اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

وقفات مع آيات

المشاركات التي تم ترشيحها

 
894677232.gif

وقفات مع آيات
(1) قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)
        

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

موضوع الآية:‏
- بيان شدة عداوة اليهود لأهل الإسلام، وبيان عظيم استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.‏

مقدمة:‏
- التذكير بفضل مدارسة وتدبر آيات القرآن: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ‏‏(ص:29).‏
- ومن حكمة الله -تعالى-: أنه أنزل كثيرًا من الآيات عقب وقائع وحوادث في حياة مَن نزل عليهم القرآن، ليكون ذلك أبلغ ‏في نفوسهم، وسببًا لزيادة إيمانهم، وإيمان مَن بعدهم، قال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ ‏تَنزِيلًا) (الإسراء:106). وقال الواحدي: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" ‏‏(الإتقان للسيوطي).‏
- آية اليوم وقصتها(1):
- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:104).‏

قال الواحدي في أسباب النزول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم ‏اليهود يقولونها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أعجبهم ذلك، وكان راعنا في كلام اليهود، السب القبيح، فقالوا: إنا كنا نسب محمدًا سرًّا، ‏فالآن أعلنوا السب لمحمدٍ؛ لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله ‏-صلى الله عليه وسلم-،‏ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون! ففطن بها ‏رجل من الأنصار، وهو سعد بن عبادة، وكان عارفًا بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد ‏بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا ‏رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)(2) الآية.‏


وقفات حول الآية:

(1)‏ شدة عداوة اليهود وسائر الكفار للمسلمين:‏
- ففي قصة النزول ما يشير إلى ذلك؛ فهم يستغلون كل فرصة للإساءة للإسلام، والإضرار بأهله؛ وذلك لشدة عداوتهم ‏لهم: قال -تعالى-: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران:118)، وقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120)، وقال: (‎مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ‏أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).‏
- ومقتضى ذلك تحريم محبتهم ومودتهم وموالاتهم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ ‏إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).‏

(2)‏ حرمة التشبه بالكفار:‏
‏-‏ لقد نهي المؤمنون عن كلمة "راعنا" وهي مباحة في أصلها(3)، لما استعملها الكفار في الإساءة إلى الإسلام ‏ورسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: قال ابن كثير -رحمه الله- بعد تعليقه على الآية: "ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في ‏أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقر عليها".‏ وقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏

- الإسلام يرسِّخ لهذه العقيدة بوسائل شتى:
1-‏ في العبادات: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلا خِفَافِهِمْ) (رواه أبو داود، ‏وصححه الألباني).‏
‏2- في السلوك والآداب الاجتماعية: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ ‏بالأَصابِع وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏
‏3-‏ في الهيئة والصورة والسمت: قال: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) (متفق عليه)، ودخل ‏على أنس بن مالك -رضي الله عنه- ناس ومعهم غلام له قرنان أو قصتان، فمسح برأسه وبرَّك عليه، وقال: "احْلِقُوا ‏هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ" (رواه أبو داود، وضعفه الألباني)، وبعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى قائد ‏وأمير المسلمين في أذربيجان (عتبة بن فرقد): " ... فأشْبِعِ المُسْلِمِينَ في رِحَالِهِمْ ممَّا تَشْبَعُ منه في رَحْلِكَ، وإيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، ‏وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ... " (رواه مسلم).‏
‏4-‏ في نعتهم وكلامهم: قال عمر -رضي الله عنه-: "لا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الأَعَاجِمِ" (رواه البيهقي بإسناد ‏صحيحٍ)(4).‏
‏(3)‏ عظيم استجابة الصحابة -رضي الله عنهم-:‏
‏-‏ امتناع أصحاب النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ عن قول: "رَاعِنَا"؛ امتثالاً لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا يجب أن يكون المؤمنين:‏‎ (إِنَّمَا ‏كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور:51).‏

- صور من استجابتهم:‏
-‏ عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- يصلي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ‏ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- صلاته، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ) قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، ‏فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (إِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).‏
‏-‏ عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: "أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ ‏يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاه َا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله، أَنِ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا ‏تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا" (متفق عليه)(5).‏

- خاتمة:‏
- تذكير بالآية، وقصة النزول، والإشارة إلى الفوائد باختصارٍ شديدٍ.‏
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ
(1)‏ هذه الآية نزلت في حادثة، وتعلَّقت بها قصة نزلت على أثرها.‏
‏(2)‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "نَهَى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص... فإذا أرادوا ‏أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: رَاعِنَا، يورون بالرعونة، كما قال -تعالى-: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا ‏بألسنتهم وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) (النساء:46)، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سمعوا إنما يقولون: "السام عليكم"، والسام هو: الموت؛ ولهذا أمرنا أن ‏نرد عليهم بـ(وعليكم)" (تفسير ابن كثير).‏
(3)‏ راعنا: معناها، راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا، فأمروا بانظرنا: أي: أنظر إلينا وتعهدنا.‏
(4)‏ المقصود بذلك: اعتياد الخطاب بغير العربية حتى يصير ذلك عادة للبلد وأهله، مثل ما حدث في بعض البلاد العربية: كالجزائر، وتونس، والمغرب. والخلاصة: أن أهل ‏الكتاب وملل الكفر تبغض الإسلام ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فكان من الواجب علينا البراءة منهم، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ ‏خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).
‏(5)‏ ولذا؛ فما تظنون بهذه النفوس إذا أُمِرَت بما هو أدنى من ذلك؟! وهم الذين أُمِروا ببذل النفوس والأرواح والأموال وترك الديار، ففعلوا.‏


3dlat.com_09_19_7166_de5d4e2ce9575.gif
 
وقفات مع آيات (2)
قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا... )

 

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

موضوع الآية: ‏
- بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وعظيم إيمان أمهات المؤمنين. ‏

المقدمة: ‏
- نزل القرآن للتدبر والعمل: قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). ‏
- ومنه ما نزل على الوقائع والأحداث: قال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء:106)، وقال الواحدي: "لا ‏يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" (الإتقان للسيوطي). ‏

آية اليوم وقصة نزولها:‏
- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ َ سَرَاحًا ‏جَمِيلًا‏*‏‎ ‎وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 28-29)(1)‏.
- روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ... ) (الأحزاب:28)، إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ". وفي رواية: "ثُمَّ *خَيَّرَ *نِسَاءَهُ *كُلَّهُنَّ *فَقُلْنَ *مِثْلَ *مَا *قَالَتْ *عَائِشَةُ". ‏


وقفات مع الآية:‏
‏(1)‏ بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: ‏
- لقد كان سبب نزول الآيات هو عدم صبر زوجات النبي على تحمل عيشه الخشن، ولم يكن عنده ما يوسع به ‏عليهن، وقد اختار ذلك انتظارًا لما عند الله في الدار الآخرة؛ لأنه كان يرسِّخ في أتباعه أن الأخذ من الدنيا يقلل الثواب ‏في الآخرة والعكس: فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ في حَرَّةِ المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَ ا أُحُدٌ، فَقَالَ: (يَا ‏أَبَا ذَرٍّ). قُلْتُ: ‏‎ ‎لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا ‏شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ)، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: ‏(إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا ‏هُمْ) (متفق عليه). ‏
- لقد أقام هذه القاعدة: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) في كل مظاهر حياته؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ‏أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ ‏الشَّعِيرِ" (رواه البخاري)، وعن أنس قال: "ما أكَلَ النبيُّ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خُبْزًا مُرَقَّقًا، ولَا شَاةً مَسْمُوطَةً حتَّى لَقِيَ ‏اللَّهَ" (رواه البخاري).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نامَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- على حصيرٍ، فقامَ وقد ‏أثَّرَ في جنبِهِ، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاء فقال: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخَذَ ‏رَسولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (رواه البخاري)، وعن عمر -رضي ‏الله عنه-: أنه دخل على النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، فَإِذَا هو مُضْطَجِعٌ علَى رِمَالِ حَصِيرٍ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ فِرَاشٌ، قدْ أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبِهِ ‏مُتَّكِئٌ علَى وِسَادَةٍ مِن أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ... ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي في بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ ما رَأَيْتُ فيه شيئًا يَرُدُّ البَصَرَ غيرَ أهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، ‏فَقُلتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ علَى أُمَّتِكَ، فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم، وأُعْطُوا الدُّنْيَا وهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وكانَ مُتَّكِئًا ‏فَقالَ: (أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا) (متفق عليه). ‏

(2)‏ عظيم إيمان أمهات المؤمنين(2)‏:
- لقد اخترن موافقة عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مع شدته وصعوبته: عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "ابْنَ ‏أُخْتي، إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وما أُوقِدَتْ في أبْيَاتِ رَسولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏نَارٌ، فَقُلتُ يا خَالَةُ: ‏ما كانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأسْوَدَانِ: التَّمْرُ والمَاءُ، إلَّا أنَّه قدْ كانَ لِرَسولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏جِيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ، كَانَتْ لهمْ مَنَائِحُ، ‏وكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسولَ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مِن ألْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (متفق عليه). ‏
- بل صار ذلك لهن هديًا ودينًا بعد وفاة النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏وما في ‏بَيْتي مِن شيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لِي، فأكَلْتُ منه حتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ" (متفق عليه). ‏
وعنها -رضي الله عنها- قالت: "قال رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ" (رواه مسلم). وعن عروة بن الزبير: "‏أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا- بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَوَاللهِ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى فَرَّقَتْهَا. قَالَتْ مَوْلَاةٌ لَهَا: لَوِ اشْتَرَيْتِ لَنَا مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَقَالَتْ: لَوْ قُلْتِ *قَبْلَ *أَنْ *أُفَرِّقَهَا *لَفَعَلْتُ". وعنه أيضًا:‏ "لَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهَا *تَقْسِمُ *سَبْعِينَ *أَلْفًا *وَإِنَّهَا *لَتَرْقَعُ *جَيْبَ *دِرْعِهَا" (حلية الأولياء).

مِن حقوق أزواج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ الواجبة على كلِّ مسلم:

1- اعتقاد أنهن خير نساء أهل الإسلام، وأن الله اختارهن لرسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: فقد حرم نكاحهن بعده: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). ‏

2- اعتقاد أنهن أزواج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ في الآخرة: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (إِنَّ *الْمَرْأَةَ *فِي *الْجَنَّةِ *لِآخِرِ *أَزْوَاجِهَا *فِي *الدُّنْيَا) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). وقال -تعالى-: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ ‏وذرِّياتهم ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) ‎‏(غافر: 8).

3- اعتقاد أنهن أمهات لنا في الإكرام والاحترام والتوقير والإعظام: قال -تعالى-: (‎النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين َ مِنْ أَنفُسِهِمْ ‏وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ‎) ‏(الأحزاب:6). ‏

4- اعتقاد فضلهن على الناس في نزول الوحي في بيوتهن دون غيرهن من الناس: قال -تعالى- في حقهن: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي ‏بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ‎) ‎‏(الأحزاب: 34)، قال ابن كثير -رحمه الله-: "واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس‏، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس"(1).


5- اعتقاد وجوب الترضي عليهن بأمر الله ورسوله، وعدم ذكرهن إلا بخير: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ‏اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) ‏(الحشر:10)، ‏وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه-: أن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم- قال: (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)، فَقَالَ حُصَيْنٌ لِزَيْد: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ... " (رواه مسلم)، وعن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُمِرْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (رواه البخاري ومسلم، وابن ماجه واللفظ له).

خاتمة: ‏
- تذكير بالآية وسبب نزولها، وإشارة إلى فضل معرفة قصة النزول في فهم الآية. ‏
فاللهم اجعلنا مع رسولك ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وآل بيته الكرام في جنات النعيم.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
(1)‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا أمر من الله لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه- بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممَّن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا ‏وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن -رضي الله عنهن وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع ‏الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة" (تفسير ابن كثير). ‏
(2)‏‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال عكرمة: "وكان تحته يومئذ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة -رضي الله عنهن-، وكانت تحته ‏‏-صلى الله عليه وسلم- ‏صفية بنت حيي النضرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية -رضي الله عنهن وأرضاهن-".‏

صوت السلف

يتبع
   

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (3)

قوله -تعالى-: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا)

 

 

كتبه/ سعيد محمود

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 

 

المقدمة: ‏                            

 

‏-‏ نزل القرآن للتدبر والعمل: قال -تعالى-: ‏)‎كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(‎(ص:29). ‏

 

‏-‏ ومِن القرآن ما نزل على حادثة أو سبب:‏) ‎وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) ‏‏(الإسراء: 106). ‏

 

 

آية اليوم وقصتها: ‏

 

-‏ قوله -تعالى-: ‏)‎وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ ‏خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (الجمعة:11). ‏

 

‏-‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُعَاتِب -تبارك وتعالى- على ما كان وقع مِن الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ‏التي قدمت المدينة يومئذٍ، فقال -تعالى-: ‏)‎وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا(‎‏ أي: على المنبر تخطب. عن جابر -‏رضي الله عنه- قال: قدمت عير المدينة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فخرج الناس، وبقي اثنا عشر رجلًا، فنزلت: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)‏ (متفق عليه). ‏

 

تنبيه‎ ‎مهم:

 

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ولكن ها هنا شيء ينبغي أن يُعلَم، وهو: أن هذه القصة قد قيل: أنها كانت لما كان رسول ‏الله -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يقدِّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة". ‏

 

 

 

وقفات وفوائد حول الآية:

 

 

(1)‏ أثر محنة الفقر بعد الهجرة وفضل الصحابة(1)‏:

 

‏- ‏استدعاء مشهد المدينة النبوية، والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية الشديدة عند قدوم المهاجرين، اعتذارًا عن ‏انصرافهم ونزول العتاب لهم: قال -تعالى- عنهم مادحًا ومثنيًا: ‏)‎لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر:8-9). ‏

 

‏-‏ لقد وصل بهم الفقر إلى أشده: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلًا: أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ إلى ‏نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، ‏فَانْطَلَقَ به إلى امْرَأَتِهِ، فَقالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَقالَتْ: ما عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقالَ: هَيِّئِي ‏طَعَامَكِ، وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ ‏كَأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُما يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، ‏فَقالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أوْ عَجِبَ- مِن فَعَالِكُما. فأنْزَلَ اللَّهُ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (رواه البخاري).

 

‏-‏ لقد تركوا كل شيء من الدنيا لله ولنصرة دينه: (مصعب بن عمير ابن الأغنياء، يترك الثراء والجاه ويموت يوم يموت ‏ليس له كفن إلا بردته غير السابغة - أبو سلمة يهاجر ويترك الأهل والولد - سعد بن معاذ سيد الأنصار يوم بدر يعلن ‏الاستعداد المطلق لكل النتائج... وغيرها من المواقف التي لا تُحْصَى). ‏

 

(2)‏ فضل يوم الجمعة وأهمية الخطبة: ‏

 

-‏ هو سيد الأيام: قال عنه النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) (رواه مسلم).  ‏

 

‏-‏ يوم العبادة الأعظم: ومنة الله على الأمة الإسلامية، حيث غذاء الأرواح بعد كد الأسبوع في غذاء الأبدان: قال النبي -‏صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) (رواه مسلم)، وقال -تعالى- قبل العتاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:9-10).  ‏

 

-‏ شرعت فيه صلاة الجمعة لجميع المكلفين القادرين على تحمل المسئوليات أول كل أسبوع في مكانٍ واحدٍ، ليسمعوا ‏فيه الترغيب والترهيب، بما يحملهم على النهوض بواجباتهم الدينية والدنيوية: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:9-10)(2). ‏

 

‏-‏ فيه ساعة إجابة مضمونة: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن يوم الجمعة: (فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) (رواه البخاري)(3)‏.

 

‏-‏ ولذا كان عندهم يوم عيد أسبوعي: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني). قال النيسابوري في تفسيره: "وكانت الطُرقاتُ في أيام ‏السَّلف، وقت السَّحَر وبعد الفجر غاصَّةً بالمُبكِّرين إلى الجمعة؛ يَمشون بالسُّرُج". ‏

 

 

(3)‏ ذكر بعض آداب يوم الجمعة(4):

 

أ‌-‏ تأكيد صلاة فجر الجمعة في المسجد: قال -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (أفْضَلُ الصَّلَواتِ عِنْدَ الله صلاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي جَماعَةٍ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني). ‏

 

ب‌-‏ قراءة الإمام في الفجر سورتي السجدة والإنسان: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ‏كان يقرأُ في صلاةِ الفجرِ يومَ الجُمُعةِ: (الم تَنْزِيلُ)، (وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)" (رواه مسلم). ‏

 

ت‌-‏ الاغتسال والتطيب والتسوك ولبس أحسن الثياب: قال -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَاكَ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

 

ث‌- الإكثار من الصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أَكثِروا الصَّلاةَ عليَّ يومَ الجمعةِ وليلةَ الجمعةِ فمن صلَّى عليَّ ‏صلاةً صلَّى اللَّهُ عليْهِ عشرًا) (رواه البيهقي في الكبرى، وحسنه الألباني).

 

ج‌- التبكير الى المسجد: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأنَّما قَرَّبَ ‏بَدَنَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن رَاحَ في ‏السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ ‏يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) (متفق عليه). ‏

 

 

خاتمة:

 

‏-‏ تذكير بالآية، وقصة النزول، وكيف أنها سُبقت بآيتين في بيان أهمية صلاة الجمعة، والتوجيه إلى التفرغ عندها، ‏والسعي في الرزق بعدها، ثم ختمت بالتنبيه على فضل ما عند الله في الآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ ‏خَيْرُ الرَّازِقِينَ)‏ (الجمعة: 9-11). ‏

 

‏-‏ الإشارة إلى أن ذلك لم يتكرر في أصحاب النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، بل علَّموا الناس عظيم الحرص على التبكير إلى ‏صلاة الجمعة، كما قال النيسابوري آنفًا.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

‏(1)‏ حتى لا يتوهم متوهم تفريط الصحابة ويسيء بهم الظن، فانظروا إلى أي مدى وصل بهم جميعًا الفقر والشدة، وانظروا الى عظيم بذلهم، وإذا كان ‏العتاب للتربية، وهم متأولون لانتهاء الصلاة ولشدة الفقر، فأين الذين يضيعون الطاعات والفرائض لمباراة كرة أو رحلات وحفلات، أو أعمال وأموال، أو ‏‏... وهم في سعة من العيش؟‏

 

‏(2)‏ قال ابن القيم -رحمه الله-: "فهو اليوم الذي يُستحبُّ أن يُتفرَّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزيَّة بأنواعٍ من العبادات واجبة ومستحبَّة، ‏فاللهُ -سبحانه- جعل لأهلِ كلِّ مِلَّة يومًا يتفرَّغون فيه للعبادة، ويتخلَّوْن فيه عن أشغالِ الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة، وهو في الأيام كشهرِ رمضانَ في ‏الشهور، وساعة الإجابةِ فيه كليلةِ القدر في رمضان؛ ولهذا مَن صحَّ له يومُ جمعتِه وسَلِم، سَلِمت له سائر جمعته، ومَن صحَّ له رمضانُ وسَلِم، سَلِمت ‏له سائر سَنَتِه، ومَن صحَّت له حجَّته وسَلِمتْ له، صحَّ له سائر عمرِه؛ فيومُ الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضانُ ميزان العام، والحجُّ ميزان العمر" (زاد ‏المعاد في هدي خير العباد). ‏

 

(3)‏ وهي في الأيام كليلة القدر في رمضان، والجمعة في الأيام كشهر رمضان في السنة، فمَن صحت له جمعته صح له أسبوعه، فيوم الجمعة ميزان ‏الأسبوع. ‏

 

‏(4)‏ ولما كان هذا اليوم معظَّمًا عند الله وعند المؤمنين، جعل الله له آدابًا تحفه بالعظمة والتقديس.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (4) قوله -تعالى-: ‏‎)‎عَبَسَ وَتَوَلَّى)‏


            

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


المقدمة:
‏-‏ نزل القرآن للعمل والتدبر: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). ‏
‏-‏ ومِن التنزيل ما نزل على واقعة أو حادثة في حياة مَن نزل عليهم؛ ليزدادوا إيمانًا، ويزداد الذين مِن بعدهم تصديقًا: قال ‏-تعالى-:‏‎) ‎وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) (الإسراء:106). ‏


آية اليوم وقصتها: ‏
قال -تعالى-: ‏‎)عَبَسَ وَتَوَلَّى .أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى . وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى.أَمَّا مَنِ ‏اسْتَغْنَى . فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى . وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى . وَهُوَ يَخْشَى . فَأَنتَ عَنْهُ ‏تَلَهَّى) (عبس: 1-10). ‏
‏-‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أُنْزِلَتْ:‎) ‎عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى ‏رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ يَقُولُ أَرْشِدْنِي، قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُعْرِضُ ‏عَنْهُ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ: لَا، فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ:‏‎) ‎عَبَسَ وَتَوَلَّى)، وهكذا ذكر غير ‏واحد من السلف" (تفسير ابن كثير). ‏


وقفات وفوائد حول الآية:


‏1-‏ حرص الأنبياء -عليهم السلام- على هداية الناس جميعًا:
ويظهر ذلك في قصة النزول حتى عاتبه ربه لما أقبل على المشركين؛ حرصًا على هدايتهم، وأعرض عن المؤمن الصالح: قال -تعالى-:‏‎) ‎لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3)،‏‎) ‎فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) ‏‏(الغاشية21-22). ‏
‏-‏ كان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية العظماء والسادة شديد؛ لما له من أثر على من تحتهم: ففي كتابه إلى هرقل: (أمَّا ‏بَعْدُ، فإنِّي أدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأرِيسِيِّينَ... ) ‏‏(متفق عليه)، وقال -تعالى- عن اتباع ملكة سبأ: ‏‎)‎‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ . ‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل:32-33). ‏
‏-‏ وهكذا ورثة الأنبياء من الدعاة إلى الله في حرصهم على هداية الكبراء والرموز: ففي قصة إسلام سعد بن معاذ -سيد ‏الأوس- -رضي الله عنه-، قال أسعد بن زرارة -رضي الله عنه- لمصعب بن عمير -رضي الله عنه- لما جاءهم سعد بن ‏معاذ: "جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فلما أسلم رجع إلى قومه ووقف عليهم ‏قائلًا: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم‏؟ ‏ قالوا‏: ‏ سيدنا وأفضلنا رأيًا، قال‏:‏ فإن كلام رجالكم ونسائكم ‏عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله‏، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة" (انظر السيرة النبوية لابن هشام). ‏



(2) فضل مَن انتفع بدعوة القرآن (العزة في طاعة الله):
-‏ عاتب الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأنزل قرآنًا يُتلَى إلى يوم القيامة في رجل فقير صالح، انتفع بدعوة القرآن(1): وورد أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا لقي ‏ابن أم مكتوم يقول له: "مرحبًا بمَن عاتبني فيه ربي".
‏-‏ لقد عظَّم الإسلام من مكانة الصالحين؛ لصلاحهم، وليس لأموالهم ولا سلطانهم: قال -تعالى-: ‎‏(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ ‏أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13). ‏
‏-‏ فالموازين عند الله أعظم:‎‏ (ابن أم مكتوم الفقير الصالح، خير من ملء الأرض مثل أُبي بن خَلَف الشريف الكافر): (‎أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى.فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى.وَهُوَ يَخْشَى.فَأَنتَ ‏عَنْهُ تَلَهَّى) (عبس:5-10).
وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي ‏هَذَا؟)، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ ‏فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟)، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ ‏لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (رواه البخاري)، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ... ) (رواه مسلم). ‏


صور من ذلك: ‏
-‏ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: (يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلَامِ، فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ ‏يَدَيَّ في الجَنَّةِ، قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِندِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، في سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ ما ‏كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ) (متفق عليه).‏
‏-‏ وزوَّج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-.‏
‏-‏ وأمَّر أسامة بن زيد مولاه على جيشٍ لغزو الروم، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار، وفيهم: أبو بكر وعمر وزيراه، ‏وفيهم: سعد بن أبي وقاص، ومن أسبق قريش للإسلام. ‏


(3) خاتمة: في فضل تعلُّم القرآن والعمل به:
‏-‏ لقد ركَّزت الآيات بعد العتاب على حقيقة دعوة القرآن، وبيان كرامة مَن ينتفع بها، وحقارة من يعرض عنها: قال ‏-تعالى-: ‏‎)‎‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . ‏كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:11-16). ‏
‏-‏ فضل أهل القرآن العاملين به: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) (رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ(2)، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي *كُنْتُ *أُسْهِرُ *لَيْلَكَ، *وَأُظْمِئُ *هَوَاجِرَكَ... ) (رواه ابن الطبراني، وقال الألباني: "حسن أو ‏صحيح")، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ(3) وَخَاصَّتُهُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). ‏
فاللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته، والحمد لله رب العالمين.
‏ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)‏ فهذا الرجل الفقير الضعيف، انتفع بدعوة القرآن فرفعته؛ ولذلك قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بعد العتاب:‏‎) ‎‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . ‏مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:11-16). ‏
‏(2)‏‏ قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: "كأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن، كذلك القرآن ‏لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة".
‏(3)‏ قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: "أي: أولياؤه المختصون به، اختصاص أهل الإنسان به".
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×