اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

قلبي مشغول بمن ؟ - الدكتورة رقية العلواني

المشاركات التي تم ترشيحها

قلبي مشغول بمن 
الدكتورة رقية العلواني

مقدمة

 

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

هذه أحاديث ورسائل أود أن أرسلها من القلب لتصل إلى قلوب أبنائي وبناتي من الشباب. هذه الرسائل لم تأتِ فجأة، هذه الرسائل جاءت نتاج قلق وخوف وتجارب إنسانية ومواقف حدثت معي في مراحل عمرية مختلفة. أردت أن أتشارك فيها، أردت أن تكون فيها وقفات، على هذه الوقفات تنفع تلك القلوب التي أرغب في أن تصل الرسائل إليها.

 

حديث عن القلب

 

والحديث، على فكرة، من القلب إلى القلب، وعن القلب حديثنا عن القلب. نعم، القلب! القلب الذي هو محط نظر الله عز وجل، القلب الذي يميز الواحد منا عن سائر المخلوقات والكائنات. القلب الذي هو إما يجر الإنسان إلى، لسمح الله، الهاوية، وإما يرفعه إلى عليين، بكفره أو بإيمانه. القلب الذي هو محط المشاعر الإنسانية المتعددة، من كره، من بغض، من حقد، من حسد، من ضغينة لا سمح الله، أو من مشاعر إيجابية من محبة ورحمة ومودة وتعاطف. القلب هو أهم وأعظم ما يمتلكه الإنسان.

 

ما هي أحوال هذا القلب؟ إلى أين وصلت القلوب التي نتحدث عنها، قلوبنا التي في صدورنا؟ أين هي الآن؟ ما هي أحوالها؟ ما هي المساحات التي قد شغلت بها؟ هل بالفعل نحن راضون عن قلوبنا؟ هل بالفعل وصلنا إلى مرحلة قناعة بأن هذا القلب الذي هو محط نظر الله عز وجل، قلب يستحق أن ينظر له الله عز وجل، وحين ينظر إليه ينظر إليه نظرة رضا وليس بنظرة غضب؟

 

هذه القلوب نريد أن نجلس معها جلسات مصارحة. نريد أن نفتح معها حوارًا صادقًا، حوارًا ليس الغرض منه التأنيب أو التوبيخ، ليس الغرض منه فقط أن نقول هذا خطأ وهذا صواب، فهذا لا يكفي. حوار الغرض الأساس من أن نشد على أيدي بعضنا البعض، سواء كنا في حالة خطأ أو في حالة صواب، نمسك بأيدِ بعضنا البعض لنمشي سوية على الطريق الصح. لنقطع خطوات حقيقية تسير بنا نحو الصواب، نحو تصويب القلوب، نحو الارتقاء بقلوبنا، الوصول بها إلى مرحلة السمو والنقاء والطهر والصفاء الذي نتمنى أن يكون، لينظر الله عز وجل إلى هذه القلوب نظرة رضا، ونظرة جزاء، ونظرة حب، ونظرة تفيض علينا وعلى حياتنا بالرحمة وبالسكينة وبالطمأنينة.

 

إذا أردنا بالفعل أن نفتح هذه الحوارات مع قلوبنا، كما سنفعل إن شاء الله، نحتاج إلى جلسة تفكر، ساعة تفكر، ساعة نطرح فيها على قلوبنا أسئلة واضحة صريحة محددة. نحتاج فيها إلى إجابات، نحتاج فيها إلى إجابات تعكس الواقع الذي نعيش فيه، إجابات تخرج من إطار المفروض والينبغي إلى حيز الواقع. كلنا يعلم أنه من المفروض أن تمتلئ قلوبنا بمحبة الله عز وجل، ولكن هل هذا المفروض هو الواقع؟ هل هذا المفروض هو الذي يطبق في حياتنا؟ أم أننا لسبب أو لآخر قد تجاوزنا هذا المفروض وهذا الذي ينبغي وهذا الذي يجب؟

 

هذا النوع من الأسئلة لا يملك الإجابة عليه إلا الشخص، إلا القلب، ذات القلب هو الذي سيجيب، وهو ما نريد أن نفتحه في هذه الحوارات. ما هي المساحات التي شغلت بها قلبي؟ هل قلبي بالفعل منشغل، ومنشغل بمن وبماذا؟ هل الاهتمامات التي شغلت بها قلبي اهتمامات منطقية؟ هل هي اهتمامات تؤدي بي إلى نتيجة إيجابية في حياتي، في معاشي، في واقعي، في آخرتي، في مستقبلي؟ هل هي اهتمامات ستصل بي إلى الأمر الذي أتمناه؟ هل هي اهتمامات ستحقق لي الأهداف التي وضعتها أمام عيني كإنسان مسؤول؟ أم هي اهتمامات طارئة؟ أم هي مشاغل أصبحت تفرضها عليّ الحياة التي أعيش، المواقف التي أمر بها، الأشخاص الذين ألتقي بهم، الأناس الذين أتى معهم؟

 

هذا سؤال مهم، أحتاج أن أجد الإجابة عليه. هل الاهتمامات التي شغلت بها قلبي، هل الحجرات، لنفرض أن في القلب، وهو حقيقة يعني من الناحية الفسيولوجية في القلب حجرات، هل الحجرات التي شغلت بها قلبي وأخذت مساحة واسعة في قلبي، حجرات جاءت بناءً على حقائق، على مواقف عقلية، أم أنها أمور عاطفية عارضة شغلت قلبي وشغلت الحجرات في نفسي وانتهى الأمر؟ وأصبحت أسير هذه الاهتمامات، أصبحت بين ليلة وضحاها أسير الاهتمامات المفروضة عليّ، أصبحت أشعر كإنسان إني واقع تحت تأثير خواطر أو أفكار أو انشغالات لا أجد فكاكًا عنها؟ أحيانًا حين أفكر بعقلي للحظة، بعيدًا عن منطق العاطفة، أجد نفسي أريد أن أتخلص من هذه الخواطر ولكني لا أعرف كيف السبيل

3dlat.net_16_16_c328_86d2aa135b5d5.gif

قلبي مشغول 
الدكتورة رقية العلواني
انشغال القلب بالدنيا

 

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. توقفنا في اللقاء السابق عند الإجابة الحقيقية التي ينبغي أن نواجه أنفسنا فيها: انشغال القلوب بمساحات هائلة من الدنيا. انشغلنا بالدنيا كثيراً، وهذا الانشغال، كما ذكرنا في المرة السابقة، ربما لأننا بالفعل نجهل، أو نتجاهل، ونتغاضى.

 

دليل ولا تحتاج إلى برهان، نحن ندرك جميعاً حقيقة الدنيا، ولكننا ننسى أو نتغافل. هذا التغافل وهذا الجهل بحقيقة الدنيا، والتجاهل لحقيقتها، وتجاهل أننا هنا ضيوف مجرد عابري سبيل، سنترك ونرحل إلى مرحلة أخرى، هذا التجاهل يضعف القلب تماماً. يضعف القلب عن السير لله سبحانه وتعالى، يدخل القلب في حالة فراغ، أو في حالة من الوهم، يهيأ للقلب أنه قد مُلئ، ولكنه على وجه الحقيقة فارغ خاوي، لا شيء فيه. يعني مجرد عملية انتفاخ وهمي غير حقيقية.

 

النتيجة التي تترتب عليها أن قلوبنا تعاني من الكثير من الأمراض. ولكن الليلة سنتحدث عن أمر آخر. الليلة نريد أن نوجه لقلوبنا سؤالاً آخر: هذا السؤال: من هم الأشخاص الذين احتلوا مساحات في قلبي؟

 

الحب الحقيقي

 

لماذا هذا السؤال؟ لأن القضية خطيرة. كلنا يعلم أن القلب حين ينشغل بمن يحب، يشغل به ليل نهار. أن القلب حين ينشغل بأحد من الناس ويحب هذا الشخص، سيتوجه لإرضائه، سيصبح بشكل أو بآخر أسير لهذا الشخص، يحاول إرضاءه بأي طريقة من الطرق، يحاول أن ينشغل به ويشغل به، حتى لو حاول أن لا ينشغل به.

 

ولذلك ينبغي علينا، بل يجب علينا أن نصارح قلوبنا: يا قلب، بمن قد شغلت؟ وهذا السؤال سؤال فيه شيء من الحساسية، الحساسية التي تحتاج أن نصارح أنفسنا فيها، وخاصةً مع معاشر الشباب من الفتيان والفتيات.

 

كلنا يعلم أن هذا العصر قد جاء فيه، وظهر فيه بشكل كبير وواسع شيء اسمه الحب، هكذا الاسم، هو الحب، أو العاطفة، أو أسماء متعددة، كلها تدور في فضاء الحب. ما هو هذا الحب؟ هل هو كاسمه فعلاً شيء جميل؟ ومن منا لا يحب الحب؟ ومن منا لا يقدر قيمة الحب؟ أليس بالحب تُعمر الأراضي؟ أليس بالحب تُعمر هذه الأرض؟ أليس بالحب ينمو الطفل الصغير؟ أليس بحب الأم لوليدها تحنو عليه وتربيه، وتعطيه من جسدها لأجل أن يتغذى وينمو ويكبر؟ أليس هذا هو الحب؟ أكيد هذا جزء من الحب. الحب أنواع.

 

أما النوع الذي تأمر به الأرض، أما النوع الذي تزهو به الحياة، فهو النوع الذي أوجده الله فطرةً في نفوس الخلق، ودعا إليه، وجعله فضيلةً من أعظم الفضائل التي يتسم بها الإنسان، بل أوجده كذلك بمقادير مختلفة، حتى في نفوس الكائنات والمخلوقات المختلفة. فالأم تحنو على صغيرها، سواء كانت من من بني الحيوان، أو من بني الإنسان، أو من بني الطير، كلها أمم أمثالنا. هذا الحب لا نزاع فيه، اللهم إلا في حالة إذا ما شغل القلب، وانشغل القلب به عن محبة الله عز وجل. بمعنى أن يصبح الأولاد هم الهم الأكبر والوحيد في حياة الأم أو الأب. فالله سبحانه وتعالى حذر من ذلك، وقال: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، اختبار. انشغل بأولادي، أحب أولادي، أقدم لهم كل ما ينبغي أن أقدم لهم، ولكن هذا لا يعني أبداً أن أبقى دائماً في هذا الحيز وفي هذا الإطار، دون أن أعمل لآخرتي، دون أن أجعل هؤلاء الأولاد مطيةً يصلون بي ويرتقون بي إلى مراحل ودرجات عليا في الآخرة. علي أن أتحكم في عواطفي، علي أن أدرك أنهم أمانات، علي أن أدرك أنهم التزامات، أنهم تكاليف علي أن أقوم بها، أعباء لابد من أن أقوم بها على أتم وجه وأكمل وجه، وبالتالي لا أقع أسيراً من جديد لأي نوع من أنواع هذا الحب، حتى وإن كان في أصله مباحاً مشروعاً، أو واجباً. هذه نقطة.

 

الحب بين الشباب

ولكن الحب الذي نريد أن نطرق بابه اليوم، وفي الحلقات القادمة، هو الحب السائد بين الشباب والشابات، الحب الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، الحب الذي تتحدث عنه الفضائيات والمسلسلات والأفلام والمجلات والدنيا بأسرها، حتى كأن الناس ما عاد لهم شغل يشتغلون به سوى ما يسمونه ويطلقون عليه حب. فما هو الحب؟ الحب الذي يتحدثون عنه بهذه الصورة هو ميل، هو فطرة ميل جعله الله سبحانه وتعالى بين الشاب والشابة، لأجل أي شيء؟ لأجل غاية عظمى، لأجل أن يكون هناك أسرة، لأجل أن يُفتح بيت، بيت قائم على أساس المودة، أساس الرحمة، أساس الصدق، أساس الخير والمعروف الذي أراد الله أن تنشأ به الأسرة، وأن تأمر به الأرض والحياة، وتستمر به الحياة، وتنجب به الذرية، ويحدث به التكاثر والإعمار والاستخلاف على هذه الأرض. ولكن هذا الميل الفطري الذي جعله الله سبحانه فطرةً في نفس الشاب والشابة، جعله ضمن إطار واحد، جعله ضمن إطار لا ينبغي أن يحيد عنه ولا يخرج عنه. ذاك الإطار هو الزواج. بمعنى آخر، أن هذا الميل الفطري بين الشاب والشابة لا ينبغي أن يأتي من النافذة، عليه دائماً أن يطرق الأبواب، أبواب الصحيحة، عليه أن يدخل البيوت من أبوابها، وليس من نوافذها المغلقة والموصدة أمامه. هذا هو الإطار الشرعي الذي وضعه الله سبحانه، الذي خلق الشاب والشابة، الذي خلقنا جميعاً، الذي قال: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ أي انحدار، أي حيدة عن هذا الطريق الصح، أي خروج عن هذا الإطار، سيوقع الإنسان في مشاكل جمّة. سنقف على تلك المشاكل، سنداوي تلك الجروح سويةً

3dlat.net_16_16_c328_86d2aa135b5d5.gif
قلبي مشغول بمن 
الدكتورة رقية العلواني

خطورة الهوى

 

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

بدأنا بتحليل مشاعرنا وعواطفنا، بدأنا بمحاولة التقرب من قلوبنا لإدراك ما الذي يشغلها. توقفنا عند قضية التعلق بالأشخاص، أو ما يطلق عليه الحب بين الشباب والشابات. توقفنا عند نقطة الهوى.

 

لماذا ننجرف وراء الهوى؟

 

لماذا ننجرف وراء هذا الهوى؟ لماذا ننجرف وراء هذا الحب؟ لماذا ننجرف وراء العيش في عالم من الخيال صنعناه بأيدينا، بأفكارنا، بخواطرنا، بقلوبنا التي شُغلت؟ أصبحنا ليل نهار نفكر في ذلك الشخص. وقعنا في الأسر، وقعنا في الفخ، ولا ندري ما هي النهاية.

 

قلنا وحددنا السبب بأنه الهوى. قلنا أن الهوى ما تميل إليه النفس بأشكال مختلفة. يصبح في قلوبنا كالإله المعبود، يأمرنا فنطيع، يقول لنا فنمشي حسب ما يقول لنا ويوجهنا. لم يعد هناك ناصح في حياتنا، لم يعد هناك منطق في عقولنا وفي قلوبنا وفي واقعنا نهتدي به، لأننا قد وقعنا، أو أوقعنا أنفسنا على وجه الحقيقة، في فخ وفي أسر الهوى.

 

عندما يصبح الإنسان أسيرًا للهوى

 

حينها فقط، حين يصبح الإنسان أسيرًا لهذا الهوى، يفقد العقل والمنطق. حتى النصيحة حين تأتي من أعز الناس أو أقرب الناس، ربما أم، ربما أب، ربما أخ، ربما صديقة ناصحة، لا أستطيع أن أستمع إلى هذه النصيحة، فهي لا تعلم عن طبيعة العالم الذي أنا أعيش فيه.

 

ثم إن هذا الشاب، أو هذا الشخص الذي ارتضيته الآن ليكون فعلاً مصاحباً لي في عالمي المنسوج من الخيال، هو شخص خارج مواصفات البشر! هو شخص قد جاء من كوكب آخر، نزيه، نظيف، لا يعرف الغش، ولا يعرف الخيانة، ولا يعرف الكذب، لا يعرف سوى النزاهة والصدق والعفة. لم يجرب الحب من قبل إلا مع هذه الفتاة أو هذه الشابة. هكذا يزين لها الهوى.

 

ولذلك الله عز وجل يقول: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. الهوى يفقد الإنسان صوابه، يفقد الإنسان عقله، يصبح الإنسان عدو نفسه، عدو منطقه، لا يستمع لنصيحة ناصح، أو نقد ناقد، أو حكمة حكيم. يغتر برأيه ونفسه، ويعتقد أنه الشخص الوحيد في العالم، هو والحبيب الذي أحبه، الذي يمتلك الصواب والحقيقة المطلقة.

 

أما البشر الآخرون من حوله، فهم أناس لا يعرفون شيئاً، أناس في غاية من الجهل، أناس في غاية من التعقيد، فقدوا عقولهم، لا يعلمون شيئاً، لا يعرفون حكم هذا الزمان، ولا يعرفون قوانينه. فهنا يزداد الأمر وطأة، يزداد الهوى تجذراً.

 

وصاحب ابن عباس رضي الله عنهما، شر إله يُعبد في الأرض هو الهوى. إله يصل بالإنسان إلى شيء لا نهاية من ورائه، طريق مسدود، طريق مظلم، طريق متعثر. هذا الهوى لا يقود إلى خير أبداً، لا يقود إلى خير، بل لا يأتي بخير على الإطلاق.

 

كيف نتعامل مع الهوى؟

 

ما الذي أفعل به؟ كيف أتعامل به؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وهو نبي، كان يتعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء. كان يقول كلاماً في غاية الخطورة، يقول: "سيخرج من أمتي أقوام تتجارى، أي تتسابق، بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخل". لا يبقى منه أبداً، بمعنى آخر، أن الهوى يتغلغل في جسم الإنسان، في عقله، في روحه، في قلبه، في كيانه، لا يدع له شيئاً إلا ويتغلغل فيه ويدخل فيه.

 

هذا الأمر في غاية الخطورة. الإمام علي رضي الله عنه يقول كلاماً أخطر، يقول: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فاتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل يُنسي الآخرة". وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد، أخبرني أي الجهاد أفضل؟" قال: "جهاد هواك". أي بمعنى آخر أن أخالف هوايا، أن أنظر ما الذي يأمرني به هوايا. هوايا على سبيل المثال يقول لي اتصلي به، اخرجي معه، اذهبي معه في نزهة لمدة ساعة وأنتم في مكان عام، كل الناس من حولكم، لن يحدث خلوة، لن يحدث ما تخافين، لن يحدث، لن يحدث. يزين لي الأمر. مجاهدة الهوى أن أفعل ضد ما يأمرني به هواي.

 

دور شياطين الإنس

 

ودعوني هنا أنبه على نقطة في غاية الخطورة. أحياناً يأتي مع الهوى شيطان من شياطين الإنس، صاحب سوء أو صاحبة سوء، يزين للإنسان عمله، يزين عمل السوء. ولذا ربي عز وجل يقول: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. هذا الأمر في غاية الخطورة، العمل سيئ وقبيح، ولكني أراه حسناً. كيف؟ هناك من زين لي، الهوى، نفسي العدو الداخلي، والعدو الخارجي، صاحب السوء أو صاحبة السوء، يزينون العمل.

 

وأحياناً، ودعونا في غاية المصارحة، يكون بعض من هؤلاء يكونوا بالفعل قد وقعوا في مثل هذه المواقف السيئة، فيريدون أن يوقعوا كل من حولهم. بعض الفتيات، لا سمح الله، تكون هي قد وقعت في الفخ أو في الأسر، وقعت ضحية، هي بالأصل ضحية. ولكنها عوضاً عن أن تتحول من ضحية إلى إنسانة ترشد وتنبه وتغير وتصحح وتخرج من هذه الكبوة والعثرة إلى الطريق الصح، إلى النور، إلى الصواب، فتحذر من الوقوع في مثل هذه المواقف، نراها تبدأ بمحاولة أن تجرف كل من حولها، كل من تتعرف إليهم، إلى الطريق الخطأ، إلى الطريق الذي لا يقود إلا إلى الانحراف.

 

فتزين العمل، تزين السوء، وتبين وكأن الأمر لا يعني شيئاً، الأمر في غاية البساطة، نحن نخرج في مكان عام أمام كل الناس. دون أن تعرض لهذه الفتاة، ولو على سبيل التبسيط فقط، ما الذي يمكن أن يترتب على ذلك من إساءة للسمعة، من بعد عن رضا الله عز وجل، من انشغال القلب، من انحراف الخواطر، من التصرفات غير السليمة.

 

مصالحة مع القلب

نحتاج اليوم إلى جلسة مصارحة مع القلب. نحتاج أن نفتح القلوب حتى ولو كانت بها جروح. دعونا ننظر إلى الجرح من قريب، ليس لأجل أن نثير هذا الجرح، أو نعم، إطلاقاً، ولكن لأننا نريد أن نداويه. ولن يكون هناك دواء أو علاج على وجه الحقيقة دون أن يكون هناك تشخيص دقيق
 

تشخيص سبب التعلق بالأشخاص

خطوات العلاج

 سنبدأ بمرحلة العلاج. أول خطوة على الطريق الصحيح أن أحدد مكان الداء. مكان الداء هو اتباع الهوى. كيف أعالج مرض اتباع الهوى؟

 


 أول وأهم نقطة هي اتخاذ القرار الصحيح، القرار الجريء، القرار الشجاع، القرار الذي لا رجعة فيه.
 

 

بعد أن عرفت الداء، عليّ أن أقوم باتخاذ الخطوة. ما هي الخطوة؟ قطع الاتصال. هذه العلاقة إما أن يكون الغرض الأساس من ورائها علاقة وهدف نبيل، وهو إتمام هذه العلاقة بزواج، وهذا لا يمكن أن يكون له أبواب متعددة. ذكرنا في المرات السابقة ليس له إلا باب واحد فقط، باب التواصل مع الأهل وإجراء الزواج وانتهاء الموضوع على هذا الشكل وهذه الصورة. لا يمكن أن تتعدد الوسائل أو السبل أو الطرق.

 


الأمر الآخر، إن لم تكن هذه هي النتيجة، إذاً فأمر نتائج أخرى وسبل أخرى متعددة، وكلها لا تؤدي إلى ما يريده الله ويرضاه. وبالتالي في مثل هذه الحالة، عليّ أن أقوم باتخاذ القرار الصح حتى ولو جاء متأخرًا.

 


بعض الناس قد ردد في اتخاذ القرار. حين يأتي القرار متأخرًا، أبدًا ليس هناك تأخر في اتخاذ أي قرار شجاع طالما أنا على وجه هذه الأرض، طالما هناك نفس يدخل ويخرج، وأنا في مرحلة الاختبار، وأنا على هذه الأرض وليس في بطنها أو داخلها، هناك مجال للتغيير، هناك مجال لاتخاذ القرار مهما كان هذا القرار قد جاء في فترات لاحقة، وكان ينبغي أن يأتي سابقًا أو مسبقًا. ليس لهذا أهمية كبيرة، المهم أن أستيقظ من الغفلة التي كنت فيها، المهم أن أنفض عن نفسي غبار الوهم والخيال الذي كنت قد صنعته بنفسي ونسجته في حياتي.

 


المهم أن أبدأ بنفض غبار الهوى عن قلبي وعن بصري لأرى الصورة الواقعية الصحيحة التي كان ينبغي أن أراها من قبل، ولكني تأخرت في رؤيتها. طالما الآن رأيت الصورة كما هي، عليّ أن أتخذ القرار. ما هو القرار؟ أقطع كل ما يمكن أن يؤدي إلى هذه العلاقة، سواء كان ذلك عن طريق اتصال، أو عن طريق دردشة، أو عن طريق رسائل، أو عن طريق أشخاص، أو لقاءات. أي أمر، أي شيء يربطني بهذه العلاقة المشؤومة، إن صح التعبير، عليّ أن أبدأ بقطع الاتصال، عليّ أن أبدأ أعالج هذا التعلق.

 


طبعًا هناك نقطة مهمة علينا أن نتذكرها دائمًا، بقدر ما أنا كنت متعلقة بهذا الشخص، بقدر ما سيكون الأمر صعب وفي غاية الصعوبة عليّ أن أقطع هذا التعلق، ولكنه قطعًا ليس بالمستحيل. الإرادة القوية، العزيمة، النية الصادقة، التوجه الصادق بالقلب وبنية لله عز وجل، طالبين الاستعانة من مؤكدين: "يا رب، أنا اكتشفت الخطأ الذي كنت فيه، أنا اكتشفت أني قد وقعت في خطأ، يا ربي ساعدني، يا ربي أعني، يا ربي خذ بيدي للطريق الصح، يا ربي أرني الحق، يا ربي أنر بصيرتي، أنر قلبي، دعني أرى الطريق الصحيح وساعدني على السير".

 

هذه الخطوات مهمة جدًا. البداية عادة ما تكون صعبة. وكما ذكرنا قبل قليل، إذا كنت قد بلغت أو وصلت إلى مراحل متأخرة في تعلقي بالشخص، قطعًا الأمر لن يكون سهلًا في البداية. سيكون صعب، سيكون كالقبض على الجمر تمامًا، لأني قد تعلقت، أنا ذا أقطع وشائج، وأقطع حبال، وأقطع خيوط متعلقة متجذرة في قلبي، أنا ذا أمشي وراء وعكس التيار، تيار الهوى. لا شك أنني سأجد صعوبات بالغة، لا شك أنني سأقع تحت عمليات جذب وشد كبير جدًا، لا شك أنني في لحظات كثيرة سأشعر بالرغبة في البكاء، لا شك بأني سأشعر في بعض الأحيان أنني أريد أن أرجع وأعود إلى ما كنت عليه، ولكن الاستعانة بالله، الصدق في النية مع الله، العزيمة، الإرادة القوية، إبصار الحقيقة التي لم أكن أبصرها، كل هذه الأمور ستسهل عليّ.

 

ولكن كما ذكرت، أول نقطة مهمة أن أقطع كل عوامل التواصل مع هذا الشخص. هذا القطع لهذه العوامل سيحدث نوعًا من أنواع الفراغ الشديد في قلبي وفي نفسي. أحتاج أن أملأ هذا الفراغ. هذا الفراغ، عليّ الآن أن أبادر بملئه بالشيء الصحيح. أنا كنت فترة طويلة من الزمن قد ملأت الحجرات في قلبي بمتعلقات من الدنيا، بأشخاص شغلوا بالي وأخذوا قلبي معهم وأفكاري وخواطري. الآن أنا الآن أن أبدأ بملء الحجرات بالشيء الصحيح. ما هو الذي سيملا كل هذه الحجرات؟ حب الله عز وجل.

 

أنا بدأت بعملية التخلية، بمعنى إفراغ القلب من التعلق بالأشخاص، من التعلق بالشواغل، من التعلق بالدنيا، من التعلق بالأشياء. النقطة الأخرى أن أبدأ شيئًا فشيئًا بوضع القطرات، قطرة قطرة، من حب الله عز وجل في كل فراغ قد ترك في نفسي وفي قلبي. وكل نقطة، وكل قطرة من محبة الله عز وجل تقع في قلبي ستحدث نوعًا من أنواع النور، نوعًا من أنواع الطمأنينة والسكينة والراحة، أجد فيها عوضًا عن كل شيء آخر قد فقدته، أو يهيأ لي أني قد فقدته من خلال قطع علاقاتي بهذا الشخص أو ذاك.

 


أيضًا من الأمور المهمة التي ينبغي أن أتذكرها دائمًا في هذه المرحلة الصعبة جدًا أن أترك عني الخواطر، بمعنى آخر، كل خاطرة تأتيني في البداية، أعمل عملية كنترول أو فلترة على أفكاري. كل خاطرة تأتيني تذكرني بذلك الماضي، كل فكرة تريد أن تجذبني إلى الماضي في هذه العلاقة والعودة إلى المربع الأول الذي كنت قد خرجت منه بشيء من الصعوبة البالغة، عليّ أن أدفع الخواطر. عملية دفع الأفكار ودفع الخواطر منذ بداياتها أسهل بكثير من أن تتحول الخاطرة إلى عزم، عزيمة، وانشغال، وإرادة. عليّ أن أعمل نوعًا من أنواع الفلترة، وهذا النوع من أنواع الفلترة ليس بالمستحيل على الإطلاق، وليس بالصعب. كل ما أحتاج إليه عملية تدريب لنفسي شيئًا فشيئًا، ولا أترك أبدًا دواء الاستعانة بالله عز وجل: وأنا أقوم، وأنا أجلس، وأنا أتحرك: "يا رب أعني، يا رب ساعدني، يا رب بصرني بالصح الذي تريده مني، يا رب تقبل مني".

الإنسان قد يبلغ بنيته الصادقة وعزيمته وإرادته القوية وفتح صفحة جديدة في علاقته مع الله عز وجل ما لا يبلغه بعشرات الأعمال. النية مهمة جدًا


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×