اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

دروس من القصص

المشاركات التي تم ترشيحها

دروس مِن قصة نبي الله شعيب -عليه السلام-

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
القصة تُظهِر اهتمام الرسالات السماوية بكل جوانب الحياة ومجالاتها، فهو مِن مقتضيات التوحيد، فالرسالات عقيدة وشريعة، وفي قصة شعيب -عليه السلام- يظهر ذلك مِن خلال التنبيه على قضية شيوع الفساد الاقتصادي، والظلم في الكيل والميزان مِن بعد قضية التوحيد.

(1) تعريف بالنبي وقومه:
- شعيب -عليه السلام- هو خطيب الأنبياء: روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "كان رسول الله إذا ذكر شعيبًا -عليه السلام-، قال: "ذاك خطيب الأنبياء" (أخرجه الحاكم في المستدرك). قيل: لفصاحته وبلاغته وعلو عبارته في دعاية قومه.
- أهل مدين كانوا عربًا يسكنون مدين التي هي قريبة مِن أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، قريبًا مِن بحيرة قوم لوط، وكانوا في الزمان بعدهم بقليل، وقد مرَّ بها موسى -عليه السلام- عند خروجه مِن مصر: قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) (القصص:23).
- كانوا يعبدون الأيكة: وهي شجرة، ولعلها لها صلة بالصالحين السابقين فيهم، فعبدوها بعدهم؛ قال الله -تعالى-: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:176).
- كان فيهم تخسير الكيل والميزان: (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (الأعراف:85).
- كان فيهم الظلم والجشع في المعاملات المالية المختلفة على رغم ما كانوا عليه مِن الغنى وكثرة المال: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف:85)، (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (هود:86).


(2) دعوة شعيب -عليه السلام- لقومه:
- دعاهم إلى التوحيد: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:85).
- ذكرهم بنعمة الله عليهم وفضله: (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ) (الأعراف:86). (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ) (الشعراء:184).
- نهاهم عن تخسير الكيل والميزان، والظلم والجشع في المعاملات: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (هود:85).
وقفة: "بيان تحريم ذلك في كل شريعة": قال الله -تعالى-: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ . الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ . أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:1-6)، وقال -تعالى-: (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة:100)، وقال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) (متفق عليه).


(3) موقف قومه من دعوته:
- الملأ كالعادة يتصدرون الحرب على الدعوة: (وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (الأعراف:90).
- الاتهام بالبشرية و الاضطراب: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ . وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) (الشعراء:185-186).
- وأما التوحيد فردُّوه وكذَّبوا وسخروا من النبي: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا... ) (هود:87)، (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء:176).
- وأما تخسير الميزان والمعاملات المحرمة فقابلوا ذلك بالسخرية: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود:87).


(4) محاولة النبي -عليه السلام- هدايتهم:
- التواضع واللطف في العبارة: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) (هود:88).
- لا يحملنكم بغضي على ترك الحق: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) (هود:89).
- دعوته للتحاور والمناظرة وعدم الصدام حتى يقضي الله بينهم: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (الأعراف:87).


(5) توعدهم وتهديدهم له وللمؤمنين:
- الرفض لأي صورة للدعوة والتهديد بالقتل: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود:91).
- القرار بالإخراج: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...) (الأعراف:88).
- وهنا تكون المفاصلة، وأن الصبر لا يعني التنازل عن الثوابت: (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) (الأعراف:88).
- تحذيرهم مِن نزول العذاب: (وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) (هود:89).
- تبجحهم واستهانتهم بعذاب الله: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء:187).
- تضرُّع النبي ورفع شكواه إلى ربه: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89)، (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (هود:93).


(6) نزول العذاب "الظلة - الصيحة - الرجفة":
- عذاب الظلة "سحابة عظيمة فيها شرر مِن نار ولهب ووهج عظيم": (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الشعراء:189).
- عذاب الصيحة "صوت هائل أسكتهم وملأ قلوبهم رعبًا": (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) (هود:94-95).
- عذاب الرجفة "هزة أرضية مِن تحتهم أزهقت الأرواح وأخمدت الأجسام": (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (الأعراف:78).
- هكذا سنة الله في الظالمين على مر العصور والسنين: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف:92).
- هكذا عاقبة كل مَن أعرض عن الحق، وعن دعوة الرسل: (وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ) (الأعراف:93).
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

صوت السلف

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس مِن قصة نبي الله صالح -عليه السلام-

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
ـ تلاوة بعض مواضع ذكر القصة في القرآن لربط القلوب والأسماع بالآيات.
- صالح -عليه السلام- ثاني أنبياء العرب، وكان بعد هود -عليه السلام-: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ) (الأعراف:74).

1- قوم ثمود:
- قبيلة مشهورة بالقوة، يُقال لهم ثمود باسم جدهم، كانوا يسكنون الحجر الذي بيْن الحجاز وتبوك: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) (الحجر:80).
- قوتهم وشدتهم وحضارتهم: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر:6-9).
- قوة عمرانية: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا) (الأعراف:74).
- حصانة عسكرية: (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ) (الأعراف:74)، (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ).
- قوة اقتصادية ورفاهية مِن العيش: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ) (الشعراء:146-148).

2- دعوة صالح -عليه السلام-:
- رسول منهم معروف بسيرته الطيبة: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) (الأعراف:73)، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ) (الشعراء:142).
- دعوته إلى التوحيد: (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:73).
- التذكير بالنعم للتنبيه على الربوبية: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الأعراف:74).
- التعريض بالآلهة الباطلة التي لا تسمع مَن يدعوها: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61).
- التذكير بعدم الاغترار بالمسرفين: (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ . وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء:146-152).

3- موقف ثمود مِن دعوة صالح -عليه السلام-:
- التكذيب الاتهام بالخلل العقلي والجنون: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) (هود:62).
- الاتهام بأنه مسحور أو مصاب مِن الجن: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) (الشعراء:153)، وقيل: هو الذي له رئي مِن الجن.
- الاحتقار والتكذيب: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ . فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) (القمر:23-25).
- صالح -عليه السلام- يرد عليهم: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (هود:63)، (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:143-145).

4- مِن وسائل ثمود للصد عن دعوة نبي الله صالح -عليه السلام-:
- محاولة فتنة الأتباع والسخرية مِن صالح -عليه السلام-: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الأعراف:75-76).
ـ التشويه والتشهير بالدعوة والتنفير مِن حملتها: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (النمل:47).
- طلبهم آية ومعجزة تعجيزًا: (فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الشعراء:154)، وقد ذكر المفسِّرون: "أن ثمود اجتمعوا يومًا في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح -عليه السلام-، فدعاهم إلى الله، فقالوا: إن أنتَ أخرجتْ لنا مِن هذه الصخرة ناقة مِن صفتها كيت وكيت... فقال لهم: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، أتؤمنون بما أرسلتُ به؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك. ثم قام إلى مصلاه فصلى ما قدِّر له، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله -عز وجل- الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب؛ فلما عاينوها ورأوا دليلاً قاطعًا وبرهانـًا ساطعًا؛ آمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على الكفر!" (انظر قصص الأنبياء لابن كثير).
ـ نزول الوحي على النبي بفتنة القوم بذلك: (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) (القمر:27).
ـ النبي يخبرهم باستجابة طلبهم وما يلزمهم: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأعراف:73)، (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) (القمر:28).

5- عدم صبرهم على أمر الناقة:
- لما طال عليهم هذا الحال قرروا قتل الناقة، بل وقتل النبي: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ . قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (النمل:48-49). (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) (القمر:29)، (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) (الشمس:12).
- النبي يحاول منعهم مِن ذلك: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا . وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس:13-15).

6- نزول العذاب وكيف كان؟
- أنذرهم نبيهم بنزول العذاب فكذبوه وعقروا الناقة: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود:65).
- أحوالهم في الثلاثة أيام: قال ابن كثير -رحمه الله-: "وأصبحتْ ثمود يوم الخميس -وهو اليوم الأول مِن أيام النظرة- وجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح -عليه السلام-، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم مِن الأجل، ثم أصحبوا في اليوم الثاني مِن أيام التأجيل ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان مِن الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث مِن أيام التأجيل ووجوههم مسودة، فلما كان يوم الصيحة يوم الأحد، تحفظوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم مِن العذاب؛ فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة مِن السماء مِن فوقهم، ورجفة مِن أسفل منهم؛ ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وسكنت الحركات" اهـ.
قراءة متخشعة لآيات ذكر نزول العذاب: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ . فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ . أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ . سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ . إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ . وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ . فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ . فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) (القمر:23-31)، (كذبت ثمود بطغواها . إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا . فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا . وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) (الشمس:11-15)، (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (النمل:50-53)، (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (الأعراف:78).


دروس مِن القصة:

1- سنة الله في إهلاك الظالمين لا تتبدل: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا . أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) (الطلاق:8-10).

2ـ أثر المعصية يؤثـِّر على الأرض والماء: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ" (متفق عليه).

3- أدب المسلم عند تذكُّر أو معاينة آثار المكذبين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ) ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ. (متفق عليه).


4- توطين الداعي نفسه على مواجهة التكذيب والاتهامات مِن المخالفين: موقف ثمود مع نبي الله صالح -عليه السلام-.

5- لو كانت الدنيا تعدل عند الله شيئًا ما أعطاها للكافر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

صوت السلف

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس مِن قصة نبي الله هود -عليه السلام-

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- قصة النبي هود -عليه السلام- يظهر منها جليًّا صراع الحق مع الباطل المغتر بقوته المادية المتفردة في زمانه.
- هو أول نبي عربي، وكان بعد نوح -عليهما السلام-، قال الله -تعالى-: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) (الأعراف:69).

(1) مَن هم قوم عاد، وبداية دعوتهم؟
- مكانهم الأحقاف في جنوب الجزيرة: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأحقاف:21).
- كانوا أشد أهل زمانهم "عسكريًّا وبدنيًّا": (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً) (الأعراف:69)، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ) (الفجر:6-8)، (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (الشعراء:130).
- كانت لهم قوة اقتصادية عظيمة: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء:129).
- كانت لهم قوة اجتماعية ورفاهية: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) (الشعراء:128)، (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (الشعراء:132-134)، قال المفسرون: كانوا يبنون القصور العظيمة على الجبال والأماكن المرتفعة، ولا يعيشون فيها إلا أيامًا قليلة؛ لأنهم كانوا يسكنون الخيام العظيمة.
- كانوا أول مَن عبد الأصنام بعد الطوفان: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (هود:48)، قال المفسرون: "كان لقوم عادٍ أصنام ثلاثة: صمد، وصمود، وهر"، قلتُ: وفي زماننا أصنام كثيرة: "الولي - الإمام - العالمانية - الليبرالية - وغيرها كثير... ".
- مِن حكمة الله إرسال الرسل لتقويم الانحراف: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (الأعراف:65).

(2) موقف عاد مِن دعوته:
- الاتهام بالبشرية استكبارًا: (وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) (المؤمنون:33).
- الاتهام بالكذب والافتراء مِن الأساطير: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ . إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ) (الشعراء:136-137).
- الاتهام بالسفه والجنون "على طريقة: الدين شيء عظيم وأنت تفتري على الدين!": (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (الأعراف:66)، (إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) (هود:54).
- تسلـُّط الملأ على العامة لتشويه الدعوة والداعي والتشكيك في العقيدة: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ . أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ . هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ . إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون:34-37).

(3) صبره عليهم وتفنيد تهمهم:
- بطلان تهمة البشرية، فإنما الفرق في العلم الشرعي الذي يفضَّل به عليهم: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأعراف:63).
- بطلان تهمة السفه، فما يحمله مِن الرسالة والهدى فيها ما يرد ذلك: (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (الأعراف:67-68).
- بطلان تهمة طلب الدنيا، فلا منفعة دنيوية تعود عليه، بل يتحمل المشاق لأجل هدايتهم: (يَاقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) (هود:51).
- شكر نعمة الله يقضي إفراده بالعبادة: (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأعراف:69)، (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (الأعراف:71)، (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود:56).

(4) إصرارهم على الكفر:
- إعلان التمسك بدين الآباء: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (هود:53)، (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (الأعراف:70).
- الفجور والاستهزاء والمعاندة: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ) (الشعراء:136).
- الاغترار بالقوة المادية والتحدي: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (فصلت:15).
- وهنا لا بد مِن المفاصلة والبراءة، فإنه يوشك أن ينزل بهم العذاب: (قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) (هود:54-55)، (قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ . قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ) (المؤمنون:39-40)، (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (الأعراف:71).

(5) نزول العذاب سنة الله في الظالمين:
- ذكر المفسِّرون أنهم لما أصروا على الكفر، وتحدوا نبيهم، أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك، ثم أرسل عليهم السحب العارضة التي ظاهرها الغيث وحقيقتها الهلاك والعذاب: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الأحقاف:24-25).
- أين القوة العسكرية؟ وأين القوة الاقتصادية؟ وأين التقدم العمرانى؟! (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ . مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (الذاريات:41-42)، (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ) (الحاقة:6-8).
- بقيتْ لهم اللعنة في الدنيا ويوم القيامة ينتظرهم العذاب الأليم: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود:59-60).

(6) دروس مستفادة:
1- التقدم العمراني والصناعي والعسكري لا ينفع أصحابه ما لم يكن على منهج الله: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24).
2- الرياح والأمطار جند لله لا ندري ماذا تحمل معها: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: (اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)، قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: (لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف:24) (رواه مسلم).
3- طريق هلاك الأمم الكافرة واحد متسلسل "الكفر بالله - ثم الاغترار بالقوة المادية - محاربة الدين - نزول العذاب والهلاك": (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11).
4- إهلاك الكافرين مقرون بالحال الإيمانية للمؤمنين: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات:171-173)، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) (الحج:40).
5- صلاحية قصص الأنبياء للاتعاظ في كل زمان ومكان.
اللهم إنا نعوذ بك مِن زواك نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (1)
 
(جلسة في بيت النبوة)
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:
الوقوف على الفوائد الإيمانية في القصة مِن خلال أحاديث مسلسلة، والتعريض بالمسلسلات والأفلام الهابطة والقذرة التي تفسد الدين والدنيا.


مقدمة:
- قصة يوسف -عليه السلام- محببة إلى نفوس المؤمنين؛ لما تحمله مِن كل معاني القصة الهادفة، والتي تنقلك مِن مشهدٍ إلى مشهد في سياق مشوقٍ فريد: قال الله -تعالى-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف:3).
- قصة يوسف -عليه السلام- تحكي تجربة فريدة مِن نوعها، حيث بدأت أحداثها مِن مرحلة مبكرة في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مرورًا بمراحل عمره المختلفة بأحداثها الغريبة العجيبة: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) (يوسف:7)، (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) (هود:120).
- قصة يوسف -عليه السلام- دليل على صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث إن العرب كانوا يجهلون ذلك: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود:49).
- قصة يوسف -عليه السلام- تسلية لقلوب المؤمنين المضطهدين في كل زمان ومكان: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "ملَّ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملة، فقالوا: يا رسول الله حدثنا. فأنزل الله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23)، ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (تفسير الطبري)، وقال الله -تعالى- في آخرها: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110).
- أحسن ما يتناول مِن خلاله القصة هو سورة يوسف -عليه السلام- التي أفردت لها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ).


قصص غير القرآن على نوعين:
- الأول: قصص أهل الكتاب، وهو: إما أكاذيب، وإما تفاصيل لا تنفع، كاختلافهم في أسماء إخوة يوسف -عليه السلام- والكواكب التي سجدت.
- الثاني: قصص غيرهم مِن الناس، وهو إما أساطير وخرافات، أو عشق وغرام ونشر للفواحش، أو عنف ودمار، بل إن القصص الحق إذا تناوله أهل البدع والضلال؛ حرفوه وشوهوه "مثال: المسلسل الإيراني - الأفلام الإسلامية زعموا!".
 
تفصيل الأحداث مِن خلال الآيات، والوقوف على الفوائد الإيمانية
(1)- قوله -تعالى-: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ):
- جلسة في بيت النبوة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ، يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ) (رواه البخاري).
- جلسة أسرية مفقودة لأسبابٍ كثيرة، مِن أشهرها الآن: "الهاتف المحمول حيث مواقع التواصل الاجتماعي التي قطعتْ ما أمر الله به أن يوصل!".
- (يَا أَبَتِ😞 أدب رفيع، وإشعار بالخصوصية، واستخراج للحنان والعطف، واسترشاد وتواضع.
- يقابله (يَا بُنَيَّ😞 رحمة وشفقة عالية حيث التصغير الذي يزيد الحب والتعلق.
- (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا😞 فسَّرها يعقوب -عليه السلام- وعلمها بأنه سيصير له شأن يعلو به إخوته، وسبق به أبويه.
- رؤيا الأنبياء وحي قاطع: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات:102).


فائدة: أنواع الرؤيا:
1- الرؤيا الصادقة، وهي استئناس لأمرٍ غيبي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) (متفق عليه).
2- الحُلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) (متفق عليه).
3- حديث النفس: (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) (يوسف:44)، والناس يقولون: "الجعان بيحلم بسوق العيش".


(2) قوله -تعالى-: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ):
- علِم يعقوب -عليه السلام- ما تحمله الرؤيا مِن بيان علو مكانة يوسف -عليه السلام- على إخوته عند الله مِن الإكرام والاختصاص، فخاف مِن حسدهم: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف:5).
- مشروعية كتمان الخير إذا خيف الحسد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَعِينُوا عَلَى إنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
- آداب تتعلق بحكاية الرؤيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ، فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ، وَالرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، لَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني).
- (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا😞 أهمية معرفة كل مربٍّ لنفسيات مَن تحته، فهذا يقدَّم الآن وهذا يؤخر، وهذا علاجه الإهمال، وهذا علاجه الإشغال. أمثلة: "قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) (رواه مسلم) - قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر -رضي الله عنه-: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ) (رواه البخاري) - (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ) (رواه مسلم)".
- (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ😞 أهمية ترسيخ عقيدة أن الشيطان هو العدو الحقيقي، وهو المحرض للشرور في النفوس.
- أثر ذلك في عقيدة يوسف -عليه السلام- في الكِبر: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (يوسف:100).


(3) قول الله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
- (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ😞 كما اختارك وأراك سجود هذه الكواكب والشمس والقمر لك، فكذلك سيختارك ويصطفيك ويعلمك تأويل الأحلام.
- (رَبُّكَ😞 بكل ما تشتمله مِن معاني الربوبية: "المالك - المنعم - المدبر - المصلح - المطاع - وجهتك عند الشدة"، وتأمل إيراده اسم الرب مضافًا إلى ضمير المخاطب المفرد؛ للإشعار بالخصوصية الزائدة.
- (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ😞 شهود نعمة الله أصل السعادة وطريق الشكر، وأعظم النعم: النبوة والإسلام.
- أهمية التربية على الأسماء والصفات حيث التأكيد على شهود ربوبية الله في كل حال، حيث ربط قلبه وعقله بربه في كل الأحوال، فلم يقل: ستصبح عالمًا، وستنال كذا وكذا، وإنما ربط الأمور كلها بفعل الله ونعمته: "(رَبُّكَ)، (وَيُعَلِّمُكَ)، (وَيُتِمُّ)، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)".
- (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ😞 عليم بك في كل أحوالك، حكيم في كل فعله بك وبغيرك.
- أثر ذلك على يوسف -عليه السلام- في الكبر: (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:100-101).
وهكذا كانت هذه الجلسة بداية لأحداثٍ عجيبة وغريبة امتلأت بالآلام، واشتملت على دروسٍ وعبرٍ عظام حيث قال الله -تعالى- فيها: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) (يوسف:7).
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-(2)
 
المؤامرة الآثمة
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


مقدمة وتمهيد:
- إثارة نفوس السامعين في كل مرة بالتنبيه على فضل مدارسة سورة يوسف: قال عطاء -رحمه الله-: "ما سمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها".
- تذكير مجمل بما سبق مِن أمر رؤية يوسف -عليه السلام-، ونصيحة أبيه بعدم ذكرها على إخوته خشية الحسد والكيد.
- الإشارة إلى أن الآيات التي يدور حولها الحديث اليوم تتحدث عن المؤامرة الآثمة التي يدبرها إخوة يوسف -عليه السلام- للتخلص منه، وتلاوتها مِن قوله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ . قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ . فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ . وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:7-18).
- الإشارة إلى أن الآيات تلخص أربع مشاهد: "مشهد الحسد والتآمر - ومشهد التفاوض لإقناع يعقوب -عليه السلام- بترك يوسف - ومشهد تنفيذ المؤامرة - ومشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب".


أولاً: مشهد الحسد والتآمر:
قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
- (آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ😞 علامات ودلالات على وحدانية الله وكمال صفاته، وعلى صدق الرسل وما لهم مِن الصفات الحميدة، وأثر الحسد وسوء الأخلاق وقطع الأرحام.
- (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ😞 ظنوا أن كثرتهم تعطيهم أفضلية ولو كانوا عصاة مخالفين لأبيهم، ونسوا أن يوسف -عليه السلام- وأخاه قد سبقاهم بالطاعة وبالأدب الرفيع، والتواضع لأبيهم والاسترشاد؛ فضلاً عن كونهما صغارًا.
- (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ😞 وهذا يدل على سوء أخلاقهم؛ وكيف ذلك وأبوهم هو "الكريم ابن الكريم ابن الكريم"؟! فظنوا بأبيهم التفضيل بسبب الزوجة الأخرى، أو لجمال يوسف الظاهر، وحاشاه؛ فالأنبياء منزهون عن ذلك.


فائدة: فيه دليل على العذر بالجهل في مسائل الاعتقاد، فإن سب الأنبياء ووصفهم بالضلال الأكيد كفر ناقل عن الملة.
تابع: "مشهد المؤامرة": قال الله -تعالى- حكاية عنهم: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).
- (اقْتُلُوا) (اطْرَحُوهُ) (وَأَلْقُوهُ😞 آثار الحسد وما يصل بصاحبه إليه، قال ابن إسحاق: "لقد اجتمعوا على أمر عظيم مِن قطيعة الرحم وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل!".
- (يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ😞 كيف وهم يريدون قتل حبيبه أو إبعاده عنه؟! فلو كانوا صادقين لأحبوا ما يحبه!
- (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ😞 طريقة شيطانية يسول بها الشيطان للعبد المعصية لتهون عليه، وقد لا يمهل الإنسان العمر أو التوبة؛ وإلا فقد ظلوا على ظلمهم ومعاصيهم نحو أربعين سنة!
- (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ😞 "قسوة أقل شدة، ولكنها شيء فظيع - ظلمة البئر - العري والجوع - الرق والعبودية".


ثانيًا: مشهد التفاوض:
قال الله -تعالى- حكاية عنهم: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ).
- ممارسة الضغط على أبيهم بمختلف الوسائل، وكاد المريب أن يقول خذوني: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ)، والظاهر أنهم كانوا يطلبون ذلك مِن أبيهم قبْل ذلك وهو يرفض خوفًا مِن مكرهم؛ ولذلك جعلوا يأتون بالمؤكدات: "إنَّ، لام التوكيد"، (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ) (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).


حاول يعقوب -عليه السلام- الامتناع بأمرين:


الأول: مشقة فراق يوسف -عليه السلام- ساعات؛ فكيف وأنه سيغيب عنه سنوات؟!


الثاني: خشية أن يأكله الذئب لانشغالهم عنه ولصغره، وقد أخذوها مِن فمه حجة لهم!
- وقفة: الواحد منا يشق عليه فراق أهله وعياله أيامًا أو شهورًا، وليس فيهم مِن الصفات الجميلة -خُلُقًا وخَلقًا- عشر معشار ما كان ليوسف -عليه السلام-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن يوسف -عليه السلام-: (اُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ) (رواه مسلم)، مع ما جمع مِن صفات الجمال الباطن؛ فكيف وهم يريدون تغييبه أبدًا؟!


ثالثًا: مشهد تنفيذ المؤامرة:
قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ... ).
- اتفاق عجيب على طفل صغير!
انظر ماذا يفعل الحسد بأصحابه... !
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر السدي وغيره: أنه لم يكن بيْن إكرامهم له وبين إظهار الأذى له، إلا أنه غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول مِن شتم ونحوه، والفعل مِن ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة تكون وسطه يقال له الراغوفة فقام فوقها" اهـ.
- وقفة: لكَ أن تتأمل كيف كان حال هذا الطفل البريء الطاهر النجيب الذكي الكريم؟ ولك أن تتخيل الحال حين انصرفوا عنه وتركوه، وجاء عليه الليل وهو في ظلمة البئر كذلك! لكَ أن تتخيل حال طفل صغير حُرِم مِن أبيه الحنون وأمه الشفيقة وأخيه الرفيق بنيامين! لكَ أن تتخيل ما المصير الذي ينتظره: أهو الموت خوفًا ورعبًا وهمًّا، أم هو الموت جوعًا وضعفًا، أم ماذا هو المصير؟! شيء يُبكي القلب قبْل العين! ولكن رحمة الله العليم الحكيم أعظم مِن أبيه وأمه والناس أجمعين!
- (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ😞 وحي إلهام وتثبيت، وإظهار للحفظ والرعايا والنصرة، وبما سيؤول إليه الأمر مِن لقائك بهم مرة أخرى ورفعتك عليهم.


رابعًا: مشهد الخبر الصادم والاعتذار الكاذب:
قال الله -تعالى-: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ).
- دموع التماسيح المفترسة وحقيقتها الكذب؛ لأنها لا تبكي أصلاً وإن غمرت عيونها بالماء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).
- (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ😞 خبر وقعه كالصاعقة -أو أشد- على قلب الأب الحنون.
- (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) قطعوا على أنفسهم طريق الرجوع عن الكذب، فما قالوا: "ضلَّ منا في الطريق"؛ فأمكن الرجوع بـ"وجدناه"!
- (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ).


أمران جعلا يعقوب -عليه السلام- لا يصدقهم:
الأول: ما كانوا عليه مِن الحسد وسوء الخلق.
الثاني: أين آثار الذئب على القميص مِن تقطيعٍ وافتراس؟
- (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) فالقميص غير الممزق يؤكِّد ذلك، وأن يوسف -عليه السلام- لم يمت.
- (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ😞 سأصبر مِن غير جزعٍ في القلب، ولا شكوى لغير الله، ولا عمل بالجوارح ينافي ذلك، وسأتوكل على ربي في جلب المنافع ورفع المضار وإنفاذ وعده، فالله لطيف لما يشاء.
ما أجمل هذه الكلمات إذا قالها كل مظلوم مبتلى، وأيقن ما تحمله! قالت عائشة -رضي الله عنها- لما اُتهمت ظلمًا وزورًا في حادثة الإفك: "وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)" (متفق عليه).


خاتمة: ماذا فعل الله -تعالى- بالطفل البريء الذي ألقي في البئر ظلمًا وعدوانًا وهو الذي اصطفاه واجتباه، وأراه مِن آياته ما أراه؟
هذا هو موضوع الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (3)
 
مِن البئر إلى القصر!
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 
مقدمة:
- تذكير مجمل بما سبق مِن إلقاء إخوة يوسف -عليه السلام- له في البئر، وكذبهم على أبيهم بأن الذئب قد أكله!
- الإشارة إلى أن الأحداث التالية فيها بداية التمكين ليوسف -عليه السلام-، وإن كانت تحمل مِن الآلام ما تحمل، فكثير مِن الآمال لا تتحقق إلا بعد الآلام: قال الله -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).
- الإشارة إلى أن الآيات مِن سورة يوسف -عليه السلام- هذه المرة تتلخص في ثلاثة مشاهدة.
المشهد الأول: مِن البئر إلى الرق:
- قال الله -تعالى-: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) (يوسف:19-20).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن قصة يوسف -عليه السلام- حين وُضع في البئر أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به حتى جاءت قافلة مِن المسافرين مِن الشام إلى مصر، فأرسلوا بعضهم ليستقوا مِن ذلك البئر، فلما أدلى دلوه تعلق فيه يوسف -عليه السلام-، فلما رآه ذلك الرجل قال: يا بشراي، هذا غلام جميل، آية في البهاء والجمال، وأسره هو وآخر عن بقية الركب، وكان إخوة يوسف يترقبون المشهد، فلما استشعروا بأخذ السيارة له، لحقوهم، وقالوا هذا غلام أبق منا، وإن شئتم بعناه لكم ونحن فيه مِن الزاهدين، فاشتروه منهم بثمن بخس دراهم قليلة!
- وقفة: لكَ أن تتصور حمل القافلة لأعظم طفل في العالم على أنه سلعة تباع وتشترى كالحيوان والمتاع! ولك أن تتصور مشهد مفارقة هذا الطفل لوطنه ولأبيه وأمه ومراتع صباه إلى مصير مجهول في سوق العبيد والرقيق! ولكن... (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
- (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته، وبما أسره واجده مِن أنه بضاعة لهم، ومع هذا لا يغيره -تعالى-؛ لما في ذلك مِن الحكمة العظيمة والقدر السابق، والرحمة بأرض مصر، بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق، ثم بعد ذلك يملكه أزمة الأمور، وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف" اهـ.
- فائدة في سؤال: لماذا سكت يوسف -عليه السلام- ولم يظهر الحقيقة؟ والجواب: أنه اختار أخف الضررين، فقد علم أنه إذا رجع قتلوه، وهو الأغلب، فبلاء أهون مِن بلاء، وظلم أهون مِن ظلم.

 
المشهد الثاني: مِن الرق إلى القصر:
- قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام- حين جُعل في سوق العبيد؛ كيف دبَّر الله -تعالى- له بلطفه ألا يشتريه إلا رئيس الوزراء الذي ألقى الله في قلبه محبة يوسف -عليه السلام- حتى اتخذه ولدًا له، وكان عقيمًا لا ولد له، وأن ذلك كان أول التمكين ليوسف -عليه السلام- في أكبر ممالك الأرض يومئذٍ.
- (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا): قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)، والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى -عليه السلام-: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) (القصص:26)، وأبو بكر الصديق حينما استخلف عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-" (أخرجه الحاكم بسندٍ صحيح).
- (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ): بهذا البلاء وهو الإلقاء في البئر، ثم الوقوع في الرق والعبودية، والحرمان مِن الأبوين، ومِن الوطن والعشيرة؛ قدرناه سببًا لتمكين يوسف -عليه السلام- ونشر دينه في الأرض؛ فلعل فيما تكرهون خيركم وأنتم لا تعلمون.
- (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ): قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي إذا أراد شيئًا فإنه يقيض له أسبابًا وأمورًا لا يهتدي إليها العباد".
- وقفة: كان مِن الممكن أن يقع يوسف -عليه السلام- في يد مَن لا يعرف قدره، ولكن الله يقيض أمورًا وأسبابًا لا يهتدي إليها العباد، ومِن نظائره: قصة خشبة الرجل الأمين، وكيف وصلت الخشبة إلى صاحب الدين دون غيره، وكيف أخرج الله صاحب الدين في وقت وصولها؟!

 
المشهد الثالث: محنة امرأة العزيز:
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ . وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) (يوسف:22-29).
- ملخص ما جاء في الآيات: دار الزمان والأيام، وأصبح يوسف شابًا بديع الجمال والبهاء، وهو يعيش في بيت العزيز مع امرأته الشابة، وهي في غاية الجمال والمنصب والشباب، وهى بمثابة الأم له، ولكن غلبتها نفسها التي عاشت حياة المُلك والرفاهية والشهوات، وهكذا أكثر أهل هذه الطبقات (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد:12).
- (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ): المرأة توفر كل أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، ثم أضف إلى ذلك: الدواعي التي تدفع إلى ذلك، ومنها: أن يوسف -عليه السلام- كان شابًا وعزبًا وغريبًا، وكانت المرأة صاحبة جمال شديد، ومنصب فريد، وهي الطالبة!
- ولكن... يوسف -عليه السلام- سيد النجباء والأتقياء السبعة الذين هم في ظل عرش الرحمن يوم القيامة: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ).
- وأما قوله -تعالى-: (وَهَمَّ بِهَا) فعلى قولين:
الأول: لم يقع الهم منه ألبتة، وتقديره كما تقول العرب: "لقد قارفت الذنب لولا أن عصمك الله".
والثاني: مالت نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية، ومنعه دينه وتقواه، كما يميل الصائم إلى الماء البارد في الحر؛ فيمنعه دينه وتقواه.
- وقفة: تأمل كيف تناول القرآن مشهدًا مليء بالفتنة في أحسن عبارة وألطف إشارة دون جرح المشاعر وإثارة الغرائز، لا كما هو حال كتبهم وأدبهم المزعوم.
- (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ😞 قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق:2)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ , يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

 
تابع المشهد الثالث: حضور العزيز:
- قال الله -تعالى-: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).
- ملخص الآيات: لقد استمكنت الفتنة والشهوة مِن المرأة حتى إنها لم تسمع بقدوم زوجها، وهو الذي تصحبه المواكب عادة، وظلت تطارد يوسف -عليه السلام- في ذل ومهانة حتى قطعت ثيابه مِن شدة جذبه عند الباب، ثم دار ما دار مِن الحوار الذي أظهر الله به الحق، ولكن دياثة العزيز كانت سببًا في أحداث مؤلمة تأتي بعد ذلك.
- (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ): إن مخالطة أهل المعاصي والنظر في وجوههم بلاء يجب الفرار منه، انظر إلى دعوة أم جريج غضبًا عليه: (اللهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ ) (متفق عليه)؛ فكيف بمن يستجلب على نفسه ذلك: "الشواطئ، والأفلام، ونحوها!"؟!
- (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ): اتهمته وهي المتهمة، وجعلت تملي على زوجها الأوامر.
- (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي): دفاع مشروع، وسكوت لا يسوغ؛ لأنه يؤثر على دينه، بخلاف سكوته على ظلم إخوته.
- (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا): الله يقيض شاهدًا منصفًا ليفضح كذب المرأة.
- (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ): هكذا انشغال الطبقة المترفة بالمظاهر والوجاهات ولو على حساب الدين والشرف.
- المسكِّنات لا تداوي ولا تعالِج الأمراض والجروح، وستنفجر بعد قليل: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يوسف:30).
وهذا ما سيأتي الحديث عليه في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (4)
 
(محنة السجن)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- ذكر ملخص لما سبق للوقوف على بداية الحديث هذه المرة.
- الإشارة إلى أن الحديث هذه المرة يدور حول محنةٍ جديدة، وهي دخول يوسف -عليه السلام- السجن مِن جراء قرار ظالم للمرأة وزوجها، وبمباركة نسوة القصور المجاورة.
- الإشارة أن هذه الأحداث تتلخص في مشهدين: أحدهما: مشهد كيد النساء، وقرار السجن الظالم. والثاني: مشهد حياة السجن ومواقفها المختلفة.

المشهد الأول: مشهد كيد النساء، وقرار السجن الظالم:
قال الله -تعالى-: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ . قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ . قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ . فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ . وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ . وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ . يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف:30-41).
- ملخص الآيات: يذكر الله -تعالى- ما كان مِن قِبَل نساء الأمراء والكبراء في الطعن على امرأة العزيز في مراودتها فتاها -خادمها في نظرهن-، وما كان مِن امرأة العزيز، وأنها أرادت أن تبسط عذرها عندهن، وتبيِّن أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولا مِن قبيل الفتيان عندهن؛ فأعدت لهن ضيافة، وأحضرت لهن طعامًا يُقطع بالسكاكين، وأمرت يوسف -عليه السلام- أن يخرج عليهن؛ فلما رأينه أعظمنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، حتى جعلن يحززن في أيديهن بالسكاكين ولا يشعرن بالجراح، فما كان منهن إلا أن جعلن يحرضنها على ذلك، بل ويطلبن طلبها، ويشهد لذلك قوله: (مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) (يوسف:51)، فما كان منه -عليه السلام- إلا الإباء، وسؤال رب السماء أن يصرف عنه ذلك؛ فاستجاب الله لدعائه ونجاه مِن مكرهن.
- (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا😞 لم يكن إنكار النسوة؛ لأنه حب محرم، وإنما كان لأجل أنه عبد وخادم في القصر! "وكلام أكثر الناس عن الحب تراه لا ينصرف إلا إلى العلاقة المحرمة بيْن رجل وامرأة، والتي جعل الإسلام لها طريقًا شرعيًّا لمن ألقى الله في قلبه امرأة أو العكس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْن مِثْلُ الْنِّكَاحِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)".
- (وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ😞 ذهب حياء المرأة بالكلية لما وجدت الكل يطلب طلبها، ولقد أصبحت العفة والاستعفاف جريمة يعاقب عليها قانون نساء القصور والطبقة الراقية -كما يقولون!-.
- (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ😞 سجن الأبدان أهون مِن سجن الأرواح والقلوب عند الصالحين؛ فالروح الصالحة تحيا مع الطاعة لله والقرآن، والدعاء والصلاة والتقرب إلى ربها، وهذا يكون في أي مكان؛ سجنًا كان أو قصرًا، والأبدان تتألم في البداية لما اعتادته ثم تتعايش مع الواقع. ذكر ابن القيم -رحمه الله- عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه كان يقول وهو في السجن: "ماذا يفعل أعدائي بي، إن جنتي وبستاني معي في صدري حيث حللت، وإن سجني خلوة، وقتلي شهادة، ونفيي سياحة!".
- (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ😞 نعم، السجون قبور الأحياء، ولكن ينورها العمل الصالح والقرآن والتضرع، والقبر إما روضة وإما حفرة، والفرق هو رفيق المقبور، وكذلك السجون إما رحمة وإما عذاب، والفرق هو رفيق المسجون؛ لما أُدخل شيخ الإسلام -رحمه الله- السجن وأغلقوا عليه الباب، نظر إليه وتلا قوله -تعالى-: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) (الحديد:13)، وكان يقول وهو في سجنه: "لو أملك ملء القلعة -السجن- ذهبًا ما استطعت أن أكافئهم على ما قدموه لي مِن الخير".
- (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ😞 السجن الطويل عقوبة فرعونية لا تُعرف في الإسلام (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء:29)، ولا يعرف في الإسلام إلا في حبس صاحبة الفاحشة في البيت ثم نسخ بالحدود، وقد اتخذها الغرب عمدة في تشريعات العقوبات زعمًا مراعاة حقوق الإنسان، والواقع يدل على أنها تفسد خلق وبدن الإنسان.

المشهد الثاني: حياه السجن ومواقفها المختلفة:
قال الله -تعالى-: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).



أولاً: حال يوسف في السجن "تعبد وإحسان":
- (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ😞 يقدِّر الله البلاء، ويقدر معه أسباب الفرح للصالحين، فلقد كان أحدهما سببًا لخروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن.
- (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ😞 لم يستسلم يوسف لهم الأحزان والأفكار، ولا طول الحديث عن الظلم الذي وقع عليه، وإنما انشغل بالعبادة ومواساة الرفقاء والإحسان إليهم، من عيادة المريض، وإعانة الضعيف، وإيثارهم بالطعام والشراب ونحوه.
- (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ😞 أهل السجون تكثر فيهم المنامات، وهذا مِن رحمة الله، فكأنه لما حبست أجسادهم، انطلقت أرواحهم خارج جدران السجون ترى ما يريها الله مِن الآيات والرحمات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ رُؤْيَا المُؤْمِنِ) (متفق عليه).
- (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ😞 هكذا الداعي الناجح، محسن مع ربه، محسن مع الناس، قالت خديجة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بُعث: "والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (رواه البخاري).
- (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ😞 الإحسان إلى الناس سبب في استجابتهم، انظر إلى ثمامة بن أثال بعد إحسان النبي -صلى الله عليه وسلم- معاملته وهو أسير، ذهب ثم رجع فقال: "أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ" (متفق عليه).
- (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ😞 يوسف -عليه السلام- الداعية العظيم، يستغل حاجة الناس الدنيوية لدعوتهم للدين "الداعي الطبيب - المدير - المدرس - الحرفي - ... ".

ثانيًا: دعوة إلى الله في كل الظروف:
- (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ😞 قدَّم يوسف -عليه السلام- أمر دعوتهم على قضاء حاجتهم؛ لأنه أنسب، فمن فقه الداعي إذا كان للناس عنده حاجة أن ينظر في طبيعة المدعو ليكون في أنسب حال مِن ثلاثة:
أولها: دعوتهم قبْل قضاء حاجاتهم، ومثاله أصحاب السجن مع يوسف -عليه السلام-.
ثانيها: قضاء حاجاتهم قبْل دعوتهم، ومثاله: تقديم يوسف -عليه السلام- النصيحة الدنيوية للملك بتفسير الرؤيا قبْل دعوته.
ثالثها: اشتراط استجابتهم قبْل قضاء حاجاتهم، ومثاله: غلام الأخدود لما قال لجليس الملك الأعمى: "إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ" (رواه مسلم).
- (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ😞 تلطف في الإنكار وبيان الحق مع مراعاة عدم تنفيرهم، فلم يقل لهم: "ملتكم كافرة"، وكذلك فعل صاحب يس: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (يس:22)، (إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يس:24).
- (مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ😞 فضلنا الله بنعمة التوحيد والإسلام، وخذل غيرنا بأن عبدوا الجمادات والحيوانات، والتماثيل والأخشاب، ولا يزال أكثر الناس يعبد غير الله!
- (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ😞 ذكر لهم صفات النقص في المعبودات الباطلة، وذكر صفات الكمال لله -عز وجل-، واختار ما يناسب حال المساجين مِن أسماء الله، فالمسجون انعدمت به السبل وتقطعت به الأسباب، فإذا علم أن مَن قهره مِن ملك أو ظالم، فوقه الله الواحد القهار الذي يقهرهم بالموت والمرض وغير ذلك؛ هان عليه الأمر، وتعلقت نفسه وقلبه بالواحد القهار.
- (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ😞 تصريح بعد طول تلميح ببطلان اتباع الآباء في الباطل، وهي أعظم شبهة عند الناس على مر الزمان "طلعنا لقينا الدنيا كلها كده!".
- (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ😞 يشتمل على النوعين: الكوني والشرعي، فالكوني يعني: أن الله -سبحانه- المتصرف في خلقه وملكه، وليس الملوك والمعبودات الباطلة، وهو أدعى أن يكون المعبود الواحد. والشرعي: يعني أن الله هو الحاكم بشرعه في خلقه، وليس للمخلوق حق التشريع.
- (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ😞 هذا هو الدين الصحيح؛ فلا تغتروا بكثرة الجاهلين المخالفين له.
- (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ😞 أي وقع لا محالة، فقد جاء في الحديث: (الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
ولقد كان الأمر كما قال يوسف -عليه السلام-، وكما علمه ربه تأويل الأحاديث، أن خرج أحد السجينين، وقُتل الآخر، ولكن كيف كان أحدهما سببًا في خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن؟!
هذا ما سيأتي الحديث عليه في المرة القادمة -إن شاء الله تعالى-.

صوت السلف

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (5)
 
مِن السجن إلى التمكين والمُلك

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتناول قصة خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن ووصوله إلى المُلك؛ قصة التمكين الثاني ليوسف -عليه السلام- بعد التمكين الأول بالنبوة وتأويل الأحاديث، قال الله --تعالى-- عن الأول: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (يوسف:21)، وقال في الثاني: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:56).
- تذكير مختصر بما سبق لربط الحديث بما انتهى إليه في المرة السابقة.
- الإشارة إلى أن أحداث اليوم تتلخص في أربعة مشاهد، وهي: "مشهد الشفاعة المشروعة - ومشهد رؤيا الملك - ومشهد ظهور البراءة - ومشهد التمكين والمُلك".

المشهد الأول: شفاعة مشروعة:
قال الله -تعالى-: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف:42).
- ملخص الآية: يخبر ربنا -تبارك وتعالى- أن يوسف -عليه السلام- قال للذي ظنه ناجيًا منهما "وهو الساقي" اذكر أمري وما أنا فيه مِن السجن بغير جُرم عند الملِك ليحقق في القضية ويظهر الحق؛ فأنسى الشيطان الناجي منهما أن يذكر ما وصاه به يوسف -عليه السلام-.
1- الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، والسعي في إزالة الظلم لا ينافي التسليم لقضاء الله: روى البخاري-رحمه الله- بسنده أن الطاعون لما نزل بأهل الشام، أبى عمر -رضي الله عنه- أن يدخلها، فقال له أبو عبيدة: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ؟ نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ" (متفق عليه). "وهي سنة مطردة، فالجوع قدر، والأكل قدر، والعطش قدر، والشرب قدر، وهكذا..."، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا شَاءَ) (متفق عليه).
2- (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ😞 فيه تسلية لقلب كل مبتلى، فإن أكرم الناس بقي في السجن بِضْعَ سِنِينَ، ولقد كان السجن ليوسف -عليه السلام- كقشرة البيضة للفرخ، لا يخرج منها حتى يكتمل نموه ومناسبة الأجواء الخارجية، ولقد ازداد يوسف -عليه السلام- في السجن علمًا وزهدًا، وعبادة وقربًا مِن الله، حتى استوى عنده السجن والقصر، فقال للداعي: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) (يوسف:50).
- (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ😞 انشغل الساقي بحياة القصور والخمور، وانشغل العزيز وامرأته بحياة الترف، ونسوا جميعًا يوسف -عليه السلام- في السجن سنوات، ولكن العليم الحكيم، اللطيف لما يشاء لا يَنسى!

المشهد الثاني: رؤيا الملك:
قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ . قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ . وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ . يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ . قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف:43-49).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن مَلِك مصر أنه رأى في منامه كأنه في روضة فيها سبع بقرات سمان، فجعلن يرتعن في هذه الروضة، ثم جاءت بقرات هزال ضعاف فأكلن السبع السمان، ثم رأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة، وإذ بسبع يابسات تأكلهن؛ فاستيقظ مذعورًا، فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم مَن يحسن تعبيرها، فعند ذلك تذكر الناجي مِن السجينين، وجاء إلى يوسف -عليه السلام- فسأله، فبذل يوسف -عليه السلام- ما عنده مِن العلم بلا تأخر، ولا شَرَط، ولا طَلب الخروج سريعًا، بل أجابهم وعبَّر لهم منام الملِك الدال على وقوع سبع سنين مِن الخصب ويعقبها سبع جدب، وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حال خصبهم وجدبهم وما يفعلونه مِن ادخار حبوب سني الخصب في السبع الأول في سنبله إلا ما يحتاجون لأكلهم، بل زادهم بشرى الغيث في عام يكثر فيه الحصاد حتى يعصر الناس بالزيادة، والظاهر أنه عرفه بالوحي، وذلك كله عن تقدير وحكمة مِن اللطيف العليم!
قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا كله مِن جملة أسباب خروج يوسف -عليه السلام- مِن السجن على وجه الاحترام والإكرام".
1- مشاهدة تدبير الله في ملكه: فهو مقلب القلوب، آخذ بنواصي العباد، يقدِّر -سبحانه- أن يرى الملك رؤيا وينزعج لها، ويبحث عن تأويلها، وكم مِن رؤى يراها الملوك والناس ولا يعبأون بها، ولكن خالق الأسباب ومصرف القلوب والأبصار، ومدبر الأمر يقدر ذلك لإخراج يوسف -عليه السلام- مِن السجن مكرمًا معظمًا.
2- عظيم كرم يوسف، فلم يمتنع مِن الإجابة نقمة عليهم، ولم يعاتب الساقي لتقصيره، ولم يشارط على شيء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جِبْتُ لِصَبْرِ أَخِي يُوسُفَ وكَرَمِهِ, وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ حَيْثُ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ليُسْتَفْتَى فِي الرُّؤْيَا، وَلَو كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ حَتَّى أَخْرُجَ، وعَجِبْتُ لصَبْرِهِ وكَرَمِهِ وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، أُتِي لِيُخْرَجَ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَبَادَرْتُ الْبَابَ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

المشهد الثالث: ظهور البراءة:
قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ . قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ . وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف:50-53).
ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أن الملك لما أحاط علمًا بكمال علم يوسف -عليه السلام- وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه الرشيد، أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون مِن جملة خاصته، فلما جاءه الرسول بذلك أحب ألا يخرج حتى يتبين لكل أحدٍ أنه حُبس ظلمًا وعدوانًا، ولقد كان ما أراد حيث استدعى الملك النسوة، وحقق في القضية حتى اظهر الله الحق، وافتضح أمر الظالمين، ورفع الله شأن نبيه الكريم.
- يختار العبد لنفسه أمرًا، ويختار الله له ما هو أفضل وأحسن، وكان يوسف -عليه السلام- يريد أن يخرج في أول سجنه بشفاعة الساقي، فاختار الله له أن يخرج بطلب الملك، ويكون معززًا مكرمًا.
- (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ😞 قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) (متفق عليه).
- (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ😞 فيه استعمال القرائن القوية في الضغط على المتهم للاعتراف كما هو قول جماهير العلماء؛ خلافـًا لابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" حيث جعلها دليلاً بنفسها.
- (قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ😞 وهكذا وضع الله العزيز الفاسد والنسوة، ورفع الله المظلوم يوسف -عليه السلام- (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر:43).

المشهد الرابع: التمكين والمُلك:
قال الله -تعالى-: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ . قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ . وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يوسف:54-57).
ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- أنه لما ظهر للملك براءة يوسف -عليه السلام- ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال: (ائْتُونِي بِهِ) به أجعله مِن خاصتي، ومِن جملة أكابر دولتي، فلما كلمه وسمع مقالته قال: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) أي إنك اليوم عندنا ذو مكانه وأمانه فطلب يوسف -عليه السلام- أن يوليه الإشراف على خزانة طعام الدولة، لما يتوقع مِن حصول الخلل فيما بعد مضي سبع سنين الخصب، ينظر فيها بما يرضي الله مِن خلقه؛ فولاه الملك مكان العزيز، وهو الذي يليه في السلطان، وأطلق يده في أمر المملكة، فاستوثق ليوسف -عليه السلام- مُلك مصر، وعمل بينهم بالعدل فأحبه الناس جميعًا! (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) (يوسف:100).
- أزال الله مُلك العزيز والأمراء الظلمة بتقديره وتدبيره: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)، وفي الإسرائيليات أن امرأة العزيز قالت: "سبحان الذي يجعل العبيد ملوكًا بطاعته، ويجعل الملوك عبيدًا بمعصيته!".
- وقفة مع السياق: المتأمل لسياق الآيات يدرك سر كون القرآن علاجًا للهموم والأحزان، وربيعًا للقلوب؛ فهو يَذكر محنة الصالحين في إجمال (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ويذكر عزهم ونصرهم في تفصيل (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ) إلى (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
- (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ😞 تذكير دائم بالآخرة، فمع ذكر التمكين والمُلك والسلطان تأتي المقارنة تنبيهًا للنفوس بألا تركن إلى زينة الدنيا، وكذلك مواساة للصالحين الذين لم يكن لهم المُلك والسلطان بأن هناك ما هو أفضل.

خاتمة:
ثم قال -تعالى-: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (يوسف:58).
كيف جاءوا؟ ولماذا جاءوا؟ وماذا حدث لما جاءوا؟
هذا ما يأتي عليه الجواب -إن شاء الله- في المرة القادمة.

 
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (6) الفرج بعد الشدة
 
الفرج بعد الشدة

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- تذكير مختصر بما سبق.
- الإشارة إلى أن أحداث القصة اليوم تتناول أحداث ما بعد تولي يوسف -عليه السلام- المُلك في مصر، وبداية علامات الفرج واجتماع الأمر ولم الشمل.
- الإشارة إلى أن الأحداث تدور حول أربعة مشاهد، وهي: مشهد لقاء الإخوة، ومشهد إحياء الجُرح القديم، ومشهد لقاء يوسف -عليه السلام- بأخيه، ومشهد الرجوع إلى أبيهم بألمٍ جديد.

- المشهد الأول: لقاء الإخوة:
- قال الله -تعالى-: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ . وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ . قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ . وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (يوسف:58-62).
- ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن قدوم إخوة يوسف -عليه السلام- إلى الديار المصرية يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد، وكان يوسف -عليه السلام- إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا، فلما دخلوا عليه عَرَفهم ولم يعرفوه؛ لأنه لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف -عليه السلام- مِن المكانة والعظمة، فأعطاهم مِن الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيد عليه، وطلب منهم أن يأتوا في المرة القادمة بأخيهم مِن أبيهم "بنيامين"، وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم، ثم رهبهم إن لم يأتوا به بأنهم لن يعطيهم ميرة، وكل ذلك اجتهاد في إحضار أخيه إليه، ليكون طريقًا وتدبيرًا للقائه بأبيه بعد ذلك، ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم، وهي ما جاءوا به يتعوضون عن الميرة في أمتعتهم؛ ليضمن رجوعهم مرة أخرى.
- (أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ😞 عظيم أخلاق يوسف -عليه السلام- وصبره وحلمه رغم ما فعلوا به قبْل ذلك!
- (اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا😞 قيل: تذمم أن يأخذ مِن أبيه وإخوته عوضًا، وخاف ألا يكون لهم غيرها.

المشهد الثاني: إحياء الجرح القديم:
قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ . قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ . قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ . وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:63-68).
ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وإخباره أنه مُنع منهم الكيل في المرة القادمة إلا أن ترسل معنا أخانا، وأنك لو أرسلته معنا سنحافظ عليه، ولكن يعقوب -عليه السلام- لم ينسَ ما كان منهم في حق أخيهم يوسف -عليه السلام-؛ ولذلك كان أضن شيء بولده "بنيامين"؛ لأنه كان يشتم فيه رائحة أخيه، ويتعوض بسببه عنه، ولكن مع قوة الأسباب التي أبداها أولاده؛ وافق على إرسال "بنيامين" معهم، ولكن اشترط عليهم عهدًا وميثاقًا أن يعودوا به إلا أن يُغلبوا كلهم مِن الإتيان به، ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة مِن بابٍ واحدٍ؛ خشية ألا تصيبهم العين، وكانوا على جمال وهيئة حسنة، وأن هذا التحرز لن يمنع قدر الله بغير ذلك، فالحكم لله يقضي ما يشاء، ويقدِّر ما يشاء، ويختار ما يريد فهو العليم الحكيم، وعليه يتوكل المتوكلون.
- تذكير يعقوب -عليه السلام- الدائم لأولاده بالله وصفاته: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).
- (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ😞 تنبيه على أن الحذر لا يمنع القدر، ولكن مباشرة الأسباب مشروعة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ) (رواه مسلم).

المشهد الثالث: لقاء يوسف -عليه السلام- بأخيه وما دار فيه:
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ . قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ . قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ . قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ . قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) (يوسف:69-77).
ملخص الآيات: يذكر -تعالى- ما كان مِن أمرهم حين دخلوا بأخيهم "بنيامين" على شقيقه يوسف -عليه السلام- وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسأله عما كان منهم مِن الإساءة إليه، ثم احتال على أخذه منهم، وتركه إياه عنده دونهم؛ فأمر فتيانه بوضع سقايته -وهي التي يشرب بها- عن غرة في متاع "بنيامين"، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده حمل بعير، وضمنه المنادي لهم، فأقبلوا عليه فقالوا: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به مِن السرقة، فقالوا ما جزاء مَن يفعل ذلك في شريعتكم؟ قالوا: جزاؤه أن يدفع إلى المسروق يتخذه عبدًا مملوكًا له، فبحثوا في الأمتعة فوجدوها في رحل أخيه، فكان ما حكموا به أن انتقل "بنيامين" إلى ملك يوسف -عليه السلام-، وهذا بشريعة يعقوب -عليه السلام- وليس سياسة دين أهل مصر، فما كان يقدر يوسف -عليه السلام- على أخذه بذلك.
- تدبير اللطيف الخبير لعبده يوسف وثناؤه عليه: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)، (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ).
- عظيم صبر يوسف وحلمه: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ).
- عظيم تعلق يوسف بربه وتعبده الدائم بأسمائه وصفاته: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ).

المشهد الرابع: محاولات فاشلة ورجوع بألمٍ جديد:
قال الله -تعالى-: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ . ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ . وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ . قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ . قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ . قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:78-87).
ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن محاولاتهم الرجوع بأخيهم حيث تعطفوا بكبر أبيه وحاجته إليه، وإن كان لا بد؛ فلتكن العقوبة في أحدنا مكانه، فقال: كيف نأخذ البريء وندع المتهم، وإنما نأخذ مَن وجدنا متاعنا عنده، وإلا كنا ظالمين، فلما استيأسوا مِن أخذه منه، خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: لقد أخلفتم عهدكم مع أبيكم وفرطتم في أخيكم كما فرطتم في أخيه يوسف مِن قبله، فلم يبقَ لي وجه أقابل به أبي، فلا أزال مقيمًا ها هنا حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه أو يقضي الله أمرًا آخر، والآن ارجعوا إلى أبيكم واخبروه بما رأيتم مِن الأمر في ظاهر المشاهدة، وأن هذا الأمر قد اشتهر علمه مع العير التي كنا نحن وهم هناك كي تصدقنا، ولما كان منهم التفريط قبل ذلك في يوسف -عليه السلام-، قال لهم أبوهم: هذا مِن تسويل أنفسكم أيضًا، عسى الله أن يردهم جميعًا، فهو العليم بحالي وما أنا فيه مِن فراق الأحبة، الحكيم في جميع ما يقدره ويفعله، ثم أعرض عنهم وقد ذكره حزنه الجديد بحزنه القديم على يوسف -عليه السلام-، وبكى حتى أشفقوا عليه، فجعلوا ينصحونه بالتوقف عن ذلك حتى لا يهلك، فأعلن لهم يعقوب -عليه السلام- أنه لا يشكو حزنه لأحدٍ، وإنما يشكو إلى ربه، وان الله سيجعل له مخرجًا وفرجًا بعد الشدة، ثم أمرهم أن يرجعوا إلى مصر ويبحثوا عن يوسف وأخيه، وحذرهم مِن اليأس مِن رحمة الله والفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس مِن روح الله إلا القوم الكافرون.
- (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ😞 قاعدة عظيمة في الإسلام: "لا يؤاخذ إنسان بجريرة غيره". قال -تعالى- (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الأنعام:164).
- (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ😞 ليس الرجال بالعدد وإنما بالقيمة والنفع. "كان عمر -رضي الله عنه- يقرأ هذه الآيات ويبكي"، وكان يقول: "أتمنى أن يكون ملء هذه الدار رجال مثل أبي عبيدة أستعملهم في أمور المسلمين".
- (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ😞 لا ينافي الحزن الصبر والرضا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا) (متفق عليه).
- (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ😞 عبادة الشكوى إلى الله مِن أجلِّ العبادات التي يَغفل عنها كثير مِن الناس، وروي مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وقِلَّةَ حِيلَتِي" (رواه الطبراني).
- (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ😞 عبادة الرجاء شرط في صحة الإيمان، عن ابن مسعود -رضي الله عنه- موقوفًا: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن مِن مكر الله، والقنوط مِن رحمه الله".
- وهكذا اشتد الكرب على يعقوب -عليه السلام- مع اقتراب الفرج، وهي سنة ربانية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

خاتمة: الأمر بالتوجه إلى مصر:
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).
وهذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.

صوت السلف

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات إيمانية مع قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- (7)
     
(اجتماع الأمر ولم الشمل)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- تذكير مختصر بما سبق: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87).
- الإشارة إلى أن أحداث القصة اليوم تتناول الأحداث الختامية للقصة، حيث اجتماع الأمر ولم الشمل.
- الإشارة إلى أن الأحداث تدور حول أربعة مشاهد، وهي: مشهد لقاء الإخوة والتعرف لهم، ومشهد نسائم الفرج بعد الشدة، ومشهد لقاء الأحبة، ومشهد تمني لقاء الله ونيل الجنة، ثم خاتمة: إعجاز القرآن ودلائل النبوة.

المشهد الأول: لقاء الإخوة والتعرف لهم:
قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ . قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ . قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ . قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (يوسف:88-93).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن رجوع إخوة يوسف -عليه السلام- إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه مِن الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم، قالوا: مسنا وأهلنا الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، وجئنا ببضاعة رديئة لا تُقبل منا إلا أن يُتجاوز عنا، فأعطنا الميرة وتصدق علينا برد أخينا إلينا، فلما رأى ما هم فيه مِن الحال وما جاءوا به مما لم يبقَ عندهم سواه مِن ضعيف المال، وتذكر أباه وما هو فيه مِن الحزن لفقد ولديه؛ أخذته رأفة ورحمة وشفقة.
فعند ذلك تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلاً لهم عن أمر ربه وربهم، وقد أظهر لهم علامة يعرفونه منها: (هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ)، قالوا وتعجبوا كل العجب (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ)؟! (قَالَ أَنَا يُوسُفُ) يعني: الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف مِن أمركم فيه ما فرطتم. (وَهَذَا أَخِي) تنبيه على ما كانوا أضمروا لهما مِن الحسد، وأعملوا في أمرهما مِن الاحتيال، ولقد مَنَّ الله علينا بإحسانه إلينا؛ وذلك بما أسلفنا مِن طاعته، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا، وأن مَن يتق ويصبر فإن الله لا يضيع اجر المحسنين. (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا. (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بيْن يديك، فقال: لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم دعا لهم بالمغفرة، ثم أمرهم أن يذهبوا بقميصه فيضعوه على عين أبيه، فإنه يرجع إليه بصره وهو مِن دلائل نبوته -عليه السلام-، ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر إلى الخير والسعة، وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور.
- (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا😞 مناسبة جميلة مِن يوسف -عليه السلام-، فإن قميصه هو الذي جاء به الخبر الحزين فأراد أن يكون منه خبر الفرج والسرور، وكان القميص علامة الفراق فأراد أن يجعله علامة على الاجتماع واللقاء، فالنفس تستبشر برؤية ما يذكرها بما تحب، ومثاله "صورة الكعبة".

المشهد الثاني: نسائم الفرج بعد الشدة:
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ . قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ . قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:94-98).
ملخص الآيات: يخبر -تعالى- أنه لما خرجت القافلة مِن مصر وجد يعقوب -عليه السلام- رائحة قميص يوسف -عليه السلام- مِن مسيرة نحو ثمانية أيام، فأخبر أولاده الذين عنده بذلك، وليس هذا عن كبر سن أو سفاهة، وإنما هو مِن أمر الله، فقالوا له كلمة غليظة، فلما جاء حامل القميص وألقى القميص على وجه يعقوب -عليه السلام- رجع بصره مِن فوره، فقال لبنيه عند ذلك ألم أقل لكم إن الله سيجمع شملي بيوسف -عليه السلام- وستقر عيني به، فعند ذلك طلبوا منه أن يستغفر لهم الله -عز وجل-، عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومِن يوسف -عليه السلام-، ولما كان مِن نيتهم التوبة الصادقة وفقهم الله للاستغفار، فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا.
- (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أرجاهم إلى وقت السحر، قال الله -تعالى-: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:18).
وقد أخرج البخاري في صحيحه ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (متفق عليه).
- (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا😞 دليل على مشروعية طلب الدعاء مِن أهل الفضل والدين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه عن أويس القرني أفضل التابعين: (فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ) (رواه مسلم)، وطلب عمر مِن العباس -رضي الله عنهما- أن يدعو عند الاستسقاء بمحضر الصحابة "خلافًا لمن حصره في الأنبياء أو اشترط نفع الداعي".

المشهد الثالث: لقاء الأحبة:
قال الله -تعالى-: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف:99-100).
ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- عن ورود يعقوب -عليه السلام- على يوسف -عليه السلام- وقدومه بلاد مصر، لما كان يوسف -عليه السلام- قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن أخرهم، وترحلوا مِن بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر -وكان ذلك أول دخول بني إسرائيل بلاد مصر- فلما أخبر يوسف -عليه السلام- باقترابهم خرج لتلقيهم، وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف -عليه السلام- لتلقى نبي الله يعقوب -عليه السلام-، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه، فلما التقى بأبويه أجلسهما معه على سرير الملك، فقاموا بالسجود له والإخوة الأحد عشر تعظيمًا وتكريمًا، وكان هذا مشروعًا لهم، ولم يزل ذلك معمولاً به في سائر الشرائع حتى حرِّم في ملتنا.
وقال يوسف -عليه السلام- عند ذلك: هذا يا أبي تعبير ما كنتُ قصصته عليك مِن رؤيتي، وأمرتني بكتمانها، ووعدتني ما وعدتني عند ذلك، فقد جعلها ربي حقـًّا، وقد أحسن بي إذ أخرجني مِن السجن وبعد الضيق والشدة جعلني حاكمًا، نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت، وجاء بكم ربي مِن البادية، وذلك بعد ما كان مِن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. ثم قال: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) أي: إذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها مِن وجوه لا يهتدي إليها العباد، بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته، فالله هو العليم بجميع الأمور الحكيم في خلقه وشرعه وقدره.
- هذه هي النهاية السعيدة حقـًّا، لكل مَن اتقى الله وصبر على البلايا والمحن وهو على طاعته: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90).
- تعلق يوسف -عليه السلام- الدائم بربه وتعبده له بأسمائه وصفاته: (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)، (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ).
- (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي😞 عظيم خلقه حيث لم يوبخهم، بل جعل ظاهر الكلام الاشتراك في الحال مع أنهم هم الذين أساءوا على الدوام.

المشهد الرابع: حسن الختام:
قال الله -تعالى-: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (يوسف:101).
ملخص الآية: لما رأى يوسف -عليه السلام- نعمة الله عليه في الدنيا قد تمت، وشمله قد اجتمع؛ عرف أن هذه الدار لا يقر بها مِن قرار، وأن كل شيء فيها ومَن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان؛ فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، وأعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأله أن يتوفاه "أي حين يتوفاه" على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين.
- (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي😞 اعتراف بشهود نعمة الله، وهكذا المؤمن (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).
- (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101). هكذا المؤمن إذا تمت له نعم الدنيا، اشتاق إلى ما عند ربه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) (متفق عليه)، وقال الله -تعالى-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69).
- (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا😞 نعمة عظيمة الموت على الإسلام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
- كل لقاء بالأحبة في الدنيا فلا بد مِن فراقه، وأما في الآخرة فلا فراق: ففي الحديث: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ, وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ) (رواه الطبراني والحاكم، وحسنه الألباني).

الخاتمة: الغرض مِن القصة:
قال الله -تعالى-: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ . وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف:102-105).
ملخص الآية: يقرر الله -تعالى- لمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- لما قص عليه نبأ إخوة يوسف -عليه السلام-، كيف نصره عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم مع ما أرادوا به مِن السوء والهلاك والإعدام، هذا وأمثاله يا محمد مِن أخبار الغيوب السابقة، نوحيه إليك ونعلمك به يا محمد؛ لما فيه مِن العبرة لك والاتعاظ لمن خالفك، وما كنت حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم إذا أجمعوا أمرهم على إلقائه في الجب وهم يمكرون، ولكن أعلمناك به وحيًّا إليك وإنزالاً عليك.
- (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ😞 تثبيت لقلبك يا نبينا ولأصحابك ولأتباعك مِن عدم الاغترار بكثرة المخالفين، وعظيم مكرهم وكيدهم، فالعاقبة لك ولأتباعك، وإن اشتد الأمر في وقت مِن الأوقات فيسكون الفرج والنصر والتمكين كما كان ليوسف -عليه السلام-، ولذلك خُتمت السورة بقوله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110).
نسأل الله النصر والتمكين لدينه العظيم، وأن يجمعنا بالنبيين في جنات النعيم.
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام- (1) أحداث ما قبْل البعثة

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


مقدمة:
- موسى -عليه السلام- نبي مرسل، كان بعد يوسف -عليه السلام-، ويمتد نسبه إلى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم السلام-: قال الله -تعالى-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) (مريم:51)، وقال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ) (غافر:34)(1).
- قصته أكثر قصص الأنبياء ذكرًا في القرآن، ولقد جمعتْ سورة القصص الشق الأول مِن قصته، وهو دعوته للفرعون وقومه، ثم تفرقت القصة بكاملها في مواضع القرآن المختلفة، وقد تميزت سورة القصص بأنها تحدثت عن طفولة موسى -عليه السلام-، وهي سورة مكية(2).
- كذلك تلخص قصته مع الفرعون في صدرها، ثم تبسطها في ثناياها: قال الله -تعالى-: (طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ . نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:1-6).
- الإشارة إلى مشاهد ومقاطع القصة التي نتعرض لها اليوم، وكلها تدور قبْل بعثة موسى -عليه السلام-، وهي على الترتيب الآتي:


(1) مصر قبْل ولادة موسى -عليه السلام-:
- كانت مصر تحت حكم الفرعون الذي ادعى ملكية البلاد ورقاب العباد: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51).
- نظر فرعون في معبودات قومه فوجدها حقيرة وهو أشرف فادعى الألوهية: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (القصص:38).
- أعان قومه على الفسق والمعاصي، فأعانوه على الظلم والفساد: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف:54).
- ولذلك جعل قومه لهم المكانة، والمستضعفين مِن المؤمنين لهم الذلة والمهانة: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).
- بل قد بغى وطغى وتجبر حتى حرَّم على الناس التفكير: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر:29).


(2) الأحداث قبيل الولادة:
- كان هذا الجو الخانق، والأجواء السيئة، والاضطهاد للمؤمنين، بداية لجريان سنة الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا . فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) (الطلاق:8-9).
- اللطيف الخبير يقدر مِن المقادير ليكون الوعد الصادق للمؤمنين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).
- قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره مِن السلف: "إن فرعون رأى في منامه كأن نارًا قد أقبلت مِن نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقال له الكهنة: هذا غلام يولد مِن هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل الغلمان" (تفسير ابن كثير والطبراني).
- القبط يشكون قلة العاملين مِن بني إسرائيل، فيأمر الفرعون بالقتل عامًا، وبالترك عامًا، فوُلد موسى -عليه السلام- في عام القتل، وكان حمل أمه لا يظهر، فلما وَلدت أُلهمت: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7).


(3) موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون:
- أم موسى -عليهما السلام- تَذهل عن ربط الصندوق ليكون تقدير الله: (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8).
- كل طفل يحتاج في هذه المرحلة إلى امرأة حنون، فيقيد اللطيف الخبير له المرأة الأولى، ويلقي في قلبها محبته، وينفعها الله به في الدنيا والآخرة: (وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (القصص:9)(3)، وهو يشبه: (قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ) (يوسف:19).
- موسى -عليه السلام- يتربى في بيت الفرعون! ولن يغني حذر مِن قدر: قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)، وقال: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30).
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "لقد أمر الفرعون بقتل الغلمان حذرًا مِن وجود موسى -عليه السلام-، والقدر يقول: يا أيها الملك الجبار المغرور بجنوده وسلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا تُخالف أقداره؛ أن هذا المولود الذي تَحذر منه، وقد قَتلتَ بسببه مِن النفوس ما لا يعد ولا يحصى، لا يكون مرباه إلا في دارك، ولا يغذى إلا بطعامك، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاء به مِن الحق المبين، ولتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد".


(4) موسى -عليه السلام- يعود إلى بيت أمه:
- الحزن يقطـِّع قلب أم موسى -عليهما السلام- مِن ضياع الولد: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص:10).
- اللطيف الخبير يقدِّر: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) (القصص:12).
- إن الله لا يخلف الميعاد: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7)، (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (القصص:13).
- وهكذا تربى موسى -عليه السلام- في بيت الفرعون، وتعلم فنون القتال والسياسة، وقدَّر الله له قوة الجسم والعلم(4): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلاً آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) (متفق عليه)، وقال الله -تعالى-: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ) (القصص:15).


(5) خروج موسى -عليه السلام- مِن أرض مصر إلى مدين:
قال الله -تعالى-: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ . فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ . وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:15-21).
- ملخص الآيات: بعد ما ذكر ربنا -تعالى- إنعامه على موسى -عليه السلام- بالعلم والحكمة، وقد صار له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى بني فرعون وتربيته في بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا بسبب أنهم ارضعوه وصاروا أخواله في الرضاعة، فيخبرنا -تعالى- بأن موسى دخل المدينة على حين غفلة مِن الناس بنوم أو نحوه، فوجد رجلين يتضاربان ويتهاوشان؛ أحدهما مِن بني إسرائيل، والآخر مِن القبط الفراعنة، وأن الإسرائيلي استغاث بموسى -عليه السلام- مِن ظلم القبطي، فأقبل موسى -عليه السلام- إلى القبطي فطعنه بجمع كفه فمات الرجل منها، وكان القبطي مشركًا بالله ظالمًا، ولم يرد موسى -عليه السلام- قتله بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا قال موسى -عليه السلام- عن ذلك: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)، وسأل ربه المغفرة، وتعهد ألا يناصر الظالمين مستغلاً قوته وعزه وجاهه الذي أنعم الله عليه به.
ويخبر -تعالى- أن موسى -عليه السلام- أصبح خائفًا مِن أن يعلم الفرعون بالأمر؛ فتقوى ظنونهم أن موسى مِن بني إسرائيل فيترتب على ذلك المفاسد العظيمة، فبينما هو كذلك إذ ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستغيث به مرة أخرى على آخر مِن القبط قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، ولما أقبل على القبطي ليرده عنه، إذا بالإسرائيلي وقد ظن أنه سيبطش به هو، يقول لموسى -عليه السلام-: (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)، فأظهر الأمر الذي كان بالأمس، فذهب القبطي فاستعدى الفرعون على موسى -عليه السلام-.
فلما بلغ الخبر الفرعون أرسل في طلب موسى، فسبقهم رجل ناصح مِن طريق قريب فأخبره بما تمالأ عليه القوم مِن إرادة قتله، ونصحه بأن يخرج مِن بلاد مصر، فخرج مِن مصر على فوره، لا يهتدي إلى جهة معينة، فجعل يدعو ربه ويسأله التوفيق؛ فهداه الله إلى أرض مدين، فالتقى بالرجل الصالح وابنتيه، وقيل هو نبي الله شعيب -عليه السلام-.
وهذا ما سيأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كانت مصر أيام يوسف -عليه السلام- قد دخلها بنو إسرائيل فعاشوا فيها مع القبط، وكانت هي جنة الأرض وخزانتها، فلما مات يوسف -عليه السلام- رجع القبط إلى الشرك وعبادة غير الله وتنوعت عبادتهم، وبقي بنو إسرائيل على دين يوسف -عليه السلام- إلى أن جاءهم موسى -عليه السلام-، وكان الذي يحكم مصر في هذا الزمان أطغى الفراعنة على مر الزمان.
(2) وهي سورة مكية تشير مِن خلال القصة إلى أهمية الصبر والثبات للمؤمنين حتى يرفع الله عنهم الظلم ويهلك عدوهم.
(3) سبحان الذي صرف قلب الفرعون وعقله عن الإصرار على قتل موسى -عليه السلام- ن وهو يعلم يقينًا أنه مولود في عام القتل (إن رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) (يوسف:100)، تأمل... "مولود ذكر في عام القتل ولا يقتل! نجاه موسى في الإلقاء في البحر! - الفرعون هو الذي يؤويه!".
(4) قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (القصص:14)، وأثر هذه القوة ظاهر في القصة بعد رجوعه مِن لقاء ربه.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس وعبر مِن قصة نبي الله موسى -عليه السلام-
(2) إعداد وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة

 
إعداد وتمهيد بيْن يدي التكليف بالرسالة
كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:
- تذكير بما سبق مِن خروج موسى -عليه السلام- مِن أرض مصر، وتوجهه إلى أرض مدين.
- الإشارة إلى ملخص أحداث اليوم: مِن أن الله قدر لموسى -عليه السلام- مدة مدين وأحداثها مِن جملة الإعداد والتمهيد لحمل الرسالة ليعود إلى مصر، ولتكون الأحداث الجسام، حيث المواجهة مع أعتى ملوك الأرض، وذلك مِن خلال المشاهد التالية.

(1) مدة مدين إعداد على الطريق:
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ . وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص:22-28).
- ملخص الآيات: يخبر -تعالى- عن خروج موسى -عليه السلام- خائفًا يترقب خشية أن يدركه أحدٌ مِن قوم فرعون، وهو لا يدري: أين يتوجه؟ وذلك لأنه لم يخرج مِن مصر قبْل ذلك، ولما وصل إلى مدينة مدين بهداية الله له؛ وجد على بئرها الناس مِن رعاه الغنم يتزاحمون عليها، ووجد مِن بيْن الناس امرأتين تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس، فسألهما عن خطبهما؟ فقالتا: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا لهذه الرعية ضعف أبينا وكبره، فسقى لهما موسى -عليه السلام- ولغنمهما، ثم رد الصخرة على البئر كما كانت، ثم تولى إلى ظل شجرة، وقد جهده الجوع والمشقة، فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) فسمعته الفتاتان، ولما رجعتا إلى أبيهما وعلم أبوهما أمر موسى -عليه السلام-، أمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه، فقالت: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) فلما جاءه موسى وأخبره بأمره؛ قال الشيخ: لا تخف، لقد نجوتَ حيث خرجت الآن مِن سلطانهم ودولتهم، فعند ذلك قالت إحدى الفتاتين: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) فما كان مِن الشيخ الصالح إلا أن عرض عليه نكاح إحدى ابنتيه على أن يقوم على خدمته ثماني أو عشر سنوات، فأتم موسى أبعد الأجلين.

دروس وعبر:
- عظيم خُلق موسى -عليه السلام- ومروءته حيث رقَّ لحال المرأتين مع ما هو فيه مِن الجوع والمشقة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم)، وقال: (وَلَأَنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).
- ابنة الرجل الصالح تضع معيارًا لاختيار العمال والولاة (القوة - الأمانة): ذكر غير واحد مِن السلف: "إن المرأة لما قالت لأبيها: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) قال لها أبوها: وما علمك بهذا؟ قالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة، وأنه لما جئتُ معه فقدمت أمامه، قال: كوني مِن ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق؟" (تفسير ابن كثير)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)، وصاحبة موسى حين قالت: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب".
- عرض الرجل ابنته على الرجل الصالح: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)، "وعرض عمر -رضي الله عنه- ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان -رضي الله عنهما-".
- خروج المرأة مِن بيتها لا يكون إلا لحاجة: (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)، وقال -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33).
- أهمية مدرسة رعي الغنم في حياة الأنبياء، ودرس للقادة في كل زمان: "الصبر - التواضع - الرحمة - الزهد - الحرص على الجماعة": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) (رواه البخاري).

(2) بدء الوحي والتكليم:
قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) (القصص:14)، وقال: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ . فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (القصص:29-30)، وقال الله -تعالى-: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى . وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي . إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى . فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (طه:11-16).
- ملخص الآيات: يخبر الله -تعالى- بأنه لما قضى موسى الأجل في مدين، وقد اكتمل واستوى وصار أهلاً لتحمل الرسالة، آتاه الله الوحي، وذلك أنه لما خرج مِن مدين، وسار بأهله جهة مصر متخفيًا ومعه غنم وولدان مِن أهله، اتفق ذلك في ليلة فظلمة باردة، وقد تاهوا في طريقهم، جعل موسى يوري زناده لطلب النار فلا يورى شيئًا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذا أبصر عن بعد نارًا تأجج في جانب جبل الطور مِن الجهة الغربية، فقال موسى لأهله: امكثوا إني رأيت نارًا لعلي أستعلم من عندها على الطريق، ويظهر أنه رآها دونهم، ولأنها كانت نورًا في الحقيقة، فلما قصد موسى إلى تلك النار وانتهى إليها، وقد اشتد النور حتى إنه جعل يضع يده على وجهه مِن شدته، وهناك ناداه ربه (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) فأنتَ مِن الآن رسول إلى الناس، تحمل دعوة التوحيد، وتنذرهم بلقاء الله، وتعلمهم أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار الباقية في الآخرة يوم القيامة، وذلك لا بد مِن وقوعه؛ لتُجزى كل نفس ما عملت مِن خير أو شر.

دروس وعبر:
- سنة الله الماضية: إرسال الرسل عند انحراف البشر عن المنهج القويم؛ لإنذارهم وإقامة الحجة عليهم: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (الإسراء:36)، وقال الله -تعالى-: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء:165).
- وقفة: قد يطرح هنا سؤال وهو: لماذا لا يرسل الله رسولاً للناس الآن وقد انحرفت البشرية أكثر مِن كل زمان سبق؟
والجواب: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- موجود بيْن الناس بشرعه، والحجة عليهم قائمة برسالته الباقية إلى يوم القيامة، بل لو جاءهم الرسول الآن بشخصه لكانوا أشد تكذيبًا؛ لا سيما بعد اغترار البشرية بالعلوم الدنيوية الكثيرة. نسأل الله العافية والثبات.
- اختصاص موسى -عليه السلام- بالتكليم في أول الوحي كان مِن أعظم عوامل تثبيته لمواجهة أعتى الظالمين وأفجر المكذبين: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى:51).

(3) المعجزات والإعدادات لمواجهة المكذبين:
- المقصود بالمعجزات: ما يجريه الله -تعالى- على أيدي الرسل مِن أمور خارقة للسنن الكونية المعتادة التي لا قدرة للبشر على الإتيان بمثلها، فتكون هذه الآية الخارقة للسُّنة الكونية المعتادة دليلاً غير قابل للنقض والإبطال، يدل على صدقهم فيما جاءوا به (الرسل والرسالات للشيخ عمر الأشقر).
- آية العصا التي تنقلب حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصطك: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى . قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى . قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى . فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى . قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) (طه:17-21).
- آية نور اليد وبياضها: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى) (طه:22)، (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (القصص:32).
- بقية آيات التسع كانت أثناء المواجهة واشتداد الأحداث: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:130)، وقال الله -تعالى-: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) (الأعراف:132-134).
فائدة: معجزات موسى -عليه السلام- أكثر مِن تسع، ولكن هذه التسع تعلقت بالفراعنة، وإلا فمِن ذلك: شق البحر والحجر بالماء، ونزول المن والسلوى.
(4) سؤال موسى -عليه السلام- ربه أسباب نجاح الدعوة:
- بعد تحديد محل الدعوة والإنذار: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات:17-19).
- كان طلب أسباب الثبات ونجاح الدعوة: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) (القصص:33).

دروس وعبر:
- أهمية الوقوف مع دعاء موسى -عليه السلام- بالتوضيح لجوانبه المتعددة: (شرح الصدر: حب الدعوة والسعي بها - تيسير الأمر: توفيق مِن الله وسبب للنجاح - طلاقة اللسان: سبب للقبول والإقناع - المعين الصالح: يقوي العزم والثبات(1) - كثرة الذكر والعبادة في الناس: علامة على نجاح الدعوة).

خاتمة:
ومِن هنا انطلق موسى -عليه السلام- بكل أسباب الإعداد والتمهيد لحمل رسالة العزيز الحميد -سبحانه وتعالى-: قال الله -عز وجل-: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه:39).
فكيف كانت المواجهة مع أعتى ملوك الأرض؟!
هذا ما يأتي عليه الحديث في المرة القادمة -إن شاء الله-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سمعتْ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- رجلاً يقول لأناسٍ وهم سائرون على طريق الحج "أي أخ أمنُّ على أخيه؟ فسكت القوم، فقالتْ لمن حول هودجها: هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه أن يكون نبيًّا يُوحى إليه" (ذكره أبن كثير في التفسير).

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×