اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين

المشاركات التي تم ترشيحها

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين (من تجارب الشيخ )

الإنسان كلما كمل في عقله, استفاد من تجارب غيره, فصاحب التجربة قد يكون عنده علم ومعرفة في أمرٍ من الأمور أكثر من المتخصص فيه, وتجارب الآخرين زاد لكل من يريد أن يزيد في معرفته وعلمه.

والإنسان يستفيد من كل من سبقه في شيءٍ, ولو كان عدوه, فالرسول عليه الصلاة والسلام استدل بفعل فارس والروم في عدم النهي عن الغِيلة, فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن جذامة بنت وهب الأسدية رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: ( لقد هممتُ أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك, فلا يضر أولادهم ) [أخرجه مسلم] والغِيلة: وطء المُرضع, قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: في هذه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يستدل بفعل الكفار في الأمور العادية والطبيعية, وما أشبه ذلك, وأن التأسي بهم والنظر في حالهم في مثل هذه الأمور لا بأس بها, لأن هذا ليس من أزيائهم, وليس من حُلاَهم, كما نأخذ مثلاً بما عندهم من علم الطب وغيره, فهذا مثله.

ومن كان عنده تجارب فينبغي أن يقدمها لغيره ليستفيدوا منها, فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام عندما مر به نبينا محمد صلى الله وسلم في حادثة الإسراء والمعراج, بعد أن فرض الله جل جلاله علي أمته خمسين صلاة, سأله عليه السلام: ما فرض الله على أمتك؟ فأجابه عليه السلام: فَرَضَ خمسين صلاة, فقال له موسى عليه السلام: إني قد جربتُ الناس قبلك, وإني عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة, وإن أمتك لن يطيقوا ذلك, فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنه.

فكليم الله ونبيه موسى عليه السلام أخبر بتجربته مع بني إسرائيل, وخليل الله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام استفاد من تلك التجربة, وسأل الله الكريم التخفيف عن أمته في عدد الصلوات المفروضة كل يوم حتى صارت خمس صلوات, فجزاهما الله خير الجزاء, ففعلهما كان من باب الشفقة والرحمة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فالحري بكل مسلم أن يقدم تجاربه لغيره, وعلى من بُذلت له أن يقلبها ويعمل بها ما كانت تجربة نافعة, تجلب خيراً, أو تدفع شراً.

والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى له تجارب في طلب العلم, وفي التعامل مع الناس, وفي غيرها من شئون الحياة, وهو كعادته رحمه الله لا يترك فرصة تأتي فيها مناسبة إلا ويذكر فيها ما ينفع إخوانه المسلمين, ومن ذلك: أنه كان يذكر رحمه الله تجاربه وما مرّ عليه من تجارب, إذا جاءت مناسبة لذلك في دروسه ومحاضراته, لكي يستفيد منها غيره, وهو يؤكد على ما يذكر من تجارب بقوله: نحن جربنا بأنفسنا, وهذا شيء مجرب, وجرب تجد.

وقد يسّر الله الكريم جمع شيءٍ منها, أسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها وناشرها.

 

القرآن الكريم شفاء للأمراض الحسية ولعسر الولادة

قال الشيخ رحمه الله: القرآن شفاء للأجسام دعنا من أمراض القلوب فهي أمراض خفية تُداوى بهذا الوحي العظيم لكن حتى الأمراض الحسِّيَّة فإنها تُداوى بهذا الوحي العظيم.

نزل قوم بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم في سرية على قوم من الناس, ولكن هؤلاء الذين نزلوا بهم لم يضيقوهم, فتنحى الصحابة ناحية, فبعث الله عقرباً شديدة اللسع, فلدغت سيدهم فتعب منها, فطلبوا راقياً ليرقيه, فقالوا: لعل مع هؤلاء القوم راقياً, فجاءوا إلى الصحابة وقالوا: إن سيدهم لُدغ فهل عندكم من راقٍ؟ قالوا: نعم, عندنا من يرقي, ولكن هل لديكم من جعل؟ أي: عوض, قالوا: نعم, لكم هذا القطيع من الغنم, أنجوا صاحبنا, فذهب أحد القوم, وجعل يقرأ على هذا اللديغ بفاتحة الكتاب: {الحمد لله رب العالمين} قرأها عليه فقام حتى كأنما نُشِطَ من عقالٍ, يعني: كأنه بعير فُكَّ عقالُه, أي انبعث نشيطاً لقراءة الفاتحة عليه....

وهذا شيء مُجرَّب, ولكن لا ينفع إلا من آمن بذلك من قارئ ومقروءٍ عليه, فإذا كان القارئ مؤمناً والمقروء عليه مؤمناً بفائدة هذا القرآن, انتفع به المريض, أما إذا كان يقرأ على سبيل الشَّكِّ والتجربة, فإنه لا ينفع.

القرآن شفاء حتى للإمراض الحسية, كما في هذا المثال, وكما جُرِّب أن يكتب على الحزا –قروح وبثرات تظهرُ في القدم أو في اليد أو في الذراع– يُكتبُ عليها {فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت} [البقرة:266] إذا كتبت هذه الآية عليها مرة أو مرتين, زالت – بإذن الله- نهائياً, ولو وضعت عليها كل دواء من الأدوية المعروفة ما نفع, لكن اكتب عليها هذه الآية تزُل, وهذا شيء مُجرَّب.

 

في عسر الولادة تعسر الولادة على المرأة أحياناً, اقرأ في ماء, أو اكتب بزعفران على جدران الإناء الآيات التي فيها أن الله سبحانه وتعالى مُعتن بالحمل, مثل: {الله يعلم ما تحمل كل أُنثى وما تغيض الأرحامُ وما تزاد وكُلُّ شيءٍ عنده بمقدار} [الرعد:8] ومثل: {وما تحمل من أُنثى ولا تضعُ إلا بعلمه} [فاطر:11] ومثل: {إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها} [الزلزلة:1-2] وما أشبه ذلك من الآيات, ثم تشربها المرأة التي عسُرت ولادتها, وتمسح ما حول المكان, وبإذن الله يسهُل خُروج الحمل, لكن كما قلت: المسألة تحتاجُ إلى إيمان من القارئ والمقروء عليه.

قال جامعه: لا يستغرب ما قاله الشيخ رحمه الله من أن القرآن الكريم كلام رب العالمين شفاء للأمراض الحسية, قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه, وقال: شفاء القرآن لا يُناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية.

وقد أورد ابن القيم في كتابه القيم " زاد المعاد في هدى خير العباد " في الجزء الرابع صفحة: 357, من الطبعة الرابعة عشر لمؤسسة الرسالة آثاراً عن بعض السلف أنهم يكتبون آيات من القرآن لعسر الولادة.

 

طلب حكم مسألة من المسائل

قال الشيخ رحمه الله: والعجيب أني أحياناً وهذا عن نفسي أطلب حُكم مسألةٍ من المسائل, فيما عندي من كتب الفقهاء, وفيما أعرفه من السنة, ولا أجدها, ثم أتأمل في آية من القرآن توحي بحكم هذه المسألة, فإذا تأملت وجدت الحكم في القرآن, فيطمئن الإنسان إلى القرآن {تبياناً لكُل شيءٍ} وهداية لكل حائر, وقال في [فتا:26/416]: نحن جربنا بأنفسنا فأحياناً تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجدها لها حكماً, ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم , وجدناه قريبة يتناولها اللفظ بعمومه, أم بمفهومه, أو بإشارته, أو بلازمة, أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة.

 

حبس النفس على طلب العلم

قال الشيخ رحمه الله في: العلم يحتاج إلى تعب...الذي يريد أن يستريح لا يقول: إنه طالب علم, فلا بد لطالب العلم أن يكون طالب علم على سبيل الحقيقة, وسيجد أثر ذلك فيما بعد, سيجد النتيجة والتحصيل, وهو قد يشق عليه في أول الأمر أن يحبس نفسه على العلم, لكن إذا اعتاد حبس نفسه على العلم صار ذلك سجية له وطبيعة له, حتى إنه إذا فقد ذلك الحبس انحبس, وجرِّب تَجِد, فأنا قد جربت وغيري قد جرب, فإذا حبست نفسك على العلم فإنك تفقد ذلك الحبس لو تأخرت عنه...فالله الله على الحرص على طلب العلم...الذي يريد العلم لا بُدَّ أن يُكبَّ عليه وأن يجتهد, وهو وأن أتعب جسمه الآن سيجد الراحة فيما بعد.

 

قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله

قال الشيخ رحمه الله: أنا أنصح إخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام رحمه الله وابن القيم..وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبدالرحمن بن سعدي لأنه رحمه الله انتفع بكتب الشيخين انتفاعاً كبيراً, ونحن انتفعنا بهما والحمد لله, فنشير على كل طالب علم أن يقرأهما وينتفع بهما.

 

أبرك العلم ما كان في المساجد

قال الشيخ رحمه الله: العلم لا يقتصر طلبه في الحضور إلى الكليات ودراسة موادها, بل إن من أبرك العلم تحصيلاً وتأثيراً في النفس وفي العمل والمنهج هو ما يحصل في المساجد, فما أبرك علم المساجد لأن المساجد فيها خير وبركة, ولذلك أنا أقول لكم عن نفسي: إن العلم الحقيقي الذي أدركته هو العلم الذي قرأته على المشايخ, وإن كنت استفدت من الجامعة في فنون أخرى, لكن العلم الراسخ المبارك هو ما يدركه الإنسان عند المشايخ...ولذلك أنا أحثُّ الطلاب على ألا يقتصروا على مواد الجامعة إذا كان لديهم وقت وقدرة.

 

 

أهمية معرفة الأصول والقواعد والضوابط

قال الشيخ رحمه الله: لا بد من معرفة الأصول والقواعد, ومن لم يعرف الأصول حرم الوصول, وكثير من طلبة العلم تجده بحفظ مسائل كثيرة, لكن ليس عنده أصل, لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاً, لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله, ولهذا فأنا أحثُّ إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة, وهذا شيء جربناه, وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم

 

الخير في كلام السابقين

قال الشيخ رحمه الله: من خلال طلبي للعلم وجدت كل الخير في كلام من سلف, ولهذا تجد العلماء السابقين يتكلم أحدهم بنحو سطرين أو ثلاثة فتحصل منها على خير كثير.

 

أهمية الحفظ

قال الشيخ رحمه الله: قد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا, فقالوا لنا: " إن الحفظ لا فائدة فيه, وأن المعنى هو الأصل, ولكن الحمد الله أنه أنقذنا من هذه الفكرة, وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد, وعلى هذا فلا يستهان بالحفظ, فالحفظ هو الأصل, ولعل أحداً منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة, فالحفظ مهم لطالب العلم, حتى وإن كان فيه صعوبة.

وقال رحمه الله: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن.. ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الأولى: سهولة الحفظ, الفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه.

 

ترتيب الوقت

قال الشيخ رحمه الله: عدم ترتيب الإنسان لوقته مضيعة, ولهذا أنا أدعو الجميع أن يجعلوا أوقاتهم مرتبة, ومعنى مرتبة يعني مثلاً أن تقول: اليوم عملي كذا, وفي الصباح عملي كذا, وفي المساء عملي كذا, حتى لا تضيع عليك الأوقات...وأنا جربت هذا وهذا, جربت على أني كلما طرأ عليَّ شيء فعلته, أو أني أرتب وقتي, فوجدت أن الأخير أحسن وأنفع ويستفيد الإنسان من الوقت

 

الذنب قد يكون سبباً لصقل القلب وتطهيره

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان قد يكون الذنب له بمنزلة صقل الثوب وغسله, حيث يخجل من الله عز وجل, ويرى الذنب أمام عينيه, ويجد نفسه مستحيياً من الله تبارك وتعالى فينيب إليه, ويزداد رغبة في الوصول إلى مرضاته..وجرب هذا تجد, إذ أذنبت ذنباً وجدت نفسك منكسرة منهزمة أمام الله عز وجل فتكثر من العمل الصالح وتزاد رغبة فيما عند الله عز وجل, فيكون هذا الذنب سبباً لصقل القلب وتطهيره, ويكون الإنسان بعد التوبة خيراً منه قبل التوبة.

 

الاستغفار من أسباب إصابة الصواب

قال الشيخ رحمه الله: الاستغفار من أسباب إصابة الصواب بدليل قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً * واستغفر الله إن الله كان غفوراً رحيماً} [سورة النساء/105-106] ولهذا فإن بعض أهل العلم إذا عرضت عليه مسألة من المسائل استغفر الله قبل أن يفتى فيها لأن المعاصي تحول بين العبد والتوفيق فإذا استغفر الإنسان ربه بقلب صادق زال هذا المانعُ, وجرِّب تَجِد

 

إحياء الوقت بالدعاء عند قراءة آية وعد أو وعيد

قال الشيخ رحمه الله: أقرا القرآن ولا شك سيمُر بك في القرآن آياتُ وعيدٍ وآيات وعدٍ وآيات ترغيبٍ وآيات ترهيبٍ وكُلما مرت بك آيةُ وعدٍ أو ثوابٍ ادعُ الله وكلما مر بك آيةُ وعيدٍ وترهيبٍ استعذ بالله وبهذا تحيي الوقت بذكرٍ ودُعاءٍ وجرِّب تجد.

 

من صلى وقلبه صاف وجد شيئاً لا يخطر على البال

قال الشيخ رحمه الله: محبة الله لا يشبهها شيء وجرِّب تجد, اجعل قلبك صافياً يوماً من الدهر وصلِّ وكن متصلاً بالله في صلاتك تجد شيئاً لا يخطر بالبال وتجد شيئاً يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلاً بربك عز وجل.

وقال الشيخ رحمه الله: جرب تجد, إذا صليت الصلاة الحقيقية التي يحضر بها قلبك وتخشع جوارحك تحس بأن قلبك استنار وتلتذ بذلك غاية الالتذاد.

 

 

ملء البطن غير محمود

قال الشيخ رحمه الله: ملء البطن.. غير محمود, لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( حسب الآدمي لقيمات يُقمن صلبه, فإن غلبت الآدمي نفسه فثلث للطعام, وثلث للشراب, وثلث للنفس ) وهذا هو الموافق للطب تماماً, وجرب تجد الراحة وعدم المشقة, وتأتي الوجبة الثانية وأنت تشتهيها تماماً.

 

الاستشفاء بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم يدحر الشيطان

قال الشيخ رحمه الله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها, ما لم تعمل أو تتكلم ) هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى أن ما يُفكر فيه الإنسانُ إذا لم يركن إليه ويُثبِته فإنه لا يؤاخذ به مهما عظًم, لكن إذا ألقى الشيطان في قلبك مثل هذه الوساوس الشديدة فما موقفك؟ نقول: إن موقفك أن تستشفي بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بأمرين: الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

الثاني: الانتهاء والإعراض عن هذا الذي وقع في قلبك

وإذا مارست هذا العمل فإن الشيطان يندحر ثم لا يعود إليك مرة أخرى وجرب تجد.

 

 

من تأمُّل القرآن فتح الله له معاني لا تخطُر له على البال وزاد إيمانه وانشرح صدره

- قال الشيخ رحمه الله: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد فتح عليك, وكان عندك نية وقصد صحيح في معرفة المعنى, فكل قراءة تقرؤها يتضح لك بها معنى غير الأول, وجرب تجد فهذا الشيء معلوم لكن هذا لمن علم الله منه صدق الطلب في معرفة المعنى

وقال رحمه الله: أنا أدعوكم ونفسي إلى أن يتأمل الإنسان دائماً في القرآن...وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها, ولا تخطُر له على البال, قال الله عز وجل: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر} [القمر:17] وجرب تجد لأن القرآن تبيان لكل شيءٍ وهذا كلام الله عنه والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكل شيءٍ هو عدم إقبالنا على القرآن والتأمل فيه والتفكر فيه وإلا لو أننا تأملناه لوجدناه تبياناً لكل شيءٍ.

وقال رحمه الله: القرآن كتاب هادٍ في العقيدة وفي السلوك وفي العبادة وفي المعاملات, وفي كل شيءٍ... ولهذا أنا أحثكم ونفسي على الحرص التام على القرآن تلاوةً وتدبراً وعملاً به, وجرب نفسك, ارجع للقرآن في هذه الأمور, وانظر ماذا يحصلُ لقلبك من الإيمان وانشراح الصدر ونور القلب ونور الوجه, هذا شيء مُجرَّب.

 

قوة الإيمان وأثرها في الانتفاع بالقرآن, والأمن والاستقرار

قال الشيخ رحمه الله: كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالله, كان القرآن أنفع له, في شفاء مرض القلب, وفي نور القلب, وفي انشراح الصدر, وفي طمأنينة القلب, وجرِّب تجد.

وقال الشيخ رحمه الله: كلما كان الإنسان أشد إيماناً بالله وأشد توحيداً له كان أشد أمناً واستقراراً, وهذا شيء مجرب.

 

كلما قويت المحبة قوي التأثر

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان كلما امتلأ قلبه من محبة شخص قلده وقد كان خطي جميلاً في الأول ثم لمحبتي لشيخي عبدالرحمن بن سعدي رحمه الله صرت أقلِّده أي أني جعلت خطِّي رديئاً تقليداً له لمحبَّتي له ثم لما رأيت أن الناس لا يستطيعون قراءة خطي قلَّدت خطّاً أحسن, وهذا شيء مجرَّب كلما قويت المحبة قوي التأثر.

 

بذل الشيء ولا سيما المال يشرح الصدر

قال الشيخ رحمه الله: فوائد الزكاة الفردية والاجتماعية...الرابعة: أنها تشرح الصدر, فالإنسان إذا بذل الشيء, ولا سيما المال, يجد في نفسه انشراحاً, وهذا شيء مجرب, ولكن بشرط أن يكون بذله بسخاء وطيب نفس.

وقال: في الصدقة دفع حاجة الفقراء, والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء, وأنها من أسباب انشراح الصدر, وجرب تجد.

 

 

الوقت المناسب للحفظ

قال الشيخ رحمه الله: أما الوقت فأحسن ما يكون في أول النهار إذا صليت الفجر أن تقرأ القرآن لتحفظه.

 

الوقت المناسب للمراجعة

قال الشيخ رحمه الله: أحسن ما رأيت في العلم أن الإنسان إذا حفظ شيئاً اليوم يقرؤه مبكراً في صباح اليوم التالي, فإن هذا مما يعين كثيراً على حفظ ما حفظه في اليوم, وهذا شيء فعلته فكان مما يعين على الحفظ الجيد

 

الفراغ وتوارد الوساوس

قال الشيخ رحمه الله: التخيلات التي تقع لكثير من الناس لها عدة أسباب, والله أعلم:

السبب الثاني: الفراغ, والفراغ قتَّال, وما أكثر الفراغ عندنا ! الفراغُ في شبابنا, وفي فتياتنا, وفي كبارنا, فراغ قاتل, ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة, والفراغ).

والإنسان إذا فرغ, ولم يكن عنده عمل يُحركُ به جسمه, ويُحركُ به عقله, ويُحركُ به فكره, توالت عليه الهموم, وجرب تجد, اشتغل في علم, في مال, في صنعة, فلن ترى هذه الوساوس, اترك العمل فستتوالي وتتوارد عليك الوساوس.

 

كتب الشيخ رحمه الله التي تم الرجوع إليها:

تفسير سورة آل عمران

تفسير سورة الفرقان

تفسير سورة الأحزاب

تفسير سورة الزخرف

التعليق على صحيح مسلم

التعليق على المنتقي من أخبار لمصطفى صلى الله عليه وسلم

فتح ذي الجلال الإكرام بشرح بلوغ المرام

شرح الأربعين النووية

شرح الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

الشرح الممتع على زاد المستقنع

مجموع فتاوى ورسائل الشيخ/ جمع وترتيب الشيخ فهد السليمان

اللقاءات الشهرية

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

العقل والذكاء (فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين رحمه الله)

 

العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله له كلام عن العقل والذكاء في عددٍ من مصنفاته، جمعت ما يسَّر الله لي منه، أسأل الله الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

 

العقل

فضيلة العقل والثناء عليه:

قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 76]، قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية: الثناء على العقل والحكمة؛ لأن قولهم: ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ لهم على هذا الفعل.

 

وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269]؛ قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية: فضيلة العقل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾؛ لأن التذكر بلا شك يُحمَد عليه الإنسان، فإذا كان لا يقع إلا من صاحب العقل، دلَّ ذلك على فضيلة العقل، وقال رحمه الله: العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 35]، قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: فائدة العقل، فإذا أُوتي الإنسان عقلًا، فإن هذا من نعمة الله عليه.

 

الحثُّ على التعقل:

وقال الله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ [يس: 68]؛ قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: الحث على التعقل والتفكر، وحسن التصرف؛ حتى يكون الإنسان من العقلاء.

 

العقل غزيرة ومكتسب:

قال الشيخ رحمه الله: العقل غزيرة يخلقه الله عز وجل في الإنسان، ولكن مع ذلك يكون بالاكتساب، وكم من إنسان ترقَّى في العقل، حتى وصل إلى درجة لا يبلغها أقرانه بسبب ممارسته وتنمية عقله.

 

مكان العقل:

قال الشيخ رحمه الله: القلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر؛ لقول الله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، وبهذا القلب يكون العقل؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46]، وبناءً على هذه الأدلة يتبيَّن أن العقل في القلب وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا، هل العقل في الدماغ، أو العقل في القلب؟ والذي دلَّ عليه القرآن أنه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالق عز وجل أعلم بما خلق، فالعقل بالقلب، لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير، ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ، فالمخ يتصور ويعقِل، وهو بمنزلة المترجم للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يبلغ الأوامر الدماغ، ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسة، والذي يتصور ويدرك، وفيه عقل الإدراك هو الدماغ، وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد، فهو عقل القلب.

 

وحينئذ يزول الإشكال، وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي محله هو الدماغ، والعقل التصرفي الإرشادي الذي به الرشاد والفساد، هو القلب.

 

تمام العقل:

قال الشيخ رحمه الله: تمام العقل عند تمام الأربعين: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ﴾ [القصص: 14]؛ أي: كمل، قال العلماء: أي بلغ الأربعين؛ لأنه قبل الأربعين لم ينضج النُّضج الكامل.

 

العقل: عقلان:

قال الشيخ رحمه الله: العقل عقلان: عقل إدراك، وعقل تصرف، فعقل الإدراك هو الذي يترتب عليه التكليف، ويكون في المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأما عقل التصرف، فهو ما يحصل به الرشد، وهو حُسن التصرف في أفعال الإنسان وأقواله، وهذا خاص بمن آتاه الله الحكمة؛ كما قال تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 269]، وقال رحمه الله: عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه، يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل.

 

لا ينتفع بالقرآن الكريم إلا أصحاب العقول:

قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7]؛ قال الشيخ رحمه الله: أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب؛ أي: إلا أصحاب العقول، فلا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، وكلما ازداد الإنسان عقلًا، ازداد تذكرًا بكلام الله عز وجل، وكلما نقص تذكُّره بالقرآن، دلَّ على نقص عقله؛ لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب، فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عمَّن ليس عنده لُبٌّ.

 

من خصال الإنسان العاقل:

من حملة القرآن الكريم العاملين به:

عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم عيينة بن حفن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القرء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا، قال الشيخ رحمه الله: كان أصحاب مجالس عمر هم القُرَّاء؛ أي: حملة القرآن؛ لأنهم هم أصحاب العقل وأصحاب الهداية.

 

يُكثرُ من ذكر الله عز وجل:

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان العاقل الحازم المؤمن لا يزال يذكُر الله سبحانه وتعالى؛ لأن في كل شيء من مخلوقاته آية تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى، وعلى حكمته.

 

مُطيع لله عز وجل:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 18]؛ قال الشيخ رحمه الله: أعقل الناس أطوعُهم لله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾.

 

ينظر إلى نتائج عمله قبل الإقدام عليه:

قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للإنسان أن يكون عاقلًا، ما يخطو خطوة إلا وقد عرف أين يضع قدمه، ولا يتكلم إلا وينظر ما النتيجة من الكلام، ولا يفعل إلا وينظر ما النتيجة من الفعل، وقال رحمه: العاقل لا يتصرف إلا بما يراه مفيدًا وحكمةً.

 

يستخدم القياس:

قال الشيخ رحمه الله: العاقل يقيس الغائب على الشاهد، والمستقبل على الحاضر، ويتبيَّن له الأمر.

 

يعتني دائمًا بقلبه:

قال الشيخ رحمه الله: العاقل المؤمن هو الذي يكون دائمًا في نظر إلى قلبه ومرضه وصحَّته وسلامته وعطَبِه، فمرض القلب أخطر من مرض البدن بكثير، والعاقل يعتني بهذا عناية أشد، وقال رحمه الله: الذي ينبغي للعاقل أن يهتم بتنعيم قلبه، ونعيم القلب الإنسان بالفطرة، وهي التزام دين الله عز وجل.

 

لا يستمع إلى النمام ويحذَر منه:

قال الشيخ رحمه الله: العاقل إذا نقل إليه أحد شيئًا عن شخص، فإنه يستحضر آية من القرآن وتكفيه، وهي قوله عز وجل: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 10، 11].

 

يصبر على ما يصيبه:

قال الشيخ رحمه الله: قال بعض السلف: العاقلُ يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.

 

وقال رحمه الله: الذي ينبغي للإنسان العاقل ألا يستخفنَّه أولئك القوم الذين لا يؤمنون بما وعد الله به الصابرين، ولا يهمه كلام الناس حتى يحقِّق الله له ما وعده.

 

وقال رحمه الله: لا ينبغي للإنسان أن يكثر الشكاية، بل يصبر ويحتسب، ولا يكون كالمرأة، كلما جاءه شيء جاء يشكو، هذا غلط، فالإنسان العاقل الرجل الحازم يتصبَّر.

 

يتأنى ولا يستعجل:

قال الشيخ رحمه الله: كون الإنسان يتأنى ولا يرُدُّ الشيء إلا بعد أن يتبيَّن فيه الخطأ، لا شكَّ أن هذا من العقل ومن الشرع.

 

يتجنب القهقهة:

قال الشيخ رحمه الله: الضحك ثلاثة أنواع: ابتدائي ووسط وانتهائي، الابتدائي التبسم، والوسط الضحك، والمنتهى القهقهة، والقهقهة لا تليق بالإنسان العاقل الرزين، والتبسم هو أكثر ضحك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والضحك يكون من الأنبياء أحيانًا.

 

جلساء الإنسان ينبغي أن يكونوا من العقلاء:

قال الشيخ رحمه الله: كان الحر بن قيس من أصحاب عمر رضي الله عنه؛ لأنه كان عاقلًا حليمًا وذكيًّا، وهذا مما يدلُّك على أن عمر رضي الله عنه لا يختار لمجالسه إلا العقلاء.

 

من لم ينتفع بعقله فوجوده كعدمه:

قال الشيخ رحمه الله: الله تعالى قد ينفي الشيء لانتفاء ثمرته وفائدته، وهذا واقع في الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى في آيات كثيرة: وأكثرهم لا يعقلون، وهم عندهم علم، وعندهم عقل، ولكن لما لم ينتفعوا به، صار وجوده كعدمه.

 

من قدم العقل على السمع فهو مشابه لإبليس متبع لخطواته:

قال الشيخ رحمه الله: من قدم العقل على السمع، فإنما هو متبع لخطوات الشيطان؛ لأن الشيطان قدَّم ما يدعي أنه عقل على السمع، فأخطأ في ذلك، فهكذا كل من قدم العقل على السمع، سواء في العلميات - وهي علم العقائد - أو في العمليات، فإنه مشابه لإبليس، متبع لخطواته.

 

لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال ولا ينبغي الاعتماد عليه وإهمال النص:

قال الشيخ رحمه الله: لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غلا فيه حتى قدَّمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء من أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدَعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، لكنهم ينظرون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفي صفة أثبتها الله لنفسه بشبهة عقلية، فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل.

 

الطرف الثاني: من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وهذا مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيًّا، وقالوا: لا يمكن أن نرجع للعقل في شيء.

 

ومن الناس من هم وسط: رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع، فإن الله تعالى يُحيل عليه في مسائل كثيرة؛ مثل:

﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، ومثل هذه الآية: ﴿ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 65]، واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها، استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تمامًا، وقال رحمه الله: وأما المعتزلة، فهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله من أعظم الناس كلامًا وجدلًا؛ لأنهم دائمًا يرجعون إلى العقل، ولا يعبؤون بالنصوص إطلاقًا، حتى فيما لا تدركه العقول يحكِّمون العقل، والقاعدة عندهم في الصفات يقولون: إن ما أثبته العقل فهو ثابت، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة، أو لم يكن موجودًا، وما نفاه العقل فهو منفي، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة، أم لا، وهم يجادلون في هذا جدالًا عظيمًا.

 

العقل السليم والعقل الفاسد:

قال رحمه الله: العقل السليم الذي ليس فيه شبهات وليس فيه شهوات، وأما العقل الذي استولت عليه الشُّبهات أو الشهوات، فهذا عقل فاسد لا يحكم بشيء.

 

وقال رحمه الله: العقل الصريح هو الذي ليس فيه شبة، ولا عنده إرادة سيئة، يعني أنه عقل مبني على علمٍ وعلى إرادة حسنة.

 

عقول المتكلمين مريضة:

قال الشيخ رحمه الله: عقول المتكلمين الذين نهلوا من الفلاسفة، وحكَّموا عقولهم على الكتاب والسنة، عقولهم مريضة؛ لأنها أوهام، ولأن العقل يقتضي أن يقبل ما جاء من أمور الغيب على ظاهره، أمر غيبي ليس لنا فيه دخل، ولا نستطيع أن ندركه، فنرجع إلى الكتاب والسنة، ولا نتعدى هذا.

 

وهمٌ يدعونه عقلًا:

قال الشيخ رحمه الله: علم الكلام هو علم جدل فقط، يُريدون أن يحولوا العلم المبني على الكتاب والسنة إلى علم مبني على ما يدعونه عقلًا، ومع هذا فالذي يدعونه عقلًا هو في الحقيقة وهمٌ لا عقل.

 

المؤمن يؤمن بما أخبر الله أدركه عقله أم لم يدركه:

قال رحمه الله: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به، سواء أدركه عقله، أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله، لم يكن مؤمنًا حقًّا، فكل ما أخبر الله به يجب أن نؤمن به ولا نعترض، سواء أدركناه بعقولنا، أم لم ندركه.

 

لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول:

قال الشيخ رحمه الله: لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، هذه قاعدة خذها مضطردة، فإن وجدت ما ينافيه، فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين، ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت إخفاء الحق عليك، أو شهوات انطمس بها -نسأل الله العافية - وإما أن يكون النص غير صحيح يكون حديثًا ضعيفًا، أو مكذوبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات، ونقل صحيح، فلا يمكن أن يتناقضا أبدًا، وقال رحمه الله: وإذا شئتم أن يتبين لكم هذا فاقرؤوا كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - إن أطقتُموه - المسمى بكتاب العقل والنقل، أو موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وقال رحمه الله: الذي دمر هؤلاء وقوَّض عُقولهم - أنهم صاروا يعتمدون على العقل قبل أن ينظروا في النصوص، ولو أنهم نظروا في النصوص أولًا، ثم أجروها على العقل، لعلموا علم اليقين أن النقل موافق للعقل.

 

العقل يُحسِّنُ ويُقبَّحُ لكنه لا يُوجبُ ولا يُحرِّم:

قال الشيخ رحمه الله: العقلُ يُحسِّنُ ويُقبِّحُ، لكنهُ لا يُوجِبُ ولا يُحرِّمُ، فالإيجاب والتحريم إلى الله، أما التحسين والتقبيح فيحسن ويقبح، لكن من الأشياء ما لا يعلم حُسنه وقُبحه إلا بطريق الشرع.

 

الذكاء

الاختلاف بين العقل والذكاء:

قال الشيخ رحمه الله: الذكاء شيء، والعقل شيء آخر.

قال رحمه الله: العقل ليس هو الذكاء؛ لأن العقل نتيجته حسن التصرف، وإن لم يكن الإنسان ذكيًّا، لهذا نقول: ليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكيًّا، لكن قد يجتمعان وقد يرتفعان.

 

وقال رحمه الله: العقل ليس هو الذكاء كما قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس، ولكن العقل هو "الرشد في التصرف"، فكلما كان الإنسان أشد رشدًا وتصرفًا كان أعقل، وليس كلما كان أذكى فهو أعقل؛ لأنه قد يكون من الأذكياء مَن هو أبعد الناس عن العقل.

 

تعريف الذكاء:

قال الشيخ رحمه الله: الذكاء هو سرعة إدراك الأمور وفَهمها، وقال رحمه الله: الذكاء قوة الفِطنة.

 

الذكاء غزيري ومكتسب:

قال الشيخ رحمه الله: الذكاء غزيري، ومُكتسب، فأما الغريزي فالله تعالى يهبه من يشاء، وأما المُكتسب فهو ما يحصل بفعل الإنسان وممارسته.

 

الذكاء إذا لم يقترن بالإيمان فقد يكون سببًا للضلال:

قال الشيخ رحمه الله: لاحِظ أنه أحيانًا قد يكون الذكاء المفُرط سببًا للضلال - والعياذ بالله - لأن الرجل الذكي يُورد على نفسه أشياءَ، ويفتح على نفسه أشياءَ؛ مثل: لو كان كذا لكان كذا، ولو كان غافلًا عن هذا، لكان أحسن له، ولهذا ما ضرَّ أصحاب الكلام والمنطق والفلاسفة إلا حدَّةُ ذكائهم.

 

وقال رحمه الله: وكم من ذكي قاده الذكاء إلى النار - والعياذ بالله - وهذا شيء مُشاهد، الذكاء إذا لم يكن مُقترنًا بعقل وإيمان، فالغالب أن صاحبه يُدمر ويهلك.

 

ذكي ولكنه ليس بعاقل:

قال الشيخ رحمه الله: هرقل أسلَم، ولكنه كان ذكيًّا - والعياذ بالله - جمع بطارقته وتكلم معهم في الإسلام، فزمجروا وغضبوا غضبًا شديدًا، حتى كادوا يقتلونه، فقال لهم: اسمعوا، لم أجمعكم لهذا، ولكن جمعتكم لأنظر صلابتكم في دينكم، أعوذ بالله، ضنَّ بملكه؛ لأنه كان ذكيًّا، لكنه ليس بعاقل، فهو قد أُوتِي ذكاءً ولكنه لم يعط زكاءً والعياذ بالله، نسأل الله أن يزكي نفوسنا ونفوسكم.

 

اختبار للذكاء:

قال الشيخ رحمه الله: وهنا اختبار للذكاء: هل أمُّ إبراهيم عليه السلام مؤمنة أو غير مؤمنة؟

والجواب: أنها مؤمنة، والدليل في قول الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41]، فنهاه الله عن استغفاره لأبيه، وسكت عن استغفاره لأمِّه، إذًا هي مؤمنة.

 

هل أبوا نُوحٍ عليه السلام أعني أمه وأباه، هل هما مؤمنان أو كافران؟

الجواب: مؤمنان، والدليل على أنهما مؤمنان قول نوح عليه السلام: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [نوح: 28]، مثلُ هذا الاستنباط يحُثُّ طالب العلم على تدبُّر القرآن، والعلم كلُّ العلم في القرآن الكريم، حتى ما بيَّنته السنة من القرآن فهو من القرآن.

 

وقال الشيخ رحمه الله: لكن ما الوسائل التي تُنمي عند الإنسان مَلكةَ الاستنباط؟

الجواب: التكرار والتدبر.

 

أذكياء:

حذيفة رضي الله عنه:

قال رضي الله عنه: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وقد أخذتنا ريحٌ شديدة، وقُر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة)، فسكتنا فلم يُجبه منا أحدٌ، ثم قال: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة)، فسكتنا فلم يُجبه منا أحدٌ، فقال: (قم يا حذيفة، فأتنا بخبر القوم)، فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: (اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم عليَّ)، فلما ولَّيت من عنده، جعلتُ كأنما أمشى في حمام حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعتُ سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أَرميه، فذكرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا تذعرهم عليَّ)، ولو رميته لأصبتُه، ثم صاح أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم مَن جليسه؟ فبادرتُ الذي بجانبي وقلتُ له: من أنت؟ [أخرجه مسلم]، قال الشيخ رحمه الله: قوله: ثم صاح أبو سفيان: لينظُر كلُّ واحد منكم مَن جليسه؟ يقول: فبادرت الذي بجانبي وقلت له: من أنت؟ وهذا مما يدل على الذكاء.

 

ابن عباس رضي الله عنهما:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بتُّ في بيت ميمونة ليلة، والنبي صلى الله عليه وسلم عندها، لأنظر كيف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل؛ الحديث، قال الشيخ رحمه الله: كان ابن عباس رضي الله عنهم ذكيًّا عاقلًا حريصًا على العلم.

 

الحرُّ بن قيس:

عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم عيينة بن حفن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل! وما تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همَّ أن يقع به، فقال الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، كان وقافًا عند كتاب الله.

 

قال الشيخ رحمه الله: وأما قوله: "وما تحكم بيننا بالعدل"، فقد كذب؛ فإن عمر رضي الله عنه مضربُ المثل في العدل، وهو من أعدل الخلفاء رضي الله عنه، ولهذا حين غضب همَّ أن يقع به، ولكن ابن أخي عيينة كان ذكيًّا حليمًا، فقال: إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.

 

عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما:

قالت في حادثة الإفك: فلما قضيت شأني، أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي قد انقطع، فالتمستُ عقدي، وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت ركبتُ، وهو يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذ ذاك خفافًا، لم يُثقلهنَّ اللحم، إنما تأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدتُ عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع أو مجيب، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ؛ [متفق عليه]؛ قال الشيخ رحمه الله: في هذه الجملة من الحديث فوائدُ؛ منها: ذكاء عائشة رضي الله عنها وعقلها؛ لأنها لما جاءت وفقدت القوم، ما ذهبت تطلبهم هنا وهناك، مع أنه قد يبدو للإنسان أن الأحسن أن تلحقهم وتطلبهم، ولكنها رضي الله عنها جلست في مكانها، وعرفت أنهم سيفقدونها قطعًا، وإذا فقدوها فسيرجعون على إثرهم حتى يصلوا إلى مكانها، وهذا من فقهها وعقلها وذكائها رضي الله عنها.

 

وعندما تكلم المنافقون في عرضها رضي الله عنها في حادثة الإفك، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه)، قالت: قلت لأبي: أجِب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الحديث: ذكاء عائشة رضي الله عنها؛ لأنها طلبت من أبيها أن يجيب الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وهي بالغة الذكاء - مع كونها حديثة السن، ولا تقرأ شيئًا من القرآن.

 

أم سلمة رضي الله عنها:

عنها رضي الله عنها أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، سألوها عن صلاة الركعتين بعد العصر، فقالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما، وإنه صلى العصر، ثم دخل عليَّ وعندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فصلَّاهما، فأرسلت إليه الخادم، فقلت: قومي إلى جنبه، فقولي: تقول أم سلمة: يا رسول الله، ألم أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، فأراك تُصليهما؟! فإن أشار بيده فاستأخري، ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف قال: (يا بنت أبي أمية، سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني أُناس من عبدالقيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان؛ [أخرجه البخاري]؛ قال الشيخ رحمه الله: في الحديث من الفوائد: ذكاء أم سلمة رضي الله عنها، وهو ليس غريبًا عنها؛ حيث قالت للجارية: فإن أشار بيده فاستأخري؛ لأن الجارية قد لا تفهم ولا تعلم بهذا الأمر، فلعله يشير لها وتُلحُّ عليه، لكن لما أرشدتها بقولها: فإن أشار بيده فاستأخري، كان هذا من ذكائها رضي الله عنها.

 

أم الفضل أم عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:

عنها رضي الله عنها أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشرِبه؛ [متفق عليه]؛ قال الشيخ رحمه الله: وهذا من ذكائها رضي الله عنها أنها أرسلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا؛ لأنه لو سُئل وأجاب فمن سامع ومن غير سامع، لكن إذا كان على بعير وهو واقف، وشرب، والناس ينظرون، صار هذا أبلغ، ثُم إن الشيء إذا رُئي مكث في الذهن أكثر مما إذا سمع.

 

أم سليم رضي الله عنها:

عن أنس رضي الله عنه، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعتُ صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبتُ به، فوجدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرسلك أبو طلحة؟)، فقلتُ: نعم، قال: (بطعام؟)، فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: (قوموا)، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم؛ [متفق عليه]، قال الشيخ رحمه الله: في هذا الحديث فوائدُ؛ منها: ذكاء أم سليم رضي الله عنها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء بالناس، وقال أبو طلحة رضي الله عنه: جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، قالت: الله ورسوله أعلم، وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل أنسًا رضي الله عنه من قبل: ما الذي عندكم؟ قال: عندنا كذا وكذا، فدعا الناس، فعُلِمَ بهذا أنه سوف يكفي الناس، وهذا هو الذي حصل.

 

امرأة جابر رضي الله عنهما:

دعا جابر رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الخندق إلى طعام صنعته زوجه رضي الله عنها، وقال للرسول: فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: (كم هو؟) فذكرت له، قال: (كثير طيب، قُل لها: لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا)، فقام المهاجرون والأنصار، فدخل جابر على امرأته وقال: ويحك، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومَن معهم، قالت: هل سألك؟ قُلتُ: نعم.

 

قال الشيخ رحمه الله: وفي الحديث من الفوائد ذكاء امرأة جابر رضي الله عنها، حين قال لها: "ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار"، فقالت: "هل سألك؟"، يعني: فإن كان سألك فإنه أعلم، ما جاء بهم إلا والطعام سيكفيهم، أما لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم لكانت مشكلة.

 

ابنة شعيب التي دعت موسى عليهما السلام:

قال الله عز وجل: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ [القصص: 25].

قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: فيها دليل على ذكاء الفتاة، فهي لم تقل: إن أبي يدعوك من أجل أن يوجه إليه التهمة مثلًا، أو من أجل أن يغدر به، أو يطلبه، أو ما أشبه ذلك، لكنها قالت: ﴿ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾، وليكون ذلك أدعى إلى إجابة الدعوة.

 

ملكة سبأ:

قال الله عز وجل: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ [النمل: 32]؛ قال الشيخ رحمه الله: هذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضي، يكونُ اللوم على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها.

 

طائر اللقلق:

قال الشيخ رحمه الله: طائر يوصف بالذكاء والفطنة يأكل الحيَّات.

 

نملة:

قال الله عز وجل: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 18]، قال الشيخ رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: فصاحة هذه النملة ونُصحها وذكاؤها؛ لأن الكلام الذي قالته يتضمَّن هذا كله، ومن كمال ذكائها أنها استعملت العبارات المثيرة المزعجة في قولها: ﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ﴾، وقال رحمه الله: النمل من أذكى الحشرات.

 

 

كتب الشيخ التي تم الرجوع إليها:

تفسير سورة البقرة.

تفسير سورة آل عمران.

تفسير سورة المائدة.

تفسير سورة الأنعام.

تفسير سورة النور.

تفسير سورة الفرقان.

تفسير سورة النمل.

تفسير سورة القصص.

تفسير سورة العنكبوت.

تفسير سورة الروم.

تفسير سورة لقمان.

تفسير سورة الأحزاب.

تفسير سورة يس.

تفسير سورة الصافات.

تفسير سورة الزمر.

أحكام من القرآن الكريم.

شرح مقدمة التفسير.

التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن.

التعليق على صحيح البخاري.

التعليق على صحيح مسلم.

شرح رياض الصالحين.

شرح العقيدة التدمرية.

التعليق على الروض المربع.

التعليق على القواعد النورانية.

شرح مختصر التحرير.

دروس وفتاوى من الحرمين الشريفين.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الصلاة

(فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين رحمه الله)

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فلا يخفى على كل مسلم أهمية الصلاة ومكانتها في دين الإسلام، وقد اهتم العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمة الله ببيان ذلك في دروسه ومحاضراته ومصنفاته، وأفرد لها كتابين:

الأول: "حكم تارك الصلاة"، أورد فيه الأدلة على بيان أن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، فإنه يكفر كفرًا مخرجًا من الإسلام، وأجاب على أدلة القائلين بعدم كفره.

 

الكتاب الثاني: "صفة الصلاة"، وقد ذكر رحمه الله في مقدمة الكتاب أنه اختار هذا الموضوع لأمرين:

الأول: أهميته الشرعية؛ حيث إن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.

الثاني: أن كثيرًا من المسلمين اليوم تهاونوا في كثير من أمور الصلاة.

 

وقد تضمن الكتاب: الكلام عن معنى الصلاة، ومتى وأين فرِضت، وبيان أهميتها، وفضلها، والتحذير من إضاعتها، وبيان حكم تاركها، وبعض شروطها، وصفتها على ضوء الكتاب والسنة، وبيان الواجب فيها، وحكم صلاة الجماعة، وبيان بعض أحكامها.

 

وللشيخ رحمه الله كلام كثير عن الصلاة في عددٍ من مصنفاته، وقد اخترتُ بعضًا منه، أسأل الله الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

 

من فوائد الصلاة:

قال الشيخ رحمه الله: فوائد الصلاة كثيرة لا يُمكن حصرها، فمن فوائدها:

1- أن بها قُرَّة العين وطُمأنينة القلب وراحة النفس، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (حُبِّب إليَّ من الدنيا النساء والطِّيبُ، وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة)، وكان يقول: (قُم يا بلالُ، فأرحنا بالصلاة).

 

2- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها الإنسان على الوجه الذي أُمر به؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45].

 

3- أنها عون للإنسان على أمور دينه ودنياه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلَّى؛ أي: إذا أهمَّه أمرٌ.

 

4- ما رتَّب الله عليها من الأجر العظيم والخير الكثير؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ الله على العباد، فمن جاء بهنَّ لم يُضيِّع منهنَّ شيئًا استخفافًا بحقِّهنَّ، كان له عند الله عهد أن يدخلَه الجنة).

 

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يومًا، فقال: (مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا، ونجاة يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبي بن خلف)؛ رواه أحمد بإسناد جيد، فمن حافظ على هذه الصلوات وأدَّاها على الوجه المشروع، كانت له نورًا وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة.

 

5- أنها كفارة لصغائر الذنوب وتطهير من الخطايا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسلُ منه كلَّ يوم خمس مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟)، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا)؛ رواه البخاري ومسلم.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائرُ)؛ فهذه الصلوات الخمس تغسل الذنوب لمن صلى، فيكون نقيًّا بها من الذنوب.

 

6- ما يحصل في صلاة الجماعة من اجتماع المسلمين عليها في مكان واحد، وحصول التعارف والتآلف بينهم، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وإظهار الشعائر الإسلامية وغيرها من المصالح العظيمة.

 

7- أنها صلة بين المصلي وربه، فالمصلي إذا قام في صلاته استقبله الله بوجهه، (فإذا قال العبد: الحمدُ لله ربِّ العالمين؛ قال الله تعالى: (حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثني عليَّ عبدي، وإذا قال: ملك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي، وقال مرة: فوَّض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبدُ وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدني، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الصراط المستقيم، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل).

 

فهل تجد صلة أقوى من تلك الصلة، يُجيبك ربك على قراءتك آيةً آيةً وهو فوق عرشه، وأنت في أرضه؛ عنايةً بصلاتك وتحقيقًا لصلاتك؟!

وما ذكرناه من هذه الفضائل ليس على سبيل الاستيعاب، ولكنه قليل من كثير.

 

من فوائد صلاة الجماعة:

قال الشيخ رحمه الله: حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (صلاةُ الجماعة تفضلُ صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة).

 

الإنسان لو يرى أنه يربح في السلعة 10%، لكان يُبادر إلى شرائها، ويبادر إلى تصريفها، ويُتعب بدنه وعقله وفكره في ذلك، والربح 10%، وهو ربح قابل للزوال، بل لا بدَّ أن يزول، فمالُك الذي بيدك لا بدَّ أن يزول، أو تزول أنت عنه، فلا يمكن أن تُخلَّد له أو يُخلَّد لك.

 

وسبع وعشرون درجة في صلاة الجماعة، كم الربح في المائة؟ فهذا فرق عظيم، ومع ذلك هذا الثواب يبقى، وتجده في يوم أنت أحوج ما تكون إليه، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس يتهاونون مع هذا الفضل العظيم.

 

ثم إنَّ صلاة الجماعة فيها تنشيط للإنسان، فالإنسان إذا صلى مع الجماعة صار أنشط له، والصلاة مع الجماعة فيها حفظ الصلاة؛ لأن الإنسان إذا صلى مع الجماعة سوف يصلي مع إمام يراعي السنة في القراءة، في الركوع، في السجود، في القيام، في القعود، فيحصل على صلاة تامة، وإذا صلى وحده فإن غالب الناس إذا صلوا وحدهم لعِب بهم الشيطان، ونقروا الصلاة كنقر الغراب.

 

وصلاة الجماعة فيها الأُلفة بين المسلمين، فيتآلفون، ويتحابون، ويرشد بعضهم بعضًا، ويساعد بعضهم بعضًا؛ لأن الرجل إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة ثم تخلَّف، فقَده الناس، وسألوا عن حاله، وساعدوه إن كان في فقرٍ، وحاولوا أن يتطبَّبوا له إن كان مريضًا.

 

وفي صلاة الجماعة تعليم الجاهل، ولهذا تجد أكثر الناس الآن يصلون - والحمد لله - وهو عوام ما درسوا، لكن كيف تعلموا؟ بشهودهم الجماعة، يرون الناس يصلُّون فيصلون مثلهم، حتى الصبي الصغير يصلي كما يُصلي الناس.

 

وصلاة الجماعة فيها عمارة بيوت الله عز وجل التي قال الله تعالى فيها: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور:36-37]، الغُدو: أول النهار، والآصال: آخره.

 

وصلاة الجماعة فيها كمالُ القيام بحقِّ ولاة الأمور من الأمراء وغيرهم؛ لأن هؤلاء الجماعة - ولنقل: ألف نفر - يأتَمُّون بإمام واحدٍ، فيأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، ويتابعونه تمامًا بدقة.

 

وصلاة الجماعة فيها مشابهة للمجاهدين في سبيل الله؛ كما قال عز وجل: ﴿ نَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾ [الصف: 4].

 

وصلاة الجماعة كذلك فيها مشابهة لصلاة الملائكة في السماء؛ كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا تصفُّون كما تصف الملائكة عند ربها)، قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف الأُول، ويتراصُّون في الصفوف).

 

وفوائدها عظيمة كثيرة، وهي من محاسن الشريعة الإسلامية، ولا يتخلف عنها إلا منافق أو مريض، أو معذور، فعليك بالجماعة تغنم وتسلَم، ويستنير قلبُك، وتلقى ربَّك وهو راضٍ عنك، أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق لما يحبُّ ويرضى.

 

الصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره:

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة نور)، فالصلاة نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره، ولهذا تجد أكثر الناس نورًا في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل.

 

وكذلك تكون نورًا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة لله عز وجل، وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته.

 

وهي نور في قبر الإنسان؛ لأن الصلاة عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقم العمود فلا بناء.

 

كذلك نور في حشره يوم القيامة، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (أن من حافظ عليها كانت له نورًا ونجاةً وبرهانًا يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا، ولا نجاة يوم القيامة، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأبُي بن خلف)، فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرِص عليها، وأن يُكثر منها؛ حتى يكثُر نوره وعلمه وإيمانه.

 

انتظار الصلاة بالقلب والبدن:

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: (انتظار الصلاة بعد الصلاة)، الانتظار يكون بالبدن ويكون بالقلب.

أما البدن فيبقي في مكان صلاته حتى تأتي الصلاة الأخرى، وأما بالقلب فيكون كلما انتهى من صلاة إذا هو ينتظر الصلاة الأخرى متى تأتي؟ ليقف بين يدي ربه؛ لأنه يحب الصلاة، قد جعل الله قرة عينه في الصلاة، وهذا دليل على إيمانه؛ لأن الصلاة إيمان.

 

الخشوع في الصلاة: أهميته وسبله وثماره:

قال الشيخ رحمه الله: أهمية الخشوع في الصلاة من وجهين:

الأول: أنه كمال للصلاة، بل هو لُبُّ الصلاة وروحها، والخشوع يعني حضور القلب، بحيثُ إن الإنسان يكون حال الصلاة، وهو يقرأ، ويركع ويسجد مُستحضرًا هذه العبادة العظيمة، فلا يفعل هذه الأشياء وقلبه في مكان بعيدٍ.

 

الوجه الثاني: أن الخشوع في الصلاة أكثر ثوابًا، وقد امتدح الله عز وجل الذين هم في صلاتهم خاشعون.

 

أما ما يعين على الخشوع، فهو أن الإنسان يُفرغُ قلبه إذا أقبل على الصلاة تفريغًا كاملًا، ويشعرُ بأنه واقف بين يدي الله عز وجل، وأن الله عز وجل يعلم ما في قلبه، كما يعلم تحرُّكاته في بدنه، ليس كالملوك؛ إذ يُمكن أن تقف أمام ملك الدنيا مُتأدبًا بظاهرك، وقلبك في كُلِّ مكان، وهو لا يعلم، لكن الله عز وجل يعلم ظاهرك وباطنك، فاستحضر أنك بين يدي الله، وإذا قُلت: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، استحضر أن الله يجيبك.

 

فمن أكبر العون على الخشوع ما يلي:

أولًا: أن يعتقد الإنسانُ أنه واقف بين يدي ربه.

 

ثانيًا: أن يعتقد أن الخشوع من كمال الصلاة، وأن الإنسان ربما ينصرف من صلاته، وما كُتِب له منها إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها.

 

ثالثًا: أن يعتقد كثرة الثواب بالخشوع.

وقال رحمه الله: الإنسان إذا أدى الصلاة بخشوع وحضور قلب، فإنه يجد من نفسه وهو ساجد، أو يشعر وهو ساجد أنه قريب من الله يدعوه ويناجيه، وهو أيضًا يشعر بأن الله تبارك وتعالى فوق كل شيء، أنه قريب منه، وأنه فوق كل شيء.

 

الصلاة قرة عين لمن يؤديها حقيقةً:

قال رحمه الله: إذا تعود الإنسانُ على إكثار الصلاة صارت قُرَّة عينه، وصار يألفها دائمًا، ولكننا نعنى بالصلاة الصلاة الحقيقية التي تكون صلة بين الإنسان وبين ربه؛ بحيث إذا دخل في صلاته لا يلتفت قلبُهُ إلى شيء من الدنيا، بل يلتفت إلى الله وحده، إن كبَّر استشعر عظمة الله عز وجل وكبرياءه، وإن قرأ القرآن الكريم الفاتحة أو غيرها، استشعر بأنه يتلو كتاب ربِّ العالمين الذي تكلم به لفظًا ومعنًى، وإن ركع استشعر أنه يخضع لله عز وجل، وإن سجد استشعر أنه يُنزِّل أعلى ما في جسده وأشرافه إلى مهبط القدمين وموضع الأقدام، تواضعًا لله عز وجل.

 

الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ينبغي إعادة النظر فيها:

قال الشيخ رحمه الله: الصلاة لها فوائد كثيرة، فوائد دينية وفوائد دنيوية؛ أما الفوائد الدينية، فمنها قول الله تبارك وتعالى: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ [العنكبوت: 45]، هذه فائدة عظيمة، إذا صلى الإنسان صلاة أتمها، فإنها تنهاه عن الفحشاء والمنكر؛ أي: تُوجب أن يبغض الرجل كلَّ فحشاء وكلَّ منكر.

 

ولا تشكَّ إذا صليت ولم تجد في قلبك كراهة للمنكر، أو حبًّا للمعروف، لا تشكَّ في الآية، الآية محكمة، خبر من لدن حكيم خبير، لكن شك في صلاتك؛ لأن الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، هي الصلاة التي تُقام على ما ينبغي، ولهذا قال: ﴿ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ ﴾؛ يعني: التي تُقيمها، تنهى عن الفحشاء والمنكر.

 

قال بعض السلف: من لم تنْهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يَزْدَدْ بها من الله إلا بُعدًا، نسأل الله العافية، فعليك بإقامة الصلاة، أحضِر قلبك، وأدِّ ما فيها من واجبات؛ سواء كانت ركنًا، أو شرطًا أو واجبًا، وكمِّلها بالسُّنن حتى تؤتى ثمارها.

 

من أسباب التهاون في الصلاة:

سئل الشيخ رحمه الله: يتهاون كثير من الناس اليوم في الصلاة، فما هي الأسباب في نظركم؟

فأجاب: أسباب ذلك متعددة كثيرة، من أهمها وأعظمها: اتباع الشهوات، ولهذا قرن تبارك وتعالى إضاعة الصلاة باتباع الشهوات، فقال سبحانه: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ﴾ [مريم: 59، 60].

 

ومن أسبابها: جهل الناس بحقيقة هذه الصلاة، جهلهم بأهميتها، جهلهم بفوائدهم، جهلهم بفضائلها، جهلهم بثوابها، جهلهم بمرتبتها عند الله عز وجل، إلى غير ذلك من الأمور التي أوجبت لكثير منهم الاستهانة بها.

 

ومن أسباب التهاون في الصلاة أن كثيرًا من المصلين إذا صلوا، إنما يصلونها - نسأل الله لنا ولهم العفو والعافية - كعمل روتيني، عمل جارحي؛ أي: عمل جوارح فقط، لا عمل قلب، فلا تكاد تجد عندهم خضوعًا، ولا خشوعًا، ولا ذُلًّا بين يدي الله عز وجل، ولا استحضارًا لما يقولون في صلاتهم، ولا استحضارًا لما يفعلون، فلهذا يخرجون من الصلاة لم يستفيدوا منها شيئًا، لم يحصل لقلوبهم نور، ولم يحصل لإيمانهم زيادة، ولم يحصل منهم انتهاء عن الفحشاء والمنكر، كل ذلك لأنهم يصلون صلاة جسد بلا روح، ولو أنهم أعطوا الصلاة حقَّها من الخشوع، وحضور القلب، والإنابة إلى الله، وشعور الإنسان بأنه واقف بين يدي ربه - لكان أحبَّ الصلاة وألِفها، ويهوي قلبُه إليها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (جُعلت قرةُ عيني في الصلاة).

 

الصلاة بالجسم فقط صلاة ناقصة:

قال الشيخ رحمه الله: يا إخوان، أكثر أوقاتنا نُصلِّي ولا نصلِّي، يصلِّي الإنسانُ وجسمه في مُصلاه في مسجده، لكن قلبه في كل وادٍ يفكر بهاجسٍ، يبيع، ويشتري، ويحرث، ويستأجر، ويؤجِّر، ويرهنُ، ويرتهن، فهذا لم يصلِّ كما ينبغي، ولهذا جاء في الحديث: (إن الرجل لينصرفُ وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسُعُها، ثُمُنُها، سُبُعُها، سُدُسُها خُمُسُها رُبُعُها، ثُلُثُها نصفها)، كلها راحت بسبب الهواجس، والله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوبنا، فإذا لم تُصلِّ قلوبنا قبل أجسامنا، فصلاتنا ناقصة، أسألُ الله أن يعاملني وإياكم بعفوه، وأن يجعلنا ممن يقولُ ويفعل.

 

ما يجبر النقص في الصلاة:

قال الشيخ رحمه الله: هذه الصلاة العظيمة كلنا في الحقيقة - نسأل الله أن يعاملنا بعفوه - كلنا في صلاته نقص، فهل لها من جابر خارجي؟

نقول نعم: السنن الرواتب، والسنن الرواتب اثنتا عشرة ركعةً:

أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان قبل المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، أما العصر فلا رتبة لها: لا قبلها ولا بعدها.

 

إذا صليت في يوم بنى الله لك بيتًا في الجنة دائمًا لا يتغير، ولا يفنى، وليس فيه خلل ولا نقص، وأنت كذلك لا تفنى، ولا تمرض، ولا تبغي عنه حولًا، ستبقى فيه أبد الآبدين.

 

الله أكبر، الآن عندما تريد أن تبني بيتًا، فلن يكتمل بناؤه في يوم واحد أبدًا، لا يكمل إلا في سنة أو في ستة أشهر حسب البناء بعد تعبٍ وعناء، ومشاكل مع العمال والمقاولين، وإذا بُنِي البيت فهو مُعرض للخطأ، ومُعرض للخطر والانهدام والاحتراق، ثم إذا كمل، فالنهاية أن الإنسان يزول عنه.

 

لكن مع الآسف قلوبنا تحب العاجلة؛ ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20، 21].

 

فحافظ عليها يا أخي، وإذا فاتتك التي قبل الصلاة، فصلِّها بعد الصلاة؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى الرواتب.

 

آكد هذه الرواتب راتبة الفجر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها حضرًا وسفرًا،

والأفضل أن تصلى الراتبة في البيت.

 

عذاب من لا يصلون في قبورهم:

قال الشيخ رحمه الله: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة بقبرين، فكُشف له صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها يُعذبان، فقال: (إنهما ليعذبان)، أكَّد هذه الجملة بمؤكدين، وهما: (إنَّ) واللام، يعني أكَّد أنهما يعذبان؛ لأن المقام يقتضي التأكيد؛ لأن عذابهما أمر غيبي، فصار الإخبار عنه مؤكدًا.

 

أما أحدهما، فكان لا يستنزه من البول، ما يبالي يطالُ الثوب البول ثوبه، فلا يطهره، ويطال فخِذه فلا يطهره، ويصيب مُصلاه فلا يطهره، ولا يهتم بأن يُعذب من أجل ذلك، وإذا كان عُذِّب من أجلِ أنه لا يستنزه من البول، والاستنزاه من البول من شروط الصلاة، فكيف يكون من لا يُصلي؟! أيستحق العذاب أو لا؟

 

يستحق العذاب من باب أولى، وقد حدثنا بأشياء عجيبة فيمن ماتوا وهم لا يصلُّون، شاهدها الناسُ بأعينهم، منها ما يُقبل ومنها ما لا يقبل، لكن لا شكَّ أن الله قد يظهر من آياته ما يدلُّ على الأحكام الشرعية، كما أظهر الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هذين الرجلين.

 

وختامًا أسأل الله الكريم أن يوفقنا وجميع المسلمين لإقامة الصلاة، وأدائها كاملة، بقلوبنا قبل أجسامنا؛ حتى نخرج منها وقد استفدنا منها، واستنارت قلوبنا، وظهر أثرُ ذلك على جوارحنا، وكانت زادًا لنا على تحمُّل ما يحصل لنا في هذه الدنيا من متاعب ومصاعبَ، كما أساله أن يعاملنا بعفوه، وأن يرحمنا، وألا يكلنا لأنفسنا طرفةَ عينٍ، أو أقل من ذلك!

 

كتب الشيخ التي تم الرجوع إليها:

التعليق على صحيح البخاري.

التعليق على صحيح مسلم.

شرح رياض الصالحين.

شرح مشكاة المصابيح.

صفة الصلاة.

لقاءات الباب المفتوح.

فتاوى نور على الدرب.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين

مدرسة العلم والعمل

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. أما بعد:

فالعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله, من العلماء المتأخرين الذين يقلُّ نظيرهم: علماً, وعملاً, ودعوةً, أسال الله الكريم أن يجزيه خير الجزاء, وأن يرحمه رحمة الأبرار, وأن يعلى درجته في الجنان, والشيخ رحمه الله له مؤلفات كثيرة, منها: ما خرج في حياته ومنها ما خرج بعد وفاته, ومنها: ما كتبها وحررها ومنها ما كانت تفريغاً لدروسه العلمية.

وتلك المؤلفات مليئة بالفوائد, وقد يسَّر الله الكريم لي جمع شيءٍ منها.

أسأل الله الكريم أن ينفع بها كاتبها, وقارئها, ومن أعان على نشرها, في الدنيا والآخرة, إنه جواد كريم.

* * * *

 

فوائد من مصنفات العلامة ابن عثيمين

(1) مدرسة العلم والعمل

 

فائدة العلم وثمرتُه العملُ به, والعلامة ابن عثيمين رحمه الله, من العلماء الذين عرفوا بالعلم النافع, والعمل المثمر, وقد كان الشيخ يوجه إلى أهمية العمل بالعلم, قال رحمه الله: فإننا نعلم كُلُّنا أنَّ المقصود من العلم هو العمل, فالعلم وسيلة والعمل ثمرة, وإذا لم ينتفع الإنسان بعلمه, فالجاهل خير منه, وكثير من المسائل العِلمية يفهمها كثير من الطلبة, لكنهم لا يُنفِّذونها, سواء كانت في العبادات, أم في المعاملات مع الخلق, وهذا لا شك أنه نقص وسبب للنقص -أي لنقص العلم- فإن الإنسان إذا عمل بعلمه انتفع وازداد علمه ومن عَمِلَ بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.

وقال رحمه الله: في آداب طالب العلم.. أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدة, وعبادة, وأخلاقاً, وآداباً, ومعاملة, لأن هذا هو ثمرة العلم, وهو نتيجة العلم.

وقال رحمه الله: إنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم, إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به, فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام وجه هذا المعلم, كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به, لا تستهن أيها المعلم بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغاراً فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة.

وقال رحمه الله: نحن ينقصنا في علمنا أننا لا نطبق ما علمناه على سلوكنا, وأكثر ما عندنا أننا نعرف الحكم الشرعي, أما أن نطبق فهذا قليل, نسأل الله أن يعاملنا بعفوه, وفائدة العلم هو التطبيق العملي, بحيث يظهر أثر العلم على صفحات وجه الإنسان, وسلوكه وأخلاقه وعبادته ووقاره وخشيته وغير ذلك, وهذا هو المهم.

وقد تمثل العمل بالعلم عند الشيخ في صور شتى, منها:

 

عمل الشيخ بما يُفتى به:

قال الشيخ رحمه الله: المفتي إذا أفتى... يكون هو أول الناس عملاً بهذه الفتوى.

والشيخ كان يعمل بما يفتي به, ومن أمثلة ذلك:

قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( غُسل الجمعة واجب على كل محتلم) : الصواب عندي كالمقطوع به: أن غسل الجمعة واجب على كل إنسان.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: ما تركته منذ علمت بهذا الحديث, لا صيفاً, ولا شتاءً, ولا حراً, ولا برداً, ولا إذا كان فيَّ مرض أتحمل معه الاغتسال, وقلت هذا حتى تعلموا أنني لا أشك في وجوبه, وأرى أنه لا بد أن يغتسل الإنسان.

وقال رحمه الله: مسألة العزاء, فالعزاء إنما كان تركه قطيعة رحم لأن الناس اعتادوه فصار الذي يتخلف عنه عندهم قاطع رحم, لكن لو أن الناس تركوه كما تركه الصحابة-رضي الله عنهم- والتابعون-رحمهم الله- ما صار تركه قطيعة رحم...ولهذا لو أن طلبة العلم بينوا للناس هذا الأمر وبدأوا بأنفسهم هم.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: والدنا توفي ولم نجلس للعزاء, ووالدتنا توفيت ولم نجلس للعزاء, لو أن أهل العلم فعلوا ذلك لكان فيه خير كثير, ولترك الناس هذه العادات, لاسيما في بعض البلاد إذا مررت ببيت مات فيه ميت تقول: هذا بيت فيه زواج, لأنك ترى فيه من الأنوار في الداخل والكراسي والأشياء التي تنافي الشرع, وفيها إسراف وفيها بذخ.

 

قبول الشيخ للحق والانقياد له:

قال بعض السلف: التواضعُ: أن تقبل الحق من كل من جاء به وإن كان صغيراً"

قال الشيخ رحمه الله: الواجب على المؤمن ولاسيما طلاب العلم أن ينقادوا للحق ولا يجادلوا مجادلة مستكرهة وتأويلات مستكرهة من أجل أن يتم قوله, فهم طالبون للحق مريدون للحق داعون للحق لا لأنفسهم, والغالب أن من دعا لنفسه والعياذ بالله أن الله تعالى لا يجعل في علمه بركة...فعود نفسك أن تهينها للحق ومن تواضع لله رفعه الله عز وجل, وقال رحمه الله: التواضع للحق بمعنى: أنه متى بان له الحق خضع له ولم يبغ سواه بديلاً, وقال رحمه الله: عليك يا أخي بقبول الحق...فمتى تبين لك الحق فقل: سمعنا وأطعنا وآمنا وصدقنا.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: تكبيرة الهوي إلى السجود كتكبيرة القيام للجلوس ولا فرق, لأن أبا هريرة رضي الله عنه لم يقل: وكان يطيل التكبيرة في المكان الفلاني, أو يقصرها في المكان الفلاني, وهذا هو الأصل, لأنه لو كان تغيير لنُقِل وذُكِر, فلما لم يُنقل ويذكر عُلِم أنه لا تغيير, وأن التكبيرات على حد سواء, وهذا هو الراجح, وهو الذي أظنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم, وكنا قَبلُ حسب ما يعمله مشايخنا_رحمهم الله_ نفرق بين التكبيرات, بين تكبيرة الجلوس بين السجدتين, وتكبيرة الجلوس للتشهد الأول وللتشهد الأخير حتى صلى معنا بعض طلبة الحديث وقال لي ما دليلك على هذا التفريق؟ فقلت: ما عندي إلا عمل المشايخ, فقال: عمل المشايخ ليس بحجة, عمل المشايخ يُحتج له ولا يُحتج به, وظاهر السنة أولى بالإتباع فقلت: جزاك الله خيراً. هذا هو إن شاء الله هو الحق, وبدأنا والحمد لله على هذا.

 

عدم ردّ الشيخ على إخوانه من أهل العلم في المسائل الاجتهادية:

قال الشيخ رحمه الله: لا أحبُّ من أهل العلم أن يجهد كل واحد نفسه في الرد على الآخر في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة, لأن قول كل واحد ليس حجة على الآخر, وفهمه للنصوص ودلالاتها, وعلمه بمصادرها ومواردها لا يلزم أن يكون مساوياً للثاني.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقد رد على أحد إخوانه فقال:

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم...... حفظه الله تعالى.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتابكم الكريم المؤرخ.... وصل, وقد قرأت رسالة الشيخ...التي أرفقتموها بكتابكم.. وهي بعنوان... وهي في الحقيقة تعليق على الفتوى الصادرة مني في...

وأفيدكم بأني لن أرد على رسالة الشيخ...حول الفتوى...لأنني لا أحب أن يجهد الإنسان نفسه في الأخذ والرد بين إخوانه من أهل العلم في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة لما في ذلك من ضياع الوقت, وفتح باب الجدل والانتصار للرأي, وإنما على المرء أن ينظر في كلام من ردّ عليه فإن تبين أن الصواب معه وجب عليه أن يحمد الله تعالى حيث هيأ له من يبين له الصواب ويفتح له باب الحق, ووجب عليه أن يرجع إلى الصواب...أسأل الله تعالى فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون أن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه, إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم...

والله يحفظكم,

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تورع الشيخ عن الفتوى وقول: لا أدري, لا أعلم, أنا متوقف:

قال الشيخ رحمه الله: إننا نُحذر إخواننا طلبة العلم والعامة أيضاً أن يفتوا بلا علم, بل عليهم أن يلتزموا الورع, وأن يقولون لما لا يعلمون: لا نعلم, فإن هذا والله هو العلم...فإني أُعيدُ وأكرر: التحذير من الفتوى بغير علم, وأقول للإنسان: أنت في حلٍّ إذا لم يكن عندك علم أن تصوف المستفتي إلى شخص آخر, وكان الإمام أحمد رحمه الله إذا سُئل عن شيء ولا علم له به, يقول: أسأل العلماء.

وقال رحمه الله: إن من العقل والإيمان ومن تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل: عما لا يعلم لا أعلم, لا أدري, أسال غيري.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره:

فقد سئل رحمه الله: بعض النساء يقمن ببيع حليهن قبل وقت الوجوب بقليل, وبعد مضي وقت الوجوب تشتري بالدراهم حلياً أخرى فما حكم هذا العمل ؟ فأجاب: هذه المسألة تحتاج إلى نظر وتأمل.

وسئل رحمه الله: هل يشترط في الأربعين رجلاً الذين يصلون على الميت أن لا يشركوا بالله شيئاً الشرك الأصغر أو الأكبر؟ فأجاب: في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه ) فظاهر قوله ( لا يشركون بالله شيئاً ) أنهم لا يشركون شركاً أصغر ولا أكبر, ويُحتمل أن يُقال: إن المراد لا يشركون بالله شركاً أكبر, وأنا لم يترجح عندي شيء.

وقال رحمه الله: اختلف العلماء في العسل, هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب ؟ فمنهم من قال: إنها تجب, ومنهم من قال: إنها لا تجب, واستدلوا على ذلك بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه, والمسألة عندي محل توقف, والعلم عند الله.

وقال رحمه الله: ما ورد من أن بعض السلف يرى الله في المنام, فالله أعلم, فأنا متوقف في هذا, وإلا فقد نُسِبَ هذا القول للإمام أحمد, أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد رأى ربَّه في المنام.

وقال رحمه الله: في المسجد النبوي يوجد حاجز بين الرجال والنساء, فهل يشرع لهن الاعتكاف ؟ والله لا أدري وأنا أتوقف في هذا.

وسئل رحمه الله: عندما ظهر الشيطان في يوم بدر في صورة سراقة, هل هو سراقة الذي لحق النبي صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته ؟ فأجاب: لا أدري.

وسئل رحمه الله جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حدث عن ربه أنه قال: ( إن عبداً أصححت له جسمه, ووسعت عليه يمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم) هل هذا الحديث ثابت ؟ فأجاب : لا أدري عن صحته

وسئل رحمه الله تعالى: إذا أخَّر الحاج طواف الإفاضة بدون عذر على غير رأي الحنابلة وانتهت أشهر الحج فكيف يصنع ؟ فأجاب: لا أدري ماذا يقولون في هذه المسألة, هل يقولون: إنه يقضيه كما تقضى الصلاة, أو يقال: عبادة فات وقتها فلا تقضى, ويكون الحج لم يتم, ولا يكتب له الحج, لا أدري ماذا يقولون في هذا.

 

تراجع الشيخ عن رأيه في بعض المسائل:

قال الشيخ رحمه الله: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل, وقال: متى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي, وأن الصواب في غيره, وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صواباً بمقتضي الدليل الصحيح

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال رحمه الله: الذي يُحقن به الدم وهو صائم, فهل يفطر أو لا يفطر كرجل حصل عليه حادث ونزف الدم منه ؟

الجواب: كنت أرى في الأول أنه يفطر, وأقول: إذا كان الطعام والشراب مفطراً, فإن الطعام والشراب يتحول إلى دم, فهذا لبابة الطعام والشراب وخلاصته, إذن يفطر, ثم بدا لي أنه لا يفطر, لأنه وإن أعطى البدن قوة لكنه لا يغنيه عن الطعام والشراب, وليس من حقنا أن نُلحق فرعاً بأصل لا يساويه, فتبن لي أخيراً أنه لا يفطر.

والشيخ رحمه الله كان يرى جواز مس القرآن من المحدث ثم تراجع عن ذلك, قال الشيخ قال داود الظاهري وبعض أهل العلم لا يحرم على المحدث أن يمس المصحف...وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظاهرية, لكن لما تأملت قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسُّ القرآن إلا طاهر)..تبين أنه لا يجوز أن يمسَّ القرآن من كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر.. فالذي تقرر عندي أخيراً: أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء.

وقال الشيخ رحمه الله عن جلسة الاستراحة في الصلاة: نقول هي سنة في حق من يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك, وكنتُ أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس...ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا هو القول المفصل قول وسط, وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقاً.

 

نصيحة الشيخ لمخالفه بأدب:

قال الشيخ رحمه الله: إذا رأيت من أخيك شيئاً تنتقده فيه في عباداته أو في أخلاقه أو في معاملاته, فعليك بنصيحته, فهذه من واجبه عليك, وتنصحه فيما بينك وبينه مشافهة أو مكاتبة.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقد كتب إلى أحد إخوانه فقال:

من محمد العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ..حفظه الله تعالى وهدانا وإياه صراطه المستقيم وجعلنا جميعا هداة مهتدين وصالحين مصلحين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فبناء على ما أوجب الله علينا من النصيحة لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم, وعلى ما تقتضيه الأخوة الإيمانية من المودة والمحبة في الله ولله, فإني أبين لكم ما لاحظته في مقالات نشرت لكم في مجلة... العدد...

فضيلتكم صرح في.... ذكر فضيلتكم ص... وأما قول فضيلتكم...

فنسأل الله تعالى...أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين, وقادة الخير المصلحين, وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن يهب لنا منه رحمه إنه هو الوهاب.

وقال رحمه الله: من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.. وفقه الله تعالى...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فقد عرض علي أكثر من واحد ما كتبتم في الصفحة السادسة من صحيفة...الصادرة يوم السبت الموافق 22/ 12/ 1402هـ حول كسوف الشمس...وقد آثرت أن أكتب إليكم ليكون التعقيب على ما كتبتم من قبلكم, وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لصواب العقيدة, والقول, والعمل, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

تورع الشيخ من القول بقول لم يقل به أحد من قبله:

قال الشيخ رحمه الله: لا تهمل كلام العلماء, ولا تغفل عنه, لأن العلماء أشد رسوخاً منك في العلم, وعندهم قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك, ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول, يقولون: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به

وقد عمل الشيخ بما ذكره, فقد سئل إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعادها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها ؟ فأجاب رحمه الله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول, أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.

الحال الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه, فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها, لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء, وهذه طهارة بالمسح, هذا ما يعلم من كلام أهل العلم, ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح, له أن يمسح ما دامت المدة باقية, فإن هذا قول قوي, ولكني لم أعلم أن أحداً قال به, فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي, لأن طهارة المسح طهارة كاملة, فينبغي أن يُقال إنه إذا كان يمسح على ما لبسه على طهارة غسل فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح, لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا.والله أعلم

 

أمثلة لتواضع الشيخ وعدم إعجابه بعلمه:

قال الشيخ رحمه الله: إن على طالب العلم أن يكون متأدباً بالتواضع وعدم الإعجاب بالنفس وأن يعرف قدر نفسه.

ومن أمثلة عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره ما يلي:

قال الشيخ رحمه الله في رسالته " حول الصعود إلى القمر ": أحببت أن أكتب ما حررته هنا على حسب ما فهمته بفهمي القاصر وعلمي المحدود.

وقال رحمه الله في " مسألة التصوير بالآلة الفورية ": هذا خلاصة رأي في المسالة, فإن كان صواباً فمن الله وهو المنّ به وإن خطأ فمن قصوري أو تقصيري.

وقال رحمه الله: هل من أسماء الله الجليل ؟ بحثتُ فلم أجد شيئاً, ولكن فوق كُلِّ ذي علم عليم.

وقال الشيخ رحمه الله: الغالب حسب علمي مع قصوري, أن شيخ الإسلام رحمه الله دائماً موفق للصواب, فغالب من يختار هو الصواب.

وقال رحمه الله: أرجو من إخواني إذا عثروا على دليل ممن قوله أو فعله حجة في التفريق بين التكبير أن يدلوني عليه, فإني لهم عليه شاكر وله منقاد إن شاء الله

وقال رحمة الله في رسالة له إلى إخوانه حول دعاء ختم القرآن: وبعد, فهذا ما انتهى علمنا إليه في هذه المسألة الآن, ولا تزال تحت البحث والتحقيق, فنرجو إذا وجدتم زيادة علم أن تخبرونا به.

وقال رحمه الله: تقبيل الحجر ليس بسنة إلا في الطواف, لأني لا أعلم أن استلامه مستقلاً عن الطواف من السنة, وأنا أقول في هذا المكان-المسجد الحرام- لا أعلم, وأرجو ممن عنده علم خلاف ما أعلم أن يبلغنا به, وجزاه الله خيراً.

وقال الشيخ رحمه الله: وبهذا انتهى الكلام على صفة الحج والعمرة, واعلم أن كل ما ذكرناه فإنه مبنى على ما نعلمه من الأدلة, ومع هذا لو أن إنساناً اطلع على دليل يخالف ما قررناه فالواجب إتباع الدليل, لكن هذا جهد المقل, نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا.

قال الشيخ رحمه الله: لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولا عن خلفائه الراشدين, ولا عن الصحابة فيما أعلم, ولا عن الأئمة وأتباعهم التفريق بين تكبيرات الانتقال.

 

عدم إلزام الشيخ الآخرين برأيه في المسائل الاجتهادية:

قال الشيخ رحمه الله: طالب العلم لا بد له من التأدب بآداب, نذكر منها: أن يكون صدره رحباً في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد, لأن مسائل الخلاف بين العلماء, إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه, ويكون الأمر فيها واضحاً, فهذه لا يعذر أحد بمخالفتها, وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يعذر فيها من خالفه.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقد سئل عن حكم التبرع بالأعضاء ؟

فأجاب رحمه الله: هذه المسألة صدر فيها فتوى من هيئة كبار العلماء بأنها جائزة, أما أنا فلا أرى الجواز....ومع ذلك فإني أرى أن من أخذ بقول الجماعة فلا حرج عليه, لأن المسألة مسألة اجتهاد, ومسائل الاجتهاد لا إلزام فيها, لكن نظراً لأنه لا يحل لي كتمان العلم الذي أعلمه من شريعة الله بينته هنا, وإلا كان يسعني أن أقول قد صار بها فتوى فمن أرادها فليرجع إليها, لكن نظر إلى العلم أمانة, وأن الإنسان لا يدري ما يواجه به الله عز وجل فإنه لا بد أن أبين ما عندي, وأسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم لما اختلف فيه من الحق بإذنه.

 

تقيد الشيخ للفوائد المهمة:

قال الشيخ رحمه الله: كم من فائدة تمُرُّ بالإنسان فيقول: هذه مسألة سهلة لا تحتاج إلى قيد, ثم بعد مدة وجيزةٍ يتذكرها ولا يجدها, لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها, أو التي يتجدد وقوعها...فكم من مسألة نادرة مهمة تمرُّ بالإنسان فلا يقيدها اعتماداً على أنه لن ينساها, فإذا به ينساها ويتمنى لو كتبها, وقال رحمه الله في: ابن القيم رحمه الله كتابه ( بدائع الفوائد)..على اسمه, فيه من الفوائد شيء كثير, لا تكاد تجده في غيره لكنه يشبه كتاباً لابن الجوزي رحمه الله من بعض الوجوه يسمى "صيد الخاطر " يعنى ما طرأ على خاطره قيده....وهكذا ينبغي لطالب العلم أيضاً إذا عنت له فائدة فريدة يقلُّ وجودها في الكتب, أو يقل وجودها في الواقع أن يقيدها لئلا ينساها

وقال رحمه الله: كم من مسألة مُهمة تمرُّ بالإنسان فلا يُقيدها اعتماداً على أنه لن ينساها, فإذا به ينساها ويتمنى لو كتبها.

وقال رحمه الله: من المهم بالنسبة للطالب أن يعتني بكتابة الأشياء النفسية التي رُبما تغيب عن باله فيما يستقبل, ويعجز عن إدراكها.

وقد عمل الشيخ رحمه الله بما ذكره, فقال: فقد كنت أقيد بعض المسائل الهامة التي تمر بر حرصاً على حفظها, وعدم نسيانها, في دفتر وسميتها " فرائد الفوائد " وقد انتقيت منها ما رأيته أكثر فائدة وأعظم أهمية وسميت ذلك " المنتقى من فرائد الفوائد " أسأل الله تعالى أن ينفع به, وأن يجعل لطلبة العلم فيه أسوة, ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة

 

 

ترك الشيخ لهمه بتدوين أخطاء المفتين خشية أن يكون ذلك ممن تتبع عوراتهم:

قال الشيخ رحمه الله: بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين, ليتخذ منها ما ليس لائقاً في حقهم, ويشوش على الناس سمعتهم, وهذا من أكبر الأخطاء.

وقد عمل الشيخ بما ذكره, فقد قال: صارت المسألة فوضى, صار كل إنسان يفتى, أحياناً تأتى الفتاوى تبكي وتضحك, وكنتُ أهمُّ أن أدون مثل هذه الفتاوى ولكن كنت أخشى أن أكون ممن تتبع عورات إخوانه فتركته تحاشياً مني, وإلا لنقلنا أشياء بعيدة عن الصوب, بعد الثريا عن الثرى.

 

ترك الشيخ لسنة الصلاة في النعلين بالمسجد لترتب مفسدة عليها:

قال الشيخ رحمه الله: فعل السنن إذا ترتب عليه مفسدة صار تركها أفضل.

وقد عمل الشيخ بما ذكره, فقد قال: الصلاة في النعلين سنة, لأن النبي صلى اله عليه وسلم كان يصلى في نعليه, وكان الصحابة يصلون في نعالهم...وكنتُ أرى أن هذا من السنة وأفعله, وبقيت سنوات أفعله _ أي أصلى في النعلين _ فبدأ الناس إذا دخلوا المسجد يمشون بالنعال, وإذا وصلوا الصف خلعوها, فأتوا بالمفسدة وتركوا السنة, فرأيت أن العدول عن هذا أولى, وخصوصاً بعد أن فُرشت المساجد بهذه الفرش, وكانت بالأول مفروشة بالرمل.

 

كتب الشيخ رحمه الله، التي تم الاستفادة منها في هذا المبحث:

 

  • الشرح الممتع على زاد المستقنع
  • مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ/ جمع وترتيب الشيخ فهد السليمان
  • فتاوى في الطهارة والصلاة
  • فتاوى في الصلاة والجنائز
  • فتاوى في الزكاة والصيام
  • فتاوى في الحج والعمرة
  • أحكام من القرآن الكريم
  • فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام
  • شرح رياض الصالحين
  • شرح الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
  • شرح حلية طالب العلم
  • التعليق على مقدمة المجموع
  • المنتقى من فرائد الفوائد

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

من كلمات الشيخ ابن عثيمين حول حرية الإنسان

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمن المصطلحات الرنانة التي لها تأثيرها المحبب على النفوس: "الحرية"، لكنه مصطلح ظاهره الرحمة، وفي باطنه الفساد والإفساد؛ لأن من ينادون بالحرية هدفهم سلخ الناس من العبودية لله عز وجل - التي هي الحرية الحقيقية - إلى رقِّ الهوى والشيطان، فيتحول الإنسان إلى شيطان إنسي، يعتنق ما يشاء من أفكار ومعتقدات، ويمارس ما يهوى من أفعال وتصرفات باسم الحرية.

 

وحيث إنه قد يُلبس على البعض، فينخدع بهذا المصطلح، فلا بد من إيضاح مفهوم الحرية الحقيقية، وخير من يقوم بذلك العلماء، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له كلام عن الحرية في بعض مصنفاته، يسَّر الله لي جمعه، أسأل الله الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

 

الحرية المطلقة من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين:

قال الشيخ رحمه الله: من أساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين - أن يلقوا الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم (الناس أحرار - دعوا كل أحد يعتنق ما يشاء - لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا)، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنانة، التي إذا سمعه الإنسان، قال: هذا هو الدين، ثم تحلل الناس وصار كل يعمل ما يريد... هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يُضللون بها الناس، ويردونهم بعد إيمانهم كافرين.

 

العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية:

قال الشيخ رحمه الله: العبودية لله عز وجل هي الحرية الحقيقية، وسئل رحمه الله عن قول الإنسان: أنا حر؟ فأجاب: إذا قال ذلك رجل حُر وأراد أنه حر من رقِّ الخلق، فنعم، هو حر من رقِّ الخلق، وأما إن أراد أنه حر من رقِّ العُبودية لله عز وجل فقد أساء في فهم العبودية، ولم يعرف معنى الحرية؛ لأن العبودية لغير الله هي الرِّقِّ، أما عبودية المرء لربه عز وجل فهي الحرية، فإنَّه إن لم يذلَّ لله ذلَّ لغير الله، فيكون هنا خادعًا لنفسه إذا قال: إنَّه حُر، يعني: أنه مُتجرد من طاعة الله ولن يقوم بها.

 

وقال رحمه الله: من المعلوم أن وصف الإنسان بالعبودية لله شرف له وعز؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو عبد، إما أن يكون عبدًا لهواه، وإما أن يكون عبدًا لمولاه، وكل إنسان له إرادة، وكل إنسان متحرك، ولكن ما الإرادة؟ وإلى أين التحرك؟ إن كانت الإرادة إرادة لله عز وجل، والتحرك لدينه، فهذه هي الحرية.

 

مَن تحلَّل مِن الشريعة فهو في غاية الرق:

قال الشيخ رحمه الله: حرِّر قلبك من رق المعاصي حتى تتحرر، وقال رحمه الله: فوالله ليس بحُرٍّ من تحلَّل من الشريعة، بل هو في غاية من الرِّق، فالحرُّ هو الذي لا يخضع لأحد إلا الله عز وجل.

 

وقال رحمه الله: كل من خالف الشرع، فإنه رقيق وليس بحرٍّ، ولهذا يشير ابن القيم رحمه الله في بيت أرى أن يكتب بماء الذهب، يقول:

هربوا من الرقِّ الذي خُلقوا له ♦♦♦ وبُلوا برقِّ النفس والشيـطان

 

يعني أنهم تحرَّروا من الرق الذي خُلقوا له، وهو الرق لله عز وجل، ولكنهم ابتلوا برق النفس والشيطان الذي هو الذُّلُّ والخسارة في الدنيا والآخرة.

 

وقال رحمه الله: نرى أن هؤلاء الفوضويين الذين يريدون أن يكون الناس فوضى مدعين أن هذه هي الحرية - نرى أن هؤلاء هم الذين ابتُلوا بالرق؛ لأن الشيطان استرقهم وجعلهم عبيدًا له، وقال رحمه الله: الحرية المطلقة هي الرق المطلق؛ لأنك إذا تحررت من قيود الشرع تقيدت بقيود الشر.

 

الإنسان ليس حُرًّا في معصية الله:

سئل الشيخ عن قول العاصي عند الإنكار عليه: "أنا حُر في تصرفاتي"، فأجاب رحمه الله: هذا خطأ نقول: لست حُرًّا في معصية الله، بل إنَّك إذا عصيت ربك فقد خرَجت من الرِّقِّ الذي تدَّعيه في عُبودية الله إلى رقِّ الشيطان والهوى.

 

الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام:

قال الشيخ رحمه الله: الحرية الكاملة هي المبنية على كتاب الله وسنة رسوله علية الصلاة والسلام، ولا أحد أحكم من الله، ولا أعدل منه، وقد عدل عز وجل في الحرية التي منحها لعباده.

 

حرية المرأة:

قال الشيخ رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، من فوائد الآية: أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر، إلا يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأن الغاية قال: يرُدُّكم بعد إيمانكم كافرين، وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة جدًّا ومتنوعة، منها: أن يفتحوا على الناس باب الشهوات، ولهذا هم يسعون جادين على أن يعطوا المرأة ما يُسمى بالحرية، وهي في الحقيقة الرق وليست حرية؛ لأن المرأة إذا خرجت عن حدود الله، خرجت من رقٍّ الدين إلى رقِّ الشيطان، وإذا خرجت إلى رقِّ الشيطان واسترقَّها الشيطان، صارت عبدًا له، ولهذا تجدهم يركزون على المرأة أن تتدهور، وتتحرَّر من عبودية الله؛ لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشدَّ فتنة على الرجال هي المرأة، فيسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال، وتشاركهم الأعمال.

 

كتب الشيخ رحمه الله التي تم الرجوع إليها:

تفسير سورة البقرة.

تفسير سورة آل عمران.

تفسير سورة الأنعام.

تفسير سورة الصافات.

تفسير سورة فصلت.

أحكام من القرآن الكريم.

التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن.

شرح الكافية الشافية.

شرح العقيدة السفارينية.

فتاوى العقيدة.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

البركة

(فوائد من مصنفات الشيخ ابن عثيمين رحمه الله)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فربُّنا جل جلاله كثيرُ الخيرات والبركات، وبركاته عز وجل لا حدَّ ولا نهاية لها، وكم من قليلٍ نفع كثيرًا بالبركة التي يجعلها الله فيه، وكم من كثيرٍ لم ينفع إلا قليلًا؛ لأن الله جل وعلا نزع منه البركة، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: الله تعالى إذا أنزل البركة في شيء سدَّ ما يسده غيره بأضعاف مضاعفة، وإذا نُزعت البركةُ من شيء، فما أسرع ما يزول ولا ينتفع به الإنسان!وقال رحمه الله: إذا أنزل اللهُ البركة لشخص فيما أعطاه، صار القليلُ منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركة، صار الكثيرُ قليلًا، وكم من إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام كثيرة! وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا؛ لكنه مُتنعِّم في بيته، قد بارك الله في ماله، وأحيانًا تُحسُّ بأن الله بارك لك في هذا الشيء بحيث يبقى عندك مُدَّةً طويلة.

 

وتقوى الله بفعل الطاعات، وترك المحرمات، من أهم أسباب نيل البركة؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96]، فمن لم يتَّقِ الله فقد يُعجِّل الله له العقوبة في دنياه، فتُنزع منه البركات، وتكثر عنده الآفات.

 

والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له كلام عن البركة في عددٍ من مصنفاته، جمعت ما يسَّر الله لي منه، أسأل الكريم أن ينفع به، ويبارك فيه.

 

معنى البركة

قال الشيخ رحمه الله: البركة: هي الخير الكثير الثابت؛ لأن أصلها من البِركة، والبِركةُ واسعة، وفيها ماء قار ثابت؛ فلذلك صار معناها: الخير الكثير الثابت.

 

من أسباب البركة

قال الشيخ رحمه الله: للبركة أسباب كثيرة؛ منها: المنحة من الله عز وجل، أن يبارك للإنسان في علمه وعمره وجميع أحواله، ومنها في المعاملات: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما))، ومنها: امتثال آداب الأكل والشرب؛ مثل: لعق الصحفة، ولعق الأصابع، والاجتماع على الطعام، وألَّا يأكل من أعلاه.

 

ومنها: ألَّا يكيل الإنسان طعام البيت، فمثلًا إذا أتى بكيس رز إلى بيته فلا يكيله؛ لأنه إذا كاله نزعت منه البركة، وإذا تركه أنزل الله فيه البركة، فيأخذ كل يوم ما يحتاجه بدون أن يكيله، هكذا جاءت به السنة.

 

ومنها: أن الإنسان إذا بورك له في شيء فيلزمه، ولا يبقي كل ساعة له رأي.

 

فأسباب البركة كثيرة، ودعاء الإنسان ربَّه عز وجل بالبركة ليس معناه أن يمسك عن فعل الأسباب، فإذا كنت تريد البركة أو أي شيء تريده فعليك بفعل الأسباب.

 

بركة الله عز وجل لا حد ولا نهاية لها

قال الشيخ رحمه الله: ذكر لنا من نثق به من كبرائنا في السِّنِّ أن شخصين تقاسما تمرَ بستان لهما، وأن أحدهما خيَّر الآخر، قال له: اختر، فقال الآخر: أختار هذا الجانب الشرقي؛ لأنه رأى أنه أحسن وأكثر، فقال الثاني: وأنا أختار الغربي، والملك بينهما أنصافًا، فقال أحدهما: سأجُذُّه في نهار رمضان؛ لأجل ألَّا يأكل الفقير، فواعد الذين يجذُّون في النهار، فجذُّوه، وأدخل التمر، وأمَّا الثاني فقال: لن أجذَّه حتى يفطر الناس، فلما أفطروا قال لأهل حيِّه - وكان الناس في ذلك الوقت في فقر شديد- قال لهم: إني سأجذُّ النخل في اليوم الفلاني بعد العيد، فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، فحضر الفقراء وامتلأ البستان، وصاروا يأكلون حتى أن الزنابيل امتلأت من النوى، ولكن مع ذلك أنزل الله عز وجل فيه البركة، فجاء شريكه، وقال له: إننا قد أخطأنا في القسمة، وأنا أدَّعي أنني مغبون، وكيف يأكل الناس منك هذا الأكل الكثير، وتُدخل من التمر أكثر مما أدخلت أنا؟! قال الآخر: نحن قسمنا جميعًا، وخيَّرتُك، واخترت نصيبك معتقدًا أنه أكثر؛ ولكن بركة الله لا حدَّ لها، قال: بل غلبتني، ورُفع الأمر إلى القاضي، وحضرا، فقال: يا أيُّها القاضي، اقتسمنا التمر نصفين، وأدخلت تمري، وبلغ من الزنابيل كذا وكذا، وهو تأخَّر حتى أفطر الناس، وجاؤوا يأكلون، وملؤوا الزنابيل نوى، وأدخل من التمر أكثر مما أدخلت، وهذا يعني أنني مغبون، فكان القاضي ذكيًّا، فقال له: أقرأ: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [القلم: 17]، وكأنه يقول له: احمد ربَّكَ أنك حصلت على هذا التمر؛ لأن أصحاب الجنة لم يحصلوا على شيء، وأنت قلت: أجذُّها في نهار رمضان؛ لئلا يدخلنَّها اليوم عليك مسكين، فهذا جزاؤك، وهذا أنزل الله عز وجل له البركة، وبركة الله لا نهاية لها، فطرده.

 

بركة أسماء الله تعالى

قال الشيخ رحمه الله: أسماء الله تعالى كلها خير وبركة، وقال رحمه الله: البركة تكون باسم الله؛ أي: أن اسم الله إذا صاحب شيئًا، صارت فيه البركة؛ ولهذا جاء في الحديث: ((كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه باسم الله، فهو أبْتَرُ))؛ أي: ناقص البركة.

 

بل إن التسمية تفيد حلَّ الشيء الذي يُحرَّم بدونها، فإنه إذا سمَّى الله على الذبيحة، صارت حلالًا، وإذا لم يسمِّ صارت حرامًا وميتةً، وهناك فرق بين الحلال الطيب الطاهر، والميتة النجسة الخبيثة.

 

وإذا سمى الإنسان على طهارة الحدث، صحَّت، وإذا لم يسم لم تصح على أحد القولين.

وإذا سمى الإنسان على جِمَاعِه، وقال: ((اللهم جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رزقتنا))، ثم قدر بينهما ولد، لم يضرَّه الشيطان أبدًا، وإن لم يفعل، فالولد عرضة لضرر الشيطان.

 

بركة حلق القرآن الكريم

قال الشيخ رحمه الله: ينبغي أن نعتني بالصبيان، وأن ننشئهم نشأة صالحة على عبادة الله، وعلى محبَّة الصلاة والمساجد والخير وغير ذلك، ومن هذا أن نحُثَّهم على الالتحاق بحلق تحفيظ القرآن، إنها حلق مباركة نافعة.

 

بركة القرآن الكريم

قال الشيخ رحمه الله: فوالله، ما أبركَ هذا القرآنَ! فلما كان المسلمون يعملون به ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلنًا، عقيدةً وعملًا، خُلُقًا وأدبًا، نالوا بركته، وسادوا العالم، وجاهدوا به أعداء الله، ولما تخلَّفوا عنه نُزعت بركة القرآن عنهم.

وقال رحمه الله: القرآن قرآن مبارك، مبارك في ثوابه، مبارك في معناه، مبارك في آثاره، مُبارك من كل وجه.

 

من بركة القرآن ما يُفتحُ به على المُتدبِّر له من المعاني والحكم والأسرار:

قال الشيخ رحمه الله: ومن بركة القرآن أن الله تعالى يفتحُ به على المؤمن، كلما تدبَّرهُ فتح الله به عليه من المعاني والحِكم والأسرار ما لم يفتحه على المعرض عن القرآن.

 

وقال رحمه الله: القرآن مبارك من كل وجه، مبارك في معناه؛ لأن الإنسان إذا فهم معاني كلام الله عز وجل استنار قلبه، وانشرح صدره، وتفتحت عليه أنواع المعارف التي تخفى على كثيرٍ من الناس؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 174].

 

ومنها: الشعور بالراحة النفسية وانشراح الصدر عند تلاوته:

قال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن من حيث الأثر المترتِّب على تلاوته، سواء كان عامًّا أم خاصًّا، فالخاص ما يحصل للإنسان بتلاوة القرآن من انشراح الصدر، ونور القلب وطمأنينته كما هو مجرب لمن قرأ القرآن بتدبُّر، وقال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن ما يحصل للمتمسِّك به من صحة القصد، وسلامة المنهج، والسعادة في الدنيا والآخرة.

 

ومنها: أنه حصن حصين من فتنة الدجال، وشر الشياطين، وكيد السحرة:

قال الشيخ رحمه الله: من بركته أنه حصن حصين لقارئه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، لن يزال معك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح))، فاقرأ آية الكرسي في كل ليلة، فلا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح.

 

ومنها: أنَّ فيه بيانًا لكل شيءٍ:

قال الشيخ رحمه الله: ومن بركة القرآن أنه لا يمكن أن تحدث حادثة إلا وجدت في القرآن حلَّها، إما عن طريق الدلالة الصريحة، أو طريق الإيماء؛ فلو قال قائل: ليس في القرآن أن صلاة الظهر أربع ركعاتٍ، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، وما أشبه ذلك؟

الجواب: أما عن طريق صريح، فهذا ليس موجودًا؛ لكن عن طريق الإشارة فموجود؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وقال: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي))، فتبيَّنَ بذلك الحكمُ، فقوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43]؛أي: نقيمها بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة: 92]، وكيف نقيمها؟ بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلي))، فانتهت الدلالة، وعلى هذا يكون القياس.

 

فالقرآن الكريم نزل تبيانًا لكلِّ شيءٍ، وهو حبل الله المتين، من تمسَّك به نجا، ومن أطلقه هلك، فالبركة والخير في هذا القرآن، وقال رحمه الله: من بركته بيان أحكام الشريعة، وهي الأحكام التي يحتاجُ الناس إليها في حياتهم.

 

ومنها: عزة أمة الإسلام وظهورها على جميع أمم الأرض:

قال الشيخ رحمه الله: وبركة القرآن ما حصل للمتمسِّكين به من الرفعة والعزة والظهور على جميع الأمم.

وقال رحمه الله: ومن بركته ما حصل به من المعارف العظيمة لهذه الأمة الإسلامية، ومن الآثار الحميدة، فإن هذه الأمة الإسلامية كانت قبل نزول القرآن في ضلال مبينٍ في جهل أعمى، وفي ذلٍّ، وفي ضعف، ولما نزل القرآن وأخذت به، فاقت الأمم من كل ناحية؛ كما قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، وقال رحمه الله: القرآن مبارك في آثاره، فقد فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بالقرآن.

 

ومنها: أنه شفاء لأمراض القلوب والأبدان لمن أحسن الاستشفاء به:

قال رحمه الله: من بركته ما يحصل به من الشفاء، والشفاء الحاصل بالقرآن نوعان:

النوع الأول: شفاء معنوي.

النوع الثاني: شفاء حسي.

 

أما الشفاء المعنوي فهو الشفاء من أمراض القلوب من الشبهات والشهوات، فالقرآن الكريم به العلم الذي هو شفاء من الشبهة، وبه الإخلاص الذي هو شفاء من الشهوة، وهذا من بركته، وكم من إنسان صلح قلبه بقراءة القرآن إما بنفسه وإما بسماعه من غيره!

 

وأما الشفاء الحسي، فمن بركته أنه شفاء للأمراض الحسية؛ أمراض البدن، وهذا شيء مُشاهد مُجرَّب، فكم من إنسان مريض عجز عن علاجه الأطباء، شفاه الله بالقرآن الكريم!

 

ومنها: جمع كلمة العرب وحفظ لسانهم؛ اللغة العربية:

قال الشيخ رحمه الله: ومن بركته أيضًا، أنه حفظ لسان العرب - يعني: اللغة العربية - فإن القرآن الكريم أفصح الكلام العربي لا شك، وهو باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأن الله تكفَّل بحفظه، فحِفظه يستلزم حفظ اللغة العربية؛ ولهذا يجب علينا - نحن المسلمين العرب - أن نفتخر بلغتنا، وأن نكون ضدَّ كُلِّ شخصٍ يُحاولُ أن يسلب الأمة العربية لغتها التي هي لغة القرآن والحديث.

 

وقال رحمه الله: وما يحصل بهذا القرآن من اجتماع الكلمة، وحفظ اللغة الأصلية للقوم الذين نزل بلغتهم، فمن المعلوم أن الناس إذا كانوا على لغة واحدة، صاروا إلى الاجتماع أقرب، وإذا تفرَّقت لغاتهم، صاروا إلى التفرُّق أقرب؛ لأنه إذا اتفقت لغاتهم استطاعوا أن يتفاهموا فيما بينهم، وأن يعرف بعضهم ما عند بعض، وإذا اختلفت اللغات لم تحصل هذه الفائدة، فهذا من بركة القرآن الكريم.

 

ومنها: الأجر الكبير في تلاوته:

قال الشيخ رحمه الله: وبركة القرآن في الثواب الحاصل بتلاوته، فإن من قرأ حرفًا واحدًا منه، فله بكل حرف عشر حسنات، وهذه بركة عظيمة، فإذا قرأت: ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، فكلمةُ "ربِّ" بها ثلاثة أحرف، وهي: الراء، والباءُ المشددةُ بحرفين، كُلُّ حرف منها بعشر حسنات، فالجميع ثلاثون حسنة.

 

ومنها: أنه يهدي للتي هي أقوم:

قال الشيخ رحمه الله: من بركته أنه يهدي للتي هي أقوم؛ أي: الخصلة التي هي أقوم، وهذه تعتبر قاعدة فيما يهدي القرآن إليه، وقد ألقى فيها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمةُ الله عليه، محاضرةً كاملةً، وشرحها شرحًا وافيًا، فمن أراد الاطِّلاع عليها، فهي منشورة.

 

ومنها: رفعة منزلة مَنْ يتلوه:

قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن ما رُتِّب عليه من الثواب في المنزلة، لا في كثرة الأجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقٌّ، له أجران)).

 

ومنها أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه:

قال الشيخ رحمه الله: من بركات القرآن أنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، وما أحوج الإنسان للشفعاء! لأن الإنسان محل قصور، فيحتاج إلى من يشفع له عند الله سبحانه وتعالى.

 

ومنها: زيادة الإيمان والمعرفة بالله عز وجل عند تلاوته وتدبُّره:

قال عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [الأنفال: 2].

قال الشيخ رحمه الله: بركة القرآن: ما يحصل فيه من التأثير في القلب لزيادة الإيمان ومعرفة الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه.

 

ومنها: البركة في العمر:

قال الشيخ رحمه الله: انظر إلى أعمار من سبقنا من سلف في هذه الأمة، كيف يحصلون على الخير الكثير العظيم؟! ونتعجَّب كيف يكتبون هذا الشيء؟! وكيف يعملون هذا الشيء؟! فضلًا عن الإعداد له، وما يسبقه من تهيئة أبدانهم وقلوبهم وأفكارهم، كل هذا ببركة هذا القرآن العظيم.

 

ومنها تليين القلب وإكسابه خشية الله:

قال الشيخ رحمه الله: القرآن الكريم مُبارك في تأثيره؛ يعني: أنه يُؤثر على القلب، ويُلينُ القلب، ويُكسبه خشية الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 21]، سبحان الله! فهذا وهو جبل حصى يكون خاشعًا ذليلًا، ويتصدَّع من خشية الله عز وجل، فما بالكم بالقلب؟ لو كان القلب حيًّا يكون من باب أولى؛ ولهذا قال ابن عبدالقوي رحمه الله:

وحافظ على درس القُرَانِ فإنه *** يُليِّنُ قلبًا قاسيًا مثل جلمـد

 

وقال رحمه الله: القرآن مبارك في أثره بما يحصل به من صلاح القلوب، وإقبال العبد على ربه، وتليين القلب بذكر الله.

 

بركة الإسلام ورسالة النبي عليه الصلاة والسلام

قال الشيخ رحمه الله: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، أعظم الرسالات بركةً وأعمها وأشملها، وملايين الملايين من البشر كلهم انتفعوا بها، وبركاتها كثيرة معروفة لمن تتبع التاريخ.

 

وقال رحمه الله: الله تعالى بارك في دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام بركةً لا نظير لها؛ ولذلك كان أتباعه يمثِّلون ثلثي أهل الجنة، وهو رسول واحد، والرسل عددهم كثير، ولا شك أن هذا من بركة دعوته؛ ولذلك وصلت إلى مشارق الأرض ومغاربها، ومن بركة دعوته ما يحصل لتابعه من الطمأنينة، والاستقرار، والسعادة، والثبات وغير ذلك.

 

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنتُ أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقةٍ، وصلة رحم، فهل فيها من أجرٍ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أسلمت على ما سلف من خير))؛ [متفق عليه].

 

قال رحمه الله: إذا أسلم الكافر فأعماله السيئة يمحوها الإسلام كما قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38]، وأما أعماله الصالحة المتعدية من صدقة أو عنق أو صلة رحم، فإنها تُكتب له، ولا تضيع، لقوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، وفي لفظ: ((على ما أسلفت لك من الخير))، وهذا مقتضى قوله تبارك وتعالى: ((إن رحمتي سبقت غضبي))، ولولا هذا لكان الكافر إذا أسلم يُؤاخذ على عمله السَّيئ إلا أنه لا يخلد في النار ولا يُحاسب على عمله الصالح؛ لكن الرحمة سبقت الغضب، وهذه نعمة، والإسلام كله بركة.

 

بركة شهر رمضان

قال الشيخ رحمه الله: في شهر رمضان الكثير من البركات، وبركات هذا الشهر الكريم منها ما هو سابق، ومنها ما هو لاحق، ولنستعرض البركات التي جاءت في هذا الشهر اللاحقة والسابقة:

فمن بركات شهر رمضان السابقة:

أولًا: نُزولُ القرآن الكريم.

ثانيًا: نصر المسلمين في غزوة بدر.

ثالثًا: فتح مكة.

 

ومن بركات شهر رمضان اللاحقة:

ليلة القدر.

تُصفَّدُ فيه الشياطين.

فتح أبواب الجنة.

أن الله تعالى يُزينُ جنته كلَّ ليلة لمن أراد أن يدخلها.

 

قال جامعه: قد ذكرتُ كلام الشيخ رحمه الله مفصلًا عن بركات شهر رمضان في موضوع سابق بعنوان: "المنتقى من اللقاءات الرمضانية؛ للعلامة ابن عثيمين"، فلم أذكرها هنا منعًا للتكرار.

 

بركة المدينة النبوية

قال الشيخ رحمه الله: دعا الرسول عليه الصلاة والسلام للمدينة بالبركة، وأن يجعل مع البركة بركتين، وهذا شيء مُشاهد حتى الآن، فالذين يسكنون المدينة يقولون: إنا نُحسُّ بأن في طعامنا وشرابنا بركةً لا نُدركها في البلاد الأخرى.

وقال رحمه الله: نجد الطعام في المدينة يكون دائمًا متوفِّرًا ومباركًا في زرعه وجنيه.

 

بركة الزمان

قال الشيخ رحمه الله: الله قد يُبارك في الزمن للإنسان، حتى يقضي في اليوم ما لا يقضيه غيره في أيام، وهذا شيء مُشاهد، وإذا رأينا ما كتبه العلماء السابقون رحمهم الله في العلم وما عملوا من التدريس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علمنا أنه لولا أن الله بارك لهم في أزمانهم ما عملوا هذا العمل الكثير العظيم.

 

وقال رحمه الله: الإنسان إذا وفَّقه الله لكثرة الذكر بارك الله له في وقته، وبارك في عمله، وهذا شيء نسمع عنه، والعلماء السابقون تجد الواحد منهم يكتب الكراسات الكثيرة في المدة القليلة، مع أعماله وأحواله، وضيق المعيشة، وعدم الإنارة في الليل.

 

وقال رحمه الله: إذا قيل: ما السبيل الذي يجعل أوقاتنا مباركة؟ قلنا: ذكر الله، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، فالإنسان إذا أعرض عن ذكر الله، واتَّبع هواه، نزع الله البركة من عمره، والعياذ بالله؛ لكنه إذا كان دائمًا متعلقًا بربِّه سبحانه وتعالى، دائمًا يذكر الله تعالى، إن لم يذكره بلسانه ذكره بقلبه، وإن لم يذكره بجوارحه ذكره بقلبه، فهذا هو الذي يُبارك الله له في عمره.

 

بركة الولد

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((وبارك لي فيما أعطيت))؛ أي: أنزل البركة فيما أعطيت من: علم وولد ومال، أما بركة الولد فإن يجعل الله تعالى في ذلك معونة على طاعة الله، ويساعدك في أمورك، ومن بركة الأولاد أن يكونوا من طلبة العلم، وينفع الله بهم الناس.

 

بركة العلم

قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في علمه، بحيث لا يجلس مجلسًا إلا انتفع الناس بعلمه، ولا شك أن من بركات الإنسان أن يكون حريصًا على نشر العلم، ويسلك في نشره الوسائل التي تُشوِّق الناس إلى العلم، ولا تُملُّهم.

 

وقال رحمه الله: فبركة العلم: أن يكون الإنسان مباركًا في علمه، في الانتفاع به، وعبادة الله تبارك وتعالى على بصيرة، ويكون مباركًا في علمه بنشره بين الأمة وتعليمهم إيَّاه، ويكون مباركًا في علمه بالتأليف والكتابة، وانظر إلى بركة العلماء السابقين الذين كتبوا وألَّفوا، كيف انتفعت الأمة بهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله عز وجل، فصار هذا العلم بركة عظيمة لهم.

 

وقال رحمه الله: والغالب أن من دعا لنفسه - والعياذ بالله - أن الله تعالى لا يجعل في علمه بركة، وأن من أراد الحق جعل الله تعالى في علمه بركة حتى لو كان يتكلم بكلام لا يتكلم به إلا أدنى طلبة العلم، ولهذا نجد أناسًا عندهم حسن نية وقصد، يتكلمون بكلام سهل يأتي به أدنى طالب علم، ومع ذلك يكون لهم تأثير بليغ؛ لأنهم يريدون الحق وبيان الحق.

 

بركة الأخلاق

قال الشيخ رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في أخلاقه، بحيث تكون أخلاقه أخلاقًا حسنة، ففيه: السماح، والصدق، ولين الجانب، وما أشبه ذلك، فيقتدي الناس به، وإننا نقتدي بعوامٍّ ليس عندهم علم، نقتدي بأخلاقهم.

 

بركة العمل

قال الشيخ رحمه الله: البركة في العمل أن يوفق الله الإنسان لعمل لا يُوفَّق له من نزعت منه البركة، وقال رحمه الله: يجب أن نكون على بصيرة في أمرنا، وعلى بصيرة في ديننا، وعلى بصيرة فيما نعبد الله به، وفيما نفعل أو ندعو من الأقوال والأعمال، حتى يُنزل الله لنا البركة في عملنا؛ ولهذا نجدُنا نُكثر الأعمال؛ ولكن أعمالنا لا تُصلح قُلُوبنا، وبركتها قلية على القلوب، وعلى الأخلاق، وعلى الآداب؛ لأن غالب عباداتنا لا يقوم بالقلب، ولا يكون فيه تمام المتابعة؛ بل أحيانًا لا يكون فيه تمام الإخلاص، وقال رحمه الله في شرحه لحديث الرجل الذي تصدَّق على سارق وزانية وغني: في هذا الحديث من العبر: أن هذا الرجل لصدق نيته وإخلاصه جعل الله تعالى في عمله بركة.

 

وقال رحمه الله: تأمل قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الجمعة: 10]؛ أي: تفرقوا، كل في مجال عمله، التاجر في تجارته، والزارع في زرعه، والصانع في صنعته، ﴿ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: 10]؛ أي: اطلبوا من فضل الله.

 

فيه والله أعلم إشارة إلى أن الإنسان إذا قدَّم الوظائف الدينية - وهي عمل الآخرة - على الوظائف الدُّنيوية، فإن ذلك من أسباب بركة العمل الدنيوي؛ حيث أرشد الله تعالى إلى طلب الرزق بعد انقضاء الصلاة.

 

وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع:البركة في نتائج عمله التي لم يقصدها هو بنفسه، فأحيانًا يعمل الإنسان عملًا، ولا يخطر بباله أن الناس سينتفعون به هذا الانتفاع، ومع ذلك يجعل الله تعالى فيه خيرًا كثيرًا، ما كان يحلم أن يكون فيه هذا الخير، وهذا شيء يُشاهده الإنسان في بعض الأحيان.

 

بركة إقامة الحدود

عن عروة بن الزبير رحمه الله، أنَّ امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونهُ، قال عروة: فلما كلَّمه أسامة فيها تلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتُكلِّمني في حدٍّ من حدود الله؟!))، قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشيُّ قام رسول الله خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهلُهُ، ثم قال: ((أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتُها بعد ذلك، وتزوَّجت، قالت عائشة: فكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ [متفق عليه].

 

قال الشيخ رحمه الله: في هذا الحديث دليل على فوائد، منها: أن الحدود قد تكون سببًا للخير والبركة، فإن هذه المرأة رضي الله عنها تابت، وحسنت حالها، وتزوَّجت، وكانت تأتي إلى عائشة رضي الله عنها، فتقضي حاجتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

بركة القناعة

قال الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغن يُغنِه الله))، قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن يستغْنِ))؛ أي: بما عنده ولو كان قليلًا ((يُغْنه الله)) عز وجل، ويبارك له فيه.

 

بركة المال

قال الشيخ رحمه الله: إذا بارك الله في المال نما وزاد، وإذا نزعت البركة منه نقص وزال.

وقال رحمه الله: الصدقة لا تُنقص المال، وإن نقصته عددًا، فإنها تزيدُهُ بركةً، وحماية وكثير من الناس الذين ينفقون ابتغاء وجه الله، يجدون ذاك ظاهرًا في أموالهم بالبركة فيها، ودفع الآفات عنها، حتى أن الرجل يقول: كيف لم أنفق هذا الشهر إلا كذا، يتقالُّ ما أنفق؛ لأن الله أنزل فيه البركة، وبركة الله تعالى لا نهاية لها.

 

وقال رحمه الله: البركة التي يجعلها الله تعالى على يد الإنسان أنواع: البركة في المال، فكم من إنسان عنده مال قليل بالنسبة إلى من عنده أموال كثيرة جدًّا، ومع ذلك تجد أمواله القليلة قد ينتفع الناس بها، وتجد صاحب الملاين أو المليارات لم ينتفع الناس بماله كما انتفعوا بمال هذا الرجل!

 

وقال رحمه الله: من بركات المال أن تؤدي به ما أوجب الله عليك من النفقات في سبيل الله، وفي صلة الرحم، وفي بر الوالدين، وتؤدي ما أوجب الله عليك من زكاته، وتتطوَّع بما شاء تعالى من الصدقات وغيرها، ومن البركة في الأموال أن يكون عند الإنسان محاصيل يكتسب بها أو يكتسبها سواء بالبيع والشراء أو بالزراعة أو بغير ذلك.

 

وقال رحمه الله: المال من أخذه بطيب نفس من الباذل، ولم تتعلق به نفسه، ولم يستشرف له، فإن الله عز وجل يُبارك له فيه.

 

بركة شركة المضاربة

قال الشيخ رحمه الله: إعطاء المال لشخص يتاجر به، وله نصيب من الربح، يُسمَّى عند العلماء المُضاربة، وفيه خير وبركة لا سيَّما مع حُسْن النية، فإن الله تعالى قال في الحديث القدسي: ((أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما)).

 

وهذا النوع من العقود فيه بركة كما قلت، ومن بركته أنه يُنمِّي المال لصاحب المال بلا تعب منه، وأنه يفتح باب العمل والرزق للطرف الآخر الذي ليس عنده مال، فيكون هذا مكتسبًا بعمله، وصاحب المال مكتسب بماله، فلو أن الناس سلكوا هذا، وأعطوا من يثقون به دراهمَ يتَّجر بها، ويكون الربح بينه وبين صاحب المال على حسب ما يتفقان عليه، لحصل خير كثير لهؤلاء العاطلين الذين لا يريدون أن يعملوا بأبدانهم عند الناس كصناعيين، أو بنَّائين، أو ما أشبه ذلك، وليس عندهم مال يتجرون به، فإذا أحسن إليهم أحد من الناس، وقال: خذ هذا المال فتصرف فيه بالبيع والشراء، وما أحل الله، والربح بيننا، كان في هذا خير كثير، ومع النية الصالحة يُبارك الله للشريكين في هذا المال.

 

بركة السحور

قال الشيخ رحمه الله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تسحَّروا؛ فإن في السحور بركة))، ففيه بركة؛ لكونه مُعينًا على طاعة الله، وفيه بركة؛ لأنه امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه بركة؛ لأنه يغني عن عدة أكلات وشربات في النهار، وفيه بركة؛ لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب.

 

بركة الصلاح

قال الشيخ رحمه الله: قول زينب رضي الله عنها: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون" الصالح كل من قام بحق الله، وحق العباد، وفي هذا: دليل على أن وجود الصالحين في المجتمع يكون سببًا لمنعهم من الهلاك، وهذا من بركة الصلاح أن يدفع الله السوء عن الناس بسبب هؤلاء الصالحين.

 

بركة الاجتماع على الطعام وتكثير الأيدي عليه

قال الشيخ رحمه الله: الأفضل الأكل جميعًا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخبر أن في ذلك بركة، وذلك لما شكا إليه رجل أنه كان يأكل ولا يشبع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلعلكم تأكلون متفرقين؟))، قالوا: نعم، قال: ((فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يُبارك لكم فيه))، فاجتماع الناس على الأكل من أسباب البركة.

 

وقال رحمه الله: تكثير الأيدي على الطعام يُوجب حلول البركة فيه، وأن طعام الواحد يكفي الاثنين، والاثنين يكفي الثلاثة أو يكفي الأربعة أيضًا، وهذا مشاهد أنه في الشركة بركة، فكُلما كثرت الأيدي على الطعام كثُرت البركة فيه.

 

بركة ماء زمزم

قال الشيخ رحمه الله: زمزم ماء مبارك، (طعام طعم وشفاء سقم)، و(ماء زمزم لما شرب له) إن شربته لعطش رويت، وإن شربته لجوع شبعت، حتى إن بعض العلماء أخذ من عموم الحديث أن الإنسان إذا كان مريضًا وشربه للشفاء شفي، وإذا كان كثير النسيان وشربه للحفظ صار حافظًا، وإذا شربه لأي غرض ينفعه، فعلى كل حال هذا الماء مبارك.

 

بركة منى

قال الشيخ رحمه الله: منًى مُباركة، فمهما كثر الحجاج فإنها تكفيهم؛ لأنها مشعر، فلا بُدَّ أن يكون هذا المشعر كافيًا لجميع الحجاج؛ لكن إذا حصل الظلم نزعت البركة، قال بعض أهل العلم: إن من خصائص منًى أنها مثل رحم الأنثى، إن حملت بواحد كفاه، وإن حملت باثنين كفاهما، وإن حملت بثلاثة كفاهم، وهذا من بركة المكان أن يتسع لما لا يتسع له مثله في المساحة.

 

بركة المشاورة

قال الشيخ رحمه الله: لما سمِع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة - كعادته رضي الله عنه - هل يرجع أو يقدم؟ فأشار بعضهم بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم عزم على الرحيل، بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان في حاجة له - فحدَّثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه))، فانظر كيف كانت بركة المشورة، أن وفقوا للصواب والحق.

 

بركة البيع على الوجه الشرعي

قال الشيخ رحمه الله: إذا تبايع الناس على وجه شرعي، أنزل الله تعالى لهم البركة في بيعهم وشرائهم، واستقرَّ اقتصادُ الناس؛ حيث لا ظلم، ولا غرر، ولا ربا، واستقامت الأمور؛ لكن إذا تعامل الناس بمعاملات مُحرَّمة اختل نظام الاقتصاد؛ لأن الذي نظَّم هذه المعاملات هو الله عز وجل.

 

بركة صلاح الآباء

قال الله عز وجل: ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾ [الكهف: 82]، قال الشيخ رحمه الله: فكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.

 

بركة التهاني والتحيات الإسلامية

قال الشيخ رحمه الله: التهاني والتحيات الإسلامية تجدها خيرًا وبركة؛ مثلًا: من التحيات التي ليست إسلامية بحتة، أن يقتصر الإنسان على قوله: "مرحبًا، أهلًا"؛ يعني: حللت مكانًا واسعًا، فالفائدة فيها الإكرام فقط؛ لكن "السلام عليكم" تحية دعاء، كذلك "بالرِّفاء والبنين"، فهي وإن كانت تتضمَّن دعاءً، فهو دعاء في أمر دنيوي؛ لكن "بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير" تشمل الدعاء للدنيا والآخرة؛ الأمر الدنيوي والديني، فأنت إذا تأملت ما يحصل من السنن التي جاء بها الرسول عليه الصلاة والسلام في مثل هذه المناسبات وجدت أنها خير، ودعاء، وبركة، وصلاح.

 

بركة الصدقة

قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما نقصت صدقة من مال)) أي لا ينقص المالُ بالصدقة، لأن الإنسان قد يظن أن النقص هو النقص الحسيُّ، والحقيقة أن النقص هو النقص المعنوي.

 

مثال ذلك: رجل عنده مائة ريال تصدَّق منها بعشرة، فستصبح تسعين ريالًا، فيقال: نقصت؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا؛ لأنه يعلم أنه لا بدَّ أن ينقص العدد؛ لكنه لم ينقص من حيث المعنى، وذلك أن الله تعالى يُنزل البركة فيما بقي من المال، ويقي المال الآفات التي قد تحدث للمال نفسه، أو لمالك المال، أرأيت لو كان عند إنسان مائة ريالٍ مثلًا، وأصيب بمرض، واحتاج المائة للمعالجة، ألا تكون قد ذهبت المئة؟! أما إذا تصدَّق من هذا المال، فإنه من أسباب وقايته؛ أي: وقاية ما يتلفه، سواء كان في مرض الإنسان، أو في مرض أهله، أو في ضياع المال، أو في سرقته، أو ما أشبه ذلك.

 

بركة النكاح

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعظم النكاح بركةً أيْسَرُه مُؤنةً))؛ [أخرجه أحمد] قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: ((أيسرُه مؤنة)) هذا يشمل المهر والنفقات الأخرى التابعة له، فكلما كانت مُؤنة النكاح أيسرَ، كانت بركته أعظم، والعكس بالعكس، فكلما كانت مؤنته أكثر، صارت بركته أقلَّ.

 

لا بركة في الربا

قال الشيخ رحمه الله: الربا من أكبر الكبائر، لم يرد في أي ذنب دون الشرك مثل ما ورد في الربا من الوعيد؛ وذلك لأن النفوس تدعو إليه، حيث إنه يكثر المال حسًّا؛ ولكنه ينقص به معنى وبركةً.

 

هذه من بركتك

قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن تقول لشخص: "هذه من بركتك" وما أشبه ذلك، إذا كان سببًا للخير، فإن من الناس من يكون مُباركًا، ويحصل على يديه من الخير والبركات ما لا يحصل لغيره، ومن الناس ما لا يكون كذلك، فإذا قلت لإنسان مثلًا: "هذه من بركاتك، أنك حضرت وأحضرت فلانًا" أو "هذه من بركاتك، أنك أصلحت بين القوم"، أو ما أشبه هذا، فإن هذا لا بأس به، أما إذا كان من بركات الميت، ولم يكن هذا الشيء وقع في زمنه، فهذا لا يجوز، لكن لو وقع في زمنه فلا بأس، والمقصود أنك إذا قلت: "هذا من بركة فلان" وهو ميت، أنه إن كان حصل الشيءُ بعد موته فهو حرام، ولا يجوز؛ بل قد يصل إلى حدِّ الشرك الأكبر، وإن كان شيء حصل في حياته، وكان سببًا له، فهذا لا بأس به.

 

وقال الشيخ رحمه الله: قد مرَّ علينا بحث في كون الإنسان يُتبرَّكُ به، وهل يصحُّ هذا أم لا؟ وقلنا فيما سبق: إن كان المرادُ البركة الشخصية، فهذا ليس بصحيح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المراد بالبركة ما يحصل منه من منافع علمية، أو مالية، فإن هذا صحيح؛ لأن بعض الناس قد يكون مجلسه مُباركًا ينفع الحاضرين، إما بالذكر، وإما بالعلم، وإما بالمال، وإما بالآداب، والأخلاق، هذه بركة لا شك.

 

البركة في بعض الناس

قال الشيخ رحمه الله: البركة تكون في المخلوقات، ولكن الذي جعلها فيها هو الله عز وجل.

وقال رحمه الله: من بركة الإنسان أن يكون سببًا لصالح أقاربه.

وقال رحمه الله: ومن بركة الإنسان أن يجعل اللهُ فيه خيرًا.

 

وقال رحمه الله: قال أُسيدُ بن خضيرٍ: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر"، والبركة هنا أن ضياع عقدها صار سببًا لتفريج كربات الناس، ونزول آية التيمُّم، وصدق رضي الله عنه، فآل أبي بكر لهم بركات، ليس على النبي صلى الله عليه وسلم فقط؛ بل وعلى الأمة أيضًا، ولو لم يكن من بركات آل أبي بكر على الأمة إلا خلافة أبي بكر لكفى بها بركة، وحصل بها خير كثير، فقتال أهل الردَّة وعزة المسلمين، وتولية الفاروق رضي الله عنه، هذه كلها حسنات أبي بكر رضي الله عنه، وأنه وضع الحقَّ في نصابه تمامًا؛ ولهذا تُعدُّ خلافة عمر رضي الله عنه من مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فبركتهم كثيرة.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، قال: ((إنها لم تحل لأحد كان قبلي، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها))، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: ((إلا الإذخر))؛ [متفق عليه].

 

قال الشيخ رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: أن من الناس من يكون فيه بركة في تشريع الأحكام الشرعية، فمن بركات العباس رضي الله عنه، استثناء الإذخر الذي يحتاجه الناس في مكة للبيوت والقبور.

 

وقال رحمه الله: وهناك شيء آخر يجعله الله عز وجل بدون قصد من الإنسان، وبدون فعل منه، فرُبَّما يدخل رجل على أناس، وبدخوله عليهم يحصل لهم فرح وسرور وأُنس، وينسون كثيرًا من أحزانهم الماضية، وهذا واقع كثيرًا، وهو نوع من أنواع البركة.

 

الإنسان يسأل الله أن يجعله مباركًا

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان ينبغي له دائمًا أن يسأل الله أن يجعله مُباركًا أينما كان، في قوله وفعله، حتى يكون فيه الخير في نفسه وفي فعله.

 

من جعل الله على يديه بركة فليحمد الله ويشكره على ذلك

قال الشيخ رحمه الله: الإنسان إذا رأى الله سبحانه وتعالى يجعل على يده الخير والبركة، فهذه نعمة عظيمة ينبغي أن يحمد الله عليها؛ بل يجب أن يحمد الله عليها، ويشكر عليها.

 

كتب الشيخ التي تم الرجوع إليها:

تفسير سورة البقرة.

تفسير سورة الكهف.

تفسير سورة النور.

تفسير سورة القصص.

تفسير سورة ص.

تفسير سورة الزخرف.

أحكام من القرآن الكريم.

التعليق على القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن.

شرح مقدمة التفسير.

شرح أصول في التفسير.

التعليق على صحيح البخاري.

التعليق على صحيح مسلم.

شرح رياض الصالحين.

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام.

شرح مشكاة المصابيح.

التعليق على المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم.

شرح العقيدة الواسطية.

الشرح الممتع على زاد المستقنع.

دروس وفتاوى من الحرمين الشريفين.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الاستخارة والاستشارة

(فوائد من مصنفات الشيخ ابن عثيمين)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد جاءت النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية بالاستشارة والاستخارة، فالإنسان مهما بلغ من العلم والعقل والذكاء والتجربة، تمرُّ عليه مواقف يحتاج أن يستخير ويستشير فيها، ثم إنه إذا استخار، فيحتاج إلى شيء يرشده: أي الأمرين خيرٌ؟

 

وإذا أراد أن يستشير، فمن يستشير؟ فبعض الناس لقلة تجربته ومعرفته يستشير من ليس أهلًا للاستشارة، والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، له كلام عن الاستخارة والاستشارة في بعض مصنفاته، يسَّر الله الكريم فجمعتُ بعضه، أسأل الله أن ينفع به، ويبارك فيه.

 

الاستخارة

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: الاستخارة: طلب خير الأمرين، والإنسان في أفعاله إما أن يتبيَّن له خير الأمرين فيفعله، ولا يحتاج إلى استخارة، وإما أن يتردَّد ويُشكل عليه الأمر، فحينئذٍ يحتاج إلى استخاره؛ لأنه لا يدري ما خير الأمرين؟ وإنما العالم بذلك هو الله سبحانه وتعالى؛ لكن كيف نعلم أي الأمرين خير؟

 

الجواب: نعلم ذلك بأمور:

الأمر الأول: أن ينشرح صدره لأحد الأمرين، فيأخذ بما انشرح له صدرُه.

الأمر الثاني: أن يرى رؤيا تُؤيِّد أحد الأمرين.

الأمر الثالث: أن يُشير عليه أحد من أهل النُّصْح بأحد الأمرين، فنعلم أن الله تعالى استخار له ذلك.

الأمر الرابع: أن يتفاءل بأن يسمع شيئًا يُؤيِّد أحد الأمرين، فهنا يأخذ به.

الأمر الخامس: أن يُفتح عليه التفكُّر والتأمُّل، فيتأمَّل من وقع له مثل هذا، فأقدم على هذا فغنم، أو أقبل على الثاني فندم، فيأخذ بما فيه الغنم من باب الاعتبار.

 

فكلُّ هذه الأسباب تُرجح للمستخير أحد الأمرين، فإن لم يوجد مُرجِّح، فإنه يُعيد الاستخارة مرةً ثانية، حتى يتبيَّن له الأمر، وهذا لا يضرُّه؛ لأنه إذا أعادها فإنما يزداد عملًا صالحًا ودعاءً - والدعاء من العبادة - وافتقارًا إلى الله سبحانه وتعالى، كما قال أهل العلم: إذا استسقى الناس فسُقوا فقد حصل المطلوب، وإن لم يسقوا أعادوا الاستسقاء مرةً ومرةً ومرةً إلى أن يسقوا، فكذلك الاستخارة نقول فيها كذلك.

 

الاستشارة

وجوب المشاورة إذا لم يتبيَّن للإنسان وجه الصواب:

قال الشيخ رحمه الله: قال الله عز وجل: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، وهذا الأمر للوجوب حين لا يتبيَّن وجه الصواب، أما إذا تبيَّن وجه الصواب فلا حاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان دائمًا يمشي لوجهه ولا يشاور؛ لكن إذا اختلف وجه الصواب عند الإنسان وأشكل عليه فحينئذٍ تجب المشاورة في الأمور العامة المشتركة، فيُشاور من شاركه في هذا الأمر، ولا تجب المشاورة في الأمور الخاصة.

 

مشروعية الاستشارة وإن كان الإنسان ذا عقلٍ ومشورة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبدالرحمن بن عوف: أخوف الحدود ثمانون، فأمر به عمر؛ [متفق عليه].

 

قال الشيخ رحمه الله: من فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستشارة، حتى وإن كان الإنسان ذا عقلٍ ومشورة فليستشر.

شاور سـواك إذا نابتـك نائبة *** يومًا وإن كنت من أهل المشوراتِ

 

فلا تقل: أنا عندي ذكاء، وعندي فكر، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، وإذا كان عمر رضي الله عنه، وهو من هو، يستشير الصحابة، فمن دونه من باب أولى.

 

وقال رحمه الله: وعمر على سداد رأيه، ورجاحة عقله، كان لا يستغني عن المشاورة، فجاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدَّقت بها)).

 

الاستشارة في الأمور التي تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها:

قال الشيخ رحمه الله: لا تستشر إلا في أمورٍ تدعو الحاجة إلى الاستشارة فيها، فالإنسان يستشير في أموره الخاصة، ويستشير في الأمور العامة.

 

من بركة المشاورة أن يوفق الإنسان للصواب والحق:

قال الشيخ رحمه الله: لما سمِع عمر رضي الله عنه بخبر الوباء استشار الصحابة - كعادته رضي الله عنه - هل يرجع أو يقدم؟ فأشار بعضهم بالرجوع، وأشار بعضهم بعدم الرجوع، ثم عزم على الرحيل، بناء على ترجيح أكثر الصحابة رضي الله عنهم، وفي أثناء ذلك جاء عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه - وكان في حاجة له - فحدَّثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمِعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه))، فانظر كيف كانت بركة المشورة؛ أن وُفِّقُوا للصواب والحق.

 

وقال رحمه الله: لا شك أن الاستشارة استنارة في الواقع؛ لأن الإنسان بشر، يخفى عليه كثير من الأمور، فإذا اجتمعت الآراء ونوقشت بعلم وعدل - لا هوى - فإن الله عز وجل يوفقهم للصواب.

 

ذكر الأمر الذي تطلب الشورى فيه على حقيقته:

قال الشيخ رحمه الله: ينبغي للمستشير أن يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، لا يلوذ يمينًا وشمالًا؛ بل يذكر الأمر حقًّا على ما هو عليه حتى يتبيَّن للمستشار حقيقة الأمر، ويبني مشورته على هذه الحقيقة.

 

صفات من يُستشار:

قال الشيخ رحمه الله: يجب أن يكون رجال الشورى من أهل الخير والصلاح؛ لقول عمر رضي الله عنه: "الذين تُوفي عنهم رسول الله وهو راضٍ عنهم".

 

وقال رحمه الله: لا بد فيمن تستشيره، أن يكون ذا رأي وخبرة في الأمور، وتأنٍّ وتجربة وعدم تسرُّع.

 

فمن ليس له رأي لا تستفيد منه، وكثير من الناس إذا استشرته في شيء لا يعطيك ردًّا؛ بل ربما يقول لك كل ما تختاره فهو جيد، ويقول العامة: "إذا أردت أن تحيره فخيِّره" والقصد من الاستشارة أخذ الرأي؛ لا أن يخيرك أنت.

 

وأن يكون صالحًا في دينه؛ لأن من ليس بصالح في دينه ليس بأمين، حتى وإن كان ذكيًّا وعاقلًا ومحنَّكًا في الأمور، إذا لم يكن صالحًا في دينه فلا خير فيه، وليس أهلًا لأن يكون من أهل المشورة؛ فلا تستشر إلا إنسانًا أمينًا، يُحبُّ لك ما يحبُّ لنفسه، فغير الأمين قد يُودي بك ويضرُّك.

 

مشروعية استشارة الرجل في طلاق الزوجة:

عن لقيط بن صبرة رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، إني لي امرأة، فذكر من بذائها، قال: ((طلقها))، قُلتُ: إن لها صُحبةً وولدًا، قال: ((مرها أو قُل لها، فإن يكُن فيها خير ستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربتك أمتك)) [أخرجه أبو داود وأحمد].

 

قال الشيخ رحمه الله: فوائد الحديث: مشروعية استشارة الرجل للنُّصح، والرأي في طلاق الزوجة؛ لأن هذا الصحابي استشار النبي صلى الله عليه وسلم في حال امرأته الذي حصل منها البذاء.

 

على المُستشار أن يتقي الله، وأن يُشير بما يرى أنه حق ونافع:

قال الشيخ رحمه الله: يجب على المستشار أن يتقي الله عز وجل فيما أشار فيه، وألَّا تأخذه العاطفة في مراعاة المستشير؛ لأن بعض الناس إذا استشار الشخص، ورأى أنه يميل إلى أحد الأمرين أو الرأيين ذهب يُشير عليه به.

 

ويقول: أنا أحبُّ أن أوافق الذي يرى أنه يناسبه، وهذا خطأ عظيم؛ بل خيانة، الواجب إذا استشارك أن تقول له: ما ترى أنه حق، وأنه نافع، سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحًا، وأدَّيت ما عليك، ثم إن أخذ به، ورأى أنه صواب فذاك، وإن لم يأخذ برأيك فقد برئت ذِمَّتُك، مع أنك ربما تستنتج شيئًا خطأ؛ قد تستنتج أنه يريد كذا وهو لا يريده، فتكون خسرانًا من وجهين: من جهة الفهم السَّيِّئ، ومن جهة القصد السَّيِّئ.

 

وقال رحمه الله: الإشارة عند المشاورة إلى ما يكون أحسن، وهذا واجب، فكل من استشارك في أمرٍ، فإنه يجب عليك أن تنظر ما هو الأصلح في حاله، وقد تُشير على شخص بشيء، وتشير على آخر بخلافه، والمقصود أنه في المشورة يجب على الإنسان الذي استُشير أن ينظر إلى حال من استشاره، ما الذي يصلح له؟

 

مناقشة من تستشير:

قال الشيخ رحمه الله: وإذا استشرته، فهل تستسلم لما يقول أو تناقشه؟

الجواب: بل تناقشه حتى يستبين الأمر؛ لأنه قد يشير عليك بما يرى أنه المصلحة؛ لكنه لا يدري ما وراء ذلك مما هو عندك أنت، فلا حرج أن تناقشه، وقد يغضب بعض الناس أن تستشيره ثم تجادله، فقل له: أنا ما جادلتك اعتراضًا؛ لكني جادلتك حتى يتبين الأمر ويحصحص الحق؛ لأن الإنسان قد يبدو له شيء وتغيب عنه موانعه، فإذا وجد من يعارضه تبيَّن تمامًا.

 

فوائد استشارة الإنسان لأهله:

قال رحمه الله: لو أقدمت على عمل، فينبغي أن تستشير أهلك لأُمور ثلاثة:

أولًا: أنَّك إذا استشرت أهلك رفعت من معنويَّاتهم، وتواضعت لهم، وهذه فائدة عظيمة، وعرف أهلُك أنَّ لهم قيمةً عندك وقدرًا.

 

ثانيًا: رُبما يكُون لديهم رأي خير من رأيك، فكثير ما يكون القاصر عنده من العلم ما ليس عند الكامل؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يكمل من كُلِّ وجهٍ، والقاصرُ لا يمكن أن يكون قاصرًا من كلِّ وجهٍ، فقد يكون عند أهلك من الرأي ما ليس عندك، ويكون رأيُهم هو الصواب.

 

ثالثًا: في مشاورة الأهل في الأمر الذي يُهمُّك ويُهِمهم أن تقنعهم إذا كان رأيك هو الصواب، من أجل أن يستقرُّوا ويطمئنوا ويقبلوا العمل الذي تقوم به وإياهم بِانشراح صدر.

 

كتب الشيخ التي تم الرجوع إليها:

التعليق على صحيح البخاري.

التعليق على صحيح مسلم.

شرح عمدة الأحكام.

التعليق على المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم.

شرح رياض الصالحين.

فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام.

التعليق على فصول من زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×