اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

وقفات مع آيات

المشاركات التي تم ترشيحها

 
894677232.gif

وقفات مع آيات
(1) قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)
        

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

موضوع الآية:‏
- بيان شدة عداوة اليهود لأهل الإسلام، وبيان عظيم استجابة الصحابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.‏

مقدمة:‏
- التذكير بفضل مدارسة وتدبر آيات القرآن: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ‏‏(ص:29).‏
- ومن حكمة الله -تعالى-: أنه أنزل كثيرًا من الآيات عقب وقائع وحوادث في حياة مَن نزل عليهم القرآن، ليكون ذلك أبلغ ‏في نفوسهم، وسببًا لزيادة إيمانهم، وإيمان مَن بعدهم، قال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ ‏تَنزِيلًا) (الإسراء:106). وقال الواحدي: "لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" ‏‏(الإتقان للسيوطي).‏
- آية اليوم وقصتها(1):
- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:104).‏

قال الواحدي في أسباب النزول: "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وذلك أن العرب كانوا يتكلمون بها، فلما سمعتهم ‏اليهود يقولونها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أعجبهم ذلك، وكان راعنا في كلام اليهود، السب القبيح، فقالوا: إنا كنا نسب محمدًا سرًّا، ‏فالآن أعلنوا السب لمحمدٍ؛ لأنه من كلامهم، فكانوا يأتون نبي الله ‏-صلى الله عليه وسلم-،‏ فيقولون: يا محمد راعنا، ويضحكون! ففطن بها ‏رجل من الأنصار، وهو سعد بن عبادة، وكان عارفًا بلغة اليهود، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفس محمد ‏بيده، لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه، فقالوا: ألستم تقولونها له؟ فأنزل الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا ‏رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا)(2) الآية.‏


وقفات حول الآية:

(1)‏ شدة عداوة اليهود وسائر الكفار للمسلمين:‏
- ففي قصة النزول ما يشير إلى ذلك؛ فهم يستغلون كل فرصة للإساءة للإسلام، والإضرار بأهله؛ وذلك لشدة عداوتهم ‏لهم: قال -تعالى-: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران:118)، وقال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120)، وقال: (‎مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ ‏أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).‏
- ومقتضى ذلك تحريم محبتهم ومودتهم وموالاتهم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ ‏إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).‏

(2)‏ حرمة التشبه بالكفار:‏
‏-‏ لقد نهي المؤمنون عن كلمة "راعنا" وهي مباحة في أصلها(3)، لما استعملها الكفار في الإساءة إلى الإسلام ‏ورسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: قال ابن كثير -رحمه الله- بعد تعليقه على الآية: "ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في ‏أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقر عليها".‏ وقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏

- الإسلام يرسِّخ لهذه العقيدة بوسائل شتى:
1-‏ في العبادات: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلا خِفَافِهِمْ) (رواه أبو داود، ‏وصححه الألباني).‏
‏2- في السلوك والآداب الاجتماعية: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (لا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ ‏بالأَصابِع وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).‏
‏3-‏ في الهيئة والصورة والسمت: قال: (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) (متفق عليه)، ودخل ‏على أنس بن مالك -رضي الله عنه- ناس ومعهم غلام له قرنان أو قصتان، فمسح برأسه وبرَّك عليه، وقال: "احْلِقُوا ‏هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ" (رواه أبو داود، وضعفه الألباني)، وبعث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى قائد ‏وأمير المسلمين في أذربيجان (عتبة بن فرقد): " ... فأشْبِعِ المُسْلِمِينَ في رِحَالِهِمْ ممَّا تَشْبَعُ منه في رَحْلِكَ، وإيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، ‏وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ... " (رواه مسلم).‏
‏4-‏ في نعتهم وكلامهم: قال عمر -رضي الله عنه-: "لا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الأَعَاجِمِ" (رواه البيهقي بإسناد ‏صحيحٍ)(4).‏
‏(3)‏ عظيم استجابة الصحابة -رضي الله عنهم-:‏
‏-‏ امتناع أصحاب النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ عن قول: "رَاعِنَا"؛ امتثالاً لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا يجب أن يكون المؤمنين:‏‎ (إِنَّمَا ‏كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور:51).‏

- صور من استجابتهم:‏
-‏ عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- يصلي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ‏ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- صلاته، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ) قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، ‏فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (إِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).‏
‏-‏ عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: "أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ ‏يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَانْتَحَرْنَاه َا، فَلَمَّا غَلَتْ بِهَا الْقُدُورُ، نَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله، أَنِ اكْفَئُوا الْقُدُورَ، وَلَا ‏تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا" (متفق عليه)(5).‏

- خاتمة:‏
- تذكير بالآية، وقصة النزول، والإشارة إلى الفوائد باختصارٍ شديدٍ.‏
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ
(1)‏ هذه الآية نزلت في حادثة، وتعلَّقت بها قصة نزلت على أثرها.‏
‏(2)‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "نَهَى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص... فإذا أرادوا ‏أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: رَاعِنَا، يورون بالرعونة، كما قال -تعالى-: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا ‏بألسنتهم وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) (النساء:46)، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سمعوا إنما يقولون: "السام عليكم"، والسام هو: الموت؛ ولهذا أمرنا أن ‏نرد عليهم بـ(وعليكم)" (تفسير ابن كثير).‏
(3)‏ راعنا: معناها، راعنا سمعك، فافهم عنا وأفهمنا، فأمروا بانظرنا: أي: أنظر إلينا وتعهدنا.‏
(4)‏ المقصود بذلك: اعتياد الخطاب بغير العربية حتى يصير ذلك عادة للبلد وأهله، مثل ما حدث في بعض البلاد العربية: كالجزائر، وتونس، والمغرب. والخلاصة: أن أهل ‏الكتاب وملل الكفر تبغض الإسلام ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فكان من الواجب علينا البراءة منهم، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ ‏خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (البقرة:105).
‏(5)‏ ولذا؛ فما تظنون بهذه النفوس إذا أُمِرَت بما هو أدنى من ذلك؟! وهم الذين أُمِروا ببذل النفوس والأرواح والأموال وترك الديار، ففعلوا.‏


3dlat.com_09_19_7166_de5d4e2ce9575.gif
 
وقفات مع آيات (2)
قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا... )

 

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

موضوع الآية: ‏
- بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، وعظيم إيمان أمهات المؤمنين. ‏

المقدمة: ‏
- نزل القرآن للتدبر والعمل: قال الله -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). ‏
- ومنه ما نزل على الوقائع والأحداث: قال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء:106)، وقال الواحدي: "لا ‏يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها" (الإتقان للسيوطي). ‏

آية اليوم وقصة نزولها:‏
- قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ َ سَرَاحًا ‏جَمِيلًا‏*‏‎ ‎وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 28-29)(1)‏.
- روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ... ) (الأحزاب:28)، إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ". وفي رواية: "ثُمَّ *خَيَّرَ *نِسَاءَهُ *كُلَّهُنَّ *فَقُلْنَ *مِثْلَ *مَا *قَالَتْ *عَائِشَةُ". ‏


وقفات مع الآية:‏
‏(1)‏ بيان عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: ‏
- لقد كان سبب نزول الآيات هو عدم صبر زوجات النبي على تحمل عيشه الخشن، ولم يكن عنده ما يوسع به ‏عليهن، وقد اختار ذلك انتظارًا لما عند الله في الدار الآخرة؛ لأنه كان يرسِّخ في أتباعه أن الأخذ من الدنيا يقلل الثواب ‏في الآخرة والعكس: فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ في حَرَّةِ المَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَ ا أُحُدٌ، فَقَالَ: (يَا ‏أَبَا ذَرٍّ). قُلْتُ: ‏‎ ‎لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلَّا ‏شَيْئًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللَّهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ)، ثُمَّ مَشَى فَقَالَ: ‏(إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا ‏هُمْ) (متفق عليه). ‏
- لقد أقام هذه القاعدة: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ) في كل مظاهر حياته؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: ‏أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ ‏الشَّعِيرِ" (رواه البخاري)، وعن أنس قال: "ما أكَلَ النبيُّ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ خُبْزًا مُرَقَّقًا، ولَا شَاةً مَسْمُوطَةً حتَّى لَقِيَ ‏اللَّهَ" (رواه البخاري).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نامَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- على حصيرٍ، فقامَ وقد ‏أثَّرَ في جنبِهِ، فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، لوِ اتَّخَذنا لَكَ وطاء فقال: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخَذَ ‏رَسولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ بمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (رواه البخاري)، وعن عمر -رضي ‏الله عنه-: أنه دخل على النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏، فَإِذَا هو مُضْطَجِعٌ علَى رِمَالِ حَصِيرٍ ليسَ بيْنَهُ وبيْنَهُ فِرَاشٌ، قدْ أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبِهِ ‏مُتَّكِئٌ علَى وِسَادَةٍ مِن أدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ... ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي في بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ ما رَأَيْتُ فيه شيئًا يَرُدُّ البَصَرَ غيرَ أهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، ‏فَقُلتُ: ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ علَى أُمَّتِكَ، فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ وُسِّعَ عليهم، وأُعْطُوا الدُّنْيَا وهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وكانَ مُتَّكِئًا ‏فَقالَ: (أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا) (متفق عليه). ‏

(2)‏ عظيم إيمان أمهات المؤمنين(2)‏:
- لقد اخترن موافقة عيش النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مع شدته وصعوبته: عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "ابْنَ ‏أُخْتي، إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وما أُوقِدَتْ في أبْيَاتِ رَسولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏نَارٌ، فَقُلتُ يا خَالَةُ: ‏ما كانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأسْوَدَانِ: التَّمْرُ والمَاءُ، إلَّا أنَّه قدْ كانَ لِرَسولِ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏جِيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ، كَانَتْ لهمْ مَنَائِحُ، ‏وكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسولَ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ مِن ألْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (متفق عليه). ‏
- بل صار ذلك لهن هديًا ودينًا بعد وفاة النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏وما في ‏بَيْتي مِن شيءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لِي، فأكَلْتُ منه حتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ" (متفق عليه). ‏
وعنها -رضي الله عنها- قالت: "قال رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) قَالَتْ: فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَدَّقُ" (رواه مسلم). وعن عروة بن الزبير: "‏أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا- بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَوَاللهِ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى فَرَّقَتْهَا. قَالَتْ مَوْلَاةٌ لَهَا: لَوِ اشْتَرَيْتِ لَنَا مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَقَالَتْ: لَوْ قُلْتِ *قَبْلَ *أَنْ *أُفَرِّقَهَا *لَفَعَلْتُ". وعنه أيضًا:‏ "لَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهَا *تَقْسِمُ *سَبْعِينَ *أَلْفًا *وَإِنَّهَا *لَتَرْقَعُ *جَيْبَ *دِرْعِهَا" (حلية الأولياء).

مِن حقوق أزواج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ الواجبة على كلِّ مسلم:

1- اعتقاد أنهن خير نساء أهل الإسلام، وأن الله اختارهن لرسوله ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: فقد حرم نكاحهن بعده: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53). ‏

2- اعتقاد أنهن أزواج النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ في الآخرة: قال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏: (إِنَّ *الْمَرْأَةَ *فِي *الْجَنَّةِ *لِآخِرِ *أَزْوَاجِهَا *فِي *الدُّنْيَا) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). وقال -تعالى-: (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ ‏وذرِّياتهم ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) ‎‏(غافر: 8).

3- اعتقاد أنهن أمهات لنا في الإكرام والاحترام والتوقير والإعظام: قال -تعالى-: (‎النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِين َ مِنْ أَنفُسِهِمْ ‏وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ‎) ‏(الأحزاب:6). ‏

4- اعتقاد فضلهن على الناس في نزول الوحي في بيوتهن دون غيرهن من الناس: قال -تعالى- في حقهن: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي ‏بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ‎) ‎‏(الأحزاب: 34)، قال ابن كثير -رحمه الله-: "واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس‏، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس"(1).


5- اعتقاد وجوب الترضي عليهن بأمر الله ورسوله، وعدم ذكرهن إلا بخير: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ‏اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) ‏(الحشر:10)، ‏وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه-: أن النبي ‏-صلى الله عليه وسلم- قال: (أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)، فَقَالَ حُصَيْنٌ لِزَيْد: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ... " (رواه مسلم)، وعن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُمِرْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (رواه البخاري ومسلم، وابن ماجه واللفظ له).

خاتمة: ‏
- تذكير بالآية وسبب نزولها، وإشارة إلى فضل معرفة قصة النزول في فهم الآية. ‏
فاللهم اجعلنا مع رسولك ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ وآل بيته الكرام في جنات النعيم.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـ
(1)‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا أمر من الله لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه- بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممَّن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا ‏وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن -رضي الله عنهن وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع ‏الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة" (تفسير ابن كثير). ‏
(2)‏‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال عكرمة: "وكان تحته يومئذ تسع نسوة؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة -رضي الله عنهن-، وكانت تحته ‏‏-صلى الله عليه وسلم- ‏صفية بنت حيي النضرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية -رضي الله عنهن وأرضاهن-".‏

صوت السلف

يتبع
   

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (3)

قوله -تعالى-: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا)

 

 

كتبه/ سعيد محمود

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

 

 

المقدمة: ‏                            

 

‏-‏ نزل القرآن للتدبر والعمل: قال -تعالى-: ‏)‎كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(‎(ص:29). ‏

 

‏-‏ ومِن القرآن ما نزل على حادثة أو سبب:‏) ‎وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) ‏‏(الإسراء: 106). ‏

 

 

آية اليوم وقصتها: ‏

 

-‏ قوله -تعالى-: ‏)‎وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ ‏خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (الجمعة:11). ‏

 

‏-‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُعَاتِب -تبارك وتعالى- على ما كان وقع مِن الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ‏التي قدمت المدينة يومئذٍ، فقال -تعالى-: ‏)‎وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا(‎‏ أي: على المنبر تخطب. عن جابر -‏رضي الله عنه- قال: قدمت عير المدينة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فخرج الناس، وبقي اثنا عشر رجلًا، فنزلت: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)‏ (متفق عليه). ‏

 

تنبيه‎ ‎مهم:

 

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ولكن ها هنا شيء ينبغي أن يُعلَم، وهو: أن هذه القصة قد قيل: أنها كانت لما كان رسول ‏الله -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يقدِّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة". ‏

 

 

 

وقفات وفوائد حول الآية:

 

 

(1)‏ أثر محنة الفقر بعد الهجرة وفضل الصحابة(1)‏:

 

‏- ‏استدعاء مشهد المدينة النبوية، والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية الشديدة عند قدوم المهاجرين، اعتذارًا عن ‏انصرافهم ونزول العتاب لهم: قال -تعالى- عنهم مادحًا ومثنيًا: ‏)‎لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر:8-9). ‏

 

‏-‏ لقد وصل بهم الفقر إلى أشده: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلًا: أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ إلى ‏نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، ‏فَانْطَلَقَ به إلى امْرَأَتِهِ، فَقالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَقالَتْ: ما عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقالَ: هَيِّئِي ‏طَعَامَكِ، وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ ‏كَأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُما يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، ‏فَقالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أوْ عَجِبَ- مِن فَعَالِكُما. فأنْزَلَ اللَّهُ: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (رواه البخاري).

 

‏-‏ لقد تركوا كل شيء من الدنيا لله ولنصرة دينه: (مصعب بن عمير ابن الأغنياء، يترك الثراء والجاه ويموت يوم يموت ‏ليس له كفن إلا بردته غير السابغة - أبو سلمة يهاجر ويترك الأهل والولد - سعد بن معاذ سيد الأنصار يوم بدر يعلن ‏الاستعداد المطلق لكل النتائج... وغيرها من المواقف التي لا تُحْصَى). ‏

 

(2)‏ فضل يوم الجمعة وأهمية الخطبة: ‏

 

-‏ هو سيد الأيام: قال عنه النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) (رواه مسلم).  ‏

 

‏-‏ يوم العبادة الأعظم: ومنة الله على الأمة الإسلامية، حيث غذاء الأرواح بعد كد الأسبوع في غذاء الأبدان: قال النبي -‏صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) (رواه مسلم)، وقال -تعالى- قبل العتاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:9-10).  ‏

 

-‏ شرعت فيه صلاة الجمعة لجميع المكلفين القادرين على تحمل المسئوليات أول كل أسبوع في مكانٍ واحدٍ، ليسمعوا ‏فيه الترغيب والترهيب، بما يحملهم على النهوض بواجباتهم الدينية والدنيوية: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:9-10)(2). ‏

 

‏-‏ فيه ساعة إجابة مضمونة: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- عن يوم الجمعة: (فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) (رواه البخاري)(3)‏.

 

‏-‏ ولذا كان عندهم يوم عيد أسبوعي: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني). قال النيسابوري في تفسيره: "وكانت الطُرقاتُ في أيام ‏السَّلف، وقت السَّحَر وبعد الفجر غاصَّةً بالمُبكِّرين إلى الجمعة؛ يَمشون بالسُّرُج". ‏

 

 

(3)‏ ذكر بعض آداب يوم الجمعة(4):

 

أ‌-‏ تأكيد صلاة فجر الجمعة في المسجد: قال -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (أفْضَلُ الصَّلَواتِ عِنْدَ الله صلاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي جَماعَةٍ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني). ‏

 

ب‌-‏ قراءة الإمام في الفجر سورتي السجدة والإنسان: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أنَّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- ‏كان يقرأُ في صلاةِ الفجرِ يومَ الجُمُعةِ: (الم تَنْزِيلُ)، (وهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)" (رواه مسلم). ‏

 

ت‌-‏ الاغتسال والتطيب والتسوك ولبس أحسن الثياب: قال -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاسْتَاكَ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني).

 

ث‌- الإكثار من الصلاة على النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أَكثِروا الصَّلاةَ عليَّ يومَ الجمعةِ وليلةَ الجمعةِ فمن صلَّى عليَّ ‏صلاةً صلَّى اللَّهُ عليْهِ عشرًا) (رواه البيهقي في الكبرى، وحسنه الألباني).

 

ج‌- التبكير الى المسجد: قال النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأنَّما قَرَّبَ ‏بَدَنَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن رَاحَ في ‏السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ ‏يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) (متفق عليه). ‏

 

 

خاتمة:

 

‏-‏ تذكير بالآية، وقصة النزول، وكيف أنها سُبقت بآيتين في بيان أهمية صلاة الجمعة، والتوجيه إلى التفرغ عندها، ‏والسعي في الرزق بعدها، ثم ختمت بالتنبيه على فضل ما عند الله في الآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ ‏خَيْرُ الرَّازِقِينَ)‏ (الجمعة: 9-11). ‏

 

‏-‏ الإشارة إلى أن ذلك لم يتكرر في أصحاب النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، بل علَّموا الناس عظيم الحرص على التبكير إلى ‏صلاة الجمعة، كما قال النيسابوري آنفًا.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

‏(1)‏ حتى لا يتوهم متوهم تفريط الصحابة ويسيء بهم الظن، فانظروا إلى أي مدى وصل بهم جميعًا الفقر والشدة، وانظروا الى عظيم بذلهم، وإذا كان ‏العتاب للتربية، وهم متأولون لانتهاء الصلاة ولشدة الفقر، فأين الذين يضيعون الطاعات والفرائض لمباراة كرة أو رحلات وحفلات، أو أعمال وأموال، أو ‏‏... وهم في سعة من العيش؟‏

 

‏(2)‏ قال ابن القيم -رحمه الله-: "فهو اليوم الذي يُستحبُّ أن يُتفرَّغ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزيَّة بأنواعٍ من العبادات واجبة ومستحبَّة، ‏فاللهُ -سبحانه- جعل لأهلِ كلِّ مِلَّة يومًا يتفرَّغون فيه للعبادة، ويتخلَّوْن فيه عن أشغالِ الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة، وهو في الأيام كشهرِ رمضانَ في ‏الشهور، وساعة الإجابةِ فيه كليلةِ القدر في رمضان؛ ولهذا مَن صحَّ له يومُ جمعتِه وسَلِم، سَلِمت له سائر جمعته، ومَن صحَّ له رمضانُ وسَلِم، سَلِمت ‏له سائر سَنَتِه، ومَن صحَّت له حجَّته وسَلِمتْ له، صحَّ له سائر عمرِه؛ فيومُ الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضانُ ميزان العام، والحجُّ ميزان العمر" (زاد ‏المعاد في هدي خير العباد). ‏

 

(3)‏ وهي في الأيام كليلة القدر في رمضان، والجمعة في الأيام كشهر رمضان في السنة، فمَن صحت له جمعته صح له أسبوعه، فيوم الجمعة ميزان ‏الأسبوع. ‏

 

‏(4)‏ ولما كان هذا اليوم معظَّمًا عند الله وعند المؤمنين، جعل الله له آدابًا تحفه بالعظمة والتقديس.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (4) قوله -تعالى-: ‏‎)‎عَبَسَ وَتَوَلَّى)‏


            

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


المقدمة:
‏-‏ نزل القرآن للعمل والتدبر: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). ‏
‏-‏ ومِن التنزيل ما نزل على واقعة أو حادثة في حياة مَن نزل عليهم؛ ليزدادوا إيمانًا، ويزداد الذين مِن بعدهم تصديقًا: قال ‏-تعالى-:‏‎) ‎وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا) (الإسراء:106). ‏


آية اليوم وقصتها: ‏
قال -تعالى-: ‏‎)عَبَسَ وَتَوَلَّى .أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى . وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى.أَمَّا مَنِ ‏اسْتَغْنَى . فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى . وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى . وَهُوَ يَخْشَى . فَأَنتَ عَنْهُ ‏تَلَهَّى) (عبس: 1-10). ‏
‏-‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أُنْزِلَتْ:‎) ‎عَبَسَ وَتَوَلَّى) فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَتَى إِلَى ‏رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ يَقُولُ أَرْشِدْنِي، قَالَتْ: وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَتْ: فَجَعَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُعْرِضُ ‏عَنْهُ، وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَقُولُ أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ: لَا، فَفِي هَذَا أُنْزِلَتْ:‏‎) ‎عَبَسَ وَتَوَلَّى)، وهكذا ذكر غير ‏واحد من السلف" (تفسير ابن كثير). ‏


وقفات وفوائد حول الآية:


‏1-‏ حرص الأنبياء -عليهم السلام- على هداية الناس جميعًا:
ويظهر ذلك في قصة النزول حتى عاتبه ربه لما أقبل على المشركين؛ حرصًا على هدايتهم، وأعرض عن المؤمن الصالح: قال -تعالى-:‏‎) ‎لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء:3)،‏‎) ‎فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) ‏‏(الغاشية21-22). ‏
‏-‏ كان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية العظماء والسادة شديد؛ لما له من أثر على من تحتهم: ففي كتابه إلى هرقل: (أمَّا ‏بَعْدُ، فإنِّي أدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ، أسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأرِيسِيِّينَ... ) ‏‏(متفق عليه)، وقال -تعالى- عن اتباع ملكة سبأ: ‏‎)‎‏قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى? تَشْهَدُونِ . ‏قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل:32-33). ‏
‏-‏ وهكذا ورثة الأنبياء من الدعاة إلى الله في حرصهم على هداية الكبراء والرموز: ففي قصة إسلام سعد بن معاذ -سيد ‏الأوس- -رضي الله عنه-، قال أسعد بن زرارة -رضي الله عنه- لمصعب بن عمير -رضي الله عنه- لما جاءهم سعد بن ‏معاذ: "جاءك والله سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد، فلما أسلم رجع إلى قومه ووقف عليهم ‏قائلًا: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم‏؟ ‏ قالوا‏: ‏ سيدنا وأفضلنا رأيًا، قال‏:‏ فإن كلام رجالكم ونسائكم ‏عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله‏، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة" (انظر السيرة النبوية لابن هشام). ‏



(2) فضل مَن انتفع بدعوة القرآن (العزة في طاعة الله):
-‏ عاتب الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأنزل قرآنًا يُتلَى إلى يوم القيامة في رجل فقير صالح، انتفع بدعوة القرآن(1): وورد أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا لقي ‏ابن أم مكتوم يقول له: "مرحبًا بمَن عاتبني فيه ربي".
‏-‏ لقد عظَّم الإسلام من مكانة الصالحين؛ لصلاحهم، وليس لأموالهم ولا سلطانهم: قال -تعالى-: ‎‏(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ ‏أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13). ‏
‏-‏ فالموازين عند الله أعظم:‎‏ (ابن أم مكتوم الفقير الصالح، خير من ملء الأرض مثل أُبي بن خَلَف الشريف الكافر): (‎أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى.فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى. وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى.وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى.وَهُوَ يَخْشَى.فَأَنتَ ‏عَنْهُ تَلَهَّى) (عبس:5-10).
وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي ‏هَذَا؟)، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ ‏فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: (مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟)، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ ‏لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا) (رواه البخاري)، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ... ) (رواه مسلم). ‏


صور من ذلك: ‏
-‏ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ: (يا بلَالُ حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلَامِ، فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ ‏يَدَيَّ في الجَنَّةِ، قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِندِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، في سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ ما ‏كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ) (متفق عليه).‏
‏-‏ وزوَّج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية لمولاه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-.‏
‏-‏ وأمَّر أسامة بن زيد مولاه على جيشٍ لغزو الروم، يضم كثرة من المهاجرين والأنصار، وفيهم: أبو بكر وعمر وزيراه، ‏وفيهم: سعد بن أبي وقاص، ومن أسبق قريش للإسلام. ‏


(3) خاتمة: في فضل تعلُّم القرآن والعمل به:
‏-‏ لقد ركَّزت الآيات بعد العتاب على حقيقة دعوة القرآن، وبيان كرامة مَن ينتفع بها، وحقارة من يعرض عنها: قال ‏-تعالى-: ‏‎)‎‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . ‏كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:11-16). ‏
‏-‏ فضل أهل القرآن العاملين به: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا) (رواه أبو داود، وقال الألباني: حسن صحيح)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ(2)، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي *كُنْتُ *أُسْهِرُ *لَيْلَكَ، *وَأُظْمِئُ *هَوَاجِرَكَ... ) (رواه ابن الطبراني، وقال الألباني: "حسن أو ‏صحيح")، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ(3) وَخَاصَّتُهُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). ‏
فاللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته، والحمد لله رب العالمين.
‏ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)‏ فهذا الرجل الفقير الضعيف، انتفع بدعوة القرآن فرفعته؛ ولذلك قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بعد العتاب:‏‎) ‎‏كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . ‏مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس:11-16). ‏
‏(2)‏‏ قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: "كأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن، كذلك القرآن ‏لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة".
‏(3)‏ قال السندي في حاشيته على ابن ماجه: "أي: أولياؤه المختصون به، اختصاص أهل الإنسان به".
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (5) قوله -تعالى-: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -تعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232).

قصة نزول الآية:
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، روى الترمذي عن معقل بن يسار: أنَّهُ زوَّجَ أختَه رجلًا منَ المسلمينَ، علَى عَهدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَكانت عندَه ما كانت، ثمَّ طلَّقَها تطليقةً لم يراجعها حتَّى انقضتِ العدَّةُ، فَهويَها وَهويتهُ، ثمَّ خطبَها معَ الخطَّابِ، فقالَ لَه: يا لُكعُ أكرمتُك بِها وزوَّجتُكَها، فطلَّقتَها، واللَّهِ لا ترجع إليكَ أبدًا آخرُ ما عليكَ، قالَ: فعلمَ اللَّهُ حاجتَه إليها وحاجتَها إلى بعلِها، فأنزلَ اللَّهُ -تبارَك وتعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) إلى قوله: (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فلمَّا سمعَها معقلٌ قالَ: سمعًا لربِّي وطاعةً، ثمَّ دعاهُ فقالَ: أزوِّجُك وأُكرمُك" (رواه البخاري وأبو داود، والترمذي واللفظ له).

فوائد حول الآية:
(1) فضل الحياة الزوجية في الإسلام:
- الحياة الزوجية فطرة ربانية، وآية في خلق الله؛ لما فيها من المصالح الشرعية والنفسية والاجتماعية: قال -تعالى-: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49)، وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21)، وقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72).
- الحياة الزوجية سنة الأنبياء والمرسلين -عليهم السلام-: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد:38)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأَرْقُدُ، وأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا فإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبانِيَّةِ النَّصارَى) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
- في الحياة الزوجية العفاف والطهر، والسبيل إلى الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ، وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَن له الجَنَّةَ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا تزوَّجَ العبدُ؛ فقد استَكملَ نِصفَ الدِّينِ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني).

(2) الحياة الزوجية تكامل لا تطابق:
- الاختلاف سنة كونية، وكذلك هو في الحياة الزوجية: ولولا ذلك ما شرعت أحكام الطلاق والعِدد والفراق والحضانة والنفقات، ولا يخلو بيت في الدنيا من الخلافات الزوجية، ولكنها في بيوت الصالحين أقل من غيرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ) (رواه مسلم). وفي حديث ابن عباس الطويل، فقالت امرأة عمر -رضي الله عنه- له: "مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟" (متفق عليه).
- والنبي -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم الأمة السبيلَ الأمثل للتعامل مع الخلافات الزوجية: عن النعمان بن بشير قال: "جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا، أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: (أَلَا تَرَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ)، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا" (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (إنِّي لَأَعْلَمُ إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى) قالَتْ: فَقُلتُ: مِن أيْنَ تَعْرِفُ ذلكَ؟ فقالَ: أمَّا إذا كُنْتِ عَنِّي راضِيَةً، فإنَّكِ تَقُولِينَ: لا ورَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لا ورَبِّ إبْراهِيمَ، قالَتْ: قُلتُ: (أجَلْ واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، ما أهْجُرُ إلَّا اسْمَكَ) (متفق عليه).
- القرآن يرشد الصالحين الى سبيل تحقيق حياة زوجية سعيدة (الطاعة والدعاء والمقاربة): قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).

(3) منزلة الولي في عقد الزواج:
- الآية وسبب نزولها من أعظم أدلة الجمهور على اشتراط إذن الولي في صحة العقد: قال -تعالى-: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا(، وقول معقل -رضي الله عنه-: "سمعًا لربِّي وطاعةً" ثمَّ دعاهُ، فقالَ: "أزوِّجُك وأُكرمُك"، وفي رواية البخاري: "فقُلتُ: الآن أفعَلُ يا رَسولَ اللهِ، فزوَّجَها إيَّاه"، وفي رواية: "فَدَعَا زَوْجَهَا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ".
- وجاءت السُّنَّة بالبيان والتفصيل والتصريح باشتراط الولي: فعن أبي موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني)، وعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ) (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني)(1).

(4) أدب الصحابة والسلف -رضي الله عنهم- مع كلام الله وحكمه:
- استجابة معقل بن يسار -رضي الله عنه- الفورية لحكم الله وترك الحمية: قال معقل -رضي الله عنه-: "سَمْعًا لربِّي وطاعةً"، لما قال -تعالى-: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ).
- هكذا الصالحون إذا ذُكِّروا بآيات ربهم: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) (الفرقان:73)، وقال -تعالى- عنهم: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (النور:51).
- بخلاف المنافقين والفاسدين، فحالهم ومقالهم الجدال والصد: قال -تعالى- عنهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا) (النساء:61).
خاتمة:
- اتِّباع ما جاء به الشرع من أحكام وآداب تتعلق بالأسرة، يورث الخير والطهارة: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
- آثار ذلك في أحداث نزول الآية: (استجابة معقل لأمر الله - عودة الحياة الزوجية بين أخته وزوجها وما يترتب على ذلك من مصالح دينية ودنيوية - اتقاء تفكك الأسرة وآثار ذلك).
نسأل الله -تعالى- أن يحفظ بيوت المسلمين، وأن يبعث فيها البركة والسعادة.
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1)فائدة: أولياء المرأة الذين يحق لهم تزويجها هم العصبة، وهم أقاربها الذكور من جهة أبيها لا من جهة أمها على قول جماهير أهل العلم. وأحقهم بذلك: الأب والجد،والأبناء، والإخوة، والأعمام، وهكذا.
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

 

وقفات مع آيات (6) قوله -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ) 
 
                                                                                                           
كتبه/ سعيد محمود
 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: 79).
 
 
موضوع الآية: 
 - بيان عظيم يقين الصحابة الصادقين، والإشارة إلى شيء من صفات المنافقين.
 
 
قصة نزول الآية: 
- روى البخاري عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشيءٍ كَثِيرٍ، فَقالوا: مُرَائِي، وجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بصَاعٍ، فَقالوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن صَاعِ هذا، فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ) الآية.
- وقال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "وقال الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا(1)،  قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، عندي أربعة آلاف، ألفين  أقرضهما ربي، وألفين لعيالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بارك  الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت. وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين  من تمر، فقال: يا رسول الله، أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع  لعيالي(2)، قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياءً! وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: (الَّذِينَ  يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ   وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ)" (تفسير ابن كثير).
 
 
وقفات مع الآية:
(1) مِن صفات المنافقين: السخرية من المؤمنين: 
- المنافقون في كل زمان يتناولون أهل الإيمان بالسخرية والاستهزاء: قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير بعد ذكر الآية: (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ😞 "وهذه أيضًا من صفات المنافقين: لا يسلم أحدٌ مِن عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم؛ إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا" (تفسير ابن كثير).
- ومن أحوال المنافقين في عصرنا: (السخرية من السمت الإسلامي (اللحية والحجاب) - التطاول على العلماء والدعاة الى الله، بل والصحابة والأئمة والأعلام).
- المتمسك بتعاليم الإسلام عندهم سفيه، يجب أن يعاقب بالإقصاء والمنع: قال -تعالى-: (وَإِذَا  قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا   آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا   يَعْلَمُونَ) (البقرة:13). (أثار بعضهم ضجة إعلامية يطالب بمعاقبة المدرسة التي جمعت الأولاد للصلاة، معتبرًا ذلك تطرفًا، وأما إذا دعتهم للرقص فهو عندهم تحضر ورقي!).
- لذا فعاقبة المنافقين يوم القيامة أشد من سائر الكفار: قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140)، وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).
- لقد جعل الله عذابهم من جنس عملهم (المخادعة والتظاهر بالإسلام): قال -تعالى-: (يَوْمَ  تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ   أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي   مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ   الْعَظِيمُ . يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ  آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا   وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ .   يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ   فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ   الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ   الْغَرُورُ . فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ   الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ   الْمَصِيرُ) (الحديد:12-15).
 
 
(2) بذل الصحابة -رضي الله عنهم- مقبول -بإذن الله- في القليل والكثير: 
- في الآية شهادة من الله لهم ضمنًا: قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ).
- ففي هذه الغزوة جعل الناس يأتون بصدقاتهم؛ قليلها وكثيرها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ) (رواه البخاري تعليقًا).
 - جاء العباس بمالٍ كثيرٍ، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، وجاء أبو بكر بماله كله.
- وأما عثمان بن عفان:  فقد جاء بثلاثمائة بعير، مائة بعد مائة بأحلاسها وأقتابها، ثم جعل يأتي   بالزيادة كلما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يناشِد الناس حتى بلغت صدقته  900 بعير ومائة فرس، ثم جاء قبْل الخروج إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس فنثر في حجره ألف دينار، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-   يقلبها وهو يقول: (مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ اليَوْمِ) مَرَّتَيْنِ. (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
 -  ولقد سارع الصحابة -رضوان الله عليهم- بصدقاتهم ونفقاتهم لتجهيز جيش  العسرة، ولما رأى فقراء المسلمين ما بذل إخوانهم، اشتاقوا -رغم فقرهم- إلى  أن يبذلوا وينفقوا، ولم يتعللوا ويعتذروا بفقرهم: قال ابن حجر -رحمه الله-:  "عن أبي مسعود قال: لما أُمِرْنا بالصدقة في تبوك كنا نتحامل، يحمل بعضنا  لبعض، فجاء أبو عقيل بنصف صاع"
- حتى الذي بلغ منهم الفقر غايته ولا يملك شيئًا يتصدق به:  قال عُلبة بن زيد بن حارثة -رضي الله عنه-: "اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق  به، اللهم إني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو  عِرْض"، ثم أصبح مع الناس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ) فقام عُلبة -رضي الله عنه-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَبْشِرْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني).
 - وهكذا بذل الصحابة غنيهم وفقيرهم -رضي الله عنهم- ما يملكون، يقينًا بأن الله سيجازيهم على ذلك:
 
 
(3) مِن مناقب أبي عقيل الأنصاري -رضي الله عنه-: 
- أبو عقيل هو الذي لمزه المنافقون لما جاء بصاعٍ من تمرٍ صدقة: فأنزل الله -تعالى- فيه الآية.
- قُتل أبو عقيل -رضي الله عنه- يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصّديق: ذكر ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن أسلم الهَمْداني، قال: لما كان يوم اليمامة، واصطفّ الناس للقتال، كان أوّل الناس جُرح أبو عَقيل الأنيفي، رُمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشَطَبَ في غير مَقْتَلٍ، فأُخْرِجَ السهم، ووهن له شقّه الأيسر لما كان فيه، وهذا أوّل النّهار وجُرّ إلى الرّحل فلمّا حَمِيَ القتال وانهزم المسلمون، وجازوا رحالهم، وأبو عقيل واهنٌ من جُرحه، سمع مَعن بن عديّ يصيح بالأنصار: الله، الله، والكَرَّةَ على عدوّكم، وأعنق مَعن يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار: أخْلِصُونَا أخْلِصُونَا، فأخْلَصُوا رجلًا رجلًا يُمَيّزُون. قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عَقيل قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نّوه المنادي باسمي! قال ابن عمر: فقلتُ: إنّما يقول: يا للأنصار، لا يعني الجرحى. قال أبو عَقيل: أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حَبْوًا! قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى مجرّدًا، ثمّ جعل ينادي: يا للأنصار ... كَرّةً كيوم حُنين! فاجتمعوا -رحمهم الله جميعًا- يقدِّمون المسلمين دُرْبَةً دون عدوّهم، حتى أقحموا عدوّهم الحديقةَ فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم. قال ابن عمر: فنظرتُ إلى أبي عَقِيل، وقد قُطعت يده المجروحة من المنكب، فوقع على الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا كلّها قد خلصت إلى مقتل، وقُتل عدوّ الله مُسيلمة. قال ابن عمر: فوقفتُ على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت: أبا عقيل فقال: لبّيك، بلسان مُلْتَاث، لمَن الدّبْرة؟! قال: قلتُ أبْشر، ورفعتُ صوتي، قد قُتل عدوّ الله، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله. قال ابن عمر: فأخبرتُ عمر بعد أن قدمتُ خبرَه كلّه، فقال: رحمه الله ما زال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمتُ من خيار أصحاب نبيِّنا -صَلَّى الله عليه وسلم-، وقديمَ إسلامٍ" (الطبقات الكبرى لابن سعد، 3/362).
 
 
خاتمة: 
 - تذكير بالآية وقصة النزول، مع الإشارة إلى التفسير العام ليشمل المعنى كل مكان وزمان.
 نسأل الله أن يجعل كيد المنافقين في نحورهم.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ـــــ
(1) وكان هذا البعث عندما أراد الخروج الى تبوك، وكان يريد -صلى الله عليه وسلم- جمع نفقات المعركة التي تأتى في ظروف شديدة الصعوبة كما سمَّاها القرآن وهو يثني على الصحابة: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) (التوبة:117)؛ ولذلك سُمِّي بجيش العسرة.
 (2)  وفي الرواية الأخرى: "وأقبل رجل من فقراء المسلمين من الأنصار، يُقَال له:  الحبحاب أبو عقيل، فقال: يا نبي الله، بِتّ أجرُ بالجَرِير على صاعين من  تمر؛ فأما صاع فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا. فقال له المنافقون: إن  كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل!" (الطبقات الكبرى لابن سعد، 3/362).

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (7) (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)
 

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (الأحزاب:36).
 
التفسير العام للآية:
لا يصح لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم بأمرٍ أن يكون لهم الاختيار في قبوله أو رفضه، ومَن يعصى الله ورسوله، فقد ضَلَّ عن الصراط المستقيم ضلالًا واضحًا (المختصر في التفسير).
 
قصة نزول الآية:
- ذكر في سبب النزول ثلاثة حوادث كلها في معنى واحد، وقد سبق التنبيه أنه قد يتعدد السبب، والعكس.
- فقيل: نزلت في زينب بنت جحش -رضي الله عنها-، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش لزيد بن حارثة -رضي الله عنه-، فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبًا، وكانت امرأة فيها حِدَّة، فأنزل الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ) الآية كلها(1).
- وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة -رضي الله عنها-، قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول من هاجر من النساء -يعني: بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: قد قبلت فزوجها زيد بن حارثة -يعني والله أعلم بعد فراقه زينب- فسخطت هي وأخوها، وقالا: إنما أردنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فزوجنا عبده! قال: فنزل القرآن: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا)" (تفسير ابن كثير).
- وقيل: في زواج جليبيب -رضي الله عنه-، فقد روى الإمام أحمد عن أنس -رضي الله عنه- قال: "خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " فَنَعَمْ إِذًا " قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لَاهَا اللهُ إِذًا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا جُلَيْبِيبًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ، فَأَنْكِحُوهُ قَالَ: ‌فَكَأَنَّهَا ‌جَلَّتْ ‌عَنْ ‌أَبَوَيْهَا، ‌وَقَالَا: ‌صَدَقْتِ. ‌فَذَهَبَ ‌أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ. فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ فُزِّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَكِبَ جُلَيْبِيبٌ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ ثَيِّبٍ فِي الْمَدِينَةِ!".
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب": أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمره؟ نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ... )".
 
وقفات حول الآية:
1- وجوب استسلام المؤمن لحكم الله والانقياد له، ولو كان مخالفًا لهواه:
- الشاهد من الآية وما جاء في سبب نزولها من المواقف الثلاثة للصحابة -رضي الله عنهم: قال ابن كثير -رحمها لله-: "فهذه الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ هاهنا، ولا رأي ولا قول".
- مقتضى الإسلام الانقياد والاستسلام لأوامر الله ورسوله: قال -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).
- الامتثال حقيقة التسليم، والصحابة خير مثال: ففي أمر تحريم الخمر قال أنس -رضي الله عنه-: " ... فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ، وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ القِلاَلَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا، وَلاَ رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ" (متفق عليه).
- وفي أمر الحجاب قالت عائشة -رضي الله عنها-: إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلا، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ، لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور:31)، انْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِنَّ فِيهَا، وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ، وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَتِهِ، مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا الْمُرَحَّلِ فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ، فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الصُّبْحَ مُعْتِجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ" (رواه ابن أبي حاتم).
- وفى نفس المعنى الذي نزلت فيه الآية: "أنَّ مَعقِلَ بنَ يَسارٍ كانت أختُه تحتَ رَجُلٍ فطَلَّقَها، ثمَّ خَلَّى عنها حتى انقَضَت عِدَّتُها، ثمَّ خَطَبَها، فحَمِيَ مَعقِلٌ مِن ذلك أنَفًا، فقال: خلَّى عنها وهو يَقدِرُ عليها، ثمَّ يَخطُبُها! فحال بينه وبينها، فأنزل الله: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:232)، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‌فَقَرَأَ ‌عَلَيْهِ ‌فَتَرَكَ ‌الْحَمِيَّةَ ‌وَاسْتَقَادَ ‌لِأَمْرِ ‌اللهِ. (رواه البخاري).
 
2- الدِّين كلٌّ لا يتجزأ:
- الإشارة إلى خطأ كثير من المسلمين، الذين يعتقدون أن الإسلام بعض المظاهر والعبادات: كالصلوات الخمس، والصيام، والحج والعمرة، وحسب ... أما إذا جاءتهم الأحكام الأخرى: كالحدود، وأحكام التوحيد والنهى عن الشرك، والنهى عن التشبه بالكفار، وموالاة المشركين، وترك المعاملات الربوية، وتحريم التبرج، والغناء والمجون، أو غيرها من الأحكام؛ ترى كثيرًا منهم يغضبون ويرفضون! قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) (البقرة 208)، وقال -تعالى-: (‌أَفَتُؤْمِنُونَ ‌بِبَعْضِ ‌الْكِتَابِ ‌وَتَكْفُرُونَ ‌بِبَعْضٍ ‌فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:85).
 
- صور من عظيم إيمان السلف بوجوب قبول كل ما جاء عن الله ورسوله، وإنكارهم على مَن تردد في ذلك:
1- عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ -رَضْيَ اللهُ عنه- قَالَ: نَهى رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: (إِنَّه لا يَقتلُ الصَّيدَ، ولا يَنْكأُ العدُوَّ، وإنَّه يَفقَأُ العَينَ، ويكسِرُ السِّنَّ) (متفق عليه). وفِي روايٍة: أنَّ قَرِيبًا لابنِ مُغفَّلٍ حَذَفَ؛ فنَهاه وقَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نَهى عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: (إِنَّها لا تَصِيدُ صَيدًا) فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، ‌لَا ‌أُكَلِّمُكَ ‌أَبَدًا. (رواه مسلم).
2- وعن ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا ‌تَمْنَعُوا ‌إِمَاءَ ‌اللهِ ‌مَسَاجِدَ ‌اللهِ)، فقال أحدُ أبنائه وهو بلالُ بن عبدِ الله بن عمر: "وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ"، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ: "أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَقُولُ: وَاللهِ ‌لَنَمْنَعُهُنَّ" (رواه مسلم).
3- و"كان هارون الرشيد -رحمه الله- معظِّمًا لما يبلغه عن رسول الله، وقَّافًا عند الحديث، وكان يستدعي أبا معاوية الضرير، محمد بن خازن؛ ليسمع منه الحديث، وربما كان يبكي عند سماع الحديث ويقول: صدق سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفى يوم من الأيام حدث عنده أبو معاوية بحديث: "احتج آدم وموسى..."، وفيه: وقال آدم: ... وقال موسى: ... " (رواه البخاري وغيره)، وعم الخليفة جالس عنده، فقال عمه: يا أبا معاوية، احتج آدم وموسى، أين التقيا؟! فما إن سمع هارون الكلمة حتى غضب وثار، وقال: عليّ بالسيف والنطع، -الجلد الذي تقص عليه الرؤوس-، فقام القوم يهدؤونه، فقال: يقول قال رسول الله، ثم تقول أين التقيا؟! فلا زالوا يهدؤونه، وما رضي هارون حتى حلف عمه بالأيمان المغلظة أنها مجرد خاطرة، وما سمعها من أحدٍ، وهارون يقول: هذه زندقة".
- بل كل مسلم سليم القلب والعقيدة، ولو كان من عامة الناس، يدرك أن الدين كامل مكتمل: قال ابن القيم -رحمه الله-: "سئل أعرابيّ: بمَ عرفت أن محمدًا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيءٍ فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به!" (مفتاح دار السعادة).
خاتمة:
- تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى عظيم انقياد الصحابة -رضي الله عنهم-.
نسأل الله أن يجعلنا مِن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهكذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل: أنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمولاه زيد بن حارثة".

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

 
 
وقفات مع آيات (8) (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ .)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -تعالى-: (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 128-129).


سبب نزول الآية:
- قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: (*كَيْفَ *يُفْلِحُ *قَوْمٌ *فَعَلُوا *هَذَا *بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ)، فأنزل الله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (راواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
- وقال البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).


التفسير العام للآية:
- ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله -تعالى- وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم، ومَن بقيَ على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه، ولله وحده ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية).


وقفات حول الآية:
(1) الأمر كله لله وحده:
- العقيدة الإسلامية ترسِّخ أن الأمر كله لله وحده، وأن الرُّسُل مع عظيم قدرهم ومكانتهم لا يملكون قلوب العباد، وإنما عليهم أداء الرسالة بالهداية والإرشاد، وأما النتائج فليست لهم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، وقال: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد:40)، وقال: (لَيْسَ *عَلَيْكَ *هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (البقرة:242)، وقال: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص:56).
- الأنبياء -عليهم السلام- يعلِّمون البشرية التوجُّه الى الله أولًا وآخرًا: قال -تعالى- عن نبيه إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (الشعراء:75-82).
- إذا كان الأنبياء لا يملكون شيئًا في حكم الله وتقديره؛ فكيف بمَن دونهم مِن الأولياء والأموات في الأضرحة ونحوهم؟!(1): قال -تعالى-: (*وَمَنْ *أَضَلُّ *مِمَّنْ *يَدْعُو *مِنْ *دُونِ *اللَّهِ *مَنْ *لَا *يَسْتَجِيبُ *لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف:5-6)، وقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ *زَعَمْتُمْ *مِنْ *دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ:22).


(2) سعة رحمة رب العالمين:
- الأصل أن كلَّ مَن حارب دين الله وعاند الحق؛ فهو ظالم مستحق للعذاب والعقوبة: قال -تعالى-: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ😞 "أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)، أي: يستحقون ذلك" (انتهى).


- لكن واسع الرحمة -سبحانه- يمهلهم، بل ويقدِّر لهم مِن الأقدار ما يعينهم على التوبة: قال -تعالى-: (*قَالُوا *يَا مُوسَى *إِمَّا *أَنْ *تُلْقِيَ *وَإِمَّا *أَنْ *نَكُونَ *نَحْنُ *الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (الأعراف:115-122)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة" (تفسير ابن كثير).
- وقد تاب عامة مَن دعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-! فسبحان الذي بيده القلوب والهداية(2)، وفي قصة إسلام كل منهم وسيرته في الإسلام، ما يستوقف القلوب والعقول كثيرًا، مع هذه الآية الكريمة: (*لَيْسَ *لَكَ *مِنَ *الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).


- موقف لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- في الإسلام(3):
- عن أنس -رضي الله عنه-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى زَيْدًا، وجَعْفَرًا، وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ، قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقالَ: (أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ، حتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (رواه البخاري)، وعن قيس بن أبى حازم، قال: "سَمِعْتُ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ، يقولُ: لقَدْ دُقَّ في يَدِي يَومَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أسْيَافٍ، وصَبَرَتْ في يَدِي صَفِيحَةٌ لي يَمَانِيَةٌ" (رواه البخاري).


- موقف لعمرو بن العاص -رضي الله عنه- في الإسلام:
- روى مسلم عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قال: "حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، يَبَكِي طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ، وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، *ثُمَّ *أَقِيمُوا *حَوْلَ *قَبْرِي *قَدْرَ *مَا *تُنْحَرُ *جَزُورٌ *وَيُقْسَمُ *لَحْمُهَا، *حَتَّى *أَسْتَأْنِسَ *بِكُمْ، *وَأَنْظُرَ *مَاذَا *أُرَاجِعُ *بِهِ *رُسُلَ *رَبِّي" (رواه مسلم).


(3) حكم الدعاء على الكفار؟


الدعاء على الكفار على نوعين:
الأول: الدعاء على الكافر المعيَّن باللعنة، وهذا لا يشرع على الراجح مِن كلام أهل العلم(*)؛ لأن الملعون مطرود ومُبعَد عن رحمة الله -تعالى-، وهذا الكافر المعين الحي لا نعرف بما سيختم به حياته، فقد يكون ممَّن يوفقه الله للإسلام ويدخله في رحمته، والله -تعالى- ربط اللعنة بالموت على الكفر: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة:161).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-: "واختُلِف في لعن المعين منهم -الكفار-، والجمهور على المنع؛ لأن حاله عند الوفاة لا تُعْلَم، وقد شرط الله في ذلك الوفاة على الكفر بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام - مجموع الفتاوى - الآداب الشرعية).


- الثاني: الدعاء على الكفار بعمومهم، وله صورتان:


الصورة الأولى: الدعاء عليهم بالبلايا والمصائب؛ فهذا مشروع، وهو نوع من مدافعتهم، والرغبة في زوال الشَّر وأهله؛ لا سيما المحاربين منهم، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه دعا على طوائف من الكفار، وثبت عن الصحابة -رضوان الله عليهم- الدعاء على الكفار، ومن ذلك: ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجعلها عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (رواه البخاري)، وما رواه عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: (مَلأَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ).


الصورة الثانية: الدعاء على كلِّ الكافرين الذين هم فوق الأرض بالزوال والهلاك:
- فهذا على الصحيح لا يجوز، لأنه مِن الاعتداء في الدعاء: قال الله -تعالى-، مؤدِّبًا عباده في دعائهم ربهم: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (الأعراف:55).
- فمِن المعلوم أن الله قدَّر بقاء الكفار لحكمة منه -سبحانه وتعالى-، وعليهم تقوم الساعة كما ثبت في أحاديث صحيحة، ولأجل ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء بهلاك كل من فوق الأرض من الكافرين، هو دعاء بما قدَّر الله -تعالى- عدم وقوعه، والدعاء بما قدر الله عدم حصوله يعتبر اعتداءً في الدعاء، والمسلم منهي عن الاعتداء في الدعاء (انظر: فتاوى اللجنة الدائمة).
- وأما دعاء نوح -عليه السلام- على قومه: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) (نوح:26).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن مِن قومك إلا مَن قد آمن، ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أُومر بها، فإنه وإن لم يُنهَ عنها، فلم يؤمر بها، فكان الأولى ألا يدعو إلا بدعاء مأمور به، واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به، واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأمورًا به لكان شرعًا لنوح، ثم ننظر في شرعنا: هل نسخه أم لا؟" (مجموع الفتاوى).
- ولم يكن من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء على الكفار كافة، بل كان يخص المعتدين منهم، ومَن اشتد أذاه على المؤمنين، كما في الأحاديث التي مرّ ذكرها، أمّا مَن كان يرجو إسلامه فكان مِن هديه -صلى الله عليه وسلم- الدعاء له: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا‏؟ فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ‏! قَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ) (رواه البخاري)، وقد أدخل البخاري في صحيحه هذا الحديث في باب: "الدعاء للمشركين ليتألفهم". والله أعلم.


خاتمة:
- الآية اشتملت على معانٍ كريمة مِن أعظمها: بيان عقيدة التوحيد العظيمة، ومن أبرزها هنا: جانب الربوبية العظيم؛ حيث الخلق والأمر، والغيب، والتقدير لله رب العالمين وحده، (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).
- بيان عظيم رحمة رب العالمين، حتى إنه يمهل الكافر والعاصي لعله يتوب: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) وختمها بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
نسأل الله أن يتوب علينا، ويسترنا في الدنيا والآخرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يزعم بعض أهل البدع زعم المشركين قديمًا، مِن أن الأولياء أو الأئمة -عندهم- يملكون الضر والنفع، والخصائص الربانية!
(2) من أبرز هؤلاء: (خالد بن الوليد - عمرو بن العاص - أبو سفيان بن حرب - هند بنت عتبة - سهيل بن عمرو - صفوان بن أمية)، فيحسن ذكر موقف لكلٍّ منهم بعد إسلامه في حبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفدائه والذب عنه.
(3) إشارة إلى موقف خالد يوم أُحد، وكيف أنه كان السبب الأعظم في تغيير نتيجة المعركة لصالح المشركين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يجوز لعن المعين الكافر، والأولى تركه، وقد ثبت لعن الكافر المعين كما في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللَّهُمَّ العَنْ أَبَا سُفْيَانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ)، فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُمْ. (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقد تاب الله عليهم ولم يموتوا على الكفر، وليس الحديث منسوخًا، بل نزل قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)؛ لبيان أن هذا خلاف الأولى، ولكن ليس بمحرم أن يلعن الكافر بعينه. (د. ياسر برهامي).


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (9) وقفات دعوية مع قصة مؤمن آل فرعون

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:
- هي قصة تحكي حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، وهي ليست قصة نبي من الأنبياء، ولكنه مؤمن صادق الإيمان، قوي الحجة، يدعو إلى الله -عز وجل- بالحكمة والموعظة الحسنة، محتسبًا أجره من الله، ومفوضًا أمره إليه في مواجهة الطغاة والبغاة: قال -تعالى-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ . وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ . وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ . وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ . الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ . وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:26-46).


مَن هو مؤمن آل فرعون؟
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا مِن آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، وقال ابن جريج عن ابن عباس -رضي الله عنه-: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: (يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (القصص:20) (رواه ابن أبي حاتم). وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم، حين قال فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)، فأخذت الرجل غضبة لله -عز وجل-" (تفسير ابن كثير).


- فائدة تربوية: لم يذكر القرآن اسمه ولا صفته، وإنما ذكر أنه رجل مؤمن، إشارة الى أن الميزان عند الله بالإيمان والديانة وليس بالمنصب أو الجاه أو غيره، وتنبيهًا وتربية للمؤمنين على الإخلاص، والانشغال بمرضاة الله والعمل لدينه، لا للنفس والشهرة بين الناس.


الوقفة الأولى: الحرص على استمرار الدعوة إلى الله والمحافظة على حملتها:
- هذا ظاهر من موقف الرجل المؤمن وموقفه من الحوار الدائر في المجلس، فالفرعون الطاغية يستشير أعوانه في القضاء على دعوة نبي الله موسى -عليه السلام-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى).
- الرجل المؤمن يتدخل منكرًا في حكمة عظيمة: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ).
- لقد جعل المؤمن يقيم عليهم الحجة العقلية القوية: (وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ).
- تخليد القرآن لموقفه وأثره على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضى الله عنه-: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي بِفَنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَفْضَلُ ‌الْجِهَادِ ‌كَلِمَةُ ‌عَدْلٍ ‌عِنْدَ ‌سُلْطَانٍ ‌جَائِرٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).


الوقفة الثانية: من فقه الداعية (التدرج في إقامة الحجة):
- وهذا ظاهر في طريقة الداعية المؤمن الحكيمة: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).
- ثم جعل يرهبهم من زوال نعمة الله عليهم وحلول نقمته: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا).
- ثم ذكرهم بتاريخ مصر نفسها، وتشكيك مَن سبقهم في دعوة يوسف -عليه السلام-، ولولا أنهم آمنوا لهلكوا، ثم ما الغرابة في إرسال الرسل من بعده؟ (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ).
- ثم ذكرهم بتاريخ الأمم قبلهم، وكيف كان هلاكهم بسبب تكذيب الرسل: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ).
- ثم جعل يرهبهم من عذاب الآخرة، إذ لا ينفع الاتباع ولا المتبوعين في الباطل بعضهم بعضا: (وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).


الوقفة الثالثة: أهمية التوكل والاحتساب في سبيل الدعوة إلى الله:
- وهذا ظاهر من موقف المؤمن في مواجهة تهديداتهم ووعيدهم له.
- الرجل المؤمن يتحول إلى داعية محتسب ينشر دعوته في قومه، لاسيما بعد عناد الفرعون وتشغيبه على كلامه أكثر من مرة: قال -تعالى-: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ).
- ثم جعل يرقق قلوبهم ويطمعهم فيما عند الله لعلهم يستجيبون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ).
- ثم كانت الكلمة الأخيرة بإصرارهم على الكفر واتباع الفرعون وعبادة غير الله: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ).
- فكان زجرهم بسوء عاقبتهم وما سيكون من ندمهم إذا نزل العذاب، مع إظهار عدم المبالاة بتهديدهم ووعيدهم، مبينًا لهم أنه في حفظ وجناب مَن بيده كل شيء: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).


الوقفة الرابعة: بيان عاقبة الفريقين:
- الآيات شاهدة بحسن عاقبة المؤمن، وسوء عاقبة الطغاة المجرمين: قال -تعالى-: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ . إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ . يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ . وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود:96-99).
- المؤمن دائمًا رابح في الصراع مع الباطل ولو أزهقت نفسه في سبيل الله، فالمهم العاقبة: قال -تعالى- عن صاحب يس: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:26-27)، وقال عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) (التوبة:52)، وقال عن المؤمنين المحتسبين: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83)، وقال: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) (المؤمنون: 111).


خاتمة:
- عود على بدء، مِن الإشارة إلى تكريم القرآن للدعاة المخلصين، حيث يذكر خبر أحدهم في أعظم كتاب، مع أنه لم يكن من الأنبياء والمرسلين، ولكنها عاقبة الإخلاص والصدق في الزود عن دين الله وحملة الرسالات: (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ).
فاللهم اجعلنا هداة مهتدين.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (10) (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)


كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1).

موضوع الآية:
نزول حكم ظهار الرجل من امرأته(1).


قصة نزول الآية:
عن عائشة ـرضي الله عنهاـ قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ، وَهيَ تشتَكي زَوجَها إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَهيَ تقولُ: يا رسولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي، ظاهرَ منِّي، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ. فما برِحَتْ حتَّى نزلَ جِبرائيلُ بِهَؤلاءِ الآياتِ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)، قَالَتْ: وزوجها أَوْس بن الصَّامِتِ" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وفي رواية قالت خولة: " فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ صَامِتٍ أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَدْرَ سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَهُ، ‌وَكَانَ ‌شَيْخًا ‌كَبِيرًا ‌قَدْ ‌سَاءَ ‌خُلُقُهُ وَضَجِرَ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا فَرَاجَعْتُهُ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ... " (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني).


وقفات حول الآية:
(1) حرمة الظهار(2) وإثم فاعله:
كان الرجل في الجاهلية يصف زوجته بأنها أمه ليحرمها على نفسه، وكان ذلك في حكم الطلاق: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ).
فجاء الإسلام فبيَّن أن هذا الوصف من الكذب والزور، ولا تحرَّم المرأة بالكذب والزور، قال -تعالى-: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (المجادلة:2)(3).
ولذلك شرعت الكفارة من هذا الذنب بعد التوبة، وهو الذي جاء في سياق الآيات: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المجادلة:3-4)، وعن خويلة قالت: ... فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌مُرِيهِ ‌فَلْيُعْتِقْ ‌رَقَبَةً)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ، قَالَ: (فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: (فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ... ) (رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وحسنه الألباني).
ولا يجوز مس المرأة قبل التكفير: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) (المجادلة:3).
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه، فلا تحل له حتى يكفر بهذه الكفارة". وقال ابن عباس -رضي الله عنهما: "المس النكاح"، وكذا قال غير واحد من السلف. (تفسير ابن كثير).


(3) فضل التعبد لله بالأسماء والصفات:
عظيم تعبد أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بذلك: قالت وهي تروي القصة: "‌الْحَمْدُ ‌لِلَّهِ ‌الَّذِي ‌وَسِعَ ‌سَمْعُهُ ‌الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتْ خَوْلَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَشْكُو زَوْجَهَا، فَكَانَ يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، وفي الرواية الأخرى قالت: "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ".


وقفة مع اسم الله السميع:
سمع الله -تعالى- نوعان:


النوع الأول: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ ما يقصد به التهديد: قال -تعالى-: (‌أَمْ ‌يَحْسَبُونَ ‌أَنَّا ‌لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (الزخرف:80).
2 ـ ما يقصد به التأييد: قال -تعالى-: (إِنَّنِي مَعَكُمَا ‌أَسْمَعُ ‌وَأَرَى) (طه:46).
3 ـ ما يقصد به بيان الإحاطة: قال -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).


النوع الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين، فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله -تعالى-: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: "سمع الله لمَن حمده" أي: أجاب الله حمْد مَن حمِدَه، ودعاءَ مَن دعاه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (‌إِذَا ‌قَالَ ‌الْإِمَامُ ‌سَمِعَ ‌اللهُ ‌لِمَنْ ‌حَمِدَهُ، ‌فَقُولُوا: ‌اللهُمَّ ‌رَبَّنَا ‌لَكَ ‌الْحَمْدُ) (متفق عليه)، وفي رواية: (فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ‌يَسْمَعُ ‌اللهُ ‌لَكُمْ)؛ أي: يُجِبْكُمْ، فالسَّماع هنا بِمعنى: الإجابة والقبول، وعند التِّرمذي في سُننه: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِن دُعاءٍ لا يُسْمَع".


مِن آثار الإيمان بهذا الاسم العظيم:
- إذا علم العبد أن ربه يسمع كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيسمع حركاته وسكناته؛ حمله ذلك الاعتقاد على المراقبة للَّه -سبحانه- في جميع الأحوال، وفي جميع الأمكنة والأزمنة، فيمسك عن كل قول لا يُرضي ربه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا بخير: قال -تعالى-: (وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طه:7).
- إذا علم العبد أن اللَّه هو السميع الذي يسمع المناجاة، ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء، ويقبل الطاعة؛ أقبل عليه بالدعاء واليقين بالإجابة، مقتديًا بالأنبياء والمرسلين في سؤالهم بهذا الاسم العظيم: ففي دعاء إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:127)، وفي دعاء زكريا -عليه السلام- أن يرزقه اللَّه ذرية صالحة: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، وفي دعاء يوسف -عليه السلام- أن يصرف عنه كيد السوء: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف:34).
- إن العبد إذا دعا ربه فسمع دعاءه سماع إجابة، وأعطاه ما سأله وعلى حسب مُراده ومطلبه، أو أعطاه خيرًا منه، حصل له بذلك سُرُور يمحو من قلبه آثارَ ما كان يجدُه مِن وحشة البُعد، فإنَ للعطاء والإجابة سرورًا وأنسًا وحلاوة، وللمنع وحشة ومرارة، فإذا تكرر منه الدُعاء، وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه، محا عنه آثار الوحشة، وأبدله بها أنسًا وحلاوة؛ قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ‌أُجِيبُ ‌دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (انظر تهذيب المدارج).


خاتمة:
تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى فائدة العلم بسبب النزول في فهم الآية.
والحمد للَّه رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) ذُكِر في فضل خولة بنت ثعلبة -رضي الله عنها-: ما روى ابن أبي حاتم: عن أبي يزيد قال: "لقيت امرأةُ عمر -يقال لها خولة بنت ثعلبة-، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري مَن هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفتُ عنها حتى تقضي حاجتها، إلى أن تحضر صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" (أخرجه ابن أبي حاتم، وهو منقطع بين أبي يزيد، وعمر بن الخطاب؛ كما قاله ابن كثير).
(2) قال ابن كثير في التفسير: "أصل الظهار مشتق من الظهر؛ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحدٌ من امرأته قال لها، أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقا، فأرخص الله لهذه الأمة، وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا، كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم، هكذا قال غير واحد من السلف" (تفسير ابن كثير).
(3) قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها مِن سائر المحارم من أختٍ، وعمٍة، وخالةٍ، وما أشبه ذلك" (تفسير ابن كثير).


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... )

كتبه/ سعيد محمود

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

 

فقد قال -تعالى-: (‌تَبَّتْ ‌يَدَا ‌أَبِي ‌لَهَبٍ ‌وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) (المسد).

 

 

قصة نزول الآية:

 

عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ ‌مُصَبِّحُكُمْ ‌أَوْ ‌مُمَسِّيكُمْ، أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) إِلَى آخِرِهَا. (متفق عليه)(1).

 

ـ ولم يكتفِ بذلك، بل طفق هو وزوجته "أم جميل" يعملان على تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم- وإيذائه: روى الإمامُ أحمد بسنده عن ربيعة بن عباد، قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ، وَهُوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا)، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ، ‌أَحْوَلُ ذُو ‌غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا لِي: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ. (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ).

 

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ😞 "كانت تضع الشوك في طريق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة، فقالت: لأنفقنّها في عداوة محمدٍ، فأعقبها اللّه منها حبلًا في جيدها من مسد النار".

 

وأخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "لما نزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) أقبلت العوراء "أم جميل" بنت حرب، ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول: ‌مُذَمَّمًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنها لن تراني، وقرأ قرآنًا اعتصم به، كما قال -تعالى-: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) (الإسراء: 45)، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم ترَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمتْ قريش أني ابنة سيدها، قال الوليد: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت، فقالت: تعس مذمم" (تفسير ابن كثير).

 

 

وقفات مع الآيات وقصة النزول:

 

 

(1) الآيات من الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة:

 

لقد أجرى الله بتقديره عدم إيمان أبي لهب آية ومعجزة على صدق رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن كثير: "قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة، ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله -تعالى-: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما؛ لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا سرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.

 

الله وحده الذي يملك هداية القلوب ويصرفها، فأبو لهب الشريف يرفض هداية البيان؛ لأن الله لم يقدر له هداية التوفيق: قال -تعالى-: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) (رواه مسلم).

 

مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان، هو على طريق هداية التوفيق التي بيد الله وحده: قال -تعالى-: (‌فَأَمَّا ‌مَنْ ‌أَعْطَى ‌وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل: 5-7)، وقال: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80).

 

 

(2) طبيعة وظيفة الداعي:

 

يراد مِن هذه الوقفة التنبيه على أن الداعي لا يَعمل في ميدانٍ واحدٍ، ولكنه يعمل في ميدانين -إصلاح نفسه، وإصلاح غيره- ونفسه واحدة وغيره كثير، والمحصلة أنه يعيش للناس أكثر من نفسه.

 

مشهد التكليف الأول واشتماله على كل ذلك: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر: 1-7).

 

شاهد التكليف في إصلاح نفسه ليحرز مرضاة الله ويصير للناس أسوة: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ).

 

ـ شاهد التكليف في إصلاح غيره، بالبلاغ وتحذير الناس من عذاب الله: (قُمْ فَأَنذِرْ).  

 

لذا فالداعي يعيش حياته كلها في تعب ومسئولية إلى آخر لحظة في عمره؛ لأن الناس لا يتوقفون عن الخطأ، قال -تعالى- لسيد الدعاة: (‌وَاعْبُدْ ‌رَبَّكَ ‌حَتَّى ‌يَأْتِيَكَ ‌الْيَقِينُ) (الحجر: 99).

 

- ولذا فالداعي إلى الله أشرف الناس وظيفة ومكانة، في قوله وعمله: قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).

 

كان الحسن البصري إذا تلا هذه الآية، قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في أجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ‌العُلَمَاءَ ‌وَرَثَةُ ‌الأَنْبِيَاءِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

 

 

(3) طبيعة طريق الدعوة:

 

أخطأ مَن يظن أنه طريق التعبُّد والتنسك بلا مشاكل ولا أذى، أو أنه طريق الشهرة والتعالي في الأرض: (الشاهد ما تقدَّم في سبب النزول، وكيف ظلت قريش تجابه الدعوة النبوية).

 

ـ المعاناة ومواجهة الصد والتكذيب، والإيذاء والعداء والتشهير والتضييق، وهذه هي طبيعة الطريق، وسنة الله في أوليائه المؤمنين وحملة دينة العظيم: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!)، قَالَ وَرَقَةُ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ" (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (إبراهيم: 13)(2).

 

ـ فلا بد للداعي من الصبر؛ لأنه سلاح بقاء الدعوات، ونيل الدرجات: قال الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور) (لقمان: 17)، وقال: (فَاصْبِرْ ‌كَمَا ‌صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف: 35)، وقال: (‌أُولَئِكَ ‌يُجْزَوْنَ ‌الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا) (الفرقان: 75)، وقال: (سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد: 24).

 

 

خاتمة:

 

تذكير بالآية وسبب النزول، والإشارة إلى عظيم جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، ففي جواب أبي لهب ما يدل على ذلك؛ فلقد أوذي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الله أشد الإيذاء، وظلَّ على ذلك حتى مات مِن أثر سمِّ اليهود -لعنهم الله-، فجزاه الله خير ما جزى به نبيًّا عن أمته.

 

ونسأله -تعالى- أن يجعلنا هداة مهديين، وأن يجمعنا مع سيد الدعاة في جنات النعيم.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "الأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه؛ فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتبة، وإنما سُمِّي: "أبا لهب"؛ لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.

 

(2) بل قد يكون أشد الأذى حاصل من أقرب الناس للداعي، قال -تعالى- في مناشدة النبي قرابته في الكف عن إيذائه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ‌الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى: 23).

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (13) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (النساء:43).

قصة نزول الآية:

ذكر السيوطي "في أسباب النزول" في سبب نزولها ثلاثة أسباب:

- الأول: قال: "روى أبو داود والنسائي والحاكم عن علي -رضي الله عنه- بسندٍ صحيح، قال: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا، فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ، فَأَخَذَتِ الخَمْرُ مِنَّا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (الكافرون:1-2)، "وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء:43).

- الثاني: قال: أخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي -رضي الله عنه- قال: "نزلتْ هذه الآية، قوله: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي" (حسنه ابن كثير).

- الثالث: قال: أخرج ابن جرير عن يزيد بن حبيب قال: "إن رجالًا مِن الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: (وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)".

وقفات مع الآية:
الأولى: مشروعية التدرج في التغيير:

- الشاهد مِن الآية كونها نزلت في مرحلة متوسطة بين التمهيد بالتنفير والختم بالتحريم: قال الله -تعالى- في مرحلة التمهيد والتنفير: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) (البقرة:219)، وقال -تعالى- في مرحلة الختم بالتحريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة:90-91).

- الواقع المرير يحتاج إلى التدرج عند التطبيق: قَالَتْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِين -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ لَا تَزْنُوا؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ (بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر:46)، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ"، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ. (رواه البخاري).

- مثال رائع: لما تولى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الخلافة، كان ابنه عبد الملك شابًا تقيًّا متحمسًا ينكر على أبيه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف والنظام لمَن كانوا قبله، فقال يومًا: مالك يا أبتِ لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!"، فكان جواب الأب الفقيه: "لا تعجل يا بني، فإن الله -تعالى- ذمَّ الخمر في القرآن مرتين، وحرَّمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق فيدعوه جملة فيكون مِن ذا فتنة".

- تنبيه مهم: "لا يُقال بعد استقرار الشريعة، بالتدرج في تنزيل أحكام الشرع على الناس، وإنما يُقال بمراعاة أحوال الناس عند التطبيق والتغيير".

الوقفة الثانية: تعظيم قدر الصلاة في الإسلام:

- كانت الخمر مباحة في كلِّ الأوقات، لكنها محرمة عند وقت الصلاة لعظيم قدرها عند الله وعند المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى).

- الصلاة يتابع بها العبد إيمانه زيادة ونقصانًا: فعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أوَّلُ مَا يحاسَبُ بهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصلاةُ فإنْ صَلَحَتْ *صَلَحَ *لَهُ *سائِرُ *عَمَلِهِ وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِهِ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني).

وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى الآفاق: "إن أهم أموركم عندي الصلاة، فمَن حفظها فقد حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمَن ترك الصلاة".

- الصلاة كفارة للسيئات وماحية للخطيئات: عن أبي ذر -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (إِنَّ العَبْد الْمُسلم ليصل الصَّلَاة يُرِيد بهَا وَجه الله *فتهافت *عَنهُ *ذنُوبه كَمَا يتهافت هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

- الصلاة مدرسة خلقية حيث استثنى الله المحافظين على الصلاة من أصحاب الأخلاق الذميمة: قال -تعالى-: (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا . إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا . وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا . إِلا الْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:19-23).

- الصلاة راحة وسعادة وتفريج وترويح عند الهموم: قال تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (الحجر:97-98)، وقال تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- الصلاة الوصية الأخيرة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: عن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَ *آخِرُ *وَصِيَّةِ *رَسُولِ *اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا كَانَ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

الوقفة الثالثة: نبذة من علوم القرآن (أسباب النزول):

- قال العلماء: قد يتكرر السبب في نزول الموضع الواحد، وقد يتكرر النزول في السبب الواحد.

مثال الأول: الآية التي بيْن أيدينا حيث تكرر السبب في نزولها:

مثال الثاني: ثلاث آيات في سورٍ مختلفةٍ نزلتْ على سببٍ واحدٍ، وهو: بيان مكانة المرأة في الإسلام.
- فعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران:195).

- وعنها -رضي الله عنها- قالتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَتْ: فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: وَأَنَا أُسَرِّحُ شَعْرِي، فَلَفَفْتُ شَعْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ بَيْتِي، فَجَعَلْتُ سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات ِ وَالْمُؤْمِنِين َ وَالْمُؤْمِنَات ِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب:35) (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ).

- وعنها -رضي الله عنها- قالتْ: "يَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا تَغْزُو النِّسَاءُ، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ المِيرَاثِ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) (النساء:32)" (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (14) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال- تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:2).


قصة الآية وسبب نزولها:
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روي أنها نزلت في الشيخين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، روى البخاري عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا، أبو بكر وعمر-رضى الله عنهما-، رفعا أصواتهما عند النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قَدِم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس -أخي بني مجاشع-، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع: لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر -رضي الله عنهما-: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردتُ خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآية حتى يستفهمه" (تفسير ابن كثير).


وقفات حول الآية:
(1) وجوب التأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
- عدم رفع الصوت عنده وبين يديه حيًّا وميتًا: قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ارتفعت أصواتهما، فجاء، فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا. وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره -صلى الله عليه وسلم-، كما كان يكره في حياته -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه محترم حيا وفي قبره صلى الله عليه وسلم" (انتهى).
- عظيم أدب الصحابة -رضي الله عنهم- بعد نزول الآية هو مثل يقتدى به لمن بعدهم: قال ابن كثير: "قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- قال: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)، وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه بما قال، فقال: لا، بل هو من أهل الجنة، قال أنس -رضي الله عنه-: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس -رضي الله عنه-، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل. وفى رواية: قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: وأنزل الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (الحجرات:3) (تفسير ابن كثير)(1).
- ومن الآية أيضًا: يؤخذ وجوب التأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعدم مخاطبته في حياته، كما يخاطب الناس بعضهم بعضًا (يا فلان - يا ابن عم - يا ابن أخي ... )، بل يُخَاطَب بسكينة ووقار وتعظيم: قال -تعالى-: (وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ)، وقال: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور:63).
- ويدخل في ذلك ذكره -صلى الله عليه وسلم- في غيبته أو بعد موته، فلا يذكر إلا بالتوقير والتعظيم: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4).
- فائدة: لم يخاطبه الله -سبحانه- إلا بوصف الرسالة أو النبوة، بل حتى عند العتاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ *مَا *أَحَلَّ *اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم:1).


(2) وجوب التأدب مع ورثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
- وهذا الأدب قد وعاه السلف حيث تجاوزوا به شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كل شيخ وعالم من العلماء، احترامًا لهم، حيث إنهم يحملون ميراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سنته، وهم حراس الدين وحُماته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين) (رواه البيهقي، وصححه الألباني).
- توقير العلماء علامة على الالتزام بالسنة: قال طاوس -رحمه الله-: "إن مِن السنة أن توقِّر العالِم" (جامع بيان العلم وفضله). وقال الأعمش -رحمه الله-: "كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير" (تذكرة الحفاظ)، وقال الربيع بن سليمان -رحمه الله-: "والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له" (مناقب الشافعي للبيهقي)، وقال يحيى البيكندي -رحمه الله تعالى-: "لو قدرتُ أن أزيد في عمر البخاري من عمري لفعلتُ، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموتَه ذهابُ العلم".
- توقيرهم بالخدمة وإكرامهم إعلاء للدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ من إِجْلَالِ الله إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فيه وَالْجَافِي عنه، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وعن الحسن قال: "رئي ابن عباس يأخذ بركاب دابة أُبي بن كعب، فقيل له: أنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟ فقال: إنه ينبغي للحبر أن يعظم ويشرَّف" (الجامع للخطيب).
- تجريحهم والتطاول عليهم أمر خطير؛ لأن جرح العالم ليس جرحًا شخصيًّا، فالذي يجرح العالم يجرح العلم الذي معه، ومَن جرح هذا العلم، فقد جرح إرث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر: قال -تعالى- عن المنافقين الذين طعنوا على حفظة القرآن من الصحابة -رضي الله عنهم-: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا *قَدْ *كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة:65-66).
- فليحذر الذين يسيئون إلى العلماء من مغبة ذلك في الدنيا قبل الآخرة: قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله تعالى-: "كل مَن أطلق لسانه في العلماء بالثلب، بلاه الله -عز وجل- قبل موته بموت القلب"، وقال ابن المبارك -رحمه الله تعالى-: "مَن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوة ذهبت مروءته"، وذكر رجلٌ عالمًا بسوء عند الحسن بن ذكوان -رحمه الله تعالى- فقال: "مه! لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله -تعالى- قلبك".
- ولا معصوم إلا مَن عصم الله وهم الأنبياء والملائكة، وعلى ذلك فيجب أن ندرك أن العالم معرض للخطأ، فنعذره حين يجتهد فيخطئ، ولا نذهب نتلمس أخطاء العلماء ونحصيها عليهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر" (متفق عليه)، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدَّق بشيء، وقال: "اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تذهب بركة علمه مني".


خاتمة:
- تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى أهمية معرفة قصة النزول في فهم الآية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1) قُتل -رضي الله عنه- شهيدًا في وقعة اليمامة، وعاش حميدًا، وسيدخل الجنة بشهادة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، قال القرطبي في تفسيره عن ابنة ثابت بن قيس: "فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله، ثم حفر كل واحد منهما حفرة فثبتا وقاتلا حتى قُتِلا، وعلى ثابت يومئذٍ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها ... وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه، فقال له: اني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لما قتلت بالأمس مرَّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ... وإن منزله في أقصى الناس، وفرسه يستن في طوله، أي: في لجامه وشكيمته، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدًا فمره أن يبعث فيأخذها، فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر، فقل له: إن عليَّ من الدَّين كذا كذا ... فليقم بسداده. فلما استيقظ الرجل من نومه أتى خالد بن الوليد فقصَّ عليه رؤياه، فأرسل خالد من يأتي بالدرع، فوجدها كما وصف ثابت تمامًا، ولما رجع المسلمون الى المدينة قصَّ المسلم على الخليفة الرؤيا، فأنجز وصية ثابت، وليس في الإسلام وصية ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو، سوى وصيّة ثابت بن قيس" (قال القرطبي: ذكره أبو عمر في الاستيعاب).


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (15) (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ ‌خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).


موضوع الآية:
بيان فضل المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم-.


قصة نزول الآية:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إلى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللهُ)، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَهَبَ إلى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، ‌وَنَطْوِي ‌بُطُونَنَا ‌اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (لَقَدْ عَجِبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، أَوْ ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ)، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (متفق عليه)، وفي رواية لمسلم: تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة -رضي الله عنه-.


تمهيد للوقفات:
الآية تدل على فضل الأنصار، وتشير للتي قبلها، والتي تدل على فضل المهاجرين، وهذا يأخذنا إلى جعل الفوائد كلها حول مكانة الصحابة -رضي الله عنهم-.
وقفات مع الآية:
(1) وقفة تاريخية للكلام عن مكانة الصحابة -رضي الله عنهم-:
- أرسل الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة ونورًا للبشرية: قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحديد:9)، فعاده قومه وتعرَّضوا له بالأذى، (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى:23).
- وتبعه قوم باعوا الدنيا واشتروا الآخرة، وتحملوا لذلك كل ألوان الأذى حتى هاجروا: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: 8).
- ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- استقبله قوم قدَّموا له ولأصحابه كل أنواع النصرة والإعانة: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِين َتَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إليهم وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).
- وقد استمر النبي -صلى الله عليه وسلم- يجاهد ويجاهد معه الصادقون والمفلحون: قال الله -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29).
- وبعد ثلاث وعشرين سنة من التربية والدعوة والجهاد مع نبيهم -صلى الله عليه وسلم- رحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد تمام الدين: قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3).
- ورغم شدة أمر الوفاة وعظيم المسئولية، استمرت الراية مرفوعة: قال أبو بكر -رضي الله عنه-: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)" (رواه البخاري)، وهكذا بقي دين الله يحمله أصحابه.
- وظلت الراية عالية ترفرف كل يوم على أرض جديدة للإسلام وتحقق بشارة القائد -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) (رواه مسلم).


(2) الصحابة من عوامل نجاح الدعوة الإسلامية:
- من خلال ما تقدَّم يظهر لنا أن نجاح الدعوة الإسلامية وانتشارها في الأرض كان له عوامل ثلاثة بعد توفيق الله -تعالى-:
أولها: المنهج الرباني الكامل: قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3).
ثانيها: شخصية رسول الله القائد وتفانيه في الدعوة إلى وفاته: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2).
ثالثها: الصحابة الذين نقلوا الدِّين ونشروه في العالم: قال -تعالى-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137).
- أعداء الدين من المبتدعة والمنافقين والكفرة والملاحدة يحاولون هدم الدعوة الإسلامية من خلال هدم هذه الأصول الثلاثة بطرق مختلفة، بحسب عقيدة كل طائفة منهم.
- الشيعة الرافضة يهدمون الإسلام من خلال هدم الأصل الثالث (الصحابة) حقدًا وقومية: قال الخميني في كتاب كشف الأسرار: "إن مثل هؤلاء الأفراد الحمقى والأفاكون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي الأمر!" (كشف الأسرار ص 107-108، نقلًا عن الفوائد البديعة)(1).

(3) سبق الصحابة للعالمين:
- سبقوا العالمين في كل المجالات "ولو زاد عليهم غيرهم في الكمية"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ) (متفق عليه).
أمثلة مختصرة:
أ- أسرع الناس استجابة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال أصحاب موسى لموسى -عليه السلام-: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24)، وقال أصحاب عيسي لعيسى -عليه السلام-: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:112)، وأما أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285)، وقالوا: "فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدْقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" (رواه الطبري في تفسيره، وابن كثير في البداية والنهاية).
ب- أشد الناس محبة واتباعا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: قال عنهم عروة بن مسعود -رضي الله عنه- لما رجع إلى قريش -وكان مشركًا يومئذٍ-: "أَيُّ قَوْمٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ تَعْظِيمَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، فَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَمَا يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ" (رواه البخاري).
ج- أعظم الناس بذلا لنفوسهم في سبيل الله -تعالى-: ذكر ابن سعد في طبقاته: "لما كان يوم اليمامة، كان أول مَن جرح أبو عقيل الأنصاري -رضي الله عنه-، رُمي بسهم وهن له شقه الأيسر حتى أوشكت يده على السقوط من كتفه، وحمل مع الجرحى إلي الرَّحل، فلما حَمِيَ القتال وانهزم المسلمون، نادي المنادي: يا للأنصار، الله الله، فنهض أبو عَقيل يريد قومه، فقال ابن عمر: ما فيك قتال، قال: قد نوَّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلتُ: إنما يقول يا للأنصار، لا يعني الجرحى، قال أبو عَقيل: أنا من الأنصار وأنا أجيبه ولو حَبْوًا، قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى ثم جعل ينادي: يا للأنصار كَرَّة كيوم حُنين، قال ابن عمر: فنظرتُ إلى أبي عَقِيل وقد سقطت يده، وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا، ووقفت عليه وهو صريع بآخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال: لبيك، بلسان مُلْتَاث، لمن الدّبْرة؟ قلتُ: أبْشر، قد قُتل عدوّ الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله" (الطبقات الكبرى لابن سعد، نقلًا عن أخلاق النصر للشيخ أحمد فريد).
- والخلاصة: لو لم يكن لهم إلا شهادة الله (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح:18)، ووعد الله (وَكُلا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى) (النساء: 95)؛ لكفى، ولا يضرهم طعن الطاعنين.


(4) اختلاف الصحابة كان مِن أجل الدِّين:
- إن أعداء الدِّين من المبتدعة والمنافقين والكفرة يتخذون مِن اختلاف الصحابة ذريعة لهدم الدعوة الإسلامية.
- بداية ... الاختلاف أمر قدري: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) (هود:118-119).
- إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- باختلافهم قبل وقوعه، وثناؤه على الطائفتين وإن اختلفا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) (رواه البخاري).
- كان خلافهم للدِّين وليس للدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)، مقتل عثمان -رضي الله عنه-، وانقسام الرأي السائغ بين معجِّل بالقصاص مِن قتلة عثمان، وهم أهل الشام، ومتريث حتى تتبيَّن الأمور وتستقر الدولة بعد ثورة الفجار، وقتلهم أمير الأبرار عثمان -رضي الله عنه-.
- إنصافهم في أشد حالات الخلاف يثبت ذلك: إنكار علي -رضي الله عنه- على قاتل الزبير -رضي الله عنه-، ذكر ابن كثير -رحمه الله-: "لما استأذن عمرو بن جرموز على علي -رضي الله عنه- بعد قتله الزبير يريد حظوة عنده، فقال له علي -رضي الله عنه-: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) (متفق عليه)، ولما رأى سيفَ الزبير، قال: إن هذا السيف طالما فرَّج الكرب عن وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (البداية والنهاية).


(5) من واجبنا نحو الصحابة:
- محبتهم والتعرف عليهم ومطالعة سيرتهم العطرة؛ فاتباعهم سبب الرضا: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة: 100).
- نشر فضائلهم والتعريف بمكارمهم، فهم القدوة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) (البقرة:137).
- الذود عن أعراضهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، "مِن وسائل الدفاع عنهم: الرد على الطاعنين، والتشنيع بهم وفضحهم، والمطالبة بمعاقبتهم ومقاطعتهم، وتفعيل كل الوسائل المتاحة مِن: مخاطبة الجهات الرسمية -الحملات الإلكترونية - النشرات - المحاضرات - الخطب- ... ".
- الدعاء لهم والترضي عليهم، وهو ما جاءت به الآية التالية للآية معنا: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا ‌غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر: 10).
فاللهم ارضَ عن الصحابة، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان انتصار المسلمين في معركة القادسية سنة 14هـ على الفرس، ثم سقوط دولة الفرس سنة 16هـ في عهد عمر الفاروق، من أعظم أسباب حقدهم وكيدهم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (16) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).


موضوع الآية:
- الثبات على الدِّين.


قصة نزول الآية:
- قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثيرٍ مِن الناس، واعتقدوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قُتِل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قصَّ الله عن كثيرٍ مِن الأنبياء -عليهم السلام-، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)".


فوائد حول الآية:


(1) البقاء للمنهج:
- العمل لدين الله لا يتوقف ولا يغيب بتوقف أو غياب الرموز، ولو كانوا أعظم الناس قدرًا: ذكر أصحاب السير: "أن أنس بن النضر مرَّ بنفرٍ مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
ونادى ثابت بن الدحداح يوم أُحد في قومه فقال: "يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قُتل، فإن الله لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم" (السيرة الحلبية 2/ 22)، "ومرَّ رجلٌ مِن المهاجرين برجلٍ مِن الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال: يا فلان: أشعرت أن محمدًا قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بَلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (زاد المعاد 2/ 96).
- لا تقل: ذهب الرموز وهم أفضل منا، وليس في الإمكان أحسن مما كان! لا، بل قد يجعل الله البركة فيمَن خلفهم، فيحققون ما لم يحققه السابقون: خالد بن الوليد يوم مؤتة يخلف القادة الثلاثة، ويأتي بأفضل مِن عملهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (رواه البخاري).
- أثر فهم نزول الآية بعد ذلك على الأتباع الشاكرين الثابتين: روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: "أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا"، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَرَجَ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَمَالَ إليه النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) قالت: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا".


(2) وجوب الثبات على الدِّين:
- حذر الله -سبحانه- المسلمين من التراجع وعدم الثبات بعد غياب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).
وللثبات جانبان:
أحدهما: الثبات على ملة الإسلام.
والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام.
أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين):
- النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني).
- مثال لهؤلاء الثابتين على الملة (عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه-): ذكر الإمام البيهقي -رحمه الله- قصته بسنده، قال: "وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَيْشًا إلى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلا، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسَرَهُ الرُّومُ، فَذَهَبُوا بِهِ إلى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ -وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَجَمِيعَ مَمْلَكَةِ الْعَرَبِ- عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْتُ، قَالَ: إِذًا أَقْتُلَكَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً، حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ إِذًا؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي تُلْقَى السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي، نَفْسٌ تُلْقَى فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-! قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَدَفَعَ إليه الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ" (شعب الإيمان للبيهقي).
- النوع الثانيً: كفار وملحدون تركوا الثبات على ملة الإسلام التي فطرهم الله عليها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللهُ: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ... ) (رواه مسلم).
- مثال لهؤلاء غير الثابتين على الملة (عبيد الله بن )، وكان قد هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضي الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام: فعن أمِّ حبيبة -رضي الله عنها- قالت: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلتُ: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدِّين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله ما خير لك! وأخبرتُه بالرؤيا التي رأت، له فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري).
تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبي سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري).
ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام (والناس فيه كذلك على نوعين):
النوع الأول:
- ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرِّطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن، والمعاناة والغربة، وإن خالفهم الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).
- وهم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام، ويعرفون أن الدنيا دار بلاء ومحنة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142)، وقال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2).
- أعظم مثال لهؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام: (إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان).
النوع الثاني:
- غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم).
- الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي، وغيره في أوساط المتدينين؛ فضلًا عن عامة المسلمين: يحكي أحد الدُّعَاة يقول: "أحدهم كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن ... ! وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا، وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم، وغيرهم كثير ... وهناك صور كثيرة لا تُحصَى عندي وعندكم، وعند الناس مِن التراجع!".
نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لا بد أن يتبادر إلى الأذهان، وهو: ما الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟ يُرجَى الرجوع إلى سلسلة "الثبات" خطية وصوتية على موقع: "صوت السلف"، وموقع: "أنا السلفي".

خاتمة:
- ذكر الآية والتفسير العام مرة أخرى. والإشارة إلى الفوائد جملة.
فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك.


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آيات (17) (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 7-8).


موضوع الآية:
- بيان شديد عداوة المنافقين للمسلمين وتعاليم الإسلام، وذكر شيء من صفاتهم.


قصة نزول الآيات:
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد ذكر غير واحد مِن السَّلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول، كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى ... قال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحدَّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يلوي رأسه، أي: لستُ فاعلًا ... وقال ابن إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقيم هناك اقتتل على الماء، جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلُنا وجلابيبَ قريش هذه إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على مَن عنده مِن قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد ابن أرقم -رضي الله عنه- فذهب بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو غليم-، وعنده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فأخبره الخبر، فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه؟، لا، ولكن نادِ يا عمر: الرحيل.
فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم، ولم يُثْبِت ما قال الرجل، وراح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير -رضي الله عنه-، فسلَّم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعزُ منها الأذلَ، قال: فأنت يا رسول الله، العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا، فسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين ... وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك(1)، فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي، وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقتُ فنمتُ كئيبًا حزينًا، قال فأرسل إليَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله قد أنزل عذرك وصدقك، قال: فنزلت هذه الآية: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) (المنافقون:7-8)" (انتهى من تفسير ابن كثير).


فوائد حول الآيات:
(1) المقصود بالنفاق وبيان أنواعه:
- قال ابن القيم -رحمه الله-: "أما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على مَن تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر) (مدارج السالكين).
- فأما الأول منهما -وهو أخطر النوعين-: فهو نفاق الاعتقاد، الذي يخلِّد صاحبه في النار، بل يجعله في الدركات السفلى من النار، وذلك بأن يُظهر صاحبُه الإيمانَ وهو في الحقيقة على الكفر الباطن، وقد يقر بوجود الله ويؤمن به، ولكنه لا يرى متابعة الرسول -عليه السلام- وتصديقه فيما أخبر به.
- وعلى هذا النوع كان عبد الله بن أبي بن سلول وطغمته من المنافقين: قال الله -تعالى- فيهم: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (المنافقون: 2).
- وهم مع ذلك معصومو الدم والمال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) (متفق عليه)، وقال منكرًا على أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: (أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ... ) (متفق عليه).
- إلا إنهم كفار في الأخرة، متوعدون بأشد العذاب: قال الله -تعالى-:(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140)، وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).
- ولا تجوز الصلاة عليهم لمَن تحقق عنده كفرهم، وقد قال -سبحانه- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- ألا يصلي على أحدٍ مات منهم أبدًا، لما اطلعه على أسمائهم، وكفرهم: (‌وَلَا ‌تُصَلِّ ‌عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة:84).
- وأما النوع الثاني من النفاق: فهو الذي لا يُخرِج الإنسانَ من الدِّين، ولكنه من أكبر الذنوب والمعاصي، وهو النفاق العملي.
- ومن أمثلته: الرياء، والكذب والغدر، وعدم الوفاء بالوعد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- -: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).
- فاحذروا النفاق والمنافقين وخداعهم، واحذروا التخلق بأخلاقهم فإنه خطر عظيم وجر إلى الكفر والخسران والبوار.


(2) شدة عداوة المنافقين للإسلام والمسلمين:
- للمسلمين أعداء كثر، ولكن المنافقين أشدهم وأخطرهم: قال -تعالى-: (‌هُمُ ‌الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4).
- سبب اختصاصهم بأشد العداوة للمسلمين من وجوه:
1- حرب الكفار علينا أيام، وحرب المنافقين على الدوام؛ لأنهم يعيشون بيننا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم: (هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا) (متفق عليه).
2- حرب الكفار علينا معلنَة، فيتحفز المسلم ويأخذ حذره، وحرب المنافقين في الغالب مستترة، وهي أشر.
3- الكفار لا يطلعون على عوراتنا ونقاط ضعفنا، بخلاف المنافقين.
4- وأعظم ذلك كثرة حديث القرآن عنهم؛ تحذيرًا من شرهم، وعظيم خطرهم:
- سورة التوبة (129) آية، منها: 100 آية تتحدث عن صفات المنافقين؛ ولذا سُمِّيت الفاضحة، وافتتحت سورة البقرة في صدر المصحف بالكلام عن أصناف العالم الثلاثة في نحو عشرين آية، فكان نصيب المؤمنين أربع آيات، والكافرين آيتين، والمنافقين ثلاثة عشر آية! 43 آية من الآيات الطوال في القرآن تتحدث عن المنافقين! 17 سورة مدنية من 30 تتحدث عن المنافقين! (مدارك السالكين لابن القيم).


وقفة مهمة:
- كل ذلك وهم يومئذٍ ثلاثة في الألف في مجتمع المسلمين، قال كعب بن مالك في قصة تخلفه في غزوة تبوك: "وكانوا بضع وثمانين رجلًا"؛ فكيف وقد صاروا كثرة في مجتمعات المسلمين بعد ذلك؟! سمع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقكم مِن قلة السالك" (مدارج السالكين لابن القيم)، وقال -رضي الله عنه: "الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْلِنُونَ"، وقال مالك -رحمه الله-: "النفاق في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الزندقة في زماننا" (مدارج السالكين لابن القيم).


(3) من أبرز صفات المنافقين:
أ‌- قلوبهم ممتلئة بالشبهات والشكوك التي أهلكتهم: قال -تعالى-: (‌فِي ‌قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)، (أمثلة عصرية: الهجوم على ثوابت الدين: كالحدود، والمواريث، وفتنة القبر، ونحو ذلك)(2).
ب‌- يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف: قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُون بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67)، (أمثلة عصرية: منع الحجاب أو النقاب مع إباحة العري! - دعاء الركوب في الطائرة عندهم عنصرية، والموسيقى تحضر وحرية! - سماع القرآن أثناء العمل عندهم منكر! وسماع الموسيقى عندهم معروف! - المناداة بمنع مادة الدِّين مِن الدراسة!).
ت‌- يبغضون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ‌تَعَالَوْا ‌إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)(النساء:61) (أمثلة عصرية: قول بعضهم الشريعة رجعية - لا تدخِلوا الدِّين في حياتنا).


(4) وضوح قضية الولاء والبراء عند الصحابة -رضي الله عنهم-:
- قال ابن كثير -رحمه الله- بعد الآية: "وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وذكر عكرمة: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: ما لك؟! ويلك! فقال: والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -وكان إنما يسير ساقة- فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أما إذا أَذِن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجز الآن. وقال الحميدي في مسنده: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأعز وأنا الأذل" (انتهى من تفسير ابن كثير).
- علِّموا واعتقدوا مِن غير شك، حرمة موالاة الكافرين ونصرتهم، ولو كانوا من أقرب الناس إليهم نسبًا: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ‌عَدُوِّي ‌وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1).
نسأل الله -تعالى- أن يخلِّص البلاد والعباد من شرور المنافقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الحافظ في الفتح: "والذي عليه أهل المغازي، أنها غزوة بني المصطلق، ويؤيده حديث جابر".
قلتُ: "ومما يؤيد ذلك أيضًا: أن المنافقين لم يخرجوا في تبوك، وقعدوا ونزلت فيهم سورة التوبة، تفضحهم بالقعود".
(2) فيتهمون كلَّ مَن يتمسك بالدِّين بالرجعية والتخلف، والجمود العقلي!


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (18) (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ) (يس: 12).


موضوع الآية:
- التحريض على الأعمال الصالحة التي تترك آثارًا بعد الموت والرحيل عن الدنيا.


قصة نزول الآية:
قال ابن كثير -رحمه الله-: "ورد في ذلك أحاديث:
- الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد"، قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم" (أخرجه أحمد ومسلم).
- الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن آثاركم تكتب"، فلم ينتقلوا. (أخرجه ابن أبى حاتم والترمذي، وقال الترمذي: حسن غريب)، وروى الحافظ البزار عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بُعد منازلهم من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فأقاموا في مكانهم.
- الحديث الثالث: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فثبتوا في منازلهم" (أخرجه الطبراني)".


التفسير العام للآية:
إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة، ونكتب ما عملوا من الخير والشر في حياتهم، وآثارهم التي كانوا سببًا فيها في حياتهم وبعد مماتهم مِن خير، ومِن شر، وكلَّ شيء أحصيناه في كتابٍ واضحٍ هو أمُّ الكتب، وإليه مرجعها، وهو اللوح المحفوظ؛ فعلى العاقل محاسبة نفسه، ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته (انتهى بتصرف من المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات).


تمهيد مهم بين يدي الوقفات:
قال المفسرون -رحمهم الله- في قوله -تعالى-: (وَآثَارَهُمْ)، قولان:
أحدهما: أن المراد بذلك آثار خُطَاهم إلى الطاعة أو المعصية.
والقول الثاني: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. (تفسير ابن كثير).
قلتُ: وقصة النزول تشهد للقول الأول، وصدر الآية يشهد على الشمول للقولين، والله أعلم.


وقفات حول الآية:
(1) حول القول الأول:
- خطى الإنسان وسعيه في الدنيا بالخير والشر مكتوبة عليه عند الله: قال الله -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني سلمة: "دياركم ... تكتب آثاركم"، وقال قتادة: "لو كان الله تعالى مغفلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار" (تفسير ابن كثير).
- لذلك فالصالحون يتنافسون في تكثير الخطى في سبيل الله: فعن جابر رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "ما اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ في سَبيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ"، قَالَ فَتَوَاثَبَ النَّاسُ عَنْ دَوَابِّهِمْ فَمَا رُؤِيَ أَكثر مَاشِيا من ذَلِك الْيَوْم" (رواه ابن حبان). وعن يزيد بن أبي مريم قال: "لحقني عباية بن رفاعة بن رافع، وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن اغبرت قدماه في سبيل الله، فهما حرام على النار" (رواه البخاري).
- بل يتكلفون ذلك احتسابًا للأجر: " لما خرج جيش أسامة -رضي الله عنه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرج أبو بكر رضي الله عنه- حتى أتى الجيش، فأشخصهم وشيعهم، وهو ماشٍ على قدميه، وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يقود دابة أبو بكر -رضي الله عنه-، فقال له أسامة -رضي الله عنه-: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال: والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مئة حسنة، تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وترفع عنه سبع مئة خطيئة. (مختصر طريق دمشق لابن منظور، تاريخ الطبري لابن جرير الطبري).
وروى ابن جرير عن ثابت، قال: "مشيت مع أنس -رضي الله عنه- فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رُويدًا، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيتُ مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شعرت أن الآثار تكتب؟".
- أما أهل الفساد والغفلة... فهم يتنافسون في تكثير الخطى في الباطل، أو الصد عن سبيل الله(1): قال الله -تعالى- عن مشركي مكة يوم بدر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط) (الأنفال: 47).
- فيا أخي ... كن من الصالحين ولا تكن من الغافلين والفاسدين، واجعل آثارك وخطاك في سبيل الله: (فكم من أناس جيشوا الجيوش، وكانت الخطى والآثار للحرب على الإسلام، أو لصالح أعداء الإسلام، وكم من أناس من المنصرين كثروا الخطى في إفريقيا وغيرها، وكم من أناس كثروا الخطى في الأسفار إلى بلاد المعاصي، وأماكن المعاصي؛ فكل ذلك وآثاره بعد موتهم يكتب عليهم: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).


(2) حول القول الثاني:
- هذا القول أعم وأشمل: قال سعيد بن جبير: (وَآثَارَهُمْ)، يعنى: "ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم"، وقال مجاهد: (وَآثَارَهُمْ)، "ما أورثوا من الضلالة" (تفسير ابن كثير).
- ينبغي على كل عاقل أن يحرص على الأعمال التي يبقى للعبد أجرها بعد وفاته ورحيله من هذه الدنيا الفانية، قال -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ، ومالُهُ، وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ) (متفق عليه).
- وإذا كان هناك أعمال صالحة تبقى حسناتها جارية بعد الرحيل، فكذلك هناك أعمال سيئة تبقى سيئاتها جارية بعد الرحيل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شيءٌ) (رواه مسلم).
- ويظهر أثر العمل الصالح من الفاسد بعد الرحيل عند أول منازل الآخرة: ففي حديث البراء الطويل: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح"، وعلى الجهة الأخرى: "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).


الخلاصة: (اترك أثرًا صالحًا قبل الرحيل):
- سل نفسك: ما آثارك لو جاءك الموت الآن؟ وكم غرسًا للخير غرست؟ وكم ضالًّا عن الحق هديت؟ وكم سبيل من سبل الخير سبلت؟! واجتهد أن تكون من الذين خلدوا من بعدهم آثارًا صالحة من المكارم والصالحات.
قال الشاعر:
قـد ماتَ قـومٌ وما ماتَـت ْمـكارِمُهم وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ
- اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك، وسل نفسك دائمًا: أين أنا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين فتحوا البلاد، ونشروا الإسلام والدِّين والسنة؟ وأين أنا من الأئمة الذين ملأوا الأرض علمًا ودعوة وتصانيفَ وعلومًا، الذين ما زالت الدنيا تترضى وتترحم عليهم؟ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان) (الحشر: 10)، (كم من الحسنات والرحمات والدعوات تعود للبخاري، وللشافعي، ولأحمد وغيرهم من الأئمة؟ وقد رحلوا عن الدنيا منذ مئات السنين، ولا تزال تصلهم الحسنات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).
- اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك ولو كان يسيرًا، فالأجور يعطيها مَن كان كريمًا شكورًا: "يحكي أحد الدعاة: أنهم في التسعينيات افتتحوا مسجدًا صغيرًا، ولما كان يوم الجمعة كان المسجد لا يكفي الناس، وكان بجوار المسجد ورشة لتنجيد المفروشات، هي لأحد أهل المسجد، فكلَّم هذا الداعي صاحب الورشة -رحمه الله- أن يسمح لهم يوم الجمعة بجزءٍ من الورشة لاستقبال بعض المصلين ساعة الجمعة فقط، فما كان من هذا الرجل -رحمه الله- إلا أن قال: كيف تستأذنني؟ والله من اليوم هذا الجزء يدخل إلى المسجد، ثم أمر العاملين عنده بنقل أدوات العمل فورًا، وتم تجهيز المكان، ودخل في المسجد، وهو إلى يومنا هذا ينتفع به المصلون، وحفظة القرآن، حيث خصص بعد توسعة المسجد ليكون مقرأة لتحفيظ القرآن للأطفال! ولقد مات الرجل المتصدق هذا منذ سنواتٍ كثيرةٍ، ولا يزال أثره يجري عليه -بإذن الله- بالأجر والثواب" (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
- ويحكي أحد الدعاة في قصة التزامه السنة والدعوة، وسبب ذلك، وهو: أن رجلًا من قرابته من عامة الناس، كان يرتاد مسجدًا كل جمعة لأحد الوعاظ المشاهير في الثمانينيات، فدعاه إلى الصلاة معه في هذا المسجد، وسماع الشيخ، فذهب معه، ومن يومها أطلق لحيته وصار يحفظ القرآن، ثم انتقل إلى مدارس المنهج السلفي، حتى صار أحد دعاة المنهج السلفي على مدى ثلاثين عامًا تقريبًا! وقد مات الرجل الذي دعاه منذ سنوات، ولا تزال الحسنات تصل إليه بأثر هداية هذا الداعية! (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
- احذر ... أن تترك أثرًا فاسدًا ولو كان يسيرًا، فالآثار السيئة واللعنات هي التي ستلاحقك بعد الرحيل(1): (وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها)، وقال -تعالى- عن أمثالهم: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِين) (القصص:42)، وقال -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب) (المسد:1)، وقال -تعالى-: _وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود:60).


(3) أعمال تبقى آثارها الصالحة بعد الرحيل:
- الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).
- نشر العلم النافع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه ... ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، (إن لم تكن عالمًا؛ فأعن طلبة العلم النبهاء تشاركهم في الآثار الصالحة).
- الصدقة الجارية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ أجرَى صدقةً فأجرُها لهُ ما جَرتْ ... ) (رواه أحمد، والطبراني).
- الولد الصالح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ ترك ولدًا صالحًا يدعو له) (رواه أحمد والطبراني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ -عزَّ وجلَّ- ليرفَعُ الدَّرجةَ للعبدِ الصَّالحِ في الجنَّةِ فيقولُ: يا ربِّ، أنَّى لي هذِهِ؟! فيقولُ: باستِغفارِ ولدِكَ لَكَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).
- الموت في حراسة ثغور الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ) (رواه مسلم).


خاتمة:
- الدنيا قصيرة الأجل، فاحرص على اغتنام عمرك في الآثار الصالحة، لتكون لك بعد موتك: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين) (يس:12).
اللهم أحسن خاتمتنا، وأصلح آثارنا من بعدنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) أمثلة على الآثار الفاسدة: (مَن أسسوا النظم والمبادئ الفاسدة: كالعلمانية، والليبرالية، ونحوها، وكالذين عبثوا بهوية الأمة الإسلامية فأدخلوا عليها التغريب والقوانين الوضعية وغيرها، وكأصحاب المعاصي الجارية: كالأفلام، والمسلسلات، والأغاني، ونحوها... )، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).


صوت السلف
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (19) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ... )

      
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال - تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) (الأحزاب:53).
قصة نزول الآية:
قال ابن كثير -رحمه الله-:"كان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزينب بنت جحش، التي تولَّى الله -تعالى- تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة، والواقدي، وغيرهما.
قال البخاري عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "لما تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام مَن قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) الآية".

وفى رواية أخرى قال أنس: "ولقد رأيتنا حين دخلت زينب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واتبعته، فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووعظ القوم بما وعظوا به، (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب:53)، الآية كلها.

التفسير العام للآية:
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تدخلوا بيوت النبي إلا بإذنه لتناول طعام، غير منتظرين نضجه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا غير مستأنسين لحديث بينكم؛ فإن انتظاركم واستئناسكم يؤذي النبي فيستحيي من إخراجكم من البيوت مع أن ذلك حق له، والله لا يستحيي من بيان الحق وإظهاره، وإذا سألتم نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجة من أواني البيت ونحوها، فاسألوهن من وراء ستر؛ ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال؛ فالرؤية سبب الفتنة، وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد موته أبدًا؛ لأنهن أمهاتكم، ولا يحلُّ للرجل أن يتزوج أمَّه، إنَّ أذاكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونكاحكم أزواجه من بعده إثم عظيم عند الله، وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه منه) (المختصر في التفسير -مركز تفسير للدراسات القرآنية).

فوائد حول الآية(1):
1- حقوق المضيف على الضيف(2):
- لقد أمر الإسلام بإكرام الضيف، حتى جعلها عبادة، وعلامة على الإيمان:قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) (متفق عليه).
- وفي المقابل، فهناك جملة من حقوق المُضيف على الضيف منها:
1- الاستئذان في الدخول:قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ)، قال الشوكاني -رحمه الله-: "نهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخل في النهى سائر المؤمنين".
2- الحضور في الموعد المحدد:(إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا).
3- ألا يطيل البقاء بما يحرج مضيفه، ما لم يأذن بذلك: قال -تعالى-: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أنْ يُقِيمَ عِنْدَ أخِيهِ حتَّى يُؤْثِمَهُ) قالوا: يا رَسولَ اللهِ، وكيفَ يُؤْثِمُهُ؟ قالَ: (يُقِيمُ عِنْدَهُ ولا شيءَ له يَقْرِيهِ بهِ) (متفق عليه).
4- ألا يصطحب معه من لم يأذن له المُضيف، فإن فعل استأذن له:عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- قال: إن رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ له: أَبُو شُعَيْبٍ، وَكانَ له غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَرَفَ في وَجْهِهِ الجُوعَ، فَقالَ لِغُلَامِهِ: وَيْحَكَ، اصْنَعْ لَنَا طَعَامًا لِخَمْسَةِ نَفَرٍ، فإنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَامِسَ خَمْسَةٍ، قالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ وَاتَّبَعَهُمْ رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ، قالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ هذا اتَّبَعَنَا، فإنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ له، وإنْ شِئْتَ رَجَعَ) قالَ: لَا، بَلْ آذَنُ له يا رَسولَ اللَّهِ. (متفق عليه).
5- النصح للمضيف في استبقاء ما ينفعه وأهله، لا سيما عند الحاجة:ففي قصة ضيافة أبى الهيثم -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبية وأنه: فَجَاءَهُمْ بعِذْقٍ فيه بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقالَ: كُلُوا مِن هذِه، وَأَخَذَ المُدْيَةَ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكَ، وَالْحَلُوبَ)، فَذَبَحَ لهمْ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذلكَ العِذْقِ وَشَرِبُوا ... " (رواه مسلم).
6- عدم التلصص على عورات أهل البيت:عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: دَخلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ، وَمَعَهُ قَوْمٌ، وَفِي الْبَيْتِ امْرَأَةٌ، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ يَنْظُرُ إلى الْمَرْأَةِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ‏: ‏ "لَوْ انْفَقَأَتْ عَيْنُكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ" (رواه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني).
7- الدعاء للمضيف: عن أنس -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءَ إلى سَعدِ بنِ عُبادةَ، فَجاءَ بِخُبزٍ وزيتٍ، فأكلَ، ثمَّ قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أفطرَ عندَكُم الصَّائمونَ، وأكلَ طعامَكم الأبرارُ، وصلَّتْ عليكُم الملائكةُ) (رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني).

2- تدابير إسلامية لسد ذريعة الفتنة بالنساء:
- لقد اشتملت الآية على حكم وأدب آخر، وهو الحجاب:قال الله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
- من عظيم تشريعات الإسلام في سد منابع فتنة النساء، فرض الحجاب ومنع الاختلاط؛ لما في ذلك مِن عفة وطهارة:قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ).
- لذلك فإن دعاة الضلالة، وأهل الفساد، يحاولون دائمًا تشويه الحجاب بأساليب شيطانية، فليحذر المسلمون منهم: قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء:27).
- على المرأة المسلمة أن تتقى الله في نفسها بالتزام حجاب ربها، لكيلا تعرض نفسها لسخط ربها وعقابه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ من أهلِ النارِ لمْ أَرَهُما بَعْدُ) وذكر: (ونِساءٌ كَاسِياتٌ عَارِياتٌ، مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ، لا يَدْخُلَنَّ الجنةَ، ولا يَجِدَنَّ رِيحَها، وإِنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسِيرَةِ كذا وكذا) (رواه مسلم باختلافٍ يسيرٍ).
- وعلى أولياء النساء أن يتقوا الله في نسائهم؛ لأن فساد كثيرٍ من النساء وتبرجهن، راجع إلى تهاون أوليائهن من الرجال، وفقدانهم نخوة الرجولة، والغيرة على الحريم:قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه، حفِظ أم ضيَّع، حتَّى يسألَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه) (رواه النسائي وابن حبان، وصححه الألباني)، وخطب علي بن أبي طالب في الناس يومًا، فقال: "أمَا تَغارون أنْ يَخرُجَ نِساؤُكُم -وفي روايةٍ: ألَا تَستَحْيون أوْ تَغارون-؛ فإنَّه بَلَغَني أنَّ نِساءَكُم يَخرُجْنَ في الأسواقِ يُزاحِمْنَ العُلوجَ" (رواه الإمام أحمد في المسند).

- مواقف مشرفة في الغيرة على الحريم:
1- غيرة الزبير -رضي الله عنه-: ذكر أبو عمر في التَّمهيد: أنَّ عمر-رضي الله عنه- لما خطب عاتكة بنت زيد، شرطت عليه ألّا يضربها، ولا يمنعها من الحقّ، ولا من الصّلاة في المسجد النبويّ، ثم شرطت ذلك على الزّبير، فتحيَّل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرّت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: "إنا للَّه! فسد النّاس! فلم تخرج بعد" (الإصابة - أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير المؤرخ).
2- غيرة رجل صالح -رحمه الله-:ذكر ابن كثير في حوادث سنة 286هـ قال: "مِن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة، أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري، فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه، وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة"، وزاد الحافظ السمعاني في الأنساب: "فقال القاضي وقد أعجب بغيرتهما: يكتب هذا في مكارم الأخلاق" (البداية والنهاية، نقلًا عن عودة الحجاب - د. محمد إسماعيل).
3- من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بزوجاته(3):
- أن زوجاته -رضي الله عنهن- أمهات للمؤمنين:وقال -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) (الأحزاب:6).
- أنهن لا يحل الزواج منهن مِن بعده:قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا).
- وأنهن أفضل نساء الأمة:قال -تعالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا).
- وأنهن من آل البيت:(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب:34).
- أنهن لا يسألهن أحد ولا يخاطبهن إلا من وراء ستار أو جدار(4):قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ).

خاتمة:
- تذكير بالآية وما تحمله من أحكام وآداب:قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تمالأن عليه في الغيرة: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ) (التحريم: 5)، فنزلت كذلك.
فاللهم صلِّ على محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- مؤدب البشرية، وعلى آله وصحبه وأزواجه أمهات المؤمنين، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارة إلى أن الآية تحمل آدابًا كريمة يغرسها الإسلام في نفوس أتباعه، وهي الفوائد التالية.
(2) يحسن الإشارة إلى الشاهد، وهو تجاوز أضياف النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعضهم حقوق المضيف.
(3) تجدر الإشارة إلى موضوع خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم- في جملة وعبارة مختصرة جدًّا، مثل: أن ما اختص به -صلى الله عليه وسلم- على أربعة أنواع كما يلي:
1- ما اُختص به في الدنيا بذاته. 2- ما اُختص به هو وأمته في شرعه في الدنيا.
3- ما اُختص به في ذاته في الآخرة. 4- ما اختص به في أمته في الآخرة.
(4) الإشارة إلى أن الآية متأخرة عن آية الحجاب العامة، وهي قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب:59)، وأما الآية التي معنا، فهي تحمل حجابًا زائدًا في حقِّ أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حجاب الجدر والستر.

 

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وقفات مع آيات (20) (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
      
كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (الفتح: 1-3)(1).

قصة نزول الآيات:
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذٍ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله -عز وجل-: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه له، قال: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول.
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعيت إلى نفسي" فإنه مقبوض في تلك السنة، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نعي إليه" (انتهى).

وقفات حول الآيات:
(1) ملخص مشاهد المسيرة النبوية حتى الرحيل:
لا بد لكل من وقف على هذه الآيات أن يستحضر مشاهد الكفاح النبوي لإبلاغ دين الله إلى الخلق، ولا بد على كل مسلم أن يعرف عظيم الجميل، والمعروف لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: (*وَمَا *أَرْسَلْنَاكَ *إِلَّا *رَحْمَةً *لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107).
- مشهد بدء الوحي والتكليف: نزول (اقْرَأ) (العلق:1)، ونزول: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر:1-2).
- مشهد إشراق شمس الإسلام من على جبل الصفا: "قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب والعجم، أنذرتكم النار".
- مشاهد الصد والتكذيب والسخرية، والإيذاء والتعذيب والقتل: (التشويه والتشويش - تعذيب وقتل الأتباع).
- الحصار الجائر في الشِّعب، وموت النصيرين: أبي طالب وخديجة.
- مشاهد الهجرة، وترك الديار والأموال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) (الأنفال:30)، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) (العنكبوت:56)، (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) (الحشر: 8).
- مشاهد استقبال الأنصار للمهاجرين، ثم للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) (الحشر: 9).
- مشهد بناء المجتمع (الإسلامي) الجديد: (المسجد والشعائر - المؤاخاة - التشريعات والأحكام).
- مشاهد الحرب العالمية على الإسلام: (بدر، أُحُد، الأحزاب - تبوك - ... ).
- مشاهد الفتح والعودة إلى الأهل والوطن: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (الفتح: 27).
- مشاهد دخول الناس في دين الله أفواجًا (كان المسلمون في أول الإسلام عشرات، ويوم الحديبية كانوا (1400)، ويوم حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا (100000): وهنا قال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).

(2) مشاهد الاستعداد للقاء الله بعد إكمال الدين:
- الآية تحمل التوجيه بالاستعداد للقاء ربك، والرحيل عن الدنيا، وكيف يكون: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
- النبي العظيم -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم البشرية شكر النعمة، وحسن الاستعداد للقاء الله بالإكثار من العمل الصالح وكثرة الاستغفار: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه"، وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها": (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (رواه مسلم، وأحمد واللفظ له).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه حين أنزلت، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة" (رواه الطبراني والنسائي، وحسنه الألباني).
- التفسير العام الذي قاله الصحابة في مجلس عمر بسبب النزول، لا ينافي سبب النزول؛ فإنه يستحب للمسلمين إذا حصلت لهم نعمة، أو جاء نصر من الله، أن يشكروا على ذلك بالإكثار من الصلاة والاستغفار، بخلاف أهل الفسوق والغفلة (يحتفلون بالنصر بكل ما يبعدهم عن الله!)، ففي حديث أم هانئ عند البخاري: "أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يومَ فتحِ مَكَّةَ اغتسلَ في بيتِها وصلَّى ثمانيَ رَكعاتٍ"، قال ابن كثير: "وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن".
- وهكذا فعل أصحب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: ففي قصة إسلام هند بنت عتبة -رضي الله عنها- صبيحة فتح مكة، قالت: "فأتيت أبا سفيان، فقلت: إنما أريد أن أتبع محمدًا، فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس، قالت: إني واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياة الصحابة).

3- مشاهد التوديع والرحيل عن الدنيا:
- كانت الآيات ترمز إلى قرب أجل النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أنزلت هذه السورة: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت، ثم قام فخطب الناس، فذكر خطبته المشهورة" (أخرجه البزار والبيهقي).
- فصار النبي -صلى الله عليه وسلم- يودِّع الدنيا بعد نجاح دعوته وإكمال الدِّين وتمام النعمة: وقد ظهر ذلك جليًّا في حجة الوداع التي كانت قبل وفاته بنحو ثمانين يومًا، ففي خطبته الشهيرة قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا" (السيرة النبوية لابن هشام)، ولما انتهى من الخطبة نزل عليه قوله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3).
- وفي أيامه الأخيرة كثرت العلامات على قرب الرحيل: فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "إنَّ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ علَى المِنْبَرِ فقالَ: (إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَهُ)، فَبَكَى أبو بَكْرٍ، وقالَ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَعَجِبْنا له، وقالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إلى هذا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عن عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، وهو يقولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فَكانَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هو المُخَيَّرَ، وكانَ أبو بَكْرٍ هو أعْلَمَنا به" (متفق عليه).
- وقبل موته بأيام زادت الأحوال والأقوال الدالة على الرحيل القريب: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لما نزلت: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاطمة، وقال: "إنه قد نعيت إلى نفسي"، فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي"، فضحكت (أخرجه البيهقي ورواه النسائي بنحوه بدون ذكر فاطمة)، وكان يكرر في مرض موته: (مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاسِ) (متفق عليه)، وفي أخر لحظاته جعل يردد: (الصلاةَ الصلاةَ، اتقوا اللهَ فيما ملكت أيمانُكم) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، ثم قال: (اللهم أغفر لي، واحمني، والحقنى بالرفيق الأعلى)(2)(رواه الترمذي، وصححه الألباني).
- وهكذا خُتِمَت حياة أفضل إنسان دبت قدماه على الأرض، بعد حياة من الكفاح العظيم في سبيل نشر هذا الدين: قال المباركفوري في الرحيق المختوم: "إنه -صلى الله عليه وسلم- قيل له: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) (المزمل: 1-2)، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2)، فقام وظل قائمًا أكثر من عشرين عامًا يحمل على عاتقه عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض، عبء البشرية كلها وعبء العقيدة كلها، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى حتى نجحت الدعوة الإسلامية على نطاق واسع تتحير له العقول، فقد دانت لها الجزيرة العربية، وزالت غبرة الجاهلية عن أفاقها، وصحت العقول العليلة حتى تركت الأصنام، بل كسرت، أخذ الجو يرتج بأصوات التوحيد، وسمع الأذان للصلوات يشق أجواء الفضاء خلال الصحراء، التي أحياها الإيمان الجديد، وانطلق القراء شمالًا وجنوبًا يتلون آيات الكتاب، ويقيمون أحكام الله" (انتهى بتصرفٍ واختصارٍ)، فجزى الله النبي الكريم خير ما جزى به نبيًّا عن أمته.

خاتمة:
- لقد ضيَّع المسلمون في هذا الزمان أثر هذا النصر والفتح، الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وسيسألون يوم القيامة عن ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حجة الوداع: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ) فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: (اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ اللهُمَّ اشْهَدْ) (رواه مسلم)، وقال الإمام أحمد بسنده: "حَدَّثَنِي جَارٌ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَجَاءَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَلِّمُ عَلَىَّ، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ عَنِ افْتِرَاقِ النَّاسِ، وَمَا أَحْدَثُوا، فَجَعَلَ جَابِرٌ يَبْكِي، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا" (رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده ضعيف).
- لن يعود للأمة النصر والفتح والعز، إلا بالتمسك بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال قبل وفاته بأيام: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي *تَرَكْتُ *فِيكُمْ *مَا *إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ ... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
فاللهم رُدَّ الناس إلى دينك ردًّا جميلًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)التفسير العام للآيات: إذا جاء نصر الله لدينك -أيها الرسول- وإعزازه له، وحدث فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في الإسلام وفدًا بعد وفد؛ فاعلم أن ذلك علامة على قرب انتهاء المهمة التي بُعِثْتَ بها، فسبِّح بحمد ربك؛ شكرًا له على نعمة النصر والفتح، واطلب منه المغفرة، إنه كان توابًا يقبل توبة عباده، ويغفر لهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية).
وقال ابن كثير: "هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)".
(2) وكان ذلك يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ، وقد تمَّ له -صلى الله عليه وسلم- ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام (الرحيق المختوم).

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات مع آية التحكيم والتسليم!(21)

خالد ابو شادى
 

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
 

فالإيمان ليس كلمات تُقال، حتى تُتَرجَم إلى واقع عملي، واختار الله لاختبار الإيمان أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية، وهي ساعة الخصومة التي تولد اللدد والميل عن الحق.

وإليك ملخص ما ساقه ابن القيم في هذه الآية من تأكيدات على وجوب تسليم العبد لحكم الله ورسوله:

 

1. تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي، والمتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه، وهو تأكيد مثل تصدير الجملة المثبتة بإن.
2. أقسم الله بأجلِّ مقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم الإيمان، حتى يحكِّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع في جميع أبواب الدين.
3. أتى بكلمة التحكيم (يحكِّموك)، فكلام الله حكم ملزم، لا رأي نأخذ به أو لا نأخذ، ونعمل به أو لا.
4. لفظة «ما» دالة على العموم، وتقتضي وتوجب تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما تنازعوا فيه من الأمور الدقيقة والجليلة.
5. جاء بلفظ (حتى) المشعر بأنه لا وجود للإيمان إلا (بعد) حصول التحكيم.
ولم يُثبِت لهم الإيمان بمجرد التحكيم حتى يقابلوا حكم رسول الله بأمرين:
7. انشراح صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجاً - وهو الضيق - من حكمه، بل يقبلوه بانشراح صدر، فكم من حزازات في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص الشرعية، وبودِّهم أن لو لم ترِد أصلا؟
وأتى به نكرة (حرجا) في سياق النفي، أي لا يجدون أي نوع من أنواع الحرج البتة.
8. التسليم والرضا وعدم معارضته بعقل ولا رأي ولا هوى، وهذه درجة فوق انتفاء الحرج، إذ قد ينتفى الحرج عنه في تحكيمه، لكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضا بحكم الله ورسوله.
9. وأكَّد فعل التسليم بالمصدر المؤكد (تسليما).
ولاحظ أن فرض تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسقط بموته، بل هو ثابت بعد موته كما كان ثابتا في حياته.


والآية تعرض لثلاث مراتب للعبودية:
الأولى التحكيم.
والثانية والأعلى منها: سعة الصدر بانتفاء الحرج.
والثالثة والأعلى من الجميع: التسليم.
فالتحكيم: في مقام الإسلام.
وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان.
والتسليم: في مقام الإحسان.

وعملك بهذه الآية معناه أنك إذا وجدت من نفسك خللا يتعلق بهذه المراتب الثلاثة فصحح إيمانك، وعالج قلبك.

ومن أراد أن يعلم مقامه عند الله، فلينظر في حاله، وليطالع حال قلبه عند ورود حكم من أحكام الله على خلاف هواه، ليعلم أي المقامات بلغ: الإسلام أم الإيمان أم الإحسان.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×