اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

دروس من القصص

المشاركات التي تم ترشيحها

دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (5)

   

فضل الصدق
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس الإيمانية والتربوية والدعوية فيها، وأثر ذلك على القلوب.
- ذكر الشاهد مِن القصة على درس اليوم "فضل الصدق": قال كعب -رضي الله عنه-: وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ: وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ: (مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلاَنِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ) فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: (مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟!). فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ).
فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلاَنِ، قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي".
- هكذا مضى كعب -رضي الله عنه- على موقفه بأن يصدق، يرجو عاقبة الصدق: قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا) (متفق عليه).

(1) منزلة الصدق مِن الدين:
- الصدق أفضل السمات الإنسانية والفضائل الأخلاقية التي يجب على المسلم أن يتحلى بها (ملاحظة ذلك في قصة الثلاثة حيث جاء الأمر به في سياق توبتهم): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
- الصدق يميز أهل الإيمان مِن أهل النفاق، والصادقين مِن الكاذبين: قال -تعالى- معاتبًا النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43).
- الصدق جعل الصادقين يسبقون الشهداء وعموم الصالحين: قال -تعالى-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69).
- لذا جعله الله وصفًا لأحسن الناس بعد الأنبياء: قال -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8).

(2) مجالات الصدق ومتعلقاته:
متعلقات الصدق ثلاثة: (مع الله - مع النفس - مع الناس)، ومجالاته كثيرة نجملها في أربعة: (الأقوال - الأفعال - النيات - الأحوال).
أولًا: الصدق في الأقوال:
معناه: مطابقة الأقوال للأفعال والنيات، فلا يكذب ولا يراوغ: قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه)، وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "بمَ يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره ولين كلامه وصدق حديثه".
- مواقف في أهمية صدق الأقوال: (صدق الثلاثة الذين خلفوا وأثره بعد ذلك)، وعن أنس بن مالك، قال: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23) إِلَى آخِرِ الآيَةِ" (متفق عليه). وقال أنس -رضي الله عنه-: إِنَّ أُخْتَهُ وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ، وَتَرَكُوا القِصَاصَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) (متفق عليه).

ثانيًا: صدق الأفعال:
معناه: مطابقة الأفعال للأقوال والنيات، فلا يكذب فعله قوله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2-3).
- مواقف في أهمية صدق الأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا... ) (رواه البخاري).
وعن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله -تعالى-، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب، إذا لقينا العدو غدًا، فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله، ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سلبه. فأمن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدًا رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، فأقاتله، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت لي: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: أنت دعوته خيرًا مِن دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط!" (صفة الصفوة لابن الجوزي).

ثالثًا: صدق النيات والإرادات:
معناه: العزم الصادق في إرادة فعل الخيرات مع الأقوال والأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ) (متفق عليه).
- مواقف في أهمية صدق النية: عن شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: (قَسَمْتُهُ لَكَ)، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ)، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَهُوَ هُوَ؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ)، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

رابعًا: صدق الأحوال:
معناه: مطابقة حاله الظاهر لأقواله وأفعاله ونيته (ظهور آثار الصدق على الوجه والجوارح وسائر التصرفات): عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
- موقف في أهمية صدق الأحوال: عن عتبة بن أبي سفيان قال: "خطب بلال لأخيه امرأة قرشية، فقال لأهلها: نحن مَن قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله -تعالى-، وكنا ضالين فهدانا الله -تعالى-، وكنا فقيرين فأغنانا الله -تعالى-، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله -تعالى-، وإن تردونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته، ومشاهده ومكانه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فزوجوا أخاه، فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك أما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتترك ما عدا ذلك، فقال: مه يا أخي، صدقت فأنكحك الصدق" (تاريخ دمشق لابن عساكر).

خاتمة: إشارة إلى ثمرات الصدق:
- للصدق ثمرات كثيرة وجميلة تحتاج إلى حديثٍ منفصلٍ نجملها في عبارة وإشارة، وهي: (تحقيق العبودية لله - نيل الثناء عند الله وعند الصالحين - بركة وتوفيق في العمر والرزق - علو قدر ومنزلة في القلوب - راحة نفسية وطمأنينة)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال كعب بن مالك في سياق قصته: "إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا، مَا بَقِيتُ".
فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأعمال، وسائر الأحوال، واحشرنا مع النبيين والصديقين.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (6)
 
مشروعية الزجر بالهجر

 

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس المأخوذة منها.
- ذكر الشاهد لدرس اليوم "مشروعية الزجر بالهجر" مِن القصة: قال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: "وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلاَ يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلاَمَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ.
قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا؟ أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلاَ تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: (لاَ، وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبْكِ). قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلاَمِنَا".
- وهكذا كانت العقوبة بالتأديب بالهجر الذي هو فرع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لبقاء سلامة المجتمع مِن انتشار نوع المعصية: قال -تعالى-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).
1- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي:
- إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مِن أهم العبادات التي تميز المؤمنين، وتجعلهم مِن المرحومين في الدنيا والآخرة: قال الله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71).
- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى انتشار المعاصي، ويهدد بنزول العذاب: قال الله -سبحانه وتعالى-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:78-79)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).
- ولذا كان واجبًا على كل مسلم كل بحسبه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإيمَانِ) (رواه مسلم).
2- مشروعية الزجر والتأديب بالهجر:
وصور الهجر كثيرة، ومنها: هجر الكلام، والمجالسة، والمؤاكلة، والزيارة، والعيادة، والفراش، وغير ذلك.
- وجوب هجر أهل البدع والكبائر والضلالات والدعاة إلى النظم المخالفة لتعاليم الإسلام: قال -تعالى-: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:68)، وقال -تعالى-: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140).
- جواز هجر الصالحين إذا أذنبوا تأديبًا لهم؛ لئلا يعودوا إلى الذنب: (هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- لنسائه شهرًا لما أكثرن عليه في النفقة) (متفق عليه). وعن سعيد بن جبير: أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ: فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: (إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)، قَالَ: فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. (متفق عليه). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ) فَقَالَ ابْنٌ لَهُ: يُقَالُ لَهُ وَاقِدٌ: إِذَنْ يَتَّخِذْنَهُ دَغَلًا. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: "أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَتَقُولُ: لَا!" (رواه البخاري ومسلم واللفظ له).
- هجر الزوجة إذا نشزت على الزوج حتى ترجع: قال الله -تعالى-: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) (النساء:34).

3- مِن ضوابط الزجر بالهجر:
أولًا: التفريق بيْن الهجر لأمرٍ ديني والهجر لأمرٍ دنيوي:
- الإنسان مجبول على الغضب لنفسه، فعفي عن الهجر ثلاثة ليذهب عنه ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) (رواه مسلم).
- وأما الهجر للدين فتجوز الزيادة التي يحصل بها المقصود: ومنه كان هجر الثلاثة؛ لأن تخلفهم كان مِن الكبائر، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (التوبة:38).

ثانيًا: أن يكون مِن ذي سلطان مادي أو معنوي:
- الشاهد من القصة: قول كعب -رضي الله عنه-: "وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَيَّ أَمْ لاَ؟"، وقوله: "فاجتنبنا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا "، و(موقف أبي قتادة).
- عمر بن الخطاب يعاقِب مَن يحدث الشبهات بالهجر بعد الضرب: "عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ صَبِيغًا الْعِرَاقِيَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ، فَبَعَثَ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِالْكِتَابِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: أَيْنَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: فِي الرَّحْلِ، قَالَ عُمَرُ: أَبْصِرْ أَنْ يكونَ ذَهَبَ فَتُصِيبَكَ مِنِّي بِهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ، فَأَتَاهُ بِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: تَسْأَلُ مُحْدَثَةً، فأرْسلَ عُمَرُ إِلَى رَطَائِبَ مِنْ جَرِيدٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبِرَةً، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، ثُمَّ عَادَ لَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ لَهُ. قَالَ: فقالَ صَبِيغٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي، فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُدَاوِيَنِي، فَقَدْ وَاللَّهِ بَرَأْتُ، فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ: أَنْ قَدْ حَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ: أنِ ائْذَنْ لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ" (ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة، وصحح بعض أسانيدها).
- عائشة -رضى الله عنها- تعاقب عبد الله بن الزبير بهجره، ولم ترجع حتى استشفع عندها بالصحابة مرارًا: وذلك لما قال عبد الله بن الزبير "فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَنْ لاَ أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا" (رواه البخاري).

ثالثًا: ألا يؤدي إلى مفسدة وشر أكبر:
- كثيرٌ مِن الناس ضعيف الإيمان لا يتحمل الهجر، فربما فتن وانقلب: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11).
- والبعض لا يرى فعله خطأ، ويرى أنه مِن المصلحين، ومَن أنكر عليه فهو مِن الجاهلين أو المتكبرين: قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ"، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا! (رواه البخاري).
- والبعض الآخر يكون ضحية الصيد في الماء العكر، فلا بد مِن الحذر: قال كعب عن رسالة ملك غسان: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ".
- وهنا سنترك العلاج بالهجر، وننتقل إلى التأليف وتقليل الشر على قدر المستطاع؛ وإلا فإن النبي -صَلَّى الله عليه وسلم- لم يهجر المنافقين: قال كعب -رضي الله عنه-: "جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلاَنِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ" (متفق عليه).

خاتمة:
- الزجر بالهجر وسيلة مِن وسائل إصلاح الأفراد والمجتمعات، إذا أقامها المسلمون بضوابطها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (7)
 
وقفات مع توبة الله على الثلاثة
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- تكرير التنبيه على فضل القصة، وكثرة الدروس المأخوذة منها.
- ذكر الشاهد مِن القصة لوقفات اليوم: قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَلاَمِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)، ثم قال: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:117-119)" (سيكون لنا حديث منفرد في المرة القادمة إن شاء الله عن تناول القرآن لتوبتهم، وتعرضه لأحوالهم الإيمانية).
- وهكذا كانت النهاية السعيدة، بعد بكاءٍ وأحزانٍ وآلام دامت خمسين ليلة، ولنا معها وقفات ثلاث: (موقف مجتمع الصحابة مِن توبة إخوانهم - خير يوم في حياة الثلاثة - مِن آداب شكر النعم).


الوقفة الأولى: موقف مجتمع الصحابة مِن توبة إخوانهم:
فمع عظيم امتثال الصحابة للأمر بالمقاطعة؛ إلا أنهم كذلك كانوا مهمومين مغمومين مشفقين على الثلاثة وعلى مصيرهم، لما رأوا منهم صدق التوبة، وهذا ظاهر مِن أمورٍ ثلاثة:
1- انتظارهم الوحي بين لحظة وأخرى: ففي بعض الروايات أن توبتهم نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السحر، والنبي عند أم سلمة، وكانت أم سلمة كثيرًا ما تذكر كعبًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتثنى عليه خيرًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أُمَّ سَلَمَةَ تِيبَ عَلَى كَعْبٍ) ثم تلا عليها الآيات، قَالَتْ: أَفَلاَ أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: (إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ) (رواه البخاري).
2- مسارعتهم بتبشير الثلاثة: قال كعب -رضي الله عنه-: "سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ".
3- مظاهر الفرحة والتهنئة ملأت المدينة: قال كعب -رضي الله عنه-: "وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ"، وَقَالَ كَعْبٌ: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ... ".


الوقفة الثانية: خير يوم في حياة الثلاثة:
قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)".
- ولمَ لا يكون خير الأيام، والله يفرح بذلك؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (رواه مسلم).
- التوبة ندم وانكسار وافتقار وضعف، والله يحب مَن اتصف له بذلك فيكون منه أقرب: (الله مع التائب وأقرب إليه كما هو للمؤمن المريض، لاشتراكهما في وصف الضعف والانكسار والافتقار إلى الله -عز وجل-): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي! قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا عَلِمْتَ إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي) (رواه مسلم).
لطيفة: هل يوم توبتهم أفضل مِن يوم إسلامهم؟
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "واستشكل هذا الإطلاق بيوم إسلامه، فإنه مرَّ عليه بعد أن ولدته أمه وهو خير أيامه، فقيل: هو مستثنى تقديرًا وإن لم ينطق به لعدم خفائه، والأحسن في الجواب: أن يوم توبته مكمل ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها؛ فهو خير جميع أيامه، وإن كان يوم إسلامه خيرها، فيوم توبته المضاف إلى إسلامه خير مِن يوم إسلامه المجرد عنها، والله أعلم" (فتح الباري).
قلتُ: وأضاف بعض العلماء اعتبار ذكرهم في القرآن وتعظيم شأن توبتهم حتى سميت السورة بذلك (حاول أن تتخيل آيات مِن القرآن تذكر في المحاريب وعلى ألسنة القراء، وأصحابها أحياء يرزقون؛ فأي شرف أعظم مِن هذا؟!).
والخلاصة: أن يوم التوبة ولحظة التوبة مِن خير أيام ولحظات حياة الإنسان: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (آل عمران:135-136).


الوقفة الثالثة: مِن آداب شكر النعم:
1- سجود الشكر: قال كعب -رضي الله عنه-: "سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ، أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ"، وفي رواية الواقدي: "وكان الذي بشَّر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد. قال سعيد: فسجد، فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه. يعني: لما كان فيه مِن الجهد".
2- مكافأة مَن يحمل البشرى بالنعمة: قال كعب -رضي الله عنه-: "فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا، بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
3- التصدق بالمال أو بغيره: قال كعب -رضي الله عنه-:‏ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) (متفق عليه).
- وهكذا كان مجتمعهم يقوم على ميزان العلاقة في الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أوثقُ عُرَى الإيمانِ: الموالاةُ في اللهِ، والمُعاداةُ في اللهِ، والحبُّ في اللهِ، والبُغضُ في اللهِ -عزَّ وجلَّ-) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

خاتمة: تنويه إلى الحديث القادم والأخير (أهمية أعمال القلوب):
- والوقفات كثيرة جدًّا مع قصة توبتهم، ولا يزال لنا بقية حديث حول تناول القرآن لقصة توبتهم، والأحوال الإيمانية التي عاشها الثلاثة أثناء محنتهم: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ)، (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ)، (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ).
فاللهم تب علينا أنك أنت التواب الرحيم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (8)


كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
 
خاتمة: التناول القرآني للقصة:
 
المقدمة:
- التناول القرآني يركِّز على الأحوال الإيمانية القلبية التي كانت هي أعظم أسباب التوبة عند الثلاثة -رضى الله عنهم-: قال الله -تعالى-: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم) (التوبة:118).
- الأحوال الإيمانية القلبية هي أشرف العبادات؛ لأن أعمال الجوارح لا تصلح بغيرها، فهي كالروح للجسد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وهِيَ القَلْبُ) (متفق عليه).
الحالة الإيمانية القلبية الأولى: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ😞
- أرض المدينة التي وُلدوا فيها تتنكر لهم بسبب شؤم المعصية: قال كعب -رضي الله عنه-: "وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ" (متفق عليه).
- الأرض تتأثر بالمعاصي، وتضيق بالعصاة، وتستريح بموتهم: عن أبي قتادة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (متفق عليه)، وقال -تعالى- في شأن الفراعنة: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ . كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) (الدخان:25-29)، وروي: "إذا مات العبد الصالح، بكاه مصلاه مِن الأرض".
- الأرض الضيقة بسبب الذنوب وهجر الصالحين، ستتسع بالتوبة وملازمة الصالحين، وتضيق أكثر بسبب موافقة العاصين والفاجرين: قال كعب عن رسالة ملك غسان "وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا".
- راجع نفسك إذا هجرك إخوانك الصالحون، فإنهم شهود الله في الأرض: عن أنس -رضى الله عنه- قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: (وجَبَتْ)، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: (وجَبَتْ)، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: مَا وجَبَتْ؟ قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) (متفق عليه).
 
الحالة الإيمانية القلبية الثانية: (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ😞
- ضاقت عليهم أنفسهم نتيجة المحاسبة على الذنب؛ لأن النفس تكره المحاسبة: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف:53).
- النفوس مجبولة على حب الراحة واستثقال التكاليف، وإيثار متاع الدنيا على الآخرة؛ إلا مَن ضيَّق عليها وجاهدها: قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَن طَغَى . وآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى . وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:37-41)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وقال: (وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني).
- الصالحون نفوسهم لوامة، تريد أن ترقى إلى النفس المطمئنة: قال كعب -رضي الله عنه-: "وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ!"، وقال: "فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ". قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لا يُلقَى المؤمنُ إلا يعاتب نفسَه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا لا يعاتب نفسه".
- حاسب نفسك وإن ضاقت، محاسبة التاجر الحاذق لتجارته (رأس مال - أرباح - خسائر): قال عمر -رضى الله عنه-: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا".
 
الحالة الإيمانية القلبية الثالثة: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ😞
- لا نجاة مِن أقدار الله المؤلمة: (هجر الصالحين لهم - الخوف من عقوبة الله المنتظرة) إلا باللجوء إلى الله: قال الله -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات:50)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (ولَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) (متفق عليه).
- الصادقون ينتظرون الفرج مِن الله، وإن طالت العقوبة، وعاشوا القلق وضيق النفس والأرض: قال -تعالى- في حقهم: (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة:106)، وقال في غيرهم قبلها: (وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:102)، وتأمل قوله فيهم: (واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ولم يقل كما قال في غيرهم: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
- الذين يسلكون غير طريق الله إذا نزلت بهم الأقدار المؤلمة: (ضيق أرزاق - تسلط أعداء - مرض - ... )، إنما سلكوا طرقًا مسدودة، وإن ظنوا الراحة فيها: قال -تعالى-: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62)، وقال: (وإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ) (الأنعام:17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَعَلَيكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنمِ القَاصِيَةَ) (رواه أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني).
- النبي -صلى الله عليه وسلم- يرسِّخ هذه العقيدة في نفوس المسلمين: عن البراء بن عازب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ، وقلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لامَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ... ) (متفق عليه).
 
خاتمة:
- ختمت الآيات بالأمر بلزوم الجماعة الصادقة، والحذر مِن مفارقتهم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة:119).
- الإشارة في الختام مرة أخرى إلى فضل القصة، وما اشتملت عليه مِن فوائد عظيمة ينتفع بها المؤمنون.
فاللهم انفعنا بما قلنا وسمعنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع قصة جرة الذهب


كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



المقدمة*:
- في عالم المؤمنين على مرِّ الزمان، نماذج راقية في الإيمان والتقوى والورع، حتى يصل حالها إلى أن يتدافع أصحابها المال، ولا يحرصون عليه؛ خشية أن يكون حرامًا: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ، وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا) (متفق عليه).
- صورة فريدة وعجيبة مِن الأمانة؛ وإلا فالمعهود بين الناس أن يختصم مثل هذين للحصول على الذهب؛ لأن حب المال مغروس في النفوس البشرية: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: " ... لقد رأيتنا يكثر تمارينا ومنازعتنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- أيهما أكثر أمانة" <(فتح الباري، كتاب أحاديث الأنبياء، (? / ???)>، (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات:8)، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).



(1) فتنة المال:
- لقد حمل حب المال الناس على التحاسد والتباغض، والكبر والحرص، واستحلال المحرمات: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا) (الكهف:35)، (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) (الكهف:34)، (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) (القلم:21-24)، (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (القصص:77-78)(1).
- بل أفسد حب المال كثيرًا من العباد والمنتسبين إلى العلم والدين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة:34).



(2) فضل الورع في الدين:
- لا شك أن هذين الرجلين صالحين تقيين، والصلاح والتقوى يجلبان الورع الذي يثمر الزهد: قال ابن القيم -رحمه الله-: "الورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" (مدارك السالكين).
- وللورع أقسام ثلاثة:
الأول: واجب، وهو الكف عن المحرمات، وهو في مقدور الناس جميعًا(2): قال الله -تعالى-: (وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر:7).
الثاني: مستحب، وهو الامتناع عن الشبهات، وهذا لا يقدر عليه إلا القليل(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ... ) (متفق عليه).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا) (متفق عليه)، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى الله عنه- غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ" (رواه البخاري).
الثالث: من قبيل الإحسان: وهو الكف عن كثيرٍ مِن المباحات، طلبًا لما هو خير منها في الآخرة، وهذا لا يقدر عليه إلا قليل: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى) (النساء:77)، قال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا شَبعَ آلُ مُحمَّدٍ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ" (رواه مسلم)، وعن حفضة بنت عمر -رضي الله عنها- أنها دخلت على أبيها عمر -رضي الله عنه- وقد رأت ما هو فيه من شدة العيش وخشونته! فقالت: "إن الله أكثر من الخير، وأوسع عليك من الرزق، فلو أكلت طعامًا أطيب من ذلك، ولبست ثيابًا ألين من ثوبك؟ قال: سأخصمك إلى نفسك، فذكر أمر رسول الله وما كان يلقى من شدة العيش، فلم يزل يذكرها ما كان فيه رسول الله، وكانت معه حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان لي صاحبان سلكا طريقًا، فإن سلكت طريقًا غير طريقهما سلك بي غير طريقهما، إني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أن أدرك معهما عيشهما الرَّخِيّ" (طبقات ابن سعد 3 / 277).
وعن البراء بن معرور قال: مرض عمر-رضي الله عنه- يومًا فوصفوا له العسل كدواء، وكان بيت المال به عسلًا جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداوَ عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: "إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرم"، فبكى الناس إشفاقًا عليه، وأذنوا له جميعًا، ومضى بعضهم يقول لبعض: "لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك" (الطبقات الكبرى، لابن سعد).
وقال الأوزاعي -رحمه الله-: "كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يقتدى بنا، خشيت ألا يسعنا التبسم!".
وقال الحسن -رحمه الله-: "ما زالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام" (جامع العلوم والحِكم لابن رجب الحنبلي).



(3) الجزاء من جنس العمل:
- إذا كان أمر الرجلين عجبًا، فإن قضاء القاضي كان أعجب وأغرب: ففي الحديث: (فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا)(4).
- المصاهرة بين الأخيار تقوي رباط الإيمان بين الصالحين، والزوجان الصالحان يكونان أسرة صالحة، ويرجى أن ينجبا ذرية صالحة: قال -تعالى-: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) (الأعراف:58)، (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ) (الطور:21)، وفي قصة أم سليم مع أبي طلحة -رضي الله عنهما- لما مات ولدهما الصغير: " ... فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه، فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: (أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: (اللَّهمَّ باركْ لَهُما) فَولَدتْ غُلامًا... "، قال ابن عيينة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: "فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ، كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُود" (رواه البخاري).
- فائدة في الختام: حكم المال المدفون:
- المال المدفون: إما لقطة، وإما ركاز، وإما غير معين، لا يعرف له وصف من الوصفين السابقين، فهو في حكم المال الضائع، فيعود إلى بيت المال.
- أما اللقطة: فعن خالد الجهني قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لقطة الذهب أو الورق؟ فقال: (اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ) (رواه مسلم).
- وأما الركاز: فهو ما وجد من دفائن الجاهلية، ذهبًا أو فضة أو غيرها مما عليه علامة الكفر، فيجب فيه الخمس في قليله وكثيره، ولا يشترط له الحول ولا النصاب؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ) (متفق عليه).
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
* الغرض مِن الموعظة: الوقوف على بعض الفوائد من هذه القصة التي تحكي لنا صورة راقية من الإيمان والتقوى، وعظيم الورع.
(1) ولقد رأينا صور الاستعمار والاحتلال مِن أممٍ لغيرها على مرِّ الزمان؛ بسبب المال، كما في الصراع على منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول.
(2) كأكل الميتة، والربا، والخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولبس الحرير والذهب للرجال، والسرقة، والغش، والكذب، ونحو ذلك.
(3) كالمختلف في حله وحرمته، أو حرمته وكراهيته.
(4) جزم القرطبي بأن القاضي لم يصدر عليهما حكمًا، وإنما أشار عليهما بذلك صلحًا؛ لأن المال له حكم المال الضائع، وهو النوع الثالث.


صوت السلف

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قصة الذي دخل الجنة بتنحيته الأذى عن الطريق

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- قصة قصيرة تحمل أدبًا وحكمًا مِن آداب وأحكام الطريق: روى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه)، وفى رواية عند مسلم: (مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)، وفى رواية أخرى عنده: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ).
- الطريق مكان عام، يشترك فيه الناس جميعًا في المنفعة؛ ولذلك جعل له الإسلام آدابًا وأحكامًا؛ هذا أحدها: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ) قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ) (متفق عليه).
- البعض يحكي انبهارًا طرق بلاد غير المسلمين، وأنها من أسباب نعيم الدنيا، وينسى أن الإسلام هو الذي علم البشرية ذلك: (إشارة الى عناصر الحديث الثلاثة الآتية).


(1) فضل إماطة الأذى عن الطريق في الإسلام:
- الترغيب والحث عن النظافة وجعلها دينًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قولُ لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا -أُرَاهُ قَالَ:- أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ" (رواه الترمذي وحسنه).
- المسلمون العاملون بتعاليم الإسلام يحرصون على نظافة طرقهم؛ لأنه دين عندهم، يرجون به الثواب من ربهم: عن أبي برزة -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ. قَالَ: (اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ) (رواه مسلم).
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) (متفق عليه). ومن كلام المسلمين: "النظافة من الإيمان".
- بل، ومن عظيم فهم خلفاء المسلمين أن جعلوه مسئوليتهم مع الرعية: قال أبو موسى الأشعري لما قدم البصرة أميرًا: "بعثني إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم وسنتكم، وأنظّف طرقكم" (سنن الدارمي 566).
- ولذلك كان إماطة الأذى عن الطريق من سمات المجتمع المسلم الذي يفتخر به النبي -صلى الله عليه وسلم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ) (رواه مسلم).


(2) تحريم إيذاء المسلمين في طرقهم:
- الإسلام يحرم ذلك، ويرهب من عاقبته (إشارة إلى بعض صور الأذى في زماننا): (إلقاء النفايات بأنواعها في الطريق - غرس المواسير الحديدية والكتل الأسمنتية أمام البيوت والمحلات - عرض التجار سلعهم في الطريق - وضع المقاهي الكراسي ونحوها على الطريق - وغير ذلك ...).
- أصحاب هذه الأعمال مستحقون للعقوبة في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).
تأمل في القصة فعل الرجل الصالح، فإنه قطع جزءًا من شجرة نافعة في أصلها، ولكن كان جزءًا منها في الطريق يؤذي الناس؛ فكيف بالذين يخرجون إلى الطريق ما كان أصله وفرعه يؤذي الناس؟!


(3) عناية علماء الإسلام ببيان أحكام وآداب الطريق:
- لقد أَوْلَوا الطريق عناية فائقة، فذكروا تفصيلات عجيبة في حفظ حق الطريق في ضوءِ ما جاء في الكتاب والسُّنة (لا بأس أن تقرأ من الورقة):
- عقد أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- فصلًا في إحياء علوم الدين، عنوانه: "منكرات الشوارع"، أطال فيه، فكان مما قال: "فمِن المنكرات المعتادة فيها: وضع الأسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة... وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب، وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة. والمرعى هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات، ومنها: سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر... وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت ويلوث الطريق بالدم فإنه منكر يمنع منه... وكذلك طرح القمامة على جواد الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر؛ كل ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق... وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه".
- وقال أبو طالب المكي -رحمه الله-: "وكان الورعون لا يشترون شيئًا ممن قعد يبيعه على طريق، وكذلك إخراج الرواشن من البيوت، وتقديم العضايد بين يدي الحوانيت إلى الطريق مكروه" (قوت القلوب 1/ 286).
- وقال -رحمه الله تعالى- أيضًا: "وَمِمَّا كَرِهَهُ السَّلَفُ طَرْحُ السِّنَّوْرِ وَالدَّابَّةِ عَلَى المَزَابِلِ فِي الطُّرُقَاتِ، فَيَتَأَذَّى المُسْلِمُونَ بِرَوَائِحِ ذَلِكَ، وَكَانَ شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُ إِذَا مَاتَ لَهُمْ سِنَّوْرٌ دَفَنُوهَا فِي دُورِهِمْ، وَمِثْلُهُ إِخْرَاجُ المَيَازِيبِ وَصَبُّهَا إِلَى الطُّرُقَاتِ" (قوت القلوب، 1/ 287).
- وقال -رحمه الله-: "حُدثت عن أبي بكر المروزي: أن شيخًا كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل -رحمه اللّه- ذا هيبة، فكان أحمد يقبل عليه ويكرمه فبلغه عنه أنه طيَّن حائط داره من خارج، قال: فأعرض عنه في المجلس فاستنكر الشيخ ذلك فقال: يا أبا عبد اللّه هل بلغك عني حدث أحدثته؟ قال: نعم، طينت حائطك من خارج، قال: ولا يجوز؟ قال: لا؛ لأنك قد أخذت من طريق المسلمين أنملة قال: فكيف أصنع؟ قال: إما أن تكشط ما طينته، وإما أن تهدم الحائط وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج قال: فهدم الرجل الحائط وأخّره أصبعًا ثم طينه من خارج، قال: فأقبل عليه أبو عبد اللّه كما كان" (قوت القلوب 1/ 287).
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يجوز لأحدٍ أن يخرج في طريق المسلمين شيئًا من أجزاء البناء حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط، إلا أن يدخل رب الحائط به بقدر غلظ الجص... ولا يجوز أن يبنى أحد في الطريق دكانًا ولو كان الطريق واسعًا" (مجموع الفتاوى 20/ 10).


(4) خاتمة:
- ماذا لو أقيمت هذه الأحكام في مجتمعاتنا الآن؟: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97).
- الإسلام يحث على ذلك لسعادة الدارين، وليس للدنيا وحدها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ) (رواه مسلم).
- لا تغتر بكثرة المخالفين، وعليك بنفسك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) (المائدة:105).

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قصة صاحب الجنتين

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- قصة تصوِّر لنا مَثَلًا في القيم الفاسدة الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة الدنيا، والنفس المعتزة بالله -عز وجل-: قال الله -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (الكهف:32-44).
- الإشارة إلى سبب النزول: وهو استنكاف سادات المشركين من مجالسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حضور أصحابه الفقراء: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا).
- الإشارة إلى تقسيم تناول القصة إلى ثلاثة مشاهد: (حال العبد الغافل المغرور بالنعم - حال العبد المؤمن الفقير الناصح إلى شكر المنعم - عاقبة كفر نعم الله).

1- المشهد الأول: حال العبد الغافل المغرور بالنعم:
- جعل الله له من النعم ما يبهج النفوس ويسر الناظرين؛ ابتلاءً وامتحانًا كما هي سنة الله في الخلق: (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَ ا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ... ).
- كفَرَ الرجل بنعمة الله، وتعالى وتكبر على صاحبه الصالح الفقير: ذكر بعض المفسرين أن صاحبه جاء يستقرضه لحاجة ألمت به، فجعل يعيب عليه إقباله على العبادة والعمل الصالح، ويعيره بفقره، كأنه يريد أن الطاعة والعبادة هي سبب الفقر والحاجة، وأما هو فإنه بعلمه المزعوم صار غنيًّا وصاحب نعم كثيرة! (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).
- بل ازداد كفرًا بشكه في قدرة الله على البعث والحساب: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا).
- هكذا ظن أن الدنيا والنعم أعطيت له كرامة، وجهل أنها أهون شيء على الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20)، فتعلق قلبه ونظره بالنعم، ونسي المنعم -سبحانه-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7).
- وهكذا فشل وسقط في الامتحان: قال -تعالى- عن نبيه سليمان -عليه السلام- لما أعطاه من فضله: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40)، وقال -تعالى- عن أمثاله المغرور: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6-7)، وقال: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) (فصلت:51)، وقال عمَن اغتروا بكثرة المال وسلطان الدنيا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) (المائدة:18)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ).

2- المشهد الثاني: حال العبد الصالح الفقير الناصح:
- هنا قام العبد الصالح المعتز بالله وطاعته ينصح ويؤدي واجب الدعوة الى الله: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ).
- تذكير بالأصل والتطور في الخلق بما فيه تنبيه على أن القادر على الخلق قادر على البعث: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)، وكذلك التذكير بالضعف والفقر من باب (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (الإنسان:1).
- ثم إعلان لأهم قضية في الحياة وأنه مهما عظمت الفتن بالدنيا -ومنها الفقر- فأنا على العهد: (لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ) (رواه البخاري).
- إذا أعجبتك نعمتك فالواجب شكر المنعم، فذلك أدعى لدوامها وزيادتها: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).


فائدة: أركان شكر النعم:


أولها: الاعتراف بالنعمة ونسبتها إلى المنعم -سبحانه-: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (النمل:40)، وكان سيد الشاكرين -صلى الله عليه وسلم- يشكر الله ويحمده في كل أحواله، من مآكل ومشرب، ونوم وقيام، وعطاس، ويقول: (‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).


ثانيها: التحدث بها والثناء على المنعم -سبحانه-: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).


ثالثها: تسخيرها في طاعة المنعم -سبحانه-: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ:13).
- وهكذا قام العبد الصالح يخوفه من عاقبه الكفر والجحود لنعم الله: (إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا).

3- المشهد الثالث: عاقبة كفر نعم الله:
- صدق العبد الصالح في توقعه أو استجابة دعائه: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا).
- أين المال؟ أين الولد؟ أين العشيرة؟ أين الخدم والحراس؟: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).
- هكذا عاقبة كل مَن جحد نعمة الله، أو استعملها في غير مرضاته سبحانه: قال -تعالى-: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال عن قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص:81)، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُه ُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال: "نسبغ عليهم النعم، ونمنعهم الشكر".

4- خاتمة: الشكر قيد النعم:
- شكر المنعم سبحانه يحفظ النعم ويزيدها: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ) (إبراهيم:7)، وقال بعض السلف: "النعم وحشية فقيدوها بالشكر"، وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، والجالب، لأنه يجلب النعم المفقودة".
- هناك أغنياء صالحون يتمنى الإنسان أن يكون مثلهم في تواضعهم وأخلاقهم وسخائهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ) (متفق عليه).


- تأمل خاتمة القصة تعرف أن العزة في طاعة الله، وليست بالدنيا والمال والبنين: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف:45-46).

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قصة المتصدق على زانية وسارق وغني

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛




المقدمة:
- قصة مِن نماذج الإيمان الراقية: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنّ َ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، قَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنّ َ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، قَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنّ َ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللهُمَّ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ) (متفق عليه).
- شرح مجمل للقصة مع الإشارة إلى أن الأحداث وقعت في قرية صغيرة فيما يظهر؛ ولذلك كان الخبر ينتشر بسرعة.




(1) فضل صدقة السر:
- الإشارة إلى الشاهد من القصة، وهو إصرار الرجل على إخراجها في الليل حتى لا يراه أحد: (لَأَتَصَدَّقَنّ َ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ).
- صدقة السر من علامات الإخلاص العظيمة: "كان زين العابدين بن علي بن الحسين لا يخرج الصدقة إلا ليلًا، وكان يتلثم عند خروجه، ولم يدرِ الناس بذلك إلا بعد موته، حين ما فقد الفقراء ذلك، ووجدوا أثر الجوال في كتفه -رحمه الله-".
- وقد جاء الترغيب في الصدقة بعمومها: قال الله -تعالى-: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصبِحُ العِبادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ) (متفق عليه).
- وجاء التنبيه إلى النوعين والإشارة إلى تفضيل أحدهما: قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:274)، وقال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:271)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
- فالأصل أفضلية صدقة السر، ما لم تكن مصلحة في الجهر(1): جاء عثمان -رضي الله عنه- يوم تجهيز جيش العسرة بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، مائة بعد مائة، وجعل يأتي بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرِّض الناس على التصدق، حتى بلغت صدقته 900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبل خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه وهو في المسجد، فنثر في حجرة ألف دينار، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقلبها وهو يقول: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).




(2) فضل النية الصالحة:
- الإشارة إلى الشاهد من القصة: (أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ).
- لقد حصل الأجر على رغم وقوع الصدقة في غير موضعها، بسبب النية الصالحة: عن معن بن يزيد قال: َكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ) (رواه البخاري)(2).
- بل قد يعجز عن العمل (ضعف - مرض - سفر - موت) مع ذلك يكتب له الأجر بسبب النية الصالحة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).




(3) فضل الرؤيا الصالحة:
- الشاهد من القصة: (فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ):
- الرؤيا الصالحة للصالحين؛ لأنها من النبوة، فإنهم إذا ضاقت بهم آفاق الدنيا، وسع الله لهم ذلك في منامهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا اقتَربَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الُمؤْمن تَكذبُ، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ منْ ستَّةٍ وَأرْبَعيَنَ جُزْءًا مِنَ النُبُوةِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ) قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) (رواه البخاري)(3).




(4) أمور تعين على صدق الرؤيا:
1- التزام الصدق في الأقوال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا) (رواه مسلم).
2- تقوى الله في أمره كله: قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس:63-64)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
3- مراعاة آداب النوم: (النوم على طهارة - النوم على توبة - النوم على جنبه الأيمن).
4- أن يحرز نفسه من الشيطان، ويعرضها لرحمة الرحمن بتلاوة أذكار النوم وتعويذاته: (المعوذات - آية الكرسي - الأدعية الموظفة).
5- سؤال الله أن يرزقه رؤيا صالحة(4): روى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ رُؤْيا صَالِحَةً، صَادِقَة غَيْرَ كاذِبَةً، نافِعَةً غَيْرَ ضَارَّةٍ" (رواه النووي في كتاب الأذكار).




خاتمة:
- هذا الرجل الصالح تعلمنا من خلال قصته فضائل كثيرة، ومن أعظمها فضل الصدقة في السر، والنية الصالحة، وكيف كان الجزاء من الله: قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (البقرة:143)، وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (هود:115)، وقال: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60).
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
(1) وهو ظاهر من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ).
(2) ولعل يزيد كان يظن أن الصدقة لا تحل لابنه. قال الحافظ -رحمه الله-: "واستدل به على جواز دفع الصدقة إلى كل أصل وفرع". وقال النووي في تبويبه على مسلم للحديث: "باب ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في غير أهلها".
(3) لأن الرؤيا الصالحة تخبر بشيء من الغيب، وهو ما حظى به الأنبياء -عليهم السلام-.
(4) الأدلة العامة في فضل الدعاء تدل على ذلك أيضًا.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع قصة البقرة والذئب اللذين تكلما

 

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه وعموم أمته بالقصة الهادفة التي تنفعهم في دينهم ودنياهم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: (بيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذا، إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ) فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ، فَقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وما هُما ثَمَّ، (وبيْنَما رَجُلٌ في غَنَمِهِ إذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ منها بشَاةٍ، فَطَلَبَ حتَّى كَأنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا منه، فَقالَ له الذِّئْبُ هذا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فمَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ، يَومَ لا رَاعِيَ لَهَا غيرِي؟!)، فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، قالَ: (فإنِّي أُومِنُ بهذا أنَا وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ) وما هُما ثَمَّ. (متفق عليه).
- إشارة إلى الوقفات التالية حول القصة بعد شرح إجمالي للحديث.

(1) أهمية الوعظ في إصلاح القلوب:
- الوعظ في الجملة: هو الترغيب والترهيب بكل ما يحمل النفوس على الجد في الطاعات، واجتناب المنهيات: كالتذكير بالموت والقبور، والجنة والنار، وعلامات الساعة، وقيمة العمر، والتنفير من المحرمات، والترغيب في الطاعات.
- أهمية الوعظ لا سيما بعد صلاة الفجر: ففي القصة، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "صَلَّى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَقالَ: ... ).
- أثر الوعظ على القلوب: ففي حديث حنظلة قال: يا رَسُولَ اللهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حتَّى كَأنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِن عِندِكَ، عَافَسْنَا الأزْوَاجَ وَالأوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ إنْ لو تَدُومُونَ علَى ما تَكُونُونَ عِندِي، وفي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ علَى فُرُشِكُمْ وفي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم).
- الوعظ بشقيه: (الترغيب والترهيب) يصلح القلوب، فيظهر أثر ذلك على الجوارح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ ) (رواه مسلم).
- بعض طلبة العلم ولا سيما في زمن الاتصالات الحديثة، أهملوا جانب الوعظ والتعبد؛ بسبب كثرة الجدل والتنظير في العلوم الكلامية، فكان الخلل في التربية والمنهجية؛ فأدَّى إلى التقصير في جوانب كثيرة، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبتواضعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون" (رواه الآجري في كتاب أخلاق أهل القرآن)، وعنه -رضي الله عنه- قال: "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية" (الدر المنثور).

(2) بيان عظيم قدرة الله في خلقه:
- النبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال القصة، يبين لهم عظيم قدرة الله في خلقه، بمثال جريان بعض الأمور على غير المألوف، ففي القصة: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ"، وفيها: "فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ".
- في خلق الله وقدرته صور كثيرة من كلام الحيوان للإنسان بلغته، وكلام الإنسان للحيوان بلغته، والله على كل شيء قدير: قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) (النمل:18-19)، وقال: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإ يَقِينٍ) (النمل:22)، وعن عبد الله بن جعفر قال: دخل النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حائطًا لرجلٍ من الأنصارِ فإذا فيه جملٌ فلمَّا رأَى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حنَّ وذرِفت عيناه فأتاه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-فمسَح ذِفراه فسكت، فقال: من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ؟ فجاء فتًى من الأنصارِ فقال: لي يا رسولَ اللهِ، فقال: (أفلا تتَّقي اللهَ في هذه البهيمةِ الَّتي ملَّكك اللهُ إيَّاها؛ فإنَّه شكَى إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئِبُه) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
- نحن نؤمن بكل ذلك مع غرابته، تصديقًا لخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وإيمانًا بقدرة الله على ما هو أعظم: قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (فصلت:20-21)، وعن أنس قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- فَضَحِكَ، فَقالَ: (هلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟) قالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: (مِن مُخَاطَبَةِ العَبْدِ رَبَّهُ يقولُ: يا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: يقولُ: بَلَى، قالَ: فيَقولُ: فإنِّي لا أُجِيزُ علَى نَفْسِي إلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قالَ: فيَقولُ: كَفَى بنَفْسِكَ اليومَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قالَ: فيُخْتَمُ علَى فِيهِ، فيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قالَ: فَتَنْطِقُ بأَعْمَالِهِ، قالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بيْنَهُ وبيْنَ الكَلَامِ، قالَ فيَقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ) (رواه مسلم).

(3) لكل مخلوق وظيفة:
- جعل الله لكل مخلوق وظيفة، وهداه إلى القيام بها: قال -تعالى-: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طة:50)، وفي القصة: (فَقالَتْ: إنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذا، إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ)(1).
- من نعمة الله على الإنسان أن سخَّر له كثيرًا من المخلوقات التي هي أقوى منه، بأنواعٍ مِن التسخير: قال -تعالى-: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ . وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ . وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ . وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل:5-9)، وقال: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) (الزخرف:13-14).
- أفضل وظيفة لمخلوق هي العبودية، والتي يصير بغيرها الانسان كالبهائم أو أشر(2): قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال -تعالى-: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (الفرقان:44)، (يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) (النبأ:40).
- ينبغي على العبد أن يسعى للترقي في وظيفته الأساسية، ولا يرضى فيها بالدون، كما أنه لا يرضى بالدون في وظيفة الدنيا(3): قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162).

(4) نبذة في فضل الصاحبين -رضي الله عنهما-:
- النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر في القصة عن عظيم إيمانهما، وقوة يقينهما: قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ -وما هُما ثَمَّ-!).
- ذكر موقف لكل واحد منهما في قوة اليقين وصدق الإيمان وقوته: "لما كانت رحلة الإسراء والمعراج جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى المسجد الأقصى في الليلة الماضية، ونحن نقطع أكباد الإبل إليها في شهر كامل، فقال أبو بكر: إن كان قال فقد صدق"، وفي رواية قال: "إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس" (البداية والنهاية لابن كثير).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي) (رواه مسلم)، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال عمر -رضي الله عنه-: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وآيَةُ الحِجَابِ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، واجْتَمع نِسَاءُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الغَيْرَةِ عليه، فَقُلتُ لهنَّ: (عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدِّلَهُ أزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) (التحريم:5)، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ (رواه البخاري).
- صدق الصحبة في الله، جمعهما مع النبي -صلى الله عليه وسلم- أحياءً وأمواتًا: (أبو بكر يموت على نفس العمر في نفس اليوم، وعمر يلحق بهما في قبورهما، ليبعثوا جميعًا مِن موضعٍ واحدٍ).

(5) خاتمة:
- يجب على المسلم أن يصدِّق بكل ما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا فرق في ذلك بين المتواتر والآحاد.
- هكذا القصة في القرآن والسُّنة، لها أهداف نبيلة وعظيمة، بخلاف قصص الناس.
نفعنا الله وإياكم بالقرآن والسنة، والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قول البقرة ليس على إطلاقه؛ وإلا فالاتفاق على أنها تؤكل وتحلب، وهذا تخصيص لعموم: (إنَّما خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ).
(2) فالذين غيروا وظيفة العبودية، وتمردوا على خالقهم، يعيشون حياة شهوتي البطن والفرج، وهي حياة الحيوان والدواب.
(3) كثير مِن الناس يرضى من العبودية بالأركان فقط، ويهمل بقية الدين وتعاليمه، في الوقت الذي لا يرضى كل الناس بأن يعيشوا في بيت بأعمدة لا جدران له، ولا مرافق، ولا أثاث!

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
فوائد وعِبَر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى


كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
 
المقدمة:
- فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي أصحابه -وأمته عمومًا- بألوانٍ مِن التربية، وصورٍ مِن التزكية؛ تحقيقًا للمهمة التي بعثه الله لأجلها، ومِن تلكم الأساليب التي كان -صلى الله عليه وسلم- يربي بها أمته: القصص، التي لم تكن لمجرد التسلية، بل كانت للعبرة والعظة، قال -تعالى-: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف:3).
- ومِن ذلك تلكم القصة العجيبة التي قصها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي خبر ثلاثة مِن بني إسرائيل ابتلاهم الله -تعالى- بالضراء، ثم قلب ضراءهم إلى سراء؛ ليظهر منهم شاكر النعمة ومَن جحدها.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْإِبِلُ -أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ، شَكَّ إِسْحَاقُ- إِلَّا أَنَّ الْأَبْرَصَ، أَوِ الْأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ- قَالَ: فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا، قَالَ: فَأَتَى الْأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا. فَأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ، وَالْمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
- قصة يحتاج إلى الاعتبار بها كل مسلم، وقد اشتملت على فوائد كثيرة جدًّا، نقف على خمسٍ فوائد منها، قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111).
 
(1) الابتلاء سنة الله في الدنيا:
- الابتلاء بالسراء والضراء في الدنيا سنة كونية، كالماء والهواء، إلخ: ففي القصة: (فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7)، وقال -تعالى-: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35).
- بل الضراء في حق المؤمن في الدنيا هي الأصل: قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)، وقال -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة:214)، وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسولَ اللهِ! أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: (الأنبياءُ، ثم الصالحون، ثم الأمثلُ فالأمثلُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
- المؤمن الناصح الفالح هو الذي يخرج من امتحان الدنيا غير مفتون في دينه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل:110).
 
(2) إثبات الملائكة:
- الملائكة رسل الله في خلقه، بوظائف وأعمال كلفوا بها، وهم في طاعة دائمة لله -عز وجل-، وهم يحبون المؤمنين ويوالونهم: ففي القصة: (فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الْأَبْرَصَ... )، وقال -تعالى-: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (الأنبياء:26-27)، وقال -تعالى-: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت:30-31).
- للملائكة قدرة على التشكل وفق ما به يأمرون: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ)(1)، وقال -تعالى-: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (مريم:17).
- لا تعارض بين كونهم موصوفين بالجمال (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (يوسف:31)، وبين مجيئهم في صورة الأبرص والأقرع والأعمى، فالمقصود حينما يكونون على هيئتهم الملائكية.
 
(3) نعم الله علينا لا تحصى:
- في القصة قيمة نعمة اللون الحسن والشعر الحسن والبصر، حيث لم يطلب الثلاثة قبلها شيئًا مِن الدنيا.
- نحن نملك نعمًا كثيرة لا تقدر بالمال: "جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال لا. فبيديك مائة ألف؟ قال لا. قال: فبرجليك؟ قال: لا، فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة!"، وقال -تعالى-: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل:18)، وقال -تعالى-: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21).
- انظر إلى المبتلين لتعرف قيمة ما أنت فيه من النعم(2): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ) (متفق عليه)، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى المبتلى قال: (الحمدُ للهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
 
(4) أثر البيئة على خلق الإنسان وسلوكه:
- هذا ظاهر من حال الثلاثة في طلبهم، الذي ناسب ما آل إليه حال كل منهم عند امتحان الملك لهم: ففي القصة: (فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟) (طلب الأول: جلد حسن ومال كثير "الْإِبِلُ" - وطلب الثاني: شعر حسن ومال كثير "البقر" - وطلب الثالث: أن يرد الله إليه بصره ومال يسير "الغنم").
- الإنسان يتأثر بما يخالط من الكائنات (بيئة قاسية - بُعد عن العلماء - ... 😞 قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألَا إنَّ القَسْوَةَ وغِلَظَ القُلُوبِ في الفَدَّادِينَ، عِنْدَ أُصُولِ أذْنَابِ الإبِلِ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) (التوبة:97)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4)، وقال عمر للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ)(3) (متفق عليه).
 
(5) شكر النعم سبب بقائها، وجحودها سبب في زوالها:
- شَكَر الأعمى، فرد الله عليه بصره، وأبقى عليه نعمته: ففي القصة: (فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ، وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
- هكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن شكر: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7)، وقال عن شكر نبيه سليمان -عليه السلام-: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)(4) (النمل:40).
- وعلى الجانب الآخر: جحد الأبرص والأقرع فأزال الله منهما النعمة، وردهما إلى ما كانا عليه: ففي القصة: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ... فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ... )، وَقَالَ المَلَك للرجل الصالح: (أَمْسِكْ مَالَكَ، إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ).
- وهكذا سنة الله جارية في كلِّ مَن عصاه وجحد نعمه: قال الله -تعالى-: (وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7)، وقال: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "نُسبِغ عليهم النِّعم، ونمنعهم الشكر" (كتاب الشكر لابن أبي الدنيا).
وصدق القائل:
إذا كـنـت في نعمة فارعـهـا فـإن الـذنـوب تـزيـل الـنعـم
وحـطهـا بطاعة رب العـبـاد فـرب الـعـبـاد سـريـع النقـم
فاللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
(1) استنبط منه بعض الفقهاء دليلًا على جواز التنكر للوصول إلى الحق أو مصلحة شرعية: كتنكر الأمير على الرعية، وكعمل عسس الشرطة.
(2) انظر إلى المرضى وقد أُعطيت الصحة، وانظر إلى العقماء وقد أُعطيت الولد، وانظر إلى الخائفين وقد أعطيت الأمن، بل انظر إلى كثيرٍ مِن الأغنياء وقد أصيبوا بالأمراض التي عُوفيت أنت منها وتستمتع بمأكلك ومشربك وهم يحسدونك على ذلك "ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس".
(3) المقصود أن رجال الأنصار فيهم لين عريكة، فتجترأ المرأة عندهم بالجدل والصخب، بخلاف نساء قريش، كن يخفن غلظة رجال قريش لما كان من مخالطتهم الإبل، والطبيعة الجبلية الصحراوية.
(4) يحسن الإشارة باختصارٍ إلى أركان شكر النعم الثلاثة: الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعِم، وبذلها فيما يرضي المنعم.
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قصة الذي أحبه الله لحبه لأخيه

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- فهذه قصة رجل ارتحل مِن بلده إلى بلدٍ أخرى، وليس له مِن قصد إلا أن يزور أخًا له في الله، فأرسل الله له مَلَكًا يبشِّره بأعظم بشارة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ؟ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) (رواه مسلم).
- الحب في الله أحد خصال الإيمان، وهذه درجة أعلى من مجرد أخوة الدين(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا سِوَاهُمَا، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للَّهِ، وأعطى للَّهِ ومنعَ للَّهِ فقدِ استَكْملَ الإيمانَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

(1) فضل الحب في الله (الأخوة في الله):
- سبب لنيل محبة الله في الدنيا والآخرة(2): (القصة التي بين أيدينا)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله الله -تبارك وتعالى-: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).
- أخوة الصالحين بركة وذكر جميل(3): ففي الحديث: (قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (رواه البخاري)، قال ابن كثير في قوله -تعالى-: (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (الكهف:18): "وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار" (تفسير ابن كثير).
- هم آمنون يوم الفزع الأكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: ... )، وذكر منهم: (وَرَجُلانِ تَحَابَّا في اللَّه: اجتَمَعا عَلَيهِ، وتَفَرَّقَا عَلَيهِ) (متفق عليه).
ومن الصور المشرقة في ذلك: (طلحة والزبير، وعبد الله بن حرام وعمرو بن الجموح، اجتمعا على الدين والجهاد، وافترقا وقتلا شهداء في يومٍ واحدٍ).
- هم أهل ولاية الله، والمكانة التي يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء في الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِن عبادِ اللهِ لَأُناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شُهداءَ، يغبِطُهم الأنبياءُ والشُّهداءُ يومَ القيامةِ بمكانِهم مِن اللهِ -تَعَالَى-). قالوا: يا رسولَ اللهِ، تُخبِرُنا مَن هُمْ؟ قال: (هم قومٌ تحابُّوا برُوحِ اللهِ على غيرِ أرحامٍ بَيْنَهم، ولا أموالٍ يتعاطَوْنَها، فواللهِ إنَّ وجوهَهم لَنُورٌ، وإنَّهم على نُورٍ، لا يخافونَ إذا خاف النَّاسُ، ولا يحزَنونَ إذا حزِن النَّاسُ) وقرَأ هذه الآيةَ: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

(2) عوامل تقوية الأخوة في الله:
هي بمثابة الحقوق في الأخوة في الله، وهي على قسمين: معنوية ومادية.
أولًا: العوامل المعنوية:
- زيارته والسؤال عنه دون النظر إلى درجة الفضل بينهما (القصة بين أيدينا): قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الله الله -تبارك وتعالى-: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
قال الإمام الشافعي -رحمه الله- لما عجب البعض من زيارته لتلميذه أحمد بن حنبل:
 
 
قــالـوا يـزورك أحــمـد وتــــزوره قـلـتُ: الـفـضـائل لا تغـادر منزله
إن زارنـي فـلــفـضــلـه أو زرتــه فلفضله فالفضل في الحالين له(5)
- ذكره بما يحب في حضوره وغيابه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي اللَّهِ فَلْيُعْلِمْهُ فَإِنَّهُ أَبْقَى فِي الْأُلْفَةِ وَأَثْبَتُ فِي الْمَوَدَّةِ) (أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن ردَّ عَن عِرضِ أخيهِ ردَّ اللَّهُ عن وجهِهِ النَّارَ يومَ القيامةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقيل لمعاوية -رضي الله عنه-: "أيُّما أحب إليك؟ قال: صديق يُحَبِّبُنِي إلى الناس".
- الدعاء له في حياته وبعد مماته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دُعَاءُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لَا يُرَدُّ) (رواه البزار، وصححه الألباني).
- العفو عن زلاته وهفواته فالاختلاف طبيعة الخلق: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) (رواه مسلم)، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: "كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذْ أقْبَلَ أبو بَكْرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبِهِ حتَّى أبْدَى عن رُكْبَتِهِ، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أمَّا صَاحِبُكُمْ فقَدْ غَامَرَ) فَسَلَّمَ وقَالَ: إنِّي كانَ بَيْنِي وبيْنَ ابْنِ الخَطَّابِ شيءٌ، فأسْرَعْتُ إلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ، فَسَأَلْتُهُ أنْ يَغْفِرَ لي فأبَى عَلَيَّ، فأقْبَلْتُ إلَيْكَ، فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لكَ يا أبَا بَكْرٍ، ثَلَاثًا، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فأتَى مَنْزِلَ أبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ: أثَّمَ أبو بَكْرٍ؟ فَقالوا: لَا، فأتَى إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وجْهُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَتَمَعَّرُ، حتَّى أشْفَقَ أبو بَكْرٍ، فَجَثَا علَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، واللَّهِ أنَا كُنْتُ أظْلَمَ، مَرَّتَيْنِ... " (رواه البخاري).
- موالاته ونصرته في الحق، ونصحه وإرشاده إذا تركه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: (تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ) (رواه البخاري).

ثانيًا: العوامل المادية:
- المواساة بالمال التي تصل إلى المشاركة والإيثار: "جاء رجل مِن السلف إلى بيت صديقٍ له، فخرج إليه فقال: ما جاء بك؟ قال: علي أربعمائة درهم، فدخل الدار فوزنها ثم خرج فأعطاه ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه إذا كان إعطاؤه يشق عليك. فقال: إنما أبكي لأني لم أفتقد حاله فاحتاج أن يقول لي ذلك!" (التبصرة) "ورأى أحد السلف رَجُلَيْنِ يَصْطَحِبَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَقِيلَ: هُمَا صَدِيقَانِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِهِمَا فَقِيرٌ، وَالْآخَرِ غَنِيٌّ؟!".
- الإعانة بالنفس والبدن على قضاء الحاجات(6): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ مِن أَنْ أعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجدِ -يَعْنِي مَسْجدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا) (رواه الطبراني وقال الألباني: حسن لغيره).

(3) مِن أقوال السلف في فضل صديق الخير:
- نظروا في أثر أخوة الخير في الدنيا والآخرة، فكانت منهم هذه الدرر مِن الأقوال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لِقَاءُ الْإِخْوَانِ جَلَاءُ الْأَحْزَانِ"، وقال بعض السلف: "رُب صديق أودُّ من شقيق"، وقال آخر: "أَفْضَلُ الذَّخَائِرِ أَخٌ وفِيٌّ"، وقال آخر: "صديق مُسَاعدُ عضدٌ وَسّاعدً" (أدب الدنيا والدين، ص161).
- فقدان صاحب الخير عندهم مصيبة: قال الامام أحمد -رحمه الله-: "إذا مات أصدقاء الرجل ذل" (طبقات الحنابلة). وقال سفيان بن عيينه: "قال لي أيوب: إنَّهُ لَيَبْلُغُنِي مَوْتُ الرَّجُلِ مِنْ إخْوَانِي فَكَأَنَّمَا سَقَطَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِي" (الآداب الشرعية)، وقال الخليل بن أحمد: "الرجل بلا صديقٍ كاليمين بلا شمال".
وقال الشاعر:
 
 
لـكـل شـيء عـدمـتـه عـوض وما لفقد الصديق من عوض
وقال جعفر بن محمد: "لقد عظمت مكانة الصديق، ألم تسمعوا قوله -تعالى- في أهل النار: (فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) (الشعراء: 100-101)".

خاتمة:
عود على بدء: لقد كان حب الرجل الصالح لأخيه في الله آثار عظيمة تظهر في إرسال مَلَك إليه يبشره بمحبة الله، التي هي سبب كل فلاح ونجاح وخير لأمثاله في الدنيا والآخرة، فمَن أحبه ربه، سعد في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يجمعنا على محبته.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود بالحب في الله (الأخوة في الله): وهي رابطة نفسية تورث الشعور العميق بالعاطفة والمحبة والاحترام، مع مَن تربطك وإياه أواصر العقيدة الإسلامية، وركائز الإيمان والعمل الصالح، وسيظهر ذلك خلال كلامنا عن فضل الحب في الله.
(2) لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: (لَأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ علَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ ورَسوله ويُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسولُهُ) قالَ: "فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أيُّهُمْ يُعْطَاهَا... " (متفق عليه)، تصور إذا كان السلطان يحبك؟ وماذا سيترتب على هذه المحبة؟ فكيف إذا كان ذلك مِن الله الذي له مُلك السماوات والأرض؟!
(3) ومِن القصة معنا شاهد: وهو ما حصل لهذا الرجل من الخير والذكر الجميل حتى يذكره الأنبياء -عليهم السلام-.
(4) قال الخطابي في معالم السنن: "فسروه بالقرآن، وعلى هذا يتناول قوله -تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى:52)؛ لأن القلوب تحيا به، كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح.
(5) وقد ذكر ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد، قصة طريفة في زيارته لإسحاق بن راهويه.
(6) والمقصود أن تؤدي له ذلك، تريد وجه الله، لا تبتغي مقابلًا منه، ولا ذكرًا مِن غيره.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دروس من قصة المفاخِر بآبائه       
 
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- التربية بالقصص؛ لما فيه مِن العِبَر والدروس: قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111).
- مِن هذا القصص التربوي ما فيه الترهيب من الأخلاق الذميمة، والتي منها المفاخرة بالآباء الفاسدين والكافرين: روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي بن كعب قال: انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (انْتَسَبَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، حَتَّى عَدَّ تِسْعَةً، فَمَنْ أَنْتَ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ. قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: أَنَّ هَذَيْنِ الْمُنْتَسِبَيْنِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ) (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني).
- شرح مجمل للقصة، ثم الإشارة إلى الدروس المستفادة كعناوين.

(1) الناس سواسية من حيث الأصل:
- لا اختصاص لواحدٍ مِن البشر بفضيلة، باعتبار الأصل الذي خلق منه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
- هذا الاختلاف بين البشر في الأشكال والألوان، آية من آيات الله؛ ليتمايز الناس وليتعارفوا، وليتعاونوا على الخير، وإكمال رسالة أبيهم آدم: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13).
- ولكن أكثر الناس يجهلون هذه الحقيقة أو ينسونها؛ ولذلك تكثر الخصومات والعداوات والحروب المدمرة بين البشر(1): فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا في غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ الأنْصَارِيُّ: يا لَلْأَنْصَارِ، وقالَ المُهَاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذلكَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقالَ: (ما بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ، فَقالَ: (دَعُوهَا، فإنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).
- أعداء الإسلام في كل زمان يحيون هذه النعرة -الفخر بالآباء ولمز الآخرين- في قلوب المؤمنين لتفريقهم: قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران:103)، قال: "وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا مِن اليهود، مر بملأ مِن الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه مِن الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأتاهم فجعل يسكنهم، ويقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح -رضى الله عنهم-" (تفسير ابن كثير).
- ولذلك اشتد النبي -صلى الله عليه وسلم- في محاربة هذا المرض الخبيث ليقيه أمته: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لينتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بِآبائِهِمُ الذينَ ماتُوا، إِنَّما هُمْ فَحْمُ جهنمَ، أوْ ليكونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ، الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأنْفِهِ، إِنَّ اللهَ قد أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجاهليةِ، وفَخْرَها بِالآباءِ، إِنَّما هو مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، أوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، الناسُ كلُّهُمْ بَنُو آدمَ، وآدَمُ خُلِقَ من تُرَابٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وقال: (لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَّا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

(2) الناس يتفاضلون عند الله بالدين والصلاح:
- لا يتفاضل الناس عند الله بآبائهم وأجدادهم، ولا بأشكالهم وقبائلهم، وإنما بالتقى والصلاح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (سبق تخريجه)، وقال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء:88-89).
- يكرم الإنسان بكرم آبائه وأجداده الأتقياء، إن هو أحبهم وسار على نهجهم وطريقتهم، وعند ذلك حُق له أن يتعزز بانتسابه إليهم: قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف -عليه السلام-: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) (يوسف:38).
وفي القصة مِن قول الرجل الصالح: (أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ابْنُ الْإِسْلَامِ)، ويروَى أن مثل هذا وقع لسلمان الفارسي -رضي الله عنه-، فقد ذكر جمع من الرجال، كان فيهم سلمان آباءهم، فلما جاء دور سلمان، قال: "أنا ابن الإسلام"، فلما بلغ عمر -رضي الله عنه- الخبر بكى، وقال: "وأنا ابن الإسلام"، ولما قيل عن صفية -رضي الله عنها-: إنها ابنة يهودي، قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّك ابْنة نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
ولما قال رستم قائد الفرس لربعي بن عامر: من أنتم؟ قال: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"؛ ولم يفتخر بآباء ولا أجداد!
- أما المفاخر بالأباء والأجداد الكفرة والفسقة الذين عاثوا في الأرض فساًدً، فطريقته غالبًا ستكون طريقتهم، ومصيره غالبًا يكون مِن مصيرهم: ففي القصة: (أمَّا أنتَ أيها المنتمي أو المنتَسِبُ إلى تسعةٍ في النَّارِ، فأنتَ عاشرُهم)، وفي قصة وفاة أبي طالب: (حتَّى قالَ أبو طَالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: علَى مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ،وأَبَى أنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) (متفق عليه).

(3) أثر التربية النبوية بالقصة على الصدر الأول -رضي الله عنهم-:
- لقد كانت القصة من أعظم الوسائل النبوية في التربية، ومعالجة الأمراض النفسية والقلبية التي تعرض، لانتزاع كبر الجاهلية من القلوب، وإبداله بالتواضع وكريم الأخلاق، ففي القصة لقن النبي -صلى الله عليه وسلم- المفاخر درسًا يردعه وأمثاله عن هذا الباطل بالمثال في الأمم السابقة: (أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُنْتَمِي أَوِ الْمُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا الْمُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الْجَنَّةِ).
- ولقد كان أول مَن يطبق ما يقول تطبيقًا عمليًّا، ليكون لهم قدوة: عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: أتى النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فَكَلَّمَهُ، فجَعلَ ترعدُ فرائصُهُ، فقالَ لَهُ: (هوِّن عليكَ، فإنِّي لستُ بملِكٍ، إنَّما أَنا ابنُ امرأةٍ تأكُلُ القَديدَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وكان يقول: (آكُلُ كَمَا يَأكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ) (رواه ابن حبان والبيهقي، وصححه الألباني).
- الصدر الأول خير مَن تعلم واقتدى به -صلى الله عليه وسلم-: فعن عروة بن الزبير-رضى الله عنه- قال: "رأيت عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها" (ذكره القشيري في الرسالة القشيرية)، وذكر ابن سعد في الطبقات عن رجاء بن حيوة، قال: "سَمَرْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَعَشِيَ السِّرَاجُ فَقُلْتُ: أَلَا أُنَبِّهُ هَذَا الْغُلَامَ يُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، دَعْهُ يَنَامُ. فَقُلْتُ: أَفَلَا أَقُومُ أُصْلِحُهُ؟ فَقَالَ: لَا، لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُ ضَيْفِهِ. ثُمَّ قَامَ بِنَفْسِهِ فَأَصْلَحَهُ وَصَبَّ فِيهِ زَيْتًا، ثُمَّ جَاءَ وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجِئْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ" (البداية والنهاية).

(4) خاتمة: أمور تعين على التواضع واجتناب الكبر:
1- شهود ضعف النفس وعيوبها: قال -تعالى-: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (الطارق:5-7)، وقال الأحنف بن قيس: "عجبًا لابن آدم يتكبر وقد خرج من مجرى البول مرتين" (إحياء علوم الدين للغزالي).
2- تذكر عاقبة الكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُحشَرُ المتَكَبِّرونَ يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يغشاهمُ الذُّلُّ من كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سجنٍ في جَهَنَّمَ يسمَّى بولُسَ، تعلوهُم نارُ الأَنْيار، ِ يَسقونَ من عُصارةِ أَهْلِ النَّارِ طينةَ الخبالِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
3- ترك نفيس الطعام والشراب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَرَكَ اللِّباس تَواضُعًا للَّه، وَهُوَ يَقْدِرُ علَيْهِ، دعاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتَّى يُخيِّره منْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمان شَاءَ يلبَسُها) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
4- مجالسة المساكين والفقراء الصالحين وزيارتهم، لا سيما لمن كان كثير المجالسة للكبراء والوجهاء: قال -تعالى- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف:28).
"ومرَّ الحسن -رحمه الله - على صبيانٍ معهم كسر خبزٍ، فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: "اليد لهم؛ لأنهم لا يجدون شيئًا غير ما أطعموني، ونحن نجد أكثر منه" (مدارك السالكين).
فاللهم اجعلنا من عبادك المتواضعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وأنت ترى آثار ذلك في الشعب الواحد (أبيض وأسود - غني وفقير)، والأمة الواحدة (شامي ومصري، وإفريقي وخليجي، وفارسي وعثماني)، وهذا من أخلاق الجاهلية، فلقد كانت القبيلة والقومية في الجاهلية راية يقاتل من تحتها.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قصة من سقى كلبًا عطشًا فغفر الله له

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- قصة قصيرة تحمل دروسًا كثيرة، وأبرزها فضل خُلُق الرحمة، وأثره في الدنيا والآخرة: روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضى الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنا رَجُلٌ يَمْشِي، فاشْتَدَّ عليه العَطَشُ، فَنَزَلَ بئْرًا، فَشَرِبَ مِنْها، ثُمَّ خَرَجَ فإذا هو بكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فقالَ: لقَدْ بَلَغَ هذا مِثْلُ الذي بَلَغَ بي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أمْسَكَهُ بفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ له، فَغَفَرَ له، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وإنَّ لنا في البَهائِمِ أجْرًا؟ قالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أجْرٌ) (رواه البخاري).
- وروى أيضًا عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ) (متفق عليه).
- شرح مجمل للحديث مع الإشارة لطريقة الرجل في جلب الماء، وكذلك المرأة، التي يستنكف كثير مِن الناس من فعلها مع بني جنسهم، ولكن قوة الرحمة التي حلت في قلبهما هي التي دفعتهما إلى فعل ذلك، فكان الجزاء الأعظم من الشكور الرحيم سبحانه(1).
- حاجتنا إلى التراحم، وإحياء معاني التراحم وخلق الرحمة في مجتمعاتنا الإسلامية التي ينبغي أن يكون ذلك فيها أصلًا(2): قال -تعالى-: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كمَثَلُ الْجَسَدِ الواحد؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).

(1) الرحمة من صفات الله:
- إعلام الخلق بعظيم رحمته من أول لحظات وجودهم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف:156).
- هو سبحانه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا: عن عمر -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ) قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: _لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) (متفق عليه).

(2) الرحمة من صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
- لأنه -صلى الله عليه وسلم- جاء لخيرهم، فهو رمز الرحمة في الخلق: قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ) (رواه الحاكم في المستدرك في صحيحه بسندٍ صحيحٍ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ) (رواه البخاري)، وقال ابن عباس: "كان محمد -صلى الله عليه وسلم- رحمة لجميع الناس، فمَن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق" (تفسير القرطبي).
- كان -صلى الله عليه وسلم- يتفطر قلبه على الكافرين، لا سيما القرابة، فما بالنا برحمته بالمؤمنين: قال -تعالى-: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:128)، وقال -تعالى- له: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى? آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف:6).

(3) صور من رحمته -صلى الله عليه وسلم-:
أولًا: رحمته بمن كذبوه وآذوه وحاربوا دعوته وقتلوا أتباعه:
- ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: "أنه -صلى الله عليه وسلم- لما توجه إلى مكة فاتحًا، لقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية، بنيق العقاب -فيما بين مكة والمدينة- والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمى فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال. قال: فلما خرج الخبر بذلك، وكان مع أبي سفيان بني له، فقال: والله ليأذن لي، أو لأخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض، ثم نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما".
- ولما كان يوم فتح مكة، وكانت جيوشه -صلى الله عليه وسلم- تحاصر مكة والمشركين من كل جهة قال بعض الناس: اليوم يوم الملحمة، فقال -صلى الله عليه وسلم- منكرًا: "لا، بل اليوم يوم المرحمة"، ولما تمكن من أهل مكة وقد وقع من وقع منهم في الآسر، قال: ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ" (انظر فتح مكة في كتب السيرة).

ثانيًا: رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالمؤمنين:
- هذه تحتاج إلى أسفار للكلام عنها، فكفاه شهادة ربه له: (حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:128).

1- رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالصغار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ) (رواه البخاري)، وقال أنس -رضي الله عنه-: "إن كان النبيُّ لَيُخالطُنا، حتى يقولَ لأخٍ لي صغيرٍ: يا أبا عُمَيرُ! ما فعل النُّغَيرُ" (رواه البخاري).

2- رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالضعفاء وأصحاب الأعذار: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ وَذَا الْحَاجَةِ) (رواه البخاري).

3- رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالمساكين والفقراء: عن جرير بن عبد الله قال: كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في صَدْرِ النَّهَارِ، قالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِن مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِما رَأَى بهِمْ مِنَ الفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فأمَرَ بلَالًا فأذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1)، وَالآيَةَ الَّتي في الحَشْرِ: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (الحشر:18)، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دِينَارِهِ، مِن دِرْهَمِهِ، مِن ثَوْبِهِ، مِن صَاعِ بُرِّهِ، مِن صَاعِ تَمْرِهِ، حتَّى قالَ، ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ قالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ بصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، بَلْ قدْ عَجَزَتْ، قالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ، حتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِن طَعَامٍ وَثِيَابٍ، حتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَتَهَلَّلُ، كَأنَّهُ مُذْهَبَةٌ...) (رواه مسلم).

4- رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالعُبَّاد والمجتهدين من أتباعه (نهيهم عن الوصال في الصوم - توقفه عن القيام في المسجد في رمضان - توقفه عن الخروج في كل غزو): قالت عائشة -رضي الله عنها-: "إِنْ كَان رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- لَيدعُ الْعَمَلَ وهُوَ يحِبُّ أَنَ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ" (متفق عليه).

5- رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالحيوان: قال -صلى الله عليه وسلم-: (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلاَ سَقَتْهَا، إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) (متفق عليه).

(4) مجتمع المسلمين هو مجتمع الرحمة:
- في ظلال تلك القواعد النبوية، والتأسي بتلك المشاهد التطبيقية، وصل مجتمع المسلمين الأول الى المراد: قال -صلى الله عليه وسلم-: _مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).
- ولقد شهد لهم ربهم بذلك: قال -تعالى-: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح:29).
- فأين مجتمعات المسلمين الآن من ذلك، وقد صارت القسوة ظاهرة خطيرة بينهم، وقد تنكبوا طريق تعاليم الإسلام؟! قال تعالى-: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى? نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الزمر:22)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَا يَرحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ) (متفق عليه).


(5) أمور تعين على زيادة الرحمة في القلوب:
1- طلب العلم الشرعي، لأنه يزيد الخشية، والرحمة من ثمرات الخشية: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28).
2- مصاحبة الصالحين، واجتناب مواطن القسوة والغفلة والعنف(2): (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (الكهف:28).
3- حضور مجالس الذكر، وارتياد المساجد: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) (رواه مسلم).
4- اغتنام مواسم وأوقات زيادة الرحمة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا، فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
5- الدعاء وسؤال الله خلق الرحمة: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) (آل عمران:8)، (رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) (الكهف:10).


خاتمة:
لقد كانت الرحمة في قصتنا سببًا في الفوز بالجنة بالعمل اليسير، والنجاة من النار مع الذنب الكثير! فكيف إذا تخلق المؤمن بالرحمة مع العمل الكثير، والذنب اليسير؟!
فاللهم هب لنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا مِن أمرنا رشدًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وإلا فأين هذا مما وصل إليه حال كثير من الناس في مجتمعات المسلمين، التي تطالعنا الأخبار فيها بين ساعة وأخرى بأخبار تحمل صورًا من القسوة والغلظة، وعدم الرحمة؟! فهذا الشاب المكلف الذي قتل صاحبه لما نصحه بالخير بطريقة وحشية إجرامية؟ وهذا الذي قتل صاحبته بطريقة وحشية لما رفضت الزنا معه، وآخر، وآخر.
(2) مِن أعظم ذلك: وسائل الإعلام التي تنشر العنف والقسوة على أنه بطولة وشجاعة. ومن ذلك أيضًا: المقاهي والمنتديات التي يتبارى فيها الشباب في إظهار معاني الرجولة بأخبار العنف والقسوة بينهم.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×