـ فالحياة الحرة الكريمة توجّهٌ بضراعة إلى الله ؛ وتمسك بشريعته؛ والتزام بأمره سبحانه

د. عثمان قدري مكانسي

4jiec1trcqy.gif

 
قال تعالى :
{ وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعضِ أَزواجِهِ حَديثًا فَلَمّا نَبَّأَت بِهِ وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعضَهُ وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَت مَن أَنبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ العَليمُ الخَبيرُ (3)} [التحريم]

- بين الرجل وزوجته أسرار لا ينبغي لأحدهما إذاعتها
- قد يُحَدِّث الرجل بسره إحدى نسائه ويكتمه عن غيرها
- وكلمة بعض: اثنتان فما فوق. فقد يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصّ اثنتين أو أكثر بسره
- ولعل واحدة منهن تكلمت به ( نبأت به) وما كان لها أن تفعل ذلك.
-لأهمية الحديث؛ وما عاد سرا نبأه الله به
- النبأ أمر عظيم فوق الخبر
- لا بد من العتاب أو أكبر منه أو أقل لمن لم يحفظ السر ؛ وقد يكون عقاباً؛ لأهميته.
- إن كان السر مُهمّا وفشا وجب تنبيه صاحب السر ليأخذ احتياطاته.
- قد يتصرف صاحب السر ببعض ما كان؛ نوعا من التنبيه اللازم دون أن يذكره كله، فيعاتب به كله أو ببعضه حسب أهميته ؛ أو حسب الموقف المناسب؛ هنا ذكر بعض الخبر وتغاضى عن بعضه؛
- للمخطئ أن يتحرى حقيقة من كشف إفشاء السر
- ولصاحب السر أن يكتمه أو يفصح عنه؛ ولهذا أخبر النبي من استفسرت عن المصدر به
- ذكر المصدر - هنا- وهو الله تعالى العليم بكل شيء الخببر به إنه توثيق متين يُسكت المخطئ فيعترف بذنبه.
- اثنتان فشتا السر ؛ وواحدة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المصدر فأخبرها وحدها؛ فهي من سألت.
- وهي من أخبرت ضرتها بما نزل على النبي بما فعلتا.
- ولأن الاثنتين أخطأتا أمرتا بالتوبة
- فإن تابتا -وتوبتهما دليل على صدقهما - أشرق قلباهما بنور التوبة والصفاء
- وإن أصرتا على ما فعلتا خابتا
- ودليل الخيبة أن الله تعالى يؤيد نبيه ؛ ومن كان الله معه ظهر وفاز .
- إن الله ولي الصالحين ورسول الله سيد الصالحين.
- مع أن تأييد الله تعالى يكفي للفوز فإن سبحانه يعلمنا دعم المواقف ما استطعنا؛ فجبريل عليه السلام وصالح المؤمنين والملائكة من مؤيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنّ حشدَ التأييد داعم رائع للمواقف ولو كان الداعم الأول يكفي ويزيد.

الدكتور عثمان قدري مكانسي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ }

الأستاذ الدكتور عثمان قدري مكانسي


حين ألقي سيدنا إبراهيم في النار ، فقال الله تعالى لها : { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69)} [الأنبياء] ،فانقلبت روضة غنّاء ،فآمن به كثير من الناس .ولعل أحدنا يسأل نفسه: ما دام كثير من الناس آمنوا بدين إبراهيم فَلِم أفرد الله تعالى سيدنا لوطاً " ابن أخيه في تفسير ابن كثير ،وهو ابن أخته في تفسير القرطبي" بالإيمان ، فقال : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... (26)} [العنكبوت] ؟
والجواب أن لسيدنا لوط أثراً في الدعوة،فلم يكن إنساناً عادياً آمن ،إنه داعية ، والداعية أمة وحدَهُ كما وصف الله تعالى عمه سيدنا إبراهيم أنه كان أمة وحده.

والناس كإبل المئة ، لا تكاد تجد فيهم راحلة ، وفي الناس خير كثير ، والداعية بلسمٌ ودواء، وللروح غذاء .إنَّ من يتحمل المسؤولية في الناس قليلٌ، ومن ينهضُ بهِمَمِهم ،ويحملُ عبء الدعوة في قلبه، ويضيءُ شهاباً ،ويتحركُ نوراً وضياءً، مثلُ الكبريت الأحمر أو عنصر الذهب في خليط التراب.

ولئنْ ذُكِرَ لوطٌ وحده في الإيمان بعمه إبراهيم فلأنّ الإيمان بالله ملأ شَغاف قلبِه، وكان عوناً لنبيه وعمه أبي الأنبياء ، وعَرَف سيدُنا إبراهيم في تلميذه وابن أخيه النجابة والقوة في حمل الدعوة فأخذه معه إلى بلاد الشام ، فجعله الله تعالى نبياً كريماً ،وكلفه بدعوة أهل الغَور في فلسطين إلى عبادة الله ، فدوّت كلماته في المكان تصدح بكلمة الحق. فحذّرهم من مساوئهم ونبههم إلى خطرها ودعاهم إلى إصلاح أنفسهم:

قال عز وجلّ في سورة العنكبوت :
{ ... أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ ... } ، خالفوا الفطرة ،وأتَوا أمَّ الرذائل،
{ ... وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ ... } ، فزرعوا الخوف ،وسلبوا الأموال ،وقطعوا الطرق.
{ ... وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ... (29)} ، لم يتركوا فاحشة إلّا اقترفوها، ولا رذيلة إلّا فعلوها.

جهر بكلمة الإيمان ودعاهم إليها، وحثَّهم عليها ،وخوّفهم من مغبة اجتناب الحق، فأبوا ذلك وتحدّوه أن يأتي بعقاب الله – وهذه وهدةُ الكبر والفجور- وكذّبوه ، قال سبحانه : { ... فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)} ، فلما يئس من هداهم ورأى فسادهم يشتدُّ دعا عليهم: { قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)} .

ووثق القرآن هلاكهم في سور عدة كالعنكبوت والقمر وهود وغيرها .

الداعية الحقُّ قويُّ الإيمان ،إيجابي الحركة،لمّاحٌ وذو شعور بالمسؤولية ، ولله درّ الشاعر طرَفةُ بن العبد حين يقول في معلقته:



إذا القومُ قالوا مَن فتىُ خِلتُ أنني * عُنيتُ فلم أكسل ولم أتبَلَّدِ


والشاعر الفارس بشامة بن حزن النهشلي إذ يفخر بقومه:


لو كان في الألف منا واحدٌ فَدَعَوا * من فارسٌ خالهُ إيّاه يعنونا


ولن تكون داعية أيها الأخ إلا إذا عملت لدينك كما تعمل لبيتك وأسرتك أوأكثر، ولك من سيرة نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم الأسوة ،ومن أصحابه الكرام رضي الله عنهم القدوة، ومن حياة القادة المسلمين العظام نبراس .


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي





 
{ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي

تقرأ في سورة التوبة قوله تعالى:
{ ... فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ... (69)}

نظرت في معنى الخلاق فإذا المعجم يقول: الخَلاق بفتح الخاء الحظ والنصيب من الخير وهو المقصود بالآية الكريمة هذه، أما الخِلاقُ بكسر الخاء فضرب من الطيب ، أعظمُ أجزائه الزعفران. والمعنيان متناسقان في التمتع بالخير ومتعلقاته.

يقول القرطبي رحمه الله في تفسيره: يقول النبي صلى الله عليه وسلم موجهاً الحديث للمنافقين: إن الكفار تمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم،ورضُوا بذلك من نصيبهم في الدنياعوضاً من نصيبهم في الآخرة، وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم ،فهلكوا ، وأنتم على إثرهم.( بتصرف).

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب مَن قبلـَهم، وقد كانوا أشدَّ منهم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: ما أشبه اليوم بالبارحة! هؤلاء بنو إسرائيل، شُبِّهنا بهم ، لا أعلم إلا أنه قال: ( والذي نفسي بيده لتتبَعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضبٍّ لدخلتموه) ، ( أخذه من الحديث الشريف).

وقال القرطبي نحو ما قال ابن كثير

اما البغوي رحمه الله فقال: تمتع السابقون أو انتفعوا بخلاقهم، ونصيبِهم من الدنيا باتباع الشهوات، ورضُوا بها عوضاً عن الآخرة فاستمتعتم أيها الكفار والمنافقون بخلاقكم وخضتم بالباطل والكذب على الله تعالى وتكذيب رسله ، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهَدياً ، تتّبعون عملهم حَذوَ القُذَّة بالقُذَّة غيرَ أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟

أما القنوجي فيقول في فتح بيانه: انتم مثل الناس قبلكم فعلتُم فعلَ الذين مضوا من قبلكم.

ويقول الشوكاني: انتفعتم كما انتفعوا به ، والغرض من هذا التمثيل ذَمُّ هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم لمَن قبلـَهم من الكفارفي الاستمتاع بما رزقهم الله ، ومثلُ هذا قاله ابن القيِّم رحمه الله تعالى

وزاد ابن الجوزي وخضتم في الطعن على الدين وتكذيب نبيكم كما خاضوا

ويقول البقاعي في نظم الدرر: طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى بنصيبهم الذي قدّره الله وخلقه لهم، وكان الأليق بهم أن يتبلّغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى لآخرة .

أقول: إذا كانت الدنيا دار فناء وكانت الآخرة دار قرار ، أفلا يجدر بأصحاب القلوب المؤمنة والعقول النيِّرة أن يجِدّوا السير إلى البقاء متبلّغين في الدنيا بما يكفي ليكون زادُهم إلى الآخرة كافياً وركوبُهم إليها ضافياً ووصولـُهم إليها وافياً.

وأُثّنِّي شعراً فأنشد:



 
إن كنت إلى خير تسعى وافاك الخيرُ ونجّاكَ
وإلى الفردوس مع النّا جين بكل هناءٍ وافـاكَ
يا فرحة قلبك حين ترى أحبابَك جـذلى إذْ ذاكَ
والله تعالـى بالإكـرام وحور الجنّة أرضاكَ
بل تشـكر ربّك تحمده إذ جعـل الجنّـة مأواكَ
وحمـاك بمِنّتـه نــاراً بلظاها تشوي الأفـّاكَ
وأعاذك منها ، وحباكَ فضلاً ونعيماً يغشـاكَ
وغِراسُ الجنّة تسبيحٌ تهليلٌ ، فالزم ذكـراكَ
واعمل للجنّة في دَأَبٍ كي يحلُـوَ فيها مثواكَ


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي



 
{ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }

الدكتور عثمان قدري مكانسي*


 
قال تعالى في سورة البقرة :
{ وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)}

من العجيب أن اليهود يعتقدون صدقاً أو كَذِباً – وقد قالوها- أنَّ النار في الآخرة لن تمسهم إلا أياماً معدودة! بعد كلِّ ما اجترحوه من آثام ، فقلوبهم قاسية ،إذ حرّفوا كتاب ربهم الذي أُنزِل عليهم ،وينافق بعضهم للمؤمنين إذ يدّعون أنهم آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالدين الذي يبشر به ويدعو إليه،وينهون مَن يذكر منهم صفة رسول الله في كتابهم للمسلمين كي لا يتخذها المسلمون حجة في وجوب إسلام اليهود والدخول في الدين الجديد،ويُوبِّخون من يفعل ذلك منهم ، ويحذرونهم أن الإقرار بذلك يعود عليهم حين يلقون ربهم بالخيبة والخسارة، وكأن الأمر يغيب – والعياذ بالله – على الله تعالى! وهو سبحانه يعلم السرَّ وأخفى، كما أن العالمين منهم بصفات رسول الله في التوراة يخفونها عن الأميين الجهلة منهم إبعاداً لهم ان يؤمنوا.

كذبوا أوّلاً حين زعموا أنهم إنْ عُذِّبوا فأياماً معدودة، إذ ادّعَوا أنه لمْسٌ خفيف فقط، ودُنُوٌّ ليس فيه كثير عذاب،أو هو عذاب خفيف.

وسواء كان هذا أو ذاك فالعذاب بحدِّ ذاته عقوبة وتعبيرعن الغضب وتوبيخ وتقريع، وما ينبغي للعاقل أن يتعرّض له، والرضا بالعذاب دليل على إصرارهم على الكفر بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى مخالفته ومعاداته، وهذا هو الكفر بذاته.ولماذا الإصرار على الإعراض وما ذُكِرَت خصال رسول الله في التوراة إلا ليؤمنوا به حين يلقونه؟ وما الإسلام إلا سلوك الدرب الموصل إلى الهدف المنشود.

كما أنهم ما أقاموا في يثرب إلا انتظاراً لمبعثه واتخاذها دار هجرته، وقد كانوا يهددون به الأوس والخزرج ومَن حولهم أنهم - حين يُبعث- سيؤمنون به ويحاربون العرب فيقتلونهم قتل عاد وإرَم ويبيدونهم أو يظهرون عليهم! وكانوا يظنونه يهودياً ، فلمّا بُعِثَ عربياً نكصوا على أعقابهم وعادَوه ،إذ قال حيي بن أخطب زعيم بني النضير لأخيه الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة وعرفه بصفاته وسأله : أنؤمن به؟ قال : لا والله ، إنها العداوة أبداً.

فلمّا سمع عرب المدينة ببعثته كانوا سبّاقين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلوا بالظالمين الجاحدين من يهود ما فعلوا فقد مكر هؤلاء، وغدروا وتآمروا مع كفار قريش وغيرهم ، وحرّضوا القبائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، فنالوا جزاء ما فعلوه.

ولو جاريناهم جدلاً في زعمهم الصبر على العذاب أياماً معدودة، فالمرء لا يتحمل لفحة من نار خفيفة ثانيةً أو ثانيتين ، وهذه نار الدنيا التي تخف عن نار الآخرة سبعين مرّة. فكيف يتحملون نار الآخرة وجحيمها الايامَ والليالي المعدودة بزعمهم. ولئن اتخذوا عند الله عهداً بذلك ، فالله تعالى يحفظ عهده وينفذه سبحانه .

إن يهود كعادتهم يتقوّلون على الله تعالى ويهرفون بما لا يعرفون،فقد أكد المولى منذ الأزل، بقوله عز وجلّ :
{ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)} [البقرة]
فليس للكافر المعاند سوى الخلود في عذاب جهنم لقد احاطت بهم دائرة الكفر من كل جانب فقذفت بهم في نار الخلد والعذاب المقيم.

ولن ينجو إلا المسلم الذي آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً ، ولا بد من القِران بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح فينال المسلم رضاء الله وعفوَه وجنّتَه ، قال سبحانه :
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)} [البقرة].

إن سلامة المرء بصدقه وحُسن عمله ،أمّا الادّعاء فسبيلُ المتنطّعين ، يكُبهم على وجوههم في سقر، قال جل ثناؤه :
{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29)} [المدثر]

* بتصرف بسيط جدا.


تفسير آية _الدكتور عثمان قدري مكانسي



{ فَـغَـفَـرَ لـَهُ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


رأى موسى عليه السلام قبطياً وإسرائيلياً يقتتلان حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فاستغاثه الإسرائيلي – وكان أقباط مصر إذ ذاك يستذلـّون اليهود - فما كان من موسى عليه السلام – وهو شاب قويّ - إلا أن وكز القبطي فمات على فوره ، ولم يكن موسى عليه السلام يريد قتله ، لكنّ وكزته القوية كانت السبب في انتهاء أجله ،
شعر موسى الكريمُ بالحزن والأسى لأمر لم يكن يقصده ، إنه أراد أن يمنع أذى القبطي المعتدي عن الإسرائيلي ليس غير، فوجد نفسه يقتله ، فأقر أن هذا التسرع من عمل الشيطان عدوّ البشرية ، فهو يهيّج في الإنسان غضبه فيفقده السيطرة على نفسه فيرتكب أخطاءه ، قال تعالى :
{ ... قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)} [القصص]
فاستغفر ربـّه نادماً من فعلته العفوية هذه :
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ... (16)}
قالها مخلصاً في دعائه وأسفه ، وتوجه إليه سبحانه أن يقيل عثرته ويغفر ذنبه فجاءه الفضل من ربه سريعاً فقال في نفس الآية
{ ... فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص] .

إن صاحب القلب المتصل بالله إن يخطئ فيتـُبْ يَقبَلِ الله توبته ويُقـِلْ عثرته ، ويستشعر موسى فضلَ الله عليه فيعاهده تعالى أن لا يكون ظهيراً للمجرمين ، وأن يكون معيناً للمظلومين ، قال عز وجلّ
{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17)} [القصص].

عدت إلى التفاسير أستجلي الطريقة التي علم فيها موسى عليه السلام أن الله تعالى قد غفر له ، فوجدتُها في أكثر من جواب:

أولها :
أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن في الأمم قبلنا رجالاً صالحين كانت الملائكة تحدثهم وتسدد خطاهم وتؤانسهم أما في أمتنا فليس فيها هذا الصنف . والسبب في ذلك أن الإسلام دين كامل أتمه الله علينا
{ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... (3)} [المائدة]
فلا مجال مطلقاً لزيادة المتخرّصين ، وكذب المدّعين ،

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ترويه السيدة عائشة رضي الله عنها:
قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدَّثون فإن يكُ في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب
صحيح الجامع للألباني الصفحة أو الرقم: 4377
وعلى هذا فلا نقبل دجّالين يقولون : حدثني قلبي عن ربي ، ويعتبر نفسه موصولاً بالله يتلقى الوحي عنه بقلبه الطاهر !!! ويتقول على الله الأقاويل ، فيفتن الناس ويدلّس عليهم دينهم .

ومن الأحاديث التي رأينا الرجل ممن قبلنا يسمع الملائكة تتحدثُ ما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
بينما رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان . فتنحى ذلك السحاب . فأفرغ ماءه في حَرَّة . فإذا شرجةٌ من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله . فتتبع الماء . فإذا رجل قائم في حديقته يُحَوِّل الماء بمِسحاته . فقال له : يا عبدالله ! ما اسمك ؟ قال : فلان . كالاسم الذي سمع في السحابة . فقال له : يا عبدالله ! لِمَ تسألني عن اسمي ؟ فقال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول : اسق حديقة فلان . لاسمك . فما تصنع فيها ؟ قال : أما إذ قلتَ هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثا ، وأرد فيها ثلثه . رواه مسلم .
فعرف الرجل سبب إكرام الله تعالى لهذا المزارع المؤمن الذي يتصدق بثلث ماله على الفقراء ،

ومن الأحاديث التي تظهر الملائكة تكلم المسلم فيما قبْلَنا ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
زار رجل أخا له في قرية ، فأرصد الله له ملكاً على مدرجته ، قال : أين تريد ؟ قال : أخا لي في هذه القرية ، فقال : هل له عليك من نعمة تربها ؟ قال : لا ، إني أحبه في الله قال : فإني رسول الله إليك ؛ إن الله أحبك كما أحببته

أما موسى عليه السلام فقد يكون أفضل المحدّثين الذين كانت الملائكة تكلمهم وتسدد خطاهم ، سيّما أن الله تعالى هيّأه ليكون من الرسل أولي العزم . فعلم أن الله تعالى غفر له لحديث الملائكة إياه صلى الله وسلم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

ثانيها :
أنه صار نبياً – لا رسولاً- وهو شابٌّ قبل هروبه إلى مدينَ، فقد قال الله تعالى في سورة القصص:
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)}

وقد قال سبحانه في حق يوسف عليه السلام :
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)} [يوسف]
فيوسف عليه السلام صار نبياً حين بلغ مبلغ الرجال – صار أهلاً للزواج في سن الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة ، أما موسى فازاد كلمة { وَاسْتَوَىٰ } ،
فنقول : لعله صار نبياً في العشرين أو أكثر بقليل .وهذا ما أراه مناسباً واقرب إلى الصواب ،إن لم يكن الصوابَ عينَه.

لقد كان موسى وهو فتى ثم شابٌّ ثم رجل يعلم أنه سيكون نبياً رسولاً وأن الله تعالى رباه على عينه ، واصطفاه لنفسه :
{... وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)} [طه]
{ ... وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)} [طه] .

وقد يتساءل أحدهم كيف يعلم سيدُنا موسى بنبوّتِهِ ولم يصِرْ نبياً بعدُ ؟ فالجواب أن أمه كانت تعلم منذ ولادته أنه سيكون رسولاً وقبل أن ترضعه الرضعة الأولى إذ أوحى الله إليها ذلك الأمر فيما نقرؤه في بداية سورة القصص :
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)}
فقد وعدها سبحانه أن يعيد رضيعها إليها وأخبرها أن ابنها سيكون ذا شأن في المستقبل ، إنه سوف يكون رسولاً .ولا شكّ أنها أخبرته أنه سيكون نبياً ورسولاً ، وربّته على الإيمان وهيأته ليكون ذاك النبي العظيم.

وأعتقد أنه كان نبياً وهو في مصر ثمَّ صار رسولاً في عودته إلى أهله بعد غياب عشر سنوات أمضاها في الغربة يعمل راعياً عند الرجل الصالح في مدين ، وبعد أن صار حراً لغيابه أكثر من ثماني سنوات أمضاها بعيداً عن سجن فرعون أو النجاة من القتل . وكلمه الله تعالى في سيناء قرب الشجرة وتوجَّه رسولاً إلى بني إسرائيل وإلى فرعون نفسه .

والرسالة درجة أعلى من النبوّة ففيها بالإضافة إلى الدعوة رسالة جديدة وكتاب منَزّل يخص الرسول نفسه والله اعلم.
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
{ وَأَعِدُّوا }

بقلم الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
قال تعالى في سورة الأنفال :
{ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّـهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّـهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60)}.

1- لا بد من إعداد القوة لهؤلاء الذين يستبيحون بيضة الإسلام.

2- الإعدادُ يُرهب العدو ويُخزيه .. فيسعى لمنعه.

3- المنافقون - وهم كفار ضمناً بنص القرآن- لُعب بيد الأعداء يحركونهم كما تًحرّك الدمى .

4- عدوُّنا هو عدوّ الله سواء بسواء

5- يجب الإعداد قدر ما نستطيع ، ولو كانت استطاعتنا قليلة ، لنكون أهلاً لنصر الله.

6- لا يُرهب العدوَّ ويهدم أحلامَه إلا القوة المسلمة .

7- في حالة ضعفنا لا يجد الأعداء حرجاً من إظهار حقيقتهم ، وفي حال قوتنا ينزوون وراء كثير من الأستار ، وهم أعداء في كل حال.

8- صيغة الجمع في { وَأَعِدُّوا } لا ترضى بأعذار المتخوّفين الجبناء الذين يدلّسون ويُرجٍفون.

9- لا يجعل العدوَّ ذليلاً سوى الجهاد ، ولا يكون السلام إلا بعد القوة .أما سلام الضعفاء فهو الذلُّ عينُه.

10- أعداؤنا هم الكفار ( ملة الكفر واحدة) والمنافقون ، والمثبطون الذين يعملون لحرف الأمّة وإضعافها .
 
 
4jiec1trcqy.gif
{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }

وقف عندها : الدكتور عثمان قدري مكانسي*
 

وقفت أمام قوله تعالى في سورة البقرة :
{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}
أنظُرُ في كيفية التلقّي والكلمة التي تلقاها سيدنا آدم عند خطئه ،فقالها، فغفر الله تعالى له ولأمنا حواء - في التفاسير- لعلي أجعل لها نصيباً فيما أردده من دعاء .
فأجد في معنى التلقّي الفهم والفطنة، فقد فهم آدم عليه السلامُ ما أوحاه الله تعالى إليه من الاستغفار

ومن معنى التلقّي القبولُ والتلقف والعملُ ، وكان آدم عليه السلام يتلقى الوحي فيستقبله ويأخذه ويتلقفه، وكل الأنبياء كذلك.

وحكى بعضهم في معناها أنه أُلهِمَها فانتفع بها. وقال الحسن البصري : تقبل الكلمةَ وتعلَّمها وعمل بها
ورأيت فيما بين يديّ من التفاسير أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الكلمة :
{ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف] ،
قالها كذلك الحسن البصري وسعيد بن جبير رحمهما الله.

ورُوِي عن التابعي مجاهد، أنّ الكلمةَ هي : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ،ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.

وروى القرطبيُّ أن طائفة قالت: إن الكلمةَ التي تلقاها آدم من ربه رآها مكتوبة على ساق العرش { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ } فتشفع بذلك، فهي الكلمات.

وقالت طائفة: المراد بالكلمات البكاءُ والحياءُ والدعاءُ بشكل عام ،وكأن البكاء استشعارُ الخطأ ،والحياءُ سببه الندم،والدعاءُ الإصرار على التوبة والاستغفار.

قال ابن عطية: وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الاستغفارَ المعهود.

وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقول المذنب ، فقال يقول ما قاله أبواه : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

ونذكر أن سيدنا موسى عليه السلام حين قتل القبطيَّ خطأً ندِمَ على ذلك وقال مستغفراً : { قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)} [القصص] فغفر الله تعالى له كما غفر لأبيه آدم وأمه حواء

ونعلمُ أن سيدنا يونس في بطن الحوت نادى { لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} [الأنبياء] ،
فاستجاب له ربه ونجّاه من الغمّ، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ... (88)} وهذا له عليه السلام ،وللمؤمنين جميعاً ، فنحن نقرأ قوله تعالى مباشرة :
{ ... وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء].

يروي بعض المفسرين أن ابن عباس ووهب بن منبه ذكرا أن الكلمات:"سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتُبْ علي إنك أنت التواب الرحيم" فذكرا الاستغفار والتوبة .

بعضهم ذكر الدعاء الأخير وتوّجَهُ بقوله: فارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، فارحمني إنك أرحم الراحمين.

قال بعضهم: عطس فقال"الحمد لله" فتاب عليه، وقبل توبته، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما قاله القرطبي.

والتوبة والإثابةُ والإيابُ والإنابة : الرجوع إلى الحق والرغبة فيه

نكتة أدبية
لِمَ قال { فَتَابَ عَلَيْهِ } ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب فقد خوطبا معاً :
{ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)} [البقرة]
{ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} [الأعراف] ،

فالجواب:
1 ـ أن آدم عليه السلام لما خاطبه ربُّه في أول القصة بقوله { اسْكُنْ } خصه بالذكر في التلقي فكملت القصة بذكره وحده

2 ـ ولأن المرأة حُرمة فأراد الله الستر لها فلم يذكرها في المعصية في قوله جل ثناؤه : { ... وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121)} [طه]

3 ـ ولما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تُذكَر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله { ... أَلَمْ أَقُل لَّكَ ... (75)} [الكهف] هذا بوجود الفتى ، لكنني أعتقد أن الفتى فارقهما حين التقى موسى بالرجل الصالح ، ولم يكن معهما في رحلتهما

4 ـ ولعلّ الرجل حين يُخاطَبُ – وهو رب الأسرة أو المسؤول - فقد خوطب من معه أيضاً قد كان أمرُها كأمره سواء بسواء، قاله الحسن.البصريّ واحتجّ بالآية { ... وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)} [التوبة] ،فحذف كلمة رسوله إيجازا واختصاراً

5 ـ تبدأ التوبة من الله تعالى على عباده فضلاً وتكرّما ، فهو سبحانه يحب أن يتوب عليهم إذ قال :
{ ... ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)} [التوبة]،
{ وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... (27)} [النساء]،
ولهذا توَّجَها سبحانه بقوله: { ... إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)} [البقرة] ،
فالله تعالى توّاب يحب التوّابين : { ... إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} [البقرة].
لكنّ الزيغ يبدأ به البشر الخطّاءون قال عز وجلّ في سورة الصف :
{ ... فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ... (5)} . فأنهى الآية بقوله :
{ ... وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)} فهم من أراد الزيغ وبدأه .

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين

* بتصرف بسيط جداً
 
4jiec1trcqy.gif
 
{ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
قال تعالى في سورة القصص :
{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)} .

قال القرطبي : لا يُسألون سؤال استعتاب كما قال سبحانه :
{ ... وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)} (الجاثية) .
{ ... وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ (24)} (فصِّلت) ،
وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ،لقوله عز وجلّ :
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} (الحجر) ،قاله الحسن البصريُّ.

وقال مجاهد: لا تُسأل الملائكةُ غداً عن المجرمين ،فإنهم يُعرفون بسيماهم، فإنهم يُحشرون سودَ الوجوه زرقَ العيونِ،

وقال قتادةُ: لا يُسأل المجرمون عن ذنوبهم لكثرتها وظهورِها،بل يدخلون النار بلا حساب.

وقيل: أُهلكَ من أُهلك من القرون عن علمٍ منه بذنوبهم،فلم يحتجْ لمسألتهم عن ذنوبهم.

وقال الصابوني في صفوة التفاسير: لا حاجة أن يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميّتِها لأنه عالم بكل شيء،ولا يتوقف إهلاكُهم على سؤالهم،بل متى حقَّ عليهم العذابُ أهلكهم بغتة.

ويقول صاحب الظلال: فإن كان ذا قوة ومالٍ ( قارون) فقد أهلك الله من قبله أجيالاً كانت أشد منه قوة وأكثر مالاً، وكان عليه أن يعلم هذا، فهذا هو العِلمُ المنجي، فليعلم، وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهونُ على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم، فليسوا هم الحَكَمَ ولا الأشهادَ.

أقول: إن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم إجرام المجرمين ، وإفسادهم، فيملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، فالله تعالى يمهل ولا يُهملُ، فإذا جاء الحساب أخذهم أخذ العالم بهم الخبير بأعمالهم ، لا يسألهم عما فعلوه ، فالأمر واضح ليس فيه خفاء،

اللهم بك الحَوْل وبك الطَّوْل ، لجأنا إليك واعتمدنا عليك، فخذ أعداءك وأعداءنا أخذ عزيز مقتدر وأرنا فيهم يوماً كيوم عاد وثمود.
 
4jiec1trcqy.gif
 
 
{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
تقرأ قوله تعالى في سورة الفرقان :
{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)}،
فما هذا اليوم؟ ولماذا يعض؟ وماذا ظلم ومن ظلمه؟ ولماذا عض على يديه ولم يعض على يد واحدة أو لم يعض على عدّة أصابع ،أو أصبع واحد؟

أسئلة كثيرة تعرض نفسها عليك في شريط متتابع تعرضها عليك أداة تصوير دقيقة تصور الحدث مشهداً نفسياً وجسمياً ، حركةً وشعوراً،تتغلغل في أعماق النفس مجلّيةً موقفاً مؤلماً في يوم عصيب تقف المخلوقات فيه إنساً وجِنّاً ،عُراةً غُرلاً، في موقف مخيف يقطع الأنفاس وتضطرب فيه القلوب والجوارح ،ويشيب لهوله الولدان، وينحسر فيه الجميع عن جزع واضطراب لا ينجو منه أحد.

والظالم نوعان : ظالم لنفسه وظالم لغيره، وغالباً ما يجتمع النوعان معاً ،فمن يظلم الناس ويتعدى حقوقه إلى حقوق غيره تنكمش نفسُه على الأنانية وحب الذات والنرجسية التي ترى ما عداه لا حقوق له ولا كيان، فليفعل ما يشاء دون رادع.هذا الظالم الذي جمع الظلم أحدَهما أو كليهما عرف نهايته المؤلمة قبل أن تعرض عليه أعماله، فيأكله الندم،ولن يُفيده، وتجتاحُه الحسرة ، وتغشاه الكآبة . وليس له إلا أن يعبر عما يعيشه من حالة المرارة من مصير مرعب ينتظره بين لحظة وأخرى، ليس له أن يتخطّاه ، ، فقد سبق السيف العذل، والشهود حاضرون ،والقاضي عادل، ولن يتغير الحكم ،ولو دفع ملء اللأرض ذهباً، ولا يجرؤ شافع أن يشفع، فالخلائق كلهم مسؤولون، وكلهم مشغول بنفسه يسعى إلى خلاصها ، قال سبحانه في سورة عَبَسَ :
{ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)} .

ولنتفحّص النادم قد امتقع لونُه وجحظت عيناه وارتجفت أعضاؤه وأخذ يعض يديه يدميهما ويكاد يقطعهما،أسفاً وحسرة على ما آل إليه ،وخوفاً واضطراباً من فجأة اللحظة التي تحمله إلى الحُطَمة ، أو تعلوه النار دون سابق إنذار..

يعود إلى الدنيا بذاكرته حيث عُرض عليه الإيمانُ فأبى ، وسُئل العملَ الصالح فعافه، وطولب بأداء الحقوق فتجبّر، أتاه الدعاة ينصحونه فسخر منهم ، وهددهم وتعالى عليهم فاعتقلهم وسجنهم ،وكمَّم أفاههم وقتل الكثير منهم ، وشرّد الباقين، ودمّر عليهم ،وأذاق الناس المرَّ والعلقم ، ولم يرحم أحداً.

تذكُرُ بعض الروايات أن عقبة بن أبي مُعيط كان يسكن في الحي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا يوماً اصحابه وأهل الحيِّ إلى وليمة ، ومن بينهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى رسول الله الدعوة ،فهو لا يأكل طعامَ كافر ، ورغب عقبة أن يستجيب الجميع لدعوته فذكر كلمة الإيمان ،وشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فلبى النبي صلى الله عليه وسلم دعوته.
لكنّ أبَيَّ بن خلف وهو صاحب عقبة وصديقه عاتبه : اصبأت وتركت دين آبائك وأجدادك، ؟ حرامٌ عليَّ لقاؤك إلا أن ترد على محمد دينه وتأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه لا أرضى منك غير ذلك.
جاءه الشقيُّ فوجده ساجداً قرب الكعبة ففعل ذلك ،ورد الله عليه بزقته فحرقت وجه الكافر اللعين ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
لا القاك خارج مكة إلا قتلتُك .فأُسِر يوم بدر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليَّاً رضي الله عنه ،فقطع عنقه.كما أن أبيّاً رماه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بسهم اصاب رقبته، فمات في الطريق عائداً إلى مكة.

يقول الظالم في موقف اليوم الأخير متحسراً على ما فعل مع الرسول ، كما قال تقدست أسماؤه :
{ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً } ،
لكن ذلك اليوم مضى ولن يعود " ليتَ وهل تنفع شيئاً ليتُ؟"
أو لمْ يكن الإيمان بالله ورسوله أولى؟ أو ليس العمل الصالح أجدى؟ أوليست صحبة الصالحين أنفع ، ولات حين مندم

يقول الظالم والألم يأخذه كل مأخذ كما قال عز وجلّ :
{ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً (28)} (الفرقان) ،
فقد كان أبيٌّ وأمثالُه شياطين الإنس يضلون من يصاحبُهم ،وما ينبغي للعاقل أن يتخذهم مجالسين ولا صِحاباً .
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
( لا تُصاحِبْ إلَّا مؤمنًا ولا يأكُلْ طعامَك إلَّا تقيٌّ )

واقرأ معي اعتراف الظالم بخطئه ، ولن ينفعه ذلك ، قال جل ثناؤه :
{ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29)} (الفرقان)
ضَيّعَ الفرصة التي جاءته، فلم يغتنمها، وصاحَبَ شيطان الإنس، فابعده عن الحق وأضلّه،
وجاءت { خَذُولاً } ) في صيغة المبالغة.

الشيطانُ يعلن في النار أن وعد الله حق تركه الضالون ، وأنّ وعده كذب وزور يمس الهوى فأخلفهم إذ تبعوه فخسروا.

فليكن إلى الله مسيرنا ، والعمل الصالح زادنا ،والشرع القويم ملاذنا ..

اقول:
لجأت إليك يا رب العبادِ * وحبُك في الصدور وفي الفؤادِ
وذكرك قد جعلتُ خمير زادي * فهبني النور في سبُل الرشاد
وكن عوني على فعلِ السدادِ * وأكرمني إلهي في المعادِ

بتصرف بسيط جداً
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مفاز المتقين
الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال سبحانه وتعالى في سورة النبأ :
{ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)} .

للمتقين الذين ابتعدوا عمّا حرم اللهُ تعالى في الآخرة جزاء كبير، إنه الفوز،

فما الفوز والمفاز؟
إنه جزاء من اتقى مخالفة أمر الله ، وهو النجاة والخلاص مما فيه أهل النار- كما قال القرطبي- ويقال للفلاة مفازة، تفاؤلا بالخلاص منها.

وماذا ينال الفائز في الآخرة يا أحبابي؟

1 ـ { حَدَائِقَ } الحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المُسَوّرُ؛ يقال أحدق به: أحاطه. فالجنات تحيط بمقام المسلم في الفراديس وأمثالها.

2 ـ { وَأَعْنَابًا } الأعناب : جمع عنب، وهي الكروم وأنواع الفواكه يندرج فيها كلُّ ما لذّ وطاب

3 ـ { وَكَوَاعِبَ } فالكواعب جمع كاعب وهي الفتاة الناهد؛ وأثداء الفتاة ابنة السابعة عشرة إلى العشرين نافراتٌ إلى الأمام تدلُّ على فتوتهنَّ وشبابهنّ المتفجر، وقال الضحاك: هنَّ العذارى .

4 ـ { أَتْرَابًا } : والأتراب الأقران في السن. ذوات العمر الواحد، فلا يكبرنَ.

5 ـ { وَكَأْسًا دِهَاقًا } : هي:
أ ـ المملوءة ، قالها الحسن وابن عباس؛
ب ـ المتتابعةُ، قالها سعد بن جبير وعكرمة ومجاهد: متتابعة، ، متلازمة، بعضُها وراء بعض والمتتابع كالمتداخل،يشربون متى شاءوا.
ت ـ الصافية، قالها عكرمة أيضا وزيد بن أسلم: صافية؛والمراد بالكأس الخمر، فالتقدير: خمرا ذات دهاق ( صفاء)،
ث ـ المعصورة؛ قالها القشيري.
ج ـ وفي الصحاح: وأدهقتُ الماء أفرغته إفراغا شديدا، فيشرب المرء ما شاء له أن يشرب .
هذا في الشراب ،أمّا الطعام الدهاقُ: فهو ليِّنُه ، وطيبُه ورقته، وكذلك كل شيء لين؛ ومنه حديث عمر: لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكنَّ الله تعالى عاب قوما فقال في سورة الأحقاف :
{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا ... (20)} ،

6 ـ { لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا } : إنَّ أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو ؛ بخلاف أهل الدنيا، فلا يُكذبُ بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا.

7 ـ { جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ } وهو الثوابُ الجزيل من رب العالمين ،

8 ـ {عَطَاءً حِسَابًا } وهو العطاء الكثيرُ والهبة من خالق كريم .
أ ـ قال قتادة: أحسبت فلانا: أكثرت له العطاء حتى قاله حسبي. وذاك دليل على كثرة ما يأخذ حتى يقول: اكتفيتُ.
ب ـ وقال الكلبي: حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشرا.
ت ـ وقال مجاهد: حسابا لما عملوا، فالحساب بمعنى العد. أي بقدر ما وجب له في وعد الرب، فإنه وعد للحسنة عشرا، ووعد لقوم بسبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدارا؛ كما قال سبحانه:
{ ... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)} (الزمر).
ث ـ وقرأ أبو هاشم "عطاء حَسَّابا" على وزن فَعّال ، فكفاهُ؛
ج ـ قال الأصمعي: تقول العرب: حسَّبتُ الرجل بالتشديد: إذا أكرمته.
ح ـ وقرأ ابن عباس. "حِسانا" بالنون. فهو العطاء الحسَنُ من الله تعالى.

هذا بعض ما علِمْنا للمتقين عند ربهم في رضوانه ونعيمه ، وظنُّنا في الله سبحانه وتعالى العفو والغفران ، وهو أكرمُ مما نظنُّ ،فسلوه ، إنه سبحانه يحب عباده ويغمُرُهم بعطائه الذي لا ينفد.



4jiec1trcqy.gif


{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }

الدكتور عثمان قدري مكانسي



أقرأ قوله تعالى في سورة الروم :
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)}

فأرى الناس كلٌّ باختصاصه
الدنيوي: عالمٌ بحياته ومعيشته وعمله :
يحذق الطبيب طبه ، والمهندس عمله، والمزارع زرعه ، والتاجر تجارته ، يحسنون ذلك مادة على الأغلب ، إذ لا يقرؤون ما وراء السطور .

وكان للطبيب الذي يعشق مهنته أن يرى دقة خلق الإنسان ظاهراً وباطناً، دماً وماء ، طفلاً ومشيمة، جلداً وعظماً ، خلقة منظمة ،بصراً وسمعاً ، ويتفكر في روعة خلق الإنسان في قوله سبحانه :
{ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} (الذاريات).
فيعلم أن وراء الحياة والموت حكمة وأمراً وابتداء وانتهاءً.

وكان للزارع الذي وهب نفسه لعمله أن يُدرك حكمة تنوع الثمار والخضار في الفصول ، واختلاف الطعم واللون في الثمار والخضارمع أنها تُسقى بماء واحد وأن الناس تفضل بعضها على بعض في الأُكل، وينتبه لنوع البذور والجذور والسوقِ ليعلم بديع صنع الله وعظمة الخالق فيما خلق.

وقل هكذا في كل مهنة ترى صاحبها صناعاً ماهراً بل حُجّة فيها . إلا أن علمه يتوقف في فهمها المادي الدنيوي ، ويغفل عن حقيقة الخلق والبداية التي لا بد لها من نهاية.

روى القرطبي رحمه الله أن الحسن قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي.

وقال أبو العباس المبرد: قسَّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج.
فما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. { وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } والعلم بها والعمل لها { هُمْ غَافِلُونَ }

قال الشاعر:

 
ومن البلية أن ترى لك صاحبا * في صورة الرجل السميع المبصر
فَطِنٌ بكل مصيبة في ماله * وإذا يصاب بدينه لم يشعرِ

هذا والله ما نراه فيمن حولنا من المسلمين الذين لا يفقهون من دينهم شيئاً يعيشون كما تعيش الأنعام ، وهمّهم العملُ وجمع المال ،ثم النكاح والبحث عن المسرّات الدنيوية ، لا يعرفون غير ذلك ، ولعلهم رضُوا بهذا فلا يرغبون بغيره.فماذا تقول بغيرهم من أهل الكتاب الذين حرّفوا دينهم ، وما تقول بالكافرين والمشركين؟!!

لقد أمرهم الله عز وجلّ في كتابه الكريم أن يتفكروا ويتدبروا -تدبُّر اللبيب الأريب ، والحاذق الفهيم - في خلقهم وخلق الأرض والسموات ليعلموا أنهم في هذه الدنيا في امتحان واختبار فيجتازوا بأمانٍ هذا الامتحانَ إلى الحياة الحقيقية التي سبقنا إليها سلفُنا ، فلنلحق بهم على نور وبصيرة :
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّـهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)} (الروم)

فإذا فقه الناسُ أن خلق الناس والسموات والأرض بالحق والعدل علموا أن هناك ثواباً وعقاباً وجنة وناراً وفوزاً وخسارة ولكل مخلوق أجل، ولن يخلد أحد من المخلوقات حتى السموات والأرض ، فإن لها أجلاً مسمّى ،والأجل المسمى وهو يوم القيامة. إذا فقهوا ذلك سارعوا إلى التخطيط السليم والعمل القويم ، ولقُوا الله وهو عنهم راض




4jiec1trcqy.gif
 
{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 
كثير من الناس في هذه الدنيا يشعر في قرارة نفسه بخطئه، ولا يعترف به ، وتراه يجحد جميلة غيره ،ويتعاظم في غيِّ نفسه ،( ولسان حاله: عنزة ولو طارت) .

وقد تكون انتخاباتٌ ،وغيرُه أولى بالترشح منه،لأنهم أقدر منه وأوعى وأذكى، لكنه ينافسهم بطرق ملتوية ليزيحهم ،ويأخذ مكانهم ،فهو بالمنفعة أولى منهم!ولعله يشترى ضمائر الضعفاء والمتنفّعين أو يقهر الفقراء والمساكين ويضغط بشتى الوسائل على الناس ليحقق هدفه بالطرق كلها، ويدّعي في كل ما يفعل أنه على صواب،

قد يطمس على الحق ويغتال أهله، ويسحق مخالفيه لأنه – بزعمه-المنزّه من كل نقيصة أو عيب -وهو العيب نفسه والنقيصةُ ذاتها-ويدّعي أنه يسمع ويعقل،وأنه الذكاء عينُه والفهم كلُّهُ.
رأينا كثيراً من هؤلاء لا يرون إلا أنفسهم ومصالحهم ، يسعون لها بكل الأساليب الملتوية دون أن ترِفَّ لهم عينٌ، أو يشعروا بتأنيبٍ لعيب صنعوه، فالعيب بعيد عنهم!.
هؤلاء يحيَونَ في زحمة مفاسد الحياة ،فلا يسمعون النصيحة ، فهي لمن يحتاجها، ولا يُقِرّون بالزلل، فهو بعيدٌ عنهم! ما طلعت الشمس ولا غربت على أنصح منهم ولا أعقل منهم!.
هؤلاء حين يُلقون في نار يوم القيامة فيسمعون شهيقها وهي تفور، وتزفر زفرتها الرهيبة غضباً منهم وغيظاً تكاد تتفجر من غيظها،ثمّ تحرقهم، فتجعلهم رماداً ثم يعودون كما كانوا مرات ومرات يعترفون بذنوبهم ويقولون : { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ }..أجل يعترفون.
في هذه الحالة يندمون حيث لا ينفع الندم، ويقرون بذنوبهم حيث لا مفرّ من العقوبة،

ويصوِّر التابعي مجاهد رحمه الله حالهم المخيفة فيقول: تفور بهم كما يفور الحب القليل في الماء الكثير.
ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: تغلي بهم غليانَ المرجل من شدة لهب النار المنبثق عن غضبها الشديد منهم.هذا هو العذاب المادي.
أما العذاب المعنوي فيتجلى في الحوار بين هؤلاء المنبوذين المعذبين وبين ملائكة العذاب في سورة الملك:

{ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } – على وجه التقريع والتوبيخ والاحتقار-
{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)} ؟ - والواقع المرير يحكمهم-
{ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا } - الدعاة والمصلحين فقتلنا بعضهم وسجنّا بعضهم، واذقناهم الذل والهوان ، وتلذذنا بإيذائهم -
{ وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّـهُ مِن شَيْءٍ } وهذا شأن المكذبين وديدنهم.
وقد كانوا يخاطبون الرسل والانبياء مستهزئين :
{ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)} فالمصلحون في عرف المجرمين ضالون ومفترون وبعيدون عن الواقع، إذ يدعون إلى الأخلاق والمُثُل القديمة التي تخطتها الحياة الحديثة الراقية ،وعفا عليها الزمن!!
{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } للأنبياء والرسل والمصلحين
{ أَوْ نَعْقِلُ } الهدى الذي جاءوا به
{ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} تعبير يُجَلّي ألمَهُمُ العميقَ لحالهم الزّريّ
{ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ } ـ اعتراف من لا يملك إلا أن يعترف ـ فكان جواب ملائكة العذاب :
{ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} سحقاً لهم وعذاباً وهلاكاً وبعداً عن رحمة الله.

حوار مخيف بين أهل النار وبين زبانية العذاب الأقوياء لا ينجو من بطشهم إلا :
{ مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَـٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33)} (ق) .

4jiec1trcqy.gif


{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ }

الدكتور عثمان قدري مكانسي



سخّر الله تعالى بعض الحيوانات لخدمة البشر، فمما قال سبحانه في سورة النحل :
{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ،
فالحيوانات المُسَخَّرة نوعان: أحدهما نعلمه ،ذُكِر في هذه الاية ، والثاني نعلمه ولم يُذكرْ هنا ،مثالُه (الإبل). وهناك ما ليس حيواناً ، كالسفُن والمراكب .

قد يقول أحدهم : إن السفن من صنع البشر فكيف تكون مِن خَلق الله؟!
والجواب أن البشر صنعوا الفلك من الخشب وهو مما خلق اللهُ، كما أنها لا تسير إلا بأمر الله، فلولا أنها أخف من الماء لغاصت ، ولولا الريحُ التي تتحرك بامر الله سبحانه لبقيت واقفة لا فائدة منها. وهذا يدخل فيما نعلم ، ولعل الطائرات وما يستجِدُّ– على مبدأ السفن صناعةً وطيَراناً - مما لم نكن نعلم. وقد يأتي في المستقبل – مصداقاً لقول ربنا سبحانه- مما يخدم البشريةَ ما لا ندريه ..

فالبشر يستعينون ببعض الحيوانات وغيرها من مخلوقات الله المسخّرة لحمل الأثقال والسفر البعيد والقريب ، وقد منَّ الله علينا سبحانه بذلك فقال في نفس السورة :
{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ (7)} ،

وهذا من فضل الله علينا إذ سهّل لنا طرائق السفر والانتقال بهذه الحيوانات،وإلا صَعُبَ على الناس التلاقي والانتقال.

ومن عادة القرآن الكريم حين يحدثنا عن فضل الله المادّيّ علينا ينتقل بنا إلى فضله المعنوي من هداية وإيمان . يتلطف بنا إذ ينقلنا إلى كرمه ، حين هدانا إلى الصراط المستقيم . ألا ندعو دائماً :
{ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)} ، نكررها عشرات المرات كل يوم في صلاتنا، وحين نقرأ سورة الفاتحة دون صلاة أيضاً . والصراطُ هو الطريق الصحيح إلى مرضاة الله تعالى ورضوانه .

مثال ذلك الانتقال قولُه تعالى :
{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ... (26)} (الأعراف) ،
فمن اللباس المادي الذي يستر عوراتنا إلى لباس الإيمان والتقوى الذي يستر أخطاءنا وذنوبنا ويمحوها. فالله تعالى يكرمنا في الدنيا يالثياب التي تخفي العورات التي دَأَبَ الفسقَةُ والفجرةُ في إظهارها كما تظهرعياناً في الحيوانات والدوابّ، ومن العجب أن هؤلاء يودون أن يهبطوا إلى درك البهيمية الحيوانية ليعيشوا متفلّتين من الأخلاق والآداب ، ويرون الستر مذَمّة ورجعية ، ولا يدرون أنهم سقطوا في حمأة الرذيلة ومستنقع الفساد.

إن الله سبحانه وتعالى حين أرسل أنبياءه أوضح للبشر الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه،فقال :
{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... (9)} (النحل) ،
ومن معاني قصد: التوجّه باعتدال ، والسير استواءً، وكذلك: بيان الطريق الموصل إلى الحقِّ، والقصدُ : استقامة الطريق.وكلها تعني طريق الهداية والوصول إلى الهدف بسلام ،يؤكده قول الله تعالى في سورة يونس :
{ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (25)} ،
أما شياطين الإنس والجن فيدعون إلى البوار والهلاك لأن طريقهم ملتوٍ يتوه تابعُهم في صحارى الموت والبوار،وصفه القرآن الكريم بالجَور فقال عز وجلّ :
{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ... (9)} (النحل) وهو التمادي في الظلم والابتعاد عن العدل،ومن معانيه كذلك: الظلم والاستبداد. ومن طريف معنى الجائر: "الحَرُّ والحموضة في الحلق والصدرِ من غيظ أو جوع". وهي لا شك معبرة عن الألم والحنق لمن يسلكون سبيل الجور والظلم .

وما أروع قوله تعالى يوضح قصده الهادي إلى الاستقامة ويحذر مَيَلان الطريق لذي الأهواء في سورة النساء :
{ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)}.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وبشِّر المخبتين

الدكتور عثمان قدري مكانسي



المخبت: المتواضع الخاشع من المؤمنين (مختار الصحاح)
قال عمرو بن أوس: المخبتون الذين لا يَظلِمون وإذا ظلمهم إخوانهم لم ينتصروا.(القرطبي)
قال مجاهد: هم المطمئنّون بأمر الله عز وجلّ.(ابن كثير)
وقال الثوري: المطمئنون لقضاء الله المستسلمون له (ابن كثير)
ومن أفضل صفاتهم التي لأجلها يُبَشّرون برحمة الله :
{ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (34)}(الحج)

1- الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّـهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ : والوجل : الخوف والحذر من المخالفة ،والوجل من الله لقوة يقينهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه.) والوجلُ كذلك خوف ممتزج بالمحبة، فالمخبتون يخافون الله ويحبونه.
2- وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ : فهم راضون بقدر الله،مطمئنون إلى حكمه وقضائه.
3- وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ : التي تؤدى كما ينبغي بأركانها،مع التدبر والفهم والوعي.
4- وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ : يزكون أموالهم، ويعرفون حق الفقير والمسكين فيتصدقون قاصدين وجه الله ومثوبته، راغبين بكرمه وإحسانه.

ومما قاله القرطبي رحمه الله : وهذه حالةُ العارفين بالله ،الخائفين من سطوته وعقوبته،لا كما يفعله الجُهّال العوام والمبتدعةُ الطَّغام ُمن (الزعيق والزئير،ومن النهاق الذي يشبه نِهاقَ الحمير)، فيُقالُ لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجدٌ وخشوعٌ: إنك لم تبلغ أن تُساوي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا حال أصحابه في المعرفة بالله والخوف منه والتعظيم لجلاله، ومع ذلك كانت حالُهم عند المواعظ الفهمَ عن الله والبكاءَ خوفاً من الله.
وكذلك وصف اللهُ أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه ،ومن لم يكن كذلك فليس على هديِهم ولا على طريقتهم، قال تعالى:
{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)}(المائدة) .
فهذا وصفُ حالهم وحكايةُ مقالهم ، فمن كان مُسْتنّاً فلْيستَنَّ ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسِّهم حالاً، والجنون فنون.../انتهى قول القرطبي/ ..

اقول : ولعل الكثير منكم اطّلع على فعل العوام من (مشايخ الجهل) وأتباعهم،مما يؤلم القلب ،فإنهم يعطون انطباعاً خاطئاً وصورة سيئة عن الإسلام لغير المسلمين،فيبعدونهم بجهالاتهم هذه عنه،ولا حول ولا قوة إلا بالله.
  
 
 
4jiec1trcqy.gif



{ أحسن الحديث }

الدكتور عثمان قدري مكانسي*

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
 

{ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23)} (الزمر).

أفتح بعض كتب التفسير – وأخص تفسير القرطبي من بينها بالاهتمام لقرب أسلوبه مما أرغب وأرتاح ،فأرى مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم إذ يقول الله تعالى { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني } فأجد معاني جليلة كثيرة ، منها:

1-    قول مجاهد يذكر أنّ القرآن كله متشابه مثاني

2-    ويقول قتادة : الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف .

3-    ويقول الضحاك : { مثاني } ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى .

4-    ويقول الحسن البصري :تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها

5-    ويقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : { مثاني } مُرَدد . رُدِّدَ موسى في القرآن وصالحٌ وهودٌ والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة

6-    ويقول سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما { مثاني } القرآن يشبه بعضُه بعضاً ويُرَدُّ بعضه على بعض

7-    وقال بعض العلماء ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى { متشابها مثاني } أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا . وهذا من المثاني كقوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } وكقوله عز وجل { كلا إن كتاب الفجار لفي سجين - إلى أن قال - كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } ، { هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب - إلى أن قال - هذا وإن للطاغين لشر مآب }

8-    ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني أي في معنيين اثنين .

ويقول القرطبي رحمه الله تعالى :
وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضُه بعضا فهو المتشابه. وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } ذاك معنى آخر.
أما قوله تعالى { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } فهذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار إذ يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد فتقشعر جلودهم من الخشية والخوف { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه وهذه صفة رائعة للمؤمنين الذين يخالفون غيرهم من الفجار من وجوه :

1-    " أحدها " أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات .

2-    " الثاني " أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تبارك وتعالى :
{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } وقال تعالى :
{ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } فلم يتشاغلوا عنها لاهين بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها ، فهم يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.

3-     " الثالث " أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى حين يسمعون تلاوة رسول الله فتقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم بل عندهم ، إنهم يسمعون القرآن بأدب وخشية وسكون وثبات ما لا يلحقهم أحد في ذلك ، ففازوا بمدح الرب الأعلى في الدنيا والآخرة .

تلا قتادة رحمه الله { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } فقال هذا نعت أولياء الله نعتهم الله عز وجل بأنهم تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع ،وهذا من الشيطان
وقال السدي : { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } وإلى وعد الله وقوله { ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده } وهذه صفة مَنْ هداه الله . أمّا من كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله { ومن يضلل الله فما له من هاد } .

قلت: هذا والله ما نراه في جهل العامّة الذين يسمعون القارئ يتلوّن في المقامات ويتنغّم بالألحان ، فتراهم يصيحون باصوات منكرة ، ضاع منها الأدب وغاض خوف الله من قلوبهم ليسكن فيها الأداء الجميل والصوت الرخيم ، فإذا سمعوا { الحاقة * ما الحاقة } وهذا تنبيه وتخويف من يوم القيامة صاحوا متلذذين مستبشرين ، وكأنّ { الحاقّة } بشرى تُعقد عليها الامال !! وتُنال بها الرغائب !

وشتان شتان بين من يسمع ويفهم فيعي ويعمل وبين مَن جَهل فأخطأ ولم يدرِ، فضاع وضيّع.

*بتصرف بسيط

                             
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 
للمظلوم أن يطرق كل باب ليصل إلى حقه ، وهذا سيدنا يوسف حين أوّل لعاصر الخمر رؤيته طلب إليه أن يذكر ظلامته عند الملك - حين يجد لديه أذناً صاغية - عله ينصفه ، فقد دخل السجن ظلماً وعدواناً على الرغم أن العزيز - زوج المرأة - حين رأى قميصه قدّ من دبر أقر أن الخطأ كان من زوجته ، وطلب من يوسف أن يتناسى الأمر كي لا ينتشر بين الناس { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)}(يوسف) .
لكن الضعيف – في كثير من الأحيان – يكون كبش فداء لمفاسد الملأ من القوم . وهذه طبيعة البشر حين يضعف الإيمان في قلوبهم .

وربما ظنّ يوسف عليه السلام أن الناجي قد يَعُد تأويلَ الرؤيا دَيناً في عنقه يؤديه في الوقت المناسب فطلب إليه أن يذكره عند الملك عله ينال حقه المهضوم { اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ } وعلى الرغم أن يوسف عليه السلام قال في معرض أفضال الله تعالى عليه { ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي } وقد علمه تأويل الأحاديث وكان متأكداً من صدق تأويل الحلم فإن القرآن استعمل كلمة { ظَنَّ } بدل كلمة " علم " في قوله تعالى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا } وهذه لفتة تربوية رائعة تفيد أن العلم يبقى ظناً ما لم يتحقق . وكثير من الناس يخطِب المرأة ويؤثث البيت ويحدد تاريخ الزفاف ويدعو الناس إلى مشاركته فرحته ، وقبل الدخول بأيام أو أقلّ من ذلك يكون الفراق موتاً أو اختلافاً .. وقد يَعِدك أحدهم بأمرٍ ما ، وتعتقد أن الأمور صارت بين يديك فإذا الأمر وهمٌ وسراب .

بعض المفسرين يجعل الضمير في { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } عائداً إلى يوسف عليه السلام ظاناً أن الله تعالى عاقب هذا النبي الكريم الذي طلب العون من غير الله بالبقاء في السجن سبع سنين لأن الشيطان غلبه تلك اللحظة وما كان له أن ينتظر الفرج من غير الله تعالى ونسي هؤلاء المفسرون أن على الإنسان أن يخطط للوصول إلى هدفه ويتخذ الأسباب ، و يكل أمره إلى الله تعالى أولاً وآخراً.

وبعض المفسرين أعادوا الضمير إلى الذي رأى نفسه يعصر العنب ، ويقدم الخمر لسيده ، فأنساه الشيطان وصية يوسف . وهذا التفسير الثاني هو الحق بدليل قوله تعالى بعد أن طلب الملك تفسير رؤياه وإعلان الملأ أنهم لا يعلمون تأويل الأحلام { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ...} والادّكار هو التذكر بعد النسيان الذي ضربه الشيطان عليه سنوات طويلة.

في بداية الأمر أعلن الملأ أن ما رآه الملك { قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ } ثم استدركوا ما قالوه . لقد كان الحلم مقلقاً للملك حتى إنه جمعهم وسألهم تأويله ، فجوابهم الأول كان تسرعاً وتخلصاً غير موفّق فأتبعوه بالاعتراف بجهلهم حين قالوا :{ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } وهذه محْمدة لهم تحسب لصالحهم ، فنصف العلم " لا أدري " والاعتراف بالواقع فضيلة . ووقت النجاة في علم الله ، ولا يدري أحدنا متى يأتيه الفرج .
ولربما لا يجرؤ الساقي أن يشفع ليوسف ولو تذكره ، فخصام يوسف مع النبلاء والملأ من القوم الذين أودعوه السجن لستر مخازيهم ووأد القصة التي يزعجهم انتشارها ، ولن يفرّط الملك بولاء حاشيته للنظر في قضية شاب مغمور ! إنه لن يجد من الملك أذناً صاغية . هذا لو لم ينسَ ، فكيف وقد نسي؟ إن للفرج أوقاتاً يأذن بها الله تعالى ، فتجده بين يديك سهلاً ميسوراً بعد أن كنت تظنه صعب المنال ، وكلنا لمس ذلك بيديه ورآه بعيني قلبه ورأسه. فالساقي يرى ويسمع ، يرى تلهف الملك لمعرفة ما رآه ، ويسمع ضعف جواب الآخرين فيتذكر يوسف الذي أوّل له رؤياه ، وبشره بالنجاة . فقال واثقاً : { أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ }
باختصارٍ للموقف سريعٍ ننتقل إلى السجن فنسمع الساقي يخاطب يوسف عليه السلام بأدب واحترام ، وللمؤمن التقي مكانته الرفيعة ولو كان في السجن : { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ .. } ومرتبة الصدّيق لا ينالها إلا من يستحقها عن جدارة . وقد تسمعها ممن يكرهونك في اعتقاد ويخالفونك في فكرة ، لكنّ دخائلهم تعترف بخُلُقك وصدقك وأمانتك . وكم سمعت من العَلمانيين وفاسدي العقيدة والذمم قول بعضهم لبعض : " أنت رفيقي في الهدف وزميلي في المهمّة إلا أنني أعرفك سارقاً ولصاً ولا آمن إلا للإسلاميين في الأمور المالية والحفاظ على ما بحوزتهم من أمانة.

قد يستغل بعضهم مثل هذه الحالة للوصول إلى غايته قائلا جاءتني على قدميها . فهل أحجم يوسف عن الجواب وأباه إلا أن ينظر الملك في أمره؟! وهل كانت مساومة بين رسول الملك ويوسف عليه السلام؟ لم يكن النبي يوسف عليه السلام ليفعل ذلك فثقته بفرج الله لا تشوبها شائبة . ومن الله ينتظر الخلاص ، فلم يألُ أن فسر رؤيا الملك الذي أعجب بذكاء (السجين المفسر) وعِلمِه الذي لم يجد مثله في بطانته ، فطلبه إلى قصره ، يريد أن يراه وأن يكلمه .

قد يظن من لا يعرف القصة ولم يقرأها في كتاب الله تعالى أن يوسف يرى إعجاب الملك به الذي أخرجه من السجن غاية المنى ، فسوف يخرج إلى النور محمولاً إلى الملك دفعة واحدة وسيتخلص من سجنه . لكنه أحجم عن الإجابة ، ورفض أن يخرج من السجن وقد عفا الملك عن جرمه ، وسيظل في أعين الناس مخطئاً موصوماً بجريرة كبيرة ، وستثبت إدانته إن رضي بالعفو عن جريمة لم يرتكبها . وهو - الداعية – لن يصدقه أحد إن دعاه إلى الله وأمره بالشرف والمروءة وكريم الأخلاق ، يريد أن يخرج من سجنه بريئاً . لا بد إذن من التحري عن الحقيقة التي تعيد له اعتباره وترفعه في أعين الناس :
{ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)} .
إن الملك حين وجد في هذا الشاب السجين علماً ومروءة وعزة نفس ولمـّا يره بعد ازداد رغبة في لقائه ، وصدّقه ابتداءً فتبنّى قضيته واستقدم النساء يسألهن الحقيقة ويتهمهنّ { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ } اتهام مباشر يصدر عن الملك الذي اطمأن إلى صدق يوسف ، فأسقط في أيديهنّ ، فاعترفن بخطئهنّ وبراءته " قلْنَ حاش لله ما علمنا عليه من سوء " ولم تجد امرأة العزيز بداً من الاعتراف بالحقيقة كاملة :
{ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)} وحصحص الحق : ظهر بعد خفاء . فكيف يخون الشاب المؤمن الذي رباه الله تعالى على الشرف والفضيلة وكريم الشمائل من ربّاه وحدب عليه؟ يقولها بلهجة الصدق وقد عزا الخير كله إلى الله تعالى ، فالنفس البعيدة عن الله توقع صاحبها في الخطأ ،

وما نجاه من الوقوع في الخطيئة إلا اللجوء إلى الله تعالى والاستعانة به :
{ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)}
قال الملك في المرة الأولى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ } وزاد عليها في الثانية حين عظم في عينيه : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } جعله مستشاره بعد أن وثق به ورأى فيه سمات رائعة رفعت عنده مقامه . وكلـّمَه وأعجب به ، فبوّأه منه مقاماً مرموقاً . { إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ } وما كان التمكين إلا بسبب الأمانة ، ولا يكون الرجل أميناً إلا إذا رُبّي على التقوى فكانت الدنيا في يده والآخرة في قلبه. وما بعد التقوى والتمكين في الأرض إلا أجر الآخرة ..
إنه فلاح في الدارين ، وسعادة في الحالين .

                 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
كل نفس ذائقة الموت
الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
قرأت اليوم في سورة آل عمران هذه الآية الكريمة :

1- كل نفس ذائقة الموت ،

2- وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ،

3- فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ،

4- وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . ( آل عمران ؛ 185)

وتوقفت عند مقاطعها الأربعة فعلمت أن الحياة تدور عليها وتختصرها في هذه الزوايا التي لا بد أن يمر عليها المكلف من موت ثم الوقوف بين يدي الله يوم القيامة ، ثم الحساب ونجاة المؤمن من النار ودخوله الجنة بفض الله جل جلاله ، ثم الحكمة التي علينا أن نفقهها ونحن في الدنيا كي نعلم سبب وجودنا ، ومن عرف وفهم وعمل نجا وظفر.

1-ينبئنا المولى تعالى أن كل نفس ذائقة الموت كقوله تعالى " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " فهو تعالى وحده الحي القيوم . والجن والإنس يموتون وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخراً كما كان أولاً ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت فإذا انقضت العدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، قليلها وكثيرها ، كبيرها وصغيرها ، فلا يُظلم أحدا مثقال ذرة ولهذا قال تعالى " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " وعن علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودرَكا من كل فائت ،فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا . فإن المصاب من حُرم الثواب،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . فقال : أتدرون من هذا ؟ هذا الخضر عليه السلام . ( عن ابن كثير)

وقد قال أمية بن أبي الصلت :
 
من لم يمت عبطة يمت هرما * للموتِ كأسٌ وإن المرء ذائقها

وقال آخر :
 
الموتُ بابٌ وكل الناس داخلـُه * فليت شعري بعد الباب ما الدار ؟

وللموت أسباب وأمارات , فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن يموت بعرق الجبين " فإذا احتضر لقن الشهادة ; لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ; ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ; لقوله عليه السلام : " اقرءوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وارتفعت العبادات وزال التكليف توجهت على الأحياء أحكام ;

منها : تغميضه . وإعلام إخوانه الصلحاء بموته ، ومنها الأخذ في تجهيزه بالغسل والتكفين والدفن لئلا يسرع إليه التغير ; قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخَّروا دفن ميتهم : ( عجِّلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) .

2-والدنيا دار عمل والآخرة دار حساب ، يدل على ذلك أسلوب القصر " إنما " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فحين يُجمع المخلوقات " الجن والإنس " بشكل خاص في أرض المحشر ثم في أرض الحساب وتوزع الكتب على أصحابها يتخاصم الناس فيما بينهم " ثم إنكم يومئذٍ عند ربكم تختصمون " ويطالب المظلوم بحقه من الظالم ، ومِن عدلِ الله تعالى أن لا يضيع مثقال ذرة " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره" ويقول سبحانه " ولا يظلم ربك أحداً " وقال القرطبي رحمه الله تعالى : فأجر المؤمن ثواب , وأجر الكافر عقاب , ولم يعتد بالنعمة والبلية في الدنيا أجرا وجزاء ; لأنها عرصة الفناء .

3-ومن جُنِّب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز، فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " وتقدم عند قوله تعالى " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " . أما وَقعُ الفعل المبني للمجهول "زُحزِح "فمخيف لأنه يصور المرء مندفعاً إلى النار بسبب تمكن أهوائه منه ونسيانه الآخرة وانشغاله بالدنيا فتجيء رحمة الله تعالى تزحزحه عن الهاوية ، فيبتعد عنها ، ثم يأتي الفعل الآخر المبني للمجهول " وأُدخِل " ليدل على أن دخول الجنة برحمة الله وفضله سبحانه لا بعمل المرء ، فكلنا يدخل الجنة برحمة الله وغفرانه جل جلاله.
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من سره أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) . وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم " فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز " ) .

4-وقوله تعالى " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " تصغير لشأن الدنيا وتحقير لأمرها وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة كما قال تعالى " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " وقال " وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى " .
وفي الحديث " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم ترجع إليه " وقال قتادة الدنيا متاع متروكة أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم ولا قوة إلا بالله . فإذا كانت متاع الغرور فلماذا يتعلق الإنسان بفانٍ ويتخلى عن باقٍ لولا ضعف في إيمانه وخلل في تفكيره ؟!

وقد أحسن من قال هي الدار دار الأذى والقذى * ودار الفـنـاء ودار الغـِيـَر فـلـوْ نـلـتـَهـا بحـذافـيـرهـا * لمُتَّ ولم تقضِ منها الوطر
أيا من يؤمل طول الخلود * وطولُ الخلود عليه ضرر إذا أنت شبت وبان الشباب * فلا خير في العيش بعد الكبر

قال ابن عرفة : الغُرور ما رأيت له ظاهرا تحبه , وفيه باطن مكروه أو مجهول . والشيطان غَرور ; لأنه يحمل على محاب النفس , ووراء ذلك ما يسوء .
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مع سورة الفاتحة

سَبَحَ في ملكوتِ هذه السورة: الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{ الحمد لله رب العالمين } أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني" وهي الوافية والكافية قرأها رسول الله ثم قال : هي سبعٌ يا أم سلمة . أي سبع آيات .

وأخرج مسلم والنسائي وابن حبان والطبراني والحاكم عن ابن عباس قال "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضا من السماء من فوق،( جلبة قوية ) فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل ، لم ينزل إلى الأرض قط، قال: فأتى النبيَّ فسلم عليه فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي من قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا إلا أوتيته".

وأخرج أبو عبيدة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ثلاثين راكبا، فنزلنا بقوم من العرب، فسألناهم أن يضيفونا فأبوا، فلدغ سيدهم فأتونا فقالوا: أفيكم أحد يرقي من العقرب؟ فقلت: نعم أنا. ولكن لا أفعل حتى تعطونا شيئا قالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة فقال: فقرأت عليها { الحمد } سبع مرات فبرأ، فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها، فكففنا حتى أتينا النبي فذكرنا ذلك له قال " أما علمت أنها رُقـْية اقتسموها واضربوا لي معكم بسهم ".

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان بسند جيد عن عبد الله بن جابر أن رسول الله قال له" ألا أخبرك بأخْيَر سورة نزلت في القرآن ؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: فاتحة الكتاب. وأحسَبه قال: فيها شفاءٌ من كل داء ".

وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ، قال " كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ". ( والخداجُ النقصان )

عن أبي هريرة قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل" قسمتُ الصلاة بيني وبين عبديَ نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤا... يقول العبد { الحمد لله رب العالمين } فيقول الله: حمدني عبدي. ويقول العبد { الرحمن الرحيم } فيقول الله: أثنى علي عبدي. ويقول العبد { مالكِ يوم الدين } فيقول الله مجدني عبدي، ويقول العبد { إياك نعبد وإياك نستعين } فيقول الله: هذا بيني وبين عبدي، أولها لي وآخرها لعبدي وله ماسأل. ويقول العبد { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فيقول الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". (من الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي )

يقرؤها الإنسان في اليوم عشرات المرات
*يقرؤها في الفرض سبع عشرة مرة.
*يقرؤها في السنة المؤكدة عشر مرات.
*يقرؤها في السنة غير المؤكدة ست مرات.
*يقرؤها في النوافل ما شاء الله له أن يقرأها.
*يقرؤها في غير الصلوات ما شاء الله له أن يقرأها .

بسم الله

*كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بسم الله فهو أقطع.
*الاسم من الوسم أو من السمو ، وكلا الأمرين حقيق بالاسم.
*من السمو: (فع) ومن الوسم (عل) .
*الله: من (أله) والوزن: (العال) ، حذفت فاء الإله.
*الإله من يستحق العبادة فهو الخالق العظيم.

الرحمنِ الرحيم

إن جذر كلمتي " الرحمن و الرحيم " هو –رحم – ومع ذلك فإن كل واحدة تمتاز بسمات خاصة ، وهذا من جمال اللغة العربية وروعتها ، ولهذا مدح الله تعالى هذه اللغة مرات عديدة في كتابه الكريم .
ف الرحمن : كلمة تدل على القوة والعظمة ، والقدرة والقهر ، والسيطرة والهيمنة . ونجدها ترِدُ مع العذاب وتهديد العاصي والمشرك وتهديد الكافر ، وترد مع الدعوة إلى الإيمان بالرحمن والسجود له و.. مثال ذلك :
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّضْ له شيطاناً فهو له قرين أمّن هذا الذي ينصركم من دون الرحمن
قل هو الرحمن آمنا به ، وعليه توكلنا
.

و الرحيم : كلمة تدل على اللطف والرحمة ، والعطف والغفران ، والسماح والصفح .. ونجدها في كل الآيات الداعية إلى الإيمان والاستغفار والتوبة ، ترِدُ مع الحِلم والمغفرة والعفو و.....مثال ذلك في الآيات التالية :
فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم
أولئك يرجون رحمة الله ، والله غفور رحيم
واستغفروا ربكم ، ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود
إن ربكم لرؤوف رحيم .....


وقد ترِدان معاُ لتدلا على الأمر كله :

إنه من سليمان ، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم
وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم


*والملاحظ أن الصفتين حين تجتمعان ترى كلمة الرحمن قبل كلمة الرحيم . فهو الذي يفعل ما يشاء ويقدر عليه ولا يحتاج لأحد ( هو الصمد )، وهو رحيم بعباده حين يقبلون عليه سبحانه .

الحمد لله رب العالمين :

*ال: الحمد ( للاستغراق. ال: الجنس)
*لماذ لاأقول: حمدي لله. ( ابن قيم الجوزية رحمه الله ينبه إلى أن تعظيم الله أن أخاطبه باسم البشرية كلها وأنا واقف أمامه ، وكل منا يستحضر إخوانه ويخاطب ربه بألسنتهم جميعاً . والدليل على ذلك في هذه السورة مخاطبة العبد ربه بصيغة الجمع ( إياك نعبد وإياك نستعين) ، (اهدنا الصراط المستقيم )
*لماذا لم أقل: أحمد الله رب العالمين. بالفعل المضارع.
*الفرق بين الحمد والشكر:
الشكر على الخير" وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم " .
الحمد على السراء والضراء ، فهي أعم من الشكر .
*والسور الخمس في القرآن التي بدأت بالحمد هي: (الفاتحة ، الأنعام ، الكهف ، فاطر، سبأ )
ففي الفاتحة : ( الحمد لله رب العالمين )
وفي الأنعام: ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور )
وفي الكهف: ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً )
وفي فاطر : ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض )
وفي سبأ : ( الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير)
*اللام لام الملكية (لله) فالذي يستحق الحمد هو الله تعالى ، والحمد كله لمولانا.
*ربّ من الربوبية فهو الخالق والرازق والمنعم والمتفضل.
*ومن التربية والتنمية والعطاء.
*ولأنه رب العالمين ( من الربوبية ). وأغلب الناس حتى الكفار يقرون لله بربوبيته ويعترفون أنه خالقهم ورازقهم والمتفضل عليهم .
*لكنّ المسلمين فقط يقرون له ( بالألوهية ) وأنه وحده يستحق العبادة ، ولا تكون العبادة لله إلا بالطاعة والعمل بشرعه سبحانه ، فنعمل بما أمر وننتهي عما نهى .

العالمين :
*أهناك عالم واحد أو أكثر من عالـَم ، فقد قال : رب العالمين ...
*قد يكون المقصود بالعالمين : عالم الأنس وعالم الجن وعالم الحيوان وعالم الجماد ، وعالم الحركة وعالم السكون.
*وقد يكون المقصود عوالم أخرى غير السموات والأرض. استدلالاً بقوله تعالى في سورة فصلت : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين )
*موسى يقول : يارب لو أنهما لم تأتياك طائعتين ما أنت فاعل بهما؟
قال : أسلط عليهما دابة من دوابّي فتبتلعهما .
قال يارب : فأين دابتك؟
قال: في مرج من مروجي .
قال : يارب : فأين مروجك ؟ .
قال : في علم من علمي .
سبحانه من إله .
* ولا ننسَ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو ذر وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة " ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، و فضلُ العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة "
*كنت أقرأ في السبعينات من القرن الماضي في مجلة حضارة الإسلام أن قطر السماء الدنيا سبعون مليار سنة ضوئية ، ونعلم أن سرعة الضوء في الثانية ثلاث مئة ألف كيلو متر فإذا ضربت هذا العدد بستين علمت سرعة الضوء في الدقيقة ،
فإذا ضربت الناتج بستين علمت سرعة الضوء في الساعة ،
فإذا ضربت الناتج بأرعة وعشرين علمت سرعة الضوء في يوم ،
فإذا ضربت الناتج بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً علمت سرعة الضوء في سنة ،
واضرب الناتج بعد ذلك بسبعين ملياراً ،
ثم قال العلماء : وقد يكون قطر السماء الدنيا أضعاف ذلك والله أعلم .
*وفي السنة الثانية من هذا القرن قدر العلماء قطر السماء الدنيا بمئة وأربعين مليار سنة ضوئية وقالوا : قد يكون قطرها أضعاف ذلك والله اعلم .
*وفي السنة الخامسة اكتشف العلماء مجرة جديدة قطرها خمسون مليار سنة ضوئية ، ولا ننسَ المسافة الهائلة بين المجرات وبين كل مجرة ومجرة سديم عظيم من الظلام. .. فسبحان الخالق العظيم.

مالك يوم الدين:
*هناك مالك وملك
*قد يملك المالك ولا يحكم.
*وقد يحكم الملك ولا يملك.
*لكن الله مالكٌ وملكٌ يحكم .
*يوم الدين: يوم الخضوع لحكم الله تعالى: وسمي المَدين هكذا مديناً لأنه يخضع للدائن. وذلك اليوم ( أطول يوم في الحياة ) مقداره خمسون ألف سنة ( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ) .
*وهذا تنبيه إلى الحساب والعقاب
*وأسلوب فيه ترغيب وترهيب.

إياك نعبد وإياك نستعين:
*نعبدك ونستعينك غير إياك نعبد وإياك نستعين.
*في الثانية أسلوب القصر، فلا عبادة إلا لله. وليست الأولى كذلك.
* وقدم ضمير النصب المنفصل على الفعل لقصر العبادة والاستعانة على الله تعالى .
*وقدمت العبادة على الاستعانة ، فمَن عَبدَ الله حقَّ العبادة لم يستعن بغيره.
*إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله.
*ولا ننس أن العبادة إفراد الله بالطاعة أمراً ونهياً. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

اهدنا الصراط المستقيم:
*يأمرنا الله تعالى أن نضرع إليه في الهداية مراراً وتكراراً؟
*والمضحك أن نصرانياً سخر من المسلمين في إحدى غرف (البالتوك) إذ قال : إننا معشر النصارى هادون مهديون . وأنتم يا مسلمون ضالون مضلون.والدليل على ذلك أنكم تطلبون الهداية بإلحاح في الفاتحة ، ولو كنتم تشعرون بالهداية في جوانحكم ما دأبتم على طلب الهداية !.
*فكان جوابي مختصراً :إن الهداية في أمور عدة وهي مطلوبة باستمرار ما دمنا على : أ- قيد الحياة ..
1ـ فالهداية إيمان بالله لا ينقطع ،
2 ـ وطلبٌ من الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا فالإيمان يزيد بالتقوى ، وينقص بالخطايا ، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ،
3 ـ ونحن ندعو بدعاء نبينا صلى الله عليه وسلم " يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك " ،
4 ـ ومن معاني الهداية أن نعمل بمقتضى الإيمان عبادة وسلوكاً فلا إيمان بلا عمل ولا عمل بغير الإيمان.
5 ـ وفي الغرغرة نسأل الله أن يميتنا على الإسلام .
ب ـ بعد الموت ..
1 ـ تكون الهداية بالثبات في سؤال القبر عن الإيمان بالله تعالى والإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم .
2 ـ ثم بالبعث مطمئنين إلى عفو الله الكريم حيث لا شمس ولا قمر وإنما لكل إنسان نور منبعث منه حسب قوة إيمانه في ظلام البعث والنشور ،
3 ـ ومن الهداية أن يستظل المرء بظل عرش الرحمن في ذلك اليوم الطويل حين ترسل الشمس قريبة من رؤوس الخلائق،
4 ـ ومن الهداية ذلك اليوم أن يأخذ المرء كتابه بيمينه فيفوز فوزاً عظيماً ويحاسب حساباً يسيرا.
5 ـ ومن الهداية في ذلك اليوم أن تكون حسناته بفضل الله أكثر من سيئاته فينجو من النار .
6 ـ ومن الهداية أن يجوز الصراط المستقيم فينجو من السقوط في جهنم بفضل الله ومنّه سبحانه .
7 ـ وأعظم هداية في الحياة كلها أن يفوز بجنة عرضها السموات والأرض وأن يحظى برؤية وجه الله الكريم سبحانه ..
اللهم بلغنا ذلك يارب العالمين .

صراط الذين أنعمت عليهم :
*تعريف بالصراط الذي ينشده المسلم:
هوالصراط المستقيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
*إن الذين نالوا النعمة هم المؤمنون الموحدون
*والله تعالى هو الذي أنعم علينا بنور التوحيد ، ولولا الله ما هتدينا ولا صمنا ولا صلينا .
*ولا يدخل أحد الجنة بعمله حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر الحديثُ الشريف " ما منكم من أحد ينجيه عمله ، قالوا : و لا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمته.
*ولم يقل (غير الذين غضبت عليهم ) تأدباً مع الله تعالى ، فلا ينسب الخير إلا إليه ، فقال : ( أنعمت عليهم ) ولم يقل ( غضبت عليهم) .
*ومن هذا الأدب قوله تعالى ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ) والذي يريد الأمرين هو الله تعالى ، ولكن ذُكرَتْ إرادة الشر بضمير الغائب وذكر الخيرُ بالفعل المبني للمعلوم.
*وفي قصة موسى مع الخضر ( الرجل الصالح ) نجده يقول: ( وما فعلته عن أمري ) مع أنه نسب القتل لنفسه والإبدال لله ، وقال ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك ) وهذا أدب رائع للعبد مع الله تعالى.

غير المغضوب عليهم:
*من رضي الله عنه وأيده كان الجميع معه واقرأ معي قوله تعالى ( وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ) ولن يحتاج الله سبحانه لمؤيد وظهير ، إنما هو متابعة لما يريده الله تعالى من إعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم.
*إن في المبني للمجهول تهويلاً على من غضب الله عليه وكرهه.

غير المغضوب عليهم ولا الضالين:
*الضال من حاد عن درب الهداية وفقد البوصلة فتاهَ في سراديب الكفر والضلال . ومنهم النصارى
*المغضوب عليه من خالف الحق وهو يعلمه ورضي الكفر وهو يستسيغه ،وهؤلاء اليهود عرفوا وأصروا على الكفر .
*وعلى هذا كان النصارى ضالين وكان اليهود مغضوباً عليهم.
*من هنا نفهم في آيتي الملاعنة لماذا لُعن من رمى زوجته بالزنى وهو كاذب وغضب الله على المرأة التي ألحقت بزوجها ولداً من الزنى ليس هو أباه ، فهي تعلم أبا الطفل فطمست الحقيقة . " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء ... والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذيبن " ويدرأ عنها العذاب أن تشهد .... والخامسةَ أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين." فكانت اللعنة له والغضب عليها.

بقي أن نقول : إن في فاتحة الكتاب أركانَ الإيمان:

*بالله تعالى وقد ذكر اللهُ تعالى باسمه وبصفات أخرى في هذه السورة ، فهو الله الرحمن الرحيم ، الرب ، مالك يوم الدين.
*باليوم الآخر : في قوله مالك يوم الدين ، فإليه نقلب وهو يوم الحساب الذي لا بد من حصوله.
*بالرسل : من الذي عرفنا بالله تعالى وأوصل إلينا هذا الدين كاملاً وشهدنا له بالصدق
*بالملائكة : ومن الذي كان الصلة بين الخالق عز وجل وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم : إنه جبريل عليه السلام
*بالكتب : وما هذه السورة التي قرأناها وعشنا في ظلالها إلا سورة كريمة
في كتاب ربنا سبحانه والإيمان بها يستدعي الإيمان بالكتاب الكريم الذي نزلت في ثناياه .

اللهم علمنا التأويل وفقهنا بدينك الرائع المبين



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
يوم لا بد منه

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

يقرأ الإمام في صلاته قوله تعالى في سورة الكهف
( وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا )(48)
..... وتنطلق أفكاري تتصور العرض الكبير المخيف ‘ فالبرية إنسها وجنها وحيوانها تقف ذليلة في حضرة الخالق العظيم لا تكاد تسمع لهم همساً ، وهل يتكلم الوضيع أمام السيد العظيم ملك الملوك ومالك الملك سبحانه ،عظم شأنه. يقفون في صفوف عرايا غرلاً كما ولدوا لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون شيئاً ، ليس بين أيديهم ما كان يحيطهم في الدنيا من سطوة وقوة وغنى وملك ، ولا مال ولا رجال ، إنهم في هذا اليوم خائفون لا يدرون ما يُصنع بهم ولا إلى أين يصيرون،وأمرهم بين يدي الملك العزيز الجبار ،
( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(49).
وأرى الكتب تتطاير فوق رؤوس الخلائق وتحط في أيدي أصحابها ، يأخذ أهل اليمين كتبهم بأيمانهم – اللهم اجعلنا منهم - وأهل الشمال كتبهم بشمائلهم ، نعوذ بالله من هذا المصير.وقد كنت قبل أن نتعرف الحواسيب والنت و(السيديهات) التي تحمل في طياتها عشرات الآلاف من الكتب ،ووزنها لا يتجاوز بضعة غرامات أقول في نفسي : كيف يحمل المرء كتبه التي سجلت الملائكة فيها كل ما فعله منذ أن بلغ رشده إلى أن وافاه الأجل ، إنها سنوات طويلة والمراقب يسجل فيها كل أمر صغير أو كبير حسُن أو ساء .وكنت أقلب الأفكار كغيري فإذا بالإنسان الضعيف يكتشف بعد آلاف السنين علماً غاب عنه كل هذه القرون ، فكيف وعلم الله تعالى لا تدركه الأحلام ولا العقول.
وأتصور المجرمين خائفين مما ينتظرهم من فضائح ، فالكتاب الذي وقع في شمائلهم ينذر بشر مستطير ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابيه * ولم أدْرِ ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه..) فما من صغير ولا كبير إلا مستطر لم يغب منه مثقال ذرة – اللهم لا تفضحنا بين خلقك ولا تجعل النار مصيرنا يا رب.. والله تعالى لا يظلم أحداً ، ميزانه العدل لكننا نسأله تعالى أن يعاملنا برحمته لا بعدله فليس لنا بتحمل تبعاتنا طاقة، ونحن ضعاف مخلوقون من عَجَل ونقصان ، والناقص كثير الخطإ يحتاج عفواً ومغفرة من اللطيف الرحيم سبحانه من إله ودود غفّار.
وأتذكر قوله تعالى في سورة الحديد( يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )(12) فأعلم أن الشمس في ذلك اليوم كُوّرت وأن النجوم انكدرت والظلام يلف الموقف لكنّ الله تعالى يرزق المؤمنين والمؤمنات نوراً ينطلق منهم ينير لهم دربهم ، لِمَ لا وقد كانت قلوبهم مليئة في الدنيا بنور الإيمان وأعمالهم يرجون بها وجه الله ورضاه ،فاليوم ينبع هذا الإيمان من قلوبهم ليثيبهم الله به على أعمالهم .. ينطلقون إلى مكان حشرهم يتبعهم المنافقون مستضيئين بنورهم – فلا نور للمنافق – ينير دربه .
وأسمع هؤلاء يسألون المؤمنين أن ينتظروهم ليستضيئوا بنورهم ، فيسمعون صوتاً يقول لهم ارجعوا حيث كنتم فالتمسوا النور الذي فقدتموه ( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ) ولسنا بصدد معرفة من قال لهم ذلك ، أهم المؤمنون أنفسهم أم هم الملائكة التي تسوقهم إلى المحشر. ولعل هؤلاء المنافقين حين يعودون متقهقرين يظنون أنهم فوّتوا النور في قبورهم ، وأعتقد أنا – أن المقصود بذلك أنهم ضيعوا أنوارهم في الدنيا حين نافقوا وكفروا بالله واليوم الآخر وأن المقصود بالوراء العودة إلى الدنيا وهذا مستحيل ، فكأن القائل يقصد أنه لا نور لهم الآن .
ويرجع هؤلاء وراءهم ، فينقطعون عن المؤمنين والمؤمنات ويتمايز الفريقان ، وفجأة يقطع بينهم سور كبير مرتفع يمنع المنافقين والمنافقات من الالتحام بالمؤمنين فقد حُسم الأمر وافترق الفريقان ، وينبغي أن يفترقا ، فأهل الجنة غير أهل النار، ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)) وأتصور السور وبابه المُغلق بين الطرفين فهو من ناحية المؤمنين جدار رحمة وأمن وأمان ،وسلم وسلام . وهو من ناحية المنافقين جدار شوك وعذاب ونار ولهيب . وينادي المنافقون من بعيد من كانوا في الدنيا معهم يعيشون قربهم في بيوت متقاربة وأحياء متجاورة ومعايش مشتركة لماذا حصل الفراق وامتزتم عنا ، لماذا وقد كنا في الدنيا معاً ؟ ( يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) فيجيبهم المؤمنون ( قَالُوا بَلَىٰ ) لقد كنتم معنا أجساماً لا افكاراً وأشباحاً لا قلوباً وأجساداً لا أرواحاً .. ابتعدتم عنا وأنتم بيننا في خمسة أمور رئيسة أبعدتكم عنا بعد المشرق عن المغرب :

1- أولها أنكم أهلكتم أنفسكم باللذات والمعاصي
2- وتربصتم بالمؤمنين الدوائر ، وكدتم لهم وسعيتم لصرفهم عن الإيمان والعمل الصالح.
3- وارتبتم بالبعث والنشور وشككتم بالتوحيد وأنكرتم النبوّة والرسالة.
4- وعشتم على أمانيّ كاذبات من طول حياة ودوام الدنيا – وهي الفانية – ونسيتم الآخرة – وهي الباقية- وأحببتم الدنيا وكرهتم الآخرة حتى جاءكم الموت على غرّة فلم تتوبوا .
5- وخدعكم الشيطان فتبعتموه وصدقتموه وهو الكذوب الذي آلى على نفسه أن يضلكم ويرديكم فكنتم أتباعه وأقرانه ( وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)

إن القارئ الفصيح والمجوّد المتمكّن يحلق بمأموميه في معاني القرآن الكريم ويدعوهم إلى التفكر والتدبر ويسقيهم جرعات من الإيمان قوية ، فتكون الصلاة بحق صلاة خشوع وفهم ووعي يأخذ المصلي إلى رحاب الإيمان .

اللهم اجعلنا من أهل الإيمان إلى أن نلقاك .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
لا تقصص رؤياك على إخوتك

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

بدأ الإمام صلاة التراويح بسورة يوسف عليه السلام ، وكان صوته مريحاً ، فلم يكن صوته جميلاً ولا قبيحاً لكنّ تلاوته كانت جيدة وقراءته هادئة ، لهذا قلت إن صوته كان مريحاً ومما يزيد في راحة النفس أن مكبر الصوت يملأ المسجد دون جلبة أوضوضاء .
قلت في نفسي وأنا أدخل المسجد : لعل الله يرزقني فكرة أدندن حولها في خواطري الرمضانية إذ لم أكن قررت الفكرة التي أدور حولها ليوم الغد . فلما قرأ الإمام قوله تعالى " يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك " قلت في نفسي – فقد كنا في الصلاة ولا يجوز الكلام فيها بغير الصلاة – جاءت الخاطرة فلا بدّ من إنضاجها . ولعل القارئ يشاركني اليوم الحديث عنها ، ويقدح زناد فكره فيها ، فهلمّ إلى ما يفتح الله بها علينا من خير نحن نحتاجه جميعاً :

1- لا بد من صدر حنون ذي خبرة في الحياة يسدد خطوي ويشاركني همومي – إن صح أنها هموم – أو يشاركني خواطري وتفكيري حين ألجأ إليه أستعين بمشورته وخبرته . وسيدنا يعقوب عليه السلام أيده الله بالحكمة وسداد الرأي وفهم الحياة ، فقد عركها وذاق حلوها ومرّها ، وهو نبي ابن نبي وحفيد أبي الأنبياء ، والله سبحانه وتعالى يلهمه الصواب ، ويسدده بالوحي ، ثم إنه الأب الحاني والصدر المشفق ، والوالد المحب ، فنِعم المستشار هو لولده يوسف عليهما السلام .

2- لا بد من الحذر والحيطة في كل الأمور ، ولا ينبغي للسر أن يتجاوز صدر صاحبه إلا إلى الأمين ، وإلا شاع وعرفه القاصي والداني ، كما أن لكل منا خصوصية يحتفظ بها ، ويخفيها عن الآخرين ولو كانوا من المقرّبين . والأب يهمس في أذن ولده " يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك ".

3- ولكنّ الأخ – عادة - محب ويود لأخيه الخير والسعادة والهناء ، فلماذا يحذر الأب ابنه من إخوته ؟! لا شك أن الأمر خطير إن عرفه إخوته فسوف يحسدونه ، ويكيدون له . إن هذه الرؤيا بشارة بالنبوّة التي تهفو لها نفوس الإخوة جميعاً فأبوهم نبيّ ، ولا بد أن يرثه في النبوّة واحد أو اثنان أو أكثر ، والجميع يحرصون على ذلك ، وليس الكل أهلاً لهذه المكانة العظيمة . وسيزداد الكره ليوسف حين تتجاوزهم هذه المكانة – وهم الكبار – إلى يوسف الفتى الصغير ، لا شك أن الله يختار من يشاء ويصطفي من يريد لدعوته ، ولكن هل يعي الجميع هذا الأمر ويرضونه ؟ أم تراهم يكيدون ليوسف ويأتمرون به إيذاء وإقصاء؟ هكذا فكر بعضهم ثم نفّذه جميعهم ، والله – سبحانه - يفعل ما يشاء .

4- قال تعالى:
" لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً "
ونلاحظ فعل الكيد يتبعه المفعول المطلق ليصف نفسية إخوة يوسف وما فيها من الحسد والبغضاء لمن يعتبرونه سلبهم أمراً يظنونه من حقهم " الله أعلم حيث يجعل رسالته " والإيمان الناقص إذا خالطه حقد وحسد دفع بصاحبه إلى التصرف المشين والحمق البيّن . ، والأب يعرف أبناءه وشدة مكرهم ، ويعلم أيضاً أن الله يحفظ عباده الصالحين ، إلا أنه لا بد من الحذر وأخذ الحيطة على مبدأ " اعقلها وتوكل " فالتوكل وحده نقص واضح ، والعقلُ دون توكل أكثر نقصاناً .

5- ومن الذي يدفعهم إلى الكيد الشديد لأخيهم ؟ إنه الذي أقسم أن يغوي الناس أجمعين إلا من عصمه الله وحفظه ، إنه الشيطان الذي أقسم بالله ليحتنكَنّ ذرية آدم وليضلنّهم وليزرعَنّ البغضاء في قلوبهم فهو عدوّهم الأول في هذه الحياة
" إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين "
إنه مَن أخرج أباهم من الجنّة وحمل على عاتقه أن يأخذ من استطاع منهم إلى النار .

6- وهل يقدر الشيطان أن يفعل ذلك مع أبناء الأنبياء ؟! وقد ربّى يعقوب أبناءه على الإسلام والإيمان ؟ ألم يوصِ هذا الأب أبناءه أن يكونوا مسلمين ويحيَوا مؤمنين ويموتوا على ذلك
" ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ يا بنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون "
ألم يعاهدوه وهو على فراش الموت أن يعبدوا الله وحده
" أم كنتم شهداء إذ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون " بلى لقد عاهدوه بعد أن تعلموا الدرس واعترفوا بخطئهم أمام يوسف في مصر واعتذروا له وأنهم كانوا خاطئين وسألوا أباهم أن يستغفر لهم ذنوبهم .

7- وليس شرطاً أن يكون أبناء الأنبياء والصالحين مثلهم فالهداية من الله ، فهذا قابيل قتل أخاه هابيل حسداً ، وهذا ابن نوح يدعوه أبوه عليه السلام أن يؤمن ويركب معه سفينة النجاة ، فأبى واستكبر وقال بلهجة الجاحد المعاند :
" سآوي إلى جبل يعصمني من الماء "
وتنكب طريق الهداية فكان من المغرقين أهل النار .

8- والحياة علمتنا أن الإخوة قد يكون بعضهم أشد عداوة لبعض من الآخرين ، فكم من بيوت هّمت وكم من دماء للإخوة أريقت بأيدي إخوانهم لمال أو أرض أو امرأة أو منصب أو جاه .
فلا بد أيها الأحباب من الحذر والحيطة ، ولا بد أن يحفظ الإنسان سرّه ، ولا بد أولاً وأخيراً أن يسأل الله تعالى العون والهداية
" فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين "

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
( وآتاكم من كل ما سألتموه )

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 


قرأت اليوم سورة إبراهيم ، فلما وصلت إلى قوله تعالى : { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)} تحرك شيطان الجن فقال :
كيف تصدق أنه – سبحانه – آتاكم من كل ما سألتموه ؟ وأنت تعيش حياة مستورة ليس لك فيها كثير مال ، ولم تحظَ من الشهرة ما وصل إليه غيرك؟ وفيك من القدرات العلمية ما يفوق كثيراً ممن تجدهم متصدرين ، وما يزال عطاؤك مستمراً ؟ ... وبدأ يحاول زرع الشك في نفسي – أعانني الله على وسوساته ونفثاته – ويأتيني بصورة المشفق عليّ وهيئة الناصح الصدوق .

قلت والله لأخزينّك بعونه تعالى ، ولن تجد في قلبي سوى الإيمان بالله تعالى وحبه والرضا بقدره ، والرغبة الصادقة أن أكون من عباده الصالحين المؤمنين به وبدينه ، أتعلق بأستاره وألزم راية نبيه ، ولن تجد عندي سوى الإعراض عن وسوساتك ونفثاتك ، وقرأت المعوّذتين ، وقمت إلى تفاسير القرآن أرتوي من شهدها ما يطرد علقم الشيطان ويزرع الإيمان في نفسي ويقوّيه . وإلى أحاديث الحبيب المصطفى أستلهم الفكر السليم والجواب الشافي .

روى ابو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا بدعوة ليس فيها مأثم ولا قطيعة رحمٍ أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث إما أن يغفر له بها ذنباً قد سلف وإما أن يعجل له بها في الدنيا وإما أن يدخرها له في الآخرة ."
قلت والله هذا ما أراه في حياتي ، فما دعوت الله تعالى في أمر ذي بال إلا حققه لي أو شعرت براحة في نفسي وزالت همومي ، ولتكونن الثالثة في الآخرة محققة إن شاء الله تعالى .
وأفتح في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله فينشرح صدري بقوله : " وآتاكم من كل ما سألتموه " من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع .. " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " فهي أكبر من أن يحصيها فريق من البشر ، أو كل البشر ، وكلهم محدودون بين حدّين من الزمان : بدء ونهاية . وبحدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان ، ونِعَمُ الله مطلقة – فوق كثرتها – فلا يحيط بها إدراك إنسان . .. " ثم يعدد بعض النعم من شمس وقمر وماء وأنهار ونبات وأشجار وأنعام ، كلها سخرت للإنسان ولخدمته ، وجعله سيداً لها . ويقول سيدٌ كذلك بلسان المؤمن وقلبه الحي: " أفكل هذا مسخر للإنسان ؟ أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير؟ السماوات ينزل منها الماء والأرض تتلقاه ، والثمرات تخرج من بينهما ، والبحر تجري فيه الفُلْك بأمر الله مُسَخّرة والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان ، والشمس والقمر دائبان لا يفتران ، والليل والنهار يتعاقبان ... أفكل ذلك للإنسان ؟ ثم لا يشكر ولا يذكر! . "
وأقرأ مثل هذا وشبيهه عند القرطبي وابن كثير رحمهما الله ، فأردد بلساني وبقلبي : نعم آتانا من كل ما سألناه ، فله الحمد وله الشكر دائمين دائبين . ومما قرأته في تفسيري هذين الكريمين رحمهما الله تعالى :
- أن داوود عليه السلام أنه قال : أي رب كيف أشكرك , وشكري لك نعمة مجددة منك علي . قال : يا داود الآن شكرتني .
- يقول ابن كثير : فحقيقة الشكر على هذا الاعترافُ بالنعمة للمنعم . وألا يصرفها في غير طاعته ; وأنشد بعضُهم الخليفة َ الهاديَ وهو يأكل :
أنالك رزقه لتقوم فيه * بطاعته وتشكر بعض حقه
فلم تشكر لنعمته ولكن * قويت على معاصيه برزقه
فغص باللقمة , وخنقته العبرة .
- وقال جعفر الصادق : إذا سمعت النعمة َ نعمة َ الشكر فتأهب للمزيد .
- وقد جاء في الحديث " إن العبد ليُحرمُ الرزقَ بالذنب يصيبه " .
- وقوله" وآتاكم من كل ما سألتموه " يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقال بعض السلف من كل ما سألتموه وما لم تسألوه .
- قال طلق بن حبيب رحمه الله : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد وإن نِعَم الله أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين .
- وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول " اللهم لك الحمد غير مكفيٍّ ولا مودع ولا مستغنى عنه ؛ ربنا " .
- وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي ؟ فقال الله تعالى الآن شكرتني يا داود أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم ;
- وقال الإمام الشافعي رحمه الله : الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها وقال القائل في ذلك :
لـو كـل جـارحـة مني لـهـا لـغـة * تثني عليك بما أوليت من حسن
لكان ما زاد شكري إذ شكرت به * إليـك أبلغ في الإحسـان والمنـَن

وأفتح الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي رحمه الله فأقرأ درراً ثمينة أرسم بعضها في هذه القالة الصغيرة :
- عن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال : ما قال عبد قط " الحمد لله " إلا وجبت له نعمة بقول "الحمدُ لله ". فقيل له : فما جزاء تلك النعمة الجديدة ؟ قال : جزاؤها أن يقول " الحمد لله " فجاءت نعمة أخرى ، فلا تنفد نعمُ الله .
- وقال سليمان التيمي : إن الله أنعم على العباد بقَدْره ، وكلّفهم الشكر على قدْرهم .
- وروي عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال : يا ابن آدم ؛ إذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك فأغمض عي************ .
- وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلّ عِلمُه وحضر عذابُه.
- وقال سفيان بن عُيَيْنة : ما أنعم الله على العباد نعمة أعظمَ من أن عرّفهم " لا إله إلا الله " ، وإنّ " لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا " .
- وروى أبو أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داوود عليه السلام : ربذ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ ؟ فأوحى الله : يا داوود تـَنـَفـّسْ . فتنفّسَ فقال ك هذا أدنة نعمتي عليك .
- وعن وهب بن منبه قال : عبدَ اللهَ عابدٌ خمسين عاماً ، فأوحى اللهُ إليه أني قد غفرْتُ لك . قال : يا رب ؛ وما تغفر لي ؟! ولم أذنب ؟. فأذِنَ اللهُ لعِرْقٍ في عنقه فضَرَب عليه . فلمْ ينَمْ ولم يُصَلّ ، ثم سكن العرق فنام العابد تلك الليلة ، فشكا إليه ، فقال : ما لقينُ من ضرَبان العِرق ؟ قل الملَك : إن ربك يقول : إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق .
- وعن عمر الفاروق رضي الله عنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري . قال قائل: يا أمير المؤمنين ؛ هذا الظلمُ .. فما بال الكفر؟! قال عمر : " إن الإنسان لَظلومٌ كفار " .
أقول ، وأملي بالله كبير :
سـألتـك ربي الـرضـا بالقـدرْ * وأن تغفر ذنبي فخطويْ عَثـَر
وتكرمَني، إنّ عفوَ الكريم * لأهـل الـذنـوب بهـيّ الأثـرْ
وأكرمْ أصولي وأكرمْ فروعي * فإن تعفُ نـلـنـا كمالَ الوطرْ
وأحسن إلى المسلمين ؛ إلهي * فـإنـا بحال طغى واسـتَحَـرّ
وليس سواك المجير، وظنـّي * بـأن الإلــه يـُزيـل الخـطـَر

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

" ألاّ تسجُد "
منصوب بنزع الخافض ، وكأنك تقول : ما منعك من أن تسجد . و " لا " زائدة . وفي سورة ص " ما منعك أن تسجد ".
وقيل : ليست بزائدة ; فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء , فكأنه قال : من دعاك إلى ألا تسجد ؟ كما تقول : قد أمرتك ألا تفعل كذا . وقيل : في الكلام حذف , والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد .
قال العلماء : الذي أحوج إبليسَ إلى ترك السجود هو الكبر والحسد ; وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمِر بذلك . وكان الله تعالى قد وصى أهل السماء بالسجود لآدم قبل خلقه ، يقول الله تعالى : " إني خالقٌ بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " [ ص : 71 - 72 ] . وقوله إني خالقٌ بشراً غير قوله : إني خالقُ بشرٍ. فمعنى الجملة الاولى انه سيخلق بشراً ومعنى الجملة الثانية أنه خلق وأتم الخلق ، فافهم هذا وتدبّر.
فكأنّ إبليس دخله أمر عظيم من قوله " فقعوا له ساجدين " . فإن في الوقوع توضيعَ الواقع وتشريفاً لمن وقع له ; فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره الله بالسجود في ذلك الوقت . فأراد الله تعالى كشفَ خبيئته ليفضحه بين الملائكة ، فلما نفخ فيه الروحَ وقعت الملائكة سُجَّدا , وبقي هو قائما بين أظهرهم ; فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره . فقال الله تعالى : " ما منعك ألا تسجد " أي ما منعك من الانقياد لأمري ; فأخرج سر ضميره فقال : " أنا خير منه " .

إذ أمرتك
.ولا ننسَ أن ( إذ) ظرفيةٌ بمعنى حين. فقد أمره الله تعالى مرتين بالسجود : مرة حين أخبره وأخبر الملائكة بضرورة السجود لآدم حين يخلقه ، ومرة حين خلقه وأمر الجميع بالسجود له.فأبى إبليس في ضميره أولاً وأبى في الثانية عملاً.

قال أنا خير منه
وكان رد إبليس – كما يقول القرطبي رحمه الله - : منعني من السجود فضلي عليه ; فهذا من إبليس جواب على المعنى . كما تقول : لمن هذه الدار ؟ فيقول المخاطب : مالكها زيد . فليس هذا عين الجواب , بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب .

خلقتني من نار وخلقته من طين
فرأى أن النار أشرف من الطين ; لعلوها وصعودها وخفتها , ولأنها جوهر مضيء .
قال ابن عباس والحسن وابن سيرين : أول من قاس إبليسُ، فأخطأ القياس . فمن قاس الدين برأيه قُرنَ مع إبليس .
قال ابن سيرين : وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس .
وقالت الحكماء : أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين , وإن كانا في درجة واحدة من حيث هما مخلوقان فإن الطين أفضل من النار من وجوه خمسةٍ :

أحدها : أن من جوهر الطين الرزانة والسكون , والوقار والأناة , والحلم , والحياء , والصبر . وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع , فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية . ومن جوهر النار الخفة , والطيش , والحدة , والارتفاع , والاضطراب . وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ; فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء ; قاله القفال .
الثاني : أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر , ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا .
الثالث : أن النار سبب العذاب , وهي عذاب الله لأعدائه ; وليس التراب سببا للعذاب .
الرابع : أن الطين مُستغنٍ عن النار , والنار محتاجة إلى المكان ومكانُها الترابُ .
الخامس , وهو أن التراب مسجد وطهور ; كما جاء في صحيح الحديث . والنار تخويف وعذاب ; كما قال تعالى : " ذلك يخوف الله به عباده " [ الزمر : 16 ] . وقال ابن عباس : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه , وهو أول من قاس برأيه . والقياس في مخالفة النص مردود .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
نظرة في سورة الهُمَزةِ

الدكتور عثمان قدري مكانسي


 

قال العلماء : الويل وادٍ في النار يسيل من صديد أهلها وقيحهم ، وهو – بمعنى عام – العذاب الشديد – نعوذ بالله تعالى منه أياً كان ولا أحِبُّ أن أتصوره فليس لنا به طاقة. فهو العذاب بعينه وقد قيل إن حجارته تتعوّذ منه. نسأل الله العفو والعافية .
ولكنْ لِمَنْ أُعِدّ هذا الوادي أو هذا العذاب ؟
يقول تعالى : إنه أُعِدّ للهمّاز اللمّاز { ويل لكل هُمَزة لُمَزة }.
اختلف المفسّسرون في تعريف الهُمزة اللمَزة ‘ فقال بعضهم :
الهُمَزة : من يأكل لحوم الناس بالغِيبة والنميمة ومن يطعنهم باليد وباللسان .
اللُّمزة : من يحرك عينه مشيراً بتهكم أو يطعن أنسابهم بلسانه .

وأظنّ الهُمَزة واللمَزة يتعاوران ما ذكرَ المفسرون من إيذاء باللسان والعين فقط ، بينما أخواتهما من ( الوكز واللكز والنكز ..) إيذاء باليد والعصا وغيرهما ، يضاف إليها (اللكم واللطم واللخم..).
من صفات الهُمَزة اللُمَزة الذميمة التي أدت إلى الويل والعذاب جمعُ المال بكل الوجوه حلالِها وحرامِها ، سلبِها ونهبها ، بيعها وشرائها ، أتاواتها ومكوسِها. فالمُهمُّ عند صاحبها الجمعُ كيفما كان وحيثما اتفق.
يضاف إلى ذلك البخلُ والشح ، ومَن جمَعَ المالَ بكل الطرق لا ينوي صرفه فيما يريد الله تعالى بل يتلذذ بِعدّهِ والاحتفاظ به ، لهذا قال تعالى { الذي جمع مالاً وعدّده } وهذا يذكرنا بقوله سبحانه : { جمع فأوعى } والمعنى هنا وهناك مؤداه واحد، من تكديس الأموال والتمتع باحتوائها وتكثيرها. ويحضُرنا قوله صلى الله عليه وسلم في النعي على أمثال هؤلاء :
" ما من يوم طلعت شمسه إلا وبجنبيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غيرَ الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إنّ ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا وكان بجنبيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلقُ الله كلهم غيرَ الثقلين : اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا ".
رواه المنذري في الترغيب والترهيب.

ومن صفات الهُمَزة اللُّمَزة أنه ينشغل بجمع المال عن الموت والدار الآخرة ، فيحسب أنه خالد في الدنيا ، فيعمل لها غافلاً عن النهاية التي تسرع إليه كما غَيَّبتْ أسلافه وستغيِّب أخلافه.لكنه الحرصُ على الدنيا والانشغالُ بها يَعمي القلوب ويَذهب بالأبصار.
ثم تأتي كلمة ( كلا ) التي تقرع الأسماع وتتهز القلوب خوفاً وفزعاً لتنبه بقوة وإلحاح إلى الحقيقة التي يتناساها الغالبية البشرية عماية وجهلاً :
{ إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إنّ إلى ربك الرجعى } .
فماذا بعد { كلا }؟ إنها الجملة التي تعصف بالالباب :
{ ليُنْبَذنّ في الحُطمة } .
إن ( النبذ) إلقاءُ المرء محتقراً منبوذاً في مجاهل النار المحرقة التي تَحْطِم الضلوع وتأكل العيون والآذان والأيدي والرؤوس ، وتذيب الصخر والجماد. وما سميت { الحُطَمة } إلا لأنها تكسر كل ما يلقى فيها وتحطمه وتهشّمه .
فما هذه النهاية المخيفة التي يتناساها الناس ويغفلون عنها ؟!
إنها والله لَنهاية بئيسة مرعبة ومفزعة.

وتزداد وتيرة الخوف والهلع بصيغة الاستفهام { وما أدراك ما الحُطمة }؟ وهذا الأسلوب الاستفهامي يتكرر في كثير من سور القرآن لبيان فداحة الأمر وشدة كربه: { وما أدراك ما الحاقة }، { وما أدراك ما يوم الدين } .. ويجيب القرآن بأسلوب مَهُولٍ تقشعر له الأبدان وتهتز له النفوس : { نار الله الموقدة } لم يوقدها بشر ولا ملَك ولا مخلوق مهما جل شانه وعظُمت مكانته ،ولا تنتسب إلى ناقص وضعيف إنها نار الله الموقدة . وقد تخف النار وتضعف إلا نارَ الله تعالى التي تأكل الأجساد وتصل إلى القلوب فلا تأكلها بل تعود الأجساد كما كانت ليبدأ العذاب من جديد . أتدرون السبب ؟ إن القلب إذا أكلته النار مات صاحبه وارتاح من العذاب ، والكفرة أصحاب النار خالدون فيها لا يُفَتّر عنهم العذاب .
ولا مهرب من جهنم ولا خلاص لأعداء الله منها . وأين الهروب ؟ { إنها عليهم مؤصدة } وإيصاد الباب دون فروج ولا منافذ . لا هواء بارداً يخفف عنهم حرها مغلقةٌ إغلاقاً محكماً يزيد في الكمد والحزن المتنامي .. قد سُدّ عليهم كلُّ أمل في النجاة { مؤصدةٌ في عَمَد ممددةٍ } .

يذكر القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية، فيقول:
في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار , ومسامير من نار وعمد من نار , فتطبق عليهم بتلك الأطباق , وتشد عليهم بتلك المسامير , وتمد بتلك العمد , فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح , ولا يخرج منه غم , وينساهم الرحمن على عرشه , ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم , ولا يستغيثون بعدها أبدا , وينقطع الكلام , فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا ; فذلك قوله تعالى : { إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة }) .

وقال قتادة : { عمد } يعذبون بها . واختاره الطبري . وقال ابن عباس : إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم . وقيل : قيود في أرجلهم ; قاله أبو صالح . وقال القشيري : والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار . وتشد تلك الأطباق بالأوتاد , حتى يرجع عليهم غمها وحرها , فلا يدخل عليهم روح .
وقيل : أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد ; أي في سلاسل وأغلال مطولة , وهي أحكم وأرسخ من القصيرة . وقيل : هم في عمد ممددة ; أي في عذابها وآلامها يضربون بها . وقيل : المعنى في دهر ممدود ; أي لا انقطاع له .]

{ فهل من مُدّكر

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
صفات المكذبين في سورة (ن) نون

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

هل لنا أن نطيع الكذاب والله تعالى ينبه حبيبه وخليله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقع في حبائلهم،فقال : { فلا تطع المكذبين } فلا خير فيهم. وهم يُغيّرون مواقفهم في كل آن ويلبسون لكل موقف لباسه ، ونلحظ بوضوح نوعاً من النصح المبطن بالتهديد في قوله تعالى : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلاً إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } . والمهدد بكسر الدال هو المولى سبحانه ، والمهدَّد بفتحها هو حبيبه صلى الله عليه وسلم .

فما الصفة الفاقعة الأولى للمكذّبين التي ينبغي معرفتها والبعد عنها؟
يذكر القرطبي رحمه الله في تفسيره معاني كثيرة للصفة الأولى للمكذبين { ودوا لو تدهن فيدهنون }:إنها المداهنة

1- ودوا لو تكفر فيتمادون على كفرهم.
2- ودوا لو ترخص لهم فيرخصون لك.
3- لو تلين فيلينون لك . والإدهان : التليين لمن لا ينبغي له التليين ; قاله الفراء .
4- ودوا لو ركنت إليهم وتركت الحق فيمالئونك.
5- ودوا لو تكذب فيكذبون .
6- ودوا لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك .
7- ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم .
8- ودوا لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم .
9- لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون .
10- ودوا لو تضعف فيضعفون ;
11- ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم ;
12- طلبوا منه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا إلهه مدة.

فهذه اثنا عشر قولاً كلها إن شاء الله تعالى صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى ; فإن الإدهان : اللين والمصانعة . ومجاملة العدو،وممايلته .
والمقاربة في الكلام والتليين في القول والمداهنة – في أغلب ال أحيان - نوع من النفاق وترك المناصحة . فهي على هذا الوجه مذمومة .ويقال أدهن في دينه وداهن في أمره ; أي خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر . وقيل : داهنت بمعنى واريت , وأدهنت بمعنى غششت .
{ فيدهنون } لم تجزم لسوقها على العطف , ولو جاء بها جواب النهي لقال فيدهنوا . وإنما أراد : إن تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك ; عطفا لا جزاء عليه ولا مكافأة , وإنما هو تمثيل وتنظير .

وأما الصفة الثانية للمكذّبين فكثرة الحلف .
ووصف من يتخذ الحلفان دأبه بالمهانة { ولا تطع كل حلاّف مهين } وصيغة المبالغة ( حلاف ) تكسبه المهانة عند الله تعالى وعدم تصديق السامعين له ، فمن امتهن اسم الله كان عند الله مهيناً ( مُحتقراً )ووضيعاً لانه لم يُراعِ عظمة الله سبحانه لضعف إيمانه وقلة يقينه وكان الكذب متأصلاً فيه . ومن أكثر من الحلفان كذّبه الناس ولم يصدّقوه ، فكأنه يقول لهم – على عكس ما يريد – لا تصدقوني أيها الناس.

وأما الصفة الثالثة للمكذبين : فالتحريش بين الناس والمشي بينهم بالنميمة ونقل الحديث لفساد ذات البين .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة قتّات ) وهو النمام ،
وروتْ أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أخبركم بخياركم ؟ "
قالوا بلى يا رسول الله
قال : ( الذين إذا رُؤُوا ذكر الله عز وجل ) ثم قال : ( ألا أخبركم بشراركم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة والباغون للبرآء العنت ).
إن النمام والمغتاب لا ذمام له ولا خير فيه ، مذموم محتقر لإساءاته بزرع الفتنة بين الناس .

وأما الصفة الرابعة للمكذبين: فالمناع للخير المعتدي الأثيم يمنع الخير عن الناس ويحتكره لنفسه ويعتدي على حرمات الله سبحانه ويسرف في ارتكاب الموبقات، ويتجاوز حدود الحلال إلى الحرام غير آبهٍ به. يميل إلى الباطل. ويحارب الحق وأهله ويعذب المؤمنين ويصرفهم عن الحق.

وأما الصفة الخامسة للمكذّبين : ( فالعُتُلّ الزنيم )
أما العُتلُّ فهو الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوعُ .
روى الإمام أحمد عن حارثة بن وهب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ألا أنبئكم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ).
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العتل الزنيم فقال: ( هو الشديد الخلق المصحح الأكول الشروبُ الواجد للطعام والشراب الظلومُ للناس رحيبُ الجوف )
وعن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا هضما فكان للناس ظلوما قال فذلك العتل الزنيم ).
وأما الزنيم في لغة العرب فهو الدعيّ ، قال الشاعر:

 
زنيم ليس يُعرف من أبوه * بغيّ الأمِّ ذو حسب لئيم
وقيل: الدعي الفاحش اللئيم الملحق النسب الملصق بالقوم ليس منهم ، وعن ابن عباس هو المريب الذي يعرف بالشر.

اما الصفة السادسة : فالناكر لفضل الله المستكبر عن التزام الحق ، إذا عُرض عليه الإيمان بالله وحده أباه جحده ووصفه بالخرافات والأباطيل :
{ إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } .ألم يقل الله تعالى :
{ وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور }
مختال مخادع . والمستكبر على شرع الله المخالف لأمره يتبع هواه فيرديه
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين }(القصص 28)؟

ومن كان بهذه الصفات استحق اللعنة الأبدية وكان من أهل النار والعياذ بالله ..

نسأل الله العفو والعافية والأمن والإيمان وحسن الختام.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا }

الدكتور عثمان قدري مكانسي


 

قال تعالى : { إن الذين قالوا قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ماتدّعون }.

إن الإيمان قول وعمل { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } فأخلصوا العمل لله وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم . روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قد قالها ناس ثم كفر أكثرهم ، فمن قالها حين يموت فقد استقام عليها "
فعن سعيد بن عمران قال : قرأت عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } قال هم الذين لم يشركوا بالله شيئا ،
وفي رواية من حديث الأسود بن هلال قال : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما تقولون في هذه الآية: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا }
قالوا { ربنا الله ثم استقاموا } من ذنب.
فقال لقد حملتموه على غير المحمل { قالوا ربنا الله ثم استقاموا }...فلم يلتفتوا إلى إله غيره .
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما: أي آية في كتاب الله تبارك وتعالى أرخص ؟ ( أقوم للمسلم وأسلم) قال قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } على شهادة أن لا إله إلا الله وقال الزهري : تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية على المنبر، ثم قال استقاموا –والله- لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : { قالوا ربنا الله ثم استقاموا } على أداء فرائضه .
وكان الحسن البصريّ يقول اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة ، وقال غيره { ثم استقاموا } أخلصوا له الدين والعمل .
وعن عبد الله بن سفيان الثقفي عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك
قال صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ثم استقم )
قلت فما أتقي ؟
فأومأ إلى لسانه . ورواه النسائي.
وفي رواية عن عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال : قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به
قال صلى الله عليه وسلم : ( قل ربي الله ثم استقم )
قلت يا رسول الله ما أكثر ما تخاف علي ؟
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه ثم قال: ( هذا ) رواه الترمذي وابن ماجه . وقال الترمذي حسن صحيح .

وقوله تعالى { تتنزل عليهم الملائكة } عند الموت قائلين " أن لا تخافوا " مما تقدمون عليه من أمر الآخرة { ولا تحزنوا } على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال فإنا نخلفكم فيه "
{ وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير.
جاء في حديث البراء رضي الله عنه قال " إن الملائكة تقول لروح المؤمن اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه ،اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان " .
وقيل إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. وقرأ ثابت سورة حم السجدة حتى بلغ { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة } فوقف فقال بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله تعالى من قبره يتلقاه الملكان اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له لا تخف ولا تحزن " { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } قال فيؤمّن الله تعالى خوفه ويقر عينه فما يخشاه الناس يوم القيامة هو للمؤمن قرةُ عين لما هداه الله تبارك وتعالى لأنه كان يعمل له في الدنيا ، وقال زيد بن أسلم يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث ،وهذا القول من أجمع الأقوال.

سوق في الجنّة

{ نزلاً من غفور رحيم } إنها ضيافة وعطاء وإنعامٌ من غفور لذنوبنا رحيمٍ بنا رءوف ، فقد غفر وستر ورحم ولطف وقد ذكر ابن أبي حاتم أن في الجنة سوقاً يوضحهُ قوله تعالى :
{ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم }. لقي سعيد بن المسيب أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة رضي الله عنه أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة
فقال سعيد أوَفيها سوق ؟
فقال نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها نزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله عز وجل ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة ،ويوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ،ويجلس أدناهم - وما فيهم دنيء- على كثبان المسك والكافور ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا .
قال أبو هريرة رضي الله عنه قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا ؟
قال صلى الله عليه وسلم : ( نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر ؟ )
قلنا لا
قال صلى الله عليه وسلم : ( فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضَره اللهُ محاضرةً حتى إنه ليقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم عملت كذا وكذا - يذكره ببعض غدراته في الدنيا - فيقول أيْ رب أفلم تغفر لي ؟
فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه - قال -
فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط - قال -
ثم يقول ربنا عز وجل قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة وخذوا ما اشتهيتم قال فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب. قال فيُحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى. وفي ذلك السوق . يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه - وما فيهم دنيء- فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا ،فيقلن مرحبا وأهلا بحبيبنا، لقد جئتَ وإن بك من الجمال والطيب أفضلَ مما فارقتنا عليه. فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وتعالى. وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به ) . وقد رواه الترمذي في صفة الجنة ، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

عن أنس رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )
قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت.
قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس ذلك كراهية الموت ،ولكن المؤمن إذا حُضر جاءه البشير من الله تعالى بما هو صائر إليه فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله تعالى فأحب الله لقاءه، قال وإن الفاجر أو الكافر إذا حُضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو ما يلقى من الشر فكره لقاء الله فكره الله لقاءه ) وهذا حديث صحيح.

سمات الداعية إلى الله

{ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } فدعا عبادَ الله إلى طاعة الله ،
{ وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } فهو في نفسه مهتد بما يقوله ، ونفعُه لنفسه ولغيره متلازمان ،وهو مثال لما يدعو إليه قولاً وفعلاً ، وامتنع أن يكون من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه وينهون عن المنكر ويأتونه
وهذا السؤال لا يتطلّب الإجابة إنما يؤكد أن أفضل المسلمين مَن كان عمله يواكب قوله { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } قال بعض المفسرين : إنها نزلت بالمؤذنين في قولهم " حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح"، واُريد بالعمل الصالح ركعتا السنّة بين الأذان والإقامة .
وأرى الامر أكبر من هذا وأعمّ ،فالدعوة إلى الله بابها واسع يشمل العبادات والمعاملات والاخلاق وآيات التي تلي هذه الآية تؤكد ما ذكرته. فالمسلم يدعو إلى الله بالقول والفعل ،ويكون قدوة يأتسيه الناس ويعجبون به ويسألون عن سر تجمّله فيعلن لهم أنه مسلمٌ والإسلام يأمره بذلك .

{ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة }

قال بعضهم :
1- الحسنة كلمة الإيمان ، والسيئة كلمة الكفر ،فلا يستوي التوحيد و الشرك .
2- وقيل : الحسنة الطاعة , والسيئة الشرك .
3- وقيل : الحسنة المداراة , والسيئة الغلظة .
4- وقيل : الحسنة العفو , والسيئة الانتصار .
5- وقيل : الحسنة العلم , والسيئة الفحش .
6- وقيل : الحسنة حب آل الرسول , والسيئة بغضهم .

وما أروع قال ابن عباس : (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك) . وعنه أيضا : هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي , وإن كنت كاذبا فغفر الله لك .
وروى في الأثر : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه .

{ ادفع بالتي هي أحسن }

قال بعضهم: يلقى بالسلام من يعاديه وذكرالقاضي أبو بكر بن العربي أنه قُصد بالأحسن – على وزن ( أفعل) : المصافحة . وفي الأثر : ( تصافحوا يذهبِ الغلُّ ) . وقد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفراً حين قدم من أرض الحبشة ; وقال قتادةُ لأنس : هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . وهو حديث صحيح . وفي الأثر : ( من تمام المحبة الأخذ باليد ) .وعن عائشة قالت : قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي , فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عرياناً قبله ولا بعده - فاعتنقه وقبله .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما ونصيحة إلا ألقيَتْ ذنوبُهما بينهما ) .

الصبر على الأذى والتحبب خير

إن الصبر عند الغضب ، والحلم عند الجهل والعفو عند الإساءة يقلب العداوة صداقة والبغضاء حباً ، قال تعالى: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } . فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان , وأخضع لهم عدوهم .
وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر ! دع شاتمك , والْهُ عنه ترضِ الرحمن وتسخط الشيطان , وتعاقب شاتمك , فما عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .
وروى القرطبي رحمه الله عن بعض الشعراء قال :
وللكفُّ عن شتم اللئيم تكرما * أضرُّ له من شتمه حين يُشتم

وقال الوراق:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب * وإن كثرت منه لدي الجرائمُ
فما الناس إلا واحد من ثلاثة * شريف ومشروف ومثل مقاومُ
فأما الذي فوقي فأعرف قدره * وأتبع فيه الحق والحق لازم
وما شيء أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجواب ، ومتاركة السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السباب ، وقال عمر رضي الله عنه : ما عاقبتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه . والعاقل من الأعداء حين يرى معاملة خصمه الطيبة يخجل من نفسه ويرى أنه أخطأ كثيراً بحقه فينقلب صديقاً حميماً بعد أن كان خصيماً مبيناً ، وصديقاً قريباً مشفقاً ويصافيك فتنقلبان أخوين ! { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم }.

لا يربح إلا الحليم الصبور

فهو من يكسب الدنيا بصداقة أعدائه ،ويربح الآخرة برضا ربه وعفوه عنه ورفع درجاته. فالعفوُ عمّن ظلمك وانت قادر على أخذه، والتواضعُ له وانت أقوى منه يرفع من قدرك في الدارين ، ويُعلي من شأنك.

الاستعاذة بالله من نزغ الشيطان

والنزغ أدنى وسوسات الشيطان، وهو فساد يواصله الشيطان ليفرق بين الناس ويزرع البغضاء بينهم والحقد في نفوسهم. ومنه قوله : { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } فأفسد .
وقال : { من شر الوسواس الخناس }
إن الأمر بالاستعاذة لكون تلك الوساوس من آثار الشيطان .
يقول القرطبي رحمه الله: فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به .

إن الشيطان لما يئس من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقِيات والوساوس ، فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا - كما في الصحيح - فقالوا : يا رسول الله , إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به .
قال : ( أوَقدْ وجدتموه ) ؟
قالوا : نعم .
قال : ( ذلك صريح الإيمان )
رغماً للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } إن الشيطان يجلب الخواطر السيئة يوسوس بها ، وهي لا تستقر في النفس المؤمنة بل تطردها مستعينة بالله منها ، هذه هي الوساوس التي تزيد المؤمن إيماناً حين يأباها ويلجأ إلى الله ، فيذهبها عنه .

اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم ومن وسوساته.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
متاع الحياة الدنيا

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

أقرأ القرآن الكريم – أحياناً – كما يقرؤه الكثرة الكاثرة من الناس، وأمر على الآيات أفهمها فهماً يخالطه الانشغال بالدنيا ، وبكلمة أخرى أقرأ دون وعي وتدبر في بعض الأحيان ، فأنا إنسان ضعيف تأخذني الدنيا في متاهاتها دون أن أشعر بذلك – ولعلك مثلي في كثير من هذه الحالات ، فعلى رأي الكوفيين نحن ( الإنسان) من النسيان وإن كنت أرى ما تراه المدرسة البصرية من أن الإنسان من ( الأنس) وهذا ما قرأناه في مسائل الخلاف للأنباري رحمه الله تعالى حين كنا في السنة الثانية الجامعية .

قرأت قبل يومين قوله تعالى في سورة الشورى: { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) } مع الآيات السبع التي تليها قراءة كما ذكرت آنفاً لكنني عدت إليها أمعن التفكير فيها – وما ألذّ تدبر الآيات والتفكر فيها – فوقفت على ما يلي :

1- لا ينال أحدنا ما يريد، إنما هو فضل من الله تعالى نُؤتاه على ضعفنا ، وليس لنا إلا شكر الله على نعمائه والإقرار بهذا الفضل ولسنا نقول ما قاله قارون { إنما أوتيته على علم عندي } وغاب عنه رغم تشدقه الباطل بالفهم والدراية أنه أقرّ بأنه (أوتيَه) ولكن الاستكبار يفضح صاحبه من حيث لا يدري .

2- والعطاء ( أشياء) جمع شيء والآية تقول ( مِنْ شَيْءٍ ) فما يأخذه الإنسان جزءٌ من شيء . إنه قليل إذن إذا ما قورن بالحقيقة . ألم يقل الله تعالى :
{ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً }.وأين ما يحوزه المخلوق من عطاء الخالق سبحانه ؟ يعرف هذا من يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق.

3- الدنيا زائلة فانية ،وما فيها متنقل بين الناس فهو متاع ، والمتاع في العربية ما ينتهي إلى أجل وهل يكون عطاء الدنيا إلا فانيا مثلها ، وهذا العطاء الدنيوي يأخذه البر والفاجر والمؤمن والكافر.

4- وما عند الله – في جنات النعيم – دائم خالد لا ينقطع ولا يزول . فعلام يتشبث الإنسان بالزائل ويتعلق به ويفضله على الدائم المتجدد؟ إنه سوء تفكير وضعف في الفهم والإيمان لا ينتبه إليه إلا :

أ‌- المؤمن بالله تعالى المتصل به سبحانه وهؤلاء قليلون ، ألم يقل الله تعالى :
{ وما أكثر الناس ولو حرصتَ بمؤمنين } إن الهوى والشيطان يجرفان أمامهما من يعيش حياتَه غثاء ولا يعمل إلا لدنياه غافلاً عن الحقيقة التي سوف تجبهه في يوم يندم فيه ولا ينفعه الندم.

ب‌- الذي يتوكل على الله ، وما يتوكل على مولاه سوى العاقل النبيه الذي يدري سبب خلقه : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ويطيع ربه ويعمل ليوم قادم لا محالة ، إن التوكل على الله لجوء إلى حصن حصين وملاذ آمن منيع. ومن توكل على الله كفاه الله ، وما أعظم الحديث الشريف الذي علمنا إياه سيد البشر صلى الله عليه وسلم " فعن أنس رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال ( يعني إذا خرج من بيته ) بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، يُقال له : هُديتَ وكُفيتَ ووُقيت وتنحى عنه الشيطان ) رواه الترمذي، وزاد أبو داود في روايته : ( فيقول - يعني الشيطان لشيطان آخر - : كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي ؟! )

ت‌- { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } والاجتناب عدم المرور به والتوقف عنده إنه الابتعاد والحذر عن كبائر الاثم أولاً وهنا نرى أن الإثم نوعان صغير وكبير ويقع المسلم في اللمم لكنه يستغفر او يتوضأ ويصلي فيُمحى اللمم ، وما أضيفت كلمة الكبائر إلى الاثم إلا للتنبيه من الوقوع في الإثم الصارخ لأنه مثل الفاحشة تماماً .

ث‌- { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)} فالإنسان يغضب وقد يثور ، وهو في ثورانه يُضيّع رشده ويتصرف بنزق وقد يفعل ما لا تُحمد عقباه ففي هذه الحالة ينبغي أن يملك نفسه ويعود لهدوئه ويغفر لمن أساء إليه وهذه محمدة لا يصل إليها إلا أولو العزم الذين يذكرون قوله تعلى { ولْيعفوا ولْيصفحوا }، { ألا تحبون أن يغفر الله لكم }؟ {والله غفور رحيم } وهذا ما فعله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه حين سمع هذه الآية – وكان أقسم ان لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة لأنه خاض في الإفك ـ ، فقال بلى يا رب بلى ، وغفر لمسطح . إنها درجة لا ينالها إلا المتقدّمون.

ج‌- { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } ولا يستجيب لأمر ربه فيلتزمه ويبتعد عن المنهيّ عنه إلا السعداء ، وأقف عند كلمة الاستجابة فأراها سمة المؤمنين الأطهار المتصلين بربهم في كل أحوالهم ، ولا يستجيب إلا الواعي النبيه ذو القلب الزكي والعقل الذكي .

ح‌- { وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ }: إن إقامة الصلاة دليل الاهتمام بها ، وما ذكرت الصلاة إلا وسبقتها كلمة الإقامة ، وعد إلى القرآن الكريم لتتأكد من ذلك . إنّ من يؤدي صلاته بخشوع وتدبر فيطمئن بقيامه وركوعه وسجوده ويستقبل الله تعالى في صلاته فقد أقامها اما السرعة في الحركة دون الاطمئنان والتعقل في حركات الصلاة فليست صلاة على ما أعتقد .

خ‌- { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } وهل يقوم المجتمع الصالح المتماسك وهل تبنى الدولة القوية إلا على أساس قويم من الشورى والعمل المشترك؟ إن البلاء الذي أصاب أمتنا ودفع بها إلى مؤخرة الأمم تجبُّر الحاكم وتفرده باتخاذ القرار ، فكأن الناس عبيد في مزرعته وملك يمينه يفعل بهم وببلادهم ما يشاء دون وازع من إيمان ولا ضابط من شورى ، وثورات الشعوب على حكامهم ما جاءت من فراغ ، وتاريخنا المعاصر ظلم وفساد وتأخر بسبب غياب الشورى ووأد الحريات وقتل الإبداع .

د‌- { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)}. وإذا سألت عن سبب تقديم : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } على { يُنْفِقُونَ }علمت أن الله تعالى يرزقنا ويكرمنا ويعطينا ويتفضل علينا ثم يأمرنا أن ننفق مما رزَقَنا فالعطاء أولاً يتبعه الاعتراف بالفضل والإقرار به فينتج عنه شكر النعمة بالإنفاق على عباد الله ، وبالشكر تدوم النعم . ولعلك ترى ان الله سبحانه لا يكلفنا شططاً حين يأمرنا أن ننفق القليل من هِباته وكرمه سبحانه.

ذ‌- { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)} ، فالله تعالى يعلمنا أن نكون أحراراً لا نرضى الدنية في ديننا ولا حياتنا ، إن البغي مرتعه وخيم ، ومن عاش في الذل لا يستقيم ولا يستحق الحياة من رضي الهوان . وأفهم هنا أن من سمات المسلم أنه لا يظلم احداً ولا يرضى الظلم من احد .فما كان الجهاد إلا عنوان الحياة الحرة الكريمة .

ر‌- { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } أرأيتم ميزان العدل؟ فما ينبغي إذا ما ظُلمتُ أن أتجاوز استرداد حقي وإلا انقلبتُ ظالماً ، وما ينبغي للمسلم ان يكون ظالماً . وما يثور الحر إلا لظلم مسّه أفيكون كمن ظلمه ؟! إن تجاوز الحق ظلم ، هكذا علمنا ديننا.

ز‌- { فمن عفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } : وما العفو ‘إلاعند المقدرة ، وإلا كان هواناً ، إنّ العفو عمن ظلمك يأتي حين يرى الظالم أنه بين يديك وتحت رحمتك ، وهذا درس له رائع ، بل إنك حين تريه من القوة ما يُرهبه ثم تعفو عنه تملك قلبه ، فإذا ما أحسنتَ إليه انقلب صاحباً وصديقا ، ونلت أجراً من الله عظيماً ، لقد علمنا الله تعالى أن نكسب قلوب العباد فقال : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)}(فصلت) ، ولا ننسَ ان الله تعالى يكره الظلم والظالمين { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)}(الشورى) .

س‌- { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)} روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من دعا على من ظلمه فقد انتصر ) ، إن إحقاق الحق والوصول إليه يشفي قلب المظلوم أولاً ويكسر شوكة الظالم ثانياً ويربّي المجتمع ثالثاُ فيخاف الظالم أن يَظلِم . لكنْ حين يعلم المظلوم أن القاضي أخذ بحقه وأن عقوبة الظالم مستحقة فتنازل عن حقه وعفا عن جريرة المسيء كان من الصابرين ، وهذا لا يحوزه سوى النبيل من الناس الذي يكظم غيظه ويعفو عمّن ظلمه قادراً عليه كما ذكرنا آنفاً .

ش‌- ولن يكون المدافع عن حقه الساعي إليه ظالماً ، والظالم الحقيقي من بدأ الظلم واعتدى على حقوق الآخرين وأهانهم ، ولم يراع حرمة الأخوة في الله ولا حقوق المجتمع في الأمن والأمان والحياة الحرة الكريمة { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)}(الشورى) .

ص‌- إن القرآن الكريم – مع دعوته إلى الحفاظ على الحقوق الإنسانية – يريد من المؤمن أن يرتفع إلى مستوى من الصبر الجميل في تحمل أذى إخوانه لأنه داعية وقدوة ، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا إذ يقول : ( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ) ،{ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)} (الشورى) ،
إنه السمو في الأخلاق والسمو في الإنسانية والسمو في دعوة إلى الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
{ مثل الحياة الدنيا }

فَقِهَهُ معكم : الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
{ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شي مقتدراً }.

كثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل:

1- كما قال تعالى في سورة يونس :{ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام } الآية

2- وقال سبحانه في الزمر: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يُخرج به زرعا مختلفا ألوانه } الآية

3- وقال عز وجل في سورة الحديد : { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ...} الآية

4- وفي الحديث الصحيح : ( الدنيا خَضِرة حلوة ).

5- وقالت الحكماء : إنما شبه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع , كذلك الدنيا لا تـُبقى على واحد, ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا , ولأن الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى , ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله دون أن يبتل كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها , ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا مُنبِتا , وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا كذلك الدنيا: الكفاف منها ينفع وفضولها يضر . وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل : يا رسول الله , إني أريد أن أكون من الفائزين ; قال :
( ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فإن القليل منها يكفي والكثير منها يُطغي ) .
وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم :
( قد أفلح من أسلم ورزق كَفافا وقنّعه الله بما آتاه ) .

6- { المال والبنون زينة الحياة الدنيا } كقوله :
{ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ....} الآية وقال تعالى :
{ إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } فالإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمعِ لهم والشفقةِ المفرطة عليهم ولهذا قال :
{ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا }.

7- قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس

8- وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر

9- سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

10- جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال :
( من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات )

11- قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

12- وعن أبي سعيد الخُدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( استكثروا من الباقيات الصالحات )
قيل وما هن يا رسول الله ؟
قال: ( الملة )
قيل وما هي يا رسول الله ؟
قال frown.gif التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ) رواه أحمد .

13- عن أيوب الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول :
( عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم عليه السلام فقال يا جبريل من هذا الذي معك ؟ فقال محمد فرحب بي وسلم ثم قال مُرْ أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقلت وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلا بالله ).

14- وعن شداد بن أوس رضي الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمةَ على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب ).

15 ـ { ويوم نسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً }
وهنا يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، فيقول :

أ ـ { يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا } إنها تذهب من أماكنها وتزول والموران التخرك القويّ السريع "

ب - { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب }

جـ - { وتكون الجبال كالعهن المنفوش }

د- { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } إنّ الجبال تضمحل وتتساوى المهاد وتبقى الأرض قاعا صفصفا (سطحا مستويا) لا عوج فيه ولا أمتا (لا واديَ ولا جبل) وانظر قوله تعالى:
{ وترى الأرض بارزة } (بادية ظاهرة) ليس فيها مَعْلم لأحد ولا مكان يواري أحدا فالخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.

16- { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا }
لقد جمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحدا (صغيرا ولا كبير) ألم يقل عز وجل :
{ قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم } ويقلْ :
{ ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } .

17-{ وعرضوا على ربك صفاً }
فهو تبارك وتعالى ينادي يوم القيامة بصوت يسمعه الجميع: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون أحضروا حُجتكم ويسّروا جوابا فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب .

18- { لقد جئتمونا كما خلقناكم اول مرة }
لقد جئتمونا حفاة عراة , لا مال معكم ولا ولدَ ،بل فرادى ، ألم يقلْ سبحانه :
{ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام : 94 ] .

19- { بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً }
هذا خطاب لمنكري البعث فقد زعموا أنهم لن يُبعثوا وأن لن يجعل الله لهم موعدا للبعث . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )
قلت : يا رسول الله آلرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟
قال : ( يا عائشة , الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ) .
" غرلا " غيرَ مختونين

20- { ووضع الكتاب } كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والنقير (والثفروق) والصغير والكبير
{ فترى المجرمين مشفقين } خائفين من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة { ويقولون يا ويلتنا } و يا حسرتنا ويا ويلنا على ما فرط في أعمارنا "

21- { ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } فهو لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر إلا أحصاها وضبطها وحفظها . وروى الطبراني عن سعد ابن جنادة قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( اجمعوا، من وجد عودا فليأت به ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به )
قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجلٌ ولا يذنبْ صغيرة ولا كبيرة فإنها مُحصاة عليه ) .

22- وقوله : { ووجدوا ما عملوا حاضرا } من خير وشر،

أ****- ـ فقد قال تعالى : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا... }

ب****- ـ وقال تعالى : { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر }

ت****- ـ وقال تعالى : { يوم تبلى السرائر } فتظهر المخبآت والضمائر، ولا يجوز على الله شيء.

ث****- ـ فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
( لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به ) أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ :
( يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان ).

23- { ولا يظلم ربك أحدا } فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا ولا يظلم أحدا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي ثم ينجي أصحاب المعاصي ويُخلّد فيها الكافرين.

أ****- ـ وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم قال تعالى { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ...} الآية

ب****- ـ وقال : { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين }.

ت****- ـ وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول :
بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا فسرت عليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله : قلت نعم فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بهما )
قلت وما بهما ؟
قال : ( ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُد كما يسمعه مَن قَرُب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه حتى اللطمة )
قال : قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟
قال : ( بالحسنات والسيئات ).

ث****- ـ وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة ) رواه عبد الله بن الإمام أحمد .



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفة في: (الصراط المستقيم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
قرأ الجمهور " اهدنا الصراط المستقيم " بالصاد وقرئ السراطَ وقرئ بالزاي قال الفراءُ وهي لغة بني عذرة وبني كلب . وكان الثناءُ على المسئول تبارك وتعالى تقدّم في سورة الفاتحة ، وهذا الثناء المتقدم يسبق السؤالَ ، فقد ذكر المولى تعالى: " فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " .

ومِن أكمَلِ أحوال السائل أن يمدح مسئولَه ثم يسألَ حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله : " اهدنا الصراط المستقيم " لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة وقد أرشد الله إليه لأنه الأكمل .

1 - وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى عليه السلام " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير "
2 - وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
3 - وقد يكون بمجرد الثناء على المسئول كقول الشاعر :

 
أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما * كفاه من تعرضه الثناء

والهداية ههنا الإرشاد والتوفيق وقد تُعدى الهداية بنفسها كما هنا " اهدنا الصراط المستقيم " فأخذت مفعولاً به مباشراً، فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو اعطنا " وهديناه النجدين " أي بينا له الخير والشر

أ‌- ـ وقد تُعدى بإلى إضافة إلى المفعول الأول كقوله تعالى : " اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم " ، " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله : " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " وفي هذه الآية حذف المفعول الأول للعلم به.

ب‌- ـ وقد تُعدى باللام كقول أهل الجنة " الحمد لله الذي هدانا لهذا "أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا .
قال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وذلك في لغة جميع العرب فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي :
أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم

والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال الإمام بن جرير: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه .
أمالصراط فقد اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسيره وإن كان يرجع معناها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول فروي :

1 - أنه كتاب الله . فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصراط المستقيم كتاب الله " وقد تقدم في فضائل القرآن موقوفا على عليٍّ رضي الله عنه .

2 - وقيل هو الإسلام . قال ابن عباس : قال جبريل لمحمد عليهما السلام " قل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم " يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " قال ذاك الإسلام وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي " اهدنا الصراط المستقيم " قالوا هو الإسلام وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر اهدنا الصراط المستقيم قال هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض . وقال ابن الحنفية في قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " قال هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم " اهدنا الصراط المستقيم "قال هو الإسلام. وعن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه - فإنك إن تفتحه تلجه - فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم " . وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به. ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن علي بن حجر عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به . وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم .

3 - وقال مجاهد " اهدنا الصراط المستقيم " قال الحق وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم .

4 - وعن أبي العالية " اهدنا الصراط المستقيم " قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده قال عاصم فذكرنا ذلك للحسن فقال صدق أبو العالية ونصح .

وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا ولله الحمد .

ويقول الإمام الطبري رحمه الله:" اهدنا الصراط المستقيم " – معناه: وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل وذلك هو الصراط المستقيم لأن من وفق لما وفق له مَن أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم. "
فإن قيل " فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟ فالجواب أنّ العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار وقد قال تعالى : " يا أيها آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل " الآية فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المرادَ الثباتُ والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك .
وقال تعالى آمرا عبادَه المؤمنين أن يقولوا " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرا فمعنى قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم " استمرَّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره ، والله أعلم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(حتى إذا بلغ أشدّه)
الدكتور عثمان قدري مكانسي

 
قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } سورة الأحقاف.

لما ذكر تعالى في الآية التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه عطف بالوصية بالوالدين كما هو مقرون في آيات عدة من القرآن كقوله عز وجل" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً " ، وقوله جل جلاله " أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير " إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة وما ذلك إلا أن الله تعالى سببُ الخلق فهو المعبود بحق ، أما الوالدان فأداة الوجود ولولاهما ما جاء الولد،. وقد أمر المولى تعالى بالإحسان إليهما والحنوّ عليهما لفضلهما الكبير عليه " حملته أمه كرها " فقاست بسببه الكثير إذ حملته مشقة وتعبا من وحم وغثيان وثقل وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة " ووضعته كرها " فكانت المشقة أيضا من الطلق وشدته " .

الحديث الشريف الذي أمر بالإحسان إلى الوالدين ذكر الأم ثلاث مرات بحسن الصحبة وذكر الأب مرة واحدة ( من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال أمك ...) فلما قالت الآية ( ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ) ذُكر الأب والأم مرة واحدة فلما أتبعه ( حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً ) ذُكرت الأم مرتين في الحمل والوضع فاكتمل ذكرها ثلاث مرات . فكان التوافق بين الآية والحديث واضحاً .

وبلوغ الأشد أن يصير المرء قادراً على الزواج مدركاً أوليات الحياة ، فيوسف عليه السلام بلغ في الآية ( حتى إذا بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً ) ثلاثة عشرة سنة أو أكثر بقليل . أما الحديث عن موسى عليه السلام في قوله تعالى ( حتى إذا بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً ) فقد زاد في الآية كلمة ( استوى ) الدالة على تجاوزه العشرين سنة وأكثر ، والاستواء أكثر قوة وتحملاً ومتانة .
وفي هذه الآية نرى عطف كلمة ( أربعين ) بالواو على قوله : (حتى إذا بلغ أشده ) فدل العطف على وجود محذوف يفهم من السياق ، كأن تقدّر : قويَ وشبّ وارتجل و تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه فصار أباً أو جَدّاً وخبر الحياة ( وبلغ أربعين سنة ) .

ويخطئ من ظن أنّ الأربعين هي الأشد ، ودليل ذلك قوله تعالى في إعادة المال لليتيم الذي بلغ أشده ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه ) والأشد هنا حسن التصرف بالمال من بيع وشراء وغير ذلك . ومن قدر على الزواج في سن الرابعة عشرة قدِر على التصرف بماله ، فليس من المعقول أن يسترد اليتيم ماله في الأربعين ! فالأربعون إذاً سن الكمال العقلي والفهم والإدراك فكان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السنّ أهلاً للرسالة التي كلفه الله تعالى بها .

ويقال إنّ الإنسان لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين .قال القاسم بن عبد الرحمن : قلت لمسروق متى يؤخذ الرجل بذنوبه قال إذا بلغت الأربعين ، فخذ حذرك . وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنّ العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله تعالى حسابه ، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه ، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته ، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وشفعه الله تعالى في أهل بيته وكتب في السماء أسير الله في أرضه " { من الدرر السنية وقالوا : إنه صالح الحُجّيّة },
وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياءً من الناس ثم تركتها حياء من الله عز وجل وما أحسن قول الشاعر :
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه * فلما علاه قال للباطل ابعُد
ويبدأ بعد سن الأربعين – سن الكمال – منحنى الضعف فما بعد الكمال – وهذه سمة كل مخلوق - إلا النقص ، ولا بد من شكر المولى الذي حبانا حياة طويلة ، فيتجه الإنسان إلى مولاه سبحانه يحمده ويشكره على :

1- النعمة التي يتقلب في أعطافها ، ويعيش في أكنافها .
2- وعلى ما أنعم الله به على والديه اللذين ربياه التربية الصالحة ، فيشكره عنهما وهذا غاية في البِر والإحسان إلى الوالدين .
3- ويسأله أن يتم نعمته عليه في ذرية صالحة تدعو له وتكمل ما بدأه من خير.
4- ويعلن توبته عما يغضب الله تعالى ويؤوب إليه مستغفراً ، وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل ويعزم عليها
5- أن يدعو الله تعالى أن يرشده إلى الهدى ويحفظ عليه النعمة ، فقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد :

" اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا " .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
يوم تُقلّبُ وجوهُهُم في النار

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

 

- قرأ الإمام في صلاة العشاء من سورة الأحزاب قوله تعالى :
" إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64)"
قلت في نفسي : ما أشد اللعن وأسوأه ! إنه الطرد من الرحمة ، ومن الطاردُ ؟ إنه ملك الملوك يفعل مايشاء ، ولا رادّ لما يشاء ، ومن طُرد من رحمة الله فليس له من مأوى سوى النار – والعياذ بالله تعالى من ناره – وتوقف معي عند كلمة " أعدّ " تجد المصير المخيف لهؤلاء في جهنم . ألا ترى أن الإنسان حين يشترى داراً يهيئها لمدة قد تطول العمر الدنيويّ كله ، و يسعى أن تحوي كل صنوف الراحة ويرتبها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ؟ لكنّ الإعداد الإلهيّ للكافر في النار يتضمن ما يستحقه الكافر من عذاب وتنكيل وإهانة وويلات ، وإعداد الله غير الإعداد البشري - ولا تصح المقارنة بين الخالق والمخلوق - فقد باع الكافر الذي ظلم نفسه بالجحود والنكران آجله بعاجله ، فليس له في الآخرة إلا النار يخلد فيها أبد الآبدين – نسأل الله العافية من سوء المصير –
قال تعالى : " خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (65) "
والسعير نار تلظّى بما لا يتخيله متخيل . يقول علماء الجيولوجيا : إن حرارة الغليان في باطن الأرض يفوق عشرين ألف درجة ، والأرض كوكب الحياة ، فماذا تقول بملايين الدرجات في ظاهر الشمس ناهيك عن باطنها ! ولا ننس أن هذا كله يمثل الحياة الدنيا ، فكيف بنار جهنم المسعّرة ؟ .

- ولعل الإنسان يجد في الدنيا من يساعده ويسانده ، ويدافع عنه إذا لزم الأمر ، فهل لهؤلاء من ناصر هناك والقاضي إذ ذاك رب العالمين ؟! ومن الذي يشفع لهم ،والله يقول : " منْ ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " (من آية الكرسي) ومن يجرؤ أن يكون وليّ الكافرين والجميع خائفون وجـِلون يسألون الله العفو والغفران والنجاة من النار والفوز بالجنة ؟
- فلما وصل الإمام إلى قوله تعالى :
" يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (66)" قارنت بين صورتين متشابهتين ، إنهما صورتا الشواء تتماثلان ظاهراً وتختلفان حقيقة . وترى نفسك جالساً أمام كانون النار المتوهّجة تقلب اللحم المشويّ لذيذ الطعم والرائحة ، مبتسماً تضاحك جليسك الذي يثبت اللحم على السفـّود ، ويعطيكه لتصفّه مع مثيله على النار ، وتسمع أزيز النار حين يقع عليها شيء من الدهن فتفوح رائحة الشواء الشهيّة ، فتزداد رغبة فيه ويسيل لعابك فتتناول منه ما يُسكّن رمقك قبل التمتع بأكله مع الحاضرين . وشتان شتان بين هذه الصورة وصورة الكافر بين يدي الزبانية في نار جهنّم يقلّبون وجهه على جمر نارها ، وهو يصرخ مستغيثاً مسترحماً ولا من سامع ، ولا من راحم .
قال سبحانه : " كلما نضِجَت جلودُهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب " ( سورة النساء ـ من الآية 56) فهو المشويّ في النار لا عليها ! والشيّ مستمر لا ينتهي ، خالد لا ينفد .

- إن الكافر هو الذي يحترق ، وما الذي يشوى هنا ؟ إنه الجسم كله ، وذكرتِ الآية ُ الوجهَ لأنه الذي كان متجهماً مستكبراً ، كل ما فيه ينبئ عن نفسية الكافر المعاند من جبين مقطِّب ، وأنف شامخ ، وعينين لامزتين غاضبتين ، وصفحة معرضة ، ولسان بذيء ... ينبئ عن قلب مربدّ أسود .... ألا يستحق الكافر بعد هذا أن يُقلّب وجهه في النار؟ ولكن النار التي يقلب المسكين فيها أعظم وأدْوَم .

- ويتمنّى الكفار لو كانوا في الدنيا طائعين لله والرسول ، ولكن هيهات هيهات ،
ليتَ .... وهل تنفع شيئاً ليتُ ؟؟ !!

- لماذا ؟ والتمنّي سلاح المضيّع ، وآفة الآفات .. كان الهدى أمامه فأباه ، والضياء بين عينيه فأغمضهما ، والفوز بين يديه فعافه . فهو من ظلم نفسه ، لم يظلمه أحد .

- وترى الخاسر الضعيف يحمّل غيره وزر فشله ، ويعزو إلى سواه جريرته ، قال عز وجل :
" وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) " لا شك أن السادة الكبراء يأمرون ويفرضون ما يريدون ، لكنّ المستجيب لغطرستهم والمؤتمر بأمرهم ضعفاء النفوس والإيمان ، من يتصف بالجبن والخور ، ويؤثر السلامة ويرضى بالدنيّة ، وهم – في الحقيقة – جزء من تركيبة الفساد ، وبهم يرمي الظالم ويعربد ، إنهم جميعاً من نسيج واحد . ولهذا دمجهم الله تعالى جميعا في الخطيئة في قوله :
" إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " (القصص ـ من الآية 8 )
- يعترف ضعفاء النفوس أنهم كانوا ضالين ، لقد عرف الظلمة في أتباعهم ضلالهم فاستغلوه ، وأمروهم فأطاعوهم ، فضلوا عن السبيل القويم وأضلوا ..
وكما يدعو المؤمن لأخيه المؤمن بالهداية والدرجات الرفيعة في الدارين لأنه السبب في دخول الجنة ورضى الله تعالى عنه ويسأل الله أن يرفعهما جميعاً في عليين يدعو الضال على الضالّ ويسأل الله أن يزيده عذاباً لأنه السبب المباشر في المآل الرهيب :
" رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) "

... قارن أخي بين علاقة كل من الطرفين بمن معه ، فالمؤمن يدعو لأخيه بالخير ، والكافر يدعو لقرينه بالشر ، والبون بين هذا وذاك شاسع وكبير ......ويجيب الله تعالى في سورة الأعراف " قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ( 38)"
وكل يستحق ما يناسب نيته واعتقاده وعمله . ..

نسأل الله الهداية وحسن الختام
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
درس بليغ من لقمان الحكيم

الدكتور عثمان قدري مكانسي

 

 


عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم من شأن لقمان ؟ قال كان قصيرا أفطس الأنف من النوبة . وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال كان لقمان من سودان مصر ذا مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة .
وقال الأوزاعي حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال جاء رجل أسود إلى سعيد بن المسيب يذكر ألمه من سواده فقال له سعيد بن المسيب لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر بن الخطاب ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر
وكان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له مولاه اذبح لنا هذه الشاة فذبحها قال أخرجْ أطيبَ مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله ، ثم قال اذبح لنا هذه الشاة . فذبحها قال أخرجْ أخبث مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب فقال له مولاه :أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما. فقال لقمان إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا.
وكان لقمان قاضيا على بني إسرائيل في زمان داود عليه السلام،فأتاه رجل وهو في مجلس يحدث الناس، فقال له ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا ؟ قال نعم قال فما بلغ بك ما أرى ؟ قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. وفي رواية قال: قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وتركي ما لا يعنيني. ولأن كونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها. ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا.
ووقف رجل على لقمان الحكيم فقال:أنت لقمان أنت عبد بني الحسحاس ؟ قال نعم قال أنت راعي الغنم ؟ قال نعم . قال أنت الأسود ؟ قال أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري ؟ قال وطء الناس بساطك وغشيُهم بابك ورضاهم بقولك قال يا ابن أخي إن صغيت إلى ما أقول لك كنت كذلك . ثمّ قال لقمان إنّ غضي بصري وكفي لساني وعفة طعمتي وحفظي فرجي وقولي بصدقي ووفائي بعهدي وتكرمتي ضيفي وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني هو الذي صيرني إلى ما ترى . وروي عن أبي الدرداء أنه قال يوما: ُذكر لقمان الحكيم فقال ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال ولكنه كان رجلا صمصامة(حازماً) سِكّيتا طويل التفكر عميق النظر، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحدٌ.
وكان قد تزوج وولد له أولاد، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي . وعن قتادة قال : أتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة أو رش عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها،
قال تعالى " ولقد آتينا لقمان الحكمة " وهو الفهم والعلم والتعبير ووضع الأمور في نصابها والإحاطة بمجريات الأمور على قدر كبير لا يقدر عليه إلا الذين وهبهم الله سبحانه الذكاء والحكمة والنظر الثاقب . ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وكان عليه أن يحمد الله ويشكره " أن اشكر لله " ومن شكر الله تعالى ارتقى رتبة الشاكرين وعاد نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى " ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ومن شكر فإنما يشكر لنفسه "فالله تعالى يهب دائم الشكر النعمة تترى لا تنقطع . " وقوله " ومن كفر فإن الله غني حميد" غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعا فإنه الغني عمن سواه .
ومن ضمّ هذه السمات بلغ من المجد غايته وشاع ذكره في العالمين ونال رضا المولى فكان من الخالدين.
العاقل من وعى دروس الحياة وخبِرَها وعلّم الناس وأرشدهم فكان أستاذاً بحق ، بدأ بنفسه ثم أهله ثم الأقرب فالأقرب . وكان لقمان الحكيم من هؤلاء المربين الناجحين الذين ذكرهم القرآن الكريم وأعلى شأنهم. فتراه ينصح ولده متحبباً فيناديه بكلمة التحبب ( يا بُنَيّ ) ثلاث مرات :
1- الأولى يعظه فيها بعبادة الله تعالى وحده ، وعدم الإشراك به سبحانه." يا بُنَيّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم "
2 ـــ الثانية: بيان عظمة الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء." يابُنَيّ إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيف خبير "
3- نصائح لا بد منها أمراً ونهياً ترفع شأن صاحبها وتجعله في بؤرة الرضا." يابُنَيّ أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تُصعّر خدّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختار فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير".
فالعظة الأولى وهي عماد الحياة توحيد الله تعالى ، فالشرك ظلم عظيم. والظلم نوعان ،
1- أما أحدهما فظلم الإنسان نفسَه في الشرك يؤدي به إلى غضب الله عليه ومعاقبته بالنار والعذاب الشديد الدائم والعياذ بالله من غضبه وعذابه.
2- وثانيهما أن يظلم الإنسانُ حقَّ ربه في إفراده بالعبادة وحده. وقد يتساءل أحدهم معترضاً : إن الظلم يكون من القوي على الضعيف ، فكيف يظلم الإنسان ربه حقَّه؟! والجواب أن اللغة العربية واسعة المعنى متسعة الافكار ، ولهذا نزل القرآن بها لأنها تتسع له وهي قادرة على توليد المعاني ، والدليل على ذلك حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم في صحيحه :" إن الله عز وجل يقول ، يوم القيامة : يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني . قال : يا رب ! كيف أعودك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ! استطعمتك فلم تطعمني . قال : يا رب ! وكيف أطعمك ؟ وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم ! استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب ! كيف أسقيك ؟ وأنت رب العالمين . قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه . أما أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي " فالمولى تعالى خالقُ المرض والطعام والماء والزمان والمكان . وهو المُحْدِثُ لكل هذا
( الذي خلق الحَدَثَ) لا يتأثر بالحَدَث ومع هذا نجد الحديث الشريف يذكر الله تعالى موجوداً عند المريض – وهو الذي لا يحدّه مكان-ويستطعم ويستسقي – وهو المنزّه عن النقصان - ليقرب المعنى إلى عبده ، فيفهم العبدُ المطلوبَ ويعمل به,
والملفت للنظر بل الجميل في المعنى والمبنى – أيضاً- أن بين الموعظة الأولى والموعظة الثانية آيتين لهما علاقة بالبر بالوالدين ذكرهما القرآن الكريم للتأكيد على الإحسان إليهما ، فالآباء هم الذين يربون أبناءهم على الإيمان بالله ويدلونهم على طريقه . ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: " يولد الإنسان على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينَصّرانه أو يُمَجّسانه
" فكما أنّ علينا واجبَ الشكر لله فمن واجبنا أن نشكر آباءنامع شكرنا لله تعالى " أن اشكر لي ولوالديك " فالله تعالى سبب الخلق والأباء السبب المباشر لوجودنا. والشكر للطرفين واجب على أن لا يتعارض شكر الوالدين بشكر الله تعالى فشكره – سبحانه- المقدّم. ويوجه القرآن الأبناء إلى معاملة آبائهم المعاملةالطيبة ولو كان الآباء مشركين فحسابهم الاعتقاديّ على الله .
والعظة الثانية تعليل لوجوب عبادة الله وتوحيده ، فهو سبحانه العالم بكل شيء المتصرف بكل شيء والقادر عليه . والقرآن يعلمنا قاعدة مهمة في الحياة : (التعليل ) فمتى اقتنع الإنسان بأمر فعله والتزمه وثابر على أدائه.
والعظة الثالثة أوامر ونواهٍ .وهكذا الحياة بقوانينها وأنظمتها كما أن الأوامر عادة ما تكون أكثر من النواهي . فالنواهي هنا أربع ( لا تشرك بالله ، لا تطعهما ، لا تصعّر ، لا تمشِ) والأوامر أكثر فهي تسعٌ( اشكر، صاحبهما، اتّبِعْ، أقم الصلاة، وامر بالمعروف، انهَ ،اصبرْ، اقصِد، اغضضْ) وهي وإن كانت على شكل نصائح فهي قواعد لا بد من التزامها فالحياة تقوم عليها ، وهي عصارة تجارب المرء المجرب العاقل الذي خبر الحياة نظراً وتأملاً وعملاً
كما أن لقمان يذيّل بعض نصائحه بحكمة مناسبة فبعد قوله: "اصبر على ما أصابك "ذيّلها بقوله:" إن ذلك لمن عزم الأمور " وحين نهاه عن التكبر والتعالي على الناس ذيلها بقوله" إن الله لا يحب كل مختال فخور " وحين نهاه عن رفع الصوت برره قائلاً " إن أنكر الأصوات لصوتُ الحمير " ومن يكره نتائج الصبر ولا يخاف الله ومن يحب أن يقرن صوته العالي بصوت الحمار؟
إنها وصايا عقَدية وأدبية وخُلقية واجتماعية إذا التزمَتْها أمةٌ ارتقت وتصدرت ركب الحضارة .

فهل نشمر عن ساعد الجد لنكون خير أمة أخرجت للناس
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قضي الأمر الذي فيه تستفتيان

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
- قد يُسجن البريء لأنه شريف ، ويَسرحُ المجرم ويمرح لأنه فاسد يبيع نفسه وينغمس في المخازي والمغريات فهو خادم لهواه أولاً وخادم لأسياده الذين هم من طينته . ويوسف عليه السلام أبى أن يفعل الفاحشة وتمسك بالفضيلة ، فشعرت النساء بصغارهنّ أمامه ، ثم اتقدت في نفوسهن نار الكبر والعناد ( لئن لم يفعل ما آمره ليُسجنَنّ وليكوناً من الصاغرين ) ، وفضّل أن يُسجن على الوقوع في المعصية ويرتع في الآثام. وهذا بعض الابتلاء في هذه الدنيا يمحّص الله تعالى به الصالحين ، ويرفع درجاتهم في علّيين.

- إن سيماء الصالحين تلازم أصحابها وتدل الناس عليهم . ويبقى الصالح صالحاً والمحسن محسناً أينما كان وحيثما حلّ . في نعمة القصور ورغد العيش أو في ظلمة السجن وغياهب المعتقلات ، يتعرف بها عليهم من يعيش معه ويلازمه . فهذان فتيان دخلا السجن يوم دخله يوسف عليه السلام ( ودخل معه السجنَ فتَيان ) تابَعاه ولاحظا تصرفاته ، فإذا هو أدب وأخلاق ، وعِلمٌ وفهمٌ ، وذكاء وزكاء، ووقر في نفسيهما أن هذا الإنسان لم يجترم إثماً ، ولم يرتكب خطأً وأنه دخل السجن بمكيدة ومكر حاكه من لا يخاف الله ليداري سوءته ويخفي جُرمه. ومثل هذا الإنسان حريٌّ أن يُستفتى وأن يُستنصح . فلما رأى أحدهما رؤيا أرّقته جاء يعرض رؤياه عليه ويستفتيه في تأويلها، وفعل الثاني مثله ، فالأول رأى نفسه يسقي سيده الخمر ، ورأى الثاني أنه كان يحمل فوق رأسه خبزاً يأكل الطير منه . ولن يجد صاحب الحاجة تفسيراً لما يؤرقه إلا عند من يثق بدينه وخلقه وفهمه ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) . فلقد كان يوسف عليه السلام من سادة المحسنين وينتمي إلى دوحة النبوة المشرق بنور الإيمان والإحسان، ( فهو النبيُّ يوسف ابنُ النبيِّ يعقوبَ ابنِ النبيِّ إسحاقَ ابنِ النبيِّ إبراهيمَ ) عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه .

- قرر أن يجيبهما – وهل يملك إلا أن يجيبهما؟، فمن لجأ إليك واستعان بك فمن المروءة أن تكون عند حسن ظنه . ولكن لا بد أن يغتنم فرصة انتباههما إليه ووقوفهما بين يديه فيدعوَهما إلى دين الحق ويخرجهما من ظلم الشرك وظلام الكفر إلى العدل التوحيد ونور الإيمان ، فبدأ :
أولاً : بترسيخ الثقة التي أولياه إياها فأنبأهما أنه يعلم بعض الأمور الغيبية التي وهبه الله تعالى علمها قبل أن تتحقق.
( لا يأتيكما طعام تُرزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ) .
ثانياً : وأن هذا العلم ما أوتيه إلا لأنه يؤمن بالله الواحد الأحد , وأهل التوحيد هم أهل البصيرة الحقة . ( ذلكما مما علمني ربي ) . فالله هاديهم ومعلمهم.
ثالثاً : وعلّمنا يوسف - كما علم الفتيين - أن القدوة الحسنة سبيل إلى الهداية وهاد إلى الطريق الحق وأن على الكبار أن يعلّموا الصغار دينهم، فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر
( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) .
رابعاً : وذكر أن فضل الله تعالى بالهداية مبذول للناس جميعاً ، فمن شكر ظفر ( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ) .
خامساً : ثم ساءلهما ليفكرا التفكير السليم ويجيبا الإجابة الصحيحة بعد تفكر وتدبر أن وجود الآلهة المتعددة مجلبة لفساد الحياة ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) فكل إله يريد أن يعلو على الآلهة الأخرى ويفرض ذاته على الآخرين . ( ... ولعلا بعضهم على بعض ... ). وما وجود آلهة كثيرة إلا من التخرص وظن العقول القاصرة.

- لا يصاحب المسلم إلا مسلماً ولا يصادق المؤمن إلا المؤمن ، فالطيور على أشكالها تقع ، والرسول صلى الله عليه وسلم يأمرنا بهذا إذ يقول : ( لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامَك إلا تقي ) وبهذا نفهم قول سيدنا يوسف للفَتَيَيْن مرتين ( يا صاحِبَيِ السجن)

- والجميل في الدعوة والإجابة أن سيدنا يوسف عليه السلام كان بليغاً في الدعوة ثم الإجابة . فلو أنه أجابهما عن سؤالهما أولاً لم يلتفتا إلى دعوته لهما إلى الإيمان لأن حاجتهما إليه تكون قد انقضت . فقدم الدعوة على الجواب . ونراه أطال في الحديث والتعليل وتقليب الوجوه كما ذكرت آنفاً فكان حديثه – في دعوته - أربع آيات آخرهنّ أطول من الأوليات ، فقد كان فيها هدمٌ لمعتقدهم الشركي وتثبيتٌ للدين القيّم الصحيح.
أما الجواب عن رؤياهما فكان مبتسراً قصيراً فيه حسم وقضاء لا يحتمل الاستئناف أو التطويل ،لقد كان جملتين قصيرتين ...
( أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيًصلب فتأكل الطير من رأسه ) ثم حين فاجأهما قائلاً ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) . وكأنه يقول لهما : هذه هي الحقيقة ، فلا تراجعاني فيها . فهو لا يملك تغييرها .

- ونجد ذكاء نبوياً عجيباً في الجواب. فهو – عليه الصلاة والسلام- يَعلمُ مَن ذكر أنه سقى سيده خمراً ومَن قال : إن الطير تأكل خبزه فوق رأسه . فلم يشر للأول أنه ناج ولم يشر للثاني أنه سيقتل. وإنما ذكر كلمة ( أحدكما ) فيعرف كل منهما تأويل رؤياه دون أن يشير يوسف إلى كل واحد منهما بعينه، فقال جملة تدل على الحكمة والنباهة ( أما أحدكما فيسقي ربه خمراً وأما الآخر فيًصلب فتأكل الطير من رأسه ).

- ونراه حين يبشر الأول يذكره بالفعل المبني للمعلوم ( فيسقي ربه خمراً ) أما الذي يقتل فقد ذكره بالفعل المبني للمجهول ( فيُصلب ) ولم يقل ( فيُقتل) فالقتل أشد وقعاً من الصلب الذي يكون بعد القتل ولا يشعر المقتول به . ألم يؤته ربه سبحانه الحُكم والعلم وهو في بداية صباه؟ ( ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حُكماً وعلماً .. ) .

- وتمتعْ معي بفاصلتي الآية الثامنة والثلاثين والآية الأربعين اللتين جاءتا في مكانهما المناسب – وكل ما في القرآن جاء مناسباً لا يقوم غيرُه مكانَه - ، فقد كانت الأولى: ( ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون ) ، قد جاءت تذكر بفضل الله تعالى على الأنبياء والناس أجمعين أنْ هداهم إلى الحق فوجب شكره سبحانه . وكانت الثانية: ( ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ) تأمر بالإخلاص لله وحده في العبادة وتؤكد أن الإسلام دين الله القيم الذي يرضاه الله تعالى للناس فضلّ أكثرُ الناس عنه ، ولم يعلموه فجهلوه .

- وأخيراً رأى الأول أنه يعصر عنباً فيصير خمراً يسقي سيده منه ، - والخمر لا يُعصر- إلا أنه مجاز مرسل علاقته باعتبار ما يكون ، وهذا التعبير غاية في الإيجاز والجمال . وحين يكون الإنسان حياً – إن وَضع على رأسه خبزاً – أكل منه الطير إنْ أمِنَه ولم يخفه . لكنّه حين يلقى حتفه موتاً أو صلباً ولا يُدفن أكلت منه الجوارح ولا تبالي .
والله أعلم

عن موقع رابطة أدباء الشام


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مع إخوة يوسف( عليه السلام)

الدكتور عثمان قدري مكانسي
 
كم قرأت الكتاب الكريم – فيا سبحان الله – يتجلى فيه لقارئه كل مرة معانٍ عظيمة ، فهو دائماً بين تفكر وتدبّر واستنباط آنِيٍّ ( مُتولّد) يُداخله فيتعجب : كيف قرأه مئات المرات بل آلافها ولم يفهم أو يخطر بباله المعنى الذي حظي به اليوم فتلذذ بمعانيه الجديدة القديمة وازداد تعلقاً به ورغبة فيه. قرأت قبل أيام هذه الآيات في قصة يوسف فبسطَتْ بين يديّ أساليب تربوية وأخلاقية ، فارتقيت في مدارجها ونعمت بثمراتها ، وأحببت أن أضعها بين يدي القارئ ، ولست مدّعياً أنني جئت بشيء جديد ، إنما أدعي أنني نزيلها المحب الذي ذاق عسيلتها والتصق بها ساعات طويلة ، بلْهَ أياماً رائعة ضاء بنورها وقبسَ من شعلتها.قال تعالى:
لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9).
وهل يحتاج رب العزة للقسم كي نصدق آياته فتصلَ قلوبَنا وأفئدتنا وهو الحق وقوله الحق ووعده الحق؟! إن القسم الإنكاري- فيه أكثر من تأكيدين- دليلٌ على أن القائل لا يريد أن يبقى في قلب الحر وعقله شك ولا ريب فيما يسمع أو يقرأ . وهذا أسلوب تربوي قديم جديد في تقديم الخبر وزرعه في الشغاف (فاللام وقد وتقديم الخبر على اسم كان مع الجمع :آيات ، ومضافه) تأكيدات متعددة تفتح مغاليق القلوب لسماع القصة والانتباه إليها .
وهذا القسم توطئة لشد السمع وإرهافه فلا تمر كلمة والحاضرون عنها غافلون ، كما يفعل المدرس حين يدخل الصف ولمّا ينتبه الطلاب فيبدأ قوله مُسَلّماً ، فيرد الجميع تقريباً السلامَ عليه ثم يبدأ متسائلاً تساؤل العارف الذي لا يريد على سؤاله جواباً : أتدرون ما درسُنا اليوم؟.
وكأن على الراغب في معرفة القصة أن يسأل عنها ، فالسؤال باب العلم ومنه يبدأ . ومن سأل تفتحت أمامه مغاليق المعرفة [فعلم وفهم وفكر واتعظ ( آياتٌ) ثم عمل ]. كما حصر السؤالَ في المقصود حين قال " لقد كان في يوسف وإخوته" وكثرة السؤال والسائلين إثراءٌ للفكرة وتناولٌ لكل جوانبها ، فيجَلّيها ويبرزها واضحة يُستفاد منها .
لقد أخطأ إخوة يوسف في أمور كثيرة نجملها فيما يلي :

1- استنكروا أن يكون حب أبيهم لأخوَيهما الصغيرين واضحاً أكثر من حبه لهم ، ونسوا أن الأب لا يفرق بين أبنائه في حبه إياهم إلا إذا وجد بينهم بارد الإحساس أو ضعيف المروءة او الأناني غير المبالي بأبويه ولا بإخوته .

2- إن إظهار الحب للصغار لا يعني إفرادهم بالحب أو تقديمهم على إخوتهم . وقديماً سُئل حكيم: أيُّ أولادك أحبُّ إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر ، والمريضُ حتى يشفى ، والغائبُ حتى يعود. ويوسف وأخوه بنيامين أصغر أولاده الاثني عشر ، فهذان طفلان أو قريبان من الطفولة وأولئك شباب ورجال. ومن العادات الإيجابية أن يحب الكبار إخوتهم الصغار ويعطفوا عليهم ويكونوا لهم آباء ، لا أن يتخذوهم أعداء أو يغاروا منهم . وما يفعل ذلك إلا ضعيف العقل ضيّقُ الصدر .

3- كما أن الآباء الذين بذلوا حياتهم وأموالهم وجهدهم في سبيل أبنائهم لا يفعلون ذلك ليقوم الأبناء – حصراً – برد الجميل لهم ، فهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها لتعمر الأرض إلى يوم القيامة. وإن فعل الأبناء ذلك فردوا بعض الجميل فهذا يُحسب لهم في صحائف أعمالهم وينالون الخير في الدنيا والآخرة . أما أن يفضل الآباء أبناءهم الكبار على صغارهم لأن الكبار ينصرونهم فهذا ضعف في تفكير إخوة يوسف حين قالوا " ونحن عصبة " وكأن على الأب أن يحب الكبار ويقدمهم لأنهم يدافعون عنه وينصرونه ويعملون بين يديه وهم عشرة ( عصبة ) ويوسف وأخوه اثنان فقط! وهما صغيران لا يستفيد منهما استفادته منهم.

4- وحين يستعملون أسلوب التفضيل ( أحبّ) فهذا يعني أنه يحبهم ابتداءً ، وليس هذا إنكارَهم إنما هم يريدون الحب لهم وحدهم أو يريدون أن يكون الحب الكبير لهم ، وهذا ضعف أيضاً في النفس ونوعٌ من الأنانية ما كان ينبغي ان يكون فيهم.

5- وتزداد وتيرة الأنانية حين يصفون أباهم بالضلال . والمقصود بالضلال هنا : البعد عن التصرف السويّ ومجانبةُ الصواب ، فإنهم يسيئون إلى أبيهم النبي الكريم ذي الخصال الحميدة والشمائل الرفيعة ، وتراهم يصفونه مرة أخرى بما لا يليق حين يأسف على يوسف ويكثر من ذكره بعد سنوات طوال من غيابه فيقولون له " تالله إنك لفي ضلالك القديم" وما الضلال القديم إلا ضعف العقل وسوء التصرف ، وهذا ياخذنا بعيداً قليلاً ، فما نزال في السورة نفسها حين وصفت النسوة زوجة العزيز بضعف النفس وسوء الاختيار حين أحبت خادمها ، وكان لها أن تحب نبيلاً من النبلاء لا خادماً يباع ويُشترى " امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً ، إنا لنراها في ضلال مبين " فضلالُها عندهنَّ مراودةُ الخادم . ولو انها راودت أحد كبار القوم عن نفسه لما كانت – في زعمهنّ- ضالة !.

6- قد يتنافس رجلا أعمال في مصنعين لهما ينتجان مادة واحدة فتكون الغلبة لأحدهما بسبب جودة مادّته وانخفاض سعرها مع جودتها ، أو قد تكون معاملة هذا الرجل لزبائنه أوثق وأصدق ، فيغار الثاني منه وبدل أن ينافسه في الجَودة والمعاملة الطيبة يكيد له جهرة وفي الخفاء ليقتلعه أو يطيح به. وقد تجد مُدَرّسَين في معهد أحدهما أكثر علماً من الآخر وأحسن خلقاً يحبه طلابه لأنه يبذل لهم وقته وحبَّه ويرغبون به ، أما الآخر فإنك تجده بدل أن ينافس زميله بهاتين الصفتين يكيد له عند مرؤوسيه ليبعده عن المدرسة . وهذا الكيد ما فعله إخوة يوسف حين تجدهم يتآمرون عليه فيقترحون قتله أو بيعه لقوم غرباء يذهبون به بعيداً. وقد تتساءل : أعَدِموا الحب الأخوي وركبهم شيطانُهم فأنساهم أنفسهم حين اقترحوا طريقة التخلص القاسية من أخيهم ، وهل يخطر ببال من في قلبه ذرة من خلُق وحب وإيمان أن يفكر هذا التفكير وينفذ هذا القرار؟!. هذا ما لا يفعله الغريب بالغريب ، فكيف نجده في قلوب الإخوة لأخيهم؟

7- وهو في تدبيرهم هذا نسوا أنهم يغرسون خنجر الألم والحزن الدائم في قلب أبيهم ،ومن يؤذ أباه فما أحبَّه ، ومن آذى أباه فلن يجد منه صافيَ المودة ، ولن يأمن له. ولسوف يخسرون ثقته ويطوّحون بمصالحهم التي حرصوا عليها وأساءوا في حفاظها. وماذا يستفيدون من خلوّ وجهه لهم وهو يتهمهم بأخيهم ليل نهار؟

8- كثير من ضعاف العقل والإيمان يسرقون وينهبون ثم يتوبون ! ويقصدون بتوبتهم الانتهاء عن السلب والنهب والسرقة والغصب حين يجدون بين أيديهم أموالاً لا تأكلها النيران . فهل هذه توبة ؟ ام إن سبيل التوبة يتجلى في أن يعيد ما سرقه واغتصبه إلى أصحابه ويعتذر إليهم ويستغفر الله مما جنت يداه؟ فكيف يقولون " وتكونوا من بعده قوماً صالحين "؟!

قس على هذا الامورَ المشابهةَ كلها . هؤلاء يذكروننا بـ ( الميكيافيلية) القديمة والحديثة .. إن من تسول له نفسه الإساءة إلى أخيه قتلاً أو إيذاء ليصل إلى هدف رخيص ما هو إلا شيطان مريد يغش نفسه قبل أن يغش غيره ، ولسوف يعود إلى فعلته الدنيئة كلما احتاج إليها ، وما أكثر هؤلاء في عالمنا الرديء اليوم ... لا تُبنى دعائم الخير إلا نقية من الرجس طاهرة من المفاسد كلها .

إنه موقف استرعى انتباهي وأحببت أن أقدمه للقارئ لعل فيه فائدة في حياتنا تعلمنا أن الخير لا ينبغي أن يُداخله السوء .


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×